جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام - ج9

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
422 /
1

-

2

[تتمة القسم الأول في العبادات]

[تتمة كتاب الصلاة]

[تتمة الركن الأول في المقدمات]

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

[المقدمة السابعة في الأذان و الإقامة]

المقدمة السابعة في الأذان و الإقامة الأذان لغة الاعلام و إن فسر بالنداء المستلزم له في قوله تعالى (1) «وَ أَذِّنْ فِي النّاسِ» من «أذن يؤذن» و قد يمد للتعدية كقراءة المد في قوله تعالى (2):

«فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ» أي من ورائكم، أو من «آذن» بالمد فيكون أصله الإئذان كالأمان بمعنى الايمان و العطاء بمعنى الإعطاء، أو من «أذن يؤذن» بالتضعيف بمعنى التأذين كسلام بمعنى التسليم و كلام بمعنى التكليم، و الإقامة مصدر أقام بالمكان، و التاء عوض من عين الفعل، لأن أصله إقوام مصدر أقام الشيء بمعنى أدامه، و منه «يُقِيمُونَ الصَّلاةَ» (3) و شرعا الأقوال المخصوصة التي هي وحي من الله تعالى بالضرورة من مذهبنا، و قال ابن أبي عقيل: إن الشيعة أجمعت على أن الصادق (عليه السلام) لعن قوما زعموا أن النبي (صلى الله عليه و آله) أخذ الأذان من عبد الله بن زيد، فقال (4): «ينزل الوحي على نبيكم فتزعمون أنه أخذ الأذان من عبد الله بن زيد»

معرضا

____________

(1) سورة الحج- الآية 28.

(2) سورة البقرة- الآية 279.

(3) سورة المائدة- الآية 60.

(4) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 3.

3

بذلك لما أطبق عليه العامة العمياء من أن النبي (صلى الله عليه و آله) أخذه من رؤيا عبد الله بن زيد في منامه.

و على كل حال فهما من السنن الأكيدة للصلاة حتى ورد في موثق عمار (1) «لا صلاة إلا بأذان و إقامة»

كما أن الأذان منهما يشرع أيضا للاعلام بدخول الوقت بل عن ظاهر جماعة و صريح آخرين أن أصل شرعيته ذلك، و ان شرعيته في القضاء للنص (2) و إن كان قد يناقش فيه بأن النصوص (3) مستفيضة أو متواترة في الدلالة على أن شرعيته للصلاة أيضا مع قطع النظر عن الاعلام، كما أنها ظاهرة في ندبه للاعلام مع قطع النظر عن الصلاة، كما تسمع جملة من النصوص في تضاعيف الباب دالة على ذلك، فالأولى حينئذ جعل الأصل في مشروعيته الصلاة و الاعلام كما صرح به العلامة الطباطبائي بقوله:

و ما له الأذان بالأصل رسم * * *شيئان: إعلام و فرض قد علم

و ان استحب هو أو مع الإقامة في مواضع أخر تعرفها فيما يأتي إن شاء الله، فما عساه يظهر من حواشي الشهيد- من أنه انما هو مشروع للصلاة خاصة، و الاعلام تابع و ليس بلازم- لا يخلو من نظر، قال: «هو عند العامة من سنن الصلاة و الاعلام بدخول الوقت، و عندنا هو من سنن الصلاة و مقدماتها المستحبة، و الاعلام تابع و ليس بلازم، و تظهر الفائدة في القضاء و في أذان المرأة، فعلى قولهم: لا يؤذن القاضي و لا المرأة، لأنه للإعلام، و على قولنا: يؤذنان و تسر المرأة به» و هو كما ترى، نعم لا ارتباط لأحدهما بالآخر، فلا تتوقف الفائدة المزبورة على تابعية الاعلام، و لعل

____________

(1) الوسائل- الباب- 35- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 37- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الأذان و الإقامة.

4

مراده الرد على ما حكاه عن العامة بعد أن فهم منهم اعتبار الاجتماع فيهما، و إلا فمن المستبعد إنكاره مشروعية الأذان للإعلام مستقلا عن الصلاة مع جريان السيرة القطعية به و استفادته من المستفيض من النصوص، ك

صحيح معاوية بن وهب (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): من أذن في مصر من أمصار المسلمين وجبت له الجنة»

و غيره من الأخبار (2) الواردة في مدح المؤذنين المحرمة لحومهم على النار السابقين إلى الجنة، بل هم فيها على المسك الأذفر، و ان من أذن منهم سبع سنين احتسابا جاء يوم القيامة و لا ذنب له، و ان للمؤذن فيما بين الأذان و الإقامة مثل أجر الشهيد المتشحط بدمه في سبيل الله، بل المؤذن المحتسب كالشاهر سيفه في سبيل الله المقاتل بين الصفين، إلى غير ذلك مما جاء في الثواب المعد لهم مما يبهر العقول، و حمل ذلك كله على مؤذني الصلاة في الجماعات في المساجد و نحوها لا داعي إليه بل مقطوع بعدمه، و لقد أجاد العلامة الطباطبائي في ذكره أحكام كل من الإعلامي و الصلاتي باستقلاله، فلا يعتبر في الأول الاتصال بالصلاة، بل و لا نية القربة الصرفة، بل و لا ترك الأجرة على إشكال، و لا اللحن و التغيير في احتمال، و انه لا يجوز أن يؤخر عن أول الوقت بخلاف الثاني إلى أن قال:

فافترق الأمر ان في الأحكام * * *فرقا خلا عن وصمة الإبهام

و قد تسمع فيما يأتي مزيد تحقيق لذلك إن شاء الله، و الله الموفق.

[النظر و البحث في الأذان و الإقامة يقع في أربعة أشياء]

و كيف كان ف النظر و البحث في الأذان و الإقامة يقع في أربعة أشياء

[الأول فيما يؤذن له و يقام]

الأول فيما يؤذن له و يقام

[استحباب الأذان و الإقامة و وجوبهما]

و هما أي الأذان و الإقامة مشروعان للفرائض الخمس بإجماع

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 1 و في الوسائل «من أذن في مصر من أمصار المسلمين سنة وجبت له الجنة».

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الأذان و الإقامة.

5

المسلمين، بل لعله من ضروريات الدين و المشهور بين المتأخرين، بل لعل عليه عامتهم انهما مستحبان في الصلوات الخمس المفروضة أداء و قضاء للمنفرد و الجامع للرجل و المرأة لكن يشترط أن تسر المرأة، و قيل و القائل السيد في الجمل، و المفيد في المقنعة و كتاب أحكام النساء، و الشيخ في النهاية و المبسوط، بل في كشف اللثام سائر كتبه عدا الخلاف، و ابن حمزة في الوسيلة، و القاضي في المهذب و شرح الجمل، و ابن زهرة في الغنية، و أبو الصلاح في الكافي، و الكيدري في الإصباح هما شرطان في الجماعة إلا أنه فيما عدا الأخيرين قيدوه بالرجال، بل لعله المراد من إطلاقهما أيضا، بل و إطلاق المصباح أن بهما تنعقد الجماعة خصوصا مع عدم تعارف انعقاد جماعة خاصة للنساء، بل ربما قيل بعدم مشروعيتها لهن كما تسمعه مفصلا في بحث الجماعة، فيتفق الجميع حينئذ، و لذا نسبه القاضي إلى أكثر الأصحاب، بل قد يظهر من الغنية الإجماع عليه.

و لكن مع ذلك الأول أظهر للأصل و استصحاب حال عدم اعتبارهما الثابت قبل نزول جبرئيل بهما كما تسمعه من بعض النصوص (1) و إطلاق دليلي الجماعة و الصلاة، و قول الصادق (عليه السلام) في خبر الحسن بن زياد (2): «إذا كان القوم لا ينتظرون أحدا اكتفوا بإقامة واحدة»

و

صحيح علي بن رئاب (3) المروي عن قرب الاسناد للحميري انه سأله فقال: «تحضر الصلاة و نحن مجتمعون في مكان واحد تجزينا إقامة بغير أذان قال: نعم»

متمما بما عن المختلف من الإجماع المركب على استحبابهما أو وجوبهما، و أن القول بوجوب الإقامة خاصة خرق للإجماع المركب و معتضدا بما ستعرفه من إطلاق دليل استحباب الأذان بل و الإقامة الظاهر في تناول الجماعة التي كانت من المتعارف في ذلك الزمان، بل لعل الانفراد كان من النادر متمما

____________

(1) الوسائل- الباب- 5- من أبواب الأذان و الإقامة.

(2) الوسائل- الباب- 5- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 8.

(3) الوسائل- الباب- 5- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 10.

6

ما يحتاج منه إلى ذلك بالإجماع المزبور.

بل إن أراد المشترط المذكور الاشتراط حتى مع سماع أذان الجار، و سماع الإمام أذان غيره، و للمؤتم في فرضين بفرض واحد للإمام، و للجامع بين الفرضين و في الظلمة و الريح و المطر كانت النصوص الدالة على سقوط الأذان و الإقامة في هذه الأحوال حجة عليه، ففي

خبر أبي مريم الأنصاري (1) ان الباقر (عليه السلام) أم قوما بلا أذان و لا إقامة فسئل عن ذلك فقال: «إني مررت بجعفر و هو يؤذن و يقيم فلم أتكلم فأجزأني ذلك»

و خبر

عمر بن خالد (2) عن الباقر (عليه السلام) «انه سمع إقامة جاره فقال: قوموا فقمنا فصلينا معه بغير أذان و لا إقامة، فقال: يجزيكم أذان جاركم».

و قد دلت النصوص (3) المقبولة عند الأصحاب على جواز ايتمام المسافر في ظهره و عصره بظهر الامام، و مغربه و عشائه بعشاء الامام، و في صحيح أبي عبيدة (4) عن الباقر (عليه السلام) «ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) إذا كانت ليلة مظلمة و ريح و مطر صلى المغرب ثم مكث قدر ما يتنفل الناس ثم أقام مؤذنه ثم صلى العشاء ثم انصرفوا»

و في صحيح رهط منهم الفضيل و زرارة (5) عن الباقر (عليه السلام) أيضا «ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) جمع بين الظهر و العصر بأذان و إقامتين، و جمع بين المغرب و العشاء بأذان واحد و إقامتين»

إلى غير ذلك من النصوص التي إن لم

____________

(1) الوسائل- الباب- 30- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 30- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 3 و روى في الوسائل عن عمرو بن خالد.

(3) الوسائل- الباب- 18- من أبواب صلاة الجماعة- الحديث 1 و 6 و الباب 53- الحديث 9.

(4) الوسائل- الباب- 22- من أبواب المواقيت- الحديث 3 من كتاب الصلاة.

(5) الوسائل- الباب- 32- من أبواب المواقيت- الحديث 11 من كتاب الصلاة.

7

يلتزم تقييد دعواه بها كانت حجة عليه، بل لا يبعد انقداح الاستحباب من هذا التسامح فيها، بل قد يظهر من خصوص الأولين أن الحاضرين لم يكن معلوما عندهم الوجوب، و لذا ما بادروا جميعهم إلى السؤال و الاستفسار، بل قد يشم أيضا من نصوص (1) الصف و الصفين ندب الأذان أيضا باعتبار ظهورها في أن من صلى بإقامة بلا أذان صلى معه صف من الملائكة، و لولا أن صلاته قابلة للايتمام لم يؤتم به الملائكة.

بل إن أراد هذا المشترط بطلان صلاة من أراد الائتمام بالمتلبس في صلاته منفردا حتى يؤذن و يقيم، أو لا يجزيه أيضا ذلك باعتبار عدمهما ممن أراد الائتمام به إذا فرض أن صلاته كانت بدونهما، أو باعتبار أن ما وقع منه سابقا لا بعنوان الجماعة لا يجتزى به كانت السيرة القطعية و النصوص حجة عليه أيضا، خصوصا إذا ضم مع ذلك بطلان صلاة الإمام بمجرد عروض الائتمام به في أثناء صلاته، بل من المستبعد جدا التزام ذلك حتى قبل التلبس، إذ لا تنقص حينئذ صلاة الإمام عن صلاة المنفرد، و نية الإمامة غير لازمة، و إن وقعت باطلة غير قادحة في صحة الصلاة، إلى غير ذلك مما لا يخفى بأدنى تأمل وضوح فساد التزامه أو استبعاده، بل كفى بإجمال موضوع هذا الدعوى في بطلانها، بل لعل فيها إجمالا من جهة أخرى، و هي أنه لم يعلم إرادة الوجوب التعبدي أو الشرطي.

بل يمكن إرادة المشترط أن ذلك شرط في فضيلة الجماعة لا صحتها المستلزمة لبطلان الصلاة، قال في الدروس: «من أوجب الأذان في الجماعة لم يرد أنه شرط في الصحة بل في ثواب الجماعة، و كان مراده ما يشمل الإقامة من الأذان» فيوافق حينئذ ما عن المهذب البارع و كشف الالتباس و حاشية الميسي من أن من أوجبهما في الجماعة أراد أنهما شرط في ثوابها لا في صحتها، بل عن المبسوط الذي هو أحد ما نسب

____________

(1) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الأذان و الإقامة.

8

اليه الوجوب، بل لعله العمدة أنه بعد نصه على وجوبهما في الجماعة قال ما نصه:

«و متى صليت جماعة بغير أذان و لا إقامة لم تحصل فضيلة الجماعة، و الصلاة ماضية» بل لعله المراد أيضا مما عن النهاية من أن من تركهما فلا جماعة له، و المصباح «بهما تنعقد الجماعة» و مثله نقل عن الكافي.

بل لعل المراد عدم فضيلة الجماعة المشتملة عليهما، و إلا ففيها فضل أيضا، لإطلاق دليل استحباب الجماعة الذي لم يصلح ما هنا لتقييده، إذ هو ليس إلا

خبر أبي بصير (1) سأل أحدهما (ع) «أ يجزي أذان واحد؟ قال: إن صليت جماعة لم يجز إلا أذان و إقامة و إن كنت وحدك تبادر أمرا تخاف أن يفوتك تجزيك إقامة إلا الفجر و المغرب، فإنه ينبغي أن تؤذن فيهما و تقيم من أجل أنه لا يقصر فيهما كما يقصر في سائر الصلوات»

المعلوم ضعف سنده، و لا جابر يعتد به محقق، خصوصا و قد سمعت غير مرة احتمال عدم تحكيم المقيد على المطلق في المندوبات، بل يحمل على إرادة المستحب في المستحب.

و أضعف من ذلك الاستدلال به على الوجوب التعبدي أو الشرطي، ضرورة ظهوره في إرادة الاجزاء في الفضل و الندب بقرينة ما ستعرف من ثبوت استحبابهما للمنفرد، مع أنه عبر فيه بالأجزاء أيضا، بل لعل قوله (عليه السلام) فيه: «فإنه ينبغي» إلى آخره. مشعر بإرادة ذلك منه كالتعليل، و احتمال إرادة أقل الواجب منه بالنسبة إلى الجماعة دون غيرها يدفعه أنه قد وقع منه (عليه السلام) جوابا لسؤال واحد عبر فيه بلفظ الاجزاء، فمن المستبعد بل الممنوع بعد مراعاة مطابقة الجواب للسؤال إرادة ذلك منه، خصوصا و ظهور لفظ الاجزاء في الواجب انما هو من جهة

____________

(1) ذكر صدره في الوسائل في الباب 7 من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 1 و ذيله في الباب 6 منها- الحديث 7.

9

- غلبة الاستعمال و نحوها، فبأدنى قرينة يرتفع الوثوق بإرادة ذلك فضلا عما سمعته مما ذكرناه من أدلة الندب التي يمكن دعوى القطع بملاحظتها أن المراد منه ذلك، بل و عن

موثق عمار (1) «سئل عن الرجل يؤذن و يقيم ليصلي وحده فيجيء رجل آخر فيقول له: نصلي جماعة هل يجوز أن يصليا بذلك الأذان و الإقامة؟ فقال: لا و لكن يؤذن و يقيم»

خصوصا بعد تضمن خبر أبي مريم (2) و عمر بن خالد (3) السابقين الاجتزاء بسماع الإمام أذان الغير من الجار و غيره، فأذانه أولى، و نية الفرادى و الجماعة لا مدخلية لها، و لا استفصال في الخبر أن الامام هو الذي أذن سابقا أو لا، مضافا إلى ما سمعته من أدلة الندب السابقة.

فلا ريب حينئذ في إرادة ذلك من نفي الجواز، و مفهوم

صحيح الحلبي (4) عنه (عليه السلام) «ان أباه كان إذا صلى وحده في البيت أقام إقامة واحدة و لم يؤذن»

لا يقتضي سوى فعل الأذان منه الذي هو أعم من الوجوب، فلا يعارض أدلة الندب حينئذ، كما أنه مما ذكرنا يعلم المراد من مفهوم

صحيح ابن سنان (5) «يجزيك إذا خلوت في بيتك إقامة واحدة بغير أذان»

و أنه نفي الاجزاء في الفضل و الندب، و دعوى أن الجماعة هيئة متلقاة من الشرع فيقتصر فيها على المتيقن يدفعها منع انحصار المتيقن فيه أولا، و منع وجوب مراعاته بعد ظهور الأدلة و لو الإطلاق منها في الأعم.

فظهر حينئذ أنه لا مناص عن القول بعدم الوجوب تعبدا أو شرطا في صلاة الامام و المأموم أو المأموم خاصة كباقي شرائط الجماعة.

و أولى من ذلك بذلك جماعة النساء بناء على انعقاد جماعة لهن، للشك في جريان

____________

(1) الوسائل- الباب- 27- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 30- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 30- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 3.

(4) الوسائل- الباب- 5- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 6.

(5) الوسائل- الباب- 5- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 4.

10

قاعدة الاشتراك هنا، خصوصا بعد أن

سأل عبد الله بن سنان (1) الصادق (عليه السلام) «عن المرأة تؤذن للصلاة فقال (عليه السلام)- في جوابه و لم يستفصل-: حسن إن فعلت، و إن لم تفعل أجزأها أن تكبر و أن تشهد أن لا إله إلا الله، و أن محمدا رسول الله (صلى الله عليه و آله)» و زرارة (2) في الصحيح أيضا الباقر (عليه السلام) «النساء عليهن أذان فقال: إذا شهدت الشهادتين فحسبها» و جميل بن دراج (3) الصادق (عليه السلام) في الصحيح أيضا «عن المرأة عليها أذان و إقامة فقال: لا»

و نحوه في وصية النبي (صلى الله عليه و آله) لعلي (عليه السلام) المروي عن العلل (4) بل قال أبو مريم الأنصاري (5): «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إقامة المرأة أن تكبر و تشهد أن لا إله إلا الله، و أن محمدا (ص) عبده و رسوله» و أرسل في الفقيه (6) عنه (عليه السلام) أيضا «ليس على النساء أذان و لا إقامة و لا جمعة و لا جماعة»

و من هنا قيد من عرفت بجماعة الرجال، و المتجه على المختار الفرق بينهما بالتأكد و عدمه في الجماعة و غيرها، كما أن المتجه تفاوت الأذان و الإقامة في التأكد و عدمه من حيث الجماعة، لظاهر النصوص السابقة التي منها ما يظهر منه أن الأذان لأجل اجتماع المأمومين، و إلا فلو كانوا حاضرين مجتمعين لم يشرع، بل ستعرف تفاوتهما في ذلك في الفرادى أيضا. و لو كان الامام رجلا و المأمومون نساء ففي إلحاق ذلك بجماعة الرجال أو النساء وجهان، أقواهما الثاني على تقدير الوجوب، للأصل مع خروج الفرض عن مقتضى الدليلين، بل و على المختار أيضا بالنسبة إلى تأكد الجماعة و عدمه، فتأمل هذا.

و من الغريب اقتصار المصنف هنا على نقل القول بالوجوب للجماعة خاصة من

____________

(1) الوسائل- الباب- 14- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 14- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 14- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 3.

(4) الوسائل- الباب- 14- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 7 و روى في الوسائل عن الفقيه.

(5) الوسائل- الباب- 14- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 4.

(6) الوسائل- الباب- 14- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 6.

11

بين الأقوال مع أن القول بوجوب الإقامة في جميع الصلوات أقوى منه قطعا، و قد ذهب اليه المرتضى و الحسن بن عيسى و الكاتب كما قيل، بل صرح الحسن منهم ببطلان صلاة من تركها عمدا، كما أن المرتضى و الكاتب على ما قيل صرحا بتقييد ذلك بالرجال نظرا إلى النصوص المزبورة، و لعله مراد الحسن أيضا استبعادا لارتكابه طرح النصوص السابقة بقاعدة الاشتراك و نحوها.

و على كل حال فقد مال إليه جماعة من متأخري المتأخرين كالمجلسي و الأستاذ الأكبر و المحدث البحراني، بل جزم به الأخير، بل في منظومة الطباطبائي:

و القول بالوجوب فيهما و في * * *جماعة و للرجال ضعف

و لا كذا الوجوب في الإقامة * * *عليهم للنص ذي السلامة

لذاك أفتى بالوجوب السيد * * *و أنه لو لا الشذوذ جيد

كل ذلك لاستفاضة النصوص في الدلالة على وجوبها في الفرائض، بل قد يدعى تواترها على اختلاف كيفية الدلالة فيها، منها ما تقدم من التعبير باجزاء الإقامة المشعر بكونه أقل المجزي من الواجب، و منها ما تسمعه إن شاء الله عن قريب، و منها ما يأتي إن شاء الله في من دخل (1) في الصلاة مع نسيان الإقامة، و منها ما دل (2) على أن الإقامة من الصلاة و أنه يحرم بعدها الكلام.

و لا معارض لذلك فيها سوى

صحيح زرارة أو خبره (3) «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل نسي الأذان و الإقامة حتى دخل في الصلاة قال: فليمض في صلاته، فإنما الأذان سنة»

بناء على إرادة الندب من السنة فيه، و ما يشمل الإقامة

____________

(1) الوسائل- الباب- 29- من أبواب الأذان و الإقامة.

(2) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 12.

(3) الوسائل- الباب- 29- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 1.

12

من الأذان فيه ليطابق السؤال، و لإطلاق لفظ الأذان عليهما في جملة من النصوص (1) أو على ما تسمعه من المختلف من الإجماع المركب، إلا أنه قد يمنع الأول و يراد الواجب بالسنة، فيكون التعليل موافقا لما ورد في غيره من النصوص (2) المتضمنة لعدم إعادة الصلاة بنسيان القراءة و التشهد و غيرهما معللا ذلك فيها بأنها انما وجبت في السنة بخلاف نسيان الركوع و السجود و نحوهما مما دل على وجوبهما الكتاب.

اللهم إلا أن يقال: إنه مسلم فيما دخل في الصلاة من الأجزاء لا ما كان خارجا عنها مما هو كالشرائط، فإنه لا فرق في إعادة الصلاة بنسيانه بين ما وجب بالسنة و الكتاب، فلا يتم التعليل حينئذ إلا مع إرادة الندب منه، أو يقال: إن إرادة الوجوب بالسنة إن كان محتملا فهو في الإقامة دون الأذان المجمع على استحبابه في غير الفجر و المغرب و الجماعة، فلا محيص عن إرادة الندب حينئذ، و احتمال كون المراد هنا من كونه سنة الثبوت بالسنة وجوبا أو ندبا- و كلاهما مشتركان في عدم إعادة الصلاة بنسيانهما و إن كان لا خصوصية في ذلك للندب السني- خلاف المتعارف من إطلاق لفظ السنة بلا قرينة.

و قد يناقش في الأول بمنع خروجهما أولا خصوصا الإقامة التي ورد فيها أنها من الصلاة، و ثانيا منع حصر الفرق بذلك في الأجزاء، و فيهما معا خصوصا الأولى ما لا يخفى، نعم قد يقال: إنه يكفي في رفع الدلالة اشتراك هذا اللفظ في المعنيين و تردده بين الأمرين، و تعيين إرادة الندب منه بالشهرة ليس بأولى من تعيين المعنى الثاني جمعا بينه وئبين باقي النصوص الدالة على الوجوب، و فيه أيضا نظر واضح.

____________

(1) الوسائل- الباب- 11- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 7 و 8.

(2) الوسائل- الباب- 7- من أبواب التشهد- من كتاب الصلاة.

13

و سوى ما في المدارك من خلو صحيح حماد (1) المتضمن تعليم الصلاة عنهما، و لو كانت واجبة أو هي مع الأذان لذكر فيه ذلك، و فيه أنه كما لا يخفى على من لاحظه انما هو في ذكر المندوبات و تعليمها، و انها هي المراد من الحدود فيه و اشتماله على الركوع و السجود و نحوهما انما هو لذكر المندوبات فيهما، فلعل عدم ذكرهما فيه حينئذ مما يشعر بوجوبهما، و إن كان الإنصاف أنه لا إشعار فيه بالوجوب و لا بالندب، لأنه بصدد بيان المندوبات الخفية في نفس الأمر، و هما على كل حال مع خروجهما عنها معروفان لا خفاء فيهما على الأقل من حماد فضلا عنه.

و سوى

خبر أبي بصير (2) سأل أبا عبد الله (عليه السلام) «عن رجل نسي أن يقيم الصلاة حتى انصرف يعيد صلاته قال: لا يعيدها و لا يعود لمثلها»

بتقريب أن النهي عن العود يقضي بإرادة ما يشمل تعمد الترك من النسيان، و فيه أنه يمكن إرادة النهي بذلك عن التفريط و التساهل المؤديين للنسيان غالبا.

و سوى تظافر النصوص في الدلالة على استحباب الأذان،

قال الصادق (عليه السلام) في صحيح عبد الرحمن (3): «يجزي في السفر إقامة بغير أذان» و سأله الحلبي (4) في الصحيح «عن الرجل هل يجزيه في السفر و الحضر إقامة ليس معها أذان؟

قال: نعم لا بأس به»

إلى غير ذلك مما مر و يمر بك بعضه متمما ذلك بالإجماع المركب المحكي في المختلف الذي أذعن له جماعة ممن تأخر عنه، بل ربما كان هو العمدة عند بعضهم في ثبوت المطلوب، قال فيه: «إن علماءنا على قولين: أحدهما أن الأذان و الإقامة سنتان في جميع المواطن، و الثاني أنهما واجبان في بعض الصلوات» فالقول باستحباب

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب أفعال الصلاة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 28- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 5- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 5- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 3.

14

الأذان مطلقا و وجوب الإقامة في بعضها خرق للإجماع، بل عن المعتبر و المنتهى و التذكرة «أن الأذان من وكيد السنن إجماعا» و نهاية الأحكام «ليس الأذان من فروض الأعيان إجماعا و لا من فروض الكفاية عند أكثر علمائنا» و الخلاف «من فاتته صلوات يستحب له أن يؤذن و يقيم لكل صلاة إجماعا» متمما بعدم القول بالفصل بين الفوائت و الحواضر، و التذكرة «يستحب الأذان و الإقامة للفوائت من الخمس كما يستحب للحاضرة عند علمائنا».

و فيه أولا منع حصول الظن من مثل هذا الإجماع في مثل هذا المقام كما لا يخفى على من له أدنى درية، خصوصا على التحقيق في أن طريقه في هذا الزمان ليس إلا الاتفاق الكاشف عن الرأي، و إلا فلا قطع بدخول شخص إمام الزمان (عليه السلام) أو غيره، بل القطع بعدم دخوله حاصل، و كذا لا ظن بالإجماعات المزبورة المحتملة لإرادة أصل المشروعية، أو في الجملة أو عند القائلين بالندب أو غير ذلك مما سيقت لبيانه، لا ما نحن فيه من وجوبه لخصوص الفجر و المغرب المعلوم تحقق الخلاف فيهما كالجماعة، فلا حظ و تأمل، و ثانيا منع ثبوت استحباب الأذان مطلقا كي يلزم منه ذلك، لوجوب الخروج عن الإطلاقات المزبورة ب ما دل من النصوص (1) على وجوبه في الفجر و المغرب الذي حكي عن المرتضى و الكاتب و الحسن الجزم به مصرحا الأخير منهم بالبطلان مع الترك، و ربما كان مراد الأولين أيضا استبعادا للوجوب التعبدي بعد ظهور الدليل في الشرطي، قيل و زاد الأول الجمعة، و لعله لازم الأخيرين بعد إيجابهما له في الجماعة كما عرفت الواجبة فيها، كما حكي عنه التقييد بالرجال، و ربما كان مراد الأخيرين أيضا، لما سمعته من نصوص (2) النساء التي لا ريب في رجحانها على قاعدة

____________

(1) الوسائل- الباب- 6- من أبواب الأذان و الإقامة.

(2) الوسائل- الباب- 14- من أبواب الأذان و الإقامة.

15

الاشتراك، فتخص حينئذ بها، بل و على نصوص الوجوب فيهما، و إن كان التعارض في بعضها من وجه، بل ربما نقل التصريح بالتقييد عن الكاتب منهما، لكن حكى بعض الناس عن المرتضى التصريح بالتعميم للرجال و النساء و لم نتحققه، بل المتحقق خلافه.

و على كل حال فمما يدل على الوجوب فيهما

قول الباقر (عليه السلام) في صحيح زرارة (1): «أدنى ما يجزي من الأذان أن تفتتح الليل بأذان و إقامة، و تفتتح النهار بأذان و إقامة، و يجزيك في سائر الصلوات إقامة بغير أذان» و الصادق (عليه السلام) في صحيح صفوان (2) المروي عن العلل: «الأذان مثنى مثنى، و الإقامة مثنى مثنى، و لا بد في الفجر و المغرب من أذان و إقامة في الحضر و السفر، لأنه لا يقصر فيهما في حضر و لا سفر، و يجزئك إقامة بغير أذان في الظهر و العصر و العشاء الآخرة، و الأذان و الإقامة في جميع الصلوات أفضل» و قوله (عليه السلام) أيضا للصباح بن سيابة (3): «لا تدع الأذان في الصلوات كلها، فان تركته فلا تتركه في الفجر و المغرب، فإنه ليس فيهما تقصير» و قوله (عليه السلام) في موثق سماعة (4): «لا تصل الغداة و المغرب إلا بأذان و إقامة، و رخص في سائر الصلوات بالإقامة، و الأذان أفضل» و قوله (عليه السلام) أيضا في الصحيح عن ابن سنان (5): «يجزيك في الصلاة إقامة واحدة إلا الغداة و المغرب»

إلى غير ذلك، فيقيد بها حينئذ إطلاق تلك الأدلة، فلا يتم حينئذ استحباب الأذان مطلقا كي يتجه الإجماع المركب.

لكن قد يدفع ذلك بالمنع من صلاحية هذه النصوص لتقييد تلك الأدلة المعتضدة بالشهرة العظيمة التي كادت تكون إجماعا باعتبار ندرة الخلاف و انقراضه، بل لعلها إجماع بملاحظة السيرة القطعية و كون الحكم مما تعم به البلية، و من المستبعد

____________

(1) الوسائل- الباب- 6- من أبواب الأذان و الإقامة الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 6- من أبواب الأذان و الإقامة الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 6- من أبواب الأذان و الإقامة الحديث 3.

(4) الوسائل- الباب- 6- من أبواب الأذان و الإقامة الحديث 5.

(5) الوسائل- الباب- 6- من أبواب الأذان و الإقامة الحديث 4.

16

بل الممتنع خفاء الحكم فيه، و رفع اليد عن ذلك بما سمعته من النصوص كما ترى، خصوصا مع ضعف سند بعض نصوص التقييد و لا جابر، و التعبير بلفظ «ينبغي» في خبر أبي بصير السابق (1) و خبر عمر بن يزيد (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الإقامة بغير أذان في المغرب فقال: ليس به بأس، و ما أحب أن يعتاد»

و إمكان دعوى ظهور خبر الصباح منها في إرادة الكراهة من النهي الثاني، أو بيان شدة التأكد بقرينة النهي الأول الذي هو بعض منه، بل لا ينكر ظهور مثل هذا التعبير في ذلك عرفا، بل لعل قول الباقر (عليه السلام): «أدنى ما يجزي» إلى آخره ظاهر أيضا في إرادة الاجزاء في الفضل و الندب، ضرورة تقابله بالأكثر المراد منه ذلك قطعا، بل هو المراد من اللابدية في صحيح صفوان كما يومي اليه التعليل بعدم التقصير الذي لا مدخلية له في تقصير الأذان بمعنى الاقتصار منه على الإقامة، كما

قال الصادق (عليه السلام) في خبر عبد الرحمن (3): «يقصر الأذان في السفر كما تقصر الصلاة، يجزي إقامة واحدة»

بل يومي اليه أيضا الأفضلية في ذيله المشعرة بأن غيره ذو فضل، و ليس هو حينئذ إلا الندب، و لذا جعله بعضهم من أدلة الندب، و مثله موثق سماعة.

و بالجملة الخروج عن الإطلاقات المزبورة بمثل هذه النصوص كما ترى، فلا ريب حينئذ في استحبابه فيهما كغيرهما من الفرائض التي لا نجد خلافا في عدم وجوبه فيها، بل الإجماع بقسميه عليه، كما أن النصوص عموما و خصوصا مستفيضة فيه، إلا أنه فيهما مؤكد للنصوص المذكورة، فحينئذ يتم الإجماع المزبور من هذه الجهة، بل قد عرفت إمكان دعوى البسيط منه، إذ المخالف في الإقامة فيهما هو المخالف في الإقامة للجميع،

____________

(1) الوسائل- الباب- 6- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 7.

(2) الوسائل- الباب- 6- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 6.

(3) الوسائل- الباب- 5- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 9.

17

و هو نادر منقرض أيضا قد استقر المذهب فتوى و عملا على خلافه، و به حينئذ تقوى دلالة ما عرفت من النصوص عليه، مضافا إلى الأصل حتى على القول بإجمال العبادة المقتضي لاعتبار المشكوك فيها، ضرورة ظهور النصوص في حدوث الأذان و الإقامة، و أن الصلاة كانت بدونهما،

قال الصادق (عليه السلام) في صحيح منصور بن حازم (1): «لما هبط جبرائيل (عليه السلام) بالأذان على رسول الله (صلى الله عليه و آله) كان رأسه في حجر علي (عليه السلام) فأذن جبرائيل (عليه السلام) و أقام، فلما انتبه رسول الله (صلى الله عليه و آله) قال: يا علي، سمعت قال: نعم، قال: حفظت قال:

نعم، قال: ادع بلالا فعلمه».

فيتجه حينئذ بناء عليه التمسك باستصحاب عدم اعتبار ذلك في صحتها، على أنه لا يخفى ظهور هذا الصحيح في الندب أيضا باعتبار الاقتصار فيه على الأمر بتعليم بلال، و عدم المبادرة منه و من علي (عليه السلام) إلى بيان الوجوب للناس، خصوصا و قد عرف بينهم خلو الصلاة عن ذلك، كما أنه لا يخفى ظهور النصوص- (2) المستفيضة أو المتواترة المروية من طرق الخاصة و العامة المتضمنة لبيان أن من صلى بأذان و إقامة صلى معه صفان من الملائكة، و من صلى بإقامة صلى معه صف، و في بعضها (3) «ان حد الصف ما بين المشرق و المغرب» و في آخر (4) «ان أقله ما بين المشرق و المغرب، و أكثره ما بين السماء و الأرض»

- فيه أيضا، لكن في خبر ابن أبي ليلى (5) عن علي (عليه السلام) المروي عن ثواب الأعمال «ان من صلى بإقامة صلى خلفه ملك»

و لعل المراد منه الجنس، فلا ينافي الصف منهم، كما يشهد له

قول الصادق (عليه السلام) في

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الأذان و الإقامة.

(3) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 6.

(4) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 7.

(5) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 5.

18

خبر المفضل بن عمر (1) المروي عن ثواب الأعمال أيضا انه: «من صلى بإقامة صلى خلفه ملك صفا واحدا»

نعم قد ينافيه

قول الرضا (عليه السلام) في خبر العباس بن هلال (2): «من أذن و أقام صلى خلفه صفان من الملائكة، و إن أقام بغير أذان صلى عن يمينه واحد و عن شماله واحد، ثم قال: اغتنم الصفين» و خبر أبي ذر (3) المروي عن المجالس مسندا اليه عن النبي (صلى الله عليه و آله) انه قال: «يا أبا ذر إذا كان العبد في أرض قي يعني قفراء فتوضأ أو تيمم ثم أذن و أقام و صلى أمر الله الملائكة فصفوا خلفه صفا لا يرى طرفاه، يركعون لركوعه، و يسجدون لسجوده، و يؤمنون على دعائه، يا أبا ذر من أقام و لم يؤذن لم يصل معه إلا ملكاه اللذان معه»

و الأمر سهل.

و على كل حال فلا ريب في ظهورها في المطلوب أولا باعتبار اشتمالها على الترغيب الذي تعارف استعماله في المندوبات بخلاف الواجبات التي يضم فيها معه الترهيب أيضا، بل من هذا ينقدح قوة أخرى للقول بالندب، لخلو النصوص كافة عن ذلك. و ثانيا أنها صريحة أو كالصريحة في استحباب الأذان، ضرورة ظهور قوله (عليه السلام):

«من صلى بإقامة» بعد قوله (عليه السلام): «من صلى بأذان» في الاذن بتركه، خصوصا مع الأمر باغتنام الصفين، و منه يظهر إرادة الندب أيضا في الخطاب الثاني، إذ هما كالعبارة الواحدة، بل من المستبعد أو الممتنع التعبير بنحو ذلك مع الاختلاف في الوجوب و الندب. و ثالثا أنه لا ينكر ظهورها في أن عدم الإقامة انما يؤثر عدم ايتمام الملائكة، و لا دليل على اشتراط صحة الصلاة بذلك، بل إطلاق الأدلة يقتضي خلافه، فيكون المراد من مفهوم الشرط حينئذ أن من صلى بدونهما صلى وحده كما رواه

____________

(1) الوسائل- الباب- 5- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 2 و في النسخة الأصلية مفضل بن عمرو و الصحيح ما أثبتناه.

(2) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 4.

(3) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 9.

19

العامة في نصوصهم، بل قيل: إنهم رووا أيضا نصوصا أخر صريحة في ندبهما، مضافا إلى ما عن فقه الرضا (عليه السلام) (1) انهما من السنن اللازمة و ليستا بفريضة.

كل ذلك مع أن أكثر نصوص (2) وجوب الإقامة انما هو للتعبير فيها بلفظ الاجزاء و الرخصة و نحوهما مما هو ظاهر في الوجوب، و فيه أولا منع ذلك في زمانهم (عليهم السلام)، بل المراد منه فيه الاكتفاء الشامل للندب و الوجوب كما لا يخفى على المتتبع نصوصهم (عليهم السلام). و ثانيا في خصوص المقام المعبر فيه تارة بهما و أخرى بلفظ الاكتفاء، بل لا يخفى على المتأمل في النصوص هنا كثرة التعبير بلفظ الاجزاء في معلوم الندبية، و ما ذاك إلا لشدة تأكد الندب المقتضية لنحو هذا التعبير، و إلا فمقتضاه أنه هو أقل المجزي و أكثره الفرد الآخر، و ليس هنا إلا الأذان معها، و الفرض أنه مندوب، فيتعين إرادة أنه الأكثر إجزاء في الفضل، فيكون الأقل أيضا كذلك، كما أن لفظ الرخصة يقتضي كون الأصل الأذان معها أيضا، و من المعلوم أن أصالته إنما هي في تمام الفضل لا في الوجوب، فتتبعه الرخصة حينئذ، لا أقل من أن يتعين إرادة ذلك هنا بما سمعته من شواهد الندب من الشهرة العظيمة أو الإجماع و غيرها.

و منه يظهر ضعف القول بالوجوب جدا، ضرورة كون معظم أدلته ذلك، و إلا فالأمر بالإقامة على وجه يظهر منه الوجوب قليل في النصوص، ففي

خبر علي بن جعفر (3) المروي عن قرب الاسناد سأل أخاه (ع) «عن المؤذن يحدث في أذانه و في إقامته فقال: إن كان الحدث في الأذان فلا بأس، و إن كان في الإقامة فليتوضأ و ليقم إقامة»

و هو كما ترى في بيان شرطية الطهارة لا بيان وجوبها، كالأمر بها عند نسيانها في جملة

____________

(1) المستدرك- الباب- 23- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 5- من أبواب الأذان و الإقامة.

(3) الوسائل- الباب- 9- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 7.

20

من النصوص (1) المختلفة في تقييد ذلك بما قبل الركوع أو القراءة أو غيرهما، ضرورة كون المراد منه الرخصة، لأنه في مقام توهم الحظر، و لذا أمر في جملة (2) منها بالأذان معها عند فرض السؤال عن نسيانهما، فلاحظ و تأمل، بل قيل: إن شدة اختلاف هذه النصوص في الإعادة و عدمها و في تقييدها بما قبل الركوع و عدمه و غير ذلك مما يومي إلى الندب، كايماء ما دل (3) على إجزاء طاق طاق في الإقامة أو مع الأذان في السفر أو مطلقا، إذ القائل بالوجوب ظاهره الإطلاق.

بل قد يومي اليه أيضا ما سمعته من نصوص (4) نفي كونهما على النساء المشعر بكونهما على الرجال، و من المعلوم إرادة تأكد الندب من علاوة الأذان عليهم، فالإقامة كذلك، لأنهما بلفظ واحد، بل ذكر جملة من المندوبات معهما فيه إيماء آخر، إلى غير ذلك مما تومئ اليه النصوص منجبرا بالشهرة العظيمة، و قول الصادق (عليه السلام) لأبي هارون المكفوف (5): «يا أبا هارون الإقامة من الصلاة، فإذا أقمت فلا تتكلم و لا تؤم بيدك»

- مع أنه معارض بنفي البأس عن الكلام بعدها في غيره من النصوص (6)- يراد منه شدة التأكيد في عدم فعل شيء من منافيات الصلاة بعدها، لا أنه بعض منها حقيقة، ضرورة معلومية أن افتتاح الصلاة التكبير و اختتامها التسليم، و لذا كانت النية عنده لا عندها كما هو واضح لا يحتاج إلى مزيد إطناب، على أن بعضية الصلاة أعم من الوجوب، فان كثيرا من المندوبات كالقنوت و نحوه بعضها: أي بعض

____________

(1) الوسائل- الباب- 29- من أبواب الأذان و الإقامة.

(2) الوسائل- الباب- 29- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 21- من أبواب الأذان و الإقامة.

(4) الوسائل- الباب- 14- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 3 و 6 و 7.

(5) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 12.

(6) الوسائل- الباب- 10- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 9 و 10 و 13.

21

الفرد الكامل منها، فقد ظهر بحمد الله أنه لا محيص عن القول بندب الأذان و الإقامة مطلقا، نعم هما مختلفان في التأكد و عدمه، كاختلاف الأذان في ذلك في الفجر و المغرب و الجماعة، و لعل الإقامة فيها مؤكدة زائدا على تأكدها في غيرها.

كما أنه ظهر لك من نصوص النساء السابقة اختلافهن مع الرجال في التأكد و عدمه الذي هو المشهور بين الأصحاب، بل لا يعرف فيه خلاف بينهم، إذ لا ريب في مشروعيتهما لهن، بل الإجماع صريحا و ظاهرا محكي عليها، بل الظاهر انه كذلك كما في كشف اللثام، مضافا إلى بعض النصوص السابقة و غيرها، لكن ليس في شيء منها الأمر بالاسرار و الإخفات، و مقتضاه الاجتزاء به و إن أجهرت بحيث سمعها الأجانب، بل في المحكي عن المبسوط «و إن أذنت المرأة للرجال جاز لهم أن يعتدوا به و يقيموا، لأنه لا مانع منه» و لعل ذلك مؤيد لما ذكرناه سابقا من عدم ثبوت جريان حكم العورة على أصواتهن، بل مقتضى السيرة المستمرة في سائر الأعصار و الأمصار و ما وصل إلينا من النصوص المتضمنة كلامهم (عليهم السلام) معهن زائدا على الواجب خلاف ذلك، فيتجه حينئذ اجتزائهن به و إن سمعهن الأجانب، نعم قد يشكل ما في المبسوط بأن ذلك على تقدير تسليمه لا يقتضي اجتزاء الرجال به، اقتصارا على المتيقن في سقوطه عنهم، و دعوى شمول إطلاق الأدلة أو قاعدة الاشتراك لذلك في غاية الصعوبة.

كما أنه قد يشكل اجتزائهن به مع سماع الأجانب بالشهرة العظيمة على اشتراط الاسرار بمعنى عدم سماع الأجانب، بل عن المنتهى و التذكرة نسبته إلى علمائنا مشعرا بدعوى الإجماع عليه، و لذا ضعفوا ما سمعته عن الشيخ بأنها إن أجهرت عصت، و النهي يدل على الفساد، و إن أسرت لم يجتزأ به بل عن المختلف زيادة أنه لا يستحب لهن، فلا يسقط به المستحب، و كأن بناء الجميع على عورية صوتها، و لذا ذكر غير واحد اعتداد المحارم به كالنساء، لجواز سماعهم أصواتهن، فيتجه حينئذ عدم الاعتداد به

22

لحرمته، و ظاهرهم المفروغية من ذلك، نعم في الذكرى «إلا أن يقال ما كان من قبيل الأذكار و تلاوة القرآن مستثنى كما استثني الاستفتاء و نحوه- ثم قال-: و لعل الشيخ يجعل سماع الرجل صوت المرأة في الأذان كسماعها صوته فيه، فان صوت كل منهما بالنسبة إلى الآخر عورة» لكن الجميع كما ترى، خصوصا ما سمعته من المختلف الذي يمكن دعوى الإجماع على خلافه، كما أن الإجماع المزبور الذي مبناه على الظاهر كون صوت المرأة عورة يمكن منعه أيضا بما عرفت، و إلا فإن تم اتجه عدم الاستثناء لعدم الدليل، و احتمال الاجتزاء به لرجوع النهي لأمر خارج غلط واضح، إذ اللفظ إنما هو صوت خاص، فمع فرض حرمته لا يتصور التقرب به، و مثله احتمال الاجتزاء به مع إسرارهن لعدم توقفه على السماع، و إلا لم يسقط عمن جاء قبل تفرق الجماعة، ضرورة أن القول بذلك للدليل الخاص لا يقتضي الاعتداد به في نحو الفرض، أقصاه أنه يمكن دعواه مثلا فيمن جاء قبل تفرق جماعتهن، لعدم المحذور فيه، إلا أنه يشكل بما عرفت من المناقشة في شمول أدلة الاعتداد بمثله على تقدير عدم كون صوتها عورة.

و على كل حال ففي الذكرى «ان الخنثى المشكل في حكم المرأة تؤذن للمحارم من الرجال و النساء و لأجانب النساء دون أجانب الرجال» و في جامع المقاصد «الخنثى كالمرأة في ذلك، و كالرجل في عدم جواز تأذين المرأة لها» و كأنهما بنيا ذلك على مراعاة الاحتياط فيها الذي قد ادعي وجوبه في مثل العبادة، و إلا فقد يتجه التمسك بأصالة البراءة عن حرمة سماع صوتها، فتشملها حينئذ إطلاق الاعتداد بأذان الغير الذي لم يقيد بالرجال، بل أقصاه خروج النساء عنه، فيقتصر على المعلوم منهن، أما عدم اعتدادها بأذان المرأة فقد يتجه كما ذكره في الجامع، إذ الثابت اعتداد النساء به، و المفروض عدم ثبوت كون الخنثى منهن، و احتمال كونها منها معارض باحتمال كونها

23

من الرجال، فلا يجدي هذا، و قد عرفت أنه في غير واحد من النصوص (1) السابقة اجتزاء النساء بالتكبير و الشهادتين، و في بعضها (2) بالشهادتين، كما انها اختلفت في كيفية الشهادتين، و ظاهر بعضها أن ذلك إقامتها، و لا بأس بالعمل بما فيها على إرادة الرخصة، و إن كان الأفضل غيره، و في المحكي من عبارة ابن الجنيد أن على النساء التكبير و الشهادتين، و لا ريب في ضعفه على تقدير إرادة الوجوب، و الله أعلم.

و كيف كان فقد ذكر المصنف و غيره من الأصحاب بل لم يعرف فيه خلاف أصلا أن الأذان و الإقامة يتأكدان فيما يجهر فيه من الفرائض، بل عن الغنية الإجماع عليه، و هو مع اعتضاده بالفتاوى و التسامح في أدلة السنن الحجة، و إلا فلم نقف في النصوص على ما يشهد له، بل قد يظهر من عد العشاء فيها مع الظهر و العصر و الاقتصار على استثناء المغرب و الغداة خلافه، و تعليله بأن الجهر دليل اعتناء الشارع بالتنبيه و الاعلام و شرعهما لذلك كما ترى، اللهم إلا أن يرجع إلى ما عن علل الفضل (3) عن الرضا (عليه السلام) من أن الأمر بالجهر في فرائضه لوقوعها في أوقات مظلمة ليعلم المار أن هناك جماعة تصلي، فإن أراد أن يصلي صلى معهم، المشعر بأنها أحوج إلى التنبيه على جماعتها.

و أما أن أشدها و غيرها من الصلاة تأكدا استحبابهما في الغداة و المغرب فقد عرفت ما يدل عليه من النصوص (4) حتى قيل بالوجوب كما سمعت، هذا كله في الصلوات الخمس. و أما استحبابه في غيرها فستعرف إن شاء الله المواضع

____________

(1) الوسائل- الباب- 14- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 1 و 4.

(2) الوسائل- الباب- 14- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 25- من أبواب القراءة في الصلاة- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 6- من أبواب الأذان و الإقامة.

24

التي ندب فيها الأذان خاصة، أو هو و الإقامة في آخر المبحث، و الله الموفق.

و على كل حال ف لا يؤذن و لا يقام لشيء من النوافل و إن وجبت بالعارض و لا لشيء من الفرائض عدا الخمس إجماعا محصلا و منقولا عن المعتبر و المنتهى و التذكرة و الذكرى و جامع المقاصد و الغرية، بل عن أولها أنه مذهب علماء الإسلام، و منه يعلم حينئذ أن المراد بإطلاق بعض النصوص (1) أو عمومها خصوص الفرائض الخمسة، فيبقى غيرها على أصالة عدم المشروعية، مضافا إلى ما تسمعه في خبر إسماعيل بن جابر الجعفي (2) من نفي الصادق (عليه السلام) الأذان و الإقامة في العيدين متمما بعدم القول بالفصل، بل لو كان مشروعا في غير الخمس لكانا أولى من غيرهما بذلك، كما هو واضح.

بل يقول المؤذن للصلاة في العيدين عوض الأذان المعهود الصلاة ثلاثا بلا خلاف أجده فيه ل

خبر إسماعيل الجعفي (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قلت له: أ رأيت صلاة العيدين هل فيهما أذان و إقامة؟ قال: ليس فيهما أذان و لا إقامة، و لكنه ينادى الصلاة ثلاث مرات»

بل ألحق الفاضلان و غيرهما بهما سائر الفرائض غير اليومية، بل ظاهر المتن و غيره إلحاق سائر ما يراد فيه الاجتماع من الصلوات و لو نافلة، فيدخل صلاة الاستسقاء، كما هو صريح المحكي عن التذكرة و نهاية الأحكام، نعم فيه الإشكال في صلاة الجنازة، من العموم، و من الاستغناء بحضور المشيعين، لكن فيه أنه قد لا يغني الحضور للغفلة و نحوها، و لم نجد غير الخبر المزبور، و لذا توقف بعض المتأخرين في تعميم الاستحباب لغيرهما، إلا أنه- بعد التسامح،

____________

(1) الوسائل- الباب- 4- من أبواب الأذان و الإقامة.

(2) الوسائل- الباب- 7- من أبواب صلاة العيد- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 7- من أبواب صلاة العيد- الحديث 1.

25

و فتوى جماعة، و احتمال إلغاء الخصوصية في العيدين، و معلومية ندب النداء للاجتماع، و أفضلية المأثور، و إرسال الفاضل العموم المزبور و إن لم نعثر عليه- لا يبعد التعميم لكل صلاة أريد فيها الاجتماع من فريضة أو نافلة، و إطلاق الأصحاب استحباب اللفظ المزبور من غير نص على كيفية خاصة من الوقف أو النصب أو الرفع أو التفريق يستفاد منه عدم تقييد الاستحباب بشيء من ذلك، إما لعدم مدخلية الاعراب أصلا في كل ما أمر بقوله أو في خصوص المقام، فحينئذ يجوز نصب الصلاة في الثلاث و رفعها كما نص عليه غير واحد، و التفريق كما نص عليه الشهيد الثاني، هذا. و عن الحسن أنه يقال في العيدين:

«الصلاة جامعة» و الخبر المزبور خال عنه، إلا أنه في بالي أن في بعض الأخبار (1) هذا اللفظ في غير العيدين من بعض الصلوات التي أريد بها الاجتماع كصلاة الغدير أو نحوها، و ربما كان ذلك مؤيدا للتعميم المزبور، فلاحظ. و في كشف اللثام أن الصدوق لم يذكر إلا

قول أبي جعفر (عليه السلام) في صحيح زرارة (2): «أذانهما أي العيدين طلوع الشمس»

قلت: لعل مراده لفظ الصلاة أو مطلق الاعلام لا الأذان المعهود، بل ينبغي القطع بذلك، كما أن ما عن الكشي، من أنه روي في ترجمة يونس ابن يعقوب انه صلى على معاوية بن عمار بأذان و إقامة من الشواذ الغريبة، و الله أعلم.

[في استحباب الأذان و الإقامة في القضاء]

و كيف كان فقد عرفت سابقا أن مقتضى إطلاق الأدلة- بل عموم بعضها خصوصا

قول الصادق (عليه السلام) منها في موثق عمار (3): «لا صلاة إلا بأذان و إقامة»

و غيره- عدم الفرق في استحبابهما بين القضاء و الأداء، و حينئذ ف قاضي الصلوات الخمس

____________

(1) صحيح البخاري ج 2 ص 35 و انما ورد في صلاة الكسوف.

(2) الوسائل- الباب- 7- من أبواب صلاة العيد- الحديث 5.

(3) الوسائل- الباب- 35- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 2.

26

يؤذن لكل واحدة و يقيم مضافا إلى عموم

قوله (عليه السلام) (1): «من فاتته فريضة فليقضها كما فاتته»

بناء على إرادة الجنس من الفريضة فيه، و على شموله للكيفية و إن كانت خارجة عن أجزاء الصلاة كالطهارة و الستر و الاستقبال و الأذان و الإقامة، فتأمل. و خصوص

خبر عمار (2) «ان الصادق (عليه السلام) سئل عن الرجل إذا أعاد الصلاة هل يعيد الأذان و الإقامة؟ قال: نعم»

و الإجماع المحكي عن الخلاف و ظاهر المسالك و الروض و حاشية الإرشاد، بل لعله مقتضى ما عن التذكرة من الإجماع على أفضليته في الأداء من القضاء، نعم

روى زرارة (3) في الصحيح أو الحسن عن أبي جعفر (عليه السلام) رخصة في ترك الأذان لما عدا الأولى قال: «إذا نسيت صلاة أو صليتها بغير وضوء و كان عليك قضاء صلوات فابدأ بأولهن و أذن لها و أقم ثم صلها و صل ما بعدها بإقامة إقامة لكل صلاة» و محمد بن مسلم في الصحيح (4) أيضا «في الرجل يغمى عليه ثم يفيق يقضي ما فاته يؤذن في الأولى و يقيم في البقية» و في المرسل (5) «ان النبي (صلى الله عليه و آله) شغل يوم الخندق عن الظهرين و العشاءين حتى ذهب من الليل ما شاء الله فأمر بلالا فأذن للأولى و أقام للبواقي من غير أذان».

و إليها أشار المصنف و غيره- بل لا أجد فيه خلافا معتدا به بينهم- بقوله و لو أذن للأولى من ورده ثم أقام للبواقي كان دونه في الفضل بل قد يظهر من

مكاتبة موسى ابن عيسى (6) الرخصة في ترك الأذان للجميع، قال: «كتبت اليه رجل يجب عليه

____________

(1) الوسائل- الباب- 6- من أبواب قضاء الصلوات- الحديث 1 و نصه

«يقضي ما فاته كما فاته»

. (2) الوسائل- الباب- 8- من أبواب قضاء الصلوات- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 63- من أبواب المواقيت- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 4- من أبواب قضاء الصلوات- الحديث 2.

(5) تيسير الوصول ج 2 ص 190.

(6) الوسائل- الباب- 37- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 2.

27

إعادة الصلاة أ يعيدها بأذان و إقامة فكتب يعيدها بإقامة»

بناء على إرادة ما يشمل القضاء من الإعادة فيه. و في المحكي عن الخلاف الإجماع على ذلك، بل هو ظاهر ما في المحكي عن النهاية و السرائر و من فاتته صلاة قضاها بأذان و إقامة أو إقامة، بل عن المعتبر و المنتهى و التذكرة و نهاية الأحكام التصريح بذلك، بل عن البحار نسبته إلى الأصحاب، و ليس في نصوص الرخصتين تقييد بالعجز أو المشقة، فما عن جامع ابن سعيد أنه إن عجز أذن للأولى و أقام للثانية إقامة إقامة، و النفلية من أن من أحكامه الاجتزاء بالإقامة عند مشقة التكرار في القضاء لا يخلو من نظر، كما أن ما عن البحار من الميل إلى عدم ثبوت الرخصة الثانية كذلك أيضا.

و المراد بالرخصة في ترك المستحب المعلوم جواز تركه خصوص ما نص الشارع على تركه على وجه يظهر منه أن ذلك ليس من حيث كونه مستحبا يجوز تركه، بل لعدم كون الاستحباب في محلها كما في غير محلها، و من هنا ينقدح إشكال في الاستدلال على أفضلية الأذان هنا في الجميع بالاستصحاب أو ببعض العمومات، مثل

قول الصادق (عليه السلام) في موثق عمار (1): «لا صلاة إلا بأذان و إقامة»

و نحوه من عمومات التأكد، ضرورة كون هذا الحال غير الحال الأول، فلا يستصحب الحال السابق، كضرورة أنه مما لا يندرج في عموم التأكد للفرائض بعد فرض أنه قد رخص فيه رخصة تشعر بعدم ثبوت ذلك التأكد فيه، نعم لا بأس بالإطلاقات أو العمومات الخالية عن ذلك، بل انما كانت دالة على ثبوت أفضلية الفعل على الترك التي هي قدر مشترك بين سائر المراتب، اللهم إلا أن يفرض كون عمومات التأكد كذلك، فتأمل. بل ربما استشكل بعضهم في الاستدلال بسائر الإطلاقات و العمومات باعتبار ظهور الأمر في الصحيحين و الموثق بأفضلية ذلك من الأذان، إذ أقل مراتبه الندب، بل ربما أيد بفعل النبي

____________

(1) الوسائل- الباب- 35- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 2.

28

(صلى الله عليه و آله) المعلوم مواظبته على الراجح، و ليس الخبر منافيا للعصمة كي يطرح، إذ يمكن أن يكون ذلك منه (صلى الله عليه و آله) قبل النسخ، ل

ما روي «ان الصلاة كانت تسقط مع الخوف ثم تقضي»

حتى نسخ ذلك بقوله تعالى (1) «وَ إِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ» أو يكون لعدم تمكنه من استيفاء الأفعال و لم يكن قصر الكيفية مشروعا، و لعله إلى ذلك نظر القائل بأفضلية الأذان لأول الورد خاصة ثم الإقامة الإقامة على فعل الأذان في الجميع كما حكاه غير واحد عن بعضهم و إن كنا لم نعرفه بالخصوص.

نعم قد يستظهر من الفاضل في الإرشاد من حيث عطفه سقوط الأذان عن القاضي على عصر يومي الجمعة و عرفة اللذين ستعرف حرمة الأذان فيهما أو كراهته، بل ربما ظهر من منظومة العلامة الطباطبائي، و استحسنه في المدارك و المحكي عن البحار، بل عن الكفاية اختياره، بل في المدارك و المحكي عن البحار لو قيل بعدم شرعية الأذان لغير الأولى لكان قويا، لعدم ثبوت التعبد به على هذا الوجه، بل في المفاتيح حكايته قولا لبعضهم و إن كنا لم نعرفه، اللهم إلا أن يرجع اليه القول بأفضلية الترك، ضرورة عدم تناول أدلة الاستحباب حينئذ له، فتحتاج شرعيته حينئذ إلى دليل، بل لا تتصور إذ الفرض أنه عبادة، و هي لا يرجح تركها على فعلها، و أقلية الثواب على وجه خاص التي هي معنى الكراهة في العبادات غير متصورة هنا، ضرورة تصورها في الأفراد المتفاوتة لا في فردي الترك و الفعل، و تكلف رجوع ذلك إلى الصلاة ذات الإقامة وحدها و الصلاة ذات الأذان و الإقامة لا محصل له، خصوصا و الأذان عبادة مستقلة عن الصلاة انما يلاحظ فعله و تركه لنفسه، فلا بد حينئذ إما القول بأن الترك رخصة، و إلا فالفضل

____________

(1) سورة النساء- الآية 103.

29

في الفعل، و إما القول بأنه عزيمة يحرم معها الفعل و لو لعدم الدليل على الشرعية، لكنك خبير بضعف الثاني و ندرة القائل به، بل قد سمعت دعوى الإجماع صريحا و ظاهرا على خلافه، بل يمكن تحصيله مضافا إلى الأدلة المزبورة التي لا يعارضها ظاهر الأمر الذي هو شبه الأمر في مقام توهم الحظر المنصرف إلى إرادة الرخصة، و لا المرسل المتضمن لفعل النبي (صلى الله عليه و آله) الذي لم يثبت، و عدم منافاته العصمة لا يقتضي ثبوته، على أنه يمكن أن يكون أيضا لبيانها كما يقع منهم فعل المكروه لبيان الجواز فضلا عن الرخصة.

فظهر حينئذ أن الأقوى ما عليه المشهور، لكن في الدروس «أن استحباب الأذان للقاضي لكل صلاة ينافي سقوطه عمن جمع في الأداء، إلا أن نقول السقوط فيه تخفيف، أو أن الساقط أذان الإعلام لحصول العلم بأذان الأولى لا الأذان الذكري، و يكون الثابت في القضاء الأذان الذكري، و هذا متجه» و فيه أنه يمكن كون الفارق الدليل، ضرورة ظهوره في بعض أفراد الجمع كما ستعرف في رجحان الترك، إما للمواظبة منهم (عليهم السلام) على ذلك، أو لدلالة القول عليه بخلافه هنا، فإنه لم تفتهم صلاة إلا ما سمعته من الخبر المزبور الذي استظهر المجلسي على ما قيل عاميته، و ليس فيه شيء من المواظبة كي يصلح لمعارضته ما عرفت، كالقول في الصحيحين المزبورين و الموثق بعد ما سمعت، و من الغريب احتماله سقوط أذان الإعلام خاصة، بل استوجهه، و النصوص و الفتاوى هنا و في الجمع في الأداء صريحة أو كالصريحة في خلافه، مضافا إلى ما رده به في المدارك من أن الأذان عبادة مخصوصة مشتملة على الأذكار و غيرها، و لا ينحصر مشروعيته في الإعلام بالوقت، إذ قد ورد في كثير من الروايات أن من فوائده دعاء الملائكة إلى الصلاة، و إن كان قد يناقش فيه بأنه ظاهر في عدم ثبوت تعدد الأذان عنده للاعلام و الصلاة، بل هو أذان واحد له فوائد متعددة قد تجتمع

30

و قد يتخلف بعضها، و فيه أنه خلاف الظاهر من النصوص كما عرفت في أول المبحث و تعرف إن شاء الله.

[موارد سقوط الأذان]

[في سقوط الأذان عن صلاة العصر يوم الجمعة]

و يصلي يوم الجمعة الظهر بأذان و إقامة، و العصر بإقامة بلا خلاف معتد به أجده فيه إذا كانت صلاته الظهر جمعة و جاء بالموظف بأن جمع بينها و بين العصر، و ما عن بعض نسخ المقنعة من التعبير بالأذان مراد منه الإقامة بقرينة ما عن نسخة أخرى، و عدم إردافه بالإقامة في النسخة المزبورة، كل ذلك للتأسي و إدراكها مع من احتضر صلاة الجمعة و إدراكهم لها جماعة، بل في الذكرى نسبته إلى الأصحاب، بل عن الغنية و السرائر و المنتهى الإجماع عليه، بل قد يقوى في النظر الحرمة وفاقا للبيان و الروضة و كشف اللثام و المحكي عن النهاية و ظاهر التلخيص، بل لعله المراد من التعبير عنه بالبدعة في بعض كتب الفاضل و ثاني الشهيدين، إذ دعوى أنها تنقسم إلى الأحكام الخمسة كما ترى، خصوصا بعد

ما ورد (1) في نوافل شهر رمضان «ان كل بدعة ضلالة»

و على كل حال فالمتجه التحريم لأصالة عدم المشروعية، فهو كالأذان في غير الفرائض، قيل و ل

قول أبي جعفر (عليه السلام) في خبر حفص بن غياث (2): «الأذان الثالث يوم الجمعة بدعة»

إذ الثالث في يومها لا يكون إلا للعصر، لأن الأول للصبح و الثاني للجمعة، و إن لم يلاحظ الصبح بل لوحظ الإعلامي لوقت الظهر و الأذان لصلاتها فالثالث حينئذ ليس إلا للعصر، لكن قد يقوى إرادة الثاني للظهر منه باعتبار كونه زيادة ثالثة على الأذان و الإقامة المشروعين للظهر، و يؤيده ما قيل من أن عثمان أحدث للجمعة أذانا لبعد بيته عن المسجد، فكانوا يؤذنون أولا في بيته و ثانيا في المسجد، و قيل: إن المبتدع معاوية، كما أنه قيل: الأذان الأول كان بدعة، و قيل: الثاني، و قيل: إنه كان

____________

(1) الوسائل- الباب- 10- من أبواب نافلة شهر رمضان- الحديث 1 من كتاب الصلاة.

(2) الوسائل- الباب- 10- من أبواب نافلة شهر رمضان- الحديث 4 من كتاب الصلاة.

31

بعد نزول الامام من المنبر، و قيل: قبل الوقت، إلى غير ذلك مما ليس هذا محل ذكره.

و الحاصل لا يخفى انصراف الذهن إلى إرادة التعريض بما في يد الناس من الابتداع

كما ورد (1) «الاجتماع في شهر رمضان بدعة»

لا أن المراد أنه لو فعل ذلك كان بدعة: أي تشريعا محرما، فان هذا لا يخص الأذان، بل لعل لفظ البدعة ظاهر في خلافه كما هو واضح، خلافا للمحكي عن المبسوط و الفاضل في جملة من كتبه و الشهيد في الذكرى و المحقق الثاني في جامعه و تعليقه على النافع و الإرشاد فمكروه، و للدروس فمباح لا محرم و لا مكروه، بل جعل فيها الأول منهما مبالغة، قال: «و يسقط استحباب الأذان في عصر عرفة و عشاء المزدلفة و عصر الجمعة» و ربما قيل بكراهته في الثلاثة و خصوصا الأخير، و بالغ من قال بتحريم الأخير، و قد عرفت أن المبالغة هي التي يقتضيها النظر، ضرورة عدم جريان أصالة الجواز في إثبات أصل العبادة، كما أن كونه ذكرا لله و حثا على عبادته و الكل حسن على كل حال لا يشرع الخصوصية، و إلا لاقتضى ذلك استحبابه لغير اليومية، و الاستصحاب بعد القطع بانقطاعه ضرورة كون هذا الحال غير الأول لا حجة فيه، و إلا رجع إلى استصحاب الجنس، و هو غير حجة عندنا، و كذا لا جهة للتمسك بإطلاق أوامر الأذان أو عموماته، ضرورة الاتفاق على عدم شمولها للمفروض، و إلا لاقتضيا بقاء ندبه، و التزام الدروس بذلك بناء على إرادته سقوط تأكد الاستحباب لا أصله الذي لا تتم العبادة بدونه- بل مقتضى ما سمعته منه في المسألة السابقة من أن الساقط أذان الإعلام دون أذان الذكر البقاء على الندب الأول بعد الإجماعات السابقة، بل يمكن دعوى المحصل، و بعد مواظبة النبي (صلى الله عليه و آله) و التابعين و تابعي التابعين على وجه يقطع بأنه الراجح، لا أن الترك رخصة، و إلا فالأفضل غيره- غريب.

____________

(1) الوسائل- الباب- 49- من أبواب صلاة الجمعة- الحديث 1 من كتاب الصلاة.

32

نعم قد يقوى عدم التحريم بل و لا الكراهة، بل الظاهر بقاء الندب الأول إذا لم يجمع بينهما، إذ مرجوحية التفريق لا تنافي استحباب الأذان الثابت بالاستصحاب و بإطلاق الأدلة و عمومها و لا معارض، إذ خبر حفص قد عرفت المراد منه، فما عن ظاهر النهاية و البيان- من الحرمة هنا أيضا حيث جوز التنفل بست بين الفرضين و أطلقا تحريم أذان العصر- فيه ما لا يخفى، و إن قال في كشف اللثام: إنه يقويه النظر إلى أن الأذان للإعلام و الناس مجتمعون مع ضيق الوقت لئلا تنفض الجماعة، و يمكن إرادتهما الصورة الأولى، كما أنه يمكن بقرينة ملاحظة الكتب الاستدلالية و ما ذكروه فيها دليلا للسقوط إرادة ما لا يشمل المفروض من إطلاق المتن و غيره سقوط أذان العصر يوم الجمعة، بل قد يدعى أن المنساق إرادة ما لو فعل الجمع الموظف فيها لا التفريق الذي هو إما محرم أو مكروه أو رخصة كما هو واضح.

و أما إذا صلى الظهر أربعا جامعا بينها و بين العصر فعن صريح التهذيب و الكافي و المنتهى و المختلف و ظاهر المبسوط و النهاية السقوط أيضا، بل ربما استظهر أيضا من عبارة المتن و كتب الفاضل و غيرها مما أطلق فيه سقوطه في يوم الجمعة، و لعله لذا نسب إلى المشهور، بل ربما استظهر أيضا مما عن المعتبر من أنه يجمع يوم الجمعة بين الظهرين بأذان و إقامتين، قاله الثلاثة و أتباعهم، لأن الجمعة يجمع فيها بين الصلاتين، بل عن المنتهى «أنه قاله علماؤنا» بل عن موضع من مجمع البرهان «لا خلاف في سقوط أذان العصر يوم الجمعة إذا جمع بينها و بين الظهر» بل هو مقتضى تعليل غير واحد من الأصحاب السقوط في المسألة الأولى بالجمع الذي هو المفروض في المقام.

و منه ينقدح أن السقوط هناك ليس لخصوصية الجمعة، نعم لما كانت يختص يومها باستحباب الجمع ذكر فيه ذلك، فما وقع من بعض متأخري المتأخرين من المناقشة

33

في بعض أدلة تلك المسألة بأنه لا يخص الجمعة في غير محله، ضرورة أنه لم يظهر منهم إرادة اختصاصها من دون ملاحظة الجمع، فحينئذ يتجه السقوط أيضا هنا، لأن الظاهر من النصوص و الفتاوى استحباب الجمع مطلقا صلى الظهر أربعا أو جمعة، على أن الحكم غير مقيد باستحباب الجمع، بل وقوعه كاف في السقوط و إن لم يكن مستحبا كما يفهم من تعليل كثير من الأصحاب، و لعله لذا نسبه غير واحد إلى الشهرة كما قيل، بل ربما نسب إلى الأصحاب، بل عن الخلاف «ينبغي لمن جمع بين الصلاتين أن يؤذن للأولى و يقيم للثانية» و في كشف اللثام و كذا يسقط بين كل صلاتين جمع بينهما: أي لم يتنفل بينهما كما قطع به الشيخ و الجماعة، لأنه المأثور (1) عنهم (عليهم السلام) ثم حكي عن الذكرى أن الساقط فيه أذان الإعلام لا أذان الذكر و الإعظام، و قال: و لما لم يعهد عنهم إلا تركه أشكل الحكم باستحبابه و إن عمت أخباره و لم يكن إلا ذكرا و أمرا بالمعروف.

قلت: و كأن ذلك كله لأنه مع الجمع كالصلاة الواحدة، و لأن المعهود منهم (عليهم السلام) قولا و فعلا في حال استحباب الجمع و غيره ذلك، ففي

صحيح عبد الله ابن سنان (2) عن الصادق (عليه السلام) «ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) جمع بين الظهر و العصر بأذان و إقامتين، و جمع بين المغرب و العشاء في الحضر من غير علة بأذان و إقامتين»

و في صحيح عمر بن أذينة (3) عن رهط منهم الفضيل و زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) «ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) جمع بين الظهر و العصر بأذان و إقامتين، و جمع بين المغرب و العشاء بأذان واحد و إقامتين»

و في خبر صفوان الجمال (4) «صلى بنا أبو عبد الله (عليه السلام) الظهر و العصر عند ما زالت

____________

(1) الوسائل- الباب- 36- من أبواب الأذان و الإقامة.

(2) الوسائل- الباب- 32- من أبواب المواقيت- الحديث 1 من كتاب الصلاة.

(3) الوسائل- الباب- 32- من أبواب المواقيت- الحديث 11 من كتاب الصلاة.

(4) الوسائل- الباب- 31- من أبواب المواقيت- الحديث 2.

34

الشمس بأذان و إقامتين، و قال: إني على حاجة فتنفلوا»

مضافا إلى ما ورد في المسلوس (1) و المستحاضة من سقوط الأذان للفرض الثاني، و ما ذاك إلا للجمع المشروع له، و ما تسمعه في ظهري عرفة و عشائي المزدلفة، و ما سمعته في الجمعة و العصر و في الورد الواحد من القضاء و غير ذلك، و من الجميع بمعونة فهم الأصحاب يحصل الظن أن العلة في السقوط في الجميع الجمع، بل منه حينئذ يظهر أن الأقوى التحريم وفاقا للمحكي عن صريح بعض و ظاهر آخرين لما سمعته مفصلا، لكن قد يناقش في ذلك كله بأنه ليس في شيء من النصوص إشارة إلى العلة المزبورة كي يصح الاستناد إليها، و لا شهرة محققة عليها، و إنما وقعت في كلام بعضهم المحتمل للتقريب و نحوه مما يذكر بعد النص على الحكم كما هي عادتهم، و لم يكن المنقول عنهم (عليهم السلام) استمرار الجمع في غير محل استحبابه على وجه يعلم منه أفضلية الترك، و أقصى الأخبار المزبورة أنه فعل، و لعل ترك الأذان فيه كالجمع لبيان الرخصة و التوسعة، كما صرح بهذا التعليل في بعض نصوص الجمع لما سئل عنه من جهة تعارف التفريق، خصوصا من عادته (ص) و كذا الترك في نصوص المسلوس و المستحاضة فلعله كالجمع للمحافظة، و القضاء قد عرفت أن الأفضل فيه الإتيان بالأذان، و عن مجمع البرهان الإجماع على عدم التحريم في الجمع في غير موضع الندب، و عن الروض أنه لا قائل به.

و من ذلك يعلم أن ليس العلة في السقوط الجمع، و إلا ما اختلف معلولها رخصة و حرمة أو كراهة كما عرفت الحال فيه و في الجمع بين الجمعة و العصر، فالاطلاقات و العمومات حينئذ بحالها كافية في شرعية العبادة التوقيفية، و عدم معهودية أذان منهم (عليهم السلام) فيما جمعوا فيه لا ينافي استفادة الشرعية من الإطلاقات و العمومات بعد أن لم يعلم استمرارهم على الجمع المتروك فيه الأذان، نعم هو متجه فيما علم ذلك فيه كالجمعة

____________

(1) الوسائل- الباب- 19- من أبواب نواقض الوضوء- الحديث 1 من كتاب الطهارة.

35

و العصر و ظهري عرفة و عشائي المزدلفة لا مطلقا خصوصا إذا لم يكن الجمع مستحبا، فإنه لا لفظ يدل على السقوط بحيث لا يندرج في العمومات السابقة، و لا مداومة بل ان اتفق منهم ذلك أحيانا فلعله لبيان الرخصة كأصل الجمع، و استفادته من السقوط حال استحباب الجمع بناء عليه من القياس المحرم عندنا، بل يمكن الفرق باحتمال إشعار استحباب الجمع باتصال الصلاتين و عدم التفريق بينهما و لو بالأذان، و مع هذا الاحتمال فيه و في الفعل السابق يبقى العمومات سالمة عن المعارض، و خبر حفص (1) مع أنه في خصوص الجمعة قد عرفت البحث في دلالته المؤيد زيادة على ما سمعت بعدم استناد أكثر الأصحاب إليه في الحكم هنا، بل عللوه بالجمع و نحوه، و لعله لهذا حكي عن نص المقنعة و الأركان و الكامل و المهذب و السرائر عدم السقوط فيما لو صلى الظهر أربعا في يوم الجمعة فضلا عن الجمع بين الظهرين في غيرها، بل ربما استظهر أيضا من جامع الشرائع حيث نسب القول بالسقوط إلى القيل، بل عن ابن إدريس أنه مراد الشيخ أيضا، و كأنه مال إليه في كشف اللثام، و قد عرفت أنه لا يخلو من قوة، خصوصا مع ملاحظة قاعدة التسامح التي لا يعارضها احتمال التحريم بعد أن كان منشأه التشريع، و أولى منه بعدم السقوط الجمع في غير محل الاستحباب، نعم هو رخصة لا تنافي الندب.

و على كل حال فقد عرفت أن المتجه التحريم على تقدير السقوط وفاقا للمحكي عن النهاية و غيرها، بل ربما ظهر من بعضهم أن القائل بها هناك قائل بها هنا لا الكراهة و إن نص عليها كما قيل في مفروض موضوع أصل المسألة في المنتهى و المختلف و غيرهما، لكن قد عرفت ما فيها هناك، اللهم إلا أن يكون الأذان عنده ليس عبادة، بل القربة شرط في ثوابه لا صحته، و هو مقدمة للصلاة، و ربما يشعر بذلك تقييد بعض مراتب

____________

(1) الوسائل- الباب- 49- من أبواب صلاة الجمعة- الحديث 1 من كتاب الصلاة.

36

ثواب التأذين في بعض (1) نصوصه بالاحتساب، بل قد يشعر به ظهور النصوص (2) في أن الحكمة فيه نداء المكلفين أو الملائكة أو نحو ذلك، لكن لا ريب في أن الأقوى خلاف ذلك و ان أذان الصلاة من العبادات للأصل في الأوامر، نعم هو متجه في أذان الاعلام كما تقدمت الإشارة اليه، و يمكن أن تكون الكراهة فيه نحوها في الصلاة في الأوقات الخمس و الصوم في السفر و نحوهما مما لا بدل له.

و قد قيل: إن الكراهة في ذلك بمعنى أنه أقل ثوابا بالنسبة إلى نفس الطبيعة لا أنه أقل ثوابا من فرد آخر، و فيه أن ذلك لا يقتضي مرجوحية الفعل بالنسبة إلى الترك المستفادة من المداومة و المواظبة عليه، اللهم إلا أن يكون منشأ تلك القلة مفسدة في ذلك الفرد يرجح مراعاتها على مراعاة الثواب الحاصل بسبب الفعل، و لا ينافي ذلك العبادة عند التأمل لكثير من أوامر السادة و العبيد، و لتمام كشف المسألة محل آخر.

هذا كله لو جمع يوم الجمعة بين أربع الظهر و العصر، أما لو فرق بينهما بنافلة أو نحوها فلا سقوط للأذان، للاستصحاب، و الإطلاقات و العمومات السالمة عن المعارض، و خصوص

خبر زريق (3) عن الصادق (عليه السلام) المروي عن أمالي الشيخ أنه «ربما كان يصلى يوم الجمعة ركعتين إذا ارتفع النهار، و بعد ذلك ست ركعات أخر، و كان إذا ركدت الشمس في السماء قبل الزوال أذن و صلى ركعتين، فما يفرغ إلا مع الزوال، ثم يقيم لصلاة الظهر، و يصلي بعد الظهر أربع ركعات ثم يؤذن و يصلي ركعتين ثم يقيم فيصلي العصر»

بناء على حصول التفريق بذلك كما ستسمع تمام الكلام فيه، و خبر حفص قد عرفت الحال فيه، و إطلاق بعض الأصحاب سقوط أذان العصر

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الأذان و الإقامة.

(2) الوسائل- الباب- 19- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 14 و 15.

(3) الوسائل- الباب- 13- من أبواب صلاة الجمعة- الحديث 4 مع الاختلاف.

37

يوم الجمعة بقرينة التعليل في الكتب الاستدلالية منهم منزل على غير هذه الصورة.

فصار حاصل البحث أن الصور أربعة بل خمسة: الجمع بين الجمعة و العصر، و التفريق بينهما، و الجمع بين الظهر و العصر في يومها، و التفريق بينهما، و الجمع بين الفرضين في غير محل استحبابه، و الظاهر عدم السقوط في صورتي التفريق، بل و لا في الصورة الأخيرة على إشكال و ان اختصت بالرخصة، و أما صورتا الجمع في يومها فالثانية منهما فيها البحث المزبور، و أما الأولى فلا إشكال في السقوط فيها، و الأقوى كونه عزيمة.

[في سقوط الأذان لصلاة الظهر و العصر بعرفة]

و كذا في الظهر و العصر بعرفة: أي عرفات، فإنه لا خلاف أجده في سقوطه فيها، بل عن حج التذكرة و صلاة المنتهى نسبته إلى علمائنا، بل عن حج الخلاف و الغنية و المنتهى الإجماع على أنه إذا صلى منفردا يجمع بينهما بأذان و إقامتين، كما أن في المحكي عنها و عن حج الدروس و التذكرة و غيرها الإجماع أيضا على سقوطه في عشائي مزدلفة، و قال الصادق (عليه السلام) في صحيح عبد الله بن سنان (1): «السنة في الأذان يوم عرفة أن تؤذن و تقيم الظهر ثم تصلي ثم تقيم للعصر بغير أذان، و كذلك المغرب و العشاء بمزدلفة»

و قال أيضا في صحيح منصور بن حازم (2): «صلاة المغرب و العشاء يجمع بأذان واحد و إقامتين» و أرسل في الفقيه (3) «ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) جمع بين الظهر و العصر بعرفة بأذان و إقامتين، و جمع بين المغرب و العشاء بجمع بأذان واحد و إقامتين»

إلى غير ذلك من النصوص.

بل الظاهر كون السقوط عزيمة أيضا وفاقا لصريح البعض، و ظاهر التعبير بالبدعة من آخر لعين ما سمعته سابقا في الجمعة، خلافا لأول الشهيدين في بعض كتبه و ثاني المحققين فمكروه، و قد سمعت ما في الدروس، و البحث، فلا نعيده.

____________

(1) الوسائل- الباب- 36- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 34- من أبواب المواقيت- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 36- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 3.

38

بل لعل الأمر كذلك هنا فيما لو فرق بينهما بالنافلة مثلا و خالف المستحب و إن أطلق النص و المتن و غيره من الفتاوى، إلا أنه يمكن دعوى انسياق حال الجمع من ذلك، فإنه الموظف، بل علل السقوط غير واحد به، و إن كان المحكي عن السرائر تعليله بخصوصية المكان، كما أنه يمكن انسياق إرادة المكان المخصوص مما أطلق فيه عرفة كالمتن و القواعد، و إن كان محتملا لإرادة يوم عرفة مطلقا كما في الصحيح السابق (1) و غيره من النصوص المحتمل لإرادة يوم المضي إلى عرفة، بل لعله المنساق، اقتصارا على المتيقن من الإطلاقات و العمومات و الاستصحاب، و الله أعلم بحقيقة الحال، هذا.

[في بيان ما يحصل به التفريق]

و قد عرفت في بحث المواقيت المراد بالتفريق و أنه لا يحصل الموظف منه بمجرد إيقاع النافلة بين الفرضين، لكن عن السرائر في بحث الجمعة و الحج «ان الجمع أن لا يصلى بينهما نافلة، و أما التسبيح و الأدعية فمستحب ذلك، و ليس بمانع للجمع» و نحوه عن الروض هنا، بل قيل: إنه المستفاد من كل من علل السقوط هنا بعدم الإتيان بالنوافل، و هم جماعة، و قد سمعت جواب المصنف لتلميذه في بحث المواقيت، كما أنك سمعت تفسيره به في كشف اللثام، لكن قال: نعم الظاهر عدم السقوط بمجرد عدم التنفل و إن طال ما بينهما من الزمان حتى أوقع الأولى في أول وقتها و الثانية في آخر وقتها مثلا، و كأنه إليه يرجع ما في المحكي عن الكفاية من أنه يعتبر مع عدم التنفل صدق الجمع عرفا، و لعل ذلك كله لأصالة عدم السقوط مع عدم حذف النافلة، و ل

قول أبي الحسن (عليه السلام) في موثق محمد بن حكيم المروي (2) في الكافي: «إذا جمعت بين الصلاتين فلا تطوع بينهما»

بل في موثقه الآخر (3) عنه (عليه السلام) أيضا «الجمع بين الصلاتين إذا لم يكن بينهما تطوع، فإذا كان بينهما تطوع فلا جمع»

المراد

____________

(1) الوسائل- الباب- 36- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 33- من أبواب المواقيت- الحديث 2 من كتاب الصلاة.

(3) الوسائل- الباب- 33- من أبواب المواقيت- الحديث 3 من كتاب الصلاة.

39

من التطوع فيهما النافلة، لندرة القائل بحصول التفريق بالتعقيب و نحوه، بل هو غير معلوم، نعم نقل عن بعض احتماله، و كونه موافقا لحقيقة الجمع لا يعارض المفهوم من النصوص و لو بواسطة الفتاوى، فحينئذ تتم دلالة الخبرين خصوصا على رواية الأخير منهما على المطلوب، مضافا إلى خبر زريق السابق (1) بل قد يشعر به في الجملة أيضا خبر صفوان الجمال (2) السابق آنفا بل و خبر الحسين بن علوان (3) عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) قال: «رأيت أبي و جدي القاسم بن محمد يجمعان مع الأئمة المغرب و العشاء في الليلة المطيرة، و لا يصليان بينهما شيئا»

و إن كان قد يقال: إنه لا دلالة في اتفاق عدم التنفل حال الجمع على اعتبار ذلك فيه، بل ربما ظهر من

خبر أبان بن تغلب (4) خلاف ذلك، قال: «صليت خلف أبي عبد الله (عليه السلام) المغرب بالمزدلفة فلما انصرف أقام الصلاة فصلى العشاء الآخرة لم يركع بينهما، ثم صليت معه بعد ذلك بسنة فصلى المغرب ثم قام فتنفل بأربع ركعات ثم أقام فصلى العشاء الآخرة»

بل و صحيح أبي عبيدة (5) قال: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) إذا كانت ليلة مظلمة و ريح و مطر صلى المغرب ثم يمكث قدر ما يتنفل الناس ثم أقام مؤذنه ثم صلى العشاء»

و في خبر ابن سنان (6) «شهدت صلاة المغرب ليلة مطيرة في مسجد رسول الله (صلى الله عليه و آله) فحين كان قريبا من الشفق نادوا (7) و أقاموا الصلاة فصلوا المغرب ثم أمهلوا الناس حتى صلوا ركعتين، ثم قام المنادي في مكانه في المسجد فأقام الصلاة فصلوا العشاء ثم انصرف الناس إلى

____________

(1) الوسائل- الباب- 13- من أبواب صلاة الجمعة- الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 31- من أبواب المواقيت- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 33- من أبواب المواقيت- الحديث 4.

(4) الوسائل- الباب- 33- من أبواب المواقيت- الحديث 1.

(5) الوسائل- الباب- 22- من أبواب المواقيت- الحديث 3.

(6) الوسائل- الباب- 31- من أبواب المواقيت- الحديث 1.

(7) و في النسخة الأصلية «ثاروا» بدل «نادوا» و الصحيح ما أثبتناه.

40

منازلهم، فسألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن ذلك فقال: نعم قد كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) عمل بهذا».

مضافا إلى إمكان تأييده باستبعاد تركه (صلى الله عليه و آله) النافلة في بعض أفراد الجمع المروية عنه، و أنه فعل ذلك بغير عذر و لا علة، و ليس في صحيح الرهط (1) و غيره من نصوص الجمع ترك النافلة معه، فلعله تنفل مع الجمع، بل المنساق إلى الذهن من نصوص الجمع إرادة أنه لم يفرق بين الصلوات التفريق المعهود، و لعله لذا كان الظاهر من تعليل جماعة السقوط بأن الأذان للوقت و لا وقت للعصر حيث تكون واقعة في فضيلة الظهر أن مدار الجمع فعل الفرضين معا في وقت واحدة منهما، بل ما عن الفاضلين و الشهيدين و العليين و غيرهم- ان الجمع إن كان في وقت الأولى كان الأذان مختصا بها، لأنها صاحبة الوقت و لا وقت للثانية، و إن كان في وقت الثانية أذن أولا لصاحبة الوقت و أقام لكل منهما- لا يخلو من إيماء إلى ذلك و إن كان لا شاهد في شيء من النصوص على هذا التفصيل، بل ظاهرها خلافه، ضرورة عدم مدخلية الوقت في أذان الصلاة، و إرادة أذان الاعلام بل هو صريح المحكي عن بعضهم واضحة الفساد، على أن الجمع بينهما قد يكون بإيقاع الأولى في آخر وقتها و الثانية في أول وقتها كما في المستحاضة و نحوها، و حينئذ فالمتجه بناء على مراعاة الوقت الأذان لهما و إن جمع بينهما، كما أن المتجه بناء على ذلك عدم أذان للثانية لو وقعت في آخر وقت الأولى التي يفرض وقوعها في أول وقتها، بل منه ينقدح أنه لا جهة لتحديد الجمع بذلك، فان مثل المفروض لا يعد جمعا لغة و لا عرفا و لا شرعا، و المتجه فيه عدم سقوط الأذان، خصوصا مع الاشتغال بما لا ربط له في الصلاة في مدة التخلل، و لعل المتجه مع ملاحظة ما سلف لنا في المواقيت أن المدار في التفريق على الزمان، لكن لا يعتبر فيه في مثل الظهرين التأخير للمثل، نعم هو فرد منه، بل لعله الكامل كما أوضحنا ذلك في المواقيت

____________

(1) الوسائل- الباب- 32- من أبواب المواقيت- الحديث 11.

41

و في جميع أفراده لا يسقط الأذان.

أما مع عدم حصول شيء منها و لكن فصل في النافلة فالجمع بين النصوص السابقة يقتضي السقوط أيضا لكن ليس كالسقوط حال عدم التنفل، ضرورة كونه الفرد الكامل من الجمع، بل يمكن بناء على حرمة الأذان حال الجمع اختصاصها بحال عدم التنفل دون التنفل، و على الكراهة فلا ريب في أنها فيه آكد، فاختلفت حينئذ أفراد الجمع كاختلاف أفراد التفريق، و الله أعلم.

[في حكم الجماعة الثانية قبل تفرق الأولى]

و لو صلى الإمام جماعة و جاء آخرون لم يؤذنوا و لم يقيموا على كراهية ما دامت الأولى لم تتفرق، فان تفرقت صفوفهم أذن الآخرون و أقاموا بلا خلاف أجده في ذلك في الجملة، بل يمكن تحصيل الإجماع عليه، للنصوص المستفيضة، ففي

خبر (1) زيد بن علي عن آبائه (عليهم السلام) «دخل رجلان المسجد و قد صلى علي (عليه السلام) بالناس فقال لهما: إن شئتما فليؤم أحدكما صاحبه و لا يؤذن و لا يقيم» و السكوني (2) عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام) «انه كان يقول: إذا دخل الرجل المسجد و قد صلى أهله فلا يؤذنن و لا يقيمن و لا يتطوع حتى يبدأ بصلاة الفريضة، و لا يخرج منه إلى غيره حتى يصلي فيه» و أبي علي (3) قال: «كنا جلوسا عند أبي عبد الله (عليه السلام) فأتاه رجل فقال: جعلت فداك صلينا في المسجد الفجر فانصرف بعضنا و جلس بعض في التسبيح فدخل علينا رجل المسجد فأذن فمنعناه و دفعناه عن ذلك فقال أبو عبد الله (عليه السلام): أحسنت، ادفعه عن ذلك و امنعه أشد المنع، فقلت:

فان دخلوا فأرادوا أن يصلوا فيه جماعة قال: يقومون في ناحية المسجد و لا يبدو بهم

____________

(1) الوسائل- الباب- 65- من أبواب صلاة الجماعة- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 25- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 4.

(3) الوسائل- الباب- 33- من أبواب المواقيت- الحديث 2.

42

إمام» و أبي بصير (1) «سألته عن الرجل ينتهي إلى الامام حين يسلم فقال: ليس عليه أن يعيد الأذان فليدخل معهم في أذانهم، فإن وجدهم قد تفرقوا أعاد الأذان» و خبره الآخر (2) «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل يدخل المسجد و قد صلى القوم أ يؤذن و يقيم؟ قال: إن كان دخل معهم و لم يتفرق الصف صلى بأذانهم و إقامتهم، و إن كان تفرق الصف أذن و أقام»

و في المحكي عن

كتاب زيد النرسي عن عبيد بن زرارة (3) عن الصادق (عليه السلام) «إذا أدركت الجماعة و قد انصرف القوم و وجدت الامام مكانه و أهل المسجد قبل أن يتفرقوا أجزأك أذانهم و إقامتهم فاستفتح الصلاة لنفسك، و إذا وافيتهم و قد انصرفوا عن صلاتهم و هم جلوس أجزأ إقامة بغير أذان، و إن وجدتهم تفرقوا و خرج بعضهم من المسجد فأذن و أقم لنفسك».

فما في المدارك- من التوقف في هذا الحكم من أصله بعد أن اقتصر على إيراد أحد خبري أبي بصير و خبر أبي علي مستندا له قال: لضعف مستنده باشتراك راوي الأول و جهالة راوي الثاني- في غير محله قطعا بعد الانجبار بما عرفت و الاعتضاد بما سمعت، على أنه لا اشتراك قادح في أبي بصير كما حقق في محله، و أبو علي الحراني (4) يحتمل أنه سلام بن عمر الثقة، فيكون الخبر صحيحا في طريقيه إن لم يكتف في صحة الخبر بصحة سنده إلى من أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه، و إلا فلا تقدح جهالته، لأن في أحد طريقيه ابن أبي عمير، و الآخر الحسين بن سعيد عنه، و هما معا ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنهما.

و أما ما قيل من أنه يلوح من الإرشاد و الموجز و موضع من المبسوط قصر الحكم

____________

(1) الوسائل- الباب- 25- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 25- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 2.

(3) المستدرك- الباب- 22- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 1.

(4) و في النسخة الأصلية «الحراني» و الصحيح ما أثبتناه.

43

على الأذان فقد يراد منه ما يشمل الإقامة، و إلا فلا ريب في ضعفه، لتطابق النصوص و الفتاوى على سقوطهما معا، و ما في المحكي عن كتاب زيد مع ظهور السقط فيه انما هو في خصوص المنصرفين عن الصلاة و هم جلوس لم يخرج بعضهم عن المسجد و لم يتفرقوا، و هو خارج عن موضوع المسألة كما ستعرف، أو أخص منه، على أنه قاصر عن معارضة ما عرفت من النصوص المعتضدة بالفتاوي، كقصور

موثق عمار- (1) سئل الصادق (عليه السلام) «عن الرجل أدرك الإمام حين سلم قال: عليه أن يؤذن و يقيم و يفتتح الصلاة» و خبر معاوية بن شريح (2) في حديث قال: «و من أدركه و قد رفع رأسه من السجدة الأخيرة و هو في التشهد فقد أدرك الجماعة، فليس عليه أذان و لا إقامة، و من أدركه و قد سلم فعليه الأذان و الإقامة»

- عن معارضة النصوص السابقة، و لذا حملا على إرادة بيان الجواز في مقابل الرخصة أو الكراهة، أو على إرادة صورة التفرق و إن كان لا يخفى ما فيهما، و أولى منهما طرحهما أو حملهما خصوصا الثاني منهما على إرادة بيان انتهاء الدخول في الجماعة بحيث تحصل له فضيلة الجماعة، فكني حينئذ بالأذان و الإقامة عن عدم مشروعية الدخول فيها و الاستغناء عن الأذان و الإقامة من حيث إدراك الصلاة جماعة من غير تعرض لباقي الحيثيات التي منها عدم تفرق الجماعة حتى ينافي ما سمعت، بل يمكن دعوى سياقهما لبيان ذلك خصوصا الثاني منهما.

و منه يعلم ضعف ما عن الصدوق من الفتوى بمضمون موثق عمار و إن حكي عن الأستاذ الأكبر تأييده بأنه أوفق بالعمومات و التأكيدات الواردة في الأذان و الإقامة، مضافا إلى ما في أخبار السقوط من الاختلاف حتى أن رواية السكوني في غاية التأكيد في المنع مطلقا من دون قيد التفرق، فهي أوفق بمذاهب العامة و أليق بالحمل على الاتقاء

____________

(1) الوسائل- الباب- 25- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 5.

(2) الوسائل- الباب- 65- من أبواب صلاة الجماعة- الحديث 4.

44

من حيث ندور وجود الامام الراتب في مسجد من الشيعة في زمانهم، إذ هو كما ترى من غرائب الكلام، فان رفع اليد عن النصوص المعمول بها بين الأصحاب المعتبر سند بعضها في نفسه التي ليس اختلافها إلا بالإطلاق و التقييد كما ستعرف بموثق عمار الذي قد عرفت الحال فيه و موافق لمذهب أبي حنيفة مخالف لأصول المذهب، لكنه هو أدرى بما قال، فتأمل.

و كيف كان فقد يقوى كون هذا السقوط على الحرمة و إن قل القائل به صريحا إذ لم يحك إلا عن المقنعة و التهذيب في خصوص الصلاة جماعة، بل في كشف اللثام الاقتصار على نسبته للثاني منهما، و أما ما عن موضع من الفقيه و المبسوط و بعض نسخ السرائر من المنع عن الصلاة جماعة في المسجد الذي صلي فيه، تلك الصلاة جماعة، و منه يستفاد تحريم الأذان بالأولى فهو خارج عما نحن فيه، نعم حكي التحريم في المفاتيح عن بعض الأصحاب، و لعله فهمه من التعبير بالسقوط و النفي و نحوهما في جملة من كتب الأصحاب، لكن على كل حال لا يخفى قوته، لأصالة عدم المشروعية، و النهي في خبري زيد و السكوني المراد منه بقرينة خبر أبي علي الحراني الحرمة لا رفع الندب السابق قياسا على الأمر عند توهم الحظر، و الاستصحاب بعد القطع بتغير الحال غير جار كالعمومات التي لا ريب في تخصيصها، و خبرا عمار و معاوية بن شريح- مع ظهورهما في المنفرد و موافقتهما للمحكي عن أبي حنيفة- قد عرفت الحال فيهما، و الاجزاء في المروي عن كتاب زيد غير مراد منه أقل المجزي قطعا، و إلا لكان الفضل في الفعل، و هو واضح البطلان، و من ذلك يظهر ما في القول بالكراهة فضلا عن القول بالرخصة الذي ينافيه خبر أبي علي الحراني.

و كيف كان فالظاهر عدم اختصاص الحكم بالمؤذن و المقيم بل هو عام لمن أذن لهم و أقام ممن كان مريد الاجتماع في الصلاة، كما أن الظاهر من النصوص عدم اختصاصه

45

أيضا بالجماعة بل يعمه و المنفرد، فيسقط عنه الأذان و الإقامة لصلاته أيضا وفاقا لجماعة، لا للأولوية لعدم وضوحها على وجه تكون به حجة، بل لظاهر النصوص السابقة، بل صريح بعضها، و خبر زيد لا دلالة فيه على نفي ذلك كي يكون معارضا، فما عساه يظهر من ترتيب الحكم على الجماعة في عبارة جماعة من أصحابنا من نفيه في المنفرد لا ريب في ضعفه، و لعل عبارة المتن و ما ضاهاها غير مراد منها خصوص الجماعة في الصلاة و إن عبر بمجيء الجماعة، كما أنه يمكن عدم إرادة المقتصر عليها نفيه في المنفرد، فدعوى الشهرة و المعظم على الاختصاص لا تخلو من نظر، على أن المتبع الدليل، و قد عرفت مقتضاه، بل ليس فيما سمعته من النصوص تعرض لاعتبار الجماعة أصلا سوى ما في خبر زيد، و ظهوره و لو بالمفهوم في اشتراط السقوط بالجماعة على وجه يعارض ظاهر باقي النصوص محل منع، بل يمكن دعوى كون المراد منه إنكما إن شئتما أن يؤم أحدكما صاحبه و لا يؤذن و لا يقيم فافعلا، فان ذلك لكما في هذا الحال، فتأمل جيدا.

و لا فرق في أذان المنفرد الممنوع منه و لو على جهة الكراهة بين السر و العلانية، للإطلاق المزبور، فما عن المبسوط من جواز الأذان سرا أو استحبابه لا دليل عليه، بل ظاهر الأدلة خلافه كما هو واضح.

و كذا ظاهر المتن و غيره مما لم يتعرض فيه لذكر المسجد عدم اعتباره في هذا الحكم وفاقا لصريح جماعة، لإطلاق أحد خبري أبي بصير، و ظهور الجواب في غيره في أن المدار على تفرق الجماعة و عدمه، و دخوله في الشرط في خبر أبي علي خارج مخرج الغالب.

نعم يعتبر اتحاد المكان عرفا، كما أنه على تقدير اعتبار المسجد نعتبر ذلك أيضا، فمتى تعدد لم يسقط، اقتصارا في الخروج من العمومات على المتيقن المنساق إلى الذهن من النصوص الموافق لمقتضى الحكمة التي هي بحسب الظاهر إجراء حكم الجماعة

46

بالنسبة إلى ذلك على مدركها قبل التفرق، و لذا لم يختص الحكم بالمسجد، خلافا لظاهر جماعة و صريح آخرين بل قيل المعظم، اقتصارا على المتيقن، و فيه ما عرفت، كما أن ما في كشف اللثام- من احتمال الاكتفاء في السقوط ببلوغ صوت المؤذن و إن لم يتحد المكان- فيه ما لا يخفى أيضا، قال: و هل يشترط اتحاد المكان و لو عرفا أو يكفي بلوغ صوت المؤذن؟ وجهان.

و لا يعتبر اتحاد الصلاة أيضا، لإطلاق الأدلة، خلافا لبعضهم بل ربما قيل المعظم و إن كنا لم نتحققه، اقتصارا على المتيقن، بل في كشف اللثام أنه المتبادر من الأخبار و العبارات، و فيه أن ظاهر الدليل حجة كاليقين أيضا، و دعوى التبادر بحيث لا تصلح لتناول الغير ممنوعة.

نعم يمكن القول بعدم سقوط أذان الأداء بإدراك جماعة القضاء عن النفس و الغير و بالعكس على إشكال، خصوصا في الأخير الذي قد تردد فيه في الحدائق.

أما جماعة غير اليومية فلا يسقط بها أذان اليومية قطعا، كما أنه لا يسقط أيضا بجماعة اليومية المعلوم انعقادها بلا أذان و لا إقامة، لظهور النصوص، خصوصا أحد خبري أبي بصير في دخول الجائي و استغنائه بأذان الأولى، نعم لا يشترط العلم بأذانها لظهور الحال، و في استغناء الجائي ثالثا مثلا مع الصلاة جماعة أو فرادى بإدراك الجماعة الثانية المستغنية عن الأذان بإدراك الأولى وجهان، من الأصل و العمومات التي لا تعارضها نصوص المسألة بعد ظهورها في غير ذلك، و من تنزيل الشارع لها بإدراكها الأولى غير متفرقة منزلتها، بل و كذا الوجهان في الثاني إذا كان الجماعة الأولى غير مؤذنة و لا مقيمة لاستغنائها عنهما بسماعهما بناء عليه، و إن أمكن إبداء فرق ما بين الموضوعين.

و كيف كان فقد اعتبر المصنف كجماعة من الأصحاب في السقوط عدم تفرق

47

الأولى للنصوص السابقة المحمول إطلاق ما في خبري زيد (1) و السكوني (2) منها على المقيد الذي هو خبر أبي بصير (3) و المحكي في كتاب زيد (4) فاحتمال السقوط مطلقا عن الجماعة الثانية لتلك الصلاة- بل هو صريح المحكي عن المبسوط أو ظاهره عملا بإطلاق خبر السكوني الظاهر في المنفرد و خبر زيد، و طرحا لخبري أبي بصير و غيرهما- في غير محله قطعا، كالذي سمعته سابقا عن الصدوق من العمل بموثق عمار مع طرح باقي الأخبار.

انما البحث في أن المدار على تفرق الجميع بحيث يبقى السقوط مع بقاء الواحد، أو على بقاء الجميع بحيث إذا مضى واحد يسقط السقوط، أو على الأكثر تفرقا و بقاء بمعنى تحقق السقوط مع بقائهم و عدمه مع تفرقهم، أو على العرف في صدق التفرق و عدمه من غير ملاحظة شيء من ذلك أقوال، صرح جماعة بالأول، بل ربما استظهر أيضا ممن عبر بلفظ تفرقوا و نحوه لترك الاستفصال في خبر أبي علي، و قول الصادق (عليه السلام) في خبر أبي بصير: «فان وجدهم قد تفرقوا أعاد الأذان»

إلى آخره.

ك

قوله (عليه السلام) في خبره الآخر: «و إن كان تفرق الصف أذن و أقام»

إذ المراد بالصف المصطفين (5) كناية عن الجماعة، فاعتبار تفرقهم يقضي بالاستغراق كضمير الجمع، بمعنى أنه لا بد من افتراق كل واحد عن الآخر، و مع بقاء الواحد مثلا معقبا لا يتحقق ذلك، لكن فيه أنه خلاف المنساق عرفا من صدق التفرق، ضرورة تحققه

____________

(1) الوسائل- الباب- 65- من أبواب صلاة الجماعة- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 25- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 4.

(3) الوسائل- الباب- 25- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 1 و 2.

(4) المستدرك- الباب- 22- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 1.

(5) هكذا في النسخة الأصلية و لكن الصحيح «المصطفون» بقرينة ما يأتي من قوله (قدس سره): «إن المراد من الصف المصطف».

48

بانصراف الأكثر مثلا، بل بمجرد سيلان الجماعة في الأزقة من غير ملاحظة الأقل و الأكثر كما يومي اليه المحكي من كتاب زيد، و ترك الاستفصال في خبر أبي علي لعله لحمل الامام فعله على الصحة، لأن منعه و دفعه للمؤذن عن الأذان يقضي بكون البعض الخارج لا يتحقق معه صدق التفرق، على أن خبر أبي علي ضعيف لا يصلح لتخصيص العمومات و تقييد المطلقات من دون جابر، و لا شهرة محققة على الاكتفاء في السقوط ببقاء الواحد تجبره، مضافا إلى ما في ذيله من النهي عن أن يبدر بهم إمام مما لا عامل به فيما أجد إلا الصدوق و الشيخ في موضع من الفقيه و المبسوط و بعض نسخ السرائر إن كان المراد منه الكناية عن عقد جماعة ثانية لتلك الصلاة في ذلك المسجد، و حمله على إرادة عدم ظهور إمام لهم مراعاة لراتب المسجد أولى قطعا، بل ينبغي القطع بفساد الأول إذا كان المراد ما يشمل حال تفرق الجماعة بحيث لم يبق إمامها و لا مأمومها كما يقتضيه ظاهر المحكي عنهم، فتأمل.

و تعليق الأذان و الإقامة على تفرق الصف المدعى عدم تحققه مع بقاء الواحد معارض بتعليق السقوط قبل ذلك على عدم تفرق الصف الذي لا يتحقق إلا مع بقاء جميع المصلين فيه كما اعترف به في المدارك، و لعله مضافا إلى العمومات دليل القول الثاني، لكنه- مع ندرة القائل به صريحا و معارضة ذلك بالتعليق الثاني في الخبر المزبور المعتضد بما في خبر أبي بصير الآخر و خبر أبي علي و المحكي عن كتاب زيد، و ما سمعته من دعوى عدم صدق التفرق عرفا بخروج البعض النادر بالنسبة إلى الباقي في الجماعة الكثيرة- يشارك السابق في الضعف.

و أما الثالث فكان مرجعه إلى الرابع و إن وقع التحديد فيه بالأكثر، إلا أن نظره بحسب الظاهر إلى الصدق العرفي المختلف بكثرة الجماعة و قلتها و نحوهما، نعم لا ريب

49

في انسياق الخروج من المسجد من التفرق في النصوص بل هو صريح المحكي عن كتاب زيد، و لذا عبر به بعضهم، لكن لا يبعد إرادة الاعراض عن الصلاة و تعقيبها من ذلك، و خص بالذكر جريا على الغالب كما صرح به الشهيد في المحكي عن النفلية، و ربما كان ظاهر المحكي عن موضع من المهذب حيث عبر بانصرافهم عن الصلاة، بل لعله المراد من باقي العبارات و إن كان بعيدا، و قد وقع في كشف اللثام هنا ما هو محتاج للنظر و التأمل، خصوصا ما فيه من الفرق بين التعبير بتفرقوا و تفرق الصف، مع أن مرجع الثاني إلى الأول كما عرفت، إذ المراد من الصف المصطف، و الله أعلم.

[في حكم المنفرد إذا أذن ثم أراد الجماعة]

و إذا أذن المنفرد ليصلي وحده ثم أراد الجماعة التي لم يكن قد أذن لها أعاد الأذان و الإقامة للأصل و إطلاق ما دل على استحبابهما لها، و خصوص

موثق عمار (1) عن الصادق (عليه السلام) «في الرجل يؤذن و يقيم ليصلي وحده فيجيء رجل آخر فيقول له: نصلي جماعة هل يجوز أن يصليا بذلك الأذان و الإقامة؟ قال:

لا و لكن يؤذن و يقيم»

و هو- مع أنه من الموثق الذي هو حجة عندنا، و معتضد بالأصل و العمومات، و منجبر بفتوى المشهور نقلا و تحصيلا، بل نسبه في الذكرى إلى الأصحاب مشعرا بدعوى الإجماع عليه- واضح الدلالة على المطلوب الذي هو من السنن التي يتسامح فيها.

فمن الغريب ما في المعتبر من أن في هذه الرواية ضعفا، فان في سندها فطحية، لكن مضمونها استحباب تكرار الأذان و الإقامة، و هو ذكر الله، و ذكر الله حسن على كل حال، و الأقرب عندي الاجتزاء بالأذان و الإقامة و إن نوى الانفراد، و يؤيد ذلك ما رواه

صالح بن عقبة عن أبي مريم الأنصاري (2) قال: «صلى بنا أبو جعفر

____________

(1) الوسائل- الباب- 27- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 1.

(2) التهذيب ج 2 ص 280- الرقم 1113 من طبعة النجف.

50

(عليه السلام) في قميص بغير إزار و لا رداء و لا أذان و لا إقامة، فلما انصرف قلت له:

صليت بنا في قميص بغير إزار و لا رداء و لا أذان و لا إقامة، فقال: قميصي كثيف، فهو يجزي أن لا يكون علي إزار و لا رداء، و إني مررت بجعفر و هو يؤذن و يقيم فأجزأني ذلك»

و إذا اجتزى بأذان غيره مع الانفراد فبأذانه أولى.

و أغرب منه اتباع غيره عليه كالفاضل في بعض كتبه و غيره، مع أن خبر أبي مريم في غاية الضعف، لمعروفية صالح بن عقبة بالكذب، و يمكن منع الأولوية أولا، و احتمال الفرق بقصده (عليه السلام) الجماعة التي هو إمامها، و عدم معلومية انفراد جعفر (عليه السلام) ثانيا، و قد يقال في الجمع بين الخبرين باعتبار لفظ الاجزاء في الثاني إرادة نفي الكمال منه بحمل ما في كلام السائل من الجواز عليه، و ربما كان هو مراد المصنف و من تبعه، و لو أذن بقصد الجماعة ثم أريد الانفراد فالظاهر الاجتزاء بالأذان الأول، و الله أعلم.

الثاني في المؤذن

[في اعتبار العقل و الإسلام في المؤذن]

و يعتبر فيه إذا كان للجماعة و الاعلام العقل و الإسلام بلا خلاف أجده بل الإجماع بقسميه عليه، بل المنقول منه مستفيض أو متواتر، بل يمكن القطع بكونه المراد من النصوص (1) الواردة في مدح المؤذنين و ما أعد لهم من الثواب و الدعاء بالمغفرة لهم و أنهم الأمناء و نحو ذلك، مضافا إلى

موثق عمار (2) سأل أبا عبد الله (عليه السلام) «عن الأذان هل يجوز أن يكون من غير عارف؟ قال: لا يستقيم الأذان و لا يجوز أن يؤذن به إلا رجل مسلم عارف، فان علم الأذان فأذن به و لم

____________

(1) الوسائل- الباب- 2 و 3- من أبواب الأذان و الإقامة.

(2) الوسائل- الباب- 26- من أبواب الأذان و الإقامة- الحديث 1.