جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام - ج20

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
468 /
3

[تتمة القسم الأول في العبادات]

[تتمة كتاب الحج]

[تتمة ثلاثة أركان]

[تتمة الركن الثاني في أفعال الحج]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

[القول في الأحكام المتعلقة بمنى بعد العود]

القول في الأحكام المتعلقة بمنى بعد العود ف اعلم أنه إذا قضى الحاج ما عرفته من مناسكه بمكة من طواف الزيارة و السعي و طواف النساء فالواجب العود إلى منى للمبيت بها، و يجب عليه أن يبيت بها ليلتي الحادي عشر و الثاني عشر مطلقا و الثالث عشر على تفصيل تسمعه إنشاء الله بلا خلاف أجده فيه، بل الإجماع بقسميه عليه، بل عن أكثر العامة موافقتنا عليه، مضافا الى النصوص التي إن لم تكن متواترة فهي مقطوعة المضمون، منها

قول الصادق (عليه السلام) في صحيح معاوية (1) «لا تبت ليالي التشريق إلا بمنى، فان بت في غيرها فعليك دم، و إن خرجت أول الليل فلا ينتصف لك الليل إلا و أنت بمنى إلا أن يكون شغلك بنسكك أوقد خرجت من مكة و إن خرجت نصف الليل فلا يضرك أن تصبح بغيرها، قال: و سألته عن رجل زاد عشاء فلم يزل في طوافه و دعائه في السعي بين الصفا و المروة حتى يطلع الفجر قال. ليس عليه شيء كان في طاعة الله تعالى»

و غيره من النصوص، بل في المروي من طرق العامة عن ابن عباس (2) «انه لم يرخص النبي (صلى الله عليه و آله) لأحد أن يبيت بمكة إلا للعباس من أجل سقايته»

نحو

المروي عن العلل بسنده عن مالك بن أعين (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) «ان العباس استأذن رسول الله (صلى الله عليه و آله) أن يبيت بمكة ليالي منى فأذن له رسول الله (صلى الله عليه و آله) من أجل سقاية

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب العود إلى منى الحديث 9.

(2) سنن البيهقي ج 5 ص 153.

(3) الوسائل الباب- 1- من أبواب العود إلى منى الحديث 21.

4

الحاج»

فما عن تبيان الشيخ من القول باستحباب المبيت نادر كالمحكي عن الطبرسي من القول باستحباب جميع مناسك منى السابقة و اللاحقة، و قد تقدم سابقا بعض الكلام في ذلك، و يمكن أن يكون نحو المحكي عن بعض الكتب من جعله المبيت من السنة أو حصر واجبات الحج في غيره أو الحكم بأنه إذا طاف للنساء تمت مناسكه أو حجه أو نحو ذلك مما لا ينافي الوجوب و لو من جهة السنة و كونه خارجا عن الحج، و إن حكي عن الحلبي التصريح بكونه من مناسكه، قيل: و لذا اتفقوا على وجوب الفداء لو أخل به، و إن كان فيه أن ذلك لا ينافي خروجه عن الحج.

و كيف كان فتجب فيه النية التي هي الأصل في كل مأمور به، و قد نص عليه في الدروس و غيرها، و لكن عن اللمعة الحلية أنه يستحب، و ضعفه واضح، نعم يكفي فيها الداعي الذي قد تكرر لك ذكره و إن كان المحكي عن الفخرية ينوي أنه يبيت هذه الليلة بمنى لحج المتمتع حج الإسلام مثلا قربة الى الله تعالى، إذ يمكن إرادته تحليل الداعي، و حينئذ فإن أخل بالنية عمدا اثم، و في الفدية وجهان كما في المسالك بل نفي فيها البعد عن عدم الفدية، و لعله للأصل و عدم معلومية شمول إطلاق ما دل على لزوم الفدية بترك المبيت لمثله لانصرافه بحكم التبادر الى الترك الحقيقي لا الحكمي، و لكن الاحتياط لا ينبغي تركه.

[في لزوم الشاة لكل ليلة بات بغير منى]

و على كل حال فلو بات الليلتين بغيرها كان عليه عن كل ليلة شاة وفاقا للمشهور، بل عن صريح الخلاف و الغنية و غيرهما و ظاهر المنتهى و غيره الإجماع عليه، و ما عن المقنعة و الهداية و المراسم و الكافي و جمل العلم و العمل- من أن على من باب ليالي منى بغيرها دما نحو صحيح

5

معاوية (1) السابق و ما تسمعه في صحيح علي بن جعفر (2) محمول على إرادة الجنسية لا إرادة التسوية بين ليلة و ليلتين و ثلاث، أو لا يجب الدم إلا بثلاث و إلا كان محجوجا بما عرفت و بعض المعتبرة الدالة على أصل الحكم، منها صحيح معاوية السابق الذي قيل مقتضى إطلاقه وجوب الشاة ليلة، فلليلتين شاتان، و إن كان فيه نظر، إلا أنه لا بأس به جمعا بينه و بين ما دل على ذلك من النص و معاقد الإجماعات و غير ذلك، و خبر جعفر بن ناجبة (3) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عمن بات ليالي منى بمكة قال: عليه ثلاث من الغنم يذبحهن»

و صحيح صفوان (4) عنه (عليه السلام) أيضا أو عن أبي الحسن (عليه السلام) «سألني بعضهم عن رجل بات ليلة من ليالي منى بمكة فقلت لا أدري، فقلت له جعلت فداك ما تقول فيها. قال: عليه دم إذا بات، فقلت إن كان حبسه شأنه الذي كان فيه من طوافه و سعيه لم يكن لنوم و لا لذة عليه شيء مثل ما على هذا، قال: ليس هذا مثل هذا، و ما أحب أن ينشق له الفجر إلا و هو في منى»

و صحيح علي بن جعفر (5) عن أخيه (عليه السلام) «عن رجل بات بمكة في ليالي منى حتى أصبح قال: إن كان أتاها نهارا فبات فيها حتى أصبح فعليه دم يهريقه»

بناء على إرادة الجنس من الدم لا الوحدة، و عن

قرب الإسناد روايته بزيادة «و إن كان خرج من منى بعد نصف الليل فأصبح بمكة فليس عليه شيء»

و صحيح جميل (6) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «زار فنام في الطريق فان بات بمكة فعليه دم، و إن كان قد خرج منها فليس عليه شيء و إن أصبح دون

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب العود إلى منى الحديث 8.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب العود إلى منى الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب العود إلى منى الحديث 6.

(4) الوسائل- الباب- 1- من أبواب العود إلى منى الحديث 5 عن أبي الحسن (عليه السلام).

(5) الوسائل- الباب- 1- من أبواب العود إلى منى الحديث 2.

(6) الوسائل- الباب- 1- من أبواب العود إلى منى الحديث 16.

6

منى»

و خبر علي (1) عن أبي إبراهيم (عليه السلام) «سألته عن رجل زار البيت فطاف بالبيت و بالصفا و المروة ثم رجع فغلبته عيناه في الطريق فنام حتى أصبح قال:

عليه شاة»

الى غير ذلك.

لكن في صحيح العيص بن القاسم (2) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل فاتته ليلة من ليالي منى قال: ليس عليه شيء و قد أساء»

و صحيح سعيد بن يسار (3) «قلت له أيضا: فاتتني ليلة المبيت بمنى من شغل قال لا بأس»

بعد قصورهما عن المعارضة من وجوه، فلا بأس بطرحهما أو حملهما على التقية المفهومة من الصحيح السابق أو غير ذلك مما لا ينافي الأول.

ثم إن إطلاق النص و الفتوى يقتضي ما صرح به بعض من عدم الفرق في ذلك بين الجاهل و الناسي و المضطر و غيرهم على إشكال في الأخير، بل قيل إن فيه وجهين، أظهرهما العدم، للأصل و انتفاء العموم في النصوص، و لأن الفدية كفارة عن ترك الواجب، و لا وجوب عليه، و فيه أن الأصل مقطوع بالإطلاق الذي هو بمنزلة العموم، و لعل الفدية جبران لا كفارة، نعم قد يقال بانسياق غير المضطر من الإطلاق المزبور، إلا أن الأحوط ثبوتها، بل عن الحواشي المنسوبة للشهيد أنه لا شيء على الجاهل، و ربما مال اليه بعض الناس قال: و يمكن حمل خبري العيص و سعيد السابقين عليه، بل لولا تخيل الإجماع على هذا الحكم لأمكن القول بمضمونهما و حمل ما تضمن لزوم الدم على الاستحباب و إن كان هو كما ترى بعد ما سمعت من قصورهما عن المعارضة

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب العود إلى منى- الحديث 10.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب العود إلى منى- الحديث 7.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب العود إلى منى- الحديث 12.

7

من وجوه نحو النصوص (1) الدالة على عدم شيء عليه لو خرج من مكة و إن نام في الطريق اختيارا أو أصبح دون منى التي منها ما سمعته في صحيح جميل (2) السابق و حسن هشام بن الحكم (3) أو صحيحه «إذا زار الحاج من منى فخرج من مكة فجاور بيوت مكة فنام ثم أصبح قبل أن يأتي منى فلا شيء عليه»

و صحيح محمد بن إسماعيل (4) عن أبي الحسن (عليه السلام) «في الرجل يزور فينام دون منى فقال: إذا جاوز عقبة المدنيين فلا بأس أن ينام»

المحكي عن أبي علي و الشيخ في كتابي الأخبار الفتوى به، و خبر عبد الغفار الجازي (5) سأل الصادق (عليه السلام) «عن رجل خرج من منى يريد البيت فأصبح بمكة قال: لا يصلح له حتى يتصدق بها صدقة أو يهريق دما»

و خبر أبي البختري (6) المروي عن الحميري في قرب الإسناد عن الصادق (عليه السلام) «في رجل أفاض الى البيت فغلبته عيناه حتى أصبح قال: لا بأس عليه و يستغفر الله و لا يعود»

إلا أنه- مع الطعن في سند بعضها و لا جابر بل و الدلالة إذ لم نجد من أفتى بشيء منها عدا ما سمعته من أبي علي و الشيخ في كتابي الأخبار- لا تقاوم تلك النصوص المعتضدة بالعمل، و إن توقف لأجلها في المدارك حتى قال: إن المسألة قوية الإشكال، بل في الرياض «لا يخلو القول بها عن قوة إن لم ينعقد الإجماع على خلافه، لوضوح دلالتها مضافا الى صحتها و كثرتها و موافقتها الأصل مع عدم وضوح معارض لها إلا إطلاق بعض الصحاح السابقة و يقبل التقييد بها، و خبر علي بن إبراهيم السابق (7) و في سنده ضعف، و يحتمل

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب العود إلى منى الحديث 0.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب العود إلى منى الحديث 16.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب العود إلى منى الحديث 17.

(4) الوسائل- الباب- 1- من أبواب العود إلى منى الحديث 15.

(5) الوسائل- الباب- 1- من أبواب العود إلى منى الحديث 14.

(6) الوسائل- الباب- 1- من أبواب العود إلى منى الحديث 22.

(7) لم يتقدم لعلي بن إبراهيم خبر، و الظاهر انه سهو من قلم الناسخ و الصحيح خبر علي عن أبي إبراهيم (عليه السلام) المتقدم في ص 6.

8

تقييد الطريق فيه بطريق في حدود مكة لا خارج عنها، و لا بعد فيه سيما بعد ملاحظة الصحيح السابق» لكن لا يخفي عليك ما في ذلك كله بعد الإحاطة بما ذكرناه سيما عمل الأصحاب.

و حينئذ فالمتجه وجوب الشاة على من بات في غيرها و لو الطريق إلا ان يبيت بمكة مشتغلا بالعبادة كما هو المشهور، ل

قول الصادق (عليه السلام) في صحيح معاوية (1) «إذا فرغت من طوافك للحج و طواف النساء فلا تبت إلا بمنى إلا أن يكون شغلك في نسكك»

و صحيحه الآخر (2) أيضا المتقدم آنفا الذي مقتضى قوله (عليه السلام) فيه: «ليس عليه شيء كان في طاعة الله عز و جل»

العموم لكل عبادة واجبة أو مندوبة، خلافا للمحكي عن ابن إدريس فأوجب الدم للعموم المخصص بما عرفت، بل قيل مقتضاه أيضا ما نص عليه الشهيدان من لزوم استيعاب الليل إلا ما يضطر اليه من غداء أو شرب أو نوم يغلب عليه، و إن كان فيه منع واضح باعتبار كون ذلك في سئواله، اللهم إلا أن يكون لقاعدة الاقتصار على المتيقن فيما خالف ما دل على وجوب الدم، و لعل وجه استثناء الأولين حملا لإطلاق النص على الغالب بل لعل الثالث أيضا كذلك، و احتمل في الدروس كون القدر الواجب ما كان يجب عليه بمنى، و هو أن يتجاوز نصف الليل، و لكنه كما ترى أيضا.

نعم له المضي في الليل إلى منى كما صرح به غير واحد، لظاهر النصوص السابقة، بل قد يستفاد من

صحيح صفوان (3) السابق كراهية عدم العود إليها إلى الصبح، لقوله (عليه السلام) فيه: «و ما أحب أن ينشق الفجر له إلا و هو بمنى»

كقول أحدهما (عليهما السلام) في صحيح ابن مسلم (4) «إذا خرجت من منى قبل غروب

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب العود إلى منى- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب العود إلى منى- الحديث 9.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب العود إلى منى- الحديث 5.

(4) الوسائل- الباب- 1- من أبواب العود إلى منى- الحديث 3.

9

الشمس فلا تصبح إلا بمنى»

و نحوه صحيح جميل (1) عن الصادق (عليه السلام)،

و في صحيح العيص (2) عنه (عليه السلام) أيضا «ان زار بالنهار أو عشاء فلا ينفجر الصبح إلا و هو بمنى»

بل قد تومئ هذه النصوص إلى إدراك المبيت بمنى بذلك فلا تجب الشاة حينئذ إلا بالمبيت تمام الليل في غيرها، و لكن لم أجد من أفتى به.

[في جواز الخروج من منى بعد نصف الليل]

بل اقتصروا في الاستثناء على الاشتغال بالنسك أو يخرج من منى بعد نصف الليل و لم يدخل مكة إلا بعد الفجر بلا خلاف أجده فيه، ل

قول الصادق (عليه السلام) في خبر عبد الغفار الجازي (3): «فإن خرج من مني بعد نصف الليل لم يضره شيء»

و في خبر جعفر بن ناجية (4) «إذا خرج الرجل من منى أول الليل فلا ينتصف له الليل إلا و هو بمنى، و إذا خرج بعد النصف الليل فلا بأس أن يصبح بغيرها»

و في صحيح العيص (5) «ان زار بالنهار أو عشاء فلا ينفجر الصبح إلا و هو بمنى، و إن زار بعد نصف الليل أو السحر فلا بأس عليه أن ينفجر الصبح و هو بمكة»

بل قد يدل عليه أيضا صحيح معاوية السابق (6).

بل صريح بعض هذه النصوص و ظاهر غيره كالفتاوى جواز دخول مكة قبل الفجر، خلافا للمحكي عن النهاية و المبسوط و الوسيلة و السرائر و الجامع من أنه إذا خرج من منى بعد الانتصاف فلا يدخل مكة قبل الفجر، و هو الذي أشار إليه المصنف بقوله و قيل بشرط ان لا يدخل مكة إلا بعد طلوع الفجر و لكن لم نعرف له مأخذا معتدا به كما اعترف به في الدروس

____________

(1) الوسائل الباب- 1- من أبواب العود إلى منى الحديث 19.

(2) الوسائل الباب- 1- من أبواب العود إلى منى الحديث 4.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب العود إلى منى- الحديث 14.

(4) الوسائل- الباب- 1- من أبواب العود إلى منى- الحديث 20.

(5) الوسائل- الباب- 1- من أبواب العود إلى منى- الحديث 4.

(6) الوسائل- الباب- 1- من أبواب العود إلى منى- الحديث 9.

10

و إن قيل لعلهم استندوا الى ما مر من الأخبار الناطقة بأن الخارج من مكة ليلا إلى منى يجوز له النوم في الطريق إذا جاز بيوت مكة، لدلالتها على أن الطريق في حكم منى، فيجوز أن يريدوا الفضل لما مر من أن الأفضل الكون الى الفجر و الوجوب اقتصارا على اليقين، و هو جواز الخروج بعد الانتصاف من منى لا مما هو في حكمها: و لا يعارضه ما في قرب الاسناد من

قول الكاظم (عليه السلام) لعلي بن جعفر (1): «و إن كان خرج من منى بعد نصف الليل فأصبح بمكة فليس عليه شيء»

و لا صحيح العيص (2) المتقدم لاحتمالهما، بل يمكن أن يكونوا استظهروا منهما ما ذكروه، إلا أنها كما ترى مجرد تهجس لا يصلح مدركا فضلا عن أن يعارض ما عرفت.

و على كل حال يكون القدر الواجب من المبيت بناء على ما عرفت هو الكون بها ليلا حتى يتجاوز نصف الليل، بل في الرياض «أن ظاهر الأصحاب انحصاره في النصف الأول فأوجبوا عليه الكون بها قبل الغروب الى النصف الثاني» بل صرح به ثاني الشهيدين في المسالك و الروضة، و زاد وجوب مقارنة النية لأول الليل، نعم قد يستفاد من خبر ابن ناجية (3) و خبر معاوية (4) السابقين تساوي نصفي الليل في تحصيل الامتثال كما عن الحلبي، بل قد عرفت سابقا أن أقصى ما يستفاد من النصوص ترتب الدم على مبيت الليالي المذكورة في غير منى بحيث يكون خارجا عنها من أول الليل الى آخره كما اعترف به بعض، و استحسنه أخر إلا أن الشهرة بين الأصحاب إن لم يكن الإجماع على الوجه المزبور يجبر دلالة

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب العود إلى منى- الحديث 23.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب العود إلى منى- الحديث 4.

(3) الوسائل- الباب- 1- من أبواب العود إلى منى- الحديث 20.

(4) الوسائل- الباب- 1- من أبواب العود إلى منى- الحديث 8.

11

الأخبار عليه، بل في كشف اللثام نفي الاشكال عن وجوب استيعاب النصف من الليل أو كله، و أنه لا يكفي المسمى، مضافا الى الاحتياط.

بل الأفضل الكون بها الى الفجر كما صرح به غير واحد، لما سمعته من النصوص، بل ظاه

ر خبر أبي الصباح (1) سأل الصادق (عليه السلام) «عن الدلجة إلى مكة أيام منى و هو يريد أن يزور البيت قال: لا حتى ينشق الفجر كراهية أن يبيت الرجل بغير منى»

و عن الوسيلة التصريح بذلك، و إن قال الفاضل في محكي المختصر ان خبر الجازي (2) ينفيها و ان كان الأفضل المبيت بها الى الفجر، و مما ذكرنا يظهر لك انه لا وقع لما قيل من أن الكلام في أن الأصل أ هو المبيت جميع الليل فلا يستثنى منه إلا ما قطع باستثنائه، و يبقى الباقي على الوجوب أم الأصل الكون بها ليلا فلا يجب إلا ما قطع بوجوبه، و هو النصف، و هو مبني على معنى البيتوتة؟

فعن الفراء «بات الليل كله إذا سهر الليل كله في طاعة أو معصية» و في العين «البيتوتة دخولك في الليل، تقول: بت اصنع كذا إذا كان بالليل و بالنهار ظللت» و عن الزجاج «كل من أدرك الليل فقد بات» و عن ابن عباس «من صلى بعد العشاء الآخرة ركعتين فقد بات لله ساجدا و قائما» و في الكشاف في تفسير قوله تعالى (3) «وَ الَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَ قِيٰاماً»: «البيتوتة خلاف الظلول، و هي أن يدركك الليل، نمت أو لم تنم و قالوا من قرأ شيئا من القرآن في صلاة و إن قل فقد بات ساجدا و قائما، و قيل هما الركعتان بعد المغرب و الركعتان بعد العشاء،

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب العود إلى منى- الحديث 11.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب العود إلى منى- الحديث 14.

(3) سورة الفرقان الآية 65.

12

و الظاهر أنه وصف لهم بإحياء الليل أو أكثره، يقال: يظل فلان صائما و يبيت قائما» و يجوز أن يكون انما استظهر هذا للمقام، و كلام المنتهى يعطى فهم الاستيعاب، لقوله لأن المتجاوز عن النصف هو معظم ذلك الشيء، و يطلق عليه اسمه، قال امرء القيس.

فبات عليه سرجه و لجامه و بات بعين قائما غير مرسل.

و ظاهره الاستيعاب، ضرورة أن ذلك كله لا يوافق ما سمعت، بل يمكن دعوى الإجماع على عدم وجوب الاستيعاب و على عدم كفاية المسمى، فالأحوط و الأولى مراعاة ما سمعته من الأصحاب من الكون بها قبل الغروب الى نصف الليل.

هذا كله في المختارين، و أما ذوو الأعذار فلا أجد خلافا بين الأصحاب في جواز المبيت لهم بغير منى، و لعله لنفي الحرج في الدين، و فحوى الرخصة للرعاة و السقاية، فإن العامة روت ترخصهم (1)، و عن الخلاف و المنتهى نفي الخلاف عنه، و في خبر مالك بن أعين (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) المروي عن كتاب العلل «ان العباس استأذن رسول الله (صلى الله عليه و آله) أن يبيت بمكة ليالي منى، فأذن له رسول الله (صلى الله عليه و آله) من أجل سقاية الحاج»

و لعله لذا كان المحكي عن مالك و أبي حنيفة قصر الرخصة على أولاد عباس، و إن كان ذلك خصوصا من الثاني منهما الذي شرع القياس و غيره غريبا على أن مقتضى الجمود الاقتصار على العباس لا إلحاق أولاده به.

نعم ربما قيل إن للرعاة ترك المبيت ما لم تغرب الشمس عليهم بمنى، فان غربت وجب عليهم، بخلاف السقاة، لاختصاص شغل الرعاة

____________

(1) سنن البيهقي ج 5 ص 150 و 153.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب العود إلى منى- الحديث 21.

13

بالنهار بخلاف السقاة، بل عن التحرير و الدروس الفتوى بهذا الفرق، و في كشف اللثام و هو حسن، قلت: المدار على ارتفاع العذر و عدمه، و إلا فلو فرض احتياج الرعاة الى الرعي ليلا كان لهم ذلك و ان غربت الشمس لهم بمنى، و من هنا ألحقنا جميع ذوي الأعذار بهم، قال في محكي الخلاف: «و أما من له مريض يخاف عليه أو مال يخاف ضياعه فعندنا يجوز له ذلك، لقوله تعالى (1) «مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» و إلزام المبيت و الحال ما وصفناه حرج، و للشافعي فيه وجهان» و نحوه عن المنتهى، بل قيل هو فتوى التحرير و الدروس و مقرب التذكرة، بل في الدروس و كذا لو منع من المبيت منعا خاصا أو عاما كنفر الحجيج ليلا، قال: «و لا إثم في هذه المواضع، و تسقط الفدية عن أهل السقاية و الرعاة، و في سقوطهما عن الباقين نظر» قلت: لعل الفرق ظهور خصوص.

الرخصة فيهما بذلك أما غيرهم فلعموم نفي الحرج الذي مقتضاه عدم الإثم دون الفدية التي عرفت سابقا ظهور النصوص (2) في وجوبها، و لا ريب في أنه الأحوط، و عن بعض العامة تعليل الفرق بأن شغل الأولين ينفع الحجيج عامة و شغل الباقين يخصهم، و لكنه كما ترى، و الله العالم.

[في لزوم الكفارة لو ترك المبيت بمنى]

و كيف كان فقد قيل و القائل الشيخ في محكي النهاية و ابن إدريس بل في المدارك نسبته الى جمع من الأصحاب غيرهما لو بات الليالي الثلاث بغير منى لزمه ثلاث شياه لإطلاق منا سمعته من خبر جعفر بن ناجية، بل و غيره من النصوص و لكن هو محمول على من غربت عليه الشمس في الليلة الثالثة و هو بمنى أو من لم يتق الصيد

____________

(1) سورة الحج الآية 77.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب العود إلى منى.

14

و النساء في إحرامه، لاختصاص وجوب مبيت الثالثة فيها بهما دون غيرهما كما ستعرف تحقيق الحال في الثاني منهما إنشاء الله، أما الأول فلا أجد فيه خلافا، بل عن المنتهى و ظاهر التذكرة الإجماع عليه، ل

قول الصادق (عليه السلام) في حسن الحلبي (1): «فإن أدركه المساء بات و لم ينفر»

و في خبر ابن عمار (2) «إذا جاء الليل بعد النفر الأول فبت بمنى فليس لك أن تخرج منها حتى تصبح»

و في خبر أبي بصير (3) «فان هو لم ينفر حتى يكون غروبها فلا ينفر و ليبت بمنى، حتى إذا أصبح و طلعت الشمس فلينفر متى شاء»

بل قيل و لأن الآية (4) إنما سوغت التعجيل في يومين، و بالغروب ينقضي اليومان و إن كان فيه ما فيه، إلا أن ما تقدم كاف في إثبات المطلوب الذي هو وجوب المبيت عليه و إن كان متقيا للصيد و النساء.

و لو رحل فغربت قبل خروجه من منى فعن المنتهى لم يلزمه المقام على إشكال، و عن التذكرة الأقرب ذلك مستندا فيها إلى المشقة في الحط و الرحال، لكنه كما ترى لا يصلح معارضا لما سمعته من ظواهر النصوص، و لذا قال في الدروس الأشبه المقام، و تبعه في المسالك و غيرها ضرورة كون المراد بغروب الشمس هنا هو الغروب المعتبر في حل الصلاة و الإفطار، من غير فرق بين من تأهب للخروج و غربت عليه قبل أن يخرج و غيره، و بين من نفر و لم يتجاوز حدود منى و غيره، لصدق الغروب عليه بمنى، فإن أجزائها متساوية في وجوب المبيت بها.

____________

(1) الوسائل- الباب- 10- من أبواب العود إلى منى- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 10- من أبواب العود إلى منى- الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 10- من أبواب العود إلى منى- الحديث 4.

(4) سورة البقرة الآية 199.

15

نعم لو خرج منها قبله ثم رجع بعده لأخذ شيء نسيه مثلا لم يجب عليه المبيت، بل و كذا لو عاد لتدارك واجب عليه بها، و لو رجع قبل الغروب فغربت عليه بها ففي المسالك في وجوب الإقامة عليه وجهان و قرب العلامة الوجوب، و الوجهان آتيان في وجوب الرمي، قلت:

لا ريب في أن الأقوى الوجوب، كما أنه لا إشكال في الوجوب عليه لو غربت في أثناء التأهب كما عن المنتهى و التحرير الجزم به و إن قال في محكي التذكرة إنه أقرب، إلا أنه لا ريب في ضعف احتمال عدم الوجوب مع فرض كون رجوعه على غير الوجه الذي ذكرناه سابقا و قول أحدهما (عليهما السلام) في خبر علي (1): «في رجل بعث ثقله يوم النفر الأول و أقام هو الى الأخير انه ممن تعجل في يومين»

لا دلالة فيه على عدم وجوب المبيت على من خرج و غربت عليه الشمس قبل الخروج من حدود منى، فضلا عن غيره، و إن احتمله بعض الناس.

و على كل حال فلا يجب مبيت الثالثة إلا عليهما، و تجب الفدية حينئذ لو أخلا بها، بل ظاهر المصنف حمل القول المزبور على ذلك أيضا و لعله للإجماع و غيره على جواز النفر في اليوم الثاني عشر لغيرهما، فلا يجب مبيت و لا رمي في اليوم الثالث عشر، و الله العالم.

[في وجوب الرمي أيام التشريق]

و يجب أن يرمي كل يوم من أيام التشريق اي الحادي عشر و الثاني عشر الجمار الثلاث كل جمرة بسبع حصيات بلا خلاف محقق أجده فيه كما اعترف به بعضهم، قال في محكي السرائر لا خلاف بين أصحابنا في كونه واجبا و لا أظن أحدا من المسلمين يخالف فيه، و إن الأخبار به متواترة، و في محكي الخلاف «الإجماع على وجوب الترتيب»

____________

(1) الوسائل- الباب- 9- من أبواب العود إلى منى- الحديث 12.

16

بين رمي الثلاث و تفريق الحصا و وجوب القضاء» و في محكي التذكرة و المنتهى لا نعلم فيه مخالفا،

قال الصادق (عليه السلام) في حسن ابن أذينة (1) «الحج الأكبر الوقوف بعرفة و رمى الجمار»

بل في خبر عبد الله بن جبلة (2) «من ترك رمي الجمار متعمدا لم تحل له النساء، و عليه الحج من قابل»

و إن كان هو محمولا على المبالغة في الوجوب، إذ لم نجد قائلا به كما اعترف به في محكي الذخيرة بعد أن نسبه الى الشذوذ.

بل و كذا يجب الرمي أيضا في اليوم الثالث عشر إن أقام ليلته فيها كما صرح به الفاضل و غيره، بل في كشف اللثام لعله لا خلاف فيه و لعله للتأسي و إطلاق بعض النصوص (3) و على كل حال فما عن التبيان من عده الرمي من المسنون محمول على إرادة ثبوت وجوبه بالسنة، و كذا ما عن الجمل و العقود في الكلام في رمي جمرة العقبة في يوم النحر أن الرمي مسنون، كما عن السرائر و المنتهى الاعتراف به، و الله العالم

[في وجوب الترتيب في الرمي]

و يجب هنا زيادة على ما تضمنه شروط الرمي الترتيب، يبدأ بالأولى ثم الوسطى ثم جمرة العقبة بلا خلاف أجده فيه بل الإجماع بقسميه عليه بل المحكي منه صريحا و ظاهرا. مستفيض كالنصوص التي منها

خبر معاوية بن عمار (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «ارم في كل يوم عند زوال الشمس، و قل كما قلت حين رميت جمرة العقبة، فابدأ بالجمرة الأولى فارمها عن يسارها في بطن المسيل، و قل كما قلت يوم النحر،

____________

(1) الوسائل- الباب- 4- من أبواب العود إلى منى الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 4- من أبواب العود إلى منى الحديث 5.

(3) المستدرك الباب- 5- من أبواب رمي جمرة العقبة الحديث 1.

(4) ذكر صدره في الوسائل في الباب- 12- من أبواب رمي جمرة العقبة الحديث 1 و ذيله في الباب 10 منها الحديث 2.

17

ثم قم عن يسار الطريق فاستقبل القبلة و احمد الله و أثن عليه وصل على النبي (صلى الله عليه و آله) ثم تقدم أيضا ثم افعل ذلك عند الثانية، و اصنع كما صنعت بالأولى، و تقف و تدعو الله كما دعوت، ثم تمضي إلى الثالثة و عليك السكينة و الوقار فارم و لا تقف عندها»

فإن الأمر بالبدأة و العطف بثم ظاهر في الترتيب، و نحوه غيره، مضافا الى التأسي.

و حينئذ ف لو رماها منكوسة عمدا أو جهلا أو سهوا أعاد على الوسطى و جمرة العقبة بلا خلاف و لا إشكال، بل الإجماع بقسميه عليه تحصيلا لإيقاع المأمور به على وجهه، و في صحيح معاوية أو حسنه (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في رجل نسي رمي الجمار يوم النحر فبدأ بجمرة العقبة ثم الوسطى ثم الأولى قال: يؤخر ما رمى بما رمى و يرمي الجمرة الوسطى ثم جمرة العقبة»

أي يؤخر ما قدم رميه نسيانا و لو بقرينة

صحيحه الآخر (2) عنه (عليه السلام) أيضا «قلت له: الرجل يرمي الجمار منكوسة قال: يعيدها على الوسطى و جمرة العقبة»

و الله العالم.

[في وقت الرمي]

و وقت الرمي للمختار ما بين طلوع الشمس الى غروبها وفاقا للمشهور، و لعله يرجع اليه ما في محكي الوسيلة «أن وقت الرمي طول النهار» و ما عن الإشارة أنه من أول النهار، خصوصا بعد ما عن بعض كتب أهل اللغة من كون النهار من طلوع الشمس الى الغروب، بل و ما عن رسالة علي بن بابويه أنه مطلق لك أن ترمي الجمار من أول النهار الى الزوال، و قد روي من أول النهار الى آخره بناء على العمل منه بما أرسله، و إلا كان مخالفا كالمحكي عن مقنع ولده «و ارم الجمار في كل

____________

(1) الوسائل الباب- 5- من أبواب العود إلى منى الحديث 2 عن مسمع و فيه

«في رجل نسي رمي الجمار يوم الثاني»

. (2) الوسائل الباب- 5- من أبواب العود إلى منى الحديث 1.

18

يوم بعد طلوع الشمس الى الزوال، و كلما قرب منه فهو أفضل» و من لا يحضره الفقيه مع زيادة الرواية المرسلة، و عن الغنية و الإصباح و الجواهر «أن وقته بعد الزوال» و في الخلاف «لا يجوز الرمي أيام التشريق إلا بعد الزوال، و قد روي رخصة قبل الزوال في الأيام كلها، و بالأول قال الشافعي و أبو حنيفة إلا أن أبا حنيفة قال: و إن رمى يوم الثالث قبل الزوال جاز استحسانا، و قال طاوس: يجوز قبل الزوال في الكل، دليلنا إجماع الفرقة و طريقة الاحتياط، فان من فعل ما قلناه لا خلاف أنه يجزيه و إذا خالفه ففيه الخلاف» و نحوه الجواهر.

و لا ريب في أن الأقوى الأول ل

صحيح منصور بن حازم و أبي بصير (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «رمى الجمار من طلوع الشمس الى غروبها»

و صحيح جميل (2) عنه (عليه السلام) أيضا في حديث «قلت له متى يكون رمى الجمار فقال:

من ارتفاع النهار الى غروب الشمس»

و صحيح زرارة أو حسنه (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) «أنه قال للحكم بن عيينة ما حد رمي الجمار فقال عند الزوال، فقال أبو جعفر (عليه السلام) أ رأيت لو كانا رجلين فقال أحدهما لصاحبه احفظ علينا متاعنا حتى أرجع كان يفوته الرمي، هو و الله ما بين طلوع الشمس الى غروبها»

و صحيح صفوان (4) «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: رمي الجمار ما بين طلوع الشمس الى غروبها»

و هي مع اعتبار أسانيدها و عمل الطائفة بها قديما و حديثا لا محيص عن العمل بها، خصوصا بعد سلامتها عن معارضة ما عدا الإجماع المحكي الموهون بمصير معظم من تقدمه كابن الجنيد و ابن أبي عقيل و المفيد و الصدوقين و المرتضى و جميع

____________

(1) الوسائل الباب- 13- من أبواب رمي جمرة العقبة الحديث 6.

(2) الوسائل الباب- 13- من أبواب رمي جمرة العقبة الحديث 1.

(3) الوسائل الباب- 13- من أبواب رمي جمرة العقبة الحديث 5.

(4) الوسائل الباب- 13- من أبواب رمي جمرة العقبة الحديث 2.

19

من تأخر عنه إلى خلافه، بل هو قد رجع عنه في مبسوطة و نهايته، و لذا قال في المختلف «انه شاذ لم يعمل به أحد من علمائنا، حتى أن الشيخ المخالف وافق أصحابه، فيكون إجماعا، لأن الخلاف إن وقع منه قبل الوفاق فقد حصل الإجماع، و إن وقع بعده لم يعتد به، إذ لا اعتبار بخلاف من يخالف الإجماع» و إن كان لا يخلو من نظر، و أما الاحتياط فهو معارض بالنصوص المعتبرة المعمول بها بين الطائفة، على أن التحقيق العمل بأصل البراءة مع فرض الشك في أمثال ذلك، و عدا

صحيح معاوية (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «ارم في كل يوم عند زوال الشمس»

القاصر عن المعارضة من وجوه الذي لا بأس بحمله حينئذ على الندب، و منه حينئذ يعلم الوجه فيما ذكره غير واحد من الأصحاب من كون الأفضل وقوعه عند الزوال، مضافا الى كونه المحكي من فعل النبي (صلى الله عليه و آله) الذي كان يبادر إلى الأفضل، نعم لا دلالة فيه بل و لا في غيره على ما ذكره في محكي الهداية و الفقيه و المقنع من أنه كلما قرب الى الزوال كان أفضل و إن توهمه بعض الناس، بل و ما عن المقنعة و المراسم ما قرب من الزوال أفضل فضلا عما عن الكافي من أنه قبل الزوال، و ما عن بعض نسخ المبسوط من أن الأفضل بعد الزوال، نعم يحكي عن

الكتاب (2) المنسوب الى الرضا (عليه السلام) أنه قال: «و أفضل ذلك ما قرب من الزوال»

و لم تثبت نسبته عندنا، فالأولى الاقتصار في الفضل على ما في الصحيح المزبور، و من الغريب ما في القواعد من امتداد الفضل من حين الزوال الى الغروب، و لم أجده لغيره، و لا ما يدل عليه، و الله العالم.

____________

(1) الوسائل الباب- 12- من أبواب رمي جمرة العقبة الحديث 1.

(2) المستدرك الباب- 12- من أبواب رمي جمرة العقبة الحديث 2.

20

[في عدم جواز الرمي ليلا]

و كيف كان ف لا يجوز ان يرمي ليلا لما عرفت إلا لعذر كالخائف و المريض و الرعاة و العبيد بلا خلاف أجده فيه، ل

قول الصادق (عليه السلام) في صحيح ابن سنان (1): «لا بأس أن يرمي الخائف بالليل و يضحى و يفيض بالليل»

و في موثق سماعة (2) «و رخص للعبد و الخائف و الراعي في الرمي ليلا»

و في حسن زرارة و محمد بن مسلم (3) «في الخائف لا بأس أن يرمي الجمار بالليل و يفيض بالليل»

و سأله (عليه السلام) أبو بصير (4) أيضا «عن الذي ينبغي له أن يرمي بليل من هو قال: الحاطب و المملوك الذي لا يملك من أمره شيئا و الخائف و المدين و المريض الذي لا يستطيع أن يرمي يحمل الى الجمار، فان قدر على أن يرمي و إلا فارم عنه و هو حاضر»

و في خبر أبي بصير الآخر (5) عنه (عليه السلام) أيضا «رخص رسول الله (صلى الله عليه و آله) لرعاة الإبل إذا جاؤا بالليل أن يرموا».

و لا فرق في الليل بين المتقدم و المتأخر لعموم النصوص و الفتاوى كما اعترف به في كشف اللثام، و لكن في المدارك «و الظاهر أن المراد بالرمي ليلا رمي جمرات كل يوم في ليلته، و لو لم يتمكن من ذلك لم يبعد جواز رمي الجميع في ليلة واحدة، لأنه أولى من الترك أو التأخير، و ربما كان في إطلاق بعض (6) الروايات المتقدمة دلالة عليه» قلت: هو العمدة و إلا فسابقه مجرد اعتبار، بل ظاهر النصوص المزبورة ذلك و إن لم يعلم حاله فيما يأتي من الليالي، و الله العالم.

[فيما حصل به الترتيب في رمي الجمار]

و من حصل له رمي أربع حصيات ثم رمى على الجمرة الأخرى حصل الترتيب و إلا فلا بلا خلاف أجده فيه كما اعترف به في الرياض إلا

____________

(1) الوسائل الباب- 14- من أبواب رمي جمرة العقبة الحديث 1.

(2) الوسائل الباب- 14- من أبواب رمي جمرة العقبة الحديث 2.

(3) الوسائل الباب- 14- من أبواب رمي جمرة العقبة الحديث 4.

(4) الوسائل الباب- 14- من أبواب رمي جمرة العقبة الحديث 7.

(5) الوسائل الباب- 14- من أبواب رمي جمرة العقبة الحديث 6.

(6) الوسائل الباب- 14- من أبواب رمي جمرة العقبة الحديث 6.

21

من ظاهر المحكي عن علي بن بابويه، بل عن صريح الخلاف و ظاهر التذكرة و المنتهى الإجماع عليه، ل

صحيح معاوية (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في رجل رمى الأولى بأربع و رمى الأخيرتين بسبع سبع قال: يعود فيرمي الأولى بثلاث و قد فرغ، و إن كان رمى الأولى بثلاث و رمى الأخيرتين بسبع سبع فليعد فليرمهن جميعا بسبع سبع، و إن كان رمى الوسطى بثلاث، ثم رمى الأخرى فليرم الوسطى بسبع، فان كان رمى الوسطى بأربع، رجع فرمى بثلاث»

و الصحيح الآخر (2) عنه (عليه السلام) أيضا «في رجل رمى الجمرة الأولى بثلاث و الثانية بسبع و الثالثة بسبع قال:

يعيد فيرميهن جميعا بسبع سبع، قلت: فان رمى الأولى بأربع و الثانية بثلاث و الثالثة بسبع قال: يرمي الجمرة الأولى بثلاث و الثانية بسبع، و يرمي جمرة العقبة بسبع، قلت: فان رمى الجمرة الأولى بأربع و الثانية بأربع و الثالثة بسبع قال: يعيد فيرمي الأولى بثلاث و الثانية بثلاث، و لا يعيد على الثالثة»

و خبر علي بن أسباط (3) قال أبو الحسن (عليه السلام):

«إذا رمى الرجل الجمار أقل من أربع لم يجزه أعاد عليها و على ما بعدها و إن كان قد أتم ما بعدها، و إذا رمى شيئا منها بنى عليها و لم يعد على ما بعدها إن كان قد أتم رميه»

بل و إطلاق

حسن الحلبي (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) على ما في الكافي «في رجل رمى الجمار منكوسة قال:

يعيد على الوسطى و جمرة العقبة»

و زاد في المدارك «فان كان قد رمى الجمرة الأولى أقل من أربع حصيات و أتم الأخيرتين فليعد على الثلاث

____________

(1) الوسائل الباب- 6- من أبواب العود إلى منى الحديث 1.

(2) الوسائل الباب- 6- من أبواب العود إلى منى الحديث 2.

(3) الوسائل الباب- 6- من أبواب العود إلى منى الحديث 3.

(4) الوسائل الباب- 5- من أبواب العود إلى منى الحديث 3.

22

جمرات، و إن كان قد رمى من الأولى أربعا فليتم ذلك و لا يعيد على الأخيرتين، و كذلك إن كان قد رمى من الثانية ثلاثا فليعد عليها و على الثالثة، و إن كان قد رماها بأربع و رمى الثالثة بسبع فليتمها و لا يعيد الثالثة» إلا أن الظاهر كون هذه الزيادة من كلام الشيخ لا من الرواية كما يظهر لك بالتأمل فيما في الكافي و ما رواه في التهذيب عنه و لعله لذا لم تذكر في الوافي و الوسائل، و الأمر سهل، ضرورة كفاية النصوص السابقة في المطلوب الذي هو البناء مع الإتيان بالأربع و عدمه بدونه، و ما سمعته من ابن بابويه لم نعرف له دليلا سوى فوات الموالاة التي لم نجد عليها دليلا، بل ظاهر الأدلة خلافه بل مقتضاه حينئذ عدم الاكتفاء بإكمال ما زاد على الأربع لفوات الموالاة فيه، مع أنه لا يقول به، إذ المحكي من عبارته في المختلف «فان جهلت و رميت الأولى بسبع حصيات و الثانية بست و الثالثة بثلاث فارم على الثانية بواحدة و أعد الثالثة و متى لم تجز النصف فأعد الرمي من أوله، و متى جزت النصف فابن على ما رميت، و إذا رميت الجمرة الأولى دون النصف فعليك أن تعيد الرمي إليها و الى ما بعدها من أوله».

و على كل حال فالنصوص و الفتاوى و معاقد الإجماعات حجة عليه بل ظاهرها عدم الفرق في ذلك بين العامد و الجاهل و الناسي، بل قيل هو ظاهر المتن و النافع و المحكي عن المبسوط و الخلاف و السرائر و الجامع و التحرير و التلخيص و اللمعة، خلافا للفاضل في القواعد و التذكرة و المنتهى و الشهيدين في الدروس و الروضة، و ربما عزي الى الشيخ و الأكثر و ربما جعل أشهر فقيدوه بالناسي، بل في الحدائق نسبة تقييده به و بالجاهل إلى الأصحاب، و إن كنا لم نتحققه في الثاني، نعم ألحقه الشهيدان

23

منهم بالناسي.

و على كل حال فعن الفاضل الاستدلال له بأن الأكثر انما يقوم مقام الكل مع النسيان، ورد بأنه إعادة للمدعى، و فيه أن المراد الإشارة الى ما سمعته في الطواف بمعنى أن الأصل عدم قيام غير ذلك مقامه بالنسبة إلى الترتيب، و لذا استدل له في الروضة بأنه منهي عن رمي اللاحقة قبل إكمال السابقة فيفسد، و إن ضعف أيضا بأن المعلوم انما هو النهي عنه قبل الأربع لا مطلقا، و لو سلم فهو اجتهاد في مقابلة إطلاق النص، و لكنه كما ترى، ضرورة عدم شموله للعامد لندرته فلا ينصرف إليه السؤال المعلق عليه الجواب، مضافا الى حمل فعل المسلم على الصحة، و الى إطلاق ما دل على وجوب الترتيب المقتضي لفساد اللاحق قبل إتمام السابق المعتضد بما سمعته من فتوى الأصحاب.

ثم إن ظاهر ما سمعته من الإعادة في بعض النصوص أو صريحه كصريح معظم الفتاوى وجوب الاستئناف بالإتيان بدون الأربع، فلا يكفي إكمالها مع إعادة ما بعدها في الأولى أو الثانية، لكن في القواعد و التحرير و التذكرة و المنتهى و محكي السرائر يكمل الناقص و يعيد ما بعده، للأصل، و الأصح الأول، لما سمعته من النصوص معتضدا بفتوى المعظم كالشيخ و بني الجنيد و حمزة و البراج و علي بن بابويه و غيرهم و به ينقطع الأصل، و هو خيرته في المختلف، و دعوى إرادة الإكمال من الإعادة لأن كل رمية لاحقة إعادة للرمي كما ترى، نعم لو كان الناقص في الثالثة أكملها و اكتفى به من غير فرق بين الأربع و غيرها لعدم ترتيب عليه بعدها، و لعله لا خلاف فيه إلا ما سمعته من ابن بابويه بناء على اعتبار الموالاة الذي لم نجد له دليلا بالخصوص، بل ظاهر

24

الأدلة سابقا خلافه، و كونه المعهود في العمل للعادة لا يقتضي الاعتبار خصوصا بعد ما سمعته من النصوص، و الله العالم.

[في وجوب القضاء غدا لو نسي رمي يوم أو تركه عمدا]

و لو نسي رمي يوم أو تركه عمدا قضاه من الغد مرتبا يبدأ بالفائت و يعقب بالحاضر بلا خلاف أجده بيننا في أصل وجوب القضاء، بل الإجماع بقسميه عليه، مضافا الى

صحيح معاوية (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «قلت له: الرجل ينكس في رمى الجمار فيبدأ بجمرة العقبة ثم الوسطى ثم العظمى قال: يعود و يرمى الوسطى ثم جمرة العقبة و إن كان من الغد»

نعم عن الشافعي قول بالسقوط، و آخر بأنه في الغد أداء، و كذا من فاته رمى يومين قضاهما في الثالث مقدما للأول على الثاني و يختم بالأداء، و فيما تسمعه من حسن عمار (2) الفصل بين كل رميين ساعة، و إن فاته يوم النحر قضاه بعده، و لا شيء عليه غير القضاء عندنا في جميع الصور للأصل.

و أما الترتيب فلا خلاف أجده فيه أيضا بل في المدارك هو مقطوع به في كلام الأصحاب بل عن الخلاف الإجماع عليه، مضافا الى ما قيل من تقدم سببه و الاحتياط، و إن كان فيه ما فيه، و صحيح ابن سنان (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في رجل أفاض من جمع حتى انتهى الى منى فعرض له عارض فلم يرم الجمرة حتى غابت الشمس قال: يرمي إذا

____________

(1) الوسائل الباب- 5- من أبواب العود إلى منى الحديث 4.

(2) الوسائل الباب- 3- من أبواب العود إلى منى الحديث 2 عن معاوية بن عمار و هو الصحيح كما يأتي في ص 26.

(3) الوسائل الباب- 15- من أبواب رمى جمرة العقبة الحديث 2 و لكن الصدوق (قده) رواه عن عبد الله بن سنان أيضا.

25

أصبح مرتين، إحداهما بكرة و هي للأمس، و الأخرى عند زوال الشمس» و رواه الصدوق في الفقيه في الصحيح عن معاوية بن عمار مثله، و الشيخ في الصحيح عنه أيضا إلا أنه قال «يرمي إذا أصبح مرتين، مرة لما فاته، و الأخرى ليومه الذي يصبح فيه، و ليفرق بينهما، يكون إحداهما بكرة، و هي للأمس»

، بل في كشف اللثام الاستدلال عليه بالأخبار و إن كان لم يحضرنا الآن إلا ما سمعت، بل في الرياض «لم نجد الأخبار المفيدة لوجوب التقديم، لأنها ما بين مطلقة للأمر بالقضاء و بين مصرحة بالتقديم، لكنه مقيد بقيد هو للاستحباب- الى ان قال-: و ظاهرهم عدم الخلاف في الاستحباب و إن أشعر بوجوده عبارة الدروس حيث جعله أظهر، و هو كذلك جمعا بينه و بين الصحيح المتقدم الآمر بالفصل بينهما بساعة المنافي لما في هذا الصحيح قطعا، و الجمع بالحمل على تفاوت مراتب في الاستحباب، فأدناها ما سبق و أعلاها ما هنا، لكن ظاهر الأصحاب الاعراض عن الحديث السابق، فيلحق بالشواذ، و يتوجه حينئذ وجوب ما في هذا الصحيح إن لم ينعقد الإجماع على جواز الإتيان بهما في وقت واحد، و ان انعقد كما صرح به بعض الأصحاب حيث قال بعد الحكم بجوازه بلا خلاف بشرط الترتيب فالوجه الاستحباب و مما ذكرنا ظهر انه لا مستند لوجوب الترتيب سوى الإجماع» و إن كان فيه نظر من وجوه، منها دعوى عدم دلالة الصحيح المزبور على وجوب التقديم، فإنه يمكن دعوى ظهوره فيه و لو بملاحظة الشهرة أو الإجماع، و لا ينافيه استحباب القيد، و على كل حال فما عن قول لبعض العامة من عدم وجوب تقديم الفائت واضح الفساد، هذا.

26

و يستحب أن يكون ما يرميه لأمسه غدوة، و ما يرميه ليومه عند الزوال كما صرح به الفاضل و غيره، بل قد سمعت دعوى ظهور عدم الخلاف فيه، لكن في المدارك «و ينبغي إيقاع الفائت بعد طلوع الشمس و إن كان الظاهر جواز الإتيان به قبل طلوعها لإطلاق الخبر» و فيه أن المراد من «بكرة» في الخبر المزبور طلوع الشمس كما اعترف به في كشف اللثام و محكي السرائر لا طلوع الفجر، و لو لما عرفت من تحديد الرمي بما بين طلوع الشمس الى غروبها الشامل للأداء و القضاء، و أن الرمي في غيره لذوي الأعذار، بل عن المنتهى التصريح بمساواة القضاء للأداء في ذلك، فلا ريب في أن الأحوط إن لم يكن الأقوى مراعاته، و في المسالك في بعض الأخبار دلالة عليه.

و لو فاته جمرة و جهل تعينها أعاد على الثلاث مرتبا، لإمكان كونها الأولى فتبطل الأخيرتان، و كذا لو فاته أربع حصيات من جمرة و جهل تعينها، و لو فاته دون الأربع من جمرة و جهل تعينها كرره على الثلاث و لا يجب الترتيب هنا، لأن الفائت من واحدة و وجوب الباقي من باب المقدمة، كوجوب ثلاث فرائض عن واحدة مشتبهة من الخمس، و لو فاته من كل جمرة واحدة أو ثنتان أو ثلاث وجب الترتيب لتمدد الفائت و لو فاته ثلاث و شك في كونها من واحدة أو أكثر رماها عن كل واحدة مرتبا لجواز التعدد، و لو كان الفائت أربعا استأنف، و الله العالم.

[في وجوب الرجوع من مكة للرمي إذا نسيه]

و لو نسي رمي الجمار حتى دخل مكة رجع و رمى مع بقاء أيام التشريق التي هي زمان الرمي بلا خلاف أجده، ل

حسن ابن عمار (1)

____________

(1) الوسائل الباب- 3- من أبواب العود إلى منى الحديث 2.

27

عن الصادق (عليه السلام) «قلت رجل نسي أن يرمي الجمار حتى أتى مكة قال: يرجع فيفصل بين كل رميتين بساعة، قلت: فاته ذلك و خرج قال: ليس عليه شيء»

و صحيحه (1) عنه (عليه السلام) أيضا «سألته ما تقول في امرأة جهلت أن ترمي الجمار حتى نفرت إلى مكة قال: فلترجع فلترم الجمار كما كانت ترمي، و الرجل كذلك»

و صحيحه الآخر (2) عنه (عليه السلام) أيضا «قلت له: رجل نسي رمي الجمار قال: يرجع فيرمي قلت: فإنه نسيها حتى أتى مكة قال: يرجع فيرمي متفرقا يفصل بين كل رميتين بساعة، قلت: فإنه نسي أو جهل حتى فاته و خرج قال: ليس عليه أن يعيد»

لكن في المدارك بعد أن ذكر الحسن و الصحيح قال: «و إطلاق هاتين الروايتين يقتضي وجوب الرجوع من مكة و الرمي و إن كان بعد انقضاء أيام التشريق، لكن صرح الشيخ و غيره ان الرجوع انما يجب مع بقاء أيام التشريق، و مع خروجها تقضى في القابل، و استدل عليه في التهذيب ب

خبر عمر بن يزيد (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «من أغفل رمي الجمار أو بعضها حتى تمضي أيام التشريق فعليه أن يرميها من قابل، فان لم يحج رمى عنه وليه، فان لم يكن له ولي استعان برجل من المسلمين يرمى عنه، و أنه لا يكون رمى الجمار إلا في أيام التشريق»

و هذه الرواية واضحة، لكن في طريقها محمد بن عمر بن يزيد و لم يرد فيه توثيق و لا مدح يعتد به، و لعل ذلك هو السر في إطلاق المصنف وجوب الرجوع من مكة و الرمي» و فيه أن إطلاق المصنف منزل على قوله متصلا بما سمعت:

____________

(1) الوسائل الباب- 3- من أبواب العود إلى منى الحديث 1.

(2) الوسائل الباب- 3- من أبواب العود إلى منى الحديث 3.

(3) الوسائل الباب- 3- من أبواب العود إلى منى الحديث 4.

28

و إن خرج من مكة لم يكن عليه شيء إذا انقضى زمان الرمي كما عن التهذيب و الخلاف و الكافي و الغنية و السرائر و الإصباح و القواعد و غيرها على ما حكي عن بعضها، بل عن الغنية منها الإجماع عليه.

و بذلك كله مضافا الى ما حكاه غير واحد من شهرة الأصحاب، بل لا أجد فيه خلافا- ينجبر سند الخبر المزبور، و لعل عدم ذكر فوت الزمان في النافع و محكي النهاية و المبسوط و الوسيلة و المهذب و الجامع و التلخيص و انما في المهذب و الوسيلة الرجوع الى أهله، و في الباقية الخروج من مكة بناء على الغالب من خروج وقت الرمي، و بذلك يظهر لك أنه لا وجه للتوقف في سقوط الرمي بعد خروج زمانه، بل يمكن دعوى عدم تناول الإطلاق لهذه الصورة.

[في حكم من تعمد ترك رمي الجمار]

إنما الكلام في قول المصنف فان عاد في القابل رمى، و إن استناب فيه جاز الذي استظهر منه في المدارك أن العود في القابل لقضاء الرمي أو الاستنابة على الاستحباب كما صرح به في النافع، قال: «و لو حج في القابل استحب له القضاء، و لو استناب جاز» و مال إليه في المدارك للأصل بعد ضعف الخبر المزبور المعارض بنفي الشيء و الإعادة في الصحيحين (1) السابقين الشامل للقضاء، و لكن لا يخفى عليك ما في ذلك كله بعد ما عرفت من انجبار سند الخبر المزبور بالشهرة العظيمة، بل في كشف اللثام نفي الخلاف فيه، بل لم نجد مصرحا بالندب غير المصنف في النافع و الفاضل في محكي التبصرة، و أما باقي الأصحاب فهم على ما في الرياض بين مصرح بالوجوب كالشيخ في التهذيبين

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من أبواب العود إلى منى الحديث 2 و 3.

29

و الخلاف و الشهيدين في الدروس و المسالك و الروضة، و باللزوم كالحلبي و آمر به كالشيخ في النهاية و الحلي في السرائر و الفاضل في التحرير و القواعد و ابن زهرة في الغنية مدعيا عليه الإجماع، و إن كان فيه أن المحكي عن الخلاف في كشف اللثام أنه قال: «إن فاته دون أربع حصيات حتى مضت أيام التشريق فلا شيء عليه و إن أتى به في القابل كان أحوط، قال: و نحوه التحرير و التذكرة و المنتهى، و لكن على كل حال بما عرفت ينجبر سند الخبر المزبور، و ينقطع به الأصل بعد الإغضاء عن احتمال عدم جريانه، لاشتغال ذمته به و يخص به الصحيحان المحمولان على ما يجامعه بأن يراد نفي الكفارة و نحوه و الإعادة في تلك السنة التي مضى فيها زمان الرمي، بل قد يحتمل أن يكون انما أراد السائل أنه نسي التفريق، و يؤيده لفظ «يعيد» بل قيل إن في الطريق النخعي، فلا يكون صحيحا إلا إذا كان أيوب بن نوح، و لا يقطع به، و أما عبارة المصنف هنا فلا ظهور فيها في الندب، بل قوله فيها «رمى» ظاهر في الوجوب، بل في المسالك دعوى ظهور قوله: «و ان استناب جاز» فيه أيضا، بل فيها بعد أن جعل الأقوى وجوب القضاء في القابل في أيامه «لكن إذا كان اتفق حضوره وجبت عليه المباشرة، و إلا جازت الاستنابة و إن أمكن العود» و الظاهر ان مراد المصنف ذلك و لكن العبارة مجملة.

و كيف كان فلا شيء عليه من كفارة عندنا للأصل، و عن الشافعي وجوب هدي و لا دليل عليه، و لا يختل بذلك إحلاله عندنا و إن تعمد الترك للأصل، و لكن في محكي التهذيب و قد روي أن من ترك الجمار متعمدا لا تحل له النساء و عليه الحج من قابل مريدا بذلك

خبر عبد الله بن جبلة (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «من ترك و رمى الجمار متعمدا لم تحل له النساء، و عليه الحج من قابل»

و نحوه

____________

(1) الوسائل الباب- 4- من أبواب العود إلى منى الحديث 5.

30

عن أبي علي، و لم نعرف قائلا به غيره، و لذا حمله غير واحد على الندب، على أنه ضعيف بل قيل إنه يحتمل تعمد الترك لزعمه عند ما أحرم أو بعده أنه لغو لا عبرة به، فإنه حينئذ كافر لا عبرة بحجه، و أن يكون إيجاب الحج عليه من قابل لقضاء الرمي فيه، فيكون بمعنى ما في خبر عمر بن يزيد (1) من ان عليه الرمي من قابل إن أراده بنفسه، و إذا جاء بنفسه فلا بد من أن يحرم بحج أو عمرة، و الله العالم.

[في جواز النيابة في الرمي]

و لا خلاف أجده في أنه يجوز أن يرمى عن المعذور كالمريض إذا لم يزل عذره وقت الرمي، بل الإجماع بقسميه عليه، مضافا الى النصوص، ففي

حسن معاوية و ابن الحجاج (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «الكسير و المبطون يرمي عنهما، و الصبيان يرمى عنهم»

و في موثق إسحاق بن عمار (3) «سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن المريض يرمى عنه الجمار قال: نعم يحمل إلى الجمرة و يرمى عنه»

و في خبره الآخر (4) أنه سأل أبا الحسن موسى (عليه السلام) «عن المريض يرمى عنه الجمار قال نعم يحمل إلى الجمرة و يرمى عنه، قلت: فإنه لا يطيق ذلك قال: يترك في منزله و يرمى عنه»

و غيرها من النصوص التي ظاهرها ذلك و إن لم يكن مأيوسا من برئه كالفتاوى، كما أن مقتضى قاعدة الاجزاء عدم وجوب الإعادة بعد الرمي و إن كان الوقت باقيا كما عن التحرير و المنتهى القطع به، و قربة في محكي التذكرة، لكن استشكله بعض الناس بمنع السقوط ما دام وقت الأداء باقيا، و هو محتمل ما في القواعد و يجوز الرمي عن المعذور كالمريض إذا لم يزل عذره وقت الرمي، و لعل الأقوى

____________

(1) الوسائل الباب- 3- من أبواب العود إلى منى الحديث 4.

(2) الوسائل الباب- 17- من أبواب رمي جمرة العقبة الحديث 3.

(3) الوسائل الباب- 17- من أبواب رمي جمرة العقبة الحديث 4.

(4) الوسائل الباب- 17- من أبواب رمي جمرة العقبة الحديث 2.

31

ما سمعت للقاعدة المزبورة و إطلاق النص و الفتوى الذين مقتضاهما أيضا عدم بطلان النيابة بالإغماء بعد الاستنابة، فما عن بعض الناس من البطلان قياسا على الوكالة واضح المنع، بل في المدارك «منع ثبوت الحكم في الأصل إن لم يكن إجماعا على وجه لا تجوز مخالفته لانتفاء الدليل عليه» و إن كان فيه ما فيه كما بيناه في محله.

بل عن المنتهى و التحرير استحباب استئذان النائب، و مقتضاه عدم توقف النيابة على الاذن المعتبر في التوكيل، و لعله كذلك لإطلاق النصوص، خلافا لما عن المبسوط من أنه لا بد من اذنه إذا كان عقله ثابتا، بل ينبغي الجزم بعدم اعتبارها مع فرض عدم قابلية المنوب عنه لها بإغماء و نحوه، و لذا قال في محكي المنتهى: إن زال عقله قبل الاذن جاز له أن يرمى عنه عندنا عملا بالعمومات

و صحيح رفاعة بن موسى) عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1) «سألته عن رجل أغمي عليه فقال: يرمى عنه الجمار»

بل في المدارك ربما ظهر منه وجوب الرمي عنه كفاية و إن كان لا يخلو من نظر بل منع، و في الدروس لو أغمي عليه قبل الاستنابة و خيف فوات الرمي فالأقرب رمي الولي عنه، فان تعذر فبعض المؤمنين، ل

رواية رفاعة (2) عن الصادق (عليه السلام) «يرمى عمن أغمي عليه».

نعم قد يقال بوجوب الاستنابة عليه مع بقاء عقله و اختياره، و إن كان لو فعل من غير إذنه جاز و سقط عنه ذلك، لما سمعته من إطلاق النص و الفتوى مؤيدا بالاجزاء عن المغمى عليه، و باجزاء الحج متبرعا عن الميت، و لعل استحباب الاستئذان الذي سمعته من المنتهى و التحرير إغناء للمنوب عنه عن الاستنابة الواجبة عليه، و إبراء لذمته عنها، كما أن ما في المحكي عنهما أيضا من استحباب وضع المنوب الحصى في يد النائب تشبيها بالرامي، و لايماء حمله

____________

(1) الوسائل الباب- 17- من أبواب رمى جمرة العقبة الحديث 5.

(2) الوسائل الباب- 17- من أبواب رمى جمرة العقبة الحديث 5.

32

الى الجمار إليه أيضا، بل في محكي التذكرة استحباب وضع النائب الحصى في يد المنوب يعني و الرمي بها و هي في يده كما عن المنتهى أو ثم أخذها من يده و رميها كما عن المبسوط، بل قيل هو الموافق لرسالة علي بن بابويه، و السرائر و الوسيلة و التحرير و غيرها، و الأمر سهل، و الله العالم.

[في استحباب أن يقيم الإنسان بمنى أيام التشريق]

و يستحب أن يقيم الإنسان بمنى أيام التشريق بلا خلاف أجده فيه ل

صحيح العيص بن القاسم (1) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الزيارة بعد زيارة الحج أيام التشريق فقال: لا»

و خبر ليث المرادي (2) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يأتي مكة أيام منى بعد فراغه من زيارة البيت فيطوف بالبيت أسبوعا فقال: المقام بمنى أفضل و أحب الي»

و لا ينافي ذلك

صحيح جميل (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «لا بأس أن يأتي الرجل مكة فيطوف بها في أيام منى و لا يبيت بها»

و صحيح رفاعة (4) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يزور البيت في أيام التشريق قال: نعم إن شاء»

و صحيح يعقوب بن شعيب (5) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن زيارة البيت أيام التشريق فقال: حسن»

و نحوها من النصوص الدالة على أصل الجواز الذي لا ينافي الاستحباب، بل قوله في الأخير «حسن» لا ينافي كون الأحسن منه المقام بها، بل و كذا ما في موثق إسحاق بن عمار (6) «قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام): رجل زار فقضى طواف حجه كله أ يطوف بالبيت أحب إليك أم يمضي على وجهه إلى منى؟ فقال: أي ذلك شاء فعل ما لم يبت»

المحتمل مع ذلك للتقية، و الأمر سهل.

و المراد من النص و الفتوى استحباب ما زاد على زمن الرمي الذي عرفت وجوبه و لو بتقدير مضاف أي بقية أيام التشريق،. أو بالحمل على إطلاق اسم

____________

(1) الوسائل الباب- 2- من أبواب العود إلى منى الحديث 6.

(2) الوسائل الباب- 2- من أبواب العود إلى منى الحديث 5.

(3) الوسائل الباب- 2- من أبواب العود إلى منى الحديث 1.

(4) الوسائل الباب- 2- من أبواب العود إلى منى الحديث 2.

(5) الوسائل الباب- 2- من أبواب العود إلى منى الحديث 3.

(6) الوسائل الباب- 2- من أبواب العود إلى منى الحديث 4.

33

الجزء على الكل فإن الإقامة في باقي الأجزاء مستحبة، أو يكون الاستحباب متعلقا بالمجموع من حيث هو مجموع، فلا ينافي وجوب بعض أجزاء المجموع المغايرة له من تلك الحيثية.

و على كل حال فالظاهر إرادة النهار من الأيام هنا حتى على القول بشمولها الليالي. إلا أن يكون على أحد الوجوه السابقة أيضا، و الله العالم.

[في استحباب أن يرمي الجمرة الأولى عن يمينه]

و يستحب أن يرمي الجمرة الأولى التي هي أبعد الجمرات من مكة و تلي مسجد الخيف عن يمينه أي يمين الرامي و يسارها كما هو المعروف في النص و الفتوى،

قال الصادق (عليه السلام) (1): «ابدأ بالجمرة الأولى فارمها عن يسارها في بطن المسيل»

إذ المراد بيسارها جانبها اليسار بالإضافة إلى المتوجه إلى القبلة، فيجعلها حينئذ عن يمينه، فيكون ببطن المسيل، لأنها عن يسارها و يرميها منه، و اليه يرجع

قول الرضا (عليه السلام) في صحيح إسماعيل (2): «ترمي الجمار من بطن الوادي»

و بذلك كله صرح المصنف في النافع، قال: «و يستحب الوقوف عند كل جمرة و رميها عن يسارها مستقبل القبلة، و يقف داعيا عدا جمرة العقبة، فإنه يستدبر القبلة و يرميها عن يمينه» و لكن في القواعد «و يستحب رمي الأولى عن يساره» نحو ما عن بعض نسخ الكتاب عن يمينها، فإنه يكون عن يسار الرامي لمستقبل القبلة، و ربما أولت الأولى في عبارة القواعد بالمذكور و على كل حال فالموافق للنص و الفتوى ما عرفت، و لعله يشهد لما سمعته من الرمي مستقبل القبلة يوم النحر، فلاحظ و تأمل.

[في استحباب أن يقف عن يسار الطريق مستقبل القبلة ذاكرا لله تعالى]

و يستحب أيضا أن يقف عن يسار الطريق مستقبل القبلة ذاكرا لله تعالى بالحمد و الثناء مصليا على النبي و آله (صلوات الله عليهم) ثم يتقدم قليلا و يدعو

____________

(1) الوسائل الباب- 10- من أبواب رمي جمرة العقبة الحديث 2.

(2) الوسائل الباب- 10- من أبواب رمي جمرة العقبة الحديث 5.

34

و كذا يصنع في الثانية، و يرمي الثالثة مستدبر القبلة مقابلا لها و لا يقف عندها كل ذلك عدا الأخير ل18597

قول الصادق (عليه السلام) في صحيح معاوية (1): «ارم في كل يوم عند زوال الشمس، و قل كما قلت حين رميت جمرة العقبة، فابدأ بالجمرة الأولى فارمها عن يسارها في بطن المسيل، و قل كما قلت يوم النحر ثم قم عن يسار الطريق فاستقبل القبلة و احمد الله و أثن عليه وصل على النبي (صلى الله عليه و آله) ثم تقدم قليلا فتدعو و تسأله أن يتقبل منك، ثم تقدم أيضا ثم افعل ذلك عند الثانية، و اصنع كما صنعت بالأولى، و تقف و تدعوا الله تعالى كما دعوت، ثم تمضي إلى الثالثة و عليك السكينة و الوقار، فارم و لا تقف عندها»

بل النصوص بعدم الوقوف على الثالثة كثيرة، نعم ليس فيها الاستدبار، لكن قد عرفت الحال في رمي يوم النحر، فلاحظ و تأمل، مضافا الى أنه المحكي من فعل النبي (صلى الله عليه و آله)، و الله العالم.

[في حكم التكبير بمنى]

و المشهور أن التكبير بمنى مستحب كما صرح به في صحيح علي بن جعفر (2) عن أخيه موسى (عليه السلام) «سألته عن التكبير أيام التشريق أو أجب أو لا؟ قال، مستحب، و إن نسي فلا شيء عليه»

و منه يعلم إرادته من الأمر بالتكبير و بالذكر في أيام معدودات في الكتاب العزيز (3) بناء على أن المراد بها منى كما في صحيح ابن مسلم (4) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قول

____________

(1) ذكر صدره في الوسائل في الباب- 12- من أبواب رمي جمرة العقبة الحديث 1 و ذيله في الباب 10 منها الحديث 2.

(2) الوسائل الباب- 21- من أبواب صلاة العيد الحديث 10- من كتاب الصلاة.

(3) سورة البقرة الآية 199.

(4) الوسائل الباب- 21- من أبواب صلاة العيد الحديث 1 من كتاب الصلاة.

35

الله عز و جل «وَ اذْكُرُوا اللّٰهَ فِي أَيّٰامٍ مَعْدُودٰاتٍ» قال: التكبير في أيام التشريق صلاة الظهر من يوم النحر إلى صلاة الفجر من اليوم الثالث، و في الأمصار عشر صلوات، فإذا نفر الناس النفر الأول أمسك أهل الأمصار و من أقام بمنى فصلى الظهر و العصر فليكبر»

و صحيح منصور بن حازم (1) عنه (عليه السلام) أيضا في قول الله عز و جل «وَ اذْكُرُوا اللّٰهَ فِي أَيّٰامٍ مَعْدُودٰاتٍ» قال: «هي أيام التشريق، كانوا إذا أقاموا بمنى بعد النحر تفاخروا فقال الرجل منهم: كان أبي يفعل كذا و كذا فقال الله عز و جل، «فَإِذٰا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفٰاتٍ. فَاذْكُرُوا اللّٰهَ كَذِكْرِكُمْ آبٰاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً» (2)- قال-: و التكبير الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله و الله أكبر الله أكبر و لله الحمد الله أكبر على ما هدانا، الله أكبر على ما رزقنا من بهيمة الأنعام».

و لكن مع ذلك قيل و القائل المرتضى و ابن حمزة فيما حكي عنهما واجب محتجا عليه أو لهما بالإجماع الموهون بمصير غيره الى خلافه، و بالأمر المراد منه الندب كما عرفت، و الله العالم.

و صورته المشهورة بين الأصحاب الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله

____________

(1) الوسائل- الباب- 21- من أبواب صلاة العيد الحديث 3 من كتاب الصلاة.

(2) هكذا في الوسائل و الكافي ج 4 ص 516 إلا أنه سهو فان ما يتلو قوله تعالى «فَإِذٰا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفٰاتٍ» هو قوله عز و جل: «فَاذْكُرُوا اللّٰهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرٰامِ. إلخ» و أما الجملة الثانية فهي بعد قوله عز من قائل «فَإِذٰا قَضَيْتُمْ مَنٰاسِكَكُمْ» و لعله كان الصحيحة هكذا «فَإِذٰا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفٰاتٍ- الى قوله- فَاذْكُرُوا اللّٰهَ كَذِكْرِكُمْ آبٰاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً» فسقط كلمة «الى قوله» من قلم الناسخ.

36

و الله أكبر الله أكبر على ما هدانا، و الحمد لله على ما أولانا و رزقنا من بهيمة الأنعام و قد سمعت ما في صحيح ابن حازم، و في صحيح معاوية (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «و التكبير ان يقول: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله و الله أكبر و لله الحمد الله أكبر على ما هدانا، الله أكبر على ما رزقنا من بهيمة الأنعام و الحمد لله على ما أبلانا»

و قد تقدم تحقيق ذلك و غيره من مباحث التكبير في صلاة العيد، و تأمل، و لعل هذا الاختلاف يومي الى الاستحباب، بل في صحيح ابن مسلم (2) عن أحدهما (عليهما السلام) «سألته عن التكبير بعد كل صلاة فقال: كم شئت إنه ليس شيء موقت»

و الله العالم.

[في جواز النفر في الأول للمتقي]

و يجوز النفر في الأول و هو اليوم الثاني عشر من ذي الحجة لمن اجتنب النساء و الصيد في إحرامه كما هو المشهور أو سائر ما يحرم عليه فيه كما عن ابن سعيد أو خصوص ما يوجب الكفارة كما عن بني إدريس و أبي المجد فهو في الجملة لا خلاف معتد به أجده فيه، بل الإجماع بقسميه عليه، بل في محكي المنتهى نسبته الى العلماء كافة، و الأصل فيه قول الله عز و جل (3):

«فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ، وَ مَنْ تَأَخَّرَ فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقىٰ» بناء على كون المراد اتقاء الصيد و النساء كما في النافع و محكي النهاية و المبسوط و الوسيلة و المهذب، و في خبر حماد بن عثمان (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله

____________

(1) الوسائل الباب- 21- من أبواب صلاة العيد الحديث 4 من كتاب الصلاة.

(2) الوسائل الباب- 24- من أبواب صلاة العيد الحديث 1 من كتاب الصلاة.

(3) سورة البقرة الآية 199.

(4) الوسائل- الباب- 11- من أبواب العود إلى منى الحديث 2.

37

عز و جل «فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ، وَ مَنْ تَأَخَّرَ فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقىٰ الصيد يعني في إحرامه، فإن أصابه لم يكن له أن ينفر في النفر الأول»

و خبره الآخر (1) عنه (عليه السلام) أيضا «إذا أصاب المحرم الصيد فليس له أن ينفر في النفر الأول، و من نفر في النفر الأول فليس له أن يصيب الصيد حتى ينفر الناس، و هو قول الله تعالى فَمَنْ تَعَجَّلَ، الآية، قال: اتقى الصيد»

و في خبر جميل (2) عنه (عليه السلام) أيضا في حديث «و من أصاب الصيد فليس له أن ينفر في النفر الأول»

و في خبر محمد بن المستنير (3) عنه (عليه السلام) أيضا «من أتى النساء في إحرامه فليس له أن ينفر في النفر الأول»

و به مضافا الى الإجماع يقيد مفهوم الخبر الأول كالعكس، و عدم ذكر غير رواية الصيد في محكي التبيان و المجمع و روض الجنان و أحكام القرآن ليس خلافا.

و المناقشة بضعف السند- كما في المدارك، و بإجمال المراد بالاتقاء المحتمل ما سمعت، و ما قيل من أن معناه أن التخيير و نفي الإثم عن المتعجل و المتأخر لأجل الحاج المتقي كي لا يتخالج قلبه اثم منهما، أو أن هذه المغفرة إنما تحصل لمن كان متقيا قبل حجه، لقوله تعالى (4) «إِنَّمٰا يَتَقَبَّلُ اللّٰهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ» أو لمن كان متقيا من المحظورات حال اشتغاله في الحج، أو ما في صحيح معاوية بن عمار (5) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سمعته يقول في قول الله عز و جل: «فَمَنْ تَعَجَّلَ- الآية-» يتقي الصيد حتى ينفر أهل منى في

____________

(1) الوسائل الباب- 11- من أبواب العود إلى منى الحديث 3.

(2) الوسائل الباب- 11- من أبواب العود إلى منى الحديث 8.

(3) الوسائل الباب- 11- من أبواب العود إلى منى الحديث 1.

(4) سورة المائدة الآية 30.

(5) الوسائل الباب- 11- من أبواب العود إلى منى الحديث 6.

38

النفر الأخير»

أو ما في خبر إسماعيل بن نجيح الرماح (1) قال: «كنا عند أبي عبد الله (عليه السلام) بمنى ليلة من الليالي فقال ما يقول هؤلاء فيمن تعجل في يومين فلا إثم عليه- الآية- قلنا: ما ندري قال: بلى يقولون من تعجل من أهل البادية فلا إثم عليه و من تأخر من أهل الحضر فلا إثم عليه، و ليس كما يقولون، قال الله عز و جل «فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ» ألا لا إثم عليه «وَ مَنْ تَأَخَّرَ فَلٰا إِثْمَ» ألا لا إثم عليه «لِمَنِ اتَّقىٰ» انما هي لكم، و الناس سواد، و أنتم الحاج»

أو ما في المرسل (2) عن الصادق (عليه السلام) في قول الله عز و جل فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ إلخ قال: «يرجع مغفورا لا ذنب له»

أو ما في رواية علي بن عطية (3) لمن اتقى الله عز و جل، أو ما في خبر سفيان بن عيينة (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في قول الله تعالى فَمَنْ تَعَجَّلَ إلخ يعني من مات فلا إثم عليه «وَ مَنْ تَأَخَّرَ» أجله «فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقىٰ» الكبائر»

و في خبره الآخر (5) عنه (عليه السلام) أيضا قال: «سأل رجل أبي بعد منصرفه من الموقف فقال:

أ ترى يخيب الله هذا الخلق كلهم؟ فقال: أبي ما وقف هذا الموقف أحد إلا غفر الله له مؤمنا كان أو كافرا، ألا انهم في مغفرتهم على ثلاث منازل، مؤمن غفر الله له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر و أعتقه من النار، و ذلك قوله عز و جل (6) «رَبَّنٰا آتِنٰا فِي الدُّنْيٰا حَسَنَةً وَ فِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَ قِنٰا عَذٰابَ النّٰارِ. أُولٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِمّٰا كَسَبُوا وَ اللّٰهُ سَرِيعُ الْحِسٰابِ» و مؤمن غفر الله له ما تقدم من ذنبه

____________

(1) الوسائل الباب- 9- من أبواب العود إلى منى الحديث 5.

(2) الوسائل الباب- 9- من أبواب العود إلى منى الحديث 8.

(3) الوسائل الباب- 11- من أبواب العود إلى منى الحديث 9 عن علي بن عطية عن أبيه.

(4) الوسائل الباب- 11- من أبواب العود إلى منى الحديث 12.

(5) الوسائل الباب- 18- من أبواب إحرام الحج الحديث 1.

(6) سورة البقرة الآية 197 و 198.

39

و قيل له أحسن فيما بقي من عمرك، و ذلك قول الله تعالى «فَمَنْ تَعَجَّلَ»- الآية- يعني من مات قبل أن يمضي فلا إثم عليه، و من تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى الكبائر، و أما العامة فيقولون فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه يعني في النفر الأول، و من تأخر فلا إثم عليه يعني لمن اتقى الصيد أ فترى الصيد يحرمه الله بعد ما أحله في قوله عز و جل (1) «وَ إِذٰا حَلَلْتُمْ فَاصْطٰادُوا» و في تفسير العامة معناه و إذا حللتم فاتقوا الصيد، و كافر وقف هذا الموقف يريد زينة الحياة الدنيا غفر الله له ما تقدم من ذنبه و ما تأخر إن تاب من الشرك فيما بقي من عمره، و إن لم يتب وفاه أجره و لم يحرمه أجر هذا الموقف، و ذلك قوله عز و جل (2) مَنْ كٰانَ يُرِيدُ الْحَيٰاةَ الدُّنْيٰا وَ زِينَتَهٰا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمٰالَهُمْ فِيهٰا وَ هُمْ فِيهٰا لٰا يُبْخَسُونَ. أُولٰئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النّٰارُ، وَ حَبِطَ مٰا صَنَعُوا فِيهٰا وَ بٰاطِلٌ مٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ»

و منه يعلم أن ما في أخبار معاوية بن عمار (3) و الحلبي (4) من أن «من نفر في النفر الأول لا يصيب الصيد حتى ينفر الناس النفر الآخر أو إذا زالت الشمس من اليوم الثالث»

موافق للعامة، و لذا لم نجد أحدا أفتى بذلك من أصحابنا، بل و لا من ذكر كراهته أو استحباب تركه أو غير ذلك.

مدفوعة بالانجبار بما سمعت، و بمرجوحية المنافي منها، لما ذكرنا

____________

(1) سورة المائدة- الآية 3.

(2) سورة هود (عليه السلام) الآية 18 و 19.

(3) الوسائل الباب- 11- من أبواب العود إلى منى الحديث 4 و 5 و 6.

(4) هكذا في النسخة الأصلية و الظاهر ان الصحيح هكذا «ما في اخبار معاوية بن عمار و حماد» حيث أنه ليس للحلبي في المقام ما يدل على ذلك و قد تقدم لحماد خبرين في ذلك في ص 36 و 37 ذكرهما في الوسائل في الباب- 11- من أبواب العود إلى منى الحديث 2 و 3.

40

من وجوه، على أنه لو سلم الإجمال في المراد بالآية كان فيما سمعته من الإجماع على الحكم مؤيدا بما سمعته من النصوص كفاية، كما هو واضح، و على كل حال فما عن الكافي و الغنية و الإصباح من كون الصرورة كغير المتقي لا أعرف شاهدا له، بل ظاهر الأدلة السابقة خلافه، بل و خلاف القولين الآخرين، بل لم نجد للأول منهما شاهدا، نعم في خبر سلام بن المستنير (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) «لمن اتقى الرفث و الفسوق و الجدال و ما حرم الله في إحرامه»

و هو و إن كان شاهدا للآخر منهما مؤيدا بما قيل من ظاهر الآية التي قد عرفت الحال فيها، لكنه قاصر عن المعارضة لما عرفت من وجوه إلا أن الاحتياط لا ينبغي تركه، و المنساق من عدم اتقاء الصيد اصطياده، و لعله المراد مما في المسالك و المدارك من قتله و في كشف اللثام قتله و أخذه، و من عدم اتقاء النساء وطؤهن الظاهر من الإتيان في خبر محمد بن المستنير.

و في المسالك «و في إلحاق باقي المحرمات المتعلقة بها و كالقبلة و اللمس و العقد و شهادته نظر» و في المدارك و في إلحاق باقي المحرمات المتعلقة بالقتل و الجماع بهما كأكل الصيد و لمس النساء بشهوة وجهان، و لا ريب في أن الأحوط الإلحاق، كما أن الأحوط إن لم يكن الأقوى عدم الفرق بين العامد و الناسي و الجاهل، و ربما فرق بين الصيد و غيره لوجوب الكفارة في الأول على كل حال، و كذا الأحوط إن لم يكن الأقوى اعتبار الاتقاء في عمرة حج التمتع لارتباطها به و دخولها فيه.

____________

(1) الوسائل الباب- 11- من أبواب العود إلى منى الحديث 7 عن محمد بن المستنير إلا أن الموجود في الفقيه ج 2 ص 288 الرقم 1416 عن سلام ابن المستنير.

41

و كيف كان فقد ظهر لك من جميع ما ذكرنا أن المراد من الآية التخيير في النفر بين اليومين لمن التقى الصيد و النساء و لم يكن قد غربت عليه الشمس و هو فيها كما عرفت، أما غير المتقي فلا ينفر إلا في النفر الثاني، نعم ربما أشكل بأن نفي الإثم عن الثاني يعطي كونه مظنة له، مع أنه أفضل باعتبار اشتماله على الإتيان بمناسك اليوم الثالث، فلا يتوهم تقصيره كي يحتاج الى نفيه عنه كالنفر الأول، و يدفع باستعمال نحو ذلك فيما لا يراد منه هذا المعنى نحو رفع الحرج و الجناح في التقصير و الطواف مع إرادة العزيمة منهما، و بأن المراد الرد على أهل الجاهلية القائل بعضهم بالإثم على المعجل و بعضهم بالإثم على المؤخر، و بأن المراد عدم الإثم عن المؤخر لمن زاد على مقام ثلاثة على معنى أن القيام بمنى ينبغي أن يكون ثلاثة، فمن نقص فلا إثم عليه، و من زاد على الثلاثة لا إثم عليه، و بأن ذلك رعاية للمقابلة نحو قوله تعالى (1) «وَ جَزٰاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهٰا» و بأن المراد عن ذلك دفع ما يتوهم من المفهوم الأول المقتضي ثبوت الإثم على غير المعجل، كما يومي اليه

صحيح أبي أيوب (2) «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) إنا نريد أن نعجل السير و كانت ليلة النفر حين سألته فأي ساعة ننفر؟ فقال:

أما اليوم الثاني فلا تنفر حتى تزول الشمس و كانت ليلة النفر، و أما اليوم الثالث فإذا ابيضت الشمس فانفر على بركة الله تعالى، فان الله جل ثناؤه يقول فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ وَ مَنْ تَأَخَّرَ فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ، و لو سكت لم يبق أحد إلا تعجيل، و لكنه قال وَ مَنْ تَأَخَّرَ فَلٰا إِثْمَ عَلَيْهِ»

و بغير ذلك مما لا فائدة مهمة تترتب عليه، و الله العالم.

[في عدم جواز النفر في الثاني قبل الزوال]

و النفر الثاني هو اليوم الثالث عشر بلا خلاف نصا و فتوى و لا إشكال فمن نفر في اليوم الأول لم يجز إلا بعد الزوال إلا لضرورة أو حاجة

____________

(1) سورة الشورى الآية 38.

(2) الوسائل- الباب- 9- من أبواب العود إلى منى- الحديث 4.

42

كما صرح به غير واحد، بل نفي الخلاف عنه جماعة، بل في المدارك الإجماع عليه، لكن في محكي التذكرة أنه قرب فيها استحباب التأخير، و وجه بأن الواجب انما هو الرمي و البيتوتة، و الإقامة في اليوم مستحبة كما مر، فإذا رمى جاز النفر متى شاء، قال: و يمكن حمل كثير من العبارات عليه، و يؤيده

قول أبي جعفر (عليه السلام) في خبر زرارة (1): «لا بأس أن ينفر الرجل في النفر الأول قبل الزوال»

و إن حمل على الضرورة أو الحاجة، و فيه أنه كالاجتهاد في مقابلة النص و الفتوى و ما سمعته من الإجماع المعتضد بنفي الخلاف،

قال الصادق (عليه السلام) في صحيح معاوية (2): «إذا أردت أن تنفر في يومين فليس لك أن تنفر حتى تزول الشمس، و إن تأخرت إلى آخر أيام التشريق و هو يوم النفر الأخير فلا شيء عليك أي ساعة نفرت، و رميت قبل الزوال أو بعده»

و سأل أيضا في صحيح الحلبي (3) «عن الرجل ينفر في النفر الأول قبل أن تزول الشمس فقال: لا و لكن يخرج ثقله إن شاء و لا يخرج هو حتى تزول الشمس»

الى غير ذلك من النصوص التي منها ما سمعته في صحيح أبي أيوب (4) مضافا الى ضعف الخبر المزبور و لا جابر، و إلى احتماله الضرورة أو الحاجة. فلا وجه للجمع بالكراهة أو الندب بعد عدم المقاومة، و استحباب الإقامة على وجه يجوز له النفر قبل الزوال محل منع، فالمتجه حينئذ ما عليه الأصحاب.

و أما النفر في الثاني فلا خلاف كما اعترف به في محكي المنتهى و غيره في أنه يجوز قبله للأصل و النصوص السابقة و الإجماع المحكي عن التذكرة و الغنية، مع أنه في الأخير لم يجوز الرمي إلا بعد الزوال كالمحكي عن الإصباح، فيعلم من ذلك اتفاق الجميع هنا على القول المزبور، نعم ظاهر

____________

(1) الوسائل- الباب- 9- من أبواب العود إلى منى- الحديث 11.

(2) الوسائل- الباب- 9- من أبواب العود إلى منى- الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 9- من أبواب العود إلى منى- الحديث 6.

(4) الوسائل- الباب- 9- من أبواب العود إلى منى- الحديث 4.

43

المصنف و غيره عدم الفرق في ذلك بين الامام و غيره، لكن عن التهذيب و النهاية و المبسوط و المهذب و السرائر و الغنية و الإصباح أنه يجوز يوم النفر الثاني المقام الى الزوال و بعده إلا للإمام خاصة، فعليه أن يصلي الظهر بمكة، و لعلهم يريدون الندب كما في محكي التحرير و التذكرة، ل

قول الصادق (عليه السلام) في حسن ابن عمار (1) «يصلي الامام الظهر يوم النفر بمكة»

و خبر أيوب بن نوح (2) «كتبت اليه أن أصحابنا قد اختلفوا علينا فقال بعضهم: إن النفر يوم الأخير بعد الزوال أفضل، و قال بعضهم:

قبل الزوال، فكتب (عليه السلام) أما علمت أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) صلى الظهر و العصر بمكة، فلا يكون ذلك إلا و قد نفر قبل الزوال»

بل ظاهره استحباب ذلك لغير الإمام أيضا.

[في سقوط الرمي في اليوم الثالث عمن نفر في الأول]

ثم إنه لا يخفى عليك سقوط الرمي في اليوم الثالث عمن نفر في النفر الأول و في محكي المنتهى نفي الخلاف عنه، لكن قال: يستحب أن يدفن الحصى المختصة بذلك اليوم، و أنكره الشافعي، و قال: إنه لا يعرف فيه أثرا، بل ينبغي أن يطرح أو يدفع الى من لم يتعجل، و لم يذكر الأثر الدال على ما ذكره من الدفن، و لم نعثر عليه، نعم في الدعائم (3) عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) أنه قال:

«من تعجل النفر في يومين ترك ما يبقى عنده من الجمار بمنى»

و لا دلالة فيه على الدفن، و الأمر سهل.

و ينبغي للمقيم بمنى أن يوقع صلاته كلها في مسجد الخيف فرضها

____________

(1) الوسائل- الباب- 12- من أبواب العود إلى منى الحديث 1 عن حماد عن الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) و كذلك في الكافي ج 4 ص 520 الطبع الحديث، و لكن الشيخ (قده) رواه عن الكليني بالإسناد عن معاوية بن عمار بدل «حماد عن الحلبي» في التهذيب ج 5 ص 273 الرقم 934.

(2) الوسائل- الباب- 12- من أبواب العود إلى منى- الحديث 2.

(3) المستدرك- الباب- 7- من أبواب العود إلى منى الحديث 2.

44

و نقلها، و أفضله في مسجد رسول الله (صلى الله عليه و آله) منه، و هو من المنارة إلى نحو من ثلاثين ذراعا من جهة القبلة، و عن يمينها و يسارها و خلفها كذلك،

قال الصادق (عليه السلام) في صحيح معاوية (1) «صل في مسجد الخيف و هو مسجد بمنى، و كان مسجد رسول الله (صلى الله عليه و آله) على عهده عند المنارة التي في وسط المسجد، و فوقها إلى القبلة نحوا من ثلاثين ذراعا، و عن يمينها و يسارها و خلفها نحوا من ذلك، فان استطعت أن يكون مصلاك فيه فافعل، فإنه قد صلى فيه ألف نبي، و انما سمي مسجد الخيف لأنه مرتفع عن الوادي و ما ارتفع عن الوادي يسمى خيفا».

مضافا الى ما دل على فضل الصلاة فيه مائة ركعة و ست ركعات و التسبيح و التحميد و التهليل،

قال أبو جعفر (عليه السلام) في خبر الثمالي (2): «من صلى في مسجد الخيف من مني مائة ركعة قبل أن يخرج منه عدلت عبادة سبعين عاما و من سبح الله تعالى فيه ماءة تسبيحة كتب الله له كأجر عتق رقبة، و من هلل الله فيه ماءة تهليلة عدلت أجر إحياء نسمة، و من حمد الله فيه ماءة تحميدة عدلت أجر خراج العراقين يتصدق به في سبيل الله» و قال الصادق (عليه السلام) في خبر أبي بصير (3): «صل ست ركعات في مسجد منى في أصل الصومعة»

و لعل المراد عند المنارة.

و أسماء أيام منى على الراء: العاشر يوم النحر، و الحادي عشر يوم النفر (4) و الثاني عشر يوم النفر، و الثالث عشر يوم النفر و يوم الصدر، و تسمى ليلته ليلة

____________

(1) الوسائل- الباب- 50- من أبواب أحكام المساجد الحديث 1 من كتاب الصلاة.

(2) الوسائل- الباب- 51- من أبواب أحكام المساجد الحديث 1 من كتاب الصلاة.

(3) الوسائل- الباب- 51- من أبواب أحكام المساجد الحديث 2 من كتاب الصلاة.

(4) و في الدروس و المدارك «يوم القر».

45

التحصيب، و عن المبسوط هي ليلة الرابع عشر كما تقدم الكلام فيه سابقا، و أيام التشريق أي الحادي عشر و الثاني عشر و الثالث عشر هي المراد بالمعدودات في قوله تعالى (1) «وَ اذْكُرُوا اللّٰهَ فِي أَيّٰامٍ مَعْدُودٰاتٍ، فَمَنْ تَعَجَّلَ» الآية، كما أن المراد بالمعلومات في قوله تعالى (2) «وَ أَذِّنْ فِي النّٰاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجٰالًا وَ عَلىٰ كُلِّ ضٰامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ لِيَشْهَدُوا مَنٰافِعَ لَهُمْ وَ يَذْكُرُوا اسْمَ اللّٰهِ فِي أَيّٰامٍ مَعْلُومٰاتٍ عَلىٰ مٰا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعٰامِ» أيام العشر في المشهور بل عن روض الجنان أنه مذهبنا، و عن مجمع البيان أنه المروي عن أئمتنا (عليهم السلام)، و عن الخلاف نفي الخلاف عن الأول الذي ربما يؤيده إشعار اللفظ بالقلة، و قوله تعالى «فَمَنْ تَعَجَّلَ» كما أنه يدل على الأمرين

صحيح حماد (3) عن الصادق (عليه السلام) قال علي (عليه السلام) في قول الله عز و جل «وَ يَذْكُرُوا اسْمَ اللّٰهِ فِي أَيّٰامٍ مَعْلُومٰاتٍ» أيام العشر، و قوله «وَ اذْكُرُوا اللّٰهَ فِي أَيّٰامٍ مَعْدُودٰاتٍ»: أيام التشريق»

و بتفسير المعدودات خاصة حسن محمد بن مسلم (4) عن الصادق (عليه السلام) و خبر الحميري (5) المروي عن قرب الإسناد، و العياشي في المحكي عن تفسيره عن رفاعة (6) عنه (عليه السلام)، لكن أرسل في محكي التبيان عن الباقر (عليه السلام) العكس و هو المحكي عن الشيخ في النهاية و الزجاج و الفراء لأن الذكر يدل على التسمية على ما ينحر و يذبح من البهائم، بل هو المحكي عن التذكرة أيضا، قال

قال الصادق (عليه السلام) في الصحيح: «قال أبي قال علي (عليهما السلام) «اذْكُرُوا اللّٰهَ فِي أَيّٰامٍ مَعْدُودٰاتٍ

____________

(1) سورة البقرة الآية 199.

(2) سورة الحج الآية 28 و 29.

(3) الوسائل- الباب- 8- من أبواب العود إلى منى- الحديث 5.

(4) الوسائل- الباب- 8- من أبواب العود إلى منى- الحديث 4.

(5) الوسائل- الباب- 8- من أبواب العود إلى منى- الحديث 8.

(6) الوسائل- الباب- 8- من أبواب العود إلى منى- الحديث 7.

46

عشر ذي الحجة، و أيام معلومات أيام التشريق»

و عن الخلاف عن ابن جبير اتحادهما، و في الدروس عن الجعفي أنهما أيام التشريق، و به خبر الشحام (1) عن الصادق (عليه السلام)، و عن معاني الأخبار للصدوق في خبر أبي الصباح (2) عنه (عليه السلام) «ان المعلومات أيام التشريق»

و الأمر سهل و إن كان الأظهر الأول، و الله العالم.

[في استحباب قراءة الخطبة للإمام]

و في النافع و القواعد و غيرهما يستحب للإمام أن يخطب و عن التحرير بعد صلاة الظهر، و عن المنتهى بعد العصر من اليوم الثاني و يعلم الناس ذلك أي وقت النفر الأول و الثاني، و في الدروس و غيرها «و ينبغي أن يعلمهم أيضا كيفية النفر و التوديع، و يحثهم على طاعة الله تعالى و على أن يختموا حجهم بالاستقامة و الثبات على طاعة الله تعالى، و أن يكونوا بعد الحج خيرا منهم قبله، و أن يذكروا ما عاهدوا الله عليه من خير» و لا بأس بذلك كله.

[في جواز الانصراف لمن كان قضى مناسكه بمكة]

و من كان قضى مناسكه بمكة جاز أن ينصرف حيث شاء بلا خلاف و لا إشكال، بل الظاهر الإجماع عليه، للأصل و النصوص، ك

خبر الحسين بن علي السري (3) «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) ما ترى في المقام بمنى بعد ما ينفر الناس؟

فقال: إن كان قضى نسكه فليقم ما شاء، و ليذهب حيث شاء»

و قال أيضا في خبر إسحاق بن عمار (4): «كان أبي (عليه السلام) يقول: لو كان لي طريق إلى منزلي من منى ما دخلت مكة»

و غيرهما نعم من بقي عليه شيء من المناسك كطواف و نحوه عاد وجوبا لتداركه بلا إشكال و لا خلاف.

[مسائل]

مسائل:

[المسألة الأولى التضييق على من أحدث و لجأ إلى الحرم]

الأولى من أحدث ما يوجب حدا أو تعزيرا أو قصاصا و لجأ إلى الحرم ضيق عليه في المطعم و المشرب بأن لا يمكن من ماله، بل يطعم و يسقى مالا

____________

(1) الوسائل- الباب- 8- من أبواب العود إلى منى الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 8- من أبواب العود إلى منى الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 13- من أبواب العود إلى منى الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 14- من أبواب العود إلى منى الحديث 1.

47

يحتمله مثله عادة أو ما يسد الرمق كما عن بعض حتى يخرج، و لو أحدث في الحرم قوبل بما تقتضيه جنايته فيه كل ذلك مع أنه لا خلاف أجده فيه كما اعترف به في كشف اللثام، للنصوص التي و إن لم تكن مشتملة على لفظ التضييق المزبور لكن يمكن إرادته منها و لو بمعونة الفتاوى و مراعاة بعض العمومات، بل الأولى تفسيره بما فيها، بل في المسالك حكايته عن بعض و استحسنه،

قال معاوية بن عمار (1) في الصحيح: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل قتل رجلا في الحل ثم دخل في الحرم فقال: لا يقتل و لا يطعم و لا يسقى و لا يبايع و لا يؤوى حتى يخرج من الحرم، فيقام عليه الحد، قلت: فما تقول في رجل قتل في الحرم أو سرق؟ قال: يقام عليه الحد في الحرم صاغرا، لأنه لم ير للحرم حرمة، و قد قال الله تعالى (2) «فَمَنِ اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ» فقال: هذا في الحرم، و قال (3) فَلٰا عُدْوٰانَ إِلّٰا عَلَى الظّٰالِمِينَ»

و سأله (عليه السلام) الحلبي (4) أيضا في الحسن عن قول الله عز و جل (5) «وَ مَنْ دَخَلَهُ كٰانَ آمِناً» قال: «إذا أحدث العبد جناية في غير الحرم ثم فر الى الحرم لم يسع لأحد أن يأخذه في الحرم، و لكن يمنع من السوق و لا يبايع و لا يطعم و لا يسقى و لا يكلم فإنه إذا فعل ذلك به يوشك أن يخرج فيؤخذ، و إذا جنى في الحرم جناية أقيم عليه الحد في الحرم لأنه لم ير للحرم حرمة»

و قال (عليه السلام) أيضا في خبر علي بن أبي حمزة (6) في قول الله عز و جل «وَ مَنْ دَخَلَهُ كٰانَ آمِناً»: «إن سرق سارق

____________

(1) الوسائل- الباب- 14- من أبواب مقدمات الطواف- الحديث 1.

(2) سورة البقرة- الآية 190.

(3) سورة البقرة- الآية 189.

(4) الوسائل- الباب- 14- من أبواب مقدمات الطواف- الحديث 2.

(5) سورة آل عمران الآية 91.

(6) الوسائل- الباب- 14- من أبواب مقدمات الطواف- الحديث 3.

48

بغير مكة أو منى جناية على نفس ففر إلى مكة لم يؤخذ ما دام في الحرم حتى يخرج منه، و لكن يمنع من السوق و لا يبايع و لا يجالس حتى يخرج منه فيؤخذ، و إذا أحدث في الحرم ذلك الحدث أخذ فيه»

و لكن

أرسل في الفقيه (1) عن الصادق (عليه السلام) «ان من بال في الكعبة معاندا أخرج منها و من الحرم و ضربت عنقه»

و لعله محمول على ضرب من الندب.

و كيف كان ففي المسالك عن بعض إلحاق مسجد النبي و مشاهد الأئمة (عليهم السلام) به، و لعله لا يخلو من وجه و إن نسبه الى الندرة فيها، و استضعفه سبطه في المدارك، و تمام الكلام في المسألة قد ذكرناه في كتاب الحدود، فلاحظ و تأمل.

[المسألة الثانية في كراهة منع الحاج من سكنى دور مكة]

المسألة الثانية المشهور أنه يكره أن يمنع أحد الحاج و المعتمرين من سكنى دور مكة، و قيل و القائل الشيخ فيما حكي عنه:

يحرم لما عن الفخر من أن مكة كلها مسجد، لقوله تعالى (2) «سُبْحٰانَ الَّذِي أَسْرىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى» و كان الاسراء به من دار أم هاني، و إن كان هو كما ترى مناف للإجماع بقسميه على عدم كونها مسجدا، مع منع كونه في الدار المزبورة، على أنه يمكن أن يكون أسري به منها الى المسجد الحرام ثم منه إلى المسجد الأقصى، و عن ابن إدريس الاستدلال بالإجماع و الأخبار المتواترة، قال: «و إن لم تكن متواترة فهي متلقاة بالقبول» و فيه منع واضح، و الأولى الاستدلال بظاهر قوله تعالى (3) «سَوٰاءً الْعٰاكِفُ فِيهِ وَ الْبٰادِ» مؤيدا بما تسمعه من النصوص المفسرة له بذلك، فلا يرد ما عن السرائر

____________

(1) الوسائل- الباب- 46- من أبواب مقدمات الطواف- الحديث 3.

(2) سورة الإسراء الآية 1.

(3) سورة الحج الآية 25.

49

من أن الضمير فيه للمسجد الحرام، بل منها يعلم كون المراد به الحرم أو مكة كما في آية الاسراء، و بما ورد من ذم معاوية حيث كان أول من علق المصر أعين و منع الحاج حقه،

قال الصادق (عليه السلام) في حسن الحسين بن أبي العلاء (1): «إن معاوية أول من علق على بابه المصر أعين بمكة، فمنع حاج بيت الله ما قال الله عز و جل «سَوٰاءً الْعٰاكِفُ فِيهِ وَ الْبٰادِ» و كان الناس إذا قدموا مكة نزل البادي على الحاضر حتى يقضي حجه، و كان معاوية صاحب السلسلة التي قال الله تعالى (2):

«فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهٰا سَبْعُونَ ذِرٰاعاً فَاسْلُكُوهُ، إِنَّهُ كٰانَ لٰا يُؤْمِنُ بِاللّٰهِ الْعَظِيمِ» و كان فرعون هذه الأمة»

و قال أيضا في حسنه الآخر (3) في قوله تعالى «سَوٰاءً» إلى آخره «كانت مكة ليس على شيء منها باب، و كان أول من علق على بابه المصر أعين معاوية بن أبي سفيان، و ليس ينبغي لأحد أن يمنع الحاج شيئا من الدور و المنازل»

و قال (عليه السلام) أيضا في خبر يحيى بن أبي العلاء (4): «لم يكن لدور مكة أبواب، و كان أهل البلدان يأتون بقطراتهم فيدخلون فيضربون بها، و كان أول من بوبها معاوية لعنه الله»

و قال (عليه السلام) أيضا في صحيح البختري (5): «ليس ينبغي لأهل مكة أن يجعلوا على دورهم أبوابا، و ذلك أن الحاج ينزلون معهم في ساحة الدار حتى

____________

(1) ذكر صدره في الوسائل في الباب- 32- من أبواب مقدمات الطواف الحديث 1 و تمامه في الكافي ج 4 ص 244.

(2) سورة الحاقة الآية 32 و 33.

(3) الوسائل- الباب- 32- من أبواب مقدمات الطواف- الحديث 4.

(4) الوسائل- الباب- 32- من أبواب مقدمات الطواف- الحديث 2.

(5) الوسائل- الباب- 32- من أبواب مقدمات الطواف الحديث 5 عن حفص بن البختري و هو الصحيح كما في التهذيب ج 5 ص 463 الرقم 1615.

50

يقضوا حجهم»

و قال (عليه السلام) في صحيح الحلبي (1) المروي عن العلل بعد أن سأله عن قول الله عز و جل «سَوٰاءً» الآية: «لم يكن ينبغي أن يوضع على دور مكة أبواب، لأن للحاج أن ينزلوا معهم في دورهم في ساحة الدار حتى يقضوا مناسكهم، و إن أول من جعل لدور مكة أبوابا معاوية لعنه الله»

و في خبر الحسين ابن علوان (2) عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام) المروي عن قرب الإسناد «انه نهي أهل مكة أن توجر دورهم و أن يغلقوا أبوابا، و قال «سَوٰاءً الْعٰاكِفُ فِيهِ وَ الْبٰادِ» قال: و فعل ذلك أبو بكر و عمر و عثمان و علي (عليه السلام) حتى كان في زمن معاوية»

و في خبر علي بن جعفر (3) عن أخيه موسى (عليه السلام) «ليس ينبغي لأهل مكة أن يمنعوا الحاج شيئا من الدور ينزلونها»

إلا أن شهرة الأصحاب و التعبير بلفظ «لا ينبغي» و نحوه رجح الكراهة.

و لذا كان الأول أصح و كونها مفتوحة عنوة لا يمنع من الأولوية و اختصاص الآثار بمن فعلها، و حينئذ فيجوز أخذ الأجرة خلافا لأبي على فحرمها، و لعله لما سمعته من خبر قرب الاسناد الذي لا جابر له، فليحمل على الكراهة، و لكن الاحتياط لا ينبغي تركه، و لعله لذلك استحب للحاج أن يدفع ما يدفع لأجرة حفظ رحله لا أجرة ما ينزله، و ربما كان في حرمة الأجرة لو قلنا بها إيماء إلى حرمة المنع عن النزول، و قد ذكرنا في كتاب المكاسب بعض ما يشهد لما هنا فلاحظ و تأمل.

[المسألة الثالثة في حكم رفع البناء فوق الكعبة]

المسألة الثالثة قال الشيخ و جماعة على ما في المدارك يحرم أن يرفع أحد بناء فوق الكعبة لاستلزامه الإهانة لها، و في كشف اللثام حكاه عن الشيخ و ابن إدريس، ثم قال: و لم أره في كلامهما، نعم نهى عنه القاضي

____________

(1) الوسائل- الباب- 32- من أبواب مقدمات الطواف الحديث- 3.

(2) الوسائل- الباب- 32- من أبواب مقدمات الطواف الحديث- 6.

(3) الوسائل- الباب- 32- من أبواب مقدمات الطواف الحديث- 8.

51

و هو يحتمل الحرمة و قيل و القائل المشهور كما في كشف اللثام يكره و هو الأشبه بأصول المذهب و قواعده، و ما يشعر به

قول أبي جعفر (عليه السلام) في صحيح ابن مسلم (1): «لا ينبغي لأحد أن يرفع بناء فوق الكعبة»

ثم البناء يشمل الدار و غيرها حتى حيطان المسجد، و ظاهر رفعه أن يكون ارتفاعه أكثر من ارتفاع الكعبة، فلا يكره البناء على الجبال حولها مع احتماله، خصوصا مع التسامح في الكراهة، و الله العالم.

[المسألة الرابعة لا تحل لقطة الحرم]

المسألة الرابعة لا تحل عند المصنف و غيره تملك لقطة الحرم قليلة كانت أو كثيرة، و تعرف سنة، ثم إن شاء تصدق بها و لا ضمان عليه، و إن شاء جعلها في يده أمانة و قد أشبعنا الكلام في المسألة و جميع أطرافها و فروعها في كتاب اللقطة، و الحمد لله تعالى، فلاحظ و تأمل.

[المسألة الخامسة إذا ترك الناس زيارة النبي (صلى الله عليه و آله) أجبروا عليها]

المسألة الخامسة إذا ترك الناس زيارة النبي (صلى الله عليه و آله) أجبروا عليها ل

قول الصادق (عليه السلام) في صحيح حفص و هشام و حسين الأحمسي و حماد و معاوية بن عمار و غيرهم (2): «لو أن الناس تركوا، الحج لكان على الوالي أن يجبرهم على ذلك و على المقام عنده، و لو تركوا زيارة النبي (صلى الله عليه و آله) لكان على الوالي أن يجبرهم على ذلك و على المقام عنده، فان لم يكن لهم أموال أنفق عليهم من بيت مال المسلمين»

و ظاهره وجوب الإجبار على ذلك و على الحج و على المقام في الحرمين و لكن على الكفاية، و المناقشة بأن ذلك لا يدل على الوجوب الذي عقابه أخروي بخلافه فإن عقابه- و هو الإجبار- دنيوي واضحة الفساد، ضرورة عدم مشروعية الإجبار على غير الواجب، نعم قد يقال: إنه لا بعد في الخبر بترك الكل المندوب بعد ورود الصحيح المعتضد بالعمل به، فهو حينئذ نحو الجبر على

____________

(1) الوسائل- الباب- 17- من أبواب مقدمات الطواف- الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 5- من أبواب وجوب الحج- الحديث 2.

52

الأذان الذي ذكره الشهيدان، قال ثانيهما: «قد اتفقوا على أن إجبار أهل البلد على الأذان بل على قتالهم إذا أطبقوا على تركه».

و في المتن و النافع و محكي المختصر و التذكرة و المنتهى الاستدلال لذلك بما يتضمن من الجفاء المحرم و ذكر غير واحد أنهم أشاروا بذلك إلى

النبوي «من أتى مكة حاجا و لم يزرني إلى المدينة جفاني»

ففي

خبر أبي حجر الأسلمي (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) المروي في الكافي قال: «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): من أتى مكة حاجا و لم يزرني إلى المدينة جفوته يوم القيامة و من أتاني زائرا أوجبت له شفاعتي و من أوجبت له شفاعتي وجبت له الجنة، و من مات في أحد الحرمين مكة و المدينة لم يعترض و لم يحاسب، و من مات مهاجرا الى الله عز و جل حشر يوم القيامة مع أصحاب بدر»

و لكنه كما ترى لا دلالة فيه على المطلوب. بل قيل في حرمة الجفاء نظر، على أنه لو تم لوجب إجبار كل واحد من الحاج عليها، و هو مناف لكونها مندوبة على الآحاد، و على كل حال فهو ليس نصا في الوجوب، و نحوه المحكي عن النهاية و المبسوط و الجامع، و عن ابن إدريس حمله على تأكد الندب، و حينئذ فالظاهر عدم إرادة من علل الإشارة الى الخبر المزبور، و يمكن إرادته أنها و إن كانت مندوبة على الآحاد و لكن إذا اتفق الجميع أو الحاج على تركها كان جفاء له، و لا ريب كما في الرياض أنه حرام، فيجب على الوالي إجبارهم على تركه، و فيه إمكان منع الحرمة في مثل هذا الجفاء الذي هو ترك الزيارة المفروض استحبابها، على أنه فرض المسألة في النافع في ترك الحاج لها لا الناس، و دعوى تحقق الجفاء المحرم بترك الزيارة المندوبة واضحة المنع، على أنه يأتي في جميع زيارات الأئمة

____________

(1) الوسائل- الباب- 3- من أبواب المزار- الحديث 3.