جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام - ج6

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
376 /
1

-

2

[تتمة القسم الأول في العبادات]

[تتمة كتاب الطهارة]

[تتمة الركن الرابع في النجاسات و أحكامها]

[تتمة القول الأول في النجاسات]

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

[الثامن المسكرات]

الثامن المسكرات المائعة أصالة كالخمر و غيره و في تنجيسها خلاف بين الأصحاب و لكن الأظهر و المشهور نقلا و تحصيلا قديما و حديثا بيننا و بين غيرنا شهرة كادت تكون إجماعا بل هي كذلك النجاسة بل لم يعتد به في المبسوط، و عن الخلاف و أطعمة الإيضاح بالنسبة للخمر فنفياه عن نجاسته من غير استثناء، بل ظاهر الأولين أو صريحهما بين المسلمين كصريح الناصريات و ظاهر الغنية مع زيادة «إلا من لا يعتد بقوله» و نحوه فيهما و في السرائر بعد أن نفى الخلاف عن نجاسة الخمر حكى عن بعض أصحابنا ما يقتضي الطهارة، ثم قال: «و هو مخالف لإجماع المسلمين فضلا عن الطائفة في أن الخمر نجس» كالمحكي عن نزهة يحيى بن سعيد من أن القول بطهارة الخمر خلاف الإجماع، و في الذكرى ان القائل بالطهارة تمسك بأحاديث لا تعارض القطعي، إلى غير ذلك من الإجماع المستفيض في كلام الأصحاب المعتضد بما تسمعه منه أيضا في الفقاع و في كل مسكر، بل هو خارج عن قسم الآحاد و داخل في القطع أو المتواتر منه.

و لقد أجاد البهائي في الحبل المتين بقوله: أطبق علماء الخاصة و العامة على نجاسة الخمر إلا شرذمة منا و منهم لم يعتد الفريقان بمخالفتهم.

3

فمن العجيب بعد ذلك كله و غيره تشكيك الأردبيلي و تلميذه و الخوانساري في النجاسة تبعا للصدوق و المحكي عن والده في الرسالة و الحسن و الجعفي من القول بالطهارة مع عدم ثبوت ذلك عن الثاني، بل أنكره بعض الأساطين، و عدم صراحة الأول فيه أيضا، سيما بملاحظة ما نقل عنه من إيجابه نزح البئر منه، كعدم معروفية حكاية ذلك عن الجعفي في كثير من كتب الأصحاب كالعلامة و غيره، نعم حكاه في الذكرى و تبعه بعض من تأخر عنه.

و كيف كان فقد انقرض الخلاف و استقر المذهب على النجاسة فيه و في كل مائع مسكر، ففي الغنية كل شراب مسكر نجس، و الفقاع نجس بالإجماع، كما عن الخلاف و شرح الرسالة للشهيد الثاني الإجماع أيضا، لكن مع استثناء من شذ في الثاني، و في المصابيح حكم سائر المسكرات حكم الخمر عندنا، كما عن المعتبر ان الأنبذة المسكرة عندنا في التنجيس كالخمر، و في التحرير على ذلك عمل الأصحاب، و في المعالم لا نعرف فيه خلافا، كما في المدارك انه قطع به الأصحاب، بل لم يعتد المرتضى (رحمه الله) فيما حكي عنه بالخلاف في المقام، فقال: «الشراب الذي يسكر كثيره كل من قال انه محرم الشرب ذهب إلى أنه نجس كالخمر، و انما يذهب إلى طهارته من ذهب إلى إباحة شربه، و قد دلت الأدلة الواضحة على تحريم كل شراب مسكر كثيره، فيجب أن يكون نجسا، لأنه لا خلاف في أن نجاسته تابعة لتحريم شربه» انتهى.

إذ من المعلوم ان حرمة شرب سائر المسكرات في مذهبنا من المسلمات بل الضروريات، من غير فرق بين القليل و الكثير و المطبوخ و النيء و المتخذ من العنب و غيره، كالنقيع من الزبيب، و النبيذ من التمر، و المسكر من الرطب، و الفضيخ من البسر، و التبع من العسل، و الجعة من الشعير، و المرز من الذرة، و غيرها من الأشربة المسكرة و لو بكثيرها، بل عن الشافعي و أحمد و مالك و الثوري و الليث بن سعد و جمهور

4

العامة موافقتنا في ذلك، نعم حكي عن أبي حنيفة و صاحبيه خلاف ذلك، فأباح الأول المسكر من كل شيء عدا عصير العنب و نقيع التمر و الزبيب، و أحل من العصير ما طبخ على الثلث، و من النقيعين المطبوخ مطلقا، لكنه استثنى من المطبوخ القدر الذي يتعقبه الإسكار، فلو شرب عشرة و سكر بالعاشر اختص التحريم به، و نحوه في ذلك كله صاحباه، إلا أن الشيباني منهما قد اشترط في حل الثلاثة طبخها على الثلث، و قد خالفوا في ذلك الكتاب و السنة، بل و ما هم عليه من القياس، مع كونه جليا تشهيا و طلبا للرخصة.

و لعله لذا قيل: إنه قد شنع عليهم فيه علماء العامة فضلا عن الخاصة، و التشاغل في تحقيق ذلك غير مهم بعد ما عرفت، فكان المرتضى (رحمه الله) لم يعتد بخلاف الصدوق و من تقدمه، و إلا فهم ممن يقول بالحرمة دون النجاسة، و احتمال تخصيص كلامهم في الخمر دون غيره باطل قطعا.

نعم يتجه دعوى الإجماع المركب بمعنى أن كل من قال بنجاسة الخمر قال بنجاسة سائر الأشربة المسكرة، و من قال بطهارته قال بطهارتها، فيتجه حينئذ الاستدلال عليها بكل ما دل على نجاسة الخمر من الإجماعات السابقة و غيرها كالآية (1) بناء على كون الرجس فيها بمعنى النجس، إما لغة كما في التذكرة و المنتهى، بل حكي في الثاني عن الصحاح و الجمل أن الرجس بالكسر القذر، أو في خصوص المقام لنفي الشيخ في التهذيب عنه الخلاف، بل في المصابيح أنه نص عليه الفقهاء و ادعى الشيخ عليه الإجماع، و لعله لا ينافيه وقوعه مع ذلك خبرا عن الأنصاب و الأزلام، لإمكان أن يراد به بالنسبة إليهما المستقذر عقلا من باب عموم المجاز، على انه يمكن بل هو الظاهر دعوى كونه خبرا عن الخمر خاصة، فيقدر حينئذ لهما خبرا، و لا يجب مطابقة المحذوف و الموجود و إن كان دالا عليه، كما في عطف المندوب على الواجب بصيغة واحدة، فيتعين حينئذ كون الرجس بمعنى النجس.

____________

(1) سورة المائدة- الآية 92.

5

و يؤيده- مضافا إلى إطلاق الأمر بالاجتناب عنه في الآية بناء على جعل الضمير فيه للرجس أو الخمر، و إلى استعماله في السنة (1) بذلك في الكلب و نحوه- خصوص

خبر خيران الخادم (2) المروي في الكافي و التهذيب و الاستبصار بطرق ليس فيها من يتوقف في شأنه إلا سهل بن زياد، قال: «كتبت إلى الرجل (عليه السلام) أسأله عن الثوب يصيب الخمر و لحم الخنزير أ يصلى فيه أم لا؟ فإن أصحابنا قد اختلفوا، فقال بعضهم: صل فيه فان الله انما حرم شربها، و قال بعضهم: لا تصل فيه، فكتب (عليه السلام) لا تصل فيه فإنه رجس»

و هو مع شهادته لقوة دلالة الآية دال على المقصود بنفسه، كغيره من المعتبرة المستفيضة (3) الظاهرة بل الصريحة في نجاسته المتمم دلالتها على غيره من المسكرات بعدم القول بالفصل كما عرفت إن لم نقل بكون الخمر اسم لما يخمر العقل الشامل لكل مسكر كما هو ظاهر المصنف في المعتبر و غيره.

بل في الغريبين للهروي في تفسير الآية الخمر ما خامر العقل أي خالطه، و خمر العقل ستره، و هو المسكر من الشراب، كما عن القاموس الخمر ما أسكر من عصير العنب أو عام كالخمرة و قد يذكر، و العموم أصح، لأنها حرمت و ما بالمدينة خمر عنب، و ما كان مشروبهم إلا البسر و التمر، ثم ذكر وجه التسمية بالخمر.

و عن المصباح المنير الخمرة يقال: هي اسم لكل ما خامر العقل و غطاه، و عن مجمع البحرين الخمر معروف، و عن ابن الأعرابي انما سمي خمرا لأنها تركت و اختمرت، و اختمارها تغيير رائحتها، إلى أن قال: «و الخمر فيما اشتهر بينهم كل شراب مسكر، و لا يختص بعصير العنب» إلى آخره.

____________

(1) الوسائل- الباب- 12- من أبواب النجاسات- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 38- من أبواب النجاسات- الحديث 4.

(3) الوسائل- الباب- 38- من أبواب النجاسات.

6

بل يشهد له جملة من الأخبار ك

صحيح ابن الحجاج (1) عن الصادق (عليه السلام) «الخمر من خمسة أشياء: العصير من الكرم، و النقيع من الزبيب، و التبع من العسل، و المرز من الشعير، و النبيذ من التمر»

و نحوه خبر علي بن إسحاق الهاشمي (2).

و يقرب منهما خبر النعمان بن بشير (3) كمرسل الحضرمي (4) و خبر ابن السمط (5) المروي أولها عن الأمالي، و ثانيها عن الكافي، و ثالثها عن تفسير العياشي، بل في خبر عطاء بن سيارة (6) عن الباقر (عليه السلام) «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): كل مسكر خمر»

ك

قوله (عليه السلام) في خبر أبي الجارود (7) المروي عن تفسير علي بن إبراهيم، و هو طويل: «أما الخمر فكل مسكر من الشراب فهو خمر- بل فيه انه- لما نزل تحريمها انما كان الخمر بالمدينة فضيخ البسر و التمر، فخرج رسول الله (صلى الله عليه و آله) و دعا بالأواني فكفأها، و قال: هذه كلها خمر، و لا أعلم أنه كفأ يومئذ من خمر العنب شيئا إلا إناء واحدا كان فيه زبيب و تمر جميعا، فأما عصيره فلم يكن يومئذ بالمدينة منه شيء»

إلى غير ذلك من الأخبار الدالة على عموم الخمر لكل مسكر.

و لا ريب في وضوحها في المدعى حتى لو قلنا بكون المستفاد منها أن الخمر حقيقة شرعية في كل مسكر كما ذهب إليه البحراني في حدائقه، بل و إن لم نقل بذلك بل كان من المراد الشرعي، بل قد يتمسك بها حتى لو أريد التشبيه منها و المنزلة، اللهم إلا أن يدعى انصرافها إلى التحريم، و فيه منع، على أن بعض الأخبار (8) قد دلت على شمول لفظ الخمر في الآية لكل مسكر، و قد ظهر لك سابقا دلالة الآية على التنجيس.

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 4.

(4) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 2.

(5) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 6.

(6) الوسائل- الباب- 15- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 5 لكن رواه عن عطاء بن يسار.

(7) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 5.

(8) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 5.

7

كل ذلك بعد الإغضاء عما يستفاد منه نجاسة مطلق المسكر و النبيذ من المعتبرة المستفيضة (1) البالغة هي مع ما ورد في نجاسة الخمر حد الاستفاضة ان لم تكن متواترة، إذ هي تقرب من عشرين خبرا، و فيها الصحيح و الموثق و غيرهما الدالة بأنواع الدلالة، كالأمر بالغسل و إعادة الصلاة و غيرهما، بل في بعضها الأمر بالغسل سبعا، و في آخر ثلاثة، بل فيها الصريح بالنجاسة، ك

خبر أبي الجارود- و هو طويل- عن النبيذ، و سؤال أم خالد (2) العبدية عن التداوي به، فقال: «ما يبل الميل منه ينجس حبا من ماء، يقولها ثلاثا»

كما أن فيها المشتمل على القسم بالله على ذلك، ك

خبر عمر بن حنظلة (3) قلت للصادق (عليه السلام): «ما ترى في قدح من مسكر يصب عليه الماء حتى يذهب عاديته و سكره؟ فقال: لا و الله و لا قطرة يقطر منه في حب إلا أهريق ذلك الماء»

كسؤال

الحلبي (4) له (عليه السلام) أيضا عن دواء يعجن بالخمر، فقال: «و الله ما أحب أن أنظر اليه، فكيف أتداوى به، انه بمنزلة شحم الخنزير»

و في خبر هارون ابن حمزة (5) عنه (عليه السلام) أيضا «انه بمنزلة الميتة»

إلى غير ذلك، مضافا إلى ما تقدم من الأخبار المعتبرة (6) في نزح البئر منه.

و هي و ان كان في مقابلها أخبار تدل على الطهارة في الخمر و النبيذ، بل مطلق المسكر، ك

صحيح الحسن بن أبي سارة (7) عن الصادق (عليه السلام) «إن أصاب

____________

(1) الوسائل- الباب- 38- من أبواب النجاسات.

(2) الوسائل- الباب- 20- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 18- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 20- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 4.

(5) الوسائل- الباب- 21- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 5.

(6) الوسائل- الباب- 15- من أبواب الماء المطلق.

(7) الوسائل- الباب- 38- من أبواب النجاسات- الحديث 10 و في الوسائل «عن الحسين بن أبي سارة» و هو وهم كما يظهر من ترجمته.

8

ثوبي شيء من الخمر أصلي فيه قبل أن أغسله، قال: لا بأس، إن الثوب لا يسكر» و صحيح علي بن رئاب (1) عنه (عليه السلام) أيضا «عن الخمر و النبيذ المسكر يصيب ثوبي أغسله أو أصلي فيه، قال: صلِّ فيه إلا أن تقذره، فتغسل منه موضع الأثر، إن الله تعالى انما حرم شربها» و موثق ابن بكير (2) عنه (عليه السلام) أيضا «سأله رجل و أنا عنده عن المسكر و النبيذ يصيب الثوب فقال: لا بأس» و خبر الحسين بن موسى الخياط (3) عنه (عليه السلام) أيضا «عن الرجل يشرب الخمر ثم يمجه من فيه فيصيب ثوبي فقال: لا بأس»

إلى غير ذلك.

لكنها أقل منها عددا و أقصر منها سندا، و مخالفة للكتاب و المجمع عليه بين الأصحاب، فلا بد من تأويلها أو طرحها و الاعراض عنها، سيما بعد أمر الرجل في خبر خيران الخادم الذي هو كناية على ما قيل عن أبي جعفر الثاني أو أبي الحسن الثالث (عليهما السلام) بذلك، ك

صحيح علي بن مهزيار (4) المروي في الكافي و كتابي الأخبار بطرق متعددة، قال: «قرأت في كتاب عبد الله بن محمد إلى أبي الحسن (عليه السلام) جعلت فداك روى زرارة عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليهما السلام) في الخمر يصيب ثوب الرجل إنهما قالا: لا بأس بأن يصلي فيه، انما حرم شربها، و روى غير زرارة عن الصادق (عليه السلام) انه قال: إذا أصاب ثوبك خمر أو نبيذ يعني المسكر فاغسله كله، و ان صليت فيه فأعد صلاتك، فأعلمني ما آخذ به، فوقع (عليه السلام) و قرأته خذ بقول أبي عبد الله (عليه السلام)»

إذ من الواضح إرادة قوله المنفرد عن قول

____________

(1) الوسائل- الباب- 38- من أبواب النجاسات- الحديث 14.

(2) الوسائل- الباب- 38- من أبواب النجاسات- الحديث 11.

(3) الوسائل- الباب- 39- من أبواب النجاسات- الحديث 2.

(4) الوسائل- الباب- 38- من أبواب النجاسات- الحديث 2.

9

أبيه، و إلا فكلا القولين قوله، و الأخذ بهما جميعا ممتنع، و التخيير غير مقصود، على أنه لو كان المراد قوله مع أبيه لكان ينبغي إسناده إليهما معا أو إلى أبي جعفر (عليه السلام) كما لا يخفى على العارف بأساليب الكلام، و هي- مع اشتمالها على الاعراض عن تلك الأخبار- دالة على النجاسة أكمل دلالة و أبلغها، مع علو سندها و تعدد طريقها، و مروية عن الامام اللاحق حاكمة على الأخبار المروية عمن قبله، و ليس في تلك الأخبار ما يعادلها نفسها، سيما بعد اعتضادها بما عرفت.

و لقد أجاد المحقق الشيخ حسن في المنتقى على ما نقل عنه حيث اقتصر عليها في أدلة النجاسة، و فيها تصديق لما رواه الشيخان في الصحيح عن يونس بن عبد الرحمن (1)- الذي هو ممن أجمعت الصحابة على تصحيح ما يصح عنه، و أقروا له بالفقه و العلم- عن بعض من رواه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا أصاب ثوبك خمر أو نبيذ مسكر فاغسله ان عرفت موضعه، و ان لم تعرف موضعه فاغسله كله، فان صليت فيه فأعد صلاتك».

إذ الظاهر أن الرواية المأمور بأخذها هي هذه، لمطابقة متنها له، و اتحاد المروي عنه فيهما، و لقد قصر الكلام بعد ما عرفت عن إبداء العجب من هؤلاء المتأخرين في تشكيكهم بهذا الحكم المجمع عليه بين الأساطين، بل بين علماء المسلمين، بل كاد ان يكون ضروري مذهب أو دين، و ان كان أول من جرأهم عليه المصنف في المعتبر، و كيف لا يزداد العجب و لا معارض إلا ما سمعته من تلك الأخبار الواجبة للطرح أو التأويل أو الحمل على التقية من بعض المخالفين سيما من ربيعة الرأي، إذ هو على ما قيل من فقهاء المدينة و شيوخ مالك و كان في عصر الصادق (عليه السلام)، فلا غرو أن يتقى منه، خصوصا مع ملائمته لطباع السلاطين و ذي الشوكة من أمراء بني أمية و بني العباس

____________

(1) الوسائل- الباب- 38- من أبواب النجاسات- الحديث 3.

10

المولعين بشربها المتهالكين عليه، حتى انهم ربما حاولوا دفع التحريم عنه كما يشير اليه حديث المهدي العباسي (1) مع الكاظم (عليه السلام) و التظاهر بنجاستها تقذير عليهم و تنجيس لهم بشربها و مزاولتها، بل ربما نقل عن بعضهم انه كان يؤم الناس و هو سكران فضلا عن تلوثه و ثيابه بها، على ان الرمي بالنجاسة من أشد ما يكره على الطبع و أعظم ما يرد على النفس، و لا كذلك التحريم، خصوصا بالقياس إلى السلاطين الذين لا يتحاشون عن المحرمات، و اشتهار الفتوى بالنجاسة بين علمائهم لا ينافي ذلك، إذ لم يكن عليهم فيه تقية، بل كانوا يتظاهرون بخلاف ما هم عليه، و يجاهدونهم بالرد و الكفاح و لا يراقبونهم في ذلك، بل كان ذو الشوكة منهم يتحمله و لا يبالي به، لعلمه بأن ذلك لا يحدث فتقا في سلطانه، و لا يهدم ركنا في بنيانه، إذ لم يكن فيهم من يرشح نفسه للإمامة و الخلافة الكبرى و الرئاسة العظمى انما كانت التقية على أئمة الحق (ع) المحسودين للخلق، و هم الذين لا يدانيهم في الفضل أحد، و الذين ورد عليهم من حسد أئمة الجور ما قد ورد.

فما توهمه بعض الفضلاء- من أن تقية السلاطين لو اقتضت الحكم بالطهارة لكان أولى الناس بها فقهاء العامة، لشدة مخالطتهم إياهم و عكوفهم لديهم، مع أن معظمهم على النجاسة- في غير محله كما عرفت.

ثم انه قد يتوهم من إطلاق المتن كالقواعد و الإرشاد و الدروس و عن المبسوط و غيره نجاسة الجامد أصالة من المسكر، لكن صريح جماعة و ظاهر آخرين الطهارة، بل في المدارك القطع بها، و موضع من شرح الدروس عدم ظهور خلاف بين الأصحاب في ذلك، بل في آخر و الحدائق الظاهر اتفاقهم عليها، كنسبة الذخيرة تخصيص النجاسة بالمائع أصالة إلى الأصحاب، بل عن الدلائل دعوى الإجماع صريحا على طهارة الجامد.

____________

(1) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 13.

11

و لعله للأصل و العموم السالمين عن المعارض، لظهور تلك الأدلة في المائع من المسكر، و انسياقه إلى الذهن منها و لو من سياقها، حتى

موثق عمار (1) «لا تصل في ثوب أصابه خمر أو مسكر حتى يغسل»

كما يومي اليه عدم تقييد الإصابة فيه بالرطوبة.

إلا أنه قد يشكل- مضافا إلى ما يظهر من بعض الأخبار (2) من كون علة الحكم حرمة و نجاسة الإسكار، و أن كلما عاقبته الخمر فهو خمر- بإطلاق المنزلة المستفاد من نحو

قول الباقر (عليه السلام) في خبر عطاء (3) «كل مسكر خمر»

بل و بما تقدم سابقا من معروفية إطلاق الخمر في ذلك الزمان على المسكر، و لعله لذا قال في شرح الدروس: «انه لولا ظهور اتفاق الأصحاب و عدم ظهور الخلاف لكان مظنة للاحتياط» قلت: و هو كذلك خصوصا مع ضعف سند ما تضمن تلك الكلية، بل و دلالته بدعوى الانصراف إلى الحرمة و غيرها، و لا جابر بل الموهن متحقق.

[حكم المائع الأصلي لو جمد عارضا]

نعم قد يشكل الحكم بطهارة ما ماع منه بالعارض فصار شرابا، لشمول النصوص (4) حينئذ له بل و الفتوى، و أولويته من شراب مسكر يختلق في مثل هذا الزمان، و بهما ينقطع الاستصحاب، لكن صرح الشهيدان كما عن الفاضل في التذكرة بها، بل قد يظهر من الذخيرة و الحدائق الإجماع عليها، و لعله للأصل و الاستصحاب، و انسياق المائع أصالة من الأدلة، و هو لا يخلو من قوة خصوصا فيما كان لا مدخلية لميعانه في إسكاره، و لا كان موضوعا كذلك له.

أما المائع الأصلي لو جمد عارضا ففي الذكرى و عن التذكرة و المنتهى البقاء على النجاسة، و هو كذلك، خلافا لما عساه يظهر من التقييد بالمائع و نحوه في بعض

____________

(1) الوسائل- الباب- 38- من أبواب النجاسات- الحديث 7.

(2) الوسائل- الباب- 19- من أبواب الأشربة المحرمة.

(3) الوسائل- الباب- 15- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 5.

(4) الوسائل- الباب- 38- من أبواب النجاسات.

12

العبارات، للأصل مع عدم ظهور الأدلة في اشتراط استدامة نجاسته بميعانه و ان اشترط في الابتداء، و عدم معروفية الجمود من المطهرات، بل و ان ذهب مع جموده أو بدونه إسكاره أيضا لنفسه أي لا بممازجة مائع آخر و نحوه، لنحو ما سمعت.

لكن قد يشكل بالفرق بينه و بين ما تقدم من حيث تعليق الحكم هنا نصا و فتوى على المسكر المنتفي صدقه حقيقة عليه حينئذ دون الأول، بل قد يقتضي مفهومه حينئذ خلافه، بناء على حجيته حتى فيمن زال عنه الوصف بعد التلبس كمن لم يكن متلبسا، و احتمال الحكم بالنجاسة فيه لا لصدق الوصف بل للاستصحاب يدفعه- مع أنه لا وجه له بعد فرض ما قلناه من المفهوم- أنه لا يجري بعد تغير الموضوع.

و لعله لذلك كله كان ظاهر المحكي عن المنتهى أو صريحه الطهارة فيه، و هو قوي فيما انحصر دليل نجاسته في المعلق على الوصف المذكور، أما لو كان دليل آخر يستفاد منه نجاسته لم يعلقها على ذلك بل كانت معلقة على اسم لا يفرض انتفاؤه بانتفاء تلك الصفة كالخمر و النبيذ و نحوهما فقد يقوى حينئذ النجاسة، وفاقا لظاهر الأستاذ في كشف الغطاء، اللهم إلا أن يدعى انصرافه أيضا للمعهود المتعارف، و هو الواجد، فيبقى الأصل حينئذ لا معارض له، فتأمل جيدا.

و المدار في حصول الإسكار على المزاج المعتدل لا على سريع الانفعال أو بطيئه كما في أمثاله، مع احتمال ثبوت الحكم بحصول الأول، لتحقق ماهية الإسكار، كما أنه يكفي في نجاسة القليل تحقق الإسكار في الكثير منه للصدق في الصنف دون الشخص، فالمتكون في بعض حبات العنب و الممزوج بغيره كالترياق الفاروق كالكثير.

و في المسكر في بلاد دون أخرى أو إقليم دون آخر وجهان عموم النجاسة و خصوصها فيما تحقق فيه الوصف، ينشئان من تحقق الصدق و من دوران الحكم مدار الوصف، لكن يبعد الثاني عدم النظير شرعا في النجاسات.

13

و المرجع في معنى السكر و في الفرق بينه و بين الإغماء و نحوه العرف، و اليه يرجع ما قيل: إنه حالة تبعث على نقص العقل بالاستقلال بخلاف الإغماء، فإنه يقضى به بالتبع لضعف القلب و البدن، أو انه حالة تبعث على قوة النفس و ضعف العقل، و الإغماء على ضعفهما، و إن كان إيكالهما اليه كغيرهما من الألفاظ أولى.

[في حكم العصير العنبي إذا غلى]

و يستوي مع المسكرات في حكمها نجاسة و حرمة العصير العنبي كما في الوسيلة و القواعد و التحرير و المختلف و المنتهى و الإرشاد و الألفية و ظاهر الروض و المحكي من عبارة والد الصدوق، بل في المسالك و المدارك و المفاتيح و غيرها أنه المشهور بين المتأخرين، بل في الروض و الرياض و منظومة الطباطبائي و شرح الأستاذ للمفاتيح و عن غيرها حكاية الشهرة عليه من غير تقييد بذلك، كظاهر نسبته إلى أكثر علمائنا في المختلف، بل المخالف فيه ان كان هو المخالف في الخمر.

قال فيه: «الخمر و كل مسكر و الفقاع و العصير إذا على قبل ذهاب ثلثيه بالنار أو من نفسه نجس ذهب إليه أكثر علمائنا كالمفيد و الشيخ أبي جعفر و المرتضى و أبي الصلاح و سلار و ابن إدريس» ثم حكى خلاف ابن أبي عقيل في الخمر و العصير، بل عن الشهيد الثاني في شرح الرسالة أن تحقيق القولين في المسألة مشكوك فيه، بمعنى أنه لا قائل إلا بالنجاسة.

لكن في الذكرى بعد ذكره النجاسة عن ابن حمزة و المعتبر و التوقف عن نهاية الفاضل قال: و لم نقف لغيرهم على قول بالنجاسة، بل فيها و في البيان و لا نص على نجاسة غير المسكر، و هو منتف هنا إلا أن ذلك منه مع اختياره النجاسة في الرسالة غريب، و هو أول من مال إلى الطهارة بعد ابن أبي عقيل و المصنف في ظاهر النافع، بل كل من لم يذكره عند تعداد النجاسات كالجامع و غيره، سيما مع تعبيره بما يقتضي الحصر في غيره، اللهم إلا أن يكون مندرجا عندهم في الخمر أو المسكر و لو بالكثير منه،

14

و تبعه عليه جماعة ممن تأخر عنه منهم الشهيد الثاني و ولداه و شيخهما و الفاضل الهندي و سيد الرياض و غيرهم، للأصل و العموم السالمين عن معارضة ما يصلح لقطعهما.

قلت: قد يقطعهما ما في مجمع البحرين من انه نقل الإجماع من الإمامية على حرمته و نجاسته بعد غليانه و اشتداده معتضدا و منجبرا إرساله بما سمعت من الشهرة و بالمحكي عن أطعمة التنقيح من الاتفاق أيضا على أن عصير العنب إذا غلى حكمه حكم الخمر، و بالمحكي من الرضوي (1) الذي هو عين عبارة والد الصدوق التي ستسمعها.

و ب

قول الصادق (عليه السلام) في مرسل ابن الهيثم (2) بعد أن سئل عن العصير يطبخ في النار حتى يغلي من ساعته فيشربه صاحبه: «إذا تغير عن حاله و غلى فلا خير فيه حتى يذهب ثلثاه و يبقى ثلثه»

ك

قوله (عليه السلام) أيضا في خبر أبي بصير (3) و قد سئل عن الطلاء: «إن طبخ حتى يذهب منه اثنان و يبقى واحدة فهو حلال، و ما كان دون ذلك فليس فيه خير». و بالموثق المروي في التهذيب (4) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل من أهل المعرفة بالحق يأتيني بالبختج و يقول: قد طبخ على الثلث و أنا أعلم انه يشربه على النصف، فقال: خمر لا تشربه»

إلى آخره. و المناقشة فيه بعدم لفظ الخمر فيه في الكافي ضعيفة، لأولوية احتمال السقوط من الزيادة و ان كان الكليني أضبط، كالمناقشة فيه باحتمال إرادة الحرمة من التشبيه لا النجاسة، سيما بملاحظة سياق الخبر، و تفريع حرمة الشرب خاصة عليه، إذ هي- مع عدم الشاهد على التقييد المزبور، بل هو مناف لما استفيد من كثير من الأحكام من نظائره، بل منه نفسه كما تسمعه في الفقاع و سمعته

____________

(1) فقه الرضا (عليه السلام) ص 38.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 7.

(3) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 6.

(4) الوسائل- الباب- 7- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 4.

15

في غيره- مبنية على مجازية الخمر في العصير و استعارته له، و فيه بحث، بل المحكي عن ظاهر الكليني و الصدوق (1) منا و البخاري من غيرنا دعوى الحقيقة فيه، بل قيل عن المهذب البارع إن اسم الخمر حقيقة في عصير العنب إجماعا.

و لعله ظاهر كنز العرفان أيضا، قال فيه: «الخمر في الأصل مصدر خمره إذا ستره، سمي به عصير العنب و التمر إذا غلى و اشتد، لأنه يخمر العقل أي يستره، كما سمي سكرا لأنه يسكره أي يحجره» إلى آخره، كالمحكي في الفقيه من رسالة والده «اعلم يا بني إن أصل الخمر من الكرم إذا أصابته النار أو غلى من غير أن يمسه فيصير أعلاه أسفله فهو خمر» إلى آخره.

و ربما يومي اليه أيضا

قول الصادق (عليه السلام) (2) في الصحيح و غيره:

«الخمر من خمسة: العصير من الكرم، و النقيع من الزبيب»

الحديث. ك

قوله (عليه السلام) (3) و قد سئل عن ثمن العصير قبل أن يغلي فقال: «لا بأس به، و ان غلى فلا يحل» و في آخر (4) «إذا بعته قبل أن يكون خمرا و هو حلال فلا بأس»

و ما قيل من أن حده حد شارب الخمر.

كما أنه يؤيده مع ذلك كله ملاحظة ما ورد (5) من الأخبار في أصل تحريم الخمر و بدوّه و في غيره، فان السارد لها مع الانصاف يحصل له الظن القوي ان لم يكن القطع بدخول عصير العنب مع الغليان في مسمى الخمر حقيقة أو بمساواته له في حكمه من الحرمة و النجاسة.

____________

(1) هكذا في النسخة الأصلية و في هاشمة «الصدوقين» بدل «الصدوق».

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 58- من أبواب ما يكتسب به- الحديث 6 من كتاب التجارة.

(4) الوسائل- الباب- 58- من أبواب ما يكتسب به- الحديث 2 من كتاب التجارة.

(5) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الأشربة المحرمة.

16

و استبعاد الأول باعتبار الإسكار في مفهوم الخمر، و هو مفقود هنا بل هو مفروض محل النزاع، إذ لا إشكال في نجاسته معه لعموم الأدلة يدفعه إمكان منع الاعتبار أولا و ان كان هو وجه تسميته، بل قد تشعر بعض الأخبار (1) بأن وجهها تحقق الاختمار في ثمرتي الكرم و التمر بسبب جريان بول عدو الله إبليس في عروقهما.

و ثانيا منع عدم تحقق الإسكار فيه حتى بالكثير منه، نعم هو لم يكن معروفا بذلك، و لعله هو منشأ حرمته في علم الله ان لم يكن الظاهر.

بل ربما يومي اليه

ما ذكره العامة (2) في بدو أمر الطلاء، و هو المطبوخ من عصير العنب «ان عمر حين قدم إلى الشام شكى إليه أهلها وباء الأرض، و قالوا: لا يصلحنا إلا هذا الشراب، فقال: اشربوا العسل، فقالوا: ما يصلحنا العسل، فقال رجل من أهل الأرض: هل لك أن نجعل لك من هذا الشراب شيئا لا يسكر؟ فقال: نعم، فطبخوه حتى ذهب منه الثلثان فأتوا به عمر، فأدخل فيه إصبعه ثم رفع يده فتبعها مططا، فقال: هذا الطلاء مثل طلاء الإبل، فأمرهم أن يشربوه، ثم كتب إلى الناس أن اطبخوا شرابكم حتى يذهب منه نصيب الشيطان»

إلى آخره.

و كذا

خبر عمر بن يزيد (3) قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):

الرجل يهدى اليه البختج من غير أصحابنا، فقال: إن كان ممن يستحل المسكر فلا تشربه و إن كان ممن لا يستحل شربه فاقبله أو قال: فاشربه»

الحديث. و البختج العصير المطبوخ.

و قال العلامة الطباطبائي في مصابيحه بعد أن فرغ من بيان حرمة المطبوخ من

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 3.

(2) الغدير للأميني ج 6 ص 260 من طبعة طهران عن الموطإ للمالك ج 2 ص 180 في جامع تحريم الخمر.

(3) الوسائل- الباب- 7- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 1.

17

عصير العنب: «و هل الحكم بتحريم العصير قبل ذهاب ثلثيه تعبد محض، أو معلل بالاسكار الخفي المسبب عن الغليان، أو بعروض التغير له إذا بقي و طال مكثه؟ احتمالات أوسطها الأوسط، و قد بان لك وجهه مما مضى، و يأتي تحقيق ذلك إن شاء الله» انتهى.

قلت: و يزيده تأييدا و تأكيدا أنه قد استفاضت الروايات (1) بل كادت تكون متواترة بتعليق الحرمة في النبيذ و غيره على الإسكار، و عدمها على عدمه، مع استفاضة الروايات (2) بحرمة عصير العنب إذا غلى قبل ذهاب الثلثين، و حملها على التخصيص ليس بأولى من حملها على تحقق الإسكار فيه، بل هو أولى لأصالة عدم التجوز، بل لعله متعين لعدم القرينة، بل قد يقطع به لعدم ظهور شيء من روايات الحرمة في خروج ذلك عن تلك الكلية بل و لا إشارة.

و دعوى شهادة الوجدان بعدم الإسكار فيجب التخصيص ممنوعة أشد المنع، إذ من جرب ذلك فوجد خلافه و لو بالكثير منه خصوصا مع الاكتفاء به و لو بالنسبة إلى بعض الأمزجة في بعض الأمكنة و الأزمنة و الأهوية حتى الخفي منه، كلا أن دعوى ذلك فرية بينة.

و من ذلك كله يظهر لك إمكان منع دعوى فرض النزاع في معلوم عدم الإسكار، نعم هو ليس فيما علم تحقق الإسكار فيه، انما النزاع في العصير العنبي من غير تقييد، إذ لعل وصف الإسكار لازم له و لو بالكثير منه، فلو فرض البحث في فاقده كان نزاعا في موضوع و همي لا يليق بالفقيه، فالإنصاف انه لا علم للقائلين بالطهارة بعدم إسكاره حتى الكثير منه، كما انه لا علم للقائلين بالنجاسة بإسكاره و لو بالكثير منه، لعدم تعارف شرب مثله للسكر، اللهم إلا أن يستفيدوا من نجاسته ذلك بدعوى التلازم، أو ظهور الدخول في الخمر، أو غير ذلك.

____________

(1) الوسائل- الباب- 17- من أبواب الأشربة المحرمة.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الأشربة المحرمة.

18

و كيف كان فنجاسته على القول بها انما هي إذا غلى و اشتد كما في القواعد و الإرشاد و المنتهى، أو إذا غلى فقط كما في التحرير و المختلف و عن النزهة و التلخيص و أطعمة القواعد، أو إذا غلى بنفسه لا بالنار كما في الوسيلة، و يرجع الأول للثاني كالعكس بناء على إرادة الغليان من الاشتداد كما صرح به بعضهم، بل في ظاهر شرح الإرشاد للفخر الإجماع عليه، حيث قال فيه: «المراد بالاشتداد عند الجمهور الشدة المطربة، و عندنا أن يصير أعلاه أسفله بالغليان، أو يقذف بالزبد» كما في حاشية المدارك للأستاذ «أن تفسير الاشتداد بحصول الثخانة غير ظاهر من الأصحاب و غير ظاهر المأخذ» إلى آخره. أو إرادة الثخانة من الاشتداد كما في المسالك و غيرها، مع دعوى التلازم بينها و بين الغليان كما في الذكرى، نعم هما غيران بناء على إرادة القوام و الثخانة من الاشتداد المنفكين عن الغليان كما في الروض، بل عنه في حواشيه على القواعد القطع به، فينفك حينئذ التحريم عن النجاسة، لحصول الأول بمجرد الغليان، كما في الحدائق نفي الخلاف فيه نصا و فتوى، و توقف الثانية على الاشتداد بالمعنى المذكور، و لعل ذلك هو ظاهر المعتبر، حيث قال فيه: و في نجاسة العصير بغليانه تردد، أما التحريم فعليه إجماع فقهائنا، ثم منهم من أتبع التحريم بالنجاسة، و الوجه الحكم بالتحريم مع الغليان حتى يذهب ثلثاه، و لا ينجس إلا مع الاشتداد، لكن في الذكرى كأنه يرى الشدة المطربة، إذا الثخانة حاصلة بمجرد الغليان، قلت: فحينئذ لا يكون من القائلين بالنجاسة، لكن قد عرفت نسبة الفخر تفسير الشدة بذلك إلى الجمهور.

و كيف كان فلم نعرف مأخذا لاعتبار الشدة بمعنى الثخانة و القوام المنفكين عن الغليان في النجاسة دون التحريم، بل قضية ما سمعته من أدلة النجاسة السابقة عدا إجماع مجمع البحرين اتحادها مع الحرمة في السبب، على أنه لا تفسير فيه للشدة بذلك، بل ظاهر كل من قال بالنجاسة عدم هذا التفصيل،

و قول الصادق (عليه السلام) في المرسل السابق: «إذا تغير عن حاله و غلى فلا خير فيه»

لا دلالة فيه على ذلك،

19

كما أنه ليس في خصوص النجاسة.

فالأقوى في النظر عدم الفرق في الحرمة و النجاسة بذلك، خلافا لما يظهر من جماعة، نعم لو لا بعض العبارات لأمكن أن يراد بالشدة الحالة الملازمة للعصير إذا نش من قبل نفسه، و هو الذي أشار إليه الفخر بقذف الزبد، و مثله لا يسمى غليانا عرفا أو لا ينساق إلى الذهن منه، خصوصا بعد تفسيره في كلام جماعة بصيرورة الأعلى أسفل و بالعكس، ك

خبر حماد بن عثمان (1) عن الصادق (عليه السلام) «سأله عن الغليان، فقال: «القلب»

فلعل ما في المتن و نحوه من ذكر الغليان و الاشتداد يراد به حينئذ التعميم للفردين: أي ما على بأن صار أعلاه أسفل و بالعكس، و ما اشتد حتى قذف الزبد بأن نش لا انه يراد اجتماعهما في عصير واحد، نعم كان عليه الإتيان بأو بدل الواو، ك

قول الصادق (عليه السلام) في خبر ذريح (2): «إذا نش العصير أو غلى حرم»

إلى آخره، و هو هين.

ثم ان ظاهر المصنف و غيره بل و ما سمعته سابقا من أدلة النجاسة عدم الفرق بين الغليان بنفسه أو بالنار، لكن قد عرفت قصر النجاسة في الوسيلة على الأول، و الحرمة خاصة على الثاني، و لعل وجهه صيرورته خمرا بذلك لحصول الاختمار فيه دون الثاني.

و ربما يومي اليه بعض الأخبار ك

خبر الساباطي (3) قال: «وصف لي أبو عبد الله (عليه السلام) المطبوخ كيف يطبخ حتى يصير حلالا، فقال: تأخذ ربعا من زبيب و تنقيه و تصب عليه اثنى عشر رطلا من ماء ثم تنقعه ليلة، فإذا كان أيام الصيف و خشيت أن ينش جعلته في تنور مسجور قليلا حتى لا ينش، ثم تنزع الماء منه كله»

الحديث.

فان قوله (عليه السلام): «فإذا كان» إلى آخره ظاهر في صيرورته خمرا بنشيشه في

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 3- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 4.

(3) الوسائل- الباب- 5- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 2.

20

نفسه، و هو الذي يخشاه، بخلاف الغليان في النار، فإنه يحرم حينئذ و لا ينجس، و نحوه في هذا الإيماء غيره، لكن قد يقال بخروجه عن محل النزاع، إذ البحث في العصير و ما تضمنه الخبر من النبيذ، اللهم إلا أن يدعى مساواته له في ذلك أو أولويته، فتأمل.

[في حكم غير عصير العنب من التمر و الزبيب و الحصرم و غيرها]

و كذا ظاهر المتن و غيره عدم النجاسة في غير عصير العنب من التمر و الزبيب و الحصرم و غيرها، بل صرح به في جامع المقاصد و الروض و غيرهما، بل عن حواشي القواعد و المقاصد العلية دعوى الإجماع على ذلك في غير الزبيب، بل في الحدائق الظاهر انه لا خلاف في طهارة الزبيب أيضا، كما عن الذخيرة أني لا أعلم بنجاسته قائلا.

قلت: لكن قد يفهم من جامع المقاصد و الروض تحقق الخلاف في الزبيبي، بل في كشف اللثام انه لعل من العنبي الزبيبي، بل في منظومة الطباطبائي حكاية القول بنجاسته و التمري صريحا، و لعله أخذه من إطلاق العصير من بعض القائلين بالنجاسة كابن حمزة و العلامة و غيرهما، بناء على كونه للأعم من العنبي و الزبيبي و التمري، أو أراد به ما يظهر من المحكي عن الأستاذ الأكبر، بل كاد يكون صريحه كالشيخ في التهذيب، حيث انه قال بعد أن روى خبر عثيمة (1) المتضمن لاهراق النضوح في البالوعة: فأما ما رواه

سفيان بن مسلم عن علي الواسطي (2) قال: «دخلت جويرية على أبي عبد الله (عليه السلام) و كانت صالحة فقالت: إني أتطيب لزوجي فيجعل في المشطة التي أمتشط بها الخمر، فأجعله في رأسي قال: لا بأس»

فلا ينافي الخبر الأول، لأنه محمول على ما رواه

الساباطي (3) عن الصادق (عليه السلام) «عن النضوح قال:

____________

(1) الوسائل- الباب- 32- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 37- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 2 و في الوسائل عن سعدان بن مسلم عن علي الواسطي.

(3) الوسائل- الباب- 37- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 1.

21

يطبخ التمر حتى يذهب ثلثاه و يبقى ثلثه ثم يتمشط»

إذ هو ظاهر في حرمته و نجاسته عنده قبل ذهاب الثلثين، كما اعترف به الفاضل المذكور في مصابيحه، أو انه عثر على ما لم نعثر عليه كما هو مظنة ذلك.

و على كل حال فلا ريب في ضعفه في التمري بعد الأصل و العمومات، و ما سمعته من الإجماعين و غير ذلك، بل ينبغي القطع بفساده بناء على حليته و عدم حرمته و ان لم يذهب ثلثاه بالغليان كما هو الأظهر الأشهر بل المشهور، بل في الحدائق «انه كاد يكون إجماعا، بل هو إجماع في الحقيقة، فإنا لم نقف على قائل بالحرمة ممن تقدمنا من الأصحاب (رضوان الله عليهم)، و انما حدث القول بذلك في هذه الأعصار المتأخرة» انتهى. كما عن رسالة مولانا أبي الحسن و رياض المسائل حكاية نفي الخلاف عن بعض الأصحاب، بل في الأول حكاية الإجماع عن بعض الفضلاء، بل ربما استظهر نفيه أي الخلاف من اللمعتين و أطعمة المسالك أيضا.

و لا ينافيه تردد الفاضلين بذلك في حدود الشرائع و القواعد، و لا قولهما:

«الأشبه و الأقرب» إذ لعله لتعارض الامارات لا لوجود القائل، بل هو الظاهر منهما سيما الأول، كما يومي اليه عدم حكاية ذلك في وجه التردد عن أحد من شراح كلامهما للأصول العقلية و الشرعية السالمين عن المعارض المعتضدين بالسيرة و العمل من سائر المسلمين في عصرنا هذا الكاشف عما قبله، و لتعليق الحل و الحرمة على الإسكار و لو بالكثير و عدمه في الأخبار (1) المستفيضة جدا ان لم تكن متواترة، و فيها الصحيح و الحسن و غيرهما المتضمنة أسئلتها عن نبيذ التمر و غيره، حتى انه في خبر ابن وهب (2) عن الصادق (عليه السلام) «قلت له: إن رجلا من بني عمي من صلحاء مواليك أمرني أن أسألك عن النبيذ فأصفه لك، فقال (عليه السلام): أنا أصفه لك، قال رسول الله

____________

(1) الوسائل- الباب- 17- من أبواب الأشربة المحرمة.

(2) الوسائل- الباب- 17- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 1.

22

(صلى الله عليه و آله): كل مسكر حرام، فما أسكر كثيره فقليله حرام»

الحديث.

و دعوى عدم منافاتها لتحقق الإسكار فيه و لو خفيا بغليانه قبل ذهاب ثلثيه و لو باعتبار بعض الأمزجة أو الأمكنة أو الأزمنة أو الأهوية، و من جرب ذلك بالكثير منه فوجد خلافه مع الغض عما فيها من الاكتفاء بذلك البعض، و إجمال الكثرة و غيرهما ممنوعة أشد المنع، لعدم الشاهد لها من عقل أو شرع أو عرف، بل لعل الأخيرين شاهدا عدل على خلافها، إذ الوجدان و العيان على عدم تحقق الإسكار بأكثر ما يستطيع شربه الإنسان، و ترك الشارع بيانه في وقت الحاجة و السؤال مع شدة خفائه إن فرض إسكاره أكبر شاهد على عدمه، بل كاد يكون خبر محمد بن جعفر (1) عن أبيه (ع) في القوم الذين قدموا من اليمن فأرسلوا وفدا لهم يسأل رسول الله (صلى الله عليه و آله) عن عصير التمر ثم لم يكتفوا بذلك حتى سألوه بأنفسهم صريحا في ذلك سؤالا و جوابا (2) مع

____________

(1) الوسائل- الباب- 24- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 6.

(2)

قال: «قدم على رسول الله (صلى الله عليه و آله) من اليمن قوم، فسألوه عن معالم دينهم فأجابهم فخرج القوم بأجمعهم، فلما ساروا مرحلة قال بعضهم لبعض: نسينا أن نسأل رسول الله (صلى الله عليه و آله) عما هو أهم إلينا. ثم نزل القوم ثم بعثوا وفدا لهم فأتى الوفد رسول الله (صلى الله عليه و آله) فقالوا: يا رسول الله (ص) إن القوم بعثوا بنا إليك يسألونك عن النبيذ، فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): و ما النبيذ؟

صفوه لي، فقالوا: يؤخذ من التمر فينبذ في إناء ثم يصب عليه الماء حتى يمتلئ و يوقد تحته حتى ينطبخ، فإذا انطبخ أخذوه فألقوه في إناء آخر ثم صبوا عليه ماءا ثم يمرس ثم صفوه بثوب ثم يلقى في إناء ثم يصب عليه من عكر ما كان قبله ثم يهدر و يغلى ثم يسكن على عكره، فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): يا هذا قد أكثرت أ فيسكر؟ قال: نعم، فقال:

فكل مسكر حرام، قال: فخرج الوفد حتى انتهوا إلى أصحابهم فأخبروهم بما قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) فقال القوم: ارجعوا بنا إلى رسول الله (ص) حتى نسأله عنها شفاها و لا يكون بيننا و بينه سفير، فرجع القوم جميعا، فقالوا: يا رسول الله (ص) إن أرضنا الأرض دوية و نحن قوم نعمل الزرع و لا نقوى على العمل إلا بالنبيذ، فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه و آله): صفوه لي فوصفوه كما وصفه أصحابهم، فقال رسول الله (صلى الله عليه و آله): أ فيسكر؟ فقالوا: نعم، قال: كل مسكر حرام،

(منه (رحمه الله)).

23

وضوح دلالته على أصل المطلوب من وجوه أخر، فلاحظ.

لا يقال: إنه لعل الشارع قد استغنى عن بيان إسكاره ببيان الحرمة المستفادة من

قول الصادق (عليه السلام) في صحيح ابن سنان (1): «كل عصير أصابته النار فهو حرام حتى يذهب ثلثاه و يبقى ثلثه»

و في خبر ذريح (2) «إذا نش العصير أو غلى حرم»

و نحوهما في إفادة ذلك غيرهما (3) و من

قوله (عليه السلام) أيضا في موثقة عمار (4) بعد أن سأله «عن النضوح المعتق كيف يصنع به حتى يحل؟ قال: خذ ماء التمر فأغله حتى يذهب ثلثا ماء التمر»

ك

خبره الآخر (5) «سألته عن النضوح، قال: يطبخ التمر حتى يذهب ثلثاه و يبقى ثلثه، ثم يتمشطن»

و من الأخبار (6) الدالة على حرمة النبيذ الذي يوضع فيه العكر و القعوة، فيغلي و يهدر ثم يسكن، و من غير ذلك كاشعار خبر (7) طلب إبليس من حواء في آخر عمر آدم (عليه السلام) بعد أن طرده آدم أن تطعمه من ثمرة الكرم و النخل، فأطعمته، إلى آخره، و غيره.

أو يقال: إن هذه الأدلة و إن لم تفد إسكاره لكن تفيد حرمته، فيخرج بها عن تلك الأصول و العمومات، على أن العمدة منها ظواهر ما دل على إباحة غير المسكر،

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الأشربة المحرمة.

(2) الوسائل- الباب- 3- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 4.

(3) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الأشربة المحرمة.

(4) الوسائل- الباب- 32- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 2.

(5) الوسائل- الباب- 37- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 1.

(6) الوسائل- الباب- 24- من أبواب الأشربة المحرمة.

(7) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 3.

24

و لعلها لا تنافيها لا للعلم لكونه مسكرا بل لأن احتمال ذلك فيه كاف في عدم المنافاة، و دعوى العلم- بعدم الإسكار حتى بالكثير منه و لو لبعض الأمزجة، بناء على الاكتفاء به فينا فيها حينئذ- فرية بينة، إذ من اختبر ذلك فوجد خلافه.

لأنا نقول: لا دلالة في الحرمة على الإسكار، لكونها أعم منه كما هو واضح، كوضوح قصور هذه الأخبار عن إفادة أصل الحرمة أيضا بحيث يخرج بها عن تلك الأصول و العمومات و غيرها المعتضدة بما عرفت، سيما بعد ابتناء دلالة الصحيح و غيره على تناول لفظ العصير لغة أو شرعا للمستخرج من نحو التمر و الزبيب، و هو محل بحث.

بل بالغ المحدث البحراني في حدائقه بإنكاره، فقال: إن اللغة و الشرع و العرف على خلافه إنما يسمى التمر و الزبيب نبيذا و نقيعا مستظهرا ذلك من المصباح المنير و نهاية ابن الأثير و القاموس و مجمع البحرين في مادة عصر و نقع و نبذ، و من نحو

قول الصادق (عليه السلام) في الصحيح (1) قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): «الخمر من خمسة:

العصير من الكرم، و النقيع من الزبيب، و التبع من العسل، و المرز من الشعير، و النبيذ من التمر»

إلى آخره. و الأخبار (2) الواردة في علة الحرمة بعد الغليان قبل ذهاب الثلثين الواردة في خصوص العنب، و من شهادة العرف بعدم صدق العصير إلا على الأجسام التي فيها مائية لاستخراج مائها كالعنب و الرمان و نحوهما، بخلاف الأجسام الصلبة التي فيها حلاوة و حموضة و أريد استخراجهما منها بنبذها في الماء و نقعها كما هو المعروف في الصدر الأول أو بغليانها في النار.

و هو و إن أمكن مناقشته في جميع ذلك لكن الإنصاف أنه إن لم يكن حقيقة

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الأشربة المحرمة.

25

فيه إلا أنه المنساق الى الذهن من إطلاق الأدلة، بل هو المتعارف المعهود المعبر عنه فيها تارة بالعصير، و أخرى بالطلاء، و ثالثة بالبختج، و الذي طفحت الأخبار (1) في حرمته قبل ذهاب الثلثين و في بيان علة ذلك، كما هو واضح لمن لاحظها جميعها بتأمل و تدبر، خصوصا ما ورد (2) منها في السؤال عن بيعه قبل أن يصير خمرا.

و يؤيده ما قيل من عدم استدلال أحد من الأصحاب كالمصنف و العلامة و غيرهما بهذه الأخبار مع كثرتها و استفاضتها، و كونها بمرأى منهم و مسمع، بل لا يبعد كونه كذلك في كلمات الأصحاب، كما عن القطيفي في الهادي القطع به، و إن أنكره العلامة الطباطبائي في مصابيحه، بل قد يظهر منه ذلك حتى بالنسبة للأخبار أيضا، كصريح المحكي عن مولانا أبي الحسن و الأستاذ الأكبر.

لكن التحقيق ما قلناه و لا ينافيه خصوص الصحيح (3) المسور ب«كل» الظاهر في تعدد الأفراد بل تكثرها، و إن علم خروج غير المعتصر من ثمرتي الكرم و النخل بالإجماع و غيره بل الضرورة، إن لم نقل بتنزيل عموم الصحيح على المتعارف من أفراد العصير، بل لعل غيرهما لا يسمى عصيرا، لما فيه على التقدير الأول من كون الخارج أضعاف الداخل، بل انتهاء التخصيص الى المستنكر المستقبح عرفا، مع عدم دليل من الأخبار على الإخراج في كثير من أفراده حينئذ، و على الثاني من منافاته للعموم اللغوي أولا، و عدم تسليم التعارف في الثلاثة ثانيا، فضلا عن الوضع للقدر المشترك بينها.

و مع ذا فهو ليس بأولى من حمله على إرادة العموم بالنظر الى أفراد العنب و أقسامه و الى ما ظهر إسكاره أو اتخذ له و عدمه، و الى ما أخذ من كافر أو مسلم مستحل لما دون الثلثين و عدمه، و الى الممزوج بغيره مع عدم الاستهلاك و عدمه، الى غير ذلك.

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الأشربة المحرمة.

(2) الوسائل- الباب- 58- من أبواب ما يكتسب به من كتاب التجارة.

(3) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 1.

26

و ربما يؤيده تعرض النصوص لحكم العصير في بعض الأحوال المذكورة أو أكثرها، بل لعل تنزيل الصحيح على ذلك متعين بناء على ما سمعته من معروفية إطلاق العصير على خصوص العنبي، و أما خبر النضوح (1) فلعل الوجه فيهما إرادة التعليم لدفع الخمرية الحاصلة من إنباذ التمر و إنقاعه، و ذلك لأن النضوح ضرب من الطيب يتخذ من ماء التمر و غيره، و قد حكي عن بعض الأفاضل في كيفيته أنه ينقعون التمر و السكر و القرنفل و التفاح و الزعفران و أشباه ذلك في قارورة فيها قدر مخصوص من ماء و يشد رأسها و يصبرون أياما حتى ينش و يتخمر، و هو شائع بين نساء الحرمين، و كيفية تطيب المرأة به أن تحط الأزهار بين شعر رأسها ثم ترشرش به الأزهار لتشتد رائحتها.

قلت: و لذا أمر الصادق (عليه السلام) بإهراقه في البالوعة في خبر عثيمة (2) قال: «دخلت عليه و عنده نساؤه، فشم رائحة النضوح، فقال: ما هذا؟ قالوا: نضوح يجعل فيه الضياح، فأمر به فأهريق في البالوعة»

الحديث. فأراد الإمام (عليه السلام) بذهاب الثلثين زوال الأجزاء المائية التي هي منشأ الاختمار كما في العنب.

و يومي إلى ذلك كله ما عرفته من أن النضوح انما يستعمل في غير المأكول، و من اعتبر ذهاب الثلثين انما يعتبرها للأكل، فيعلم حينئذ إرادة التخلص بذلك عن الخمرية المورثة نجاسة في الشعر و غيره من محال الطيب، و هو الذي سأل الراوي عن حله، اللهم إلا أن يكون القائل باعتبار الثلثين اعتبر ذلك بالنسبة للحرمة و النجاسة، كما لعله الظاهر من المحكي عن بعضهم، إلا أنك قد عرفت سابقا حكاية الإجماع على الطهارة.

و كيف كان فحمل الخبرين على ما ذكرنا متجه، لا أقل من الاحتمال المبطل للاستدلال، نعم هما مشعران بحرمة بل و نجاسة نبيذ التمر إذا طرح فيه بعض الأجسام

____________

(1) الوسائل- الباب- 32- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 2 و الباب 37 الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 32- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 1.

27

التي تفعل فيه الغليان و النشيش و خروج الزبد، بل هو النبيذ المسكر المتخذ منه أو الزبيب أو منهما، بل لعل الثاني يندرج في الفقاع، بناء على اتخاذه من غير الشعير الذي كان معروفا في ذلك الزمان الذي استفاضت الأخبار (1) أو تواترت بالنهي عنه، و بما يفيد نجاسته.

بل الظاهر ان منه ما حصل فيه ذلك الغليان فيه بطول المكث أيضا مع كثرة التمر الملقى و قلة الماء مثلا، كما يشعر به الخبران أيضا، و يومي اليه جملة من الأخبار، كخبر الساباطي (2) المتقدم سابقا في الاستدلال لابن حمزة على نجاسة العصير إذا غلى لنفسه. و خبر أيوب بن راشد (3) قال: «سمعت أبا البلاد يسأل أبا عبد الله (عليه السلام): عن النبيذ، فقال: لا بأس به، فقال: إنه يوضع فيه العكر، فقال (عليه السلام): بئس الشراب، و لكن انبذوه غدوة و اشربوه بالعشي، قال: فقلت:

جعلت فداك هذا يفسد بطوننا، قال: فقال أبو عبد الله (عليه السلام): أفسد لبطنك أن تشرب ما لا يحل لك». و خبر الكلبي النسابة (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن النبيذ، فقال: حلال، قلت: إنا ننبذه فنطرح فيه العكر و ما سوى ذلك، فقال: شه شه تلك الخمرة المنتنة، قلت: جعلت فداك فأي نبيذ تعني؟ فقال: إن أهل المدينة شكوا إلى النبي (صلى الله عليه و آله) تغير الماء و فساد طبائعهم، فأمرهم أن ينبذوا، و كان الرجل منهم يأمر خادمه أن ينبذ له، فيعمد إلى كف من تمر فيلقيه في الشن، فمنه شربه

____________

(1) الوسائل- الباب- 27- من أبواب الأشربة المحرمة.

(2) الوسائل- الباب- 5- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 30- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الماء المضاف- الحديث 2 مع اختلاف في الألفاظ.

28

و منه طهوره، فقلت: و كم كان عدد التمرات التي كانت تلقى؟ قال: ما يحمل الكف، قلت: واحدة و اثنتين، فقال: ربما كانت واحدة، و ربما كانت اثنتين، فقلت: و كم يسع الشن ماء؟ فقال: ما بين الأربعين إلى الثلاثين إلى ما فوق ذلك، فقلت:

بالأرطال فقال: أرطال بمكيال العراق».

ك

خبر صفوان الجمال (1) «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): جعلت فداك أصف لك النبيذ، فقال لي: بل أنا أصفه لك، قال رسول الله (صلى الله عليه و آله):

كل مسكر حرام، و ما أسكر كثيره فقليله حرام، فقلت له: هذا نبيذ السقاية بفناء الكعبة؟ فقال لي: ليس هكذا كانت السقاية، انما كانت السقاية زمزم، أ فتدري من أول من غيرها؟ قال: لا، قال: العباس بن عبد المطلب كانت له حبلة، أ فتدري ما الحبلة؟ قال: الكرم، كان ينقع الزبيب غدوة و يشربونه بالعشي، و ينقعه بالعشي و يشربونه من الغد، يريد أن يكسر غلظ الماء عن الناس، و ان هؤلاء قد تعدوا، فلا تشربه و لا تقربه». و خبر حنان بن سدير (2) عن الصادق (عليه السلام) إلى أن قال فيه: «ما هذا النبيذ الذي أذنت لأبي مريم في شربه أي شيء هو؟ فقال: أما أبي (عليه السلام) فإنه كان يأمر الخادم»

فيجيء بقدح، و يجعل فيه زبيبا و يغسله غسلا نقيا ثم يجعله في إناء ثم يصب عليه ثلاثة مثله أو أربعة ماء، ثم يجعله بالليل و يشربه بالنهار، و يجعله بالغداة و يشربه بالعشي، و كان يأمر الخادم بغسل الإناء في كل ثلاثة أيام لئلا يغتلم، فان كنتم تريدون النبيذ فهذا هو النبيذ» إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة الظاهرة في حرمته بمجرد غليانه بنفسه و نشيشه و خروج زبدة، و لعلك تسمع بعضها إن شاء الله أيضا.

____________

(1) الوسائل- الباب- 17- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 3 مع اختلاف يسير.

(2) الوسائل- الباب- 22- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 5.

29

و من هنا يظهر لك انه لا وجه للاستدلال بها على ما نحن فيه من عصير التمر المغلي بالنار و نحوها، لوضوح عدم اندراجه في شيء منها، نعم هي كغيرها ظاهرة في حرمة ما قلناه من النبيذ إذا نش و غلى بنفسه و خرج زبدة و لو بطول المكث، و لا ينافيه ما دل على إباحة غير المسكر، إذ لعل كثيره كذلك إذا بلغ هذا الحد، كما هو الظاهر من الأخبار أيضا.

و كان عبارات جملة من الأصحاب ظاهرة فيه ان لم تكن صريحة، منها عبارة الشيخ في النهاية «لا بأس بشرب النبيذ غير المسكر، و هو أن ينقع التمر أو الزبيب ثم يشربه، و هو حلو قبل أن يتغير- و قال-: و يجوز أن يعمل الإنسان لغيره الأشربة من التمر و الزبيب و العسل و غير ذلك، و يأخذ عليه الأجرة و يسلمها اليه قبل تغيرها» إذ قد اكتفى في تحقق البأس بمجرد التغير، و منه ما ذكرنا قطعا.

و منها ما في الوسيلة «ان النبيذ هو أن يطرح شيء من التمر أو الزبيب في الماء، فان تغير كان في حكم الخمر، و ان لم يتغير جاز شربه و التوضؤ منه ما لم يسلبه إطلاق اسم الماء» كالذي في المهذب «يجوز شرب النبيذ الذي لا يسكر، مثل أن يلقى التمر أو الزبيب في الماء المر أو المالح، و ينقع فيه إلى أن يحلو، فان تغير لم يجز شربه».

و في السرائر «فأما عصير العنب فلا بأس بشربه ما لم يلحقه نشيش بنفسه، فان لحقه طبخ قبل نشيشه حتى يذهب ثلثاه و يبقى ثلثه حل شرب الثلث الباقي، فان لم يذهب ثلثاه و يبقى ثلثه كان حراما، و كذلك فيما ينبذ من الثمار في الماء أو اعتصر من الأجسام من الأعصار في جواز شربه ما لم يتغير، فان تغير بالنشيش لم يشرب».

و في الدروس «و لا يحرم المعتصر من الزبيب ما لم يحصل فيه نشيش، فيحل طبيخ الزبيب على الأصح، لذهاب ثلثيه بالشمس غالبا، أو خروجه عن مسمى العنب، و حرمه بعض مشايخنا المعاصرين» إلى آخره، بل في آخر كلامه ما هو كالصريح

30

في صيرورته بذلك فقاعا.

نعم يظهر منه في اللمعة كحدود الكتاب و القواعد و التحرير و الإرشاد و غيرها انفكاك الإسكار عن الغليان بنفسه و نحوه، و لذا جعلوا مدار الحرمة على الأول دون الثاني، إلا أنك قد عرفت ظهور الأخبار في حرمته بالثاني، و لعله لتحقق الإسكار الخفي فيه و لو بالكثير، بل يقوى في النظر كما لعله الظاهر من عبارة السرائر و غيرها عدم حله بعد ذلك بذهاب الثلثين.

نعم يحل بصيرورته خلا كالخمر، كما يومي اليه خبر الساباطي (1) المتقدم سابقا في الاستدلال لابن حمزة كخبر الهاشمي (2) بل يظهر من السرائر و المحكي من عبارة والد الصدوق أيضا ذلك بالنسبة إلى عصير العنب إذا نش بنفسه، كما هو صريح الوسيلة، فأحله بذهاب الثلثين، لكن إطلاق الأصحاب كالنصوص (3) الحل بذهابهما ينافيه، اللهم إلا أن ينزل ذلك على خصوص المغلي بالنار مثلا لا بنفسه، لدخوله تحت الخمر حينئذ، فلا يطهر به إلا أن صريح جماعة أو كالصريح عدم الفرق في الحل بذلك بين الغليان بالنار و نفسه.

و كيف كان فقد ظهر لك ضعف التمسك بأخبار النبيذ على ما نحن فيه، كالتمسك بخبر سؤال إبليس من حواء إطعام التمر و الكرم (4)، بل لعل تأمله يشهد للمطلوب، فلاحظ و تأمل، و كذا قد ظهر مما قدمناه سابقا ما في الدعوى الأخيرة من احتمال تحقق الإسكار في المغلي من عصير التمر قبل ذهاب الثلثين، و ان الوجدان و غيره شاهدا عدل على نفيه، اللهم إلا أن يريد بالكثير ما يشرف الإنسان على الموت، و هو كما ترى، فبان بحمد الله حينئذ حل عصير التمر المغلي بالنار و ان لم يذهب ثلثاه، من غير

____________

(1) الوسائل- الباب- 5- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 5- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 4.

(3) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الأشربة المحرمة.

(4) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 3.

31

فرق بين الرطب منه و التمر، و ان حكي عن غاية المرام الفرق، فجعل الأول خاصة كالعنب، لكن لم نعرف له مأخذا سوى ما سمعته من التعليل لحل عصير الزبيب بأنه قد ذهب ثلثاه بالشمس، و هو كما ترى.

خلافا لظاهر الشيخ في التهذيب و محتمل السرائر أو ظاهرها و عن صريح الشيخ سليمان بن عبد الله البحراني و السيد نعمة الله و مولانا أبي الحسن و الأستاذ الأكبر و غيرهم، فاعتبروا في حل التمري ذهاب الثلثين كالعنب، مستظهرا له الأخير من الصدوق و الكليني أيضا، بل و من غيرهم، بل قد تعطي بعض كلماته دعوى الاتفاق عليه قبل زمن الفاضلين، لكنه ليس كذلك على الظاهر، و لعله أخذه من نصهم على حرمة النبيذ، و قد عرفت أنه ليس مما نحن فيه، أو إطلاق بعضهم حرمة العصير، و قد عرفت أن الظاهر منه العنبي، و نسأل الله تعالى أن يوفقنا لإتمام الكلام، و إنهاء المرام في غير المقام، و ان كان قد وفق هنا لذلك المهم من النقض و الإبرام على غير أهبه له و استعداد عدا التوكل على رب العباد.

[في حكم العصير الزبيبي إذا غلى]

و منه ظهر ضعف القول بنجاسته حينئذ، كضعفه بالنسبة للزبيبي أيضا، للأصل و العمومات و ترك الإشارة في شيء من الأدلة إليه، سيما مع عموم البلوى به و كثرة استعماله، بل قد يومي التأمل في ترك ذلك في بعضها، كالمشتمل منها على كيفية عمله إلى عدمه.

و دفع ذلك كله- بكونه عنبا جففته الشمس فينجس عصيره حينئذ بناء عليه، و باستصحاب حكمه حال عنبيته و ان تغير الاسم بعد بقاء الحقيقة، إذ لا تقييد فيما دل على حجيته بعدم تغيره، بل يشهد لعدمه حكم الحنطة و القطن و الطين بعد صيرورتها دقيقا و عجينا و خبزا و غزلا و ثوبا و لبنا بل و خزفا و آجرا، و لا ينافيه معروفية تبعية الأحكام للأسماء، إذ المراد انتفاء الحكم من جهة الاسم بانتفاء الاسم في مقابلة بطلان القول بالقياس، أي التعدي عن المسمى الجامع، أو القول بثبوت حكم حالة سابقه من

32

أحوال الماهية بثبوته في حالة أخرى لاحقة، كتحريم الحصرمي بتحريم العنبي، أو القول بثبوته مع تبدل الحقيقة و الماهية كالكلب يصير ملحا، و إلا فليس المراد انتفاء الحكم بانتفاء التسمية مطلقا و لو بدليل آخر شرعي، كآية أو إجماع أو استصحاب، فان التخصيص بالذكر لا يقتضي التخصيص بالحكم إلا بمفهوم اللقب الذي ليس بحجة عندنا، فالاسم حينئذ كشف عن تعلق الحكم بالماهية و الحقيقة التي لم تنتف بانتفائه هنا بشهادة عدم طهر العنب لو تنجس بالزبيبية- واضح الفساد، إذ الأول قياس، بل من الباطل منه أو راجع إلى الثاني الذي (1) يدفعه أولا منع عدم كون ما نحن فيه من تبدل الحقيقة، و عدم طهارة العنب المتنجس بالزبيبية لعله لا لعدم انتفاء الحقيقة، بل لعدم كون مدار نجاسته الاسم حتى يطهر بانتفائه انما هو لكونه جسما لاقى نجاسة فينجس بها، و الجسمية لم تذهب بالزبيبية قطعا، و كذا البحث في طهارة كل متنجس بالاستحالة، و ثانيا ظهور تعليق الحكم على الاسم في دورانه على مسمى ذلك الاسم، لا حقيقته المعتورة عليها بسبب أحوالها أسماء مختلفة، فإن تلك لم يوضع لها اللفظ، فلا يستفاد حكمها منه، و الأمثلة السابقة مما علم تعلق الحكم فيها على الحقيقة التي لم تنتف بانتفاء الاسم، و لذا ثبت الحكم فيها مع انتفائه، بخلاف ما هنا، فلم يثبت، و ليس من حجية مفهوم اللقب في شيء، إذ لا دلالة فيه على نفي الحكم عن غير المسمى، بل هو بحسب الأدلة من الأصول و غيرها، و من هنا اشتهر عندهم تبعية الحكم للاسم، و انه لا استصحاب مع تغير الموضوع، بل كان جريان الاستصحاب في نحو ما نحن فيه و دعوى شمول أدلته من منكرات أهل هذا الفن، بل قد يندرج في قسم القياس المحرم.

و احتمال القول ان الاستصحاب انما هو لنفي احتمال مدخلية بقاء مسمى الاسم

____________

(1) ليس في النسخة الأصلية لفظة «الذي» و الصحيح ما أثبتناه.

33

و أمثاله في الحكم، بل لا استصحاب إلا و هو لنفي الشك في اعتبار الحال الأول في العلة التامة للحكم المستصحب يدفعه وضوح الفرق بين الحال المستفاد من تعليق الحكم على الاسم و نحوه و بين غيره، لظهور دخوله في موضوع الحكم بخلافه.

و من ذلك كله يظهر لك أنه لا وجه للاستدلال بهذا الاستصحاب على حرمة عصيره في مقابلة المعروف من القول بالحل بين الفاضلين و من تأخر عنهما، و ان اعتمده العلامة الطباطبائي في مصابيحه في اختياره لها بعد أن تجشم ثبوت شهرة القول بها بين الأصحاب أو بين القدماء كشهرة الحل بين المتأخرين، حتى انه أنكر على من نسب الحل إلى المشهور على الإطلاق، و هو و إن كان قد دقق النظر و أجاد، و جاء بفوق ما هو المراد، بل بما لم يسبقه إليه أحد من الأطواد.

لكن في جملة مما استنبطه من قول العلماء في تحقيق هذه الشهرة نظر و تأمل، كما عرفته من النظر في استدلاله عليها بالاستصحاب، بل و استدلال غيره أيضا عليها بأخبار العصير و النبيذ و نحوهما مما تقدم في التمري، لما مر فيه، و كذا استدلال القائلين بالحلية ب

صحيحة أبي بصير (1) «كان الصادق (عليه السلام) يعجبه الزبيبية»

و بذهاب ثلثيه و زيادة بالشمس، لما في الأولى من إجمال الكيفية المنافي للاستدلال على ما نحن فيه من العصيرية، و لعدم الاعتداد بالثاني بعد تسليمه إذا لم يتعقب نشيشا و غليانا، و دعوى حصولهما و صدق مسماهما عرفا و لو في وسط العنب كما ترى، و قضيته حرمة العنب لو وضع أياما في الشمس قبل أن يصير زبيبا.

نعم يتجه الاستدلال على الثانية بالأصول و العمومات و نحوهما على حسب ما مر في التمري.

كما انه يتجه على الأولى ب

موثقة الساباطي (2) «وصف لي الصادق (عليه السلام)

____________

(1) الوسائل- الباب- 27- من أبواب الأطعمة المباحة- الحديث 1 و فيه «الزبيبة».

(2) الوسائل- الباب- 5- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 2.

34

المطبوخ كيف يطبخ حتى يصير حلالا، فقال: تأخذ ربعا من زبيب و تنقيه و تصب عليه اثني عشر رطلا من ماء، ثم تنقعه ليلة، فإذا كان أيام الصيف و خشيت أن ينش جعلته في تنور مسجور قليلا حتى لا ينش، ثم تنزع الماء منه كله حتى إذا أصبحت صببت عليه من الماء بقدر ما يغمره- إلى أن قال-: ثم تغليه بالنار، و لا تزال تغليه حتى يذهب الثلثان و يبقى الثلث»

الحديث.

ك

موثقته الأخرى (1) «سئل عن الزبيب كيف طبخه حتى يشرب حلالا، فقال: تأخذ ربعا من زبيب تطرح عليه اثني عشر رطلا من ماء، ثم تنقعه ليلة، فإذا كان من الغد نزعت سلافته، ثم تصب عليه الماء قدر ما يغمره، ثم تغليه بالنار غلية، ثم تنزع ماءه، فتصبه على الماء الأول، ثم تطرحه في إناء واحد جميعا، ثم توقد تحته النار حتى يذهب ثلثاه و يبقى الثلث و تحته النار، ثم تأخذ رطلا»

الحديث.

بل قد يومي اليه مرسلا الهاشمي (2) و إسحاق بن عمار (3) عن الصادق (عليه السلام) و نزاع إبليس في الكرم (4) إلى أن جعل له الثلثان الشامل للعنب و الزبيب، ك

خبر علي بن جعفر (5) عن أخيه (عليه السلام) «سألته عن الزبيب هل يصلح أن يطبخ حتى يخرج طعمه، ثم يؤخذ ذلك الماء فيطبخ حتى يذهب ثلثاه و يبقى الثلث، ثم يرفع و يشرب منه السنة، قال: لا بأس به».

بل هو صريح

خبر زيد النرسي (6) و زيد الزراد (7) عن الصادق (عليه السلام) «في الزبيب يدق و يلقى في القدر و يصب عليه الماء، قال: حرام إلا أن يذهب ثلثاه،

____________

(1) الوسائل- الباب- 5- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 5- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 4.

(3) الوسائل- الباب- 5- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 5.

(4) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 5.

(5) الوسائل- الباب- 8- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 2.

(6) المستدرك- الباب- 2- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 1.

(7) المستدرك- الباب- 2- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 1.

35

قلت: الزبيب كما هو يلقى في القدر، قال: هو كذلك سواء، إذا أدت الحلاوة إلى الماء فقد فسد، كلما غلى بنفسه أو بالنار فقد حرم إلا أن يذهب ثلثاه».

لكن و مع ذلك كله فقطع الأصول و العمومات خصوصا مع ظهور أكثر الأخبار المعتبرة في دوران الحكم على الإسكار و عدمه بمثل هذه لا يخلو من نظر و تأمل، سيما مع ما في سند الأولى من الترديد بين الإرسال و عدمه، و فيه و في سند الثانية من معروفية البحث في «محمد» الواقع في أوائل سند الكافي، و ما قيل في «عمار» من أنه منفرد برواية الغرائب، و متنهما من احتمال ما سمعته في النضوح من إرادة تعليم الشرب الذي لا يتغير بالاسكار لو خلط به غيره، بل ربما يومي اليه ملاحظتهما، بل كاد يكون ظاهر الثالثة مع ضعف الإيماء فيها إلى ما نحن فيه جدا كالمرسلين و خبر منازعة إبليس بل و خبر علي بن جعفر، سيما مع قوله: «و يشرب منه السنة» و خبر النرسي و الزراد، مع انه ليس في الكتب الأربعة، بل عن الشيخ في الفهرست أن لهما أصلين لم يروهما محمد بن علي بن الحسين بن بابويه، و قال في فهرسته: «لم يروهما محمد بن الحسن بن الوليد، و كان يقول: هما موضوعان، و كذلك خالد بن عبد الله بن سدير، و كان يقول وضع هذه الأصول محمد بن موسى الهمداني» انتهى.

و هو و إن أمكن معارضته برواية ابن أبي عمير لهما، مع أن في «جش» للنرسي كتاب يرويه جماعة، و بما عن ابن الغضائري انه غلط أبو جعفر في هذا القول، فإني رأيت كتبهما مسموعة من محمد بن أبي عمير، لكن في الخلاصة أنه «و إن كان ما عن الصدوق ليس طعنا في الرجلين إلا أني لما لم أجد لأصحابنا تعديلا لهما و لا طعنا فيهما توقفت عن قبول روايتهما» انتهى.

كل ذا مع عدم تحقق الشهرة الجابرة لشيء من ذلك، بل لعل الموهنة محققة، إلا أن الاحتياط لا ينبغي تركه بحال.

36

ثم انه لا فرق على الظاهر في العصير بين مزجه بغيره و عدمه، للصدق و الاستصحاب، بل نسبه في الحدائق إلى إطلاق الأخبار و كلام الأصحاب، و هو كذلك خصوصا لو مزج بعد الغليان قبل ذهاب الثلثين، من غير فرق بين عصيري التمر و الزبيب و العنبي، بل في خبر النضوح و ذيل الموثقين و غيرهما إيماء إليهما أو ظهور فيه.

نعم قد يقوى في النظر كما عن الأردبيلي الميل اليه عدم البأس في المستهلك منهما، بل و من العنبي، بناء على عدم نجاسته كما فيما يحرم من غيرها، و إلا لوجب اجتناب شرب الكثير من الماء بوقوع قطرة خمر و نحوه.

لكن قد ينافي ذلك

المروي (1) في مستطرفات السرائر من كتاب مسائل الرجال عن أبي الحسن علي بن محمد (عليهما السلام) «ان محمد بن عيسى كتب اليه عندنا طبيخ يجعل فيه الحصرم، و ربما يجعل فيه العصير من العنب، و انما هو لحم يطبخ به، و قد روي عنهم (عليهم السلام) في العصير انه إذا جعل على النار لم يشرب حتى يذهب ثلثاه و يبقى ثلثه، فإن الذي يجعل في القدر من العصير بتلك المنزلة، و قد اجتنبوا أكله إلى أن يستأذن مولانا في ذلك، فكتب بخطه لا بأس بذلك».

و ربما يؤيده عدم ظهور الأدلة في الممتزج الخارج بالامتزاج إلى اسم آخر بعض أجزائه العصير، لكن في الحدائق «أن الخبر ظاهر في أن حكم العصير مطبوخا مع غيره حكمه منفردا، و كان السائل توهم اختصاص الحكم المذكور بالعصير منفردا و شك في جريان ذلك فيه إن طبخ مع غيره، لأن ظاهر قوله: «يجعل في القدر من العصير بتلك المنزلة»- يعني يذهب ثلثاه كما روي، فأجابه بنفي البأس مع ذهاب الثلثين- إشارة

____________

(1) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 1 و في الوسائل «محمد ابن علي بن عيسى» و هو الصحيح.

37

إلى أن هذا الحكم ثابت له مطلقا منفردا أو مع غيره» انتهى. و هو لا يخلو من نظر.

هذا كله في الامتزاج بعد تحقق العصيرية في العنب و التمر و الزبيب، أما لو ألقي عنب أو زبيب أو تمر في الماء الملقى فيه غيرها، فان كان قبل تحقق الإضافة في الماء فالظاهر اتحاد حكمه مع السابق، بل لعله بعض صور الامتزاج سيما بالنسبة للعنب، و ان كان بعدها ففي اللحوق بالنسبة للأخيرين إشكال، لظهور الأدلة فيما إذا خرج سلافتهما بالماء المطلق و غلى.

و منه حينئذ يظهر الإشكال في باقي المائعات، بل هي أقوى إشكالا منه، خصوصا في مثل الدهن، لما

ورد (1) «ان الصادق (عليه السلام) أكل دجاجة مملوة خبيصا»

و هو كما عن القاموس المعمول من التمر و السمن، و ان كان في ظهوره بما نحن فيه تأمل.

و ربما يظهر مما عن العلامة في أجوبة المهنا بن سنان عدم الالتفات إلى التفصيل، قال بعد أن سئل عن طبخ حب الرمان بالعصير من الزبيب أو العنب ما هذا لفظه:

«أما ما سمي عصيرا فالوجه في غليانه اعتبار ذهاب ثلثيه، و أما الزبيب فالأقرب إباحته مع انضمامه إلى غيره، لأن الناس في جميع الأزمان و الأصقاع يستعملونه من غير إنكار أحد منهم» انتهى. و تمام البحث في تنقيح هذه المسائل في كتاب الأطعمة و الأشربة، نسأل الله التوفيق.

[في حكم عصير الفواكه و الثمار]

و لا إشكال في طهارة و حل ما اعتصر من المياه من غير ثمرتي الكرم و النخل من الفواكه و الثمار و البقول لو نشت و غلت، و كذا الربوبات و الأطعمة المتخذة من غيرها، بل في مصابيح العلامة الطباطبائي، إجماع العلماء على ذلك، للأصل و عمومات الكتاب و السنة، و عدم السكر بالكثير منهما، و ما ورد من المعتبرة في كثير منها كخبري

____________

(1) الوسائل- الباب- 35- من أبواب الأطعمة المباحة- الحديث 3.

38

ابن أحمد المكفوف (1) و غيرهما (2) المذكورة في الكتاب المزبور (3).

بل و كذا لا إشكال في المعتصر من ثمرة الأول إذا لم يكن زبيبا أو عنبا و لا مسكرا كالحصرم، للأصول و العمومات، و ان حكي التوقف فيه عن بعض المحدثين من البحرانيين لصدق العصير، و لما يومي اليه نزاع إبليس مع آدم (عليه السلام) في شجرة الكرم إلى أن جعل له الثلثين الشامل للحصرم، لكنه في غاية الضعف، كاحتمال التوقف في عصير المطبوخ من ثمرة النخل إذا لم يكن بسرا أو تمرا، و الله أعلم.

[التاسع الفقاع]

التاسع الفقاع إجماعا محصلا و منقولا صريحا في الانتصار و المنتهى و التنقيح و جامع المقاصد و عن الخلاف و الغنية و المهذب البارع و كشف الالتباس و إرشاد الجعفرية، و ظاهرا في التذكرة و عن المبسوط و غيرهما، مؤيدا بالحكم بخمريته في المعتبرة المستفيضة (4) التي كادت تبلغ التواتر و لو كان على وجه المجاز، بل في بعضها (5) هو الخمر بعينها، مضافا الى

خبر أبي جميلة البصري (6) قال: «كنت مع يونس ببغداد، و أنا أمشي في السوق، ففتح صاحب الفقاع فقاعه، فقفز فأصاب يونس فرأيته قد اغتم لذلك حتى زالت الشمس، فقلت: يا أبا محمد إلا تصلي؟ فقال: ليس أريد أن أصلي حتى أرجع إلى البيت فأغسل هذا الخمر من ثوبي، فقلت له: هذا رأي رأيته أو شيء ترويه، فقال:

أخبرني هشام بن الحكم أنه سأل الصادق (عليه السلام) عن الفقاع، فقال: لا تشربه فإنه خمر مجهول، فإذا أصاب ثوبك فاغسله».

____________

(1) الوسائل- الباب- 29- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 1 و 2.

(2) الوسائل- الباب- 29- من أبواب الأشربة المحرمة.

(3) أي كتاب الأطعمة (منه (رحمه الله)).

(4) الوسائل- الباب- 27- من أبواب الأشربة المحرمة.

(5) الوسائل- الباب- 27- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 8.

(6) التهذيب- ج 1 ص 282 من طبعة النجف.

39

و ضعف سنده بعد انجباره بما عرفت غير قادح، فما في المدرك من التأمل و التوقف فيه لذلك في غير محله، كالمحكي عن الجعفي بحل بعض الفقاع المستلزم لطهارته حينئذ، لكن يمكن تنزيله على غير ما نحن فيه، كما يومي اليه ما في الذكرى «انه نادر لا عبرة به، مع منع تسمية ما وصفه فقاعا» انتهى.

و المرجع فيه كأمثاله العرف و العادة التي لم يعلم حدوثهما و لو بسبب العلم بحدوث خصوصية هذا الشراب، لكنه في مجمع البحرين «انه شيء يشرب يتخذ من ماء الشعير فقط، و ليس بمسكر» كما عن المدنيات «انه شراب معمول من الشعير» و في الانتصار «انه كان يعمل منه و من القمح» و عن مقداديات الشهيد «كان قديما يتخذ من الشعير غالبا، و يصنع حتى يحصل فيه النشيش و القفزان، و كأنه الآن يتخذ من الزبيب و يحصل فيه هاتان الخاصتان».

قلت: ربما يشكل حينئذ جريان حكم الفقاع عليه من حيث الفقاعية بعدم تناول الإطلاق له و عدم انصرافه اليه بعد فرض اعتياد غيره سابقا، نعم قد يحكم بنجاسته بناء على ما قدمناه سابقا في العصير، و التسمية بعد العلم بالحدوث لا تجدي.

و دعوى انها كاشفة عن وضع اللفظ للقدر المشترك قديما، فلا يقدح عدم وجود هذا الفرد في ذلك الزمان لا شاهد عليها، بل قد يجري هذا الإشكال أيضا في المشكوك في وجوده في ذلك الزمان، للشك في تناول الإطلاق له حينئذ، بل أصالة تأخر الحادث تقضي بعدم وجوده فيه، و التمسك في وجوده سابقا بوجوده لاحقا راجع الى الاستصحاب المعكوس، كالتمسك بصحة الإطلاق لا حقا فيه و في معلوم الحدوث أيضا عليه سابقا، و أصالة الحقيقة منضمة إلى أصالة عدم الاشتراك و النقل لا صلاحية لها في إثبات ما نحن فيه، فتأمل جيدا فان المقام من المشكلات مع انه كثير الثمرات.

و كذا قد يشكل ما في جامع المقاصد و كذا الروض من أن المراد بالفقاع المتخذ

40

من ماء الشعير كما ذكره المرتضى، لكن ما يوجد في أسواق أهل السنة يحكم بنجاسته إذا لم يعلم أصله، عملا بإطلاق التسمية، انتهى. بأن إطلاق التسمية بعد فرض تحقق الفردين الطاهر و النجس لا يجدي في تنجيس مستصحب الطهارة بل و لا خصوص الفقاع، إذ هو من مشتبه الموضوع حينئذ، و أصالة الحقيقة بعد تسليم جريانها هنا لا مدخلية لها فيما نحن فيه.

و كذا قد يشكل إطلاقهم نجاسة الفقاع و حرمته ب

صحيحة ابن أبي عمير (1) عن مرازم قال: «كان يعمل لأبي الحسن (عليه السلام) الفقاع في منزله»

قال محمد ابن أحمد: قال أبو أحمد يعني ابن أبي عمير: «و لم يعمل فقاع يغلي» و خبر عثمان (2) قال: «كتب عبد الله بن محمد الرازي إلى أبي جعفر الثاني (عليه السلام) إن رأيت أن تفسر لي الفقاع فإنه قد اشتبه علينا، أ مكروه هو بعد غليانه أم قبله؟ فكتب اليه لا تقرب الفقاع إلا ما لم تضري آنيته و كان جديدا، فأعاد الكتاب اليه اني كتبت أسأل عن الفقاع ما لم يغل، فأتاني أن أشربه ما كان في إناء جديد و غير ضار، و لم أعرف حد الضراوة و الجديد، و سأل أن يفسر ذلك له، و هل يجوز شرب ما يعمل في الغظارة و الزجاج و الخشب و نحوه من الأواني؟ فكتب يفعل الفقاع في الزجاج و في الفخار الجديد إلى قدر ثلاث عملات، ثم لا تعد منه بعد ثلاث عملات إلا في إناء جديد، و الخشب مثل ذلك»

الحديث. حيث أنبأ عن حلية بعض أفراد الفقاع.

قلت: لكن قد يدفع بمنع تسمية نحو ذلك فقاعا حقيقة، لاعتبار النشيش و القفزان بنفسه في مفهومه، كما انه قد يمنع صدقه على ما يستعمله الأطباء في زماننا هذا من ماء الشعير، لعدم وجود خاصيتيه فيه على الظاهر.

____________

(1) الوسائل- الباب- 39- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 39- من أبواب الأشربة المحرمة- الحديث 2.

41

ثم انه لا يخفى عدم دوران الحكم نجاسة و حرمة على الإسكار كما صرح به بعضهم، و يعطيه ظاهر آخرين، لا طلاق الأدلة و ترك الاستفصال فيها سيما بعد الاستفصال عنه بالنسبة للنبيذ، نعم لا يبعد كون ذلك منشأهما عند الشارع و لو بالكثير منه في بعض الأحوال، و الله أعلم.

[العاشر الكافر]

العاشر الكافر إجماعا في التهذيب و الانتصار و الغنية و السرائر و المنتهى و غيرها و ظاهر التذكرة بل في الأول من المسلمين، لكن لعله يريد النجاسة في الجملة، لنص الآية الشريفة (1) و ان كانت العامة يؤلونها بالحكمية لا العينية، نعم هي كذلك عندنا من غير فرق بين اليهود و النصارى و غيرهم، كما هو صريح معقد إجماع المرتضى و ظاهر غيره بل صريحه، و لا بين المشرك و غيره، و لا بين الأصلي و المرتد، و لعل ما عن غرية المفيد من الكراهة في خصوص اليهود و النصارى يريد بها الحرمة، كما يؤيده اختياره لها في أكثر كتبه على ما قيل، و عدم معروفية حكاية خلافه كنقل الإجماع من تلامذته، مع انه المؤسس للمذهب.

و ما عن موضع من نهاية الشيخ- «و يكره أن يدعو الإنسان أحدا من الكفار إلى طعامه فيأكل معه، فان دعاه فليأمر بغسل يديه ثم يأكل معه إن شاء»- محمول كما عن نكت المصنف على المؤاكلة باليابس أو الضرورة، و غسل اليد لزوال الاستقذار النفساني الذي يعرض من ملاقاة النجاسة، أو على ما ذكره ابن إدريس في السرائر من أنه أورد الرواية الشاذة إيرادا لا اعتقادا، و يؤيدهما- مضافا إلى نفي الخلاف بيننا في نجاسة غير اليهود و النصارى من المصنف في المعتبر و غيره- تصريحه قبل ذلك فيها، بل قيل في غير موضع منها بنجاسة الكفار على اختلاف مللهم.

____________

(1) سورة التوبة الآية- 28.

42

و أما ما عن مختصر ابن الجنيد- من أنه لو تجنب من أكل ما صنعه أهل الكتاب من ذبائحهم و في آنيتهم، و كذلك ما وضع في أواني مستحل الميتة و مؤاكلتهم ما لم يتيقن طهارة أوانيهم و أيديهم كان أحوط- فهو- مع عدم صراحته أيضا بل و لا ظهوره عند التأمل- غير قادح فيما ذكرنا بعد مرفوضية أقواله عندنا، لما قيل من عمله بالقياس، كالمحكي عن ابن أبي عقيل من عدم نجاسة سؤر اليهود و النصارى، مع أنه لعله لعدم نجاسة القليل عنده بالملاقاة، إذ السؤر عند الفقهاء على ما قيل الماء القليل الذي لاقاه فم حيوان أو جسمه، بل قد يشعر تخصيصه عدم النجاسة بالسؤر بموافقته فيها في غيره، فلا خلاف حينئذ يعتد به بيننا في الحكم المزبور، بل لعله من ضروريات مذهبنا.

و لقد أجاد الأستاذ الأكبر بقوله: «إن ذلك شعار الشيعة، يعرفه منهم علماء العامة و عوامهم و نساؤهم و صبيانهم، بل و أهل الكتاب فضلا عن الخاصة».

و يدل عليه مضافا إلى ذلك قوله تعالى (1) «إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ» المتمم دلالتها- حيث تضمنت لفظ النجس الذي لم يعلم إرادة المعنى الاصطلاحي منه، أو اختصت بالمشرك- بظهور إرادة الاصطلاحي هنا و لو بالقرائن الكثيرة التي منها تفريع عدم قربهم المساجد الذي لا يتجه إلا عليه، على أن النجاسة اللغوية مع منع تحققها في المترفين منهم ليست من الوظائف الربانية، و احتمال إرادة الخبث الباطني من النجاسة- كما اختاره بعض الناس ممن لا نصيب له في مذاق الفقه تبعا للعامة العمياء- ضروري الفساد، مع أنها ليست من المعاني المعهودة المعروفة للفظ النجاسة.

[نجاسة أهل الكتاب]

و بعدم القول بالفصل بين المشرك و غيره منهم، كالمحكي في الغنية و الرياض إن لم نقل بتعارف مطلق الكافر من المشرك، أو لما يشمل اليهود و النصارى، لقوله تعالى (2): «وَ قالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ- إلى قوله تعالى:- عَمّا يُشْرِكُونَ» و لما يشعر به

____________

(1) سورة التوبة- الآية 28.

(2) سورة التوبة- الآية 30.

43

قوله تعالى لعيسى (ع) (1) «أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وَ أُمِّي إِلهَيْنِ؟» من شركهم أيضا و لقولهم (2) أيضا: «إنه ثالِثُ ثَلاثَةٍ» المشعر بكونه عند اليهود ثاني اثنين، و غير ذلك.

و كذلك المجوس، لما قيل إنهم يقولون بإلهية يزدان و النور و الظلمة، كتتمة ما دل على نجاسة المجوس به أيضا من صحيح علي بن جعفر (3) و محمد بن مسلم (4) و موثق سعيد الأعرج (5) و غيرها (6) و ما دل على نجاسة خصوص اليهود و النصارى أيضا من المعتبرة (7) و هي و إن كان في مقابلها أخبار (8) دالة على الطهارة، و فيها الصحيح و غيره، بل هي أوضح من تلك دلالة، بل لولا معلومية الحكم بين الإمامية و ظهور بعضها في التقية لاتجه العمل بها، لكن لا ينبغي أن يصغى إليها في مقابلة ما تقدم، و إن أطنب بعض الأصحاب في البحث عنها و تجشم محامل لها يرجح الطرح عليها فضلا عن التقية.

كما انه لا ينبغي الإصغاء للاستدلال على الطهارة أيضا بقوله تعالى (9) «وَ طَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ، وَ طَعامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ» بعد ورود الأخبار المعتبرة (10) و فيها الصحيح و الموثق و غيرهما، بإرادة العدس و الحبوب و البقول من الطعام، سيما مع تأييدها بما عن المصباح المنير أنه «إذا أطلق أهل الحجاز الطعام عنوا به البر خاصة» و ما عن

____________

(1) سورة المائدة- الآية 116.

(2) سورة المائدة- الآية 77.

(3) الوسائل- الباب- 14- من أبواب النجاسات- الحديث 6.

(4) الوسائل- الباب- 14- من أبواب النجاسات- الحديث 1.

(5) الوسائل- الباب- 14- من أبواب النجاسات- الحديث 8 و ليس فيه سؤال عن المجوسي.

(6) الوسائل- الباب- 14- من أبواب النجاسات.

(7) الوسائل- الباب- 14- من أبواب النجاسات.

(8) الوسائل- الباب- 53- من أبواب الأطعمة المحرمة.

(9) سورة المائدة- الآية 7.

(10) الوسائل- الباب- 26- من أبواب الذبائح- الحديث 1 و 6 و الباب 27 الحديث 46 من كتاب الصيد و الذبائح.

44

المغرب «أن الطعام اسم لما يؤكل، و قد غلب على البر» بل عن ابن الأثير عن الخليل «ان الغالب في كلام العرب أنه البر خاصة» إلى غير ذلك مما حكي عنهم مما يقتضي اختصاصه بالبر.

و قد يشهد له

حديث أبي سعيد (1) «كنا نخرج الصدقة الفطرة على عهد رسول الله (صلى الله عليه و آله) صاعا من طعام أو صاعا من شعير»

لكن قد ينافي ذلك إضافة الطعام إلى الذين أوتوا الكتاب، فمن هنا كان حمل الطعام في الآية الكريمة على مضمون الأخبار السابقة متجها، بل لا يبعد إرادة طعامهم المنزل عليهم، كالمن و السلوى، و الذي دعا الله لهم موسى بأن تنبته الأرض لهم من العدس و الفوم و نحوهما، و كيف كان فتطويل البحث في المقام تضييع للأيام في غير ما أعدها له الملك العلام.

[حكم أولاد الكفار]

و يلحق بالكافر ما تولد منه، كما في ظاهر الموجز و صريح التذكرة و الذكرى و كشف الالتباس و شرح المفاتيح للأستاذ و منظومة الطباطبائي و عن المبسوط و الإيضاح و نهاية الأحكام، بل لا أجد فيه خلافا، بل في شرح الأستاذ نسبته للأصحاب مشعرا بدعوى الإجماع عليه حتى لو بلغ مجنونا، و هو الحجة إن تم في قطع الأصول و العمومات، و لعله كذلك، كما يومي اليه تسالمهم على نحوه من أحكام التبعية فيه و في ولد المسلم، كالأسر و الاسترقاق و نحوهما، كذكر الحكم به هنا ممن تعرض له على جهة الجزم و القطع من غير تردد و إشكال، كباقي المسائل المسلمة عدا العلامة في النهاية، فقال: «الأقرب التبعية» مما يشعر بعدم قطعية الحكم عنده، و لعله لذا و سوس فيه بعض متأخري المتأخرين، إلا أنه في غير محله، لعدم قدح ذلك في القطع بالتبعية المذكورة المستفاد مما عرفت.

بل في النصوص إشارة اليه، ك

صحيح عبد الله بن سنان (2) «سأل الصادق

____________

(1) تيسير الوصول- ج 2- ص 130 و فيه

«كنا نخرج زكاة الفطرة.»

. (2) البحار- ج 5 ص 295 المطبوعة بطهران عام 1276.

45

(عليه السلام) عن أولاد المشركين يموتون قبل أن يبلغوا الحنث، قال: كفار، و الله أعلم بما كانوا عاملين، يدخلون مداخل آبائهم» و خبر وهب بن وهب (1) عن جعفر ابن محمد عن أبيه (عليهما السلام) «أولاد المشركين مع آبائهم في النار، و أولاد المسلمين مع آبائهم في الجنة»

كالمرسل عن الكافي (2) «فأما أطفال المؤمنين فإنهم يلحقون آباءهم، و أولاد المشركين يلحقون آباءهم، و هو قول الله عز و جل (3) بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ» الآية.

و لا ينافي ذلك ما ورد في غير واحد من الأخبار (4) من تأجيج النار للأطفال في يوم القيامة فيؤمرون بالدخول إليها ليعرف المطيع منهم و العاصي، لا مكان حملها كما في الحدائق- بعد تسليم العمل بها، لمنافاتها للطف، و لما قد يدعى القطع به من انقطاع التكليف في تلك الدار- على كون الداخلين أطفال المؤمنين، و الممتنعين أطفال الكافرين، و على تنزيل هذا الاختبار و الامتحان لغير أولاد المشركين و المؤمنين، بل هو لأطفال المسلمين الذين يحاسبون آباؤهم، و أما أولئك فينساقون إلى الجنة و النار تبعا لآبائهم من غير حساب، كما مال إليه في الحدائق، و عن الوافي الجمع بينها بحمل الأولى على الإلحاق في عالم البرزخ، و الثانية على عالم القيامة، و على كل حال فلا ينافي ذلك الاستدلال بها على ما تقدم. نعم قد يناقش في دلالتها على المطلوب من جهة أخرى.

و الانصاف ان العمدة الإجماع السابق في إثبات الحكم المذكور، و إلا فالاستدلال عليه بذلك، أو بنجاسة أصلية، و باستصحاب نجاسته حال كونه نطفة، و بقوله تعالى (5):

____________

(1) البحار- ج 5 ص 294 المطبوعة بطهران عام 1376.

(2) فروع الكافي- باب الأطفال- من كتاب الجنائز- الحديث 3.

(3) سورة الطور- الآية 21.

(4) البحار- الباب- 13 من أبواب العدل- الحديث 2 و 3 و 7 من كتاب العدل و المعاد.

(5) سورة نوح (عليه السلام)- الآية 28.

46

«لا يَلِدُوا إِلّا فاجِراً كَفّاراً» و نحوها كما ترى، سيما بعد

قوله (صلى الله عليه و آله) (1):

«كل مولود يولد على الفطرة».

نعم قد يمنع الإجماع المزبور في المتولد منهما بغير النكاح الصحيح في حقه، اقتصارا على المتيقن منه في قطع الأصول و العمومات، و ان كان لا يخلو من إشكال، كما يمنع فيما لو كان أحد أبويه مسلما، لتبعيته للأشرف حينئذ، بل في شرح الأستاذ «انه الظاهر منهم، للأصل و غيره من الإجماع و الأخبار» انتهى.

و لو جن بعد بلوغه عاقلا في فسحة النظر ففي طهارته وجهان، أقواهما نعم، للأصل و العموم السالمين عن معارضة التبعية بعد معلومية انقطاعها بالبلوغ عاقلا، فلا استصحاب لحكمها، بل لعل استصحاب الطهارة حينئذ متجه، بناء على حصولها له في فسحة النظر كما هو الأقوى، للأصل و عدم صدق الكافر،

[نجاسة منكر الضروري]

إذ ضابطه من خرج عن الإسلام بأن وصف غيره و لو بالارتداد أو من انتحله و لكن جحد ما يعلم من الدين ضرورة كالخوارج و الغلاة كما في الإرشاد و الدروس و الذكرى و البيان و الروض و الروضة، بل لا أجد فيه خلافا، بل تحقق الكفر بالأول إجماعي أو ضروري بل و بالثاني أيضا، بناء على أن سببية الكفر لاستلزامه إنكار الدين، و إلا فلا دليل على تحقق الكفر به لنفسه، و من هنا لم يحكم بالكفر بإنكار جديد الإسلام و بعيد الدار و نحوهما، بل و كل من علم أن إنكاره لشبهة، بل قيل و كل من احتمل وقوع الشبهة في حقه، لعدم ثبوت الاستلزام المذكور في شيء منها الذي هو المدار في حصوله، و لذا لو تحقق و لو بإنكار غير الضروري كالمقطوع به بالنظر حكم بكفر منكره أيضا مع فرض قطعه به، و لعل مرادهم بالضروري ما يشمل ذلك على إرادة اليقيني و لو بالبرهان، أو أن تخصيصهم الحكم بالضروري باعتبار الحكم الظاهري بكفره إذا كان ناشيا في بلاد

____________

(1) أصول الكافي- ج 2 ص 13 من طبعة طهران.

47

الإسلام مما لا يحتمل الشبهة في حقه، فبمجرد ظهور الإنكار منه يحكم بكفره، بخلاف النظري فلا يحكم بكفره بمجرد ذلك حتى يعلم انه أنكر حال كونه قاطعا به.

و عليه ينزل إطلاق ما عن صلاة الروض من الحكم بكفر منكر المجمع عليه كالضروري، و الى بعض ما ذكرنا يومي تقييد كشف اللثام كفر منكر الضروري بما إذا علم انه من ضرورياته، كما أن أكثره صريح ما في مجمع البرهان «المراد بالضروري الذي يكفر منكره الذي ثبت عنده يقينا انه من الدين و لو بالبرهان و ان لم يكن مجمعا عليه، إذ الظاهر من دليل كفره هو إنكار الشريعة و إنكار صدق النبي (صلى الله عليه و آله) مثلا في ذلك الأمر مع ثبوته يقينا، و ليس كل من أنكر مجمعا عليه يكفر، بل المدار على حصول العلم و الإنكار و عدمه، إلا أنه لما كان حصوله في الضروري غالبا جعل ذلك المدار، و حكموا به» انتهى.

قلت: لكن قد يقال: إن ذلك كله مناف لما عساه يظهر من الأصحاب كالمصنف و غيره خصوصا من عبر بالإنكار منهم، و ان كان الظاهر إرادته منه الجحود هنا من تسبيب إنكار الضروري الكفر لنفسه، حيث أناطوه به، حتى نقل عن غير واحد منهم ظهور الإجماع عليه من غير إشارة منهم إلى الاستلزام المذكور، بل ظاهر عطفهم إياه على السبب الأول للكفر عدمه، بل اقتصر بعضهم في ضابط أصل الكافر عليه، لاندراج الأول فيه عند التأمل، إلى غير ذلك مما يشهد لكون مرادهم تسبيبه الكفر نفسه.

كما أنه قد يشهد له أيضا

مكاتبة عبد الرحيم القصير (1) للصادق (عليه السلام) المروية في باب الايمان و الكفر من الكافي قال فيها: «لا يخرجه أي المسلم الى الكفر إلا الجحود و الاستحلال، ان يقول للحلال هذا حرام، و للحرام هذا حلال، و دان

____________

(1) أصول الكافي- ج 2 ص 27 من طبعة طهران.

48

بذلك، فعندها يكون خارجا عن الإسلام و الايمان داخلا في الكفر، و كان بمنزلة من دخل الحرم ثم دخل الكعبة و أحدث في الكعبة حدثا فأخرج عن الكعبة و عن الحرم، فضربت عنقه»

الحديث.

مضافا الى إطلاق كثير من النصوص (1) المتفرقة في الأبواب و ترك الاستفصال في جملة منها مع الحكم بكفر منكر الضروري بمجرد إنكاره من غير تربص في حاله أنه لشبهة أم لا، و مع ذلك كله فلعل و جهة أن إنكار الضروري ممن لا ينبغي خفاء الضرورة عليه- كالمتولد في بلاد الإسلام حتى شاب- إنكار للشريعة و الدين، و احتمال الشبهة في حقه بل و تحققها بحيث علمنا انه لم يكن ذلك منه لإنكار النبي (صلى الله عليه و آله) أو الصانع غير مجد، إذ هو في الحقيقة كمن أظهر إنكار النبي بلسانه عنادا و كان معتقدا نبوته بجنانه، لأن إنكاره ذلك الضروري بمنزلة قوله: إن هذا الدين ليس بحق، فلا يجدي اعتقاده حقيته.

و يؤيد ذلك حكمهم بكفر الخوارج و نحوهم ممن هو مندرج في هذا القسم، و استحقاقهم القتل و غيره من أحكام الكفار مع العلم اليقيني بأن منهم إن لم يكن جميعهم من لم يدخله شك في ربه أو نبيه فضلا عن إنكاره لهما بقلبه.

فدعوى ان إنكار الضروري يثبت الكفر إن استلزم إنكار النبي مثلا، فمتى علم أن ذلك كان لشبهة و إلا فاعتقاده بالنبي (صلى الله عليه و آله) مثلا ثابت لم يحكم بكفره لا شاهد عليها، بل هي مخالفة لظاهر الأصحاب، و كان منشأها عدم وضوح دليل الكفر بدونها على مدعيها، و قد عرفت ان ذلك الإنكار المستلزم في نفسه لإنكار ذلك الدين و ان لم يكن كذلك عند المنكر بدليل تسالم الأصحاب على ثبوت الكفر به.

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب مقدمة العبادات.

49

نعم لو كان المنكر بعيدا عن بلاد الإسلام بحيث يمكن في حقه خفاء الضرورة لم يحكم بكفره بمجرد ذلك، و لعله ينزل عليه التقييد السابق في كشف اللثام، فلا ينافي ما ذكرنا، كما انه يحتمل تنزيل ما تقدم من مجمع البرهان على إرادة لزوم إنكار الضروري لإنكار الشريعة في نفسه و حد ذاته و ان لم يكن عند المنكر، فلا ينافيه أيضا و ان كان احتمال ذلك في كلامه بعيدا بل ممتنعا، أما لو أصر بعد الظهور و الاطلاع و ان كان لشبهة ألجأته إليه حكم بكفره، لعدم معذوريته، و ظهور تقصيره في دفع تلك الشبهة، كمن أنكر النبي (صلى الله عليه و آله) مثلا لشبهة.

فالحاصل انه متى كان الحكم المنكر في حد ذاته ضروريا من ضروريات الدين ثبت الكفر بإنكاره ممن اطلع على ضروريته عند أهل الدين، سواء كان ذلك الإنكار لسانا خاصة عنادا أو لسانا و جنانا.

و منه يظهر الفرق حينئذ بين الضروري و غيره من القطعي كالمجمع عليه و نحوه، فإنه لا يثبت الكفر بالثاني إلا مع حصول العلم ثم الإنكار، بخلافه في الضروري فيثبت و ان لم يكن إنكاره كذلك.

و قد يؤيد ذلك كله ما حكاه شيخنا في مفتاح الكرامة، قال: و هنا كلام في أن جحود الضروري كفر في نفسه أو لأنه يكشف عن إنكاره النبوة مثلا، ظاهر هم الأول، و احتمل الأستاذ الثاني، قال: «فعليه لو احتمل وقوع الشبهة عليه لم يحكم بكفره، إلا أن الخروج عن مذاق الأصحاب مما لا ينبغي» انتهى.

قلت: و هذا من أستاذه اعتراف بما ذكرناه من مراد الأصحاب، حتى أنه ذكر ما ينافيه بصورة الاحتمال، ثم كر عنه، و يؤيده قرائن كثيرة تشهد على إرادتهم ذلك لا يسع المقام تعدادها، خصوصا مع ملاحظة باب الحدود، ففي القواعد هناك أنه يحصل الارتداد إما بالفعل، و إما بالقول كاللفظ الدال بصريحه على جحد ما علم

50

ثبوته من دين الإسلام ضرورة، و على اعتقاد ما يحرم اعتقاده بالضرورة من دين محمد (صلى الله عليه و آله) سواء كان القول عنادا أو اعتقادا أو استهزاء، إلا أنا قد بلينا في عصرنا هذا في بلدنا هذه بمن يدعى القطع و اليقين بأن مراد الأصحاب ذلك الاحتمال بحيث لا يسمع كلاما من أحد و لا رشدا ممن أرشد، و لو أن ذلك كان منه بعد التأمل و النظر لكان حقيقا بأن يعذر، و الله أعلم.

و كيف كان فلا كلام في نجاسة ما في المتن من الفرقتين كما في جامع المقاصد و عن الدلائل، بل عن الأخير و الروض الإجماع عليهما، و هو كذلك.

أما الخوارج- فكفرهم بانكارهم جملة من الضروريات كاستحلالهم قتل أمير المؤمنين (عليه السلام) و من معه من المسلمين، و حكمهم بتكفيرهم بمجرد التحكيم- فيدل عليها جميع ما دل على نجاسة الكافرين من الإجماع و غيره، و مع ذا ف

في المرسل (1) عن النبي (صلى الله عليه و آله) في وصفهم «انهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرامي»

كما

عن الفضل «دخل على أبي جعفر (عليه السلام) رجل محصور عظيم البطن، فجلس معه على سريره، فحياه و رحب به، فلما قام قال: هذا من الخوارج كما هو، قال: قلت: مشرك، فقال: مشرك و الله مشرك».

و أما الغلاة- و هم الذين تجاوزوا الحد في الأئمة (ع) حتى ادعوا فيهم الربوبية، قيل: و قد يطلق الغلو على من قال بإلهية أحد من الناس- فظاهر المصنف بل صريحه كغيره من الأصحاب أن كفرهم بإنكار الضروري أيضا، و لعله لعدم نفيهم أصل الإلهية و الصانع، و انما ادعوا أن أمير المؤمنين (عليه السلام) مثلا هو الصانع فأنكروا ما علم بطلانه بالضرورة من الدين، و بالأدلة العقلية و البراهين مما يجب عنه تنزيه رب العالمين

____________

(1) سفينة البحار- ج 1 ص 383.