جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام - ج5

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
373 /
1

-

2

[تتمة القسم الأول في العبادات]

[تتمة كتاب الطهارة]

[تتمة الركن الثاني]

[تتمة الغسل]

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

و إذ قد فرغ من الكلام في أكثر الأغسال الواجبة شرع في ذكر غيرها، فقال:

[الأغسال المسنونة]

و أما الأغسال المسنونة بالأصل و الذات و إلا فقد تجب بالعارض بنذر و نحوه، كما أن المراد بالواجبة في السابق كذلك و إلا فقد تكون مستحبة حينئذ من جهة الغاية و نحوها، فالمشهورة المعروف منها ثمانية و عشرون غسلا، و إلا ففي النفلية أنه يستحب الغسل لخمسين، بل في المصابيح «أن الأغسال المندوبة المذكورة هنا تقرب من مائة- و إن قال-: إن الثابت من هذه الأغسال بالنص أو غيره أكثر من ثمانين غسلا» انتهى. منها

[في الأغسال المندوبة الوقتية]

ستة عشر للوقت، و هي

[منها غسل يوم الجمعة]

غسل يوم الجمعة على المشهور بين الأصحاب شهرة كادت تكون إجماعا، بل هي كذلك لانقراض الخلاف فيه على تقديره، بل لم تعرف حكايته فيه بين من تقدم من أصحابنا كالمفيد، بل ظاهره عدمه في المقنعة، حيث قال: «و أما الأغسال المسنونة فغسل يوم الجمعة سنة للرجال و النساء، و غسل الإحرام سنة أيضا بلا اختلاف» و كابن حمزة حيث قسم الغسل إلى فرض و واجب، و مختلف فيه، و مندوب، و صدر المندوب بغسل الجمعة، و كابن إدريس حيث حكى الاختلاف في الأغسال الواجبة خمسة أو ستة بزيادة غسل الأموات، أو سبعة بزيادة قضاء الكسوف، أو ثمانية بزيادتهما مع غسل الإحرام، ثم قال: «فالأقوال في عدد الأغسال الواجبة أربعة»

3

و عن شرح الجمل لابن البراج غسل الجمعة من السنن المؤكدة عندنا، و نقل القول بالوجوب عن بعض العامة، و ظاهره الإجماع، و كذا التهذيب بل في صريح الغنية و موضعين من الخلاف الإجماع عليه، بل في أحدهما نسبة القول بالوجوب إلى أهل الظاهر داود و غيره.

نعم انما عرف ذلك من المصنف و العلامة و من تأخر عنهما، فنسبوا القول بالوجوب إلى الصدوقين، حيث قالا: «و غسل الجمعة سنة واجبة فلا تدعه» كما عن الرسالة و المقنع، و نحوه الفقيه و الهداية لكن مع ذكر رواية الرخصة (1) في تركه النساء في السفر لقلة الماء، بل و الكليني حيث عقد في الكافي بابا لوجوب ذلك مع احتمال إرادة السنة الأكيدة اللازمة كالأخبار (2) كما يومي اليه أنه وقع ما يقرب من ذلك ممن علم أن مذهبه الندب، مضافا إلى ما عرفته سابقا، إذ المتقدمون بعضهم أعرف بلسان بعض، و يزيده تأييدا بل يعينه ما حكي عن ظاهر الصدوق في الأمالي من القول بالاستحباب مع نسبته له إلى الإمامية، و لا ريب أن الكليني و والده من أجلاء الإمامية، مع أنهما عنده بمكانة عظيمة جدا سيما والده، بل و الكليني أيضا لأنه أستاذه، هذا على أن قولهما: «سنة واجبة» إن حمل فيه لفظ السنة على حقيقته في زمانهما و نحوه من الاستحباب كانت عبارتهما أظهر في نفي الوجوب.

و كيف كان فالمختار الأول، و عليه استقر المذهب للأصل و الإجماع المحكي بل المحصل، و السيرة المستمرة المستقيمة في سائر الأعصار و الأمصار، و كيف و لو وجب لاشتهر اشتهار الشمس في رابعة النهار لعموم البلوى به حينئذ، إذ هو أعظم من غسل الجنابة و الحيض و غيرهما، لملازمة إدراك الجمعة لكل أحد دونهما. و قول الصادق (عليه السلام) في صحيح زرارة (3) بعد أن سأله عن غسل يوم

____________

(1) الوسائل- الباب- 6- من أبواب- الأغسال المسنونة- الحديث 17.

(2) الوسائل- الباب- 6- من أبواب- الأغسال المسنونة.

(3) الوسائل- الباب- 6- من أبواب- الأغسال المسنونة- الحديث 10.

4

الجمعة: «سنة في السفر و الحضر إلا أن يخاف المسافر على نفسه الضرر»

و لفظ السنة إن لم تكن حقيقة فيما قابل الواجب كما هو الأقوى سيما في زمن الأئمة (عليهم السلام) و يرشد اليه ان عرف المتشرعة عنوان عرف الشارع، فلا أقل من الاشتراك بينه و بين الواجب بالسنة دون الكتاب، و يعين إرادة أحد المعنيين بما ذكرنا، مضافا إلى ظهور سؤال مثل زرارة في ذلك لا عن أصل مشروعيته، و لا عن كونه فرضا أو واجبا بالسنة مع عدم ظهور آية في كتاب الله يشتبه منها وجوبه حتى يكون من الأول، إذ زرارة أجل من ذلك، بل المتجه إرادة ما ذكرنا من لفظ السنة هنا، حتى لو قلنا بمجازيته فيه لما عرفته من القرينة، بل القرائن عليه، و كذا لو منع أصل النقل في لفظ السنة و أبقي على المعنى اللغوي و هو الطريقة كان المفهوم منه إرادة الندب أيضا، فتأمل. و قول أبي الحسن (عليه السلام) في صحيح ابن يقطين (1) بعد أن سأل عن الغسل في الجمعة و الأضحى و الفطر: «سنة و ليست بفريضة»

و التقريب في ما تقدم، مضافا إلى ضم العيدين معه، و هما سنة بمعنى الاستحباب إجماعا، و كذا

قول الصادق (عليه السلام) في خبر ابن أبي حمزة (2) بعد أن سأله عن غسل العيدين أ واجب هو؟

فقال: «هو سنة، قلت: فالجمعة، قال: هو سنة»

و في خبر الحسين بن خالد عن أبي الحسن الأول (عليه السلام) (3) «كيف صار غسل الجمعة واجبا؟ فقال: إن الله تعالى أتم صلاة الفريضة بصلاة النافلة و أتم صيام الفريضة بصيام النافلة، و أتم وضوء النافلة بغسل يوم الجمعة ما كان في ذلك من تقصير»

الخبر.

و عن

البرقي في المحاسن روايته كذلك أيضا إلا أنه قال: «وضوء الفريضة»

كما عن الفقيه و العلل «الوضوء» و على كل حال فالدلالة واضحة إلى غير ذلك من الأخبار (4)

____________

(1) الوسائل- الباب- 6- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 9.

(2) الوسائل- الباب- 6- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 12.

(3) الوسائل- الباب- 6- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 7.

(4) الوسائل- الباب- 6- من أبواب الأغسال المسنونة.

5

الكثيرة الدالة على المطلوب بأنواع الدلالات المروية في كتب المشايخ الثلاثة و غيرها من المقنعة و العلل و المحاسن و الخصال و جمال الأسبوع للسيد ابن طاوس و الفقه المنسوب إلى الرضا (عليه السلام) على ما حكي عنها. و في بعضها التصريح بأنه تطوع، ك

خبر أبي البختري (1) المروي عن جمال الأسبوع عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام) عن النبي (صلى الله عليه و آله) «يا علي على الناس في كل سبعة أيام الغسل، فاغتسل في كل جمعة و لو أنك تشتري الماء بقوت يومك و تطويه فإنه ليس شيء من التطوع أعظم منه»

و في آخر التصريح بعدم وجوبه على النساء في السفر و الحضر، كالمروي عن الباقر (عليه السلام) (2) عن الخصال، و يتم بالإجماع المركب، و في غيرهما نظمه مع المستحبات و درجه فيها إلى غير ذلك.

كل ذا مع أنه لو قلنا بوجوبه فهو إما لنفسه أو لغيره، فان كان الأول فهو مناف لحصر الواجبات في الأخبار (3) المتواترة كما قيل فيما عداه، و أما الثاني فمع أنه خلاف قول المخالف و أدلته كما في المصابيح ينافيه ضبط شرائط الصلاة و حصرها في كلام الأصحاب و الأخبار، ك

صحيحة زرارة (4) «لا تعاد الصلاة إلا من خمس»

إلى آخرها و غيرها في غيره، و ليس هو من الطهور قطعا لعدم رفع الحدث به عند الصدوقين أيضا كما حكي.

فظهر من هذا كله تعين الندب، و هو في مقابلة أخبار (5) دالة على الوجوب، و فيها الصحيح، و قد اشتملت على الأمر و لفظ الوجوب و النهي عن الترك، و تفسيق

____________

(1) المستدرك- الباب- 3- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 9.

(2) المستدرك- الباب- 3- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الجنابة.

(4) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الركوع- الحديث 5 من كتاب الصلاة.

(5) الوسائل- الباب 6 و 7 من أبواب الأغسال المسنونة.

6

التارك و أمره بالاستغفار و نهيه عن العود، مع اشتمالها على استثناء الخوف و الرخصة للعليل و نحوها مما يفيد ذلك و يؤكده، إلا أنها- مع عدم اعتبار سند بعضها و الجابر مفقود بل الموهن موجود- لا تصلح لمعارضة ما قدمناه لوجوه كثيرة لا تخفى، و كيف و الأخبار متى كانت صريحة صحيحة و أعرض الأصحاب عنها لا يسوغ العمل بها فضلا عما لو وجد لها معارض أقوى منها، فوجب حينئذ طرح ما لا يقبل التأويل منها لو كان، و تأويل غيره بإرادة الثبوت و المبالغة و التأكيد لاستحبابه سيما بعد إطلاق لفظ الوجوب و نحوه على المعلوم استحبابه من الأغسال، كغسل عرفة و الزيارة و دخول البيت و المباهلة و الاستسقاء، و في بعضها ان غسل دخول الحرم واجب، و يستحب أن لا يدخله إلا بغسل، و هو كالمفسر للوجوب فيه و في غيره إلى غير ذلك من القرائن فيها الدالة على إرادة الندب من الوجوب و نحوه.

و قد تجاوز بعض المتأخرين فأنكر كون لفظ الوجوب حقيقة فيما عندنا في السابق، و لا ريب في ضعفه سيما بالنسبة إلى زمن الأئمة (عليهم السلام)، فالأولى حينئذ ما ذكرنا فيه و كذا غيره من الأمر بالاستغفار و نحوه مما تقدم عند تركه من إرادة الحث و الترغيب و المبالغة حتى يداوم على مثل هذه السنة، و قد ورد أشد من ذلك من الحث على المندوبات بل لعل التتبع يشهد أن كل ما زيد فيه من المبالغة في فعله و تركه كان إلى الاستحباب أقرب منه إلى الوجوب.

نعم قد يظهر من هذه الأخبار و غيرها ان تركه مكروه، بل كراهة شديدة و إن لم ينص عليه أحد في كتب الفروع فيما أجد، للنهي عن الترك فيها و الأمر بالاستغفار عنده، و التفسيق بسببه أيضا، بل لعل أخبار الوجوب تكفي في إثبات الكراهة للترك، لكونه أقرب المجازات عند انتفاء الحقيقة، فالذي ينبغي حينئذ أن لا يترك لذلك لا لما ذكره بعض متأخري المتأخرين من قوة القول بالوجوب، لما

7

عرفت من ضعف الشبهة من هذه الجهة، و في خبر الأصبغ (1) «كان أمير المؤمنين (عليه السلام) إذا أراد أن يوبخ الرجل يقول: و الله لأنت أعجز من تارك الغسل يوم الجمعة، فإنه لا يزال في طهر إلى الجمعة الأخرى»

و عن العلل كذلك إلا أنه قال:

«في هم» بدل «طهر».

ثم ان ظاهر الأدلة أن الجمعة لها غسل في يومها خاصة، لكن نقل عن الحلبي في إشارة السبق إثبات آخر لليلتها، و لم نعرف له موافقا و لا مستندا سوى ما يحكى عن ابن الجنيد من إثباته لكل زمان شريف.

[في وقت غسل الجمعة]

و كيف كان ف وقته ما بين طلوع الفجر الثاني، فلا يجوز تقديمه عليه في غير ما استثني بلا خلاف أجده فيه، بل في الخلاف و التذكرة الإجماع عليه صريحا، و كذا غيرها صريحا و ظاهرا أيضا، و يؤيده مضافا إلى ذلك و إلى ما تسمعه عن قريب أن العبادة توقيفية، و المعلوم من التوظيف و التوقيف يوم الجمعة، فيجتزى بالغسل إذا وقع بعد الفجر الصادق بحيث يكون اليوم ظرفا له بلا خلاف أجده فيه كما اعترف به في طهارة الخلاف، بل لعل إجماعه فيها متناول له كاجماعه في باب الصلاة على ذلك، و في المصابيح «أما ان أول وقته من الفجر الثاني فهو موضع وفاق بين الأصحاب» قلت: و يدل عليه- مضافا إلى ذلك و إلى تحقق اليوم الذي أضيف إليه الغسل و أمر به فيه بطلوع الفجر لغة و عرفا و شرعا-

صحيحة زرارة و الفضيل (2) قالا: «قلنا له: أ يجزى إذا اغتسلت بعد طلوع الفجر للجمعة؟ قال: نعم» و حسنة زرارة (3) قال (عليه السلام): إذا اغتسلت بعد طلوع الفجر أجزأك غسلك ذلك للجنابة و الجمعة و عرفة»

إلى آخرها و خبر بكير عن الصادق (عليه السلام) (4) في أغسال شهر رمضان قلت: «فان نام بعد الغسل قال:

____________

(1) الوسائل- الباب- 7- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 31- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 2.

8

هو مثل غسل الجمعة، إذا اغتسلت بعد الفجر أجزأك»

إلى آخره.

نعم يمتد وقته من طلوع الفجر إلى الزوال كما هو المشهور بين الأصحاب، بل لا أعرف فيه خلافا و لا حكي سوى ما عن علي بن بابويه و كذا ولده من ظهور الاجتزاء بالغسل للرواح أي للصلاة و لو بعد الزوال، كالشيخ في الخلاف في باب الصلاة وقته ما بين طلوع الفجر الثاني إلى أن تصلى الجمعة، ثم نقل خلاف مالك انه إن راح عقيب الاغتسال اجتزى به و إلا فلا، و قال: دليلنا إجماع الفرقة، مع أنه قال في باب الطهارة أيضا: يجوز غسل الجمعة من عند طلوع الفجر إلى قبل الزوال، و كل ما قرب اليه كان أفضل، إلى أن قال بعد أن حكى خلاف الأوزاعي: دليلنا إجماع الفرقة، و هو مناف للأول إذا روعي المفهوم، و يمكن إرجاع الجميع إلى المشهور بإرادة الغالب من زمن الرواح، و هو قبل الزوال أو الزوال أو بعده بحيث يكون الغسل قبله و بأول وقت الصلاة من الصلاة، و بالزمان الذي لا يمكن فيه الغسل مما قبل الزوال، فيجتمع الجميع على إرادة التحديد بذلك.

و ربما يرشد اليه ما في المعتبر من إجماع الناس على التحديد بما قبل الزوال، مع أنه قبله بيسير ذكر التحديد بالصلاة عن الشيخ، فالظاهر أنه لم يفهم منه الخلاف، و ما في التذكرة «و وقته ما بين طلوع الفجر الثاني إلى الزوال، و كل ما قرب كان أفضل، قاله علماؤنا» و ما في الذكرى «و يمتد إلى الزوال إجماعا» و في المصابيح ان عليه الإجماع المعلوم بالنقل و الفتوى و العمل، نعم ذكر جماعة من متأخري المتأخرين احتمالا، و لم نعرف أحدا عض عليه بضرس قاطع منهم، و هو استمرار استحبابه إلى خروج اليوم عملا بإطلاق أكثر الأدلة، بل قيل انه قد يستفاد من نحو إطلاق المقنعة و الاقتصاد و الجمل و العقود و المراسم و الكافي و الوسيلة و الغنية و الإرشاد و النفلية مما اقتصر فيه على أصل الحكم،

9

و هو استحباب غسل الجمعة أو الغسل في يومها، مع أن الظاهر خلافه لما عرفته من الإجماعات من القدماء و المتأخرين على عدم استمرار ذلك طول النهار.

فتحصل حينئذ من جميع ما ذكرنا أن الاحتمالات في المقام أو الأقوال أربعة، المشهور هو التحديد بالزوال. أو بما قبل الزوال، أو بالصلاة، أو بالغروب، و الأقوى الأول لما عرفت، مع أنه إن لم نقل به تعين القول بأحد الثلاثة الأخر، و الكل باطل، أما الأول فيرده بعد الإجماعات السابقة الاستصحاب، مع أنه لا شاهد له، و قول الباقر (عليه السلام) في خبر زرارة الآتي (1): «و ليكن فراغك قبل الزوال»

انما هو حتى تعلم وقوع تمام الغسل في وقته و عدم تجاوزه عن حده، فان كان القائل بذلك يريد هذا المعنى فمرحبا بالوفاق و كان النزاع لفظيا، و الا فلا شاهد له فيه.

و احتمال أن يقال: ان مآل المشهور الى ما قبل الزوال أيضا لعدم تحقق المقارنة غالبا، مع ظهور الرواية بعدم الاجتزاء بها لو تحققت، لكن لشدة قرب بعض أفراد القبيلة إلى الزوال تسامح الأصحاب في التعبير عنه بالزوال تارة، و ما قبله أخرى، كمقعد إجماع المعتبر و غيره، بل لعل ذلك منهم يكون قرينة على خروج ما بعد «الى» عن الوقت الذي يجتزى به في عبارتهم الأولى ليس بأولى من العكس بأن يراد بما قبل الزوال الزوال، بل هو أولى من وجوه، و على كل حال فيتحد القولان حينئذ، و يرتفع الخلاف من هذه الجهة.

و أما الثاني أي التحديد بالصلاة فيرده- مضافا الى الإجماعات السابقة و خبري سماعة (2) و ابن بكير (3) الآتيين- أن الغسل مستحب حتى لمن لم يخاطب بصلاة الجمعة من العبيد و النساء و غيرهم بلا خلاف فيه، فلا تصلح لأن تكون غاية له لعدم

____________

(1) الوسائل- الباب- 47- من أبواب صلاة الجمعة- الحديث 3 من كتاب الصلاة.

(2) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 4.

10

اطرادها، و إرادة التحديد بالصلاة و لو من الغير يدفعه أيضا أنه غير منضبط، لاختلاف وقوع الصلاة من المصلين، و عادة الشارع تحديد مثل ذلك بالأمور المضبوطة، و ليس هنا إلا إرادة أول وقت الصلاة و هو الزوال، و ليس فيما دل من الأخبار على تعلق الغسل بالصلاة، و مدخليته به في الجملة و ارتباطه به كذلك، و بيان مشروعيته منافاة لتحديده بالزوال، لأن الغالب خصوصا في الصدر الأول إيقاع الصلاة سيما الجمعة في أول الوقت و هو الزوال.

و أما الثالث فيرده- بعد عدم المقتضي له إلا إطلاق الأمر بالغسل في يوم الجمعة الذي لا ينافي إرادة الأعم من القضاء و الأداء فيها إذا قام الدليل على ما قلناه- الإجماعات السابقة أيضا و خبر سماعة بن مهران عن الصادق (عليه السلام) (1) «في الرجل لا يغتسل يوم الجمعة أول النهار، قال: يقضيه آخر النهار، فان لم يجد فليقضه يوم السبت»

و المناقشة فيه بعدم كون القضاء حقيقة فيما عندنا في الزمن السابق مدفوعة بمنعه أولا خصوصا في زمن الصادق (عليه السلام)، و بظهور إرادته منه هنا من حيث اتحاده مع السبت في ذلك. هذا مع الإغضاء عن الانجبار بفتاوى الأصحاب كالمناقشة بخروجه عن المدعى، و هو الزوال بظهور كون المراد بأول النهار فيه الشطر الأول، سيما بعد الإجماع على عدم اختصاصه بصدر النهار، و أنه كل ما قرب من الزوال أفضل، و لو سلم فهو لا ينافي الاستدلال بآخره على المطلوب و ان ثبت ما عدا أول النهار الى الزوال بدليل آخر. و خبر عبد الله بن بكير عنه (عليه السلام) (2) قال: «سألته عن رجل فاته الغسل يوم الجمعة، قال: يغتسل ما بينه و بين الليل، فان فاته اغتسل يوم السبت»

بناء على أظهر الوجهين فيها بأن يراد بفوات الغسل يوم الجمعة فواته في الزمان المتعارف المعهود،

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 4.

11

و هو أول النهار بقرينة

قوله (ع): «يغتسل ما بينه و بين الليل»

و احتمال الحديث معنى آخر لا يمنع من الاستدلال بظاهره المتقدم، و لو سلم تساوي الاحتمالين فالمرجح لأحدهما من الإجماعات السابقة و غيرها موجود.

و يشهد لهما ما عن

الهداية عن الصادق (عليه السلام) (1) «لأن نسيت الغسل أو فاتك لعلة فاغتسل بعد العصر أو يوم السبت»

و المحكي عن

فقه الرضا (عليه السلام) (2) «و ان نسيت الغسل ثم ذكرت وقت العصر أو من الغد فاغتسل»

من حيث ظهور الفوات و النسيان في مضي الوقت، و ما دل (3) على أصل مشروعيته من أن الأنصار كانوا يعملون بالنواضح، فإذا جاؤوا يوم الجمعة تتأذى الناس بأرواح إباطهم و أجسادهم، فأمرهم رسول الله (صلى الله عليه و آله) بالغسل، فجرت السنة، و كذا الأخبار الدالة على إعادة الغسل و الصلاة ان كان في وقت إذا نسي الغسل يوم الجمعة حتى صلى، ك

خبر الساباطي (4) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل ينسى الغسل يوم الجمعة حتى صلى، قال: ان كان في وقت فعليه أن يغتسل فيعيد الصلاة، و ان مضى الوقت جازت صلاته».

و قد ينقدح من هذا و غيره ان لم يتحقق إجماع على خلافه ان غسل الجمعة له تعلق في الوقت و في الصلاة، و ان كان لو حصل الأول في وقته أغنى عن الثاني، و حصلت به الفضيلة بالنسبة للصلاة، و أما مع عدمه فيستمر الى فعل الصلاة و ان كان بعد الزوال، و لعله من ذلك و أشباهه ذكر الشيخ استمراره الى فعل الصلاة فتأمل جيدا، هذا.

____________

(1) الهداية ص 23 المطبوعة بطهران سنة 1377.

(2) المستدرك- الباب- 6- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 6- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 15.

(4) الوسائل- الباب- 8- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 1.

12

و في المروي عن

الحميري في قرب الإسناد في الصحيح عن الرضا (عليه السلام) (1) «انه كان أبي يغتسل للجمعة عند الرواح»

فالمراد بالرواح فيه على الظاهر معناه المعهود و هو المضي إلى الصلاة دون الرواح بمعنى العشي، أو ما بين الزوال إلى الليل، كما يشهد لذلك قوله (ع): «كان» الدال على الاستمرار، إذ من المعلوم ان الغسل في هذا الوقت ليس من الأمر الراجح حتى يداوم عليه، و لعل هذا الخبر هو مستند ما ذكره الصدوق في الفقيه، حيث قال بعد ان ذكر انه يجوز الغسل من وقت طلوع الفجر الى قرب الزوال: «و ان الأفضل ما قرب اليه، و يجزى الغسل للجمعة كما يكون للرواح» و كان قوله: «و يجزى» لبيان انه لا يشترط في حصول وظيفة الغسل ان يكون عند الرواح إلى صلاة الجمعة كما نقل عن بعض العامة، بل كما يكون للرواح إلى الصلاة يكون لسنة الوقت وظيفة اليوم و ان لم يتعقبه الرواح كذا قيل، قلت: و لعل حملها على ما ذكرناه سابقا من تعلق الغسل بالوقت و الصلاة، و انه يجزى الثاني عن الأول عند الصدوق و ان كان بعد الزوال أولى فتأمل. و كيف كان فمن الغريب ما اتفق لبعض الأعاظم من ضبط لفظ الرواح بالزاء المعجمة و الجيم و ذكر في توجيهه ما يقضي منه العجب، و لقد أطنب فيه في الحدائق، و الأمر سهل.

و قد ظهر لك من ذلك كله مستند كل من الاحتمالات أو الأقوال المتقدمة، و الذي يسهل الخطب في ذلك عدم إيجاب التعرض في النية للأداء و القضاء، و من هنا ذكر بعض متأخري المتأخرين أنه ينبغي الاقتصار على نية القربة في الغسل بعد الزوال، كما ظهر لك أيضا تمام حجة المختار، و قد يستند له أيضا زيادة على ذلك ب

صحيح زرارة عن الباقر (عليه السلام) (2) «لا تدع الغسل يوم الجمعة فإنه سنة، و شم الطيب، و لبس

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 47- من أبواب صلاة الجمعة- الحديث 3.

13

صالح ثيابك، و ليكن فراغك من الغسل قبل الزوال، فإذا زالت فقم و عليك السكينة و الوقار»

الحديث. بناء على أن المراد بما قبل فيه القبلية المطلقة المتناول لما بين الطلوع و الزوال، لكن قد يقال: إن ذلك خلاف الظاهر، لكون المنساق منها إرادة القريب من الزوال لا مطلق القبلية، و لا ريب في أن الأمر بهذا الفرد بعينه للاستحباب فلا يمنع من التأخير كما لا يمنع من التعجيل، اللهم إلا أن يقال ظاهره المنع منهما كما في سائر الأوامر التي تساق للشرائط، و قيام الدليل بالنسبة للثاني لا ينافي بقاء الاحتجاج به على الأول، فتأمل جيدا.

و كل ما قرب الغسل من الزوال في الجمعة كان أفضل كما نص عليه والد الصدوق في رسالته و الشيخان و أكثر الأصحاب، بل الظاهر دخوله في معقد إجماع الخلاف و التذكرة سيما الثاني، و لعل ذلك- مع وجود عين العبارة في فقه الرضا (عليه السلام) (1) و إن الغرض منه الطهارة و النظافة عند الزوال، فكل ما قرب منه كان أفضل و التسامح- كاف في إثباته، و إلا فلم نقف على ما يدل عليه، و قول الباقر (عليه السلام) في صحيح زرارة المتقدم آنفا «و ليكن فراغك قبل الزوال»

لا دلالة فيه على الكلية المذكورة، كالصحيح السابق

عن الرضا (ع) «كان أبي يغتسل عند الرواح»

نعم يستفاد من الأول بل و كذا الثاني أن أفضل أوقاته القريب إلى الزوال كما عبر بنحو ذلك في الفقيه و الذكرى و عن غيرهما. و هو و إن كان لازما للكلية السابقة أيضا لكن لا حكم فيه باستحباب القريب فالقريب، و احتمال إرجاع ما في الفقيه و الذكرى إلى الأصحاب بعيد لا داعي اليه، مع معارضته باحتمال العكس، و على كل حال فلا ريب في ثبوت الأفضلية للقريب من الزوال عند الجميع، لكن قد ينافي ذلك ما دل

____________

(1) المستدرك- الباب- 7- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 1.

14

من الأخبار الكثيرة (1) على استحباب التبكير للمسجد في يوم الجمعة، بناء على اعتبار تقديم الغسل في حصول وظيفة التبكير كما يفيده بعض الأخبار (2) بل كاد يكون صريح

المرسل عن النبي (صلى الله عليه و آله) (3) المنقول عن رسالة الشهيد الثاني في أعمال الجمعة «من اغتسل يوم الجمعة ثم بكر و ابتكر و مشى»

إلى آخره. و عن أبي الصلاح التصريح به، فلا جهة للجمع حينئذ بينهما بالتكبير و تأخير الغسل لقرب الزوال، مع عدم تيسره غالبا، و ما فيه من التخطي لرقاب الناس، و التفرقة بينهم، و من حكمة التبكير التجنب عنهما، كالجمع بالغسل للتكبير ثم تكريره قرب الزوال، لعدم الدليل على مشروعية ذلك.

نعم قد يجمع بينهما بتنزيل الأول على من لم يتيسر له التبكير كما هو الغالب، و الثاني على من تيسر له، مع ما فيه من أن ذلك تحكيم لأدلة التبكير على إطلاق المعظم استحباب التأخير من غير استثناء، و نمنع ندرة تيسر التبكير، نعم لا يفعل لا أنه لا يتيسر، و ليس ذلك أولى من العكس بأن يخص استحباب البكور بعد الغسل بما إذا لم يتمكن منه في آخر الوقت، و قد يقال: إنه لا تنافي بين استحباب نفس التبكير و تأخير الغسل بحيث يحتاج إلى الجمع، بل ذلك من باب تعارض المستحبات على المكلف فيتخير أو يرجح، و إلا فالغسل للتبكير باق على مرجوحيته بالنسبة إلى آخر الوقت، و إن رجح التبكير على غيره من أنواع المجيء، و لا غضاضة في مشروعية مثل ذلك بحسب اختلاف الأشخاص و الأوقات، و لعل كثيرا من المستحبات من هذا القبيل، فتأمل. و عن المفاتيح أنه خص استحباب تقديم الغسل بمريد البكور، و فيه مع بعض ما ذكرنا أن الإرادة لا تقتضي الترجيح، و الله أعلم.

____________

(1) الوسائل- الباب- 27- من أبواب صلاة الجماعة من كتاب الصلاة.

(2) المستدرك- الباب 21- من أبواب صلاة الجمعة- الحديث 8- 7 من كتاب الصلاة.

(3) المستدرك- الباب 21- من أبواب صلاة الجمعة- الحديث 8- 7 من كتاب الصلاة.

15

[في جواز تعجيل الغسل يوم الخميس]

و يجوز تعجيله يوم الخميس لمن خاف إعواز الماء على المشهور بين الأصحاب، بل لا أعرف فيه خلافا كما اعترف به في الحدائق، بل في كشف اللثام نسبته إلى الأصحاب، و في المصابيح إلى الصدوق و الشيخ و ابن البراج و ابن إدريس و ابن سعيد و الفاضلين و الشهيدين و عامة المتأخرين، قلت: و الأصل فيه ما رواه

المشايخ الثلاثة في الصحيح (1) عن الحسين أو الحسن بن موسى بن جعفر (عليهما السلام) عن أمه و أم أحمد بن موسى قالتا: «كنا مع أبي الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام) في البادية و نحن نريد بغداد فقال لنا يوم الخميس: اغتسلا اليوم لغد يوم الجمعة، فإن الماء بها غدا قليل، قالتا:

فاغتسلنا يوم الخميس ليوم الجمعة»

و ما رواه

الشيخ في الصحيح (2) عن محمد بن الحسين عن بعض أصحابه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال لأصحابه: «إنكم تأتون غدا منزلا ليس فيه ماء، فاغتسلوا اليوم لغد، فاغتسلنا ليوم الجمعة»

و ما في السند مندفع بالانجبار بما عرفت مع التسامح، و يؤيده مع ذلك ما في الفقه الرضوي (3) «و إن كنت مسافرا و تخوفت عدم الماء يوم الجمعة فاغتسل يوم الخميس».

ثم ان ظاهر المصنف و القواعد كالمحكي عن ظاهر جماعة من الأصحاب الاقتصار في هذا الحكم على خصوص الإعواز وقوفا على مورد النص، و ربما مال إليه جماعة من متأخري المتأخرين، و قد يقوى إرادة المثال فيهما، فيكتفى بمطلق الفوات كما يقتضيه تعليق الحكم عليه في كشف اللثام و عن النهاية و المبسوط و السرائر و التذكرة و الدروس و البيان و النفلية و المعالم و الروض و المسالك تنقيحا لمناط الحكم مع التسامح، بل في الأخير ما يشعر بالقطع بإرادة المثال، و انه انما خص المصنف لورود النص به في أصل المشروعية و اختاره في المصابيح، قال: «و يؤيده عدم الاختصاص بالسفر كما هو المشهور مع

____________

(1) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 1.

(3) المستدرك- الباب- 5- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 1.

16

بعد الإعواز في الحضر» انتهى.

و لعل الأقوى الاكتفاء كما أن الأقوى الاجتزاء بمجرد الخوف للإعواز على ما هو ظاهر المصنف و غيره، بل قيل إنه المشهور شهرة كادت تكون إجماعا، لظاهر الخبر الأول المنجبر دلالة بما عرفت مع التسامح. و المؤيد بصريح الرضوي، و بتعذر العلم به سابقا غالبا، و بنظائره من الأبدال الاضطرارية و الرخص، و لا ينافي ذلك ما في الخبر الثاني، كما أن ما في الخلاف «لم يجز التقديم إلا إذا كان آيسا» لا يريد به الحصر بالنسبة إلى ما نحن فيه، و إلا كان ضعيفا و إن أيده الأصل، كالمنتهى حيث علقه تارة على غلبة الظن و أخرى على خوف الإعواز، فتأمل جيدا. و لعل المنساق من نحو المتن فضلا عمن علق الحكم على الفوات الاجتزاء في مشروعية التقديم خوف التعذر في وقت الأداء خاصة، و هو ما قبل الزوال عندنا، فلا عبرة بالتمكن في بقية يوم الجمعة فضلا عن السبت، فله حينئذ التعجيل و لو علم التمكن فيهما كما عن البيان و روض الجنان التصريح به، و نسبه بعض المحققين إلى الأكثر، و لعله يرجع اليه ما عن الذكرى و الموجز من تقديم التعجيل على القضاء عند التعارض، و الظاهر أنه المنساق من الأخبار (1) و إن كان المذكور فيها يوم الجمعة الظاهر منه الجميع، لكن المراد منه هنا و الذي ينصرف اليه انما هو الوقت المعهود المتعارف وقوع الغسل فيه، و هو وقت الأداء منه، و مثل هذه العبارة تقال في المقام من غير استنكار، و لعله بهذا يرتفع استظهار الخلاف في المقام من الفقيه و النهاية و المهذب و المعتبر و لجامع و التلخيص و التحرير و المحرر و الدروس من حيث ذكر اليوم فيها كالاخبار و إن كان يؤيده الأصل و غيره، إلا أن الأقوى ما ذكرنا.

____________

(1) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الأغسال المسنونة.

17

و منه ينقدح حينئذ أفضلية التعجيل على القضاء لإطلاق الأمر به حينئذ الشامل لصورة التمكن من وقت القضاء كما ذكرناه. و عموم المسارعة، و احتمال العكس كما في صلاة الليل بالنسبة للشاب ضعيف لا دليل عليه، و القياس لا نقول به كالأمور الاعتبارية الخالية عن المدارك الشرعية و إن استحسنها العقل، كاحتمال تقديم بعض صور القضاء على التعجيل، كما لو كان بعد الزوال بلا فصل كثير للقرب من وقت الأداء، و إمكان تعقيب الصلاة له حينئذ، و وجود قول أو احتمال بأنه وقت الأداء، إلى غير ذلك، فتأمل جيدا.

و الاقتصار على الخميس في العبارة و غيرها يقتضي بعدم الجواز في غيره من الأيام و الليالي، بل و لا في ليلته، و هو كذلك لخروجه عن النصوص، بل في المصابيح الإجماع عليه، و أما ليلة الجمعة فعن ظاهر المعظم أنها كذلك، و لعله لتعليق الحكم على الخميس الذي لا تدخل ليلة الجمعة فيه حتى لو قلنا بدخول الليالي في أيامها، لكن قد يقال: إن المراد بذلك في عباراتهم التحديد لابتداء رخصة التقديم، كما يكشف عن ذلك ما عن الموجز حيث قال: «و يعجل من أول الخميس لخائف العوز في الجمعة» و ما عن الخلاف و التذكرة من الإجماع على لحوقها بالخميس، و يؤيده مع ذلك ما قيل من الأولوية للقرب من الجمعة، و الاستصحاب الذي لا يعارضه ما دل على عدم الاجتزاء بالغسل المقدم على طلوع الفجر، لحمله على المختار دون المضطر تقديما للخاص على العام، كما يقدم استصحاب النجاسة أو الحرمة على عمومات الطهارة و الحل.

قلت: و في الجميع نظر، إذا الاحتمال في عباراتهم لا يدفع الظهور، كما أن ظاهر معقدي إجماع الخلاف و التذكرة على غير ذلك، لا أقل من تساوي الاحتمالين، فلاحظ.

و الأولوية ممنوعة، إذ لعل للتماثل أو غيره مدخلية، و الاستصحاب يشكل التمسك به في مثل المقام مما علق الحكم به على زمان مخصوص، بل ينبغي القطع بالعدم بناء على ثبوت

18

المفهوم فيه، نعم قد يستدل عليه بالتعليل المصرح به في أحدهما و المفهوم في الآخر، و هو الإعواز، و عدم جريانه في السابق على الخميس للدليل لا يمنع من التمسك به في اللاحق، سيما مع ظهور الفرق بينهما، فلعل الأقوى حينئذ الإلحاق وفاقا لجماعة.

كما أن الأقوى أيضا أنه إذا تمكن من الماء قبل الزوال أعاد الغسل وفاقا للمنتهى و القواعد و الذكرى و المدارك و كشف اللثام و عن الفقيه و التذكرة و التحرير و نهاية الأحكام و المعالم و الموجز و الذخيرة و البحار و شرح الدروس، لسقوط حكم البدل بالتمكن من المبدل منه، و إطلاق الأدلة الدالة على استحباب غسل الجمعة.

و قد يناقش في الأول بأن البدل وقع صحيحا لوجود شرطه خوف الإعواز، فلا يبطل بالتمكن من الأصل، إذ الأمر و لو ندبا يقتضي الإجزاء بالنسبة اليه، و التكليف بالغسل ثانيا مع صحة البدل جمع بين البدل و المبدل، و مناف لاقتضائه الاجزاء، و في الثاني بأن أوامر غسل الجمعة لا تقتضي إلا غسلا واحدا و قد حصل بالمتقدم، فإنه غسل جمعة قدم يوم الخميس، بل ربما ظهر من بعضهم أنه وقت للاضطراري منه، فيكون أداء، و ربما يشهد له حصر القسمة عندهم في القضاء و الأداء، على أنه لو أعيد مثل هذا الغسل لأعيدت نظائره من صلاة الليل المقدمة، و الوقوف بالمشعر مع القدرة، و لم ينقل عنهم القول به، بل قيل و قد روي تقديم الأغسال الليلية في شهر رمضان على الغروب، و لا مجال للقول بالإعادة في مثله.

و قد يدفع الأول بأن الذي يقتضيه التدبر في الخبرين الدالين على جواز التقديم في مثل المقام و ما اشتملا عليه من التعليل و ما دل على غسل الجمعة و غير ذلك هو اشتراط صحة الغسل المقدم بمطابقة خوف الإعواز أو القطع به للواقع، و إلا فلا، لظهور أن ذلك من الأعذار و الطرق لحصول الواقع، لا أنها مناط تكليف، و لذلك لم يعلق في الخبرين الحكم على الخوف و نحوه، و لا ينافي هذا ما تقدم لنا من الاكتفاء بالخوف،

19

لأن المراد الاكتفاء في جواز إيقاعه ابتداء و إن اشترط صحته بشيء آخر، و من التأمل فيما ذكرنا يعرف الجواب عن الثاني كما هو واضح جدا، هذا كله مع التمكن في وقت الأداء و أما القضاء فلا يعاد في السبت قطعا، و كذا في غيره بناء على المختار سابقا، بل و على أحد الوجهين في غيره، لأن كلا منهما بدل عن الأداء، فلا جهة للإعادة، فتأمل جيدا.

[في قضاء غسل الجمعة يوم السبت]

و كذا يجوز قضاؤه يوم الجمعة بعد الزوال و يوم السبت أيضا بلا خلاف أجده فيه في أصل القضاء، بل حكى الإجماع مكررا في المصابيح نصا عليه و ظاهرا في غيره، و مع ذلك فالأخبار (1) به مستفيضة، فما في موثق ذريح عن الصادق (عليه السلام) (2) «في الرجل هل يقضي غسل الجمعة؟ قال: لا»

مطرح أو محمول على إرادة ما بعد السبت خصوصا إذا أشير بالرجل إلى معهود أو نفي الوجوب أو نفي ثبوت القضاء من غير تحديد، أو على التقية، فإن إثبات القضاء لهذا الغسل مما اختص به أصحابنا الإمامية كما في المصابيح، و لا أجد فيه خلافا أيضا بالنسبة للوقتين المذكورين. و إن كان ربما استظهر من عبارة المتن كالتلخيص و النفلية الاختصاص بالثاني، بل قيل انه كاد يكون صريح المهذب، و كأنه لبعض ما سمعته من الأخبار (3) المقتصرة على ذلك، إلا أن الأجود حملها على من فاته الغسل يوم الجمعة قضاء و أداء جمعا بينها و بين غيرها، بل و كذا أكثر هذه العبارات سيما مع النص منهم على ثبوت القضاء في الوقتين كما عن المصنف في المعتبر و الشهيد في غير النفلية و العلامة في غير التلخيص، أو يراد بذلك في كلامهم تحديد الآخر، و على كل حال يرتفع الخلاف، و كذا ظاهر الصدوقين الاختصاص بالنسبة إلى يوم الجمعة بما بعد العصر، و لعله

للمرسل في الهداية عن الصادق (عليه السلام) (4) «إن نسيت الغسل أو فاتك لعلة فاغتسل بعد

____________

(1) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الأغسال المسنونة.

(2) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 5.

(3) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الأغسال المسنونة.

(4) الهداية ص 23 المطبوعة بطهران سنة 1377.

20

العصر أو يوم السبت»

و ما في فقه الرضا (عليه السلام) (1) «و إن نسيت الغسل ثم ذكرت وقت العصر أو من الغد فاغتسل»

و كذا

خبر سماعة (2) «في الرجل لا يغتسل يوم الجمعة أول النهار، قال: يقتضيه في آخر النهار، فان لم يجد فليقضه يوم السبت».

لكن الظاهر كما يرشد اليه عدم معروفية نسبة الخلاف إليهما في ذلك عدم إرادة التخصيص و التقييد في عبارتيهما، بل و مستندهما حتى يحكم به على إطلاق

موثقة ابن بكير (3) «في رجل فاته الغسل يوم الجمعة قال: يغتسل ما بينه و بين الليل، فان فاته اغتسل يوم السبت»

بل و إطلاق غيره مما دل (4) على طلب الغسل في يوم الجمعة بناء على إرادة القضاء و الأداء منه، إذ لا داعي إلى ارتكاب إرادة الثاني مع التأييد بأولوية القضاء في سابق العصر عليه، و كون الحكم استحبابيا مع الموافقة لإطلاق الفتوى، فلا جهة للإشكال في ذلك من ذلك، نعم قد يحصل في جواز القضاء في غيرهما من ليلة السبت خاصة، و إلا فغيرها من الليالي و الأيام فلم أعرف أحدا نص على شيء منها، بل ظاهر الجميع كالأدلة العدم، إلا ما في الفقه الرضوي (5) «فإن فاتك الغسل يوم الجمعة قضيت يوم السبت أو بعده من أيام الجمعة»

و في البحار اني لم أر به قائلا و لا رواية.

قلت: فالأولى عدم العمل لظهور الاعراض عنه، و أما ليلة السبت فظاهر بعضهم أنها كيومه في الاستحباب، بل في البحار نسبته إلى ظاهر الأكثر، و في المجمع إلى الأصحاب كما عن الشيخ و بني إدريس و سعيد و البراج و العلامة في بعض كتبه

____________

(1) المستدرك- الباب- 6- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 4.

(4) الوسائل- الباب- 6- من أبواب الأغسال المسنونة.

(5) المستدرك- الباب- 6- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 1.

21

كالشهيد، و اختاره في المصابيح، و قال: إن القولين تكافئا في الاشتهار، خلافا لظاهر المصنف و غيره ممن اقتصر على ذكر يوم السبت، أو هو مع نهار الجمعة للأصل و ظاهر الأخبار المتقدمة و غيرها ك

قول الباقر (عليه السلام) في مرسل حريز (1) «لا بد من غسل يوم الجمعة في السفر و الحضر، فمن نسي فليعد من الغد» و الصادق (عليه السلام) في خبر جعفر بن أحمد القمي (2) المنقول عن كتاب العروس «من فاته غسل يوم الجمعة فليقضه يوم السبت»

و احتمال إرادة السبت فيها لما يشمل الليل كما ترى، كالأولوية المدعاة هنا مع عدم ظهورها، لاحتمال اعتبار التماثل، و الاستصحاب لثبوت القضاء قبل الليل مقطوع بظاهر الأخبار، مع أن المثبت له و هو النص ناف لما بعده، إلا أن يتمسك في ثبوته بالإجماع، و هو ممنوع، لأن من الأصحاب من خص الحكم بيوم السبت، كل ذا مع إطلاق خبر ذريح المتقدم، و خروج نهاري السبت و الجمعة منه غير قادح.

قلت: و لعل الأقوى في النظر الأول، لما عرفته من النسبة إلى الأصحاب المؤيدة بما عن ظاهر الأكثر، و الأولوية المذكورة و المناقشة فيها تتجه لو أريد منها القطع، أو كونها مدركا شرعيا لغير المستحب فيه، فيكفي فيه الأدنى من ذلك، و باستصحاب ثبوت القضاء في وجه، و دعوى انقطاعه بظاهر الأدلة مبني على اعتبار المفهوم منها، و هو ممنوع سيما في المقام، لاحتمال جريان التقييد بالسبت مجرى الغالب من عدم الاغتسال بالليل، أو يراد منه التحديد لآخر وقت الصحة، كما لعله المنساق من نحو الأدلة، لا لأن يوم السبت حقيقة فيما يشملها، بل قد يقال: إن قوله (ع): «بعد العصر» شامل له حقيقة، فتأمل. و كذا المناقشة بأصل ثبوته أي الاستصحاب من

____________

(1) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 1.

(2) المستدرك- الباب- 6- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 2.

22

ذلك، و من عدم الإجماع لوجود القائل بالسبت خاصة، مع أنك عرفت عدم القطع بوجود القائل بذلك لو سلم قدحه بالإجماع على تقديره.

و من الغريب ما وقع لبعض المحققين حيث أنه تمسك بالاستصحاب في تعجيل الغسل في ليلة الجمعة لثبوته في يوم الخميس، و منع هنا من القضاء ليلة السبت لمنعه ثبوت الاستصحاب أولا و انقطاعه ثانيا، فتأمل. كل ذا مع إمكان الاستدلال عليه بموثقة ابن بكير المتقدمة بناء على أن المراد بيوم الجمعة فيها تمامه، كما هو ظاهره، فيراد حينئذ ما بينه و بين آخر الليلة، فيدل على القضاء ليلة السبت، و جعل ظاهر قوله (ع): «ما بينه و بين الليل» من إرادة تمام الليل قرينة على إرادة الوقت المعهود من اليوم ليس بأولى من العكس، مع أنا لو سلمنا رجحان ذلك منها كما ذكرناه سابقا لكن قد يقال إن مجرد احتمال ذلك كاف في ثبوت المستحب بناء على التسامح فيه للاحتياط العقلي، سيما بعد الاعتضاد بما عرفت.

ثم ان ظاهر المصنف و غيره كصريح آخر ثبوت القضاء بالفوات لعذر كان أولا، بل في الكفاية كما عن الذخيرة أنه المشهور، و في البحار و كشف اللثام أنه ظاهر الأكثر، قلت: و هو الأقوى لإطلاق موثقة ابن بكير (1) و خبر سماعة (2) المؤيدين بغيرهما من الإطلاق أيضا، و بما عرفته من الشهرة و التسامح في المستحب، فما في مرسل الهداية و حريز من اشتراط النسيان مع الفوات لعلة في الأول قاصر عن أن يحكم به على الأول من وجوه لو قلنا بحمل المطلق على المقيد في المستحبات، و انها ظاهرة في التقييد، مع إمكان منعهما معا سيما الثاني، لاحتمال كون الغرض التنصيص على الفرد الخفي من القضاء مع العذر من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى، و إلا فمتى ظهر أنه مما

____________

(1) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 3.

23

تدارك مصلحته لم يتفاوت الحال فيه، و احتمال المبالغة في تأكيد غسل الجمعة حتى كان الترك عمدا من غير عذر مما لا يقع، و لعل اللابدية في خبر حريز مما تشعر بذلك، كما أنه لعل الصدوقين لم يكونا مخالفين في المقام و إن عبرا بمرسل الهداية، فتخرج حينئذ المسألة عن أن تكون خلافية إلا من المنقول عن موجز أبي العباس، حيث قال: «و يقضي لو ترك ضرورة إلى آخر السبت» و لا ريب في ضعفه حينئذ، كما أنه لا ريب في ضعف القول بالفرق بين وقتي القضاء من نهار الجمعة و السبت، فيقضي في الأول التارك و لو عمدا بخلاف الثاني، كما قد يشعر بذلك ما في التحرير من أنه لو ترك تهاونا ففي استحباب قضائه يوم السبت إشكال، و كذا الفرق بينهما باشتراط صحة القضاء في الثاني بتعذر الأول كما هو ظاهر خبر سماعة، و عن النهاية الفتوى بمضمونه، لقصوره عن معارضة غيره من الأدلة المنجبرة بفتاوى الأصحاب. مع عدم ظهور إرادة التقييد فيه، نعم قد يقال باستحباب القضاء في الوقت الأول للمسارعة و القرب إلى الأداء، بل احتمال كونه أداء على ما سمعته سابقا و خبر سماعة، كما أنه يحتمل الحكم باستحباب القضاء قرب الزوال من يوم السبت لبعض ذلك و للمماثلة، بل عن بعضهم الحكم بأنه كل ما قرب إلى الزوال كان أفضل على حسب الأداء، فتأمل جيدا.

ثم انه لا ريب في عدم إرادة الإباحة من الجواز في المتن هنا و في سابقه، لعدم تصوره في العبادة، بل المراد الاستحباب قطعا في الأول، و كذا في الثاني بناء على استحباب غسل الجمعة، لعدم معقولية زيادة الفرع على الأصل، و أما على القول بوجوبه فيحتمله و الوجوب كما لعله الظاهر من الأمر به في عبارة الصدوقين، و عن الكافي ما يشعر به أيضا، فتأمل، و الأمر سهل.

[في كيفية غسل الجمعة]

و كيفية غسل الجمعة على حسب كيفية غسل الجنابة و نحوها، و يجزى فيه كغيره من الأغسال المندوبة الارتماس كما تقدم سابقا ذكره، و الاستدلال عليه، و يستحب

24

الدعاء عند غسل الجمعة بما عن

الصادق (عليه السلام) (1) «اللهم طهر قلبي من كل آفة تمحق به ديني و تبطل به عملي، اللهم اجعلني من التوابين و اجعلني من المتطهرين»

و الله أعلم.

[منها ستة أغسال في شهر رمضان]

و من جملة الستة عشر التي يستحب الغسل فيها للوقت ستة في شهر رمضان

[أولها أول ليلة منه]

أولها أول ليلة منه عند الأصحاب كما في المعتبر و الروض، بل في الأخير و الغنية صريح الإجماع عليه، و هو الحجة مع ما في خبر سماعة عن الصادق (عليه السلام) (2) «و غسل أول ليلة من شهر رمضان مستحب»

و الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) (3) كما عن العيون، و في الإقبال «روى ابن أبي قرة (4) في كتاب عمل شهر رمضان بإسناده إلى الصادق (عليه السلام) «يستحب الغسل في أول ليلة من شهر رمضان و ليلة النصف منه»

- ثم قال-: إني رأيت في كتاب اعتقد أنه تأليف

أبي محمد جعفر بن أحمد القمي عن الصادق (عليه السلام) (5) «من اغتسل في أول ليلة من شهر رمضان في نهر جار و يصب على رأسه ثلاثين كفا من الماء طهر إلى شهر رمضان من قابل»

- ثم قال أيضا- و من الكتاب المشار اليه

عن الصادق (عليه السلام) أيضا (6) (من أحب أن لا تكون به الحكمة فليغتسل أول ليلة من شهر رمضان، فلا تكون به الحكة إلى شهر رمضان من قابل)»

انتهى.

قلت: بل و يومها أيضا و إن لم يذكره المصنف لما رواه السيد أيضا في الإقبال بإسناده (7) عن السكوني عن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليهم السلام) قال: «من اغتسل أول يوم من السنة في ماء جار و صب على رأسه

____________

(1) الوسائل- الباب- 37- من أبواب الجنابة- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 6.

(4) الوسائل- الباب- 14- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 1.

(5) الوسائل- الباب- 14- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 4.

(6) الوسائل- الباب- 14- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 5.

(7) الوسائل- الباب- 14- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 7.

25

ثلاثين غرفة كان دواء السنة، و إن أول كل سنة أول يوم من شهر رمضان»

و في البحار حكاية الرواية عن الإقبال إلى قوله: «دواء السنة» و احتمل لذلك في أول السنة المحرم و شهر رمضان، و لعل الأظهر ما قلناه. مضافا إلى الروايات المتعددة (1) الدالة على أنه أول السنة شهر رمضان، و قد روى جملة منها في الإقبال، ثم قال: «و اعلم أني وجدت الروايات في أن أول السنة محرم أو شهر رمضان، لكني رأيت عمل من أدركته من علماء أصحابنا المعتبرين و كثيرا من تصانيف علمائهم الماضين أن أول السنة شهر رمضان على التعيين» انتهى. و في مصباح الشيخ أن المشهور من روايات أصحابنا إن شهر رمضان أول السنة، و لذلك رتب كتابه عليه، و هناك قرائن أخر أيضا تقضي بكونه أول السنة، و لعل في ذلك كفاية لما نحن فيه، و إلا فللبحث في تحقيقه مقام آخر، و لعلها تختلف السنون باختلاف الاعتبارات، فتأمل جيدا.

بل و كذا يستحب في سائر ليالي فرادى شهر رمضان وفاقا لجماعة من أساطين أصحابنا منهم الشيخ، قال على ما نقل عنه: «و إن اغتسل ليالي الأفراد كلها و خاصة ليلة النصف كان له فضل كثير» انتهى. لما رواه السيد في الإقبال (2) في سياق أعمال الليلة الثالثة من الشهر، و فيها يستحب الغسل على مقتضى الرواية التي تضمنت أن كل ليلة مفردة من جميع الشهر يستحب فيها الغسل، و ذلك كاف في إثباته.

كما أنه ينبغي الحكم باستحباب الغسل في العشر الأواخر كلها شفعها و وترها، ل

قول الصادق (عليه السلام) في مرسل ابن أبي عمير (3) المروي في الإقبال من كتاب علي بن عبد الواحد النهدي: «كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) يغتسل في شهر

____________

(1) الإقبال ص 4.

(2) الإقبال ص 120.

(3) الوسائل- الباب- 14- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 10.

26

رمضان في العشر الأواخر في كل ليلة» و أمير المؤمنين (عليه السلام) فيما رواه فيه أيضا نقلا عن أحمد بن عياش (1) قال: «لما كان أول ليلة من شهر رمضان قام رسول الله (صلى الله عليه و آله) فحمد الله و أثنى عليه- إلى أن قال-: حتى إذا كان أول ليلة من العشر قام فحمد الله و أثنى عليه، و قال مثل ذلك ثم قام و شمر و شد المئزر و برز من بيته و اعتكف و أحيى الليل كله، و كان يغتسل كل ليلة منه بين العشائين»

إلى آخره.

قلت: و قد يحتمل فيه إرادة كل ليلة من شهر رمضان، بل قد يدعى ظهوره فيه كما لا يخفى على من لاحظ و تأمل، فيثبت حينئذ استحباب الغسل في جميعه. و ربما يشهد له ما عن

المجلسي في زاد المعاد أنه «قد ورد (2) في بعض الأخبار استحباب الغسل في كل ليلة من شهر رمضان»

انتهى. إلا أنه لم أعثر على ناص عليه إلا ما عن المحدث في الوسائل، حيث قال على ما نقل بعد ذكره الرواية السابقة: إن الظاهر عود الضمير إلى الشهر، فإنه أقرب الوجوه، و على التقديرين فاستحباب الاغتسال في جميع العشر ثابت، مضافا إلى ما ورد في استحبابه في ليلة القدر منه كما ستعرف، و الأربعة و العشرين كالأمر من الصادق (عليه السلام) بالاغتسال كما في الإقبال (3) نقلا من كتاب الحسين بن سعيد و نحوه عن الخصال، (4) و كذا الخمس و العشرين و السبع و العشرين و التسع و العشرين (5) مضافا إلى أنها من الفرادى، و عن

فلاح السائل نقلا عن كتاب ابن أبي قرة في كتاب عمل شهر رمضان «و غسل ليلة أربع و عشرين منه»

و روى في ذلك روايات،

____________

(1) الإقبال ص 21.

(2) الوسائل- الباب- 14- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 6.

(3) الإقبال ص 215.

(4) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 5.

(5) الوسائل- الباب- 14- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 12 و 13.

27

و لعل المستحب يكفي فيه أدنى من ذلك، فتأمل.

[ثانيها غسل ليلة النصف]

و ثانيها غسل ليلة النصف منه بلا خلاف أجده و إن كان ربما توقف فيه بعض متأخري المتأخرين من حيث عدم ظهور المستند، لكنه ليس في محله للاكتفاء في مثله بنص هؤلاء الأساطين، مع ما في الغنية من الإجماع عليه، و في الوسيلة من عدم الخلاف، و ما سمعته سابقا مما ورد في الفرادى، بل في خصوص النصف منه، كما في أول خبر نقلناه عن الإقبال، و المرسل (1) في المقنعة عن الصادق (عليه السلام) «أنه يستحب الغسل في ليلة النصف من شهر رمضان»

إلى غير ذلك، فلا ينبغي التوقف فيه، و كان المصنف في المعتبر لم يعثر على شيء مما ذكرنا حيث استدل على ذلك بعد أن نسبه إلى الثلاثة بأنه لعله لشرف تلك الليلة، فاقترانها بالطهر حسن، قلت: و ينقدح منه هنا كتعليله غسل التوبة و غسل رجب و غيرهما، بل صرح به في بعض كلماته كون الغسل مستحبا في نفسه و إن لم يحصل شيء من موجباته، و مثله عن العلامة في المنتهى في غسل التوبة، و كأنه ل

قولهم: «الطهر على الطهر عشر حسنات» (2) و «أي وضوء أطهر من الغسل» (3)

و ما ورد في بعض الروايات (4) من الأمر بالغسل بماء الفرات من غير تعين علة أو غاية، و في الكل نظر، بل ربما يظهر من الأصحاب حيث حصروا محاله عدمه، كما هو قضية الأصل و قصور تلك الأدلة عن إفادته و لو مع التسامح إلا مع الاحتياط العقلي الذي ذكرناه غير مرة، و ذلك لظهور الطهر في غير ما نحن فيه من الأغسال المندوبة.

____________

(1) الوسائل- الباب- 14- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 9.

(2) الوسائل- الباب- 8- من أبواب الوضوء- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 33- من أبواب الجنابة- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 59- من كتاب المزار.

28

و منه تعرف فساد الاستدلال على مشروعية التحديد في الأغسال المندوبة، إذ الأقوى عدمها، وفاقا للمنقول عن نص العلامة و الشهيد، و نسبه بعض المحققين الى ظاهر الأصحاب، بل إلى المعلوم من طريقة المسلمين، للأصل و عدم وضوح دليل عليه، فما عساه يظهر من المحكي عن المنتهى في غسل المستحاضة من مشروعية ذلك ضعيف لو سلم ظهوره، و إن نقل عن بعض المتأخرين الميل اليه، نعم قد يقال باستحباب الغسل لكل زمان شريف و مكان شريف كما عن ابن الجنيد، و ربما يشهد له فحاوي كثير من الأخبار كتعليل غسل العيدين عن الرضا (عليه السلام) (1) و يوم الجمعة (2) و أغسال ليالي القدر (3) و نحوه، بل تتبع محال الأغسال يقضي به، و المستحب يكفي فيه أدنى من ذلك.

[ثالثها غسل ليلة سبع عشرة منه]

و ثالثها غسل ليلة سبع عشرة منه لصحيح ابن مسلم (4) عن أحدهما (عليهما السلام) ا لمشتمل على سبعة عشر غسلا، و حسنه عن الباقر (عليه السلام) (5) المروي عن الخصال، كخبر الأعمش (6) عن الصادق (عليه السلام) عنه أيضا، و الفضل ابن شاذان عن الرضا (عليه السلام) (7) المروي عن العيون، و مرسل الفقيه (8) و الإقبال (9) كل ذا مع ما في الغنية و الروض من الإجماع عليه، و الوسيلة من عدم الخلاف فيه، و المعتبر من نسبته إلى الأصحاب، و ما تقدم في الفرادى.

[رابعها و خامسها و سادسها غسل ليلة تسع عشر و إحدى و عشرين و ثلاث و عشرين]

و رابعها و خامسها و سادسها غسل ليلة تسع عشر و إحدى و عشرين

____________

(1) الوسائل- الباب- 6- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 18.

(2) الوسائل- الباب- 6- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 18.

(3) المستدرك- الباب- 2- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 11.

(5) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 5.

(6) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 8.

(7) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 6.

(8) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 4.

(9) الإقبال ص 158.

29

و ثلاث و عشرين للإجماع المحكي إن لم يكن محصلا في الغنية و الروض و المصابيح و المعتبرة المستفيضة (1) بل في بعضها (2) النهي عن تركه في الأخيرين المحمول على الكراهة، أو تأكد الاستحباب، و منه يستفاد أنهما أشد استحبابا من ليلة تسع عشرة كما يرشد إليه أيضا أنهما من العشر الأواخر، و لعل الغسل في الثالثة و العشرين آكد منه في الحادية و العشرين، لأنهما و إن اشتركا في كونهما فرادى و من العشر الأواخر إلا أن الثالثة و العشرين، أرجى لليلة القدر من غيرها، و لعله يومي إلى ذلك خبر الجهني (3) و غيره، كما أنه يومي اليه استحباب تكرير الغسل فيها أول الليل و آخره ل

مضمر بريد (4) قال: «رأيته اغتسل في ليلة ثلاث و عشرين مرتين، مرة من أول الليل و مرة من آخر الليل»

و إضماره مع ظهور أنه الإمام (عليه السلام) كما عن الذكرى غير قادح، سيما مع رواية السيد ابن طاوس في الإقبال عن بريد أيضا مستندا له إلى الصادق (عليه السلام)، و الظاهر أن له الاقتصار على أحدهما عملا بإطلاق غيره من الأدلة، كما أنه له الغسل في الأثناء لذلك.

نعم قد يمنع الغسل في الأثناء مع الغسل أول الليل اقتصارا في مشروعية التعدد على الآخر، كما أنه قد يمنع الغسل في الآخر لو اغتسل في الأثناء اقتصارا في مشروعيته على كون الغسل السابق أول الليل، سيما و دليل الحكم حكاية فعل لا عموم فيها، فتأمل.

هذا كله لو أراد المحافظة على وظيفة الغسل مرتين، أما لو أراد ذلك مرة واحدة كان

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأغسال المسنونة.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 32- من أبواب أحكام شهر رمضان- الحديث 11 من كتاب الصوم.

(4) الوسائل- الباب- 5- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 1.

30

مخيرا في أي جزء كما في كل غسل أضيف إلى ليل أو يوم من غير فرق بين غسل ليالي القدر و غيره، و يدل عليه مضافا إلى ذلك ما في صحيح العيص بن القاسم عن الصادق (عليه السلام) (1) «عن الليلة التي يطلب فيها ما يطلب متى الغسل؟ فقال: من أول الليل، و إن شئت حين تقوم من آخره، و عن القيام، فقال: تقوم في أوله و آخره».

نعم قد يشعر قوله أولا من أول الليل باستحباب ذلك مع ما فيه من المسارعة و الملاقاة لسائر الزمان مغتسلا، و عليه يحمل ما في صحيح ابن مسلم (2) عن أحدهما (عليهما السلام) و الغسل في أول الليل، و هو يجزئ إلى آخره» و خبر ابن بكير (3) «سأل الصادق (عليه السلام) عن الغسل في رمضان- إلى أن قال-: و الغسل أول الليل، قلت: فان نام بعد الغسل قال هو مثل غسل الجمعة إذا اغتسلت بعد الفجر أجزأك»

كما يشعر به أيضا التشبيه بالجمعة لا على إرادة انحصار الاستحباب به، و كذا ما سمعته سابقا من

الخبر عنه (عليه السلام) (4) «انه (صلى الله عليه و آله) كان يغتسل في العشر الأواخر بين العشائين»

سيما مع الإطلاق في خبر آخر (5) و كونه فعلا. فما عساه يظهر من المصابيح من التوقيت بما بين العشاءين للعشر الأواخر لا يخلو من نظر.

ثم انه يستفاد من خبر ابن بكير عدم قادحة النوم فيه، و عدم استحباب الإعادة كما هو مقتضى الأصول و حصول الامتثال، و كذا بالنسبة إلى كل حدث صغير أو كبير غير النوم، و في المصابيح لا يعاد شيء منها بالحدث إجماعا، فلو أعاد حينئذ شرع، نعم قد ترجح الإعادة لاحتمال الخلل و نحوه مما يندرج تحت الاحتياط، و كذا لو كان الغسل للفعل كغسل الإحرام أعاده لو نام بعده قبل وقوع الفعل للمعتبرة الصريحة

____________

(1) الوسائل- الباب- 13- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 13- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 4.

(4) الوسائل- الباب- 14- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 6.

(5) الوسائل- الباب- 14- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 14.

31

في ذلك بالنسبة للإحرام (1) و دخول مكة (2) و فيها الصحيح، خلافا للمحكي عن ابن إدريس فلم يعده، و هو جيد على أصله إن لم يثبت الإجماع و نحوه عنده، سيما بعد إطلاق ما دل (3) على إجزاء غسل اليوم عن يومه، و الليل لليلة، لكنه ضعيف عندنا للأخبار السابقة.

ثم انها و إن كانت خاصة في خصوص الإحرام و دخول مكة لكن الظاهر عدم الفرق بينهما و بين سائر الأغسال الفعلية لاتحاد الوجه، و نسبه بعض المحققين إلى الأصحاب مشعرا بدعوى الإجماع عليه، و لعل في التعليل في خبر عبد الرحمن بن الحجاج (4) إشعارا به، قال: «سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن الرجل يغتسل لدخول مكة ثم ينام فيتوضأ قبل أن يدخل أ يجزؤه ذلك أو يعيده؟ قال: لا يجزؤه، لأنه إنما دخل بوضوء»

و كذا لا فرق بين النوم و غيره من الأحداث وفاقا للمحكي عن العلامة و الشهيد و أبي العباس و إن اقتصرت عليه الأخبار السابقة لكنه من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى على الظاهر، مضافا إلى إشعار التعليل السابق و التسامح في المستحب، خلافا لظاهر آخرين حيث اقتصروا على النوم للأصل و ظاهر ما دل على الاجتزاء بغسل الليل إلى آخر الليل و كذا النهار مع غلبة تخلل الحدث في هذه المدة، و فيه أنه يرد مثله في النوم أيضا، نعم قد يتجه بملاحظة هذه الأخبار- مع الأصل و العمومات، و صحيح العيص ابن القاسم (5) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يغتسل للإحرام بالمدينة و يلبس

____________

(1) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الإحرام من كتاب الحج.

(2) الوسائل- الباب- 6- من أبواب مقدمات الطواف الحديث 0 من كتاب الحج.

(3) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الإحرام- الحديث 2 من كتاب الحج.

(4) الوسائل- الباب- 6- من أبواب مقدمات الطواف الحديث 1 من كتاب الحج.

(5) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الإحرام- الحديث 3 من كتاب الحج.

32

ثوبين ثم ينام قبل أن يحرم. قال: ليس عليه غسل»

- أن المستحب إعادة الغسل بهذه الأحداث لا انتقاض الغسل الأول جمعا بينها و بين غيرها مما أمر بالإعادة، و إن كان خبر عبد الرحمن بن الحجاج المتقدم ظاهرا في النقض، لكنه يحمل على إرادة عدم الاجزاء في كمال الفضل، و اختاره في المصابيح، فتأمل.

ثم ان ظاهر المصنف و غيره من الأصحاب ممن نص على القضاء في غسل الجمعة و تركه في غيره عدم مشروعية القضاء فيما عداه، و هو كذلك للأصل، و احتياج القضاء إلى أمر جديد، مع أنا لم نعرف فيه خلافا فيما نحن فيه من الأغسال الزمانية سوى ما يحكى عن المفيد من قضاء غسل يوم عرفة، و لعله ل

قول أبي جعفر (عليه السلام) لزرارة (1) «إذا اغتسلت بعد طلوع الفجر أجزأك غسلك ذلك للجنابة و الجمعة و عرفة و النحر و الحلق و الذبح و الزيارة»

حيث جمع بين غسل عرفة و أغسال يوم العيد، و لا يمكن ذلك في الأداء، فليحمل على القضاء، و فيه مع إمكان معارضته باحتمال جواز تقديم غسل العيد أن المراد الاجتزاء بالغسل الواحد للمتعدد حيث تجتمع كما يشعر به قوله (ع) بعده: «و كذلك» إلى آخره، فتأمل. و الشهيد من قضاء غسل ليالي الأفراد الثلاثة مسندا له في الذكرى و الدروس إلى رواية ابن بكير عن الصادق (عليه السلام) (2) لكنا لم نعثر على غير الرواية السابقة لابن بكير، و لا ريب في ظهورها بإرادته الاغتسال للجمعة بعد الفجر، فتأمل جيدا.

[منها غسل ليلة الفطر]

و من الأغسال المستحبة أيضا غسل ليلة الفطر ل

قول الصادق (عليه السلام)

____________

(1) الوسائل- الباب- 31- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 1.

(2) ذكر صدره في الوسائل- في الباب- 1- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث- 15- و ذيله في الباب- 11- الحديث 4.

33

في خبر الحسن بن راشد (1) المروي في الكافي و الإقبال و غيرهما بعد أن قال له:

«الناس يقولون ان المغفرة تنزل على من صام شهر رمضان ليلة القدر، فقال: يا حسن إن القار يجار انما يعطى أجرته عند فراغه و ذلك ليلة العيد، قلت: فما ينبغي لنا أن نعمل فيها؟ فقال: إذا غربت الشمس فاغتسل»

الى آخره. و مع ذا ففي الغنية الإجماع عليه، و ظاهر المصنف كمعقد الإجماع الاجتزاء بأي جزء من الليل، و هو كذلك، و ان ظهر من الخبر المتقدم إرادة التوقيت بما بعد الغروب، كما لا ريب أن الأصل يقتضي عدم مشروعية تقديمه أيضا، لكونه من الموقت، سيما لو كان التقديم اختياريا، لكن

قال ابن طاوس في إقباله في آداب ليلة الفطر: «روي أنه يغتسل قبل الغروب إذا علم أنها ليلة العيد»

انتهى. و لا صراحة فيه بل و لا ظهور في اتحاد هذا الغسل مع الغسل الليلي فلعله مستحب آخر، و على تقديره فلا بد من القول حينئذ بكون الوقت للغسل من قبل الغروب، و ان الإضافة في النص و الفتوى للجزء الأغلب و نحو ذلك، و لعله يأتي نوع تعرض منا له و لمثله مما ورد في أغسال ليالي شهر رمضان أيضا قبل الغروب عند تعرض المصنف لعدم تقديم الغسل الزماني على وقته، فتأمل.

[منها غسل يومي الفطر و الأضحى]

و كذا يستحب في يومي العيدين الفطر و الأضحى للمستفيض من الإجماع المحكي و الأخبار (2) و ان كان في بعضها ما يقضي بالوجوب لما عرفت من الإجماعات المنقولة على عدمه إن لم تكن محصلة، انما الكلام في وقته، فهل يمتد بامتداد اليوم كما هو مقتضى إطلاق النص و الفتوى و الإضافة فيهما كمعاقد الإجماعات صريحها و ظاهرها، و اختاره جماعة، أو أنه من طلوع الفجر إلى ما قبل الخروج إلى المصلى كما عن ابن إدريس و أحد قولي العلامة حيث قال: الأقرب تضيقه عند الصلاة، ل

قول الصادق

____________

(1) الوسائل- الباب- 15- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأغسال المسنونة.

34

(عليه السلام) في موثق عمار الساباطي (1) «في رجل ينسى أن يغتسل يوم العيد حتى صلى قال: إن كان في وقت فعليه أن يغتسل و يعيد الصلاة، و إن مضى الوقت فقد جازت صلاته»

بل ربما يظهر منه أن الغسل للصلاة كالمروي (2) عن العلل و العيون عن الرضا (عليه السلام) في علة غسل الجمعة و العيد تعظيما لذلك اليوم و تفضيلا له على سائر الأيام و زيادة في النوافل و الصلاة، أو انه يمتد إلى الزوال الذي هو آخر وقت صلاة العيد كما مال إليه في الرياض لمساواة العيد للجمعة في كثير من الأحكام، و

الرضوي (3) «إذا طلع الفجر يوم العيد فاغتسل، و هو أول أوقات الغسل ثم إلى وقت الزوال»

و لعله يرجعه إلى سابقه أو إليه سابقه قال في الذكرى: «الظاهر امتداد غسل العيدين بامتداد اليوم عملا بإطلاق اليوم، و يتخرج من تعليل الجمعة إلى الصلاة، أو إلى الزوال الذي هو وقت صلاة العيد و هو ظاهر الأصحاب» انتهى.

و لا ريب في قوة الأول لما عرفت و قصور غيرها عن المعارضة مع عدم وضوح دلالتها، إذ لا تلازم بين جواز الصلاة و بقاء الخطاب بغسل العيد، كما انا لا نمنع ارتباط الصلاة به في الجملة، فلا دلالة حينئذ في التعليل بزيادتها به على ذلك، بل في الخبر نفسه التعليل أيضا بالتعظيم و التفضيل الظاهر في بقائه و استمراره، على أن فعل الصلاة مختلف باختلاف الأشخاص، فلا يليق التحديد به إلا أن يدعى حينئذ أنه غسل للفعل، فيتوجه عليه حينئذ أن ظاهر الأدلة استحباب الغسل للعيد لمن خوطب بالصلاة و من لم يخاطب و من صلى و من لم يصل، و أما الرضوي فهو مع تسليم حجيته رده في المصابيح بأنه خلاف المدعى، لامتداد الغسل فيه إلى الزوال و ان صلى العيد، انتهى.

____________

(1) الوسائل- الباب- 16- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 6- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 18.

(3) المستدرك- الباب- 11- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 1.

35

و هو ظاهر في أن الوجه الثالث الذي ذكرناه ليس مذهبا لأحد من الأصحاب، و لعله كذلك.

و منه حينئذ يظهر أن الرضوي لنا لا علينا، ك

خبر عبد الله بن سنان (1) «الغسل من الجنابة و يوم الجمعة و يوم الفطر و يوم الأضحى و يوم عرفة عند زوال الشمس»

بل هو أظهر منه لإفادته الاستحباب و الفضل، و صلاة العيد انما تكون قبل ذلك غالبا، و على كل حال فلا ريب في ضعفه، نعم يمكن القول بتأكد استحباب الغسل قبل الصلاة لأن له ارتباطا ما معها كما يومي اليه ما تقدم، بل في المنقول (2) عن ابن أبي قرة في كتاب أعمال شهر رمضان عن الرضا (عليه السلام) إدخاله في كيفية صلاة العيد، فتأمل جيدا.

[منها الغسل في يوم عرفة]

و كذا يستحب الغسل في يوم عرفة للنصوص المستفيضة (3) و إجماعي الغنية و المدارك، و لا يختص بالناسك في عرفات لإطلاق النص و الفتوى، و خصوص

قول الصادق (عليه السلام) في خبر عبد الرحمن (4): «اغتسل أينما كنت»

في جواب سؤاله عن غسل يوم عرفة في الأمصار، كما أن إطلاقهما عدا النادر يقضي بامتداده في سائر اليوم، لكن يحكى عن علي بن بابويه أنه قال: «و اغتسل يوم عرفة قبل زوال الشمس» و لعله ل

خبر عبد الله بن سنان (5) «الغسل من الجنابة و يوم الجمعة و يوم الفطر و يوم الأضحى و يوم عرفة عند زوال الشمس»

إلا أنه مع ظهور إعراض الأصحاب لإطلاقهم كغيره من النصوص يتعين حمله على إرادة الفضيلة أو غير ذلك، و احتمال إرادة التحديد للآخر فيها بالزوال، فتخرج حينئذ شاهدا على تحديد غسل يومي العيدين

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 10.

(2) الإقبال ص 279 لكن رواه عن أبى عبد الله (عليه السلام).

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأغسال المسنونة.

(4) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 1.

(5) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 1.

36

بالزوال كما ترى، فالأقوى حينئذ امتداد استحبابه بامتداد اليوم، و نحوه في الاستحباب و الامتداد يوم التروية لإطلاق دليله من صحيح ابن مسلم (1) عن أحدهما (عليهما السلام) و عمار عن الصادق (عليه السلام) (2)، و غيرهما (3).

[منها الغسل في ليلة النصف من رجب]

و كذا يستحب الغسل أيضا في ليلة النصف من رجب على المشهور شهرة كادت تكون إجماعا بين الأصحاب بل في الوسيلة عده في المندوب بلا خلاف، و عن العلامة في النهاية و الصيمري في الكشف نسبته إلى الرواية، كل ذا مع ما في الزمان من الشرف ان قلنا باستحباب الغسل لمثل ذلك كما عن ابن الجنيد، و تقدم الكلام فيه، و عن

ابن طاوس (4) في الإقبال أنه قال: وجدنا في كتب العبادات عن النبي (صلى الله عليه و آله) أنه قال: «من أدرك شهر رجب فاغتسل في أوله و أوسطه و آخره خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه»

و المناقشة فيه بالإرسال كالدلالة باحتمال إرادة النهار ليست في محلها في مثل المقام، بل لا يبعد الحكم باستحبابه ليلا و نهارا لمكان هذا الخبر و التسامح في المستحب، كما أنه لا يبعد الحكم باستحبابه أيضا في أوله و آخره لذلك.

[منها الغسل في يوم السابع و العشرين من الرجب]

و كذا الكلام في استحباب الغسل في يوم السابع و العشرين منه و هو يوم المبعث بلا خلاف أجده فيه، بل في الغنية الإجماع عليه، و الوسيلة عده في المندوب بلا خلاف، و العلامة و الصيمري نسبته إلى الرواية، فلا وجه للتوقف فيهما بعد ذلك بل و لا في يوم المولود و هو السابع عشر من ربيع الأول على المشهور، و عن الكليني

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 11.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب إحرام الحج- الحديث 1 من كتاب الحج.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 4.

(4) الوسائل- الباب- 22- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 1.

37

أنه ثاني عشر لرواية (1) و الأول أقوى، و كيف كان فلم أجد خلافا في استحباب الغسل فيه كما اعترف به في الوسيلة، و عن الكشف نسبته إلى الرواية و لعل ذلك كاف في ثبوت استحبابه، مضافا إلى ما قيل انه من جملة الأعياد، فيستحب فيه الغسل لما يشعر به بعض الأخبار من استحباب الغسل في كل عيد

كالمرسل (2) عنه (صلى الله عليه و آله) أنه قال في جمعة من الجمع: «هذا اليوم جعله الله عيدا للمسلمين فاغتسلوا فيه»

و عن الخلاف الإجماع على استحباب الغسل في الجمعة و الأعياد بصيغة الجمع.

[منها الغسل ليلة النصف من شعبان]

و كذا ليلة النصف من شعبان بل زيادة، إذ هو مع عدم الخلاف فيه ظاهرا و الإجماع عليه من ابن زهرة كنفي الخلاف من ابن حمزة مدلول

قول الصادق (عليه السلام) في خبر أبي بصير (3) «صوموا شعبان و اغتسلوا ليلة النصف منه، ذلك تخفيف من ربكم» و قول النبي (صلى الله عليه و آله) في خبر سالم مولى أبي حذيفة (4) المروي عن المصباح «من تطهر النصف من شعبان فأحسن التطهير- إلى أن قال-:

قضى الله له ثلاث حوائج».

[منها الغسل يوم الغدير]

و كذا يوم الغدير و هو الذي أخذ فيه النبي (صلى الله عليه و آله) البيعة لأمير المؤمنين (عليه السلام) في غدير خم بعد رجوعه من حجة الوداع، و كان اليوم الثامن عشر من شهر ذي الحجة من السنة العاشرة من الهجرة على المعروف بين الأصحاب كما نسبه إليهم غير واحد، بل في التهذيب و الغنية و الروض الإجماع عليه، و هو الحجة،

____________

(1) أصول الكافي ج 1 ص 439 من طبعة طهران.

(2) كنز العمال ج- 4- ص 152- الرقم 3367.

(3) الوسائل- الباب- 23- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 8- من أبواب بقية الصلوات المندوبة- الحديث 6 من كتاب الصلاة.

38

مضافا إلى

قول الصادق (عليه السلام) في خبر العبدي (1) «من صلى فيه ركعتين يغتسل عند زوال الشمس من قبل أن تزول مقدار نصف ساعة- و بين كيفية الصلاة إلى أن قال-: ما سأل الله حاجة من حوائج الدنيا و الآخرة إلا قضيت له كائنة ما كانت»

الحديث. و في الإقبال عن أبي الحسن الليثي عن الصادق (عليه السلام) (2) أيضا في حديث ذكر فيه فضل يوم الغدير قال: «فإذا كان صبيحة ذلك اليوم وجب الغسل في صدر نهاره»

و كان التوقيت فيهما محمول على الاستحباب لقصورهما مع اختلافهما فيه عن تقييد كلمات الأصحاب و معاقد إجماعاتهم، فما عن ابن الجنيد ان وقت هذا الغسل من طلوع الفجر إلى قبل صلاة العيد لما عرفت ضعيف، على أنه لو أريد الاقتصار على ما في الخبر لوجب تخصيصه بمريد الصلاة، و لعله من هنا يمكن القول باستحباب الغسل من جهتين الصلاة و اليوم، و امتداده من حيث الثانية لا ينافي عدمه من حيث الأولى، و العمدة الإجماعات السابقة، و بها لا يلتفت إلى ما يحكى عن الصدوق، حيث قال في الفقيه:

«فأما خبر صلاة الغدير و الثواب المذكور فيه لمن صامه فان شيخنا محمد بن الحسن كان لا يصححه، و يقول: إنه من طريق محمد بن موسى الهمداني، و كان غير ثقة، و كل ما لم يصححه هذا الشيخ و لم يحكم بصحته فهو عندنا متروك غير صحيح» انتهى. إذ هو مع مخالفته لما عرفت و اقتضائه عدم العمل بالأخبار الضعيفة في الآداب و السنن يمكن إرادته إبطال خصوص ما في هذا الخبر من الثواب المخصوص و إن وافق على مطلق الاستحباب، فتأمل جيدا.

[منها الغسل في يوم المباهلة]

و كذا يستحب الغسل في يوم المباهلة على المشهور بين الأصحاب لما

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من أبواب بقية الصلوات المندوبة- الحديث 1 من كتاب الصلاة.

(2) الإقبال ص 474.

39

عن

الإقبال (1) بسنده إلى ابن أبي قرة بإسناده إلى علي بن محمد القمي رفعه قال: «إذا أردت ذلك فابدأ بصوم ذلك اليوم شكرا، و اغتسل و البس أنظف ثيابك»

و عن

المصباح (2) عن محمد بن صدقة العنبري عن أبي إبراهيم موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال: «يوم المباهلة يوم الرابع و العشرين من ذي الحجة تصلي في ذلك اليوم ما أردت- ثم قال-: و تقول و أنت على غسل: الحمد لله رب العالمين»

إلى آخره، و ما في السند و الدلالة منجبر بالشهرة السابقة التي هي قريب الإجماع، بل لعلها كذلك، بل في الغنية الإجماع على غسل المباهلة، و الظاهر إرادته يوم المباهلة لا فعلها، لاستبعاد دعوى الإجماع عليه، فيكون حينئذ دليلا آخر، نعم يحتمل ذلك في موثق سماعة (3) قال: «و غسل المباهلة واجب»

لأصالة عدم تقدير اليوم، لكن قد يقال فهم الأصحاب يعينه، فتتكثر الأدلة على المطلوب حينئذ، فتأمل جيدا.

و بناء على الوجه الأول يستفاد منه حينئذ استحباب الغسل لفعل المباهلة كما عن جماعة النص عليه، و يدل عليه

خبر أبي مسروق عن الصادق (عليه السلام) (4) المروي عن أصول الكافي قال: «قلت: انا نكلم الناس فنحتج عليهم بقول الله عز و جل (5) «أَطِيعُوا اللّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ» فيقولون نزلت في أمراء السرايا،

____________

(1) الإقبال ص 515.

(2) الوسائل- الباب- 47- من أبواب بقية الصلاة المندوبة- الحديث 2 من كتاب الصلاة.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 3.

(4) أصول الكافي باب المباهلة من كتاب الدعاء- الحديث 1 لكن في الكافي المسترق) بدل (المسروق).

(5) سورة النساء- الآية 62.

40

فنحتج بقول الله عز و جل (1) «قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى» فيقولون نزلت في مودة قربى المسلمين، فنحتج بقول الله عز و جل (2) «إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللّهُ وَ رَسُولُهُ» فيقولون نزلت في المؤمنين، فلم أدع شيئا مما حضرني ذكره من هذا و شبهه إلا ذكرته، فقال لي: إذا كان ذلك فادعهم إلى المباهلة، قلت: فكيف أصنع؟ قال: أصلح نفسك ثلاثا و أظنه قال: و صم و اغتسل و ابرز أنت و هو إلى الجبان، فشبك أصابعك اليمنى في أصابعهم ثم أنصفه و ابدأ بنفسك و قل اللهم رب السماوات و رب الأرضين عالم الغيب و الشهادة الرحمن الرحيم إن كان أبو مسروق جحد حقا و ادعى باطلا فأنزل عليه حسبانا من السماء أو عذابا أليما، ثم رد الدعاء عليه. فقل و إن كان فلان جحد حقا و ادعى باطلا فأنزل عليه حسبانا من السماء أو عذابا أليما، ثم قال: فإنك لا تلبث إلا أن ترى ذلك، فو الله ما وجدت خلقا يجيبني إلى ذلك»

و قول الراوي: «و أظنه قال» يختص بالصوم و لا يعم الاغتسال كما هو الظاهر.

ثم إنه يستفاد من خبر العنبري السابق زيادة على استحباب الغسل إن يوم المباهلة الرابع و العشرون من ذي الحجة، و هو المشهور كما في الذكرى و الروض و فوائد الشرائع و الذخيرة و الكشف و غيرها حكايتها عليه، و عن إقبال ابن طاوس نسبته إلى أصح الروايات بعد أن حكى قولا بالسابع و العشرين، و آخر بالواحد و العشرين، و لم ينقل عنه ذكر الخمس و العشرين قولا لأحد، لكن ذهب اليه المصنف في المعتبر، و لعل الأول أقوى.

قلت: و قد بقي زيادة على ما ذكرته و ذكره المصنف بعض الأغسال الزمانية كغسل يوم دحو الأرض و يوم نيروز الفرس و يوم تاسع ربيع، فأما الغسل لدحو

____________

(1) سورة الشورى- الآية 23.

(2) سورة- المائدة- الآية 60.

41

الأرض و هو يوم الخامس و العشرين من ذي القعدة، فقد ذكر على ما قيل في الذكرى و البيان و الدروس و جامع البهائي و اثنى عشريته، لكن نسبه في الأول إلى الأصحاب كما أنه عن الفوائد الملية و الحديقة إلى المشهور، و ربما يكتفى بذلك في مثله لولا ما في المصابيح من «أنا لم نجد لذلك ذكرا في غير ما ذكر، و كتب الفقه و الأعمال خالية منه بالمرة، و كان الشهيد (رحمه الله) وجده في بعض كتب الأصحاب فعزاه إلى الأصحاب بقصد الجنس دون الاستغراق، ففهم منه الشهيد و غيره إرادة الظاهر فنسبوه إلى المشهور، و نحن فقد تتبعنا ما عندنا من مصنفات الأصحاب ككتب الصدوق و الشيخين و سلار و أبي الصلاح و ابن البراج و ابن إدريس و ابن زهرة و ابن أبي المجد و ابن سعيد و كتب العلامة و ابن فهد و ابن طاوس فلم نجد له أثرا فالشهرة مقطوع بعدمها، إنما الشأن في من ذكره قبل الشهيد» انتهى، نعم قد يقال باستحباب الغسل فيه من حيث شرفه و فضله بناء على اعتبار مثل ذلك فيه، فتأمل.

[منها غسل يوم النيروز]

و أما غسل يوم النيروز فعلى المشهور بين المتأخرين بل لم أعثر على مخالف فيه ل

خبر المعلى بن خنيس عن الصادق (عليه السلام) (1) المروي عن المصباح و مختصره «إذا كان يوم النيروز فاغتسل»

إلى آخره. و في خبره الآخر عن الصادق (ع) (2) المروي على لسان الشيخ الجليل الشيخ أحمد بن فهد في مهذبه حكاه في المصابيح، و هو طويل قد اشتمل على ذكر أمور عظيمة قد وقعت في هذا اليوم، كبيعة علي (عليه السلام) و إرساله إلى الجني، و ظفره بالنهروان، و قتل ذي الثدية، و ظهور القائم (عليه السلام) و يظفره الله فيه بالدجال إلى أن قال: «و ما من يوم النيروز إلا و نحن نتوقع فيه الفرج، لأنه من أيامنا حفظه الفرس و ضيعتموه، ثم ان نبيا من أنبياء بني إسرائيل سأل ربه

____________

(1) الوسائل- الباب- 48- من أبواب بقية الصلوات المندوبة- الحديث 1 من كتاب الصلاة.

(2) الوسائل- الباب- 48- من أبواب بقية الصلوات المندوبة- الحديث 1 من كتاب الصلاة.

42

أن يحيي القوم الذين خرجوا من ديارهم و هم ألوف حذر الموت فأماتهم الله مائة عام فأوحى الله اليه أن صب الماء عليهم في مضاجعهم، فصب عليهم الماء في هذا اليوم فعاشوا و هم ثلاثون ألفا، فصار صب الماء في يوم النيروز سنة ماضية لا يعرف سببها إلا الراسخون في العلم، و هو أول يوم من سنة الفرس قال المعلى و أملى علي من ذلك و كتبته من إملائه.»

و لا ريب في الاكتفاء بذلك مع ذكر جماعة من الأساطين منهم الشيخ و يحيي ابن سعيد و العلامة و الشهيد و غيرهم على ما حكي عنهم و وقوع الأمور العظيمة فيه ما سمعته بعض منها و متوقع فيه الفرج و البركة و غير ذلك من الشرف الذي لا ينكر في إثبات مثل هذا المستحب، و لا وجه للمناقشة بعد ذلك في السند أو غيره، كما لا وجه للمعارضة بما

عن المناقب (1) أنه قال: «حكي أن المنصور تقدم إلى موسى بن جعفر (عليهما السلام) إلى الجلوس للتهنئة في يوم النيروز و قبض ما يحمل اليه، فقال: إني قد فتشت الأخبار عن جدي رسول الله (صلى الله عليه و آله) فلم أجد لهذا العيد خبرا، و انه سنة الفرس و محاها الإسلام، و معاذ الله إن يحيي ما محاه الإسلام فقال المنصور: انما نفعل هذا سياسة للجند، فسألتك بالله العظيم إلا جلست فجلس»

الحديث. إذ هو مع قصوره عن ذلك محتمل للتقية كما عن بعضهم، أو يحمل على أن النيروز المذكور فيه غير اليوم المعظم شرعا لوقوع الاختلاف في تعيينه على أقوال، فقيل إنه اليوم العاشر من أيار كما عن بعض المحاسبين و علماء الهيئة. و قيل إنه تاسع شباط كما عن صاحب كتاب الأنوار، و قيل إنه يوم نزول الشمس في أول الجدي، و عن المهذب أنه المشهور بين فقهاء العجم بخلاف أول الحمل، فإنهم لا يعرفونه بل ينكرون على من اعتقده، و قيل إنه السابع عشر من كانون الأول بعد نزول الشمس في الجدي بيومين، و هو صوم اليهود، و قيل هو

____________

(1) المناقب لابن شهرآشوب المجلد 5- ص 74 من طبعة بمبئى.

43

أول يوم من فروردين ماه، و هو أول شهور الفرس.

قلت: و المشهور المعروف في زماننا هذا انما هو يوم انتقال الشمس إلى الحمل، بل لا يعرف غيره كما عن المجلسيين النص عليه في الحديقة و زاد المعاد، و الشهيد الثاني في روضته و الفوائد الملية، و على شهرته في زمانه، و الشيخ أبي العباس بن فهد أنه الأعرف بين الناس و الأظهر في الاستعمال، و يؤيده مع ذلك ما يومي اليه

خبر المعلى بن خنيس (1) أنه «يوم طلعت فيه الشمس، و هبت فيه الرياح اللواقح، و خلقت فيه زهرة الأرض، و أنه اليوم الذي أخذ فيه العهد لأمير المؤمنين (عليه السلام) بغدير خم»

فإنه على ما قيل قد حسب ذلك فوافق نزول الشمس بالحمل في التاسع عشر من ذي الحجة على حساب التقويم، و لم يكن الهلال رأي ليلة الثلاثين، فكان الثامن عشر على الرؤية، و كذا صب الماء على الأموات، فإن وضع العيد على الاعتدال الربيعي، إلى غير ذلك من المؤيدات الكثيرة، و لولاها لكان القول بالأخير متجها، و أما باقي الأقوال فهي ضعيفة، بل ربما احتمل في أولها أنه مصحف «آذار» فيوافق المشهور، و لبسط الكلام في ذلك محل آخر.

[منها الغسل للتاسع من ربيع الأول]

و أما الغسل للتاسع من ربيع الأول فقد حكي أنه من فعل أحمد بن إسحاق القمي معللا له بأنه يوم عيد، لما روي (2) مما اتفق فيه من الأمر العظيم الذي يسر المؤمنين و يكيد المنافقين، لكن قال في المصابيح: إن المشهور بين علمائنا و علماء الجمهور أن ذلك واقع في السادس و العشرين من ذي الحجة، و قيل في السابع و العشرين منه، قلت: لكن المعروف الآن بين الشيعة انما هو يوم تاسع ربيع، و قد عثرت على خبر مسندا إلى النبي (صلى الله عليه و آله) (3) في فضل هذا اليوم و شرفه و بركته و أنه يوم

____________

(1) الوسائل- الباب- 48- من أبواب بقية الصلوات المندوبة- الحديث 3 من كتاب الصلاة.

(2) البحار- المجلد- 8- ص 315 من طبعة الكمباني.

(3) البحار- المجلد- 8- ص 315 من طبعة الكمباني.

44

سرور لهم (عليهم السلام) ما يحير فيه الذهن، و هو طويل، و فيه تصريح باتفاق ذلك الأمر فيه، فلعلنا نقول باستحباب الغسل فيه بناء على استحبابه لمثل هذه الأزمنة، و سيما مع كونه عيدا لنا و أئمتنا (عليهم السلام).

هذا كله في الأغسال المستحبة للزمان

[في الأغسال المندوبة للأفعال الخاص]

و اما ما يستحب لغيره فقد ذكر المصنف (رحمه الله) منه سبعة للفعل، و هي

[غسل الإحرام]

غسل الإحرام إذ لا خلاف في مشروعيته في الجملة، و الأخبار به (1) كادت تكون متواترة، بل لا خلاف محقق معتد به في خصوص استحبابه، و لذا نفاه عنه في المقنعة و حج الغنية و طهارة الوسيلة و المنتهى، بل في طهارة الغنية و عن حج الخلاف و التذكرة الإجماع عليه، كما عن ظاهر المجالس نسبته الى دين الإمامية، و عن التهذيب عندنا أنه ليس بفرض، كما عن حج التحرير ليس بواجب إجماعا، و عن ابن المنذر أجمع أهل العلم أن الإحرام جائز بغير اغتسال، و في المصابيح أن عليه الإجماع المعلوم بالنقل المستفيض و فتوى المعظم و إطباق المتأخرين.

قلت: فلا ينبغي الإشكال بعد ذلك، و الأصل و السيرة القاطعة، و عده مع معلوم الاستحباب، و الحكم عليه بأنه سنة في مقابلة الفرض و الواجب الظاهر في الاستحباب، و إن حكي عن ابن أبي عقيل و ابن الجنيد الوجوب، و ربما نسب إلى ظاهر الصدوق و غيره ممن ذكر التعبير عنه أو عن إعادته بلفظ الأمر و «عليك» و نحوهما كالأخبار، و لا ريب في صرف ما وقع في الأخبار من ذلك و لفظ الوجوب أيضا و نحوها على الاستحباب، كما أنه يحتمله كلام أولئك، فلا ينبغي بسط الكلام فيه سيما بعد انقراض الخلاف فيه بحيث لا يمنع من تحصيل الإجماع و السيرة في خصوص المقام، إذ لو كان واجبا لاشترط في صحة الإحرام، لاستبعاد الوجوب النفسي، و من المستبعد بل الممتنع أن يكون ذلك كذلك، و يكون المحفوظ عند العلماء خلافه

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأغسال المسنونة.

45

مع توفر الدواعي و تكرر الحج في كل عام، مضافا إلى ما قيل من عدم تيسر الاغتسال في تلك الأوقات لسائر الناس، فتأمل.

[غسل زيارة النبي (صلى الله عليه و آله) و الأئمة (عليهم السلام)]

و غسل زيارة النبي (صلى الله عليه و آله) و الأئمة (عليهم السلام) على المشهور بين الأصحاب، بل في كشف اللثام و المصابيح نسبته إلى قطع الأصحاب مؤذنين بدعوى الإجماع عليه، بل في الغنية دعواه صريحا، كالوسيلة عده في المندوب بلا خلاف، و هو الحجة، مضافا إلى المحكي عن فقه الرضا (عليه السلام) (1) من نصه على غسل الزيارات بعد نصه على غسل زيارة البيت، و الى ما عن نهاية الأحكام و الروض من نسبته إلى الرواية، و شرح الدروس الى الأخبار الكثيرة (2) و الى

خبر العلاء بن سيابة عن الصادق (عليه السلام) (3) في قوله تعالى (4) «خُذُوا زِينَتَكُمْ» قال: «الغسل عند لقاء كل إمام (عليه السلام)»

و ظهورها في الأحياء لو سلم غير قادح لتساوي حرمتيهما، و الى ما يشعر به استحباب الاغتسال لزيارة الجامعة التي يزار بها كل إمام (عليه السلام) و ما يشعر به المروي عن

كامل الزيارات لابن قولويه عن سليمان ابن عيسى (5) عن أبيه قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): كيف أزورك إذا لم أقدر على ذلك؟ قال: قال لي: يا عيسى إذا لم تقدر على المجيء فإذا كان يوم الجمعة فاغتسل أو توضأ و اصعد الى سطحك و صل ركعتين و توجه نحوي، فإنه من زارني في حياتي فقد زارني في مماتي، و من زارني في مماتي فقد زارني في حياتي»

لأولوية زيارة

____________

(1) المستدرك- الباب- 1- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأغسال المسنونة.

(3) الوسائل- الباب- 29- من كتاب المزار- الحديث 2.

(4) سورة الأعراف- الآية 29.

(5) الوسائل- الباب- 95- من كتاب المزار- الحديث 4.

46

القرب على البعد، و ظهور تساوي الصادق (عليه السلام) مع غيره، و الى ما يشعر به ما ورد في استحباب الغسل لرؤيا أحدهم في المنام، ك

خبر أبي المعزى (1) عن موسى ابن جعفر (عليهما السلام) المروي عن كتاب الاختصاص للمفيد، قال: «من كانت له إلى الله حاجة و أراد أن يرانا و أن يعرف موضعه فليغتسل ثلاث ليال يناجي بنا فإنه يرانا و يغفر له بنا»

الحديث.

و منه يستفاد استحبابه أيضا لذلك، و إلى خصوص ما ورد في زيارة النبي (صلى الله عليه و آله) (2) و أمير المؤمنين (عليه السلام) (3) و أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) (4) و أبي الحسن علي بن موسى الرضا (عليهما السلام) (5) مما هو غني عن الذكر، بل و ما

ورد في خصوص زيارة الإمامين موسى بن جعفر و محمد ابن علي الجواد (عليهم السلام) من المروي (6) عن ابن قولويه في كامل الزيارات عن أبي الحسن (عليه السلام) «إذا أردت زيارة موسى بن جعفر و محمد بن علي (عليهم السلام) فاغتسل»

إلخ بل و خصوص زيارة الإمامين أبي الحسن علي بن محمد و أبي محمد الحسن بن علي (عليهم السلام) على ما عن

الكتاب المذكور (7) قال: أروي عن بعضهم (عليهم السلام) أنه قال: «إذا أردت زيارة قبر أبي الحسن علي بن محمد و أبي محمد الحسن بن علي

____________

(1) المستدرك- الباب- 22- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 6- من كتاب المزار- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 29- من كتاب المزار.

(4) الوسائل- الباب- 59- من كتاب المزار.

(5) الوسائل- الباب- 88- من كتاب المزار.

(6) كامل الزيارات باب الماءة.

(7) المستدرك- الباب- 70- من أبواب المزار- الحديث 3 من كتاب الحج.

47

(عليهم السلام) تقول بعد الغسل إن وصلت»

إلى آخره إلى غير ذلك. و لعل عدم ورود ذلك في خصوص أئمة البقيع للاكتفاء بغسل زيارة النبي (صلى الله عليه و آله) للتداخل و إن كان ذلك رخصة لا عزيمة، نعم قد تحتمل العزيمة، في المجتمعين في قبر واحد، كالكاظم و الجواد (عليهما السلام)، و الهادي و العسكري (عليهما السلام) كما يشعر به الخبر المذكور، فتأمل.

هذا كله إن لم تفهم الشمول من لفظ الزيارة التي ورد استحبابه في صحيحتي ابن مسلم (1) و ابن سنان (2) و موثقة سماعة (3) و غيرها (4) لما نحن فيه، بل نخصها بزيارة البيت. كما في صحيحة معاوية بن عمار (5) و إلا تكثرت الأدلة على المطلوب و اتضحت، و لعلنا ندعيه.

و كيف كان فلا ريب في استفادة استحباب الغسل حينئذ لزيارة البيت من هذه الأخبار كما عن جماعة النص عليه، بل عن الغنية الإجماع عليه لكن مقيدا له عند الرجوع من منى، و كيف كان فلا ينبغي الإشكال في ثبوته متى تحققت الزيارة المذكورة، نعم لا يستفاد منها استحبابه لكل طواف بالبيت و إن لم يسم زيارة كما عن جماعة، اللهم إلا أن يكون مستنده

الخبر عن الكاظم (عليه السلام) (6) «إن اغتسلت بمكة ثم نمت قبل أن تطوف فأعد غسلك»

أو الإجماع المحكي عن الشيخ في الخلاف أو غير ذلك، و ليس ببعيد، فلا فرق حينئذ بين طواف الزيارة و العمرة و النساء الوداع و غيرها، و كما يستحب حينئذ للطواف كذلك يستحب للوقوف بعرفات لما عن الخلاف

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 5.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 7.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 3.

(4) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأغسال المسنونة.

(5) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 1.

(6) الوسائل- الباب- 6- من أبواب مقدمات الطواف- الحديث 2 من كتاب الحج.

48

و الغنية من الإجماع عليه، و خبري معاوية بن عمار (1) و عمر بن يزيد (2) و بالمشعر لأولويته من سابقه، و ما عن الخلاف من الإجماع عليه، و النحر و الذبح و الحلق لحسنة زرارة (3) الواردة في تداخل الأغسال، و لا يستحب لرمي الجمار و إن نقل عن المفيد لصحيح الحلبي و حسنه (4) الظاهرين في نفيه أو الصريحين. كالإجماع عن الخلاف مضافا إلى الأصل.

[في استحباب غسل المفرط في صلاة الكسوف]

و مما يستحب للفعل غسل المفرط في صلاة الكسوف بأن تركها متعمدا، و المراد بالكسوف هنا كغيره من العبارات ما يعم الشمس و القمر كما صرح به في بعض كتب الأصحاب، بل نسب إلى كثير منها، بل ظاهر بعضهم الإجماع عليه، بل في المصابيح أنه محل وفاق، مع ما في المحكي عن الفقه الرضوي (5) من التصريح بهما، و شمول لفظ الكسوف في الأخبار للأمرين إن لم ندع ظهوره في الشمس التي هي محل الاشكال، و اشتمال مرسل حريز (6) على لفظ القمر لا يصلح للحكم به عليها، كاشتمالها نفسها (7) على لفظ الاستيقاظ المشعر بكون محل الكسوف آية الليل سيما بعد ما عرفت، و إمكان دعوى أولوية الشمس منه في هذا الحكم، فتأمل.

و اعلم أن المعتبر مع التفريط المذكور في استحباب الغسل احتراق القرص على

____________

(1) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الإحرام بالحج- الحديث 1 من كتاب الحج.

(2) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الإحرام بالحج- الحديث 4 من كتاب الحج.

(3) الوسائل- الباب- 43- من أبواب الجنابة- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 2- من أبواب رمي الجمرة- الحديث 2 و 4 من كتاب الحج.

(5) المستدرك- الباب- 17- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 1.

(6) الوسائل- الباب- 25- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 1.

(7) الوسائل- الباب- 25- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 1.

49

الأظهر بل لا نعرف خلافا نصا و فتوى في أصل مشروعيته مع القيدين السابقين، بل الإجماع إن لم يكن محصلا فمنقول كالمحصل عليه، و إن وقع النزاع في وجوبه و ندبه حينئذ، كما أنه لا ينبغي الإشكال في عدم مشروعيته مع انتفاء أحدهما من التفريط أو الاستيعاب. للأصل و ظاهر

الحسن كالصحيح المروي (1) عن الخصال عن الباقر (عليه السلام) «الغسل في سبعة عشر موطنا- و عددها إلى أن قال- و غسل الكسوف إذا احترق القرص كله و استيقظت و لم تصل فاغتسل و اقض الصلاة»

و نحوه مرسل الفقيه (2) و المناقشة فيه باحتمال الاستيقاظ بعد الانجلاء و تركه الصلاة للنوم لا عمدا فهو مع أنه لا ينافي الاستدلال بالظاهر بعيد جدا بل فاسد قطعا، لعدم اشتراط الغسل بذلك عند أحد من الأصحاب، فوجب إرادة الترك العمدي من لفظ الاستيقاظ، و خص بالذكر لفوائد، فلا ريب في كون العمل على ظاهر الصحيح المتقدم من اشتراط الشرطين في مشروعية الغسل، سيما مع تأيده بنفي الخلاف عن ذلك في صريح صلاة السرائر و ظاهر المنتهى و المختلف و التذكرة و عن الوسيلة و كشف الرموز و كشف الالتباس و غاية المرام و ظاهر معقد إجماع الغنية و صريح المحكي عن فقه الرضا (عليه السلام) (3) فإطلاق

صحيح ابن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) (4) «و غسل الكسوف، فإذا احترق القرص كله فاغتسل»

إذ لم يذكر فيه التعمد، كمرسل حريز (5) فعكس ذلك مقيد بما عرفت، فما يحكى عن المقنعة و السيد في المسائل الموصلية و المصباح من الاقتصار على اشتراط التعمد ضعيف مع عدم ثبوت ذلك عن الأخير، لكون المحكي عنه فيه نسبته إلى الرواية، بل و لا صراحة الجميع في الخلاف، إذ لعله للاتكال على معروفية القيد

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 5.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 4.

(3) المستدرك- الباب- 17- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 11.

(5) الوسائل- الباب- 25- من أبواب الأغسال المسنونة- الحديث 1.

50

أو نحو ذلك كإطلاق النافع، و عن كتاب الاشراف و سلار استحباب الغسل لقضاء صلاة الكسوف، و كذا المحكي عن الذكرى، فاقتصر على الاستيعاب، و حكاه في كشف اللثام عن الصدوق، و لم يثبت، بل ربما ثبت عدمه كما قيل لما عرفت.

نعم انما الكلام في استحباب هذا الغسل و وجوبه مع اجتماع الأمرين، فأكثر المتأخرين على الأول كما عن الذخيرة و البحار، بل في المنتهى أنه مذهب الأكثر، بل عن كشف الالتباس ان ذلك هو المشهور، بل عن غاية المرام نسبته إلى المتأخرين، كالمصابيح أن عليه إطباق المتأخرين من زمان ابني زهرة و إدريس عدا النادر و فيها أيضا «ان أكثر من قال بالوجوب من القدماء كالشيخين و المرتضى و سلار و ابن البراج و ابن حمزة فقد خالف نفسه في موضع آخر من كتابه أو كتاب آخر له، فذهب إلى الندب أو تردد بينه و بين الوجوب، فلم يتمحض للقول بالوجوب إلا الصدوق و الحلبي بل الحلبي وحده، لعدم صراحة كلام غيره فيه» انتهى.

خلافا لصلاة المقنعة و المبسوط و الجمل و الوسيلة و عن المصباح و الاقتصاد و النهاية و المراسم و المهذب و الكافي و شرح الجمل للقاضي وجوبه نصا و ظاهرا، و هو المحكي عن ظاهر الرسالة و الفقيه و الهداية و المجالس، بل عن الأخير نسبته إلى دين الإمامية كما في صلاة الخلاف و عن شرح الجمل للقاضي الإجماع عليه، و لعل ذلك مع الأمر في الأخبار به هو الحجة لهم حينئذ على الوجوب، لكن و مع ذلك فالأول هو الأقوى للأصل و حصر الواجب من الأغسال في غيره من الأخبار، و الإجماع المحكي في مقامين من الغنية المعتضد بما عرفت من الشهرة و غيرها، و بما في المصابيح أيضا من اتفاق الأصحاب بعد الخلاف عليه تارة، و أخرى عليه الإجماع المحقق، و باستبعاد اشتراط الصلاة بغسل غير رافع للحدث، مع ما في خبر زرارة (1) «لا تعاد الصلاة إلا من خمس:

____________

(1) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الركوع- الحديث 5 من كتاب الصلاة.