جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام - ج15

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
543 /
1

-

2

[تتمة القسم الأول في العبادات]

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين و صلى الله على محمد و آله الطيبين الطاهرين.

[كتاب الزكاة]

كتاب الزكاة

[في بيان معنى الزكاة]

التي هي لغة الطهارة، و منه «أَ قَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً» (1) «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها» (2) «ما زَكى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ» (3) و النمو، و منه «ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَ أَطْهَرُ» (4) لأولوية التأسيس من التأكيد، و عن الشهيد أنها قد تطلق على العمل الصالح، قلت: لعل منه «وَ الزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا» (5) «خَيْراً مِنْهُ زَكاةً» (6) «مِنْ لَدُنّا وَ زَكاةً» (7) إلا أن الظاهر كون ذلك على جهة المجاز، و شرعا على وجه الحقيقة بناء على الأصح من ثبوتها مطلقا، أو فيها و في أختها و ما شابههما، أو علي جهة المجاز الشرعي اسم لحق يجب

____________

(1) سورة الكهف- الآية 73.

(2) سورة الشمس- الآية 9.

(3) سورة النور- الآية 21.

(4) سورة البقرة- الآية 232.

(5) سورة مريم (ع)- الآية 32.

(6) سورة الكهف- الآية 80.

(7) سورة مريم (ع)- الآية 14.

3

في المال يعتبر في وجوبه النصاب كما في المعتبر و التذكرة، أو صدقة مقدرة بأصل الشرع ابتداء كما في المسالك و كذا الدروس، أو صدقة متعلقة بنصاب بالأصالة كما في كنز العرفان، أو قدر معين يثبت في المال أو في الذمة للطهارة و النماء كما في البيان، و قيل:

إنها إخراج بعض المال لينمو الباقي بالبركات، و تزيد لصاحبه الدرجات، و يطهر المال من الحرام، و صاحبه من المذام، إلى غير ذلك من تعريفاتهم التي لا فائدة مهمة في استقصائها، و إطالة الكلام في نقضها طردا و عكسا بعد أن لم يكن هذا الاختلاف منهم اختلافا في معناها شرعا، و لا أن المراد منه كشف تمام المعنى الجديد، و إنما المقصود به كشفها في الجملة، و هو حاصل بكل منها، و إن كان أولاها ما في الدروس و المسالك لسلامته من أكثر ما قيل أو يقال، لكن ينبغي أن يعلم أن ما عدا الأخير منها دال على كونها اسما لنفس الحق، و الأخير على أنها الإخراج كالمحكي عن تعريف المبسوط أيضا، و يؤيده قولهم: يستحب الزكاة و تجب إلا أن يكون على تقدير مضاف، و لعله الأظهر كما هو مفاد أكثر التعريفات.

و كيف كان فظاهر المعتبر و غيره ممن ذكر مناسبة النقل أنها منقولة من المعنيين و لعله لا بأس به في النقل التعييني، أما التعيني المسبوق بالمجاز فقد يشكل بأن المعهود في التجوز ملاحظة العلاقة بين معنى واحد حقيقي و مجازي لا معنيين، و احتمال أن المعنى هنا أيضا واحد- لأن الزكاة النمو، و إرادة الطهارة منها باعتبار كونها سببا للنمو، فهو من باب إطلاق اسم المسبب على السبب- خلاف الظاهر، بل المقطوع به من ملاحظة كلماتهم.

نعم قد يحتمل كون المراد من ذكر المناسبتين إرادة بيان قابلية النقل من كل منهما كما يومي إليه ما في البيان، لا أنها منقولة منهما معا، لكن فيه أيضا أنه خلاف الظاهر من كلماتهم، فليس حينئذ إلا التزام جواز مثل هذا التجوز، لصدق كونه

4

استعمالا للفظ في غير ما وضع له للعلاقة، سواء كانت بين المعنى الواحد أو الأزيد.

و على كل حال ففي المعتبر و كذا التذكرة سمي أي ذلك الحق المخصوص زكاة لأنه به يزداد الثواب، و يطهر المال من حق المسلمين، و مؤديها من الإثم، و فيه أنه ينبغي ملاحظة المناسبة بين المعنيين مع قطع النظر عن وجوبها و مشروعيتها، فيقال في مناسبة الطهارة أنها تطهر المال مما فيه من الشبه الواقعية، حتى

ورد (1) «أن من أخرج زكاة ماله و وضعها في موضعها لم يسأل من أين اكتسب ماله»

و تطهر النفس من الأخلاق الردية كالبخل و الشح و القساوة و نحوها، و عن النبي (صلى الله عليه و آله) (2) «من أدى ما افترضه الله عليه فهو أسخى الناس»

و قال الصادق (عليه السلام) (3): «أحب الناس إلى الله أسخاهم كفا، و أسخى الناس من أدى زكاة ماله»

و في مناسبة النمو إنها تورث بركة في المال و تنمية كما هي العادة في كل شيء نظيف مما هو مبني على النمو، و في الخبر (4) «الصدقة تزيد في المال»

و في آخر (5) «الصدقة تقضي الدين، و تخلف البركة»

قال في البيان: «هي مصدر زكى إذا نما، فان إخراجها يوجب بركة في المال و تنمية، و للنفس فضيلة الكرم، أو من زكى بمعنى طهر، فإنها تطهر المال من الخبث، و النفس من البخل» و في المسالك الزكاة لغة الطهارة و النمو، سميت بذلك الصدقة المخصوصة لكونها مطهرة للمال من الأوزار المتعلقة بسبب تعلق حق الله به، أو للنفوس من أوساخ الأخلاق الرذيلة من البخل و ترك مواساة المحتاج و غيرهما، و لما كان المطهر من شأنه أن يزيل الأوساخ و يصحبها كالماء للنجاسة كانت الزكاة محرمة على بني هاشم

____________

(1) الوسائل- الباب- 4- من أبواب المستحقين للزكاة- الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب ما تجب فيه الزكاة- الحديث 7.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب ما تجب فيه الزكاة- الحديث 6.

(4) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الصدقة- الحديث 8 من كتاب الزكاة.

(5) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الصدقة- الحديث 1 من كتاب الزكاة.

5

تشريفا لهم، و لذا

قال (صلى الله عليه و آله) (1): «إنما هذا المال من الصدقة أوساخ الناس»

و في رواية (2) «غسالات أيدي الناس»

و وجه نسبتها إلى الأيدي في هذا الخبر أن الأموال المعطاة في الأكثر إنما تكون بها و تمر عليها، و أما أخذها من جهة النمو فلأنها تنمي الثواب و تزيده، و كذلك تزيد المال و إن ظنه الجاهل أنه نقص، و قد

قال (عليه السلام) (3): «إن الصدقة تزيد في المال»

و عن الصادق (عليه السلام) (4) «إن الصدقة تقضي الدين و تخلف البركة».

و في كنز العرفان «إن قلت الطهارة من أي شيء و كذا النماء في أي شيء قلت: أما الطهارة فمن إثم المنع، أو نقول إذا لم يخرج الزكاة يبقى حق الفقراء في المال فإذا حمله شحه على منعه فقد ارتكب التصرف في الحرام و الاتصاف برذيلة البخل، فإذا أخرجها فقد طهر ماله من الحرام و نفسه من رذيلة البخل، و أما النماء ففي البركة و الثواب» و لعل مراده و مراد المحقق و غيره من النماء في الثواب أن الزكاة توجب مضاعفة للحسنات، لقوله تعالى (5) «وَ ما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ» أي الذين يجعلون حسناتهم مضاعفة في زيادة الأجر و الثواب، و الأظهر إرادة الاضعاف في ثواب الزكاة لا غيرها، لاندراجها في قوله تعالى (6) «مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ» و في قوله (7) «مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ» و قوله (8):

____________

(1) كنز العمال ج 3 ص 285- الرقم 4703.

(2) كنز العمال ج 3 ص 285- الرقم 4701.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الصدقة- الحديث 8 من كتاب الزكاة.

(4) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الصدقة- الحديث 1 من كتاب الزكاة.

(5) سورة الروم- الآية 38.

(6) سورة الحديد- الآية 11.

(7) سورة البقرة- الآية 263.

(8) سورة الانعام- الآية 161.

6

«مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها» و الأمر في ذلك كله سهل.

[في فضل الزكاة]

ثم ليعلم أن الزكاة أخت الصلاة، و قد قرنهما الله تعالى في كتابه مشعرا بعدم قيام الصلاة ممن لم يؤد الزكاة

(1) «و صلاة فريضة خير من عشرين حجة، و حجة خير من بيت مملو ذهبا ينفقه في بر حتى ينفد، فلا أفلح من ضيع عشرين بيتا من ذهب بخمسة و عشرين درهما، فان من منع الزكاة وقفت صلاته حتى يزكي»

(2) «و بينما رسول الله (صلى الله عليه و آله) في المسجد إذ قال: قم يا فلان قم يا فلان قم يا فلان حتى أخرج خمسة نفر، فقال: اخرجوا من مسجدنا لا تصلوا فيه و أنتم لا تزكون» (3)

بل

«من منع قيراطا من الزكاة فليس بمؤمن و لا مسلم و سأل الرجعة عند الموت (4) و هو قوله تعالى (5) «رَبِّ ارْجِعُونِ»

إلى آخره

و «ليمت إن شاء يهوديا و إن شاء نصرانيا» (6)

بل

«ما من ذي زكاة مال نخل أو زرع أو كرم يمنع زكاة ماله إلا قلده الله تربة أرضه يطوق بها من سبع أرضين إلى يوم القيامة» (7)

بل «مانع الزكاة يطوق بحية قرعا تأكل من دماغه و ذلك قوله تعالى (8) سَيُطَوَّقُونَ. إلى آخره» (9)

، بل

«ما من أحد يمنع من زكاة ماله شيئا إلا جعل الله ذلك يوم القيامة ثعبانا من النار مطوقا في عنقه ينهش من لحمه حتى يفرغ من الحساب و ذلك قوله تعالى سَيُطَوَّقُونَ» (10)

و خصوصا مانع زكاة النقدين

فان الله يحبسه يوم القيامة بقاع قفر و سلط عليه شجاعا

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من أبواب ما تجب فيه الزكاة- الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 3- من أبواب ما تجب فيه الزكاة- الحديث 17.

(3) الوسائل- الباب- 3- من أبواب ما تجب فيه الزكاة- الحديث 7.

(4) الوسائل- الباب- 4- من أبواب ما تجب فيه الزكاة- الحديث 7.

(5) سورة المؤمنون- الآية 101.

(6) الوسائل- الباب- 4- من أبواب ما تجب فيه الزكاة- الحديث 5.

(7) الوسائل- الباب- 3- من أبواب ما تجب فيه الزكاة- الحديث 13.

(8) سورة آل عمران- الآية 176.

(9) الوسائل- الباب- 3- من أبواب ما تجب فيه الزكاة- الحديث 5.

(10) الوسائل- الباب- 3- من أبواب ما تجب فيه الزكاة- الحديث 3.

7

أقرع- أي ثعبانا لا شعر في رأسه لكثرة سمه- يريده و هو يحيد عنه، فإذا رأى أنه لا يتخلص منه أمكنه من يده فقضمها كما يقضم الفجل، ثم يصير طوقا في عنقه، و ذلك قوله تعالى «سَيُطَوَّقُونَ» و ما من ذي مال إبل أو غنم أو بقر يمنع زكاة ماله إلا حبسه الله تعالى يوم القيامة بقاع قرقر تطأه كل ذات ظلف بظلفها و تنهشه كل ذات ناب بنابها، و ما من ذي مال نخل أو كرم أو زرع يمنع زكاتها إلا طوقه الله ريعة أرضه إلى سبع أرضين إلى يوم القيامة (1)

«و إن الله يبعث يوم القيامة ناسا من قبورهم مشدودة أيديهم إلى أعناقهم لا يستطيعون أن يتناولوا بها قيس أنملة أي قدرها، معهم ملائكة يعيرونهم تعييرا شديدا يقولون هؤلاء الذين منعوا خيرا قليلا من خير كثير، هؤلاء الذين أعطاهم الله فمنعوا حق الله في أموالهم» (2)

و «ما ضاع مال في بر و لا بحر إلا بتضييع الزكاة، و لا يصاد من الطير إلا ما ضيع تسبيحه» (3)

و «إنما وضعت الزكاة اختبارا للأغنياء و معونة للفقراء، و لو أن الناس أدوا زكاة أموالهم ما بقي مسلم فقير محتاجا، و لاستغنى بما فرض الله له، و أن الناس ما افتقروا و لا احتاجوا و لا جاعوا و لا عروا إلا بذنوب الأغنياء، و حقيق على الله أن يمنع رحمته ممن منع حق الله في ماله و أقسم بالذي خلق الخلق و بسط الرزق أنه ما ضاع مال في بر أو بحر إلا بترك الزكاة و ما صيد صيد في بر و لا بحر إلا بتركه التسبيح في ذلك اليوم، و أن أحب الناس إلى الله أسخاهم كفا، و أسخى الناس من أدى زكاة ماله، و لم يبخل على المؤمنين بما افترض الله لهم في ماله» (4).

و أما فضلها فعظيم و يكفيك فيه ما ورد في فضل الصدقة الشاملة لها من

«أن الله

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من أبواب ما تجب فيه الزكاة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 6- من أبواب ما تجب فيه الزكاة- الحديث 4.

(3) الوسائل- الباب- 3- من أبواب ما تجب فيه الزكاة- الحديث 19.

(4) الوسائل- الباب- 1- من أبواب ما تجب فيه الزكاة- الحديث 6.

8

يربيها لصاحبها كما يربي الرجل فصيله، فيأتي بها يوم القيامة مثل أحد» (1)

و «أنها تدفع ميتة السوء» (2)

و «تفك من لحى سبعمائة شيطان، و لا شيء أثقل على الشيطان منها على المؤمن، و تقع في يد الرب قبل أن تقع في يد العبد» (3)

و «صدقة الليل تطفئ غضب الرب، و تمحو الذنب العظيم، و تهون الحساب، و صدقة النهار تنمي المال و تزيد في العمر» (4)

إلى غير ذلك، بل لعل رجحان الصدقة في الجملة من الضروريات بل العقل مستقل في ثبوته.

ثم إن الظاهر عدم وجوب شيء في المال ابتداء غير الزكاة و الخمس، بل لا خلاف محقق أجده في غير الضغث بعد الضغث كما ستسمع الكلام فيه، للأصل و العموم و السيرة القطعية التي هي أقوى من الإجماع، بل يمكن دعوى الضرورة فيه، خصوصا بعد ملاحظة ما ورد من النصوص (5) في فرض الزكاة، و أنه لو علم الله عدم سد حاجة الفقراء بها لافترض غيرها، و نحوها مما سيمر عليك بعضها في تضاعيف المباحث.

نعم يستحب مؤكدا الإنفاق مما أنعم الله به عليه، بل ينبغي أن يلزم نفسه بشيء معلوم على حسب وسعه و طاقته ينفقه في كل يوم أو في كل أسبوع أو في كل شهر،

قال الصادق (عليه السلام) في خبر أبي بصير (6) أو حسنه: «عليكم في أموالكم غير الزكاة، فقلت: و ما علينا في أموالنا غير الزكاة؟ فقال: سبحان الله أما تسمع

____________

(1) الوسائل- الباب- 7- من أبواب الصدقة- الحديث 7 من كتاب الزكاة.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الصدقة- الحديث 2 من كتاب الزكاة.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب الصدقة- الحديث 12 من كتاب الزكاة مع الاختلاف.

(4) الوسائل- الباب- 12- من أبواب الصدقة- الحديث 2 من كتاب الزكاة.

(5) الوسائل- الباب- 1- من أبواب ما تجب فيه الزكاة.

(6) الوسائل- الباب- 7- من أبواب ما تجب فيه الزكاة- الحديث 3.

9

الله عز و جل يقول في كتابه «وَ الَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسّائِلِ وَ الْمَحْرُومِ» (1) قلت: فما ذا الحق المعلوم؟ فقال: هو الشيء يعمله الرجل في ماله فيعطيه في اليوم أو في الجمعة أو في الشهر قل أو كثر غير أنه يداوم عليه»

و قال في خبره الآخر (2): «أ ترون أن ما في المال زكاة وحدها ما افترض الله في المال غير الزكاة أكثر فيعطى منه القرابة و المفترض يسألك»

و قال (عليه السلام) أيضا في خبر سماعة بن مهران (3): «لكن الله فرض في أموال الأغنياء حقوقا غير الزكاة، فقال: و الذين في أموالهم حق معلوم و الحق المعلوم غير الزكاة هو شيء يفرضه الرجل على نفسه و ماله يجب عليه أن يفرضه على قدر طاقته و وسعته، فيؤدي الذي فرض على نفسه إن شاء في كل يوم، و إن شاء في كل جمعة، و إن شاء في كل شهر- إلى أن قال-: و مما فرض الله في المال غير الزكاة قوله عز و جل (4) «الَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ» و من أدى ما افترض الله عليه فقد قضى ما عليه و أدى شكر ما أنعم الله به عليه إذا هو حمده على ما أنعم الله عليه فيه مما فضله من السعة على غيره، و لما وفقه لأداء ما فرض الله عز و جل عليه و أعانه عليه»

و سأله (عليه السلام) ابن سنان (5) «في كم تجب الزكاة من المال؟

فقال: الزكاة الظاهرة أم الباطنة؟ فقال: ما هما؟ فقال: أما الظاهرة ففي كل ألف خمسة و عشرون، و أما الباطنة فلا تستأثر على أخيك بما هو أحوج إليه منك»

و في المروي (6) عن تفسير العياشي «سألته عن قول الله عز و جل «الَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ»

____________

(1) سورة المعارج- الآية 24 و 25.

(2) الوسائل- الباب- 7- من أبواب ما تجب فيه الزكاة- الحديث 4 مع الاختلاف.

(3) الوسائل- الباب- 7- من أبواب ما تجب فيه الزكاة- الحديث 2 مع الاختلاف.

(4) سورة الرعد- الآية 21.

(5) الوسائل- الباب- 7- من أبواب ما تجب فيه الزكاة- الحديث 9 و في الوسائل عن محمد بن سنان عن المفضل قال: كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) فسأله رجل. إلخ.

(6) الوسائل- الباب- 7- من أبواب ما تجب فيه الزكاة- الحديث 17.

10

فقال: هو مما فرض الله في المال غير الزكاة، و من أدى ما فرض الله عليه فقد قضى ما عليه»

و في خبر القاسم بن عبد الرحمن (1) عن الباقر (عليه السلام) «أن رجلا جاء إلى أبيه فقال. أخبرني عن قوله تعالى «الَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ» فقال له: الحق المعلوم الشيء يخرجه من ماله ليس من الزكاة و لا من الصدقة المفروضتين قال: إذا لم يكن من الزكاة و لا من الصدقة فما هو؟ قال: هو الشيء يخرجه الرجل من ماله إن شاء أكثر و إن شاء أقل على قدر ما يملك يصل به رحما، أو يقوي به ضعيفا، و يحمل به كلا، أو يصل به أخا له في الله في نائبة تنوبه».

و من فهم الوجوب من هذه النصوص أو بعضها أو احتمله فليعلم أنه ليس على شيء، و أنه ممن لا يجوز له التعرض لفهم كلامهم (عليهم السلام) و إفتاء الناس بما يحصل لديه منه، و الصدوق (رحمه الله) في الفقيه إنما عبر بمضمون كلامهم (عليهم السلام) فقال: «قال الله تعالى «وَ الَّذِينَ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ» و الحق المعلوم غير الزكاة، و هو شيء يفرضه الرجل على نفسه أنه في ماله و نفسه يجب أن يفرضه على قدر طاقته»

فمراده مرادهم (عليهم السلام)، فما عن الذخيرة من أن ظاهر هذه العبارة الوجوب في غير محله كما هو واضح.

بل لعل الحال في الضغث بعد الضغث كذلك خصوصا بعد الأصل و العمومات سيما

قول الباقر (عليه السلام) في خبر معمر بن يحيى (2): «لا يسأل الله عز و جل عبداً عن صلاة بعد الفريضة، و لا عن صدقة بعد الزكاة، و لا عن صوم بعد شهر رمضان»

و بعد

قول الصادق (عليه السلام) في حسن معاوية بن مترع (3) «في الزرع

____________

(1) الوسائل- الباب- 7- من أبواب ما تجب فيه الزكاة- الحديث 6.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب أحكام شهر رمضان- الحديث 16 من كتاب الصوم.

(3) الوسائل- الباب- 13- من أبواب زكاة الغلات- الحديث 2 لكن رواه عن معاوية بن شريح و هو الصحيح لأنه لم يوجد أثر لمعاوية بن مترع في كتب التراجم أصلا و الموجود فيها هو معاوية بن ميسرة بن شريح القاضي.

11

حقان حق تؤخذ به و حق تعطيه، أما الذي تؤخذ به فالعشر و نصف العشر، و أما الذي تعطيه فقول الله عز و جل (1) «وَ آتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ» يعني من حضرك الشيء، و لا أعلم إلا أنه قال: الضغث ثم الضغث حتى تفرغ»

و صحيح شعيب العقرقوفي (2) المروي عن تفسير علي بن إبراهيم «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول الله (3) «وَ آتُوا» فقال: الضغث من السنبل، و الكف من التمر إذا حوصره، قال: و سألته هل يستقيم إعطاؤه إذا أدخله البيت؟ قال: لا، هو أسخى لنفسه قبل أن يدخله في بيته»

و حسن زرارة و محمد بن مسلم و أبي بصير (4) عن الباقر (عليه السلام) في الآية، قال: «هذا من الصدقة يعطي المسكين القبضة بعد القبضة، و من الجذاذ الحفنة بعد الحفنة، و يعطي الحارس أجرا معلوما، و يترك للحارس يكون في الحائط العذق و العذقان و الثلاثة لحفظه إياه»

و حسن أبي بصير (5) عن الصادق (عليه السلام) «لا تصرم بالليل، و لا تحصد بالليل، و لا تضح بالليل، و لا تبذر بالليل، فإنك إن لم تفعل لم يأتك القانع، و هو من يقنع بما أعطيته، و المعتر، و هو الذي يمر بك فيسألك، و إن حصدت بالليل لم يأتك السؤال و هو قوله عز و جل «وَ آتُوا حَقَّهُ» يعني القبضة بعد القبضة إذا حصدت، و إذا خرج فالحفنة بعد الحفنة، و كذلك عند الصرام، و لا تبذر بالليل، لأنك تعطي من البذر كما تعطي من الحصاد»

و في المروي

____________

(1) سورة الانعام- الآية 142.

(2) الوسائل- الباب- 13- من أبواب زكاة الغلات- الحديث 4 و في الوسائل

«من التمر إذا خرص»

. (3) سورة الانعام- الآية 142.

(4) فروع الكافي ج 1 ص 565 الطبع الحديث «باب الحصاد و الجذاذ» الحديث 2.

(5) الوسائل- الباب- 14- من أبواب زكاة الغلات- الحديث 1 مع الاختلاف.

12

عن تفسير علي بن إبراهيم في الصحيح عن مسعد بن سعد (1) عن الرضا (عليه السلام) «إن لم يحضر المساكين و هو يحصد قال: ليس عليه شيء»

فان عدم التقدير و عدم الوجوب لو لم يحضروا، و عدم المؤاخذة به و التشبيه بالبذر الذي لم يقل أحد بوجوب الإعطاء منه و الاختلاف في الغاية و غير ذلك مشعر بعدم الوجوب كما نسب إلى أكثر العلماء في محكي التذكرة، بل هو المشهور نقلا و تحصيلا، بل لا مخالف صريح أجده إلا الشيخ في محكي الخلاف، إذ الصدوق و إن عنون له باباً لكن لا صراحة فيه بالوجوب و لا ظهور، و أوضح منه في العدم الكافي، بل ربما استظهر منه موافقة الأصحاب كالمقنعة، نعم في الانتصار بعد أن اختار الاستحباب قال: و لو قلنا بوجوب هذا العطاء في وقت و إن لم يكن مقدرا بل موكولا إلى اختيار المعطي لم يكن بعيدا من الصواب.

فمن الغريب بعد ذلك دعوى الشيخ إجماع الطائفة و أخبارهم على الوجوب، خصوصا بعد عدم اشتهاره مع عموم البلوى به، بل السيرة المستمرة على عدمه، و الآية لا مانع من حملها على الندب بناء على عدم إرادة الزكاة منها كما أومأ إليه بعض النصوص (2) بقرينة النهي عن الإسراف الذي لا وجه له في الزكاة المقدرة، و ظهور يوم حصاده، و غير ذلك، و لفظ الحق لا ينافي إرادة الندب كما هو واضح، بل لعل الإطناب في ذلك من تضييع العمر بالواضحات، ضرورة استقرار الإجماع الآن على عدم الوجوب، و وسوسة بعض المتأخرين المجبولة طباعهم على حب الخلاف غير قادحة و الله أعلم.

____________

(1) الوسائل- الباب- 13- من أبواب زكاة الغلات- الحديث 5 عن سعد بن سعد.

(2) الوسائل- الباب- 13- من أبواب زكاة الغلات- الحديث 2.

13

[أقسام الزكاة]

و كيف كان ف فيه قسمان:

[القسم الأول في زكاة المال]

الأول في زكاة المال التي وجوبها في الجملة من الضروريات المستغنية عن الاستدلال بالآيات و الروايات فيدخل منكره من المسلمين في المليين أو الفطريين على حسب غيره من إنكار الضروري الذي قد أفرغنا الكلام في وجه الكفر بإنكاره في أحكام النجاسات من كتاب الطهارة فلاحظ و تأمل، بل في خبر أبان بن تغلب (1) عن الصادق (عليه السلام) «دمان في الإسلام حلال من الله لا يقضى فيهما حتى يبعث قائمنا أهل البيت (ع)، فإذا بعثه الله حكم فيهما بحكم الله: الزاني المحصن يرجمه، و مانع الزكاة يضرب عنقه»

و قال أيضا في خبر أبي بصير (2): «من منع قيراطا من الزكاة فليمت إن شاء يهوديا و إن شاء نصرانيا»

و قال أيضا في خبره الآخر (3): «الزكاة ليس يحمد صاحبها، إنما هو شيء ظاهر، إنما هو شيء حقن بها دمه، و سمي مسلما»

و نحوه موثقة سماعة (4) بل

في وصية النبي (صلى الله عليه و آله) (5) لعلي (عليه السلام) «كفر بالله العظيم من هذه الأمة عشرة- و عد منهم- مانع الزكاة»

إلى غير ذلك مما يجب حمل ما فيه من الكفر على إرادة المبالغة أو على إرادة الترك استحلالا، و أما ما أومأ إليه بعضها من قتال مانعي الزكاة مع وجودها عندهم فهو على مقتضى الضوابط في غاصبي الأموال بناء على أن الزكاة في العين بل و إن قلنا بالذمة، و لذا صرح به هنا غير واحد من الأصحاب، بل لعله من معقد إجماع التذكرة، لكن الأولى مباشرة الإمام (عليه السلام) أو نائبه لذلك، و إن كان قد يقوى جواز مباشرة غيره له أيضاً من الآمر بالمعروف الذي هو هنا المقاتلة مع التوقف عليها، بل لعله واجب مع التمكن و لتحقيق ذلك محل آخر.

____________

(1) الوسائل- الباب- 4- من أبواب ما تجب فيه الزكاة- الحديث 6.

(2) الوسائل- الباب- 4- من أبواب ما تجب فيه الزكاة- الحديث 5.

(3) الوسائل- الباب- 4- من أبواب ما تجب فيه الزكاة- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 4- من أبواب ما تجب فيه الزكاة- الحديث 2.

(5) الوسائل- الباب- 4- من أبواب ما تجب فيه الزكاة- الحديث 7.

14

إنما النظر الآن فيمن تجب عليه الزكاة و ما تجب فيه، و من تصرف اليه،

[النظر الأول في من تجب عليه]

أما الأول فتجب الزكاة على البالغ العاقل الحر المالك المتمكن من التصرف بلا خلاف و لا إشكال، إنما الكلام في نفيها عن غيره

[في عدم وجوب الزكاة قبل البلوغ]

ف نقول: لا خلاف محقق في أن البلوغ يعتبر في زكاة الذهب و الفضة بل هو معتبر فيهما إجماعا بقسميه بل المحكي منه مستفيض أو متواتر كالنصوص (1) و إن كان الموضوع في كثير منها اليتيم إلا أن الإجماع بقسميه أيضا على عدم الفرق بينه و بين غيره، مضافا إلى

خبر محمد ابن الفضيل (2) عن الرضا (عليه السلام) «في صبية صغار لهم مال بيد أبيهم أو أخيهم هل يجب على مالهم الزكاة فقال: لا يجب على مالهم حتى يعمل به، فإذا عمل به وجبت الزكاة، أما إذا كان موقوفا فلا زكاة عليه»

و ترك الاستفصال في صحيح يونس بن يعقوب (3): «أرسلت إلى أبي عبد الله (عليه السلام) أن لي إخوة صغارا فمتى تجب على أموالهم الزكاة؟ فقال: إذا وجبت عليهم الصلاة وجبت عليهم الزكاة، قلت:

فما لم تجب عليهم الصلاة قال: إذا اتجر به فزكه»

فلا إشكال حينئذ فيه من هذه الجهة.

كما أنه لا إشكال في أن المنساق من النصوص (4) و الفتاوى الدالة على اعتبار الحول كون مبدئه تحقق البلوغ، فلا وجوب لما مضى من الأحوال قبله، و لا للحول الذي بلغ في آخره، للأصل و غيره، و خبر أبي بصير (5) «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: ليس على مال اليتيم زكاة «يب» و ليس عليه صلاة و ليس على جميع غلاته من نخل

____________

(1) الوسائل- الباب- 1 و 2- من أبواب من تجب عليه الزكاة.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب من تجب عليه الزكاة- الحديث 4.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب من تجب عليه الزكاة- الحديث 5.

(4) الوسائل- الباب- 15- من أبواب زكاة الذهب و الفضة.

(5) الوسائل- الباب- 1- من أبواب من تجب عليه الزكاة- الحديث 3 و 11.

15

أو زرع زكاة «ش» (1) و إن بلغ اليتيم فليس عليه لما مضى زكاة، و لا عليه لما يستقبل حتى يدرك، فإذا أدرك فإنما عليه زكاة واحدة، ثم كان عليه مثل ما على غيره من الناس»

و الظاهر إرادة معنى الواو من «ثم» كما رواه الشيخ به بدلها، ثم إنه إن جعلنا مفعول الإدراك فيه المدلول عليه بما مضى و ما بقي تخلصا من اتحاد معنى الغاية و البداية كان حينئذ دالا على المطلوب من وجهين، و إن جعلنا الإدراك فيه الرشد كان النفي الأول كافيا، بل لو أعرضنا عن هذا الخبر لإجماله كان غيره مما عرفت كافيا، فلا وجه لما عن بعض متأخري المتأخرين من أن المستفاد من الأدلة عدم وجوب الزكاة على الصبي حتى يبلغ، و هو غير مستلزم لعدم الوجوب حين البلوغ بسبب الحول السابق بعضه، إذ لا يستفاد من أدلة اشتراط الحول كونه في زمان التكليف، و اللام في قوله: «فليس عليه» إلى آخره غير واضحة الدلالة على المعنى الشامل للسنة الناقصة، بل المتبادر منه خلافه، و كذا

قوله (عليه السلام): «و لا عليه»

إلى آخره غير واضح في إثبات الفرض المذكور، بل قد نقول في قوله «فإذا» إلى آخره دلالة على خلاف ذلك، إذ هو كما ترى، مضافا إلى ما تسمعه إن شاء الله في تضاعيف المباحث، و في البحث عن اشتراط الحول مما يظهر منه صحة ما ذكرنا من اعتبار الحول عند ابتداء البلوغ فيما يعتبر فيه الحول، كما أنه يعتبر عند التعلق فيما لا يعتبر فيه الحول و كذا غيره من الشرائط.

و على كل حال فلا وجوب قبل البلوغ نعم إذا اتجر له من اليه النظر استحب له إخراج الزكاة من ماله أي الطفل و لا يجب بلا خلاف محقق أجده فيه، بل في المعتبر و محكي المنتهى و نهاية الأحكام و ظاهر الغنية الإجماع عليه، و لعله كذلك، إذ ما في المقنعة- من أنه لا زكاة عند آل الرسول (صلى الله عليه و آله) في صامت أموال

____________

(1) لا يخفى أن ما بين لفظة «يب» و حرف «ش» مما اختص به الشيخ قده في روايته عن أبي بصير و أما البقية فاشترك الشيخ و الكليني (قدس سرهما) في نقلها عن أبي بصير.

16

الأطفال و المجانين من الدراهم و الدنانير إلا أن يتجر الولي لهم أو القيم عليهم بها، فان اتجر بها و حركها وجب عليه إخراج الزكاة منها، فإذا أفادت ريحا فهو لأربابها، و إن حصل فيها ضرر (خسران خ ل) ضمنه المتجر لهم بها، و على غلاتهم و أنعامهم الزكاة إذا بلغ كل واحد من هذين الجنسين الحد الذي يجب فيه الزكاة، و ليس يجري ذلك مجرى الأموال الصامتة على ما جاء عن الصادقين (عليهم السلام)- يمكن حمله على إرادة الندب كما عن التهذيب، بل يشهد له تصريحه في باب زكاة أمتعة التجارة بأنها سنة مؤكدة فيها على المأثور عن الصادقين (عليهم السلام)، و احتمال الفرق بين التجارة بمال الطفل و غيره كما ترى، و أولى بالحمل على ذلك ما عن الصدوقين من أنه ليس على مال اليتيم زكاة إلا أن يتجر به، فان اتجر به فعليه الزكاة، فصح لنا حينئذ نفي تحقق الخلاف في المسألة، اللهم إلا أن يدعى أن ظاهر القائلين بوجوبها في مال التجارة عدم الفرق بين الأطفال و البالغين، فيكون الوجوب حينئذ قولا لجماعة، لكن فيه بحث أو منع.

و على كل حال فلا ريب في أن الأقوى عدم الوجوب، للأصل و إطلاق نفيها عن اليتيم في خبر أبي بصير (1) و خبر محمد بن القاسم (2) و صحيح محمد بن مسلم (3) و صحيح زرارة (4) و صحيحهما (5) الوارد في الغلات و غيرها، بل في خبر مروان ابن مسلم (6) عن أبي الحسن عن أبيه (عليهما السلام) منها ما يومي إلى حمل ما دل على الوجوب على التقية لأنه قال: «كان أبي يخالف الناس في مال اليتيم، ليس عليه زكاة».

فاحتمال تقييد الجميع ب

خبر أبي العطارد الحناط (7) «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) مال اليتيم يكون عندي فأتجر به، قال: إذا حركته فعليك زكاته»

و خبر سعيد السمان (8)

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب من تجب عليه الزكاة- الحديث 3 و 11.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب من تجب عليه الزكاة- الحديث 4.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب من تجب عليه الزكاة- الحديث 7.

(4) الوسائل- الباب- 1- من أبواب من تجب عليه الزكاة- الحديث 8.

(5) الوسائل- الباب- 1- من أبواب من تجب عليه الزكاة- الحديث 2.

(6) الوسائل- الباب- 1- من أبواب من تجب عليه الزكاة- الحديث 9.

(7) الوسائل- الباب- 2- من أبواب من تجب عليه الزكاة- الحديث 3.

(8) الوسائل- الباب- 2- من أبواب من تجب عليه الزكاة- الحديث 2.

17

«سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: ليس في مال اليتيم زكاة إلا أن يتجر به، فان اتجر به فالربح لليتيم، و إن وضع فعلى الذي يتجر به»

و خبر أبي شعبة (1) عن أبيه عن أبي عبد الله (عليه السلام) «أنه سئل عن مال اليتيم فقال: لا زكاة عليه إلا أن يعمله»

و صحيح محمد بن مسلم (2) «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): هل على مال اليتيم زكاة؟ قال: لا إلا أن يتجر أو يعمل به»

و صحيح يونس بن يعقوب (3) و خبر محمد بن الفضيل (4) المتقدمين آنفا- بعد الأعضاء عما في سند بعضها، و موهونية الجميع بما عرفت من عدم تحقق القائل بالوجوب، و عدم ظهور بعضها في الوجوب المصطلح، ضرورة دلالة بعضها على ثبوت الزكاة فيها في هذا الحال الذي هو أعم من الوجوب و غيره، و كذا ما دل منها على أن الزكاة على المال حينئذ، ضرورة إمكان منع دلالته على الوجوب، و أن المراد منه معنى فيها- كما ترى مخالف لمذاق الفقاهة، خصوصا بعد ما تعرف إن شاء الله من عدم الوجوب في مال التجارة على البالغ فضلا عن مال الطفل، و ما أبعد احتمال الوجوب أو القول به من القول بعدم المشروعية أصلا، كما صرح به الحلي في مكاسب السرائر، و تبعه سيد المدارك، لكن الإنصاف أنه إفراط، إذ التصرف في مال الغير و إن كان حراما و خصوصا مال اليتامى لكن لا مناص عن القول بالندب هنا بعد الإجماع المحكي عليه في المعتبر و محكي المنتهى و النهاية و ظاهر الغنية المعتضد بالتتبع، و بالنصوص المزبورة المعتبر سند بعضها المحمولة على ذلك الذي هو أولى من التقية، فيكون إذنا من المالك الحقيقي، بل الظاهر عدم الفرق في استحباب زكاة

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب من تجب عليه الزكاة- الحديث 10 عن أحمد ابن عمر بن أبي شعبة عن أبيه عن أبي عبد الله (عليه السلام).

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب من تجب عليه الزكاة- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب من تجب عليه الزكاة- الحديث 5.

(4) الوسائل- الباب- 2- من أبواب من تجب عليه الزكاة- الحديث 4.

18

ماله مع التجارة بين النقدين و غيرهما، لإطلاق النصوص المزبورة، و دعوى انصرافها إلى النقدين ممنوعة، كما أنه أفرط هو و بعض من تقدمه في دعوى كون الخسران على المتجر لهم إذا حصل، و إن كان ربما يشهد له خبر السمان (1) إلا أنه لا مجال للقول به و الخروج عن قاعدة الإحسان و قاعدة من كان الربح له فالخسران عليه، و غير ذلك، فيجب حينئذ حمله على ما لا ينافيها.

و على كل حال فالتحقيق ما ذكرنا من استحباب الزكاة في مال الطفل إذا اتجر به له فأما إن ضمنه و أدخله في ملكه بناقل شرعي كالقرض و اتجر لنفسه و فرض جواز ذلك له بأن كان مليا و فيه مصلحة لليتيم أو كان أبا أو جدا بناء على عدم (2) اعتبار الملائة فيهما كان الربح له سواء ابتاع بعينه أو بالذمة و أداه لأنه نماء ملكه و تستحب الزكاة له حينئذ لأنه كغيره من أموال التجارة بلا خلاف و لا إشكال في شيء من ذلك إلا في أصل جواز افتراض الولي مال الطفل، فان ظاهر ابن إدريس منعه، و لا ريب في ضعفه كما بيناه في محله.

و المراد بالملائة ما ذكره

الصادق (عليه السلام) في خبر سالم (3) قال: «سألته فقلت: أخي أمرني أن أسألك عن مال يتيم في حجره يتجر به قال: إن كان لأخيك مال يحيط بمال اليتيم إن تلف أو أصابه شيء غرمه و إلا فلا يتعرض لمال اليتيم»

بل و صحيح ربعي (4) عنه (عليه السلام) أيضا «في رجل عنده مال اليتيم فقال: إن كان محتاجا ليس له مال فلا يمس ماله، و إن هو اتجر به فالربح لليتيم، و هو ضامن»

و خبر منصور الصيقل (5) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن مال اليتيم يعمل به فقال:

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب من تجب عليه الزكاة- الحديث 2.

(2) ليس في النسخة الأصلية لفظة «عدم» و الصحيح ما أثبتناه.

(3) الوسائل- الباب- 75- من أبواب ما يكتسب به- الحديث 4 من كتاب التجارة لكن روى عن أسباط بن سالم.

(4) الوسائل- الباب- 75- من أبواب ما يكتسب به- الحديث 3 من كتاب التجارة.

(5) الوسائل- الباب- 2- من أبواب من تجب عليه الزكاة- الحديث 7.

19

إذا كان عندك مال و ضمنته فلك الربح، و أنت ضامن للمال، و إن كان لا مال لك و عملت به فالربح للغلام، و أنت ضامن للمال».

و لعله اليه يرجع ما في المسالك من أن المراد بالملائة أن يكون للمتصرف مال بقدر ما للطفل فاضلا عن المستثنيات في الدين، و هو قوت يوم و ليلة له و لعياله الواجبي النفقة، و أشكله في المدارك بأنه قد لا يحصل معه الغرض المطلوب من الملائة، قلت:

قد عرفت خلو النصوص عن هذا اللفظ، و إنما المعتبر ما سمعت، و ربما يكفي عنها وضع الرهن و لو من غيره على المال، بل قد يقال بكفاية الجاه و الاعتبار عن المال فعلا، و إن كان لا يخلو من إشكال، لاحتمال عروض الموت و نحوه، ثم من المعلوم عدم اعتبار اليقين بوجود مال له لو تلف مال الطفل، بل يكفي الاطمئنان العادي بذلك كما هو واضح.

و كيف كان فقد استثنى جماعة بل في المدارك نسبته إلى المتأخرين الأب و الجد مما يعتبر فيه الملائة، فيجوز حينئذ افتراضهما و إن كانا معسرين، بل عن مجمع البرهان كأنه لا خلاف فيه، و لم أجد له شاهدا بالخصوص في النصوص، نعم قد يشهد له في الجملة إطلاق ما ورد (1) من جواز تقويم الأب جارية ولده على نفسه ثم يطأها، و خبر سعيد بن يسار (2) عن الصادق (عليه السلام) «أ يحج الرجل من مال ابنه و هو صغير؟

قال: نعم، قلت: حجة الإسلام و ينفق منه، قال: نعم بالمعروف و يحج منه و ينفق منه إن مال الولد لوالده، و ليس للولد أن ينفق من مال والده إلا باذنه»

و خبر ابن أبي يعفور (3) «في الرجل يكون لولده مال فأحب أن يأخذ منه قال: فليأخذ»

و خبر أبي حمزة (4) عن الباقر (عليه السلام) «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) لرجل:

أنت و مالك لأبيك ثم قال أبو جعفر (عليه السلام): ما أحب أن يأخذ من مال ابنه

____________

(1) الوسائل- الباب- 78- من أبواب ما يكتسب به من كتاب التجارة.

(2) الوسائل- الباب- 78- من أبواب ما يكتسب به- الحديث 4 من كتاب التجارة.

(3) الوسائل- الباب- 78- من أبواب ما يكتسب به- الحديث 8 من كتاب التجارة.

(4) الوسائل- الباب- 78- من أبواب ما يكتسب به- الحديث 2 من كتاب التجارة.

20

إلا ما احتاج، إن اللّهُ لا يُحِبُّ الْفَسادَ»

و خبر محمد بن مسلم (1) «سألته عن الرجل يحتاج إلى مال ابنه قال: يأكل منه من غير إسراف إذا اضطر اليه، فقلت له: فقول رسول الله (صلى الله عليه و آله) لرجل أتاه فقال له: أنت و مالك لأبيك، فقال: إنما جاء بأبيه إلى النبي (صلى الله عليه و آله) فقال: يا رسول الله هذا أبي قد ظلمني ميراثي من أمي فأخبره أنه قد أنفقه عليه و على نفسه فقال له: أنت و مالك لأبيك و لم يكن عند الرجل شيء»

و خبر علي بن جعفر (2) عن أخيه (عليه السلام) «سألته عن الرجل يأكل من مال ولده قال: لا إلا أن يضطر إليه فليأكل منه بالمعروف».

إلا أن الجميع كما ترى لا يجسر به على مثل هذا الحكم، و خصوصا في الجد المندرج في قوله تعالى (3) «وَ لا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ» إذ الظاهر صدقه بفقد الأب و إن كان الجد موجودا، و دعوى شمول لفظ الأب في هذه النصوص للجد واضحة المنع، كل ذا مع أن المحكي عن القدماء إطلاق اعتبار المصلحة في التصرف في مال الطفل من غير فرق بين الأب و الجد و غيرهما، بل عن المبسوط «من يلي أمر الصغير و المجنون خمسة: الأب و الجد و وصي الأب و الجد و الامام و من يأمره، فكل هؤلاء الخمسة لا يصح تصرفهم إلا على وجه الاحتياط و الحظ للصغير المولى عليه، لأنهم نصبوا لذلك، فإذا تصرف على وجه لا حظ فيه كان باطلا» نعم حكي عن الشيخ أنه جوز للوالد الاستقراض من مال الولد لحجة الإسلام، و لعله لخبر سعيد المتقدم، و أنه نص على المنع للحج المندوب، و بالجملة فالتوقف في الحكم المزبور في محله، خصوصا مع

____________

(1) الوسائل- الباب- 78- من أبواب ما يكتسب به- الحديث 9 و هو خبر الحسين ابن أبي العلاء مع الاختلاف في صدر الرواية أيضا.

(2) الوسائل- الباب- 78- من أبواب ما يكتسب به- الحديث 6 من كتاب التجارة.

(3) سورة الأنعام- الآية 153.

21

المفسدة في ذلك، و من هنا استشكله في المدارك بعد أن حكاه عن المتأخرين، و عن القطيفي أنه لم يحضرني دليله، و قد ذكرنا نبذة من الكلام في تصرف الولي في كتاب الرهن من أراده فليلاحظه.

[في وجوب الزكاة في مال اليتيم]

أما إذا كان الولي بحيث لا يجوز له الاقتراض بان لم يكن مليا أو لا مصلحة في اقتراضه فهو كما إذا لم يكن المقترض وليا في عدم الجواز و كان كل منهما ضامنا للمال لو تلف كلا أو بعضا بقيمته أو مثله، لكونهما غاصبين، و لكن أطلق المصنف و الفاضل في بعض كتبه أن لليتيم الربح حينئذ و أنه لا زكاة هنا و عن محكي المبسوط و النهاية موافقتهما في الأول و مخالفتهما في الثاني لكن في غير الولي، كما أن الشهيدين و المقداد و ثاني المحققين و القطيفي على ما حكي عن بعضهم وافقوهما على الأول إذا كان وليا و اشترى بالعين، و اختلفوا في الزكاة، فبعضهم أثبتها و آخر نفاها، و لعل التحقيق في الولي كون الربح لليتيم مع الشراء بالعين، و قصد النفس بعد كون المال للغير المخاطب بإيقاع الشراء له مع المصلحة غير قادح، كما لو اشترى بمال زيد عينا يقصد أنها له، فإنه لا يجدي في عدم (1) تبعية ملك المعوض للعوض إذا كان وكيلا أو أجاز المالك، و قد فرضنا كون المتصرف الولي، فلا يحتاج إلى إجازة، إذ هو حينئذ كالوكيل على الشراء بالعين و قصد نفسه، فإن صحة البيع لا تحتاج إلى إجازة من الموكل في وجه قوي، لأن الوكيل قد فعل ما وكل فيه، و قصده لنفسه لاغ، و ليس الفعل مشتركا تشخصه النية، إذ الفرض أنه وكيل على الشراء بالعين، و هو لا يقع إلا للموكل، فكذا الولي، بل لعله أولى من الوكيل في ذلك، و على هذا يحمل صحيح ربعي (2) و خبر منصور (3) المتقدمان آنفا، و نحوهما

حسن ابن مسلم (4) في مال

____________

(1) في النسخة الأصلية شطب على لفظة «عدم» و الصحيح ما أثبتناه.

(2) الوسائل- الباب- 75- من أبواب ما يكتسب به- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 2- من أبواب من تجب عليه الزكاة- الحديث 7.

(4) الوسائل- الباب- 75- من أبواب ما يكتسب به- الحديث 2.

22

اليتيم «العامل به ضامن و لليتيم الربح إذا لم يكن للعامل به مال، و قال: إن عطب أداه».

و منه يظهر فساد ما ذكره بعض متأخري المتأخرين من احتياج الصحة إلى إجازة من الولي، بل ربما توقف في الصحة معها أيضا، لكون الشراء وقع لنفسه، فلا تنفعه الإجازة و لو قلنا بصحة الفضولي معها، إذ قد ظهر لك مما ذكرنا عدم الاحتياج إلى الإجازة في الصحة، لكونه مكلفا مع الشراء بعين مال الطفل و حصول المصلحة بكون الشراء للطفل لا لنفسه.

نعم ينبغي تقييد ذلك كله بما إذا وقع الشراء بالعين، أما إذا وقع في الذمة فالقاعدة تقتضي كونه للولي، فيكون الربح له و إن كان قد أضمر التأدية من مال الطفل حال الشراء، فإن إضماره ذلك لا يقتضي تبعية الملك له، و تأديته لم تبرأ ذمته، و دعوى أن النص و الفتوى يشملان هذه الصورة، لأنها الغالب، و لصدق الشراء بمال الطفل حينئذ، يمكن منعها، على أن الخروج عن القاعدة المحكمة بإطلاق هذه النصوص ليس أولى من العكس، بل هو أولى.

و لو لم يكن ربح و لا نقصان أمكن الحكم بصحة العقد بناء على اعتبار عدم المفسدة لا المصلحة، أو على أنها معتبرة في رفع الإثم في التصرف دون صحة العقد، فيكفي فيها عدم المفسدة و إن أثم بالإيقاع، و قد يقوى الفساد، لاعتبارها في الصحة كما هو ظاهر الآية (1) و حينئذ يكون كالشراء مع النقيصة الذي حكمه أنه يجب عليه استرجاع مال الطفل مع التمكن، و إلا غرم للطفل ماله، و أخذ ما بيده له مقاصة، و لو كانت المصلحة في المقاصة للطفل اعتبرها له، لأنه عوض ماله، و غرم الباقي له، لكن في وجوب ذلك عليه إشكال، أقواه العدم.

و لو كان أول الشراء ناقصا ثم زاد بعد ذلك فالظاهر البقاء على الفساد، و قد

____________

(1) سورة الأنعام- الآية 153.

23

يحتمل انكشاف الصحة قهرا أو مع تجديد الإجازة فيدخل في ملك الطفل لمصادفته المصلحة واقعا، لكنه لا يخلو من ضعف، كما أن الظاهر- فيما إذا كان أول الشراء فيه ربح فنقص بعد ذلك- البقاء على الصحة، فتكون النقيصة حينئذ على الطفل، و قد يحتمل انكشاف الفساد، لكنه أيضا لا يخلو من ضعف كالسابق.

هذا كله إذا كان المتصرف الولي، أما إذا كان غير ولي و قد اشترى بعين مال الطفل بعنوان أنه له و كان فيه ربح فالضوابط تقتضي أنه فضولي لا يدخل في ملك الطفل حتى يجيز الولي، و الظاهر عدم وجوب الإجازة عليه، لأصالة براءة ذمته من وجوب التكسب عليه، لكن ظاهر المصنف و غيره كونه كالولي في الحكم، و ربما استدل له بإطلاق النصوص السابقة، لكن قد يمنع شمولها لغير الولي، خصوصاً مع اشتمالها على ما يقتضي رفع الضمان إذا كان للعامل مال، و هو لا يتم إلا في الولي، ضرورة ضمان غيره على كل حال، لعدم جواز التصرف له، و من ذلك يظهر لك أن دعوى وجوب إجازة الولي الحقيقي لمثل هذا التصرف إذا صادف المصلحة لا شاهد لها، كما أنه مما قدمنا سابقا يظهر لك أنه لا وجه للتوقف في الصحة مع إجازة الولي، لما عرفت من أن قصد النفس غير قادح.

و أما الزكاة فنفيها عن الولي و إن كان قد قصد الشراء لنفسه متجه، لعدم سلامة الربح له، و في موثق سماعة (1) «الرجل يكون عنده مال اليتيم يتجر به أ يضمنه؟

قال: نعم، قلت: فعليه زكاة قال: لا، لعمري لا أجمع عليه خصلتين الضمان و الزكاة»

لكنه غير صريح فيما نحن فيه، بل و لا ظاهر، اللهم إلا أن يقال: إنه إن لم يحمل عليه لم يوافق ما هو المعلوم من النص و الفتوى من أن الولي إذا ضمن مال الطفل و اتجر به لنفسه كانت الزكاة عليه، و أنه بهذا المعنى تجتمع الزكاة و الضمان، أما إذا

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب من تجب عليه الزكاة- الحديث 5.

24

حمل على ما نحن فيه من كون الضمان فيه لعدم جواز افتراضه لعدم ملائته أو غيرها و كان الاتجار لنفسه يتجه حينئذ نفي الزكاة عنه، لما عرفت من صيرورة الربح للطفل، فمثل هذا الضمان لا يجتمع مع الزكاة، لكنه كما ترى لا يخلو من تكلف.

و على كل حال فنحن في غنية عنه بالنسبة إلى نفيها عنه من ماله، و أما بالنسبة إلى الطفل فلعل عدم الزكاة حينئذ لعدم قصد التكسب له، و إن صرف الشارع الربح له و ستعرف اشتراط زكاة التجارة بذلك، مضافاً إلى أصالة العدم، ضرورة ظهور ما دل على الاستحباب فيما إذا كانت التجارة له، و لو كان المتصرف غير الولي ثم أجازه فقد عرفت القول بعدم الزكاة فيه أيضاً، و أنه لا فرق بينه و بين الولي الذي لم يجز له التصرف، و علل بعدم قصد الطفل عند الشراء، فيكون قصد الاكتساب له طارئا، و استضعفه في المدارك بأنه على تقدير تسليم الشرط إنما هو قصد الاكتساب عند التملك و هو هنا حاصل بناء على ما هو الظاهر من أن الإجازة ناقلة لا كاشفة، ثم حكى عن الشهيدين و المحقق الثاني استحباب إخراج الزكاة من مال الطفل في كل موضع يقع الشراء للطفل و نفى البأس عنه.

قلت: لعل الظاهر ذلك و إن قلنا إن الإجازة كاشفة بناء على ما هو الصحيح من معنى الكشف، فيكفي حينئذ في قصد التكسب للطفل إجازة الولي ذلك الشراء له، و أولى من ذلك ما لو وقع الشراء فضوليا للطفل من أول الأمر فأجازه، فإنه لا إشكال في كونه اتجارا بمال الطفل، فيندرج حينئذ في الأدلة السابقة، لكن الانصاف عدم ترك الاحتياط في كل مقام يقع فيه الاشتباه، لما عرفت من أن الحكم استحبابي لا إيجابي، و الله أعلم.

[في استحباب الزكاة في غلات الطفل و مواشيه]

و كيف كان ف تستحب الزكاة في غلات الطفل و مواشيه كما صرح به

25

الفاضل و الشهيدان و الكركي و غيرهم على ما حكي عن بعضهم و قيل: تجب و القائل الشيخان و بنو زهرة و سعيد و حمزة و التقي و القاضي على ما حكي عنهم، بل حكاه غير واحد عن الشيخين و أتباعهما، بل عن ناصريات المرتضى ذهب أكثر أصحابنا إلى أن الإمام يأخذ الصدقة من زرع الطفل و ضرعه، و الأقوى عدم الوجوب، كما هو المشهور نقلا و تحصيلا، بل لعل عليه عامة المتأخرين، بل عن تلخيص الخلاف نسبته إلى أصحابنا بل عن كشف الحق ذهبت الإمامية إلى أن الزكاة لا تجب على الطفل و المجنون، للأصل و إطلاق النصوص (1) المستفيضة غاية الاستفاضة نفي الزكاة عن مال اليتيم الشامل للفرض و خصوص موثق أبي بصير (2) السابق في الغلات الذي لا وجه لحمل النفي فيه على إرادة بيان النفي عن جميع الغلات التي منها ما لا تجب الزكاة فيه، ضرورة عدم قابليته لذلك، لاشتماله على النخل، مع أنه لا وجه معتد به لاختصاص الطفل حينئذ به، و المناقشة في سنده لو سلمت مدفوعة بالانجبار بالشهرة، كل ذلك مع عدم دليل للوجوب سوى خطابات الوضع التي يمكن منع سوقها لبيان الأعم من المكلف و المكلف به، و لو سلم فلا صراحة فيها بالوجوب، ضرورة صدقها مع الندب، و لو سلم فهي ظاهرة في المالك الكامل، ضرورة أنها تكليف، و التكليف مشروط بالكمال، لرفع القلم عن الصبي و المجنون، فالمراد حينئذ منها وجوب الزكاة في الأعيان على من له أهلية التكليف، و صرف ذلك إلى الولي و إن كان ممكنا إلا أنه خلاف الظاهر من هذه النصوص المنساق منها إرادة المالك، و لو أغضي عن ذلك كله و سلم عمومها للكامل و غيره فالتعارض بينها و بين الإطلاقات السابقة من وجه، و لا ريب في رجحانها عليها من وجوه، منها الأصل و الشهرة و خبر أبي بصير و وضوح الدلالة، و دعوى ترجيحها عليها بأن المنساق من المال

____________

(1) الوسائل- الباب- 1 و 2 و 3- من أبواب من تجب عليه الزكاة.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب من تجب عليه الزكاة- الحديث 3 و 11.

26

في نصوص النفي الصامت ممنوعة، إذ لا ريب في أن المواشي و الغلات من جملة الأموال بل النعم أكثر أموال العرب، كدعوى ترجيحها ب

صحيح زرارة و محمد بن مسلم عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليهما السلام) (1) «ليس على مال اليتيم في العين و المال الصامت شيء، فأما الغلات فعليها الصدقة واجبة»

الموافق لجمهور العامة، و احتمال إرادة الثبوت من الوجوب الذي لم يثبت كونه حقيقة في المعنى المصطلح كما في المدارك، و إن كان فيه ما فيه، و الذي لم يشتمل على تمام المدعى، و دعوى الإجماع المركب كما عن ابن حمزة يمكن منعها كما ترى، فلا محيص للفقيه عن حمله على الندب حينئذ كما صرح به من عرفت، إلا أنه قد صرح به أيضا في المواشي، و لم نعرف له دليلا سوى دعوى الإجماع المركب على مساواة حكمها للغلات وجوبا أو ندبا، و دون ثبوتها خرط القتاد، خصوصا في نحو المقام الذي لا يتسامح في دليل الندب فيه باعتبار معارضته بدليل حرمة التصرف و خصوصا مع عدم تعرض كثير للندب فيهما معا، بل ربما ظهر من بعض من نفي الوجوب كابن إدريس الحرمة، و به جزم العلامة الطباطبائي في مصابيحه بعد أن ادعى عدم التصريح به قبل الفاضلين، بل ربما كان ظاهر من تقدمهم كالصدوقين و المرتضى و ابن أبي عقيل و غيرهم نفي الندب أيضا، و من ذلك يعلم حينئذ ما في عبارة النافع في الغلات من أن الأحوط الوجوب، فتأمل.

و كيف قلنا فالتكليف بالإخراج يتناول الوالي عليه لأنه هو الذي له ولاية التصرف في ماله، و لظهور بعض النصوص (2) السابقة في خطابه بذلك، فليس حينئذ للطفل الإخراج بدون إذنه و إن قلنا بشرعية عباداته، و لا لغيره، لكن عن مجمع

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب من تجب عليه الزكاة- الحديث 2 و فيه «الدين» بدل «العين».

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب من تجب عليه الزكاة- الحديث 3.

27

البرهان أنه على تقدير عدم حضور الولي يمكن التوقف حتى يوجد أو يبلغ الطفل فيقضي و يحتمل جواز الأخذ لآحاد العدول و المستحقين، قلت: لعل وجهه أن هذا الاستحباب ليس تكليفا محضا بل له جهة تعلق بالمال حينئذ، إلا أنه ينبغي أن يكون المتولي لأخذ ذلك الحاكم مع غيبة الولي، بل و مع امتناعه في وجه، و قد سمعت ما حكاه المرتضى عن أكثر أصحابنا.

و كيف كان فلو تعدد الأولياء جاز لكل واحد منهم، فإن تشاحوا و أمكن التوزيع ففي كشف الأستاذ وزع عليهما، قلت: يمكن أن يقدم من تمكن منهم من المال إذ ليس للآخر قهره و منعه، و في الدروس و يتولى الولي الإخراج، فيضمن لو أهمل مع القدرة في ماله وجوبا أو ندبا لا في مال الطفل، و لولا أن الحكم استحبابي اتجه مطالبته بدليل الضمان في ماله في الندب، كالذي في كشف الأستاذ من أنه إن أتلفا أي الطفل و المجنون شيئا منها مع تفريط الولي كان الضمان عليه، و مع عدمه يكون الضمان عليهما، فيؤدي الولي العوض من مالهما أي و لو على الندب، و قال فيه أيضا: «إذا بلغ الطفل لم يمكنه الولي من دفع زكاته حتى يأنس منه الرشد بالاختبار لأحواله بالتصرف بأمواله» و فيه أنه لا بأس بدفعه من حيث أنه دفع، لكونه مكلفا، و عبادته صحيحة بل لعل الأولى مباشرته لذلك، لأنه هو المخاطب، نعم ينبغي اطلاع الولي على المدفوع إليه، فحينئذ لو دفع شيئا إلى الفقير الجامع للشرائط على وجه التقرب لم يحتج إلى احتساب الولي عليه، و إن كان هو أحوط مع بقاء العين و تلفها، نعم لو سلمها إلى غير الجامع فتلفت في يده كان الضمان عليه، لعدم جواز تناوله منه بدون إذن الولي، فلا غرور منه.

ثم إن ظاهر النص و الفتوى كون الطفل المولود، فلا يدخل الحمل في شيء من الأحكام السابقة، بل لعل قوله تعالى (1) «نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا» ظاهر في عدم صدقه

____________

(1) سورة الحج- الآية 5.

28

على الحمل كما هو مقتضى العرف أيضا، و أولى من ذلك لفظ اليتيم، و دعوى التنقيح ممنوعة، فالأصل حينئذ بحاله، فما عن بعضهم من احتمال دخول الحمل في الحكم- بل ربما مال اليه بعض الناس، بل تردد فيه في البيان، ثم استقرب أنه مراعي بالانفصال حيا، بل في شرح اللمعة للاصبهاني التحقيق إن لم يثبت الإجماع المنقول في الإيضاح تعميم الحكم له إن كان المستند العمومات، و إلا بني الحكم على دخوله في مفهوم اليتيم- واضح الفساد، بل الأخير لم يأت بشيء فضلا عن أن يكون تحقيقا، فلا ريب في أن التحقيق ما ذكرنا، خصوصا و ملكه مراعى بسقوطه حيا، و من هنا قطع في المحكي عن التذكرة بالعدم، لعدم التكليف، و عدم الوثوق بحياته و وجوده، بل عن الإيضاح أن إجماع أصحابنا على أنه قبل انفصال الحمل لا زكاة في ماله كالميراث لا وجوبا و لا غيره، و إنما يثبت وجوبا على القول به و استحبابا على المختار بعد الانفصال.

[في عدم الزكاة في مال المجنون]

هذا كله في الصغير و قيل و القائل الأكثر بل المشهور حكم المجنون حكم الطفل في جميع ما تقدم، لكن إن لم يكن إجماعا كما عساه يظهر من بعضهم أشكل إثبات ذلك، لعدم دليل معتد به على هذه التسوية إلا مصادرات لا ينبغي للفقيه الركون إليها، و من هنا قال المصنف و تبعه غيره كثاني المحققين و الشهيدين و أبي العباس و القطيفي و الميسي و غيرهم على ما حكي عن بعضهم الأصح أنه لا زكاة في ماله للأصل إلا في الصامت إذا اتجر له الولي استحبابا للنص،

قال عبد الرحمن بن الحجاج (1) «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): امرأة من أهلنا مختلطة أ عليها زكاة؟ فقال: إن كان عمل به فعليها الزكاة، و إن كان لم يعمل به فلا»

و قال موسى بن بكر (2): «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن امرأة مصابة و لها مال في يد أخيها هل عليه زكاة؟ فقال:

إن كان أخوها يتجر به فعليه زكاة»

هذا، و قد أطلق المصنف المجنون كغيره من

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من أبواب من تجب عليه الزكاة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 3- من أبواب من تجب عليه الزكاة- الحديث 2.

29

الأصحاب، بل قيل: إنهم كذلك من المفيد إلى الفاضل من دون تعرض للمطبق منه و الأدواري، بل صرح الفاضل منهم في تذكرته و المحكي من نهايته بأنه لو كان الجنون يعتوره أدوارا اشترط الكمال طول الحول، فلو جن في أثنائه سقط و استأنف من حين عوده، بل فيهما أن حكم المغمى عليه حكم المجنون، نعم في التذكرة منهما أنها تجب على الساهي و النائم و المغفل، لكن اعترضه في المدارك بأنه إنما تسقط الزكاة عن المجنون المطبق أما ذو الأدوار فالأقرب تعلق الوجوب به في حال الإفاقة، إذ لا مانع من توجه الخطاب إليه في تلك الحال، و أن في الفرق بين النوم و الإغماء نظرا، لأنه إن أريد عدم أهلية المغمى عليه للتكليف فمسلم، لكن النائم كذلك، و إن أريد كون الإغماء مقتضيا لانقطاع الحول و سقوط الزكاة كما ذكره في ذي الأدوار طولب بدليله، فالمتجه مساواة الإغماء للنوم في تحقق التكليف بالزكاة بعد زوالهما كما في غيرهما من التكاليف، و عدم انقطاع الحول بعروض ذلك في الأثناء، و كأنه أشار إليه بقوله في محكي الذخيرة و الكفاية في ذي الأدوار خلاف، و في المغمى عليه خلاف، و الظاهر مساواة الإغماء للنوم، لأنا لم نجد خلافا من غيره في الأول كما اعترف به الأستاذ الأكبر في المحكي من حاشيته على الذخيرة، قال عند قوله في الأدواري خلاف: لم نجد خلافا من الفقهاء في ذلك، و مجرد المناقشة من بعض المتأخرين لا يجعله محل خلاف، لأن الفقهاء ذكروا الشرائط و جعلوا استمرارها طول الحول شرطا، مع أنك عرفت أن حول الحول شرط و أن الحول زمن التكليف، مع أن عدم المانع لا يكفي بل لا بد من المقتضي، لأن الأصل البراءة و العدم، و لم نجد عموما لغويا يشمل هذا الفرد النادر غاية الندرة، إذ في سني و قد بلغت الستين ما رأيته و لا سمعت أن أحدا رآه أو سمع أن أحدا رآه، على أنه لا يصير حال غير المكلف أسوأ، و أن عدم التكليف لا يصير منشئا للتكليف، و إن قال: لا بد من أن يكون أول الحول أيضا في حال الإفاقة فقد عرفت أن اعتبار

30

الحول على نهج واحد، و يؤيده أن كلام الفقهاء في الشرائط على نهج واحد، و أن التمكن من التصرف طول الحول شرط، و أن في بعض الأخبار (1) عدم الزكاة على مال المجنون مطلقا من دون تفصيل و استفصال، و البناء على أنه من الأفراد النادرة فلا يشمله يهدم بنيان دليلهم كما عرفت، فتأمل جدا.

قلت: هو كما ذكر بالنسبة إلى الأدواري، أما المغمى عليه فالأقوى فيه ما ذكره في المدارك مؤيدا بعدم استثناء الأصحاب له، بل اقتصارهم على الطفل و المجنون شاهد على خلافه، و كذا السكران، و ربما تسمع فيما يأتي زيادة تحقيق لذلك إن شاء الله، كما أنه قد مر في الصبي ما يؤيده، فلاحظ و تأمل، و الله أعلم.

[في عدم وجوب الزكاة في مال المملوك]

و المملوك لا تجب عليه الزكاة عند أصحابنا في المحكي عن المنتهى و بإجماع العلماء، و لا نعلم فيه خلافا إلا عن عطا و أبي ثور كما في التذكرة، للأصل و الحجر عليه مع عدم الاذن بناء على منعها به، و الحسن كالصحيح (2) عن الصادق (عليه السلام) «ليس في مال المملوك شيء و لو كان له ألف ألف، و لو احتاج لم يعط من الزكاة شيئا»

و الصحيح (3) عنه (عليه السلام) أيضا «سأله رجل و أنا حاضر في مال المملوك أ عليه زكاة؟ قال: لا و لو كان له ألف ألف درهم»

و الموثق (4) عنه (عليه السلام) أيضا «ما تقول في رجل يهب لعبده ألف درهم أو أقل أو أكثر فيقول: أحللني من ضربي إياك أو من كل ما كان مني إليك أو مما أخفتك و أرهبتك فيحلله و يجعله في حل رغبة فيما أعطاه، ثم إن المولى بعد أصاب الدراهم التي أعطاها في موضع قد وضعها فيه فأخذها فحلال هي؟ قال: لا، فقلت: أ ليس العبد و ماله لمولاه؟ فقال: ليس هذا ذاك

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من أبواب من تجب عليه الزكاة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 4- من أبواب من تجب عليه الزكاة- الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 4- من أبواب من تجب عليه الزكاة- الحديث 3.

(4) التهذيب ج 8 ص 225- الرقم 808 مع نقصان يسير فيه.

31

ثم قال: فليردها له، فإنها لا تحل له، فإنه افتدى نفسه من العبد مخافة العقوبة و القصاص يوم القيامة، فقلت: فعلى العبد أن يزكيها إذا حال الحول قال: لا إلا أن يعمل له بها و لا يعطى العبد من الزكاة شيئا»

و غير ذلك.

بل المتجه عدمها عليه سواء قلنا يملك أو أحلنا ذلك كما هو المشهور نقلا و تحصيلا، لأن خطابه بها مناف لعدم قدرته على شيء، و خطاب السيد بها بعد أن لم يثبت ولايته شرعا في أمثال ذلك لا دليل عليه، و لإطلاق النصوص المزبورة و محكي الإجماع المعتضد بفتاوى الأصحاب التي لا وجه معتد به لدعوى ابتنائها على عدم الملك ضرورة كونه حينئذ من بيان الواضحات، و إن كان التحقيق عدم ابتنائها على ذلك، و لا على الملك، بل على أن المراد بيان مانعية الملك للزكاة مع قطع النظر عن ذلك، كما يومي اليه ما في الصحيح (1) و الموثق (2) مما هو كالتعليل لعدم الزكاة عليه من أنه لا يعطى من الزكاة شيئا، فما في المعتبر و محكي المنتهى و إيضاح النافع من وجوب الزكاة على تقدير الملك واضح الضعف، بل هو مناف لما ذكروه من عدم الزكاة على المكاتب مع الملكية، فالتحقيق عدم الزكاة عليه مطلقا حتى لو رفع الحجر عنه مولاه و صرفه للإطلاق المزبور، بل هو كصريح الموثق، فما عن القطيفي و الأردبيلي من الزكاة عليه حينئذ فيه ما لا يخفي، و الخطابات الوضعية على فرض شمولها للمقام لا تصلح لمعارضة ما هنا من وجوه.

و من ذلك يظهر لك الوجه في قول المصنف و لو ملكه سيده مالا و صرفه فيه لم تجب عليه الزكاة بناء على إرادة المملوك من الضمير المجرور بالحرف و قيل:

يملك و تجب عليه الزكاة لإطلاق خطاب الوضع الذي قد عرفت رجحان ما هنا عليه

____________

(1) الوسائل- الباب- 4- من أبواب من تجب عليه الزكاة- الحديث 1.

(2) التهذيب ج 8 ص 225- الرقم 808.

32

من وجوه، على أنه لم نعرف القائل به، بل و لا القائل بالزكاة على المملوك مع كونه مالكا في غيره أيضا سوى ما استظهر من الوسيلة، حيث أنه لم يذكر الحرية هنا من الشرائط منضما إلى ما يظهر منها في باب العتق من الملكية، و لا ريب في ضعفه على تقديره.

و قيل و القائل المشهور: إنه لا يملك و الزكاة على مولاه فيه و في كل ما في يد العبد مما هو ملك للسيد، بل عن المنتهى نسبته إلى أصحابنا مشعرا بدعوى الإجماع عليه، لكن في صحيح ابن سنان (1) «قلت للصادق (عليه السلام): مملوك في يده مال عليه زكاة قال: لا، قلت: فعلى سيده قال: لا، لأنه لم يصل إلى السيد و ليس هو للمملوك»

الذي قيل معناه على تقدير الملكية أنه لم يصل إلى السيد و الحال أنه ليس للمملوك، إذ

قوله (عليه السلام): «ليس هو للمملوك»

ليس كلاما مستأنفا و علة لعدم الزكاة على المملوك، إذ لو كان كذلك لذكر عقيب قوله: «لا» بل هو تتمة عدم الزكاة على السيد، فيصير المعنى أنه وصل إلى السيد و الحال أنه لمملوكه، فمعنى وصوله إلى السيد أن يد مملوكه يده، و الحال أنه ملك للعبد، و أما على تقدير عدم الملكية فواضح، لأن من المعلوم أن يده ليس يد مالكية، فما في يده يكون في يد مولاه قطعا، فكيف يقول لم يصل اليه، فلا بد أن يكون المراد أنه لم يصل اليه وصولا تاما، بل وصل اليه و هو للعبد، بمعنى أنه مختص به و منتفع به و حاله حال المال المعد للضيافة الذي لا يسع صاحبه المنع عن أكله، لمنافاته المروة، فهو حينئذ غير متمكن من التصرف فيه، و فيه تنبيه على أنه لا ينبغي أخذه منه، بل لو جعل

قوله (عليه السلام): «ليس هو للمملوك»

علة لعدم الزكاة على العبد كان المراد من عدم وصوله إلى السيد عدم انتفاعه و هو معلوم، مؤيدا ذلك كله بخلو النصوص السابقة النافية للزكاة على المملوك

____________

(1) الوسائل- الباب- 4- من أبواب من تجب عليه الزكاة- الحديث 4.

33

عن بيان أنها على السيد، و بالأصل و بغير ذلك، و ظهور الإجماع السابق ممنوع، إذ لم يتعرض للمسألة إلا بعض.

بل قد يستظهر تحمل عبارة المتن عدم وجوبها على السيد مع القول بعدم الملكية حتى يكون مقابلا لما حكاه أخيرا بلفظ القيل، و فيه أن الصحيح المزبور لا يعارض الإجماع القطعي على وجوبها على البالغ العاقل المالك المتمكن من التصرف، و هو الشاهد على صحة إجماع المنتهى، فلا بد حينئذ من حمله على ما إذا كان المال في يد العبد و لم يتمكن المولى من التصرف فيه لغيبة أو امتناع أو عدم العلم به أو نحو ذلك مما هو مسقط للزكاة في غيره من الأموال، و دعوى أن كل ما في يد العبد كذلك محل منع، كما أنه لا بد من حمل إطلاق النصوص السابقة على نفي الزكاة عليه لا على ما يشمل السيد، نعم يتجه سقوطها عن المولى بناء على ملكية العبد، لانتفاء ملكه و قدرته على الانتزاع، بل و التملك لا توجب الزكاة فتسقط عنه حينئذ لذلك، و عن العبد لما عرفت، و بناء على وجوب الزكاة عليه على تقدير الملك أو مع رفع الحجر عنه فلا يبعد خطاب العبد بها لظاهر الأدلة، و ربما احتمل كون المخاطب المولى كولي المجنون و اليتيم، لكونه محجورا عليه في التصرف، و فيه ضعف، و على كل حال فالمتجه وجوبها على المولى بناء على عدم ملكية العبد، و ربما كان في الصحيح المزبور دلالة عليه إذا وصل إلى يد السيد، بل في المروي (1) عن قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن عن جده علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) «ليس على المملوك زكاة إلا بإذن مواليه»

دلالة عليه بناء على إرادة التوكيل له في الإخراج من الاذن فيه، و الله أعلم.

و قد ظهر لك مما ذكرنا عدم الفرق في المملوك بين القن و المدبر و أم الولد بل و كذا المكاتب المشروط عليه و المطلق الذي لم يؤد شيئا، ضرورة صدق المملوك

____________

(1) الوسائل- الباب- 4- من أبواب من تجب عليه الزكاة- الحديث 2.

34

المنفي عنه الزكاة في النصوص السابقة على الجميع، و ملكية المكاتب لما يكسبه لا تنافي اندراجه فيه، خصوصا بعد ما عرفت من عدم الزكاة على غيره من أفراد المملوك على القول بملكيته، للإطلاق المزبور، مضافا إلى ما في التذكرة «المكاتب لا زكاة عليه إذا لم ينعتق بعضه، سواء كان مشروطاً أو مطلقاً لم يؤد شيئاً في الذي كسبه و لا عشر أرضه عند علمائنا» بل عن المنتهى أنه قول العلماء عدا أبي حنيفة و أبي ثور، و إلى

خبر أبي البختري (1) عن الصادق (عليه السلام) «ليس في مال المكاتب زكاة»

الظاهر في نفيها حتى عن السيد أيضا، و هو كذلك بناء على أن المال ملك للعبد دون السيد إلا إذا عجز، فينكشف ملكه أو يحصل حينئذ، إذ لا وجه لكون زكاته حينئذ على السيد حتى على الكشف، لعدم التمكن منه قبل العجز، بل و على أن المال ملك له دون العبد، فيزول عنه بعدم العجز، أو ينكشف عدم ملكه له، لإطلاق النص المزبور المنجبر بما عرفت، و لعدم تمكنه منه قبل العجز، إذ ليس له انتزاعه من يد العبد و منعه من التصرف فيه، و بذلك افترق مال المكاتب عن غيره على القول بأن الجميع ملك للسيد في الزكاة على السيد و عدمها، هذا، و لكن في المدارك نوع ميل إلى الزكاة على المكاتب تبعا للمحكي عن شيخه، استضعافا للرواية، و لا يخفى عليك ما فيه.

و لو كان المكاتب مطلقا و تحرر منه شيء وجبت عليه الزكاة في نصيبه إذا بلغ نصابا بلا خلاف أجده: بل عن الحدائق أنه محل اتفاق، لوجود المقتضي و ارتفاع المانع، و دعوى الاندراج في اسم المملوك مع قلة الجزء ممنوعة، و لو سلم فمبناها التسامح العرفي الذي لا يبنى عليه الحكم الشرعي، و ربما ظهر من المفاتيح نوع توقف في أصل الحكم حيث قال: و المبعض يزكي بالنسبة كذا قالوه، هذا، و في كشف الأستاذ «أنه أي العبد كما لا يجوز له الإعطاء لا يجوز له القبول إلا بإذن سيده سابقا أو

____________

(1) الوسائل- الباب- 4- من أبواب من تجب عليه الزكاة- الحديث 5.

35

لاحقا، فإذا قبل كان للسيد و إن كان مأذونا في القبض لنفسه على أصح الوجهين، فيشترط قابلية المولى لأخذها، و لو كان في سبيل الله لا بقصد الملك لم يدخل في ملك المولى، و لو كان مشتركا فان كان مأذونا ملك كل واحد من الموليين من المال بنسبة حصته، و إن كان وكيلا كان بينهم بالسوية، و إن اختلفوا في الاستحقاق و عدمه ملك المستحق مقدار حصته دون غيره» و فيه من الاشكال ما لا يخفى إذا لم يكن قد قصد الدافع السيد، و لا كان العبد وكيلا عنه، خصوصا بعد ما سمعت من نفي إعطائه من الزكاة في الخبرين السابقين (1) و حمله على ما إذا لم يأذن السيد أو على أن المراد بحيث يملكها هو لا شاهد عليه و لا داعي له، فتأمل جيدا.

ثم إن الكلام في اشتراط استمرار الحرية من مبدأ الحول إلى حين التعلق فيما يعتبر فيه الحول و حصولها قبل التعلق مستمرا إلى حينه في غيره هو الكلام في البلوغ و العقل، و الله أعلم.

[في اعتبار تمامية الملك في الزكاة]

و كيف كان ف الملك شرط في الأجناس كلها إجماعا في المحكي عن نهاية الأحكام، بل باتفاق العلماء كما عن المعتبر، بل كافة كما عن المنتهى، و لا ينبغي التأمل فيه إذا أريد عدمها في المباح و نحوه من غير المملوك، للأصل السالم عن معارضة إطلاق الأدلة المنصرف إلى غيره، بل الظاهر ذلك فيما كان الملك فيه بالجهة العامة كالمملوك للفقراء و العلماء و نحوهم، لكن ظاهر ما ذكروه من التفريع إرادة عدم الزكاة على غير المالك من الأشخاص، و لا بأس به أيضا، و الوجوب على الولي و نحوه باعتبار قيامه مقام المالك.

و إنما الكلام فيما ذكره المصنف و الفاضل و الشهيد من أنه لا بد أن يكون تاما بل أشدهم إشكالا المصنف هنا، لذكره التمكن من التصرف شرطا آخر، بخلافهما

____________

(1) الوسائل- الباب- 4- من أبواب من تجب عليه الزكاة- الحديث 1 و 6.

36

في البيان و القواعد، فإن الأول قد ذكر التمام خاصة، ثم قال: و النقص بالمنع من التصرف، و الموانع ثلاثة: أحدهما الشرع كالوقف و منذور الصدقة و الرهن غير المقدور على فكه، ثم ذكر فروعا في البين، و قال: المانع الثاني القهر، فلا تجب في المغصوب و المسروق إلى آخره، الثالث الغيبة، فلا زكاة في الموروث حتى يصل إليه أو إلى وكيله و لا في الضال و المدفون مع جهل موضعه إلى آخر كلامه، و قال في الثاني: الرابع كمالية الملك، و أسباب النقص ثلاثة: الأول منع التصرف، فلا تجب في المغصوب و لا الضال و لا المجحود بغير بينة إلى آخره، الثاني تسلط الغير عليه، فلا تجب في المرهون و إن كان في يده، و لا الوقف لعدم الاختصاص، و لا منذور التصدق به، إلى آخره، الثالث عدم قرار الملك، فلو وهب له نصاب لم يجر في الحول إلا بعد القبول و القبض و لو أوصي له اعتبر الحول بعد الوفاة و القبول، إلى آخره، و إن أمكن مناقشتهما من وجه آخر، أما المصنف و من عبر كتعبيره فقد يشكل بأنه إن أريد به عدم تزلزل الملك كما ذكره بعض المحققين لم يتفرع عليه جريان المبيع المشتمل على خيار في الحول من حين العقد، و لا جريان الموهوب فيه بعد القبض، و إن أريد به كون المالك متمكنا من التصرف في النصاب كما عن المعتبر الإيماء اليه لم يتجه هنا لتصريح المصنف به بعد ذلك و إن أريد به حصول تمام السبب المقتضي للملك كما عن بعضهم لم يكن فيه زيادة على اعتبار الملك، اللهم إلا أن يقال: إن المراد به عدم نقص الملك لا من حيث عدم التمكن من التصرف بل من جهة مانع آخر كالغنيمة و النذر و نحوهما، و عدم التمكن من التصرف قد يجامع تمام الملك كما في المغصوب و المفقود و نحوهما فلا يجتزى به عنه، كما أنه لا يجتزى بالعكس من حيث انسياق إرادة إخراج مثل الغصب و نحوه مما هو تام الملك من التمكن من التصرف، ضرورة انسياق التام من الملك فناسب حينئذ الجمع بينهما و الأمر سهل بعد ذكر التحقيق في كل ما فرعوه في المقام، فان المتبع الدليل لا التعبير،

37

إذ ليس في شيء مما عثرنا عليه من النصوص لفظ التمامية، بل و لا لفظ التمكن.

[في حكم ما لو وهب لشخص نصاب]

ف نقول لو وهب له نصاب لم يجر في الحول إلا بعد القبض بلا خلاف أجده فيه بناء على عدم حصول الملك قبله، كما أنه لا خلاف في جريانه فيه بعده من حينه، و الوجه فيهما معا واضح، ضرورة عدم تناول خطاب الزكاة له في الأول، لعدم الملك و عدم جواز التصرف له فيه، بخلاف الثاني، فإن جميع الأدلة شاملة له، و تسلط الواهب على الفسخ في بعض الأحوال غير مانع من تمامية الملك، فلا يشك في شمول الأدلة له حينئذ، كما أنه لا يشك في شمولها للواهب في الأول، لعدم الخروج عن الملك فتجب الزكاة عليه حينئذ، نعم قد يتجه وجوب الزكاة قبل القبض بناء على اعتباره في اللزوم دون الملك، إلا أنه يعتبر حينئذ التمكن منه بناء على اشتراطه كما ستعرف، هذا، و في المسالك «لا فرق في توقف جريان الموهوب في الحول على القبض بين أن نقول: إنه ناقل أو أنه كاشف عن سبقه بالعقد، لمنع المتهب من التصرف في الموهوب قبل القبض على التقديرين» و في المدارك «أنه غير جيد، لأن هذا الخلاف غير واقع في الهبة» و في مفتاح الكرامة «و لقد تتبعت فوجدت الأمر كما ذكره في المدارك لكن لم أسبغ التتبع» قلت: قال في شرح الأستاذ: إن القبض على القول بكونه شرطا للزوم في الهبة يكون شرطا لتمامية الملك حينئذ، إذ ليس معناه أنه بمجرد الهبة ينتقل الموهوب إلى المتهب، إذ الهبة من العقود الجائزة قطعا، و ليس القبض من ملزماتها جزما، إذ بعد القبض يجوز عند الكل رجوع الواهب إلا المواضع الخاصة التي ذكروها و عينوها، و لم يجعل أحد ممن له فهم مجرد القبض من الملزمات بلا شك و لا شبهة، و لا يخفى على من له أدنى درية، و صرح المحققون بأن مرادهم من كون القبض شرطا في اللزوم في الهبة ليس المعنى المعروف لما عرفت من وجهه، بل قالوا: معناه أن العقد يوجب ملكيته

38

مراعاة تتحقق بالقبض، فان تحقق اعتبر (أثمر خ ل) من حين العقد، و صرحوا أيضا بأن الإجماع واقع على أنه ما لم يتحقق القبض لا تتحقق الثمرة عند الكل، فجعلوا لمحل النزاع ثمرات خاصة، و لم يجعل أحد كون الثمرة أنه بمجرد العقد تتحقق الملكية التامة، غاية الأمر أنه يجوز له أن يفسخ، و أنه إلى حين الفسخ كان ملكا تاما للمتهب، و أن القبض رفع جواز الفسخ، فيكون الهبة حينئذ من العقود اللازمة، إذ لا شك في كونه فاسدا، و هو صريح فيما ذكره في المسالك، إلا أنه لا يخفى عليك عدم ثمرة معتد بها هنا في تحقيق ذلك، و من هنا كان تأخير الأمر إلى محله أليق.

و لو رجع الواهب قبل الحول سقطت الزكاة قولا واحدا كما عن المنتهى الاعتراف به، و إن كان بعد الحول و إمكان الأداء وجبت الزكاة، و لا يضمنها المتهب لجريان استحقاق الفقراء إياها مجرى الإتلاف، بل لم يقيد في محكي المنتهى بإمكان الأداء بخلافه في محكي التذكرة و كشف الالتباس، بل صرحا بأنه لو رجع الواهب قبل إمكان الأداء فلا زكاة على المتهب و لا على الواهب، و إن رجع بعد الحول و إن كان الرجوع قبل الأداء مع التمكن منه قدم حق الفقراء، و لعل إطلاق المنتهى أجود، لعدم اعتبار التمكن من الأداء في الوجوب، و ما لا يعتبر فيه حول الحول كالغلات يشترط في وجوب زكاته على المتهب حصول القبض قبل تعلق الوجوب بالنصاب و لم يرجع به الواهب حتى بلغ محل تعلق الزكاة عنده، فتأمل جيدا، و الله أعلم.

و كذا لو أوصي له اعتبر الحول بعد الوفاة و القبول لأنه وقت انتقال الموصى به إلى ملك الموصى له إن قلنا إن القبول ناقل، و أما على الكشف فهو و إن حصل الملك قبله إلا أنه لم يكن الموصى به اليه عالما به بل و لا متمكنا منه، فلا يجري في الحول أيضا عليه إلا بعده، خصوصا إذا قلنا إن المراد بالكشف أنه بالقبول يحصل الملك سابقا لا أنه يحصل العلم به خاصة و المؤثر للملك غيره، نعم لا يكفي ذلك في الجريان

39

في الحول قبل التمكن منه كما عن جماعة التصريح به، و إطلاق المصنف و غيره اعتماداً على الظهور، و لأن الكلام هنا من حيث شرط تمامية الملك، بل الموروث لا يجري في الحول بموت مورثه، بل من حين التمكن منه و إن كان وقت الانتقال اليه الموت، كما هو واضح.

[في حكم ما لو اشترى نصابا من الحيوان]

و لو اشترى نصابا من الحيوان جرى في الحول من حين العقد لا بعد الثلاثة لأن الانتقال يحصل بالعقد لا بعدها، و خيار المشتري غير منقص للملكية، خلافا للشيخ فبعدها، فلا يجري في الحول إلا بانقضائها و منه يعلم الحال فيما لو شرط البائع أو هما خيارا زائدا على الثلاثة فإنه يبني على القول بانتقال الملك، و الوجه أنه من حين العقد فيجري حينئذ في الحول من حينه، لكن قد يشكل بنقصان الملك بناء على عدم جواز التصرفات المنافية لخيار البائع كالبيع و الهبة و نحوهما، و من هنا قال في فوائد الشرائع: و لقائل أن يقول: أين تمامية الملك و المشتري ممنوع من كثير من التصرفات.

و في المسالك لو شرط البائع أو هما خيارا زائدا على الثلاثة اتجه قول الشيخ أي و إن لم يكن المنشأ ما ذكره من عدم الانتقال، و بنحو ذلك صرح في المدارك و شرح الأستاذ للمفاتيح، و احتمال إرادة من تعرض لذلك الرد على الشيخ ينفيه ملاحظة كلماتهم بل صرح غير واحد بوجوب الزكاة بعد الحول و إن كان الخيار باقيا، بل في المحكي عن الموجز و شرحه أنه لو زاد عن حول و رجع فالزكاة على المشتري، فان أخرج من غيره و إلا أسقط البائع من الثمن مقابل الفريضة.

و مقتضاهما أن ضمان الزكاة على المشتري، و كأنه لاقتضاء الخيار رجوع المبيع تاما أو عوضه، و لذا يرجع عليه بالقيمة لو تلف في يد المشتري و لو من غير تفريط، و يقرب من ذلك ما في المحكي عن التذكرة من أنه إذا أقبض المشتري الثمن عن السلم أو غير المقبوض و حال عليه الحول فالزكاة على البائع، فإن انفسخ العقد لتلف المبيع أو

40

تعذر المسلم فيه وجب رد الثمن، و الزكاة على البائع، ضرورة إجرائه الانفساخ مجرى الفسخ، و على كل حال فملاحظة كلماتهم تنفي الاحتمال المزبور قطعا، بل حملها على منع عدم جواز التصرف للمشتري مع خيار البائع و أن خياره يرجع فسخه لو فسخ إلى القيمة أو إلى نفس التصرف الواقع من المشتري أولى، و إن كان في المسألة بحث ذكرناه في باب الخيار، و إلا كانت المسألة محلا للنظر بناء على اشتراط تمامية الملكية، اللهم إلا أن يمنع عدم تناول أدلة الزكاة لمثل هذا الملك المؤثر تبعية في النماء و غيره، فيتجه حينئذ ما ذكروه، و تعليل اشتراط التمامية بأنه يمتنع عليه الدفع من نفس العين لعدم استقرار ملكه و لا دليل على وجوب الدفع من غيره يدفعه منع عدم جواز الدفع من العين، بل له الدفع، و إذا فسخ البائع كان مضمونا عليه بالقيمة كما لو تلف في يده، فتأمل جيدا فإن المسألة من المشكلات، و لا تحرير لها في كلام الأصحاب، و الله أعلم.

و كذا لو استقرض مالا و عينه باقية جرى في الحول من حين قبضه الذي هو وقت الانتقال كما هو المشهور، لا التصرف كما قيل، و قد ذكرنا ضعفه بما لا مزيد عليه في باب القرض، أو أنه راجع إلى المشهور الذي قد ورد به مع ذلك صحيح يعقوب بن شعيب (1) و حسن زرارة (2) كما أوضحنا ذلك كله مفصلا في باب القرض، فلاحظ، و الله المسدد.

[في عدم جريان الغنيمة في الحول إلا بعد القسمة]

و لا تجري الغنيمة في الحول إلا بعد القسمة لأنها لا تملك بالحيازة، و إنما تملك بها عند المشهور على ما في المسالك، و لا يشكل بأنها حينئذ مال بلا مالك، لا مكان القول بأنها ملك للمسلمين كباقي أموال الكفار، إلا أن الغانمين أحق بها من غيرهم، و ربما يؤيده تصريح غير واحد باختصاص بعض الغانمين بالغنيمة مع إسقاط الباقين

____________

(1) الوسائل- الباب- 7- من أبواب من تجب عليه الزكاة- الحديث 5.

(2) الوسائل- الباب- 7- من أبواب من تجب عليه الزكاة- الحديث 1.

41

و إعراضهم الذي لا يزيل ملك العين لو كان، بل و تصريح الفاضل بأن للإمام قسمتها بينهم قسمة تحكم، لو كانت أجناسا متعددة، فيخص بعضهم ببعضها دون الباقي، لكن قد يناقش بمنع السقوط بالإسقاط، و إنما المصرح به السقوط بالاعراض، و هو يزيل ملك العين، و بمنع أن للإمام القسمة قسمة تحكم، بل ربما ظهر من المحكي عن خلاف الشيخ الإجماع عليه، فإنه بعد أن حكى ذلك عن الشافعي قال: و هو غير صحيح عندنا، لأن له في كل جنس نصيبا، فليس للإمام منعه، على أن الفاضل في المحكي عن منتهاه و تذكرته و نهايته قد صرح بأنهم يملكون بالحيازة، و لكن لم يجر ذلك في الحول لعدم تمامية الملك و ضعفه معللا له بما عرفت في بعضها، بل هو في المنتهى قد صرح بأن الغانمين يملكون أربعة أخماس الغنيمة بالحيازة، فإذا بلغ حصة الواحد منهم نصابا و حال عليه الحول وجبت الزكاة، و هل يتوقف الحول على القسمة؟ الوجه ذلك، لأنه قبل القسمة غير متمكن نحو قوله في المحكي من تحريره: الغانم يملك بالحيازة، و الأقرب ابتداء الحول من القسمة، و ظاهره تمامية الملك و أن المانع عدم التمكن، فلا تنافي عنده بين الملك بالحيازة و قسمة التحكم، و هو كذلك عند التأمل، و كأنه لحظ بما ذكره من تعليل عدم الزكاة مع قوله بالملك بالحيازة التعريض بما في الخلاف، فإنه قال أولا: إنها تجري في الحول من حين الحيازة، ثم قال: و لو قلنا لا تجب الزكاة عليه لأنه غير متمكن من التصرف فيه قبل القسمة لكان قويا، و ظاهره اختيار الأول كالمحكي عن ظاهر المعتبر.

و لكن على كل حال قد ظهر لك من ذلك كله انحصار الخلاف فيهما بعد أن لم يفرقوا جميعهم بين كون الغنيمة جنسا واحدا أو أجناسا مختلفة إلا ما في محكي التحرير، حيث قال: لو قيل بوجوبها في الجنس الواحد دون المتعدد كان وجها، و محكي المنتهى فإنه بعد أن حكى ذلك عن الشافعي قال: و هو قوي، قلت: قد يقال إن المتجه وجوب الزكاة أيضا في المال و إن لم يعين المالك، لإطلاق الأدلة، اللهم إلا أن يدعى

42

قصورها عن تناول مثله.

و كيف كان فالتحقيق عدم الجريان في الحول إلا بعد القسمة بناء على ما سمعته من المسالك، أما على القول بالملك بالحيازة و أنه كباقي الأموال المشتركة كما هو الأقوى لإطلاق ما دل على الملك بالاغتنام من الآية و غيرها فقد يشكل دعوى عدم تناول أدلة الزكاة لمثله لضعفها، بل مقتضى إطلاق الأدلة الشمول حتى لو قلنا بأن للإمام قسمة التحكم ضرورة رجوعها حينئذ إلى أن للإمام التحكم في الملك، فهو مزيل له عند حصوله، أما قبله فالملك متحقق، نعم ينبغي مع ذلك اعتبار التمكن بناء على اشتراطه، و ظاهر المدارك حصوله بالتمكن من القسمة، و ظاهر غيره بل صريحه توقف حصوله على القبض منه أو وكيله أو الإمام من غير فرق بين حالي الحضور و الغيبة، بل في القواعد و البيان و محكي التذكرة و النهاية أنه لا يكفي عزل الامام (عليه السلام) بغير قبض الغانم، و لعله لعدم التمامية بدونه، و لأن له الإعراض حينئذ، نعم لو قبض له الامام صار ملكا له حقيقة، فيجري حينئذ في الحول كما عن جامع المقاصد التصريح به، و قد يشكل بعدم منافاة التسلط على الاعراض التمامية بعد فرض حصول الملك قبله كالخيار.

و لعله لذا قال في المتن و محكي المنتهى و التحرير و الموجز و شرحه: إنه لو عزل الامام قسطا جرى في الحول إن كان صاحبه حاضرا، و إن كان غائبا فعند وصوله اليه و يمكن أن يكون ذلك منهم ليس لحصول تمام الملك بنفس العزل بل المراد القبض عنه مع ذلك، إلا أن الفرق بين الحاضر و الغائب التمكن و عدمه الذي يمكن إرادة الأولين له، فلا يكون في المسألة خلاف من هذه الجهة حينئذ، و تمام التحقيق في هذه المسائل في باب الجهاد إن شاء الله.

[في انقطاع الحول لو نذر أن يتصدق بعين النصاب]

و لو نذر في أثناء الحول الصدقة بعين النصاب تمامه أو بعضه نذرا غير موقت و غير معلق على شرط انقطع الحول بلا خلاف أجده فيه لتعينه للصدقة

43

و عدم جواز التصرف فيه بما ينافي النذر، فيكون ملكه غير تام، فلا تشمله أدلة الزكاة خصوصاً بعد معارضتها بأدلة النذر المفروض تعلقه قبلها، فيرجح عليها قطعا، كما أنه لا خلاف و لا إشكال في تقدمها عليه لو كان بعد تعلقها، فتخرج حينئذ أولا ثم يوفى بالنذر، و أولى من ذلك في سقوط الزكاة ما لو جعله صدقة أو ضحايا كما ذكره غير واحد من الأصحاب بناء على خروجه بذلك عن الملك، بل في المدارك أنه قطع به الأصحاب و إن كان لنا فيه نظر، و الإجماع المحكي عن الإيضاح أن النذر لا يخرج النصاب عن الملك محمول على الصورة الأولى، و على كل حال فوجه الأولوية واضح، إذ يكون النذر حينئذ مانعا للسبب الذي هو الملك، بخلاف الأول، فإنه مانع الشرط، و هو التمكن و إن كان مملوكا.

و لو نذر الصدقة بعين النصاب نذرا موقتا بما قبل الحول و وفى بالنذر فلا إشكال كما إذا لم يف و قلنا بوجوب القضاء، و إلا ففي شرح اللمعة للاصبهاني وجبت الزكاة بلا شبهة، و فيه أن الحول قد انقطع بمجرد النذر الذي قد عصى به، نعم ينبغي استئناف حول من حين العصيان.

و لو وقته بما بعد الحول ففيه أيضا أنه إن كان الوجوب لا يتعلق إلا بإتيانه احتمل وجوب الزكاة ثم التصدق بالباقي إذا أتى الوقت، و عدم وجوب الزكاة نظرا إلى نقص الملكية و التصرف، و إن كان يتعلق بمجرد صيغة النذر تعين العدم، لما قلناه و على الأول إن أخر أداء الزكاة إلى وقت التصدق بالمنذور فيه كان أحوط، و فيه بعد الإغضاء عما في ذيله أنه لا ينبغي التأمل في تعلق النذر به حال الصيغة بالصدقة به في ذلك الوقت، و عليه يبنى عدم جواز إتلافه قبل الوقت، و ليس هو كالواجب الموقت في جواز إتلاف مقدماته قبل الوقت لو قلنا به، لعدم الوجوب، كما لا يخفى على من لاحظ العرف، بل ينبغي الجزم بالسقوط عند من قال به في المعلق على الشرط المحتمل،

44

ضرورة كون الفرض من المقطوع به لا المحتمل، فتردده في غير محله، و كذا ما فيه أيضا من أنه إن كان النذر في الحول و تعلق ببعض لا يدخله شيء من القدر الواجب في الزكاة و كان مطلقا غير موقت فقد قطع الشيخ في الخلاف و المحقق في المعتبر بالعدم، قال الشيخ: لزوال الملك، و قال المحقق: لنقصه، و لعله المراد بالأول، و فيه ما عرفت إلا أني لم أظفر فيه بخلاف أو تردد من أحد، و إن كان موقتا بما بعد الحول و قلنا يتعلق بمجرد النذر أو بما قبله و لم يف به و أوجبنا عليه القضاء كان يحكم المطلق، و إن و في فلا إشكال، إذ فيه ما لا يخفى بعد فرض كون متعلق النذر البعض الذي لم يدخله شيء من القدر الواجب، نعم هو كذلك في البعض الزكوي، و لعله المراد، إلا أن النسخة غير سليمة من الغلط، خصوصا و قد ذكر قبل ذلك أنه إن تعلق النذر ببعض خارج عن القدر الواجب إخراجه في الزكاة لزمه الأمران، لكن قد ينافيه أنه حينئذ لا وجه لتردده فيما حكاه عن قطع الشيخ و المصنف، ضرورة كون الوجه فيه كالكل، فتأمل جيدا.

هذا كله في غير المعلق على شرط، أما هو فعن نهاية الأحكام احتمال الوجوب إذا حال الحول قبل الشرط، لأنه مال مملوك حال عليه الحول، و عدمه لمنعه من التصرف فيه، و هو الأقوى كما في محكي الإيضاح و الموجز و الكشف و جامع المقاصد و ظاهر القواعد و اللمعة و محكي التذكرة التردد، و كأنه لما سمعته من النهاية، و يمكن أن يكون للتردد في المنع من جواز التصرف في المنذور المعلق على شرط، إذ المحكي عن ثاني الشهيدين في باب العتق جواز التصرف، و لعله لأصالة عدم الشرط، و استصحاب الجواز السابق و نحو ذلك، و التحقيق يأتي في محله إن شاء الله تعالى، و عن ابن المتوج أنه إن حصل الشرط قبل الحول سقط، و بعده لا يسقط، و إن حصلا معا أخرج الزكاة و تصدق بالباقي، و لقائل أن يقول: إنه لا وجه للتردد بعد البناء على عدم جواز

45

التصرف له بما ينافي النذر، و إن التمكن من التصرف شرط في وجوب الزكاة، إذ هو حينئذ كالنذر المطلق، فينبغي حينئذ الجزم بالسقوط لذلك، لا لما عن الإيضاح من أن اجتماع انعقاد الحول الموجب لوجوب الزكاة و صحة العذر و استمراره يقتضي استلزام المحال، فإنهما لو اجتمعا فحال الحول و حصل الشرط تعلق بعين واحدة حقا النذر و الزكاة جميعا، و هما متضادان، إذ هو كما ترى لا يقتضي ترجيح النذر على الزكاة، و لذا أورد عليه الشهيد في المحكي من حواشيه على القواعد بالمنع من تعلق النذر بما تعلق به الزكاة إذا قلنا بأنه لا يتعلق حكمه إلا بعد تحقق الشرط، بل يكون مثل التالف فيما تعلق به النذر، فاما أن يسقط أو يجب مثله أو قيمته، فالوجه حينئذ ما ذكرناه، و اليه يرجع ما في المدارك من أن المتجه منع المالك من التصرفات المنافية للنذر كما في المطلق، فان ثبت أن ذلك مانع من وجوب الزكاة كما ذكر الأصحاب انقطع الحول بمجرد النذر و إلا وجبت الزكاة مع تمامه، و كان القدر المخرج من النصاب كالتالف من المنذور، و تجب الصدقة بالباقي مع حصول الشرط، و هو جيد جدا.

لكن في شرح اللمعة للاصبهاني- بعد أن حكى ما سمعته من الإيضاح و الإيراد عليه- قال: «و التحقيق أن الشرط إما مطلق أو موقت بما في الحول أو بما بعده، و على الأول فالنذر إما مطلق أو موقت بما في الحول أو بما بعده، و على الثاني أيضا إما مطلق أو موقت بوقت الشرط أو بما بعده في الحول أو بما بعده، و على كل حال فالنذر إما أن يتعلق بجميع النصاب أو ببعضه، و فرض الأصحاب في نذر الجميع و إطلاق الشرط و النذر، فان تعلق بالبعض و باقي القيود بحالها فلا شبهة في أنه لا يجري فيه ما ذكره فخر الإسلام من لزوم إمكان المحال، و إن كان الشرط موقتا بما في الحول و النذر مطلقا و لم تجب المبادرة إلى الوفاء عند حصول الشرط كان كالنذر الغير المشروط في مسمى التعلق بجميع النصاب و بعضه، فيتعين السقوط في الأول، و في الثاني إن أسقطناها بالمنع

46

من التصرف، و إن كانت المسألة بحالها و النذر موقتا بما في الحول أو وجبت المبادرة فإن و في بالنذر فلا إشكال، و إن لم يف به إلى تمام الحول و أوجبنا عليه القضاء و تعلق النذر بالجميع فلا إشكال في السقوط، و إن تعلق بالبعض فكذلك إن اعتبرنا المنع من التصرف، و إن كانت المسألة بحالها و النذر موقتا بما بعد الحول كان كمشروط بشرطين أحدهما في الحول و الآخر بعده، بل كمشروط بموقت بما بعده إن جعلنا الوقت شرطا و إلا كان في توقف تعلق النذر على حضوره و عدمه أيضا تردد كالشرط، و إن كان الشرط موقتا بما بعد الحول فان لم يتوقف تعلق النذر على تحقق الشرط سقطت الزكاة قطعا إن تعلق النذر بالجميع، و كذا إن تعلق بالبعض و اعتبرنا المنع من التصرف، و إن توقف وجبت الزكاة بلا شبهة ثم التصدق إما بالباقي إن كان تعلق بالكل، أو بالبعض المتعلق به النذر، و على التعلق بالكل إن أخر الزكاة إلى حصول الوقت كان أحوط كما مر، و إن كان حصول الشرط و الوقت الموقت به النذر مطلقا أو مشروطا متفقا مع تمام الحول و قلنا بعدم تعلق النذر إلا بحصول الشرط أو الوقت فإشكال إن لم نقل بالتداخل، أو كان النذر مما لا يتداخل مع الزكاة كالهبة ممن لا يستحق الزكاة، و الأولى إن أوجبنا على من تلف متعلق نذره مثله أو قيمته الجمع بين الأمرين، و إن لم نوجبه احتمل ترجيح الزكاة للدخول في العمومات و ترجيح النذر، كما أن من المعلوم اشتراط التمكن من التصرف عند تمام الحول كاشتراط التمكن منه في أثنائه، و هو هنا منفي للنذر، و فيه أن انتفاءه إنما يكون إذا رجحنا النذر، فالتمسك يستلزم الدور، و اختار بعض الأصحاب القرعة مطلقا، و احتمل سقوط الزكاة بناء على كون وجوبها تكليفا يحتاج إلى الموجب الواضح، و فيه أنه يكفي العمومات موجبة لها» و هو على طوله لم يأت بشيء نافع فيما نحن فيه، و إنما هي مجرد أقسام واضحة الوجه، بل يعرف كثير منها مما تقدم، فالتحقيق حينئذ ما ذكرناه سابقا، فلاحظ و تأمل.

47

و لو تعلق النذر بأحد ما عنده من النصب غير معين فالظاهر سقوط الزكاة من أحدها، و التعيين إلى الناذر.

و لو تعلق النذر بالذمة لم تسقط الزكاة بلا خلاف أجده فيه، لأنه دين، و هو لا يمنع منها، نعم عن الشهيد في البيان أنه ألحق بالمنذور كونه صدقة الذي قلنا أنه يخرج عن الملك بالصيغة ما لو نذر مطلقا ثم عين له مالا مخصوصا، و هو لا يخلو من بحث، إذ لا دليل على تشخص مورد النذر هنا بمجرد التعيين.

و لو استطاع الحج بالنصاب و كان مضي الحول متأخرا عن أشهر الحج وجب الحج بلا إشكال، فلو عصى و لم يحج حتى تم الحول وجبت الزكاة و استقر الحج في ذمته و إن ذهبت استطاعته بتقصيره، أما إذا كان الحول قبل مضي أشهر الحج وجبت الزكاة و سقط الحج كما أشار إليه في محكي البيان «و لو استطاع بالنصاب فتم الحول قبل سير الغافلة وجبت الزكاة، فلو خرج بدفعها عن الاستطاعة سقط وجوب الحج في عامه و هل يكون تعلق الزكاة كاشفا عن عدم وجوب الاستطاعة أو تنقطع الاستطاعة حين تعلق لزكاة؟ إشكال، و تظهر الفائدة في استقرار الحج، فعلى الأول لا يستقر، و على الثاني يمكن استقراره إذا كان قادرا على صرف النصاب في جهازه، لأنه بالإهمال جرى مجرى المتلف ماله بعد الاستطاعة» و إن كان كلامه لا يخلو من مناقشة، و في محكي الموجز «لو استطاع الحج بالنصاب ثم تم الحول قبل انقضاء أشهر الحج قدمها عليه و إن سقط» و كشفه «إن تم الحول قبل خروج الغافلة قدمها و إن سقط الحج، و إن خرج الوفد قبل تمام الحول وجب الحج و سقطت» إلى غير ذلك من كلماتهم القريبة مما ذكرنا فلعل إطلاق القواعد «و لو استطاع بالنصاب و وجب الحج ثم مضى الحول على النصاب فالأقرب عدم منع الحج من الزكاة» منزل عليها.

و الخمس كالزكاة لا يمنعه الحج إذا كان مستقراً قبل عام الاستطاعة، نعم

48

لو ربح في عامها و استطاع سقط الخمس في ذلك العام، ضرورة اعتبار خروج المئونة في وجوبه، و الحج في تلك السنة منها، و إذا اجتمع الزكاة و الدين في التركة قدمت الزكاة إذا كانت في العين، و كذا الخمس دون غيرهما من الحقوق كالكفارة و نحوها مما لا تعلق لها بالعين، فإنها كباقي الديون التي توزع التركة عليها مع القصور، و كذا الخمس و الزكاة مع ذهاب العين و انتقالهما للذمة، خلافا لبعض العامة فقدمهما على الديون على كل حال،

للنبوي (1) «فدين الله أحق بالقضاء»

عكس ما عن آخر منهم أيضا فقدم حق الآدمي مطلقا، و عن الشهيد أنه قواه، و عن ثالث التقسيط، و عن الفاضل أنه لا بأس به، و الأصح ما ذكرناه، هذا، و عن جامع المقاصد «أنه إذا اجتمع الزكاة و الحج فالزكاة مقدمة مع بقاء العين سواء كان وجوبهما معا أو وجوب أحدهما كان سابقاً، و مع ذهابها فهما متساويان» قلت: هو كذلك في الأول، أما الأخير ففيه بحث تسمعه إن شاء الله في كتاب الحج.

[في اعتبار التمكن من التصرف في وجوب الزكاة]

و كيف كان فقد ذكر المصنف و جماعة من الأصحاب أن التمكن من التصرف في النصاب معتبر في وجوب الزكاة في الأجناس كلها بل في المدارك نسبته إلى القطع به في كلام الأصحاب، بل في الحدائق نفي الخلاف فيه، بل في الغنية الإجماع على اعتبار الملك و التصرف فيه، و في الخلاف الإجماع على أنها لا تجب في المغصوب و المجحود و المسروق و الغريق و المدفون في موضع نسيه، ثم نفى الخلاف عن ذلك، و الظاهر إرادته الأعم من ذلك، فيدخل الضال و نحوه كالفاضل في التذكرة، فإنه بعد أن ذكر اعتبار عدم المنع من التصرف قال: «فلا تجب في المغصوب و لا الضال و المجحود بغير بينة و لا المسروق و لا المدفون مع جهل موضعه عند علمائنا أجمع» و في

____________

(1) كنز العمال- ج 3 ص 56- الرقم 1037 و ص 57 الرقم 1045.

49

محكي المنتهى «التمكن من التصرف شرط، فلا تجب الزكاة في المال المغصوب و المسروق و المجحود و الضال و الموروث عن غائب حتى يصل إلى الوارث أو وكيله و الساقط في البحر حتى يعود إلى مالكه و يستقبل به الحول، و عليه فتوى علمائنا» و في محكي كشف الالتباس لا تجب في المغصوب و لا الضال و لا المجحود بغير بينة إجماعا، و في خبر سدير الصيرفي (1) «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): ما تقول في رجل كان له مال فانطلق به فدفنه في موضع فلما حال عليه الحول ذهب ليخرجه من موضعه فاحتفر الموضع الذي ظن أن المال فيه مدفون فلم يصبه، فمكث بعد ذلك ثلاث سنين، ثم إنه احتفر الموضع من جوانبه كله فوقع على المال بعينه كيف يزكيه؟ قال: يزكيه لسنة واحدة، لأنه كان غائبا عنه و إن كان احتبسه»

و موثق إسحاق بن عمار (2) «سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن الرجل يكون له الولد فيغيب بعض ولده فلا يدري أين هو و مات الرجل كيف يصنع بميراث الغائب من أبيه؟ قال: يعزل حتى يجيء، قلت: فعلى ماله زكاة قال: لا حتى يجيء، قلت: فإذا هو جاء يزكيه فقال: لا حتى يحول عليه الحول في يده»

و موثقه الآخر (3) عنه (عليه السلام) أيضا قال: «سألته عن رجل ورث مالا و الرجل غائب هل عليه زكاة؟ قال: لا حتى يقدم، قلت: أ يزكيه حين يقدم؟

قال: لا حتى يحول عليه الحول و هو عنده»

و موثق زرارة (4) عن الصادق (عليه السلام) أنه قال «في رجل ماله عنه غائب لا يقدر على أخذه قال: فلا زكاة عليه حتى يخرج، فإذا خرج زكاة لعام واحد، و إن كان يدعه متعمدا و هو يقدر على أخذه فعليه زكاة لكل ما مر به من السنين»

و صحيح عبد الله بن سنان (5) عنه (عليه السلام) أيضا

____________

(1) الوسائل- الباب- 5- من أبواب من تجب عليه الزكاة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 5- من أبواب من تجب عليه الزكاة- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 5- من أبواب من تجب عليه الزكاة- الحديث 3.

(4) الوسائل- الباب- 5- من أبواب من تجب عليه الزكاة- الحديث 7 في الوسائل عن عبد الله بن بكير عمن رواه عن زرارة و لكن ليس في التهذيب و الاستبصار «عن زرارة».

(5) الوسائل- الباب- 5- من أبواب من تجب عليه الزكاة- الحديث 6.

50

«لا صدقة على الدين و لا على المال الغائب عنك حتى يقع في يديك»

و صحيح إبراهيم (1) «قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام): الرجل يكون له الوديعة و الدين فلا يصل إليهما ثم يأخذهما متى يجب عليه الزكاة؟ قال: إذا أخذهما ثم يحول عليه الحول يزكي»

إلى غير ذلك من النصوص التي منها خبر عبد الله بن سنان (2) المتقدم سابقا في زكاة مال المملوك المشتمل على تعليل نفيها عن السيد بعدم الوصول إلى يده، و منها ما تسمعه إن شاء الله، خصوصا صحيح زرارة (3) الوارد في القرض المستفاد منه أن الزكاة على من كان المال في يده، و بالجملة لا يكاد ينكر استفادة اعتبار الشرط المزبور من النصوص خصوصا مع ملاحظة ما في بعضها من التعليل صريحا و آخر ظاهرا، و خصوصا مع ملاحظة ما سمعته من معاقد الإجماعات التي هي صالحة للدلالة في نفسها فضلا عن أن تكون متممة، فلا بأس حينئذ بدعوى التنقيح من جهتها منضمة إلى دعوى عدم القول بالفصل بين أفراد التمكن من التصرف، فيتم حينئذ الاستدلال بنصوص المفقود (4) و نحوه و إن لم يكن فيها ما يقتضي العموم.

كما أن من ذلك يظهر لك ما في توقف سيد المدارك فإنه بعد أن ذكر الشرط المزبور و القطع به في كلام الأصحاب و الاستدلال عليه بصحيح ابن سنان و صحيح إبراهيم و موثق زرارة قال: «و هذه الروايات إنما تدل على سقوط الزكاة في المال الغائب الذي لا يقدر صاحبه على أخذه لا على اعتبار التمكن من التصرف، فلا يتم الاستدلال بها على سقوط الزكاة في المبيع المشتمل على خيار البائع و نحو ذلك، نعم يمكن

____________

(1) الوسائل- الباب- 6- من أبواب من تجب عليه الزكاة- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 4- من أبواب من تجب عليه الزكاة- الحديث 4.

(3) الوسائل- الباب- 7- من أبواب من تجب عليه الزكاة- الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 5- من أبواب من تجب عليه الزكاة.