جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام - ج22

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
488 /
3

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

و به نستعين و الحمد لله رب العالمين و صلى الله على محمد و آله الطيبين الغر الميامين

[القسم الثاني في العقود]

القسم الثاني من الأقسام الأربعة التي بنى عليها الكتاب في العقود جمع عقد و هو لغة ضد الحل، و شرعا قول من المتعاقدين، أو قول من أحدهما و فعل من الأخر رتب الشارع الأثر المقصود عليه، كما ستعرف تحقيق الحال فيه فيما يأتي إنشاء الله تعالى و منه يعرف الحال فيما في شرح الأستاذ، من تعميم المعاملات للعقود و الإيقاعات، بعد أن اعتبر فيهما الألفاظ، و تعريف الأولى بأنها المشتملة على الإيجاب و القبول، أو بأنها المشتملة على رضى الطرفين، أو بأنها المتضمنة لقصد من الجانبين، و الثانية بأنها إيجابات، أو بأنها قصد من جانب واحد أو بأنها رضى كذلك، إذ هو كما ترى، و لذلك اعترف بعد ذلك، بأن جميع التعريفات التي منها ما سمعته مدخولة في طردها و عكسها، ثم قال إلا أن يراد الاطراد في دخول آحادها

4

في تعدادها، قلت و الذي سهل الخطب ما سمعته غير مرة، من أن المراد من هذه التعريفات الكشف في الجملة، حسب تعريف أهل اللغة، و لعل اختلافهم فيها مبني على اختلاف الاصطلاح، و على كل حال هي أي العقود خمسة عشر كتابا أولها.

[كتاب التجارة]

كتاب التجارة و هي مصدر ثان لتجر من التجر، و ربما قيل انها اسم مصدر كالحياكة و الصناعة، لكن الأظهر انها في الأصل مصدر، نقلت إلى معنى الحرفة و الصناعة، فالتاجر الذي حرفته التجارة، و الجمع تجار و تجار و تجر و تجر، كرجال و عمال و صحب و كتب، و على كل حال فهي التي

جعل الشارع (1) «تسعة أعشار البركة فيها، و العشر الباقي في الغنم (2)

و «فيها العز و الغنى عما في أيدي الناس»

، بل

«تركها ينقص العقل» (3)

لكن المراد بها هنا مطلق المعاوضة، نحو قوله تعالى «إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ» (4) كما عن مجمع البحرين قال: التجارة بالكسر هي انتقال شيء مملوك من شخص إلى أخر بعوض مقدر على جهة التراضي

____________

(1) الوسائل الباب 1 من أبواب مقدمات التجارة الحديث 4 و 5.

(2) الوسائل الباب 1 من أبواب مقدمات التجارة الحديث 10 و 11.

(3) الوسائل الباب 2 من أبواب مقدمات التجارة الحديث 2.

(4) سورة النساء الآية 29.

5

إلى آخره، لا أن المراد بها الصناعة المعروفة، و ان قيل: انها المتبادر منها، بل هو المستفاد من أهل اللغة، الا ان ذلك لا ينافي إرادة غيره منه في خصوص المقام، لمعلومية عدم اعتبار ذلك في التجارة المبحوث عنها هنا، و ان انتقض بالمعاملات المقصود منها الاكتساب من غير ذي الصنعة، الا أن يلتزم الاستطراد و هو بعيد، و لا ما سمعته في كتاب الزكاة من المعاوضة لقصد الربح، و ان كان قد يشعر به قوله الأول فيما يكتسب به، و إبدال غيره التجارة في العنوان بالمكاسب، بل جزم به في المسالك مدعيا انه هو المعروف في أخذه في مفهومها، حتى التزم لذلك ان جميع ما في هذه الكتاب مما لا مدخلية له فيها بالمعنى المزبور قد ذكر استطرادا، و فيه من الغرابة ما لا يخفى، ضرورة عدم المدخلية للمعنى المزبور في جميع مقاصد الكتاب، على انه هو أيضا في باب الزكاة بعد أن ذكر تعريف المصنف لمال التجارة قال: ان تعريفه بذلك من حيث تعلق الزكاة، و الا فالتجارة مطلقا أعم من ذلك كما سيأتي فكلامه هنا مخالف لقواعده، و الحق ان ما ذكره المصنف و غيره في كتاب الزكاة ليس تحديدا لمال التجارة كما فهمه الشارح، بل هو تخصيص له بالفرد الذي يصلح لتعلق الحكم الشرعي بحسب اقتضاء الأدلة، و لذا اختلفوا في بعض القيود، و رجح الشارح هناك عدم اعتبار قصد الاكتساب حال التملك، و اكتفى بالاعداد للتكسب و لو بعد ذلك، و المقصود ان متعلق الزكاة هو بعض أفراد مال التجارة دون جميع الافراد و هذا مثل ما يقال المراد بالأعيان النجسة، في المكاسب المحرمة ما لا يقبل التطهير مع بقاء عينه، و المراد بالمسكر، المائع بالأصالة، و مرجعه إلى إطلاق اللفظ و ارادة بعض أفراده، و ليس ذلك من التعريف و التحديد في شيء، و لعل من ذلك كله و غيره، جزم بفساد كلامه شيخنا في شرحه

6

و إن وافقه على اعتبار ذلك في مفهومها لغة و عرفا، حتى أنه صرفها في النذور و نحوها إلى ذلك، كالنصوص (1) الواردة في مدح التجارة و التجار، الا ان ذلك غير مراد منها هنا، لعدم الخصوصية، ثم اختار كونها بمعنى البيع و توابعه، حاكيا له عن الخلاف و المبسوط قال: فما ذكر في المقدمات أو بعض المقامات من غير ذلك فمن الملحقات، و هو و إن كان قد يشهد له إفراد غير البيع من أقسام المعاوضات، بكتب مستقلة، لكن يبعده معروفية كونها أعم من ذلك، و ذكر كثير من أحكام التكسب و ما يكتسب به و نحوها مما لا مدخلية له في البيع، و لذلك قلنا: بكون المراد منها مطلق المعاوضة، و عدم أفراد البيع بكتاب بخلاف غيره من إفرادها لشدة تعلقه بها و غلبته فيها هذا كله مع إمكان منع اعتبار الاسترباح في مفهومها، و كأنه اشتباه من اعتباره في مفهوم الاتجار، بمعنى اتخاذ التجارة حرفة و مكتسبا، و النصوص في الزكاة و في المقام في ذلك، لا في أن مطلق اسم تجارة مأخوذ في مفهومه ذلك، كما هو واضح بأدنى تأمل، و بما ذكرناه يظهر لك الجواب عما في المسالك أيضا، من أنه كان ينبغي العنوان أولا بالمكاسب، ثم يذكر بعد ذلك كتاب البيع الذي هو أحد أفرادها إذا قصد التكسب به كما فعله في الدروس، لا تخصيص كتاب التجارة فيه و ذكر غيره بكتب مستقلة، مع أنها جميعا مع قصد التكسب بها من أفرادها، ضرورة انك قد عرفت الوجه في ذلك، لا يقال: أن مقتضى ما ذكرت كون التجارة من الألفاظ المشتركة، لأنا نقول: مع انه يمكن عدم الالتزام به، هو خير من ارتكاب الاستطراد في أكثر المسائل و الأمر سهل.

و كيف كان ف هو مبني على فصول

[الفصل الأول فيما يكتسب به]

الأول فيما يكتسب به،

____________

(1) الوسائل الباب 1 من أبواب مقدمات التجارة الحديث 1- 13.

7

و ينقسم إلى محرم و مكروه و مباح و زاد في القواعد الواجب و المندوب، لكنه جعل المقسم التجارة لا محلها، و عد من الواجب ما يضطر إليه لمؤنته و مؤنة عياله و من المندوب ما يقصد به التوسعة عليهم و في المسالك ان كلا من التقسيمين حسن، و إن كان ما هنا أحسن، إذ لا خلل في الثلاثة كما لا خلل في الخمسة، فإن مورد القسمة في الثلاثة ما يكتسب به و هو العين و المنفعة، و ظاهر ان الوجوب و الندب لا يرد عليهما من حيث انهما عين خاصة و منفعة، بل بسبب أمر عارض، و هو فعل المكلف، و مورد الخمسة الاكتساب الذي هو فعل المكلف، و من شأنه أن يقبل الأقسام الخمسة، فيما يمكن فيه تساوي الطرفين باعتبار العوارض اللاحقة له، و فيه ان العين و المنفعة من حيث كونهما كذلك كما لا يرد عليهما الوجوب و الندب، لا يرد عليهما باقي الأحكام الخمسة لعدم الفرق بين الجميع في عدم التعلق بهما الا بحسب فعل المكلف، نعم قد يقال: إن اقتصار المصنف على الثلاثة هنا باعتبار تعلقها بالأعيان بالذات، و لو من حيث فعل المكلف، ضرورة ثبوت الأعيان التي يحرم التكسب بها ذاتا، و كذلك الكراهة و الإباحة، بخلاف الوجوب و الندب فانا لا نعرف من الأعيان ما يجب التكسب به كذلك أو يستحب، و ثبوت وجوب التكسب في نفسه، أعم من وجوبه بالعين المخصوصة، من حيث الذات، و لعل ذلك هو مراد الشارح، و إن كانت عبارته قاصرة عنه، و لكن فيه أولا ان المصنف لم يقتصر على ذلك، كما لا يخفى على من لاحظ ما ذكره من الأقسام المشتملة على بيع السلاح لأعداء الدين و نحوه، و ثانيا ان ذلك ان سلم في الواجب، أمكن منعه في المندوب، لإمكان ثبوت استحباب التكسب ببعض الأعيان، كالغنم التي جعل جزء من البركة فيها، و نحوها و قد يدفع بأن البركة فيها، لا في

8

التكسب بها، و لذا قوبل بجعل باقي أجزاء البركة في التجارة، كما لا يخفى على من لاحظ النص (1) الذي تضمن ذلك، و على كل حال فالأمر في ذلك سهل، إنما الكلام في بيانها.

[أنواع المكاسب المحرمة]

ف نقول المحرم أنواع

[النوع الأول الأعيان النجسة ذاتا]

الأول الأعيان النجسة ذاتا كالخمر و الأنبذة المسكرة و الفقاع و غيرها من النجاسات التي عرفتها في كتاب الطهارة، عدا الكلب الذي ستعرف البحث فيه، و الرق الكافر فإنه لا خلاف و لا إشكال في جواز التكسب به، و لعل عدم استثناء المصنف له، لان محل البحث في النجاسات من حيث عدم قبولها التطهير بغير الاستحالة، و هو يقبله بالإسلام الذي ليس باستحالة قطعا، اما المرتد عن فطرة فالمتجه عدم جواز التكسب به بناء على عدم قبول توبته ظاهرا و باطنا، و لعل من جوز بيعه كالمحقق الثاني على ما حكي عنه بل قيل: انه ربما ظهر ذلك أيضا من رهن المبسوط و التحرير بناه على قبول توبته باطنا، و قد فرغنا من البحث في بطلانه في كتاب الطهارة و اما العصير العنبي إذا نش و غلا من قبل نفسه حتى صار خمرا فحكمه حكمه، و إذا غلا بالنار و لم يذهب ثلثاه و قلنا بنجاسته فيمكن القول بجواز بيعه، لقبوله التطهير، بالنقص الذي ليس استحالة، فلا يندرج في عنوان البحث، و لو قلنا بأن ذلك منها، و انه قبله كان خمرا اتجه عدم جواز بيعه كما نص عليه بعضهم، و ان كان الأقوى الأول، و كيف كان فلا خلاف يعتد به، في حرمة التكسب في الأعيان النجسة التي لا تقبل الطهارة بغير الاستحالة، ل

قول (2) الصادق (عليه السلام) في خبر

____________

(1) الوسائل الباب 1 من أبواب مقدمات التجارة الحديث 3 و 4 و 5.

(2) الوسائل الباب 2 من أبواب ما يكتسب به الحديث 1.

9

تحف العقول «أو شيء من وجوه النجس فهذا كله حرام و محرم، لان ذلك كله منهي عن أكله و شربه و لبسه و ملكه و إمساكه و التقلب فيه، فجميع تقليبه في ذلك حرام»

بل مقتضاه عدم جواز الانتفاع به مطلقا فضلا عن التكسب به، كما هو ظاهر جماعة و صريح آخرين إلا ما خرج بدليل من سيرة و نحوها كالتسميد بالعذرة و نحوها، مما ينبغي الاقتصار عليه و لا يتعدى منه إلى غيره، ففي الفرض يختص الجواز بالانتفاع، دون التكسب كما هو واضح.

بل ربما ظهر من ملاحظة كلامهم في الدهن النجس، الإجماع على عدم جواز الانتفاع به، بل في المحكي، عن شرح الإرشاد للفخر و تنقيح المقداد ذلك، حيث قالا: إنما يحرم بيعها لأنها محرمة الانتفاع و كل محرم الانتفاع لا يصح بيعه، أما الصغرى فإجماعية، بل لعل ذلك ظاهر الغنية أيضا و حينئذ يتجه الحكم بحرمة التكسب به، لكونه مسلوب المنفعة، و ل

قول الصادق (1) (عليه السلام) في خبري أبي بصير و محمد «ان الذي حرم شربها حرم ثمنها»،

و في الخبر (2) الآخر «لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها».

بل ربما ظهر من خبر التحف المزبور عدم دخوله في الملك، كما صرح به بعض مشايخنا جازما به، و يؤيده عدم عده في الأموال عرفا مع أصالة عدم دخوله فيه، بناء على توقفه على أسباب شرعية لا أن الملك شرعا تابع للسلطنة العرفية على الشيء، و أنه ليس الملك حقيقة إلا ذلك، نعم قد يقال، بأن له حق الاختصاص لمن سبق إليه لتحقق الظلم عرفا بالمزاحمة له بل لعل دفع العوض لرفع يد الاختصاص عنه لا بأس به، ضرورة عدم

____________

(1) الوسائل الباب 55 من أبواب ما يكتسب به الحديث 1 و 6.

(2) سنن بيهقي ج 6 ص 13.

10

صدق التكسب به، لعدم دفع العوض عنه، مع أنه ربما أشكل ذلك بما عن التذكرة من الإجماع على عدم صحة الوصية بما هو خارج عن كونه مقصودا بالتملك، كفضلات الإنسان، مثل شعره و ظفره و العذرات لأنه يكفي في صحة الوصية ثبوت الاختصاص، و حق المنع الملازم لجواز الاقتناء، و قد يدفع بكون المراد الوصية المقتضية للتمليك أو غير ذلك.

و كيف كان فقد ظهر لك تعدد وجه المنع فيما نحن فيه، مضافا إلى محكي الإجماع على ذلك، فعن التذكرة يشترط في المعقود عليه الطهارة الأصلية، فلو باع نجس العين كالخمر و الميتة و الخنزير لم يصح إجماعا، و قال: فيها الكلب إن كان عقورا حرم بيعه عند علمائنا، و قال: لا يجوز بيع السرجين النجس إجماعا منا، و عن المنتهى إجماع المسلمين كافة على تحريم بيع الخمر و الميتة و الخنزير، و إجماع علمائنا على تحريم بيع الكلاب عدا الأربعة، و عن النهاية الإجماع على تحريم بيع الخمر و العذرة و الدم و عن الخلاف إجماع الفرقة على تحريم بيع الخمر و السرجين النجس، و الكلب عدا كلب الصيد، و عن المبسوط الإجماع على تحريم بيع الخنزير و إجارته و اقتنائه و الانتفاع به، و عن السرائر بيع الخمر للمسلم حرام و ثمنه حرام، و جميع أنواع التصرفات فيها حرام على المسلمين بغير خلاف بينهم، و قال أيضا: حكم الفقاع حكم الخمر لا يجوز التجارة فيه، و لا التكسب به بغير خلاف بين فقهاء أهل البيت، و عن الانتصار مما انفردت به الإمامية القول بتحريم الفقاع و تحريم ابتياعه، و استدل عليه بإجماع الفرقة، قال: و إن شئت أن تبنى المسئلة على تحريمه، فنقول: قد ثبت حظر شربه، و كل ما حظر شربه، حظر ابتياعه و التفرقة بين الأمرين خروج عن إجماع الأمة، و إلى ثبوته في النصوص المعتبرة، في العذرة و الدم، و الخمر، و الخنزير

11

و الميتة، و الكلب الذي لا يصيد (1) و يتم بعدم القول بالفصل، و إلى

النبوي (2) عن ابن عباس الذي أورده في الخلاف و السرائر و التذكرة و المهذب و الغوالي كما قيل: «ان الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه». و خبر جابر (3) بن عبد الله الذي أورده أيضا في الخلاف و المنتهى كما قيل «أن الله و رسوله ((صلى الله عليه و آله)) حرما بيع الخمر و الميتة و الخنزير و الأصنام قيل: يا رسول الله أريت شحوم الميتة فإنه يطلى بها السفن و يدهن بها الجلود و يستصبح بها الناس فقال: لا هو حرام ثم قال: ((صلى الله عليه و آله)) قاتل الله اليهود، إن الله تعالى لما حرم عليهم شحومها حملوها ثم باعوها فأكلوا ثمنها»،

و عن الإيضاح و الغوالي أنه (عليه السلام) قال: «لعن الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فباعوها و أكلوا أثمانها» (4)

بل قد يستفاد ذلك أيضا من قوله تعالى «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ وَ لَحْمُ الْخِنْزِيرِ» (5) بناء على أن تعلق التحريم بالأعيان يعم جهات الانتفاع لا خصوص المنافع المقصودة، كالأكل و الشرب و إن كان فيه ما فيه، نعم قد يدل قوله تعالى في الخمر «رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطٰانِ فَاجْتَنِبُوهُ» (6) على ذلك باعتبار عدم تحقق الاجتناب عنها مع التصرف فيها بالتجارة، بل و كذا قوله «وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ» (7) بناء على أنه القذر كما عن الجوهري و القاموس بل هو

____________

(1) الوسائل الباب 5 و 14 و 40 و 55 من أبواب ما يكتسب به.

(2) الخلاف ج 1 ص 225 الطبع الحديث بطهران سنة 1370.

(3) صحيح بخاري ج 2 ص 26 صحيح مسلم ج 1 ص 229.

(4) مسند ابن حنبل ج 1 ص 322.

(5) سورة المائدة الآية 3.

(6) سورة المائدة الآية 90.

(7) سورة المدثر الآية 5.

12

المناسب لقوله تعالى «وَ ثِيٰابَكَ فَطَهِّرْ» (1) و عن تفسير علي بن إبراهيم الرُّجْزَ الخبيث، و المحكوم بنجاسته شرعا خبيث قذر، فيجب هجره بمقتضى الأمر الذي هو من التكاليف المشتركة، دون الخواص، و التصرف بالتجارة و البيع و الشراء خلاف الهجر المأمور به، فيكون محرما، بل لعل مطلق الانتفاع به كذلك، و على كل حال فقد ظهر لك الوجه في فساد المعاملة و عدم ترتب الأثر لا الحرمة محضا كما لا يخفى على من أحاط بما ذكرناه فما وقع من بعض الناس من الوسوسة في ذلك في غير محله، بل ظهر أيضا ما في كلام الأستاد عن الجزم بجواز الانتفاع في الجهة التي لم يثبت تحريمها، مستندا في ذلك إلى ما هو غير مجد أو مقطوع ببعض ما عرفت فلاحظ و تأمل.

و كذا الحكم في كل مائع نجس لا يقبل التطهير، و إن كانت نجاسته عرضية، فلا يجوز حينئذ التكسب به و لا الانتفاع به، لإطلاق بعض الأدلة المزبورة التي لا يقدح فيه خروج الانتفاع ببعضها لقيام سيرة أو إجماع أو نحوهما، كما لا يقدح خروج بعض الأعيان النجسة لذلك، كما أنه لا فرق بين تعقب الجمود له و عدمه بعد الاشتراك في عدم قبول التطهير الذي هو مدار الحكم، نعم قد يخرج عن ذلك ما قبل ظاهره التطهير بعد الجمود كالقير و الفضة و الذهب و نحوها إذا تنجست مائعة ثم جمدت، فلا بأس بالتكسب بها مائعة باعتبار أن لها حالة يقبل ظاهرها التطهير فيها و به يحصل النفع المقصود منها، و منه يعلم خروج العجين النجس و نحوه، بنا على أن له حالة هي التجفيف يقبل فيها التطهير أيضا، بل عن المحقق الثاني في حاشية الإرشاد، ان الظاهر جواز بيعها مع أنها لا تقبل التطهير عند الأكثر

____________

(1) سورة المدثر الآية 4.

13

مجيبا عن ذلك بأنها تؤل إلى حالة تقبل معها التطهير، و هي الجفاف بل ذلك هو المقصود منها.

بل ألحق به بعض مشايخنا، الصابون مدعيا أنه كالصبغ، قال:

فلا إشكال حينئذ في الغسل بما يبقى من زغوته المتنجسة، لكنه كما ترى، و الأولى الاستناد في خروج ذلك إلى السيرة إن كانت، كما أنه يمكن القول باقتصار المنع على المتنجس سابقا قبل الاستعمال، أما ما تنجس به كطلي الأجرب مثلا به فلا، مع أن الأحوط اجتناب مطلق ما لا يضطر إليه من ذلك، ثم أنه ينبغي الجزم بخروج الطحين و نحوه إذا مزج معه سحيق النجاسة، على وجه لا يتميز عنها عما نحن فيه، ضرورة عدم كونه نجسا و لا متنجسا، نعم قد يحتمل المنع عن بيعه باعتبار عدم التمكن من منفعته المقصودة» مع أنه لا يخلو ذلك من مناقشة، و كيف كان فقد ظهر لك أن ما لا يقبل التطهير من المتنجس كالنجس ذاتا، عدا ما عرفت مما علم خروجه عن ذلك بسيرة أو إجماع و نحوهما، و إن من ذلك المائعات غير الماء فإنها لا تقبل التطهير مع بقاء عينها، خلاف للعلامة في بعض أقواله، فجوز بيعها لقبولها التطهير عنده كذلك، و لما عن الكركي من جواز بيعها فيما لا يتوقف الانتفاع به على طهارته، كالمائعات المقصود منها الصبغ، بخلاف المقصود منها الأكل و الشرب و نحوهما، بل عنه أيضا الجواز إن قصد مزجه بالماء المطلق إلى أن يصير ماء، لطهارة المضاف باستهلاكه في الكثير المطلق، و الجميع كما ترى فالأصح حينئذ عدم جواز بيعها مطلقا في غير ما عرفت عدا الادهان من حيوان أو غيره فإنه يجوز التكسب بها، لأن ل ها فائدة و هي الاستصباح بها تحت السماء فجاز بيعها لذلك بلا خلاف معتد به أجده فيه، بل في محكي الخلاف

14

و الغنية و إيضاح النافع الإجماع عليه، بل يمكن تحصيله، فما عن ظاهر الشيخ من عدم جواز بيع الأدهان مطلقا عدا الزيت للاستصباح به تحت السماء واضح الضعف، ضرورة كونه محجوجا بما عرفت، مضافا إلى النصوص ك

خبر أبي بصير (1) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الفأرة تقع في السمن أو الزيت فتموت فيه، فقال: إن كان جامدا فتطرحها و ما حولها و يؤكل ما بقي و إن كان ذائبا فأسرج به و أعلمهم إذا بعته» (2)

و خبر إسماعيل بن عبد الخالق المروي عن قرب الاسناد عن الصادق (عليه السلام) أيضا «قال: سأل سعيد الأعرج السمان و أنا حاضر، عن الزيت و السمن و العسل يقع فيه الفأرة فتموت كيف يصنع؟ قال: أما الزيت فلا تبعه إلا لمن تبين له فيبتاع للسراج و أما الأكل فلا، و أما السمن فان كان ذائبا فهو كذلك، و إن كان جامدا و الفأرة في أعلاه فيؤخذ ما تحتها و ما حولها ثم لا بأس به، و العسل كذلك إن كان جامدا»

إلى غير ذلك من النصوص (3) التي لم يفرق فيها بين الزيت و غيره، كما فرق فيها بين الجامد و غيره فما عنه من التفصيل في الجامد ضعيف أيضا قال: فيما حكي عن مبسوطة النجس بالمجاورة لا يخلو من أحد أمرين إما أن تكون النجاسة التي جاورته ثخينة أو رقيقة، فان كانت ثخينة تمنع من النظر إليه فلا يجوز بيعه، و إن كانت رقيقة لا تمنع من النظر إليه جاز بيعه، و إن كان مائعا فلا يخلو من أحد أمرين، إما أن لا يطهر بالغسل، أو لا يكون كذلك فان كان الأول مثل السمن

____________

(1) الوسائل الباب 6 من أبواب ما يكتسب به الحديث 3.

(2) الوسائل الباب 6 من أبواب ما يكتسب به الحديث 5.

(3) الوسائل الباب 6 من أبواب ما يكتسب به الحديث 2.

15

فلا يجوز بيعه، و إن كان مما يطهر كالماء فإنه يجوز بيعه إذا طهر، و فيه ما لا يخفى حتى بالنسبة إلى اشتراط التطهير للماء في بيعه.

نعم النصوص المذكورة و غيرها مطلقة لا تقييد فيها بكون الإسراج تحت السماء، و من هنا مال الشهيد الثاني إلى الإطلاق، حاكيا له عن المبسوط و العلامة في المختلف و موضع من الخلاف و تبعه الأردبيلي و الخراساني فيما حكي بل عن فخر المحققين أنه قواه في الإيضاح بل لعله هو الظاهر من إطلاق المحكي عن أبي علي، إلا أن المشهور بين الأصحاب نقلا و تحصيلا التقييد شهرة عظيمة كادت تكون إجماعا، بل عن ابن إدريس نفى الخلاف عنه تارة، و نسبته إلى الأصحاب أخرى كالمحكي عن غاية المراد، من النسبة إلى نصهم، بل عن كشف اللثام نسبته إلى قطعهم، و في محكي المبسوط انه قال: و روى أصحابنا انه يستصبح به تحت السماء دون السقف، فيمكن التقييد حينئذ بالمرسل المزبور بعد انجباره بما سمعت، و بأصالة عدم جواز الانتفاع بالنجس فضلا عن التكسب به، فيقتصر على المتيقن من كونه تحت السماء، و ليس ذلك لنجاسة دخانه كما عن بعضهم تعليل المنع به باعتبار استلزامه نجاسة السقف، ضرورة عدم النجاسة بعد الاستحالة دخانا و لو سلم عدم استحالته جميعا، بل تبقى أجزاء من الدهن معه، منعنا عدم جواز تنجيس السقف و نحوه، و حينئذ فليس ذلك إلا تعبدا محضا كما هو واضح، و حينئذ يتجه مراعاة صدق الاستصباح به تحتها في الجواز، فلا بد من كونه مكشوفا لها غير محجوب عنها بحاجز مشبكا أو لا مرتفعا أو لا كثيفا أو لا لإطلاق دليل المنع المقتصر في تقييده على المتيقن الذي قد عرفت و هو الاستصباح به تحت السماء دون مطلق الاستصباح، فضلا عن غيره من المنافع، خلافا لبعضهم فجوز الانتفاع

16

بها في غير ذلك، بل جوز بيعها له بل هو خيرة العلامة الطباطبائي فإنه بعد أن حكى جواز بيعها للاستصباح مطلقا أو تحت السماء حكى جواز بيعها للانتفاع بها، في غير مشروط بالطهارة و لو غير الاستصباح ثم قال: و هو الأظهر و كان وجهه أصالة جواز الانتفاع بها لذلك، فتكون عينا ينتفع بها منفعة محللة مقصودة للعقلاء، فتندرج في إطلاق البيع و غيره من أسباب التكسب و النصوص إنما دلت على جواز الإسراج بها الذي هو أحد المنافع، لا اختصاصه و لذا قوبل بالأكل في بعضها فجوزت بيعها مخبرا بحاله حتى ينتفع به المنفعة المحللة التي ذلك أحد أفرادها، بل هو الغالب لا تخصيص الجواز بها و لا البيع فيها و فيه ما لا يخفى بعد الإحاطة بما أسلفاه من عدم جواز الانتفاع غير الاستصباح المزبور، فلا يجوز البيع حينئذ إلا له كما هو ظاهر الأصحاب.

ثم إن الظاهر وجوب إعلام المعطي للمعطى له للانتفاع، و لو لا على وجه الاكتساب، نعم لو أخذه من غير يده أو رآه في يده لم يجب إعلامه للأصل و يجب العمل بقول ذي اليد و إن لم يكن ثقة، هذا كله في الدهن المتنجس، أما لو كانت نجاسته ذاتية كالألية المقطوعة من ميت أو حي لم يجز نقله و لا انتقاله و لا استعماله حتى بالاستصباح تحت السماء، بلا خلاف معتد به أجده فيه لإطلاق ما دل على المنع فيما لا يقبل التطهير، و على الميتة و خصوص (1) ما دل عليه في إسراج المقطوع من الحي فضلا عن الميت، فلم (2) يبق للمعارض و إن صح سنده، أهلية المعارضة فما عن المجلسي من الجواز غريب، لما عرفت

____________

(1) الوسائل الباب 30 من أبواب الذبائح الحديث 1- 2.

(2) الوسائل الباب 40 من أبواب ما يكتسب به الحديث 4.

17

و لكونه من الميتة التي لا يجوز الانتفاع بشيء منها، مما تحله الحياة فضلا عن التكسب، سواء كانت ميتة نجس العين، أو طاهرها ذي النفس السائلة، نعم لا بأس بما لا تحله الحياة من أجزائها، كما أنه لا بأس بميتة غير ذي النفس، و لعل المصنف و غيره استغنى عن التقييد بذكره الميتة في ضمن أمثلة للأعيان النجسة، و قد عرفت في كتاب الطهارة و الصلاة اختصاصها بذات النفس، بل قد عرفت هناك جملة من أحكام استعمالها و الانتفاع بها فلاحظ و تأمل.

و كذلك الكلام في الدم و أرواث و أبوال ما لا يؤكل لحمه من الأعيان النجسة التي قد أخرجها الشارع، عن حكم التمول، بل قد عرفت عدم جواز الانتفاع بها على وجه يجوز التكسب بها بلا خلاف معتد به، أجده فيه بل الإجماع بقسميه عليه، بل المنقول منهما مستفيض فعن الخلاف إجماع الفرقة على تحريم بيع السرجين النجس، خلافا لأبي حنيفة و في محكي التذكرة لا يجوز بيع السرجين النجس إجماعا منا، و النهاية بيع العذرة و شرائها حرام إجماعا و عن المنتهى الإجماع على تحريم بيع العذرة، و قال الصادق (1) (عليه السلام) في خبر يعقوب بن شعيب «ثمن العذرة من السحت» (2)

و في مرسل الدعائم عن جعفر بن محمد عن أبيه عن آبائه عن علي (عليهم السلام) «ان رسول الله (صلى الله عليه و آله) نهى عن بيع العذرة و قال: هي ميتة»

و ما في سنديهما من الجهالة و الإرسال غير قادح بعد الانجبار بما عرفت، مضافا إلى ما سمعته سابقا من الأدلة على تحريم التكسب بالأعيان النجسة التي هذه منها، و إلى أن البيع مشروط بالملك، و العذرات غير مملوكة باتفاق علمائنا كما قيل، بل هي و الأبوال و الدماء ليست من

____________

(1) الوسائل الباب 40 من أبواب ما يكتسب به الحديث 1.

(2) المستدرك ج 2 ص 427.

18

المتمولات عرفا، و لذا لم يضمنها من أتلفها، لكن مع ذلك كله ربما توهم الخلاف من

رواية الكليني (1) خبر محمد بن مضارب في الباب الجامع لما يحل بيعه و ما لا يحل عن الصادق (عليه السلام) «لا بأس ببيع العذرة»

المحمول على عذرة مأكول اللحم، جمعا بين الأدلة خصوصا بعد

صحيح صفوان المجمع على تصحيح ما يصح عنه عن (2) مسمع بن أبي مسمع الثقة على الظاهر عن سماعة قال: «سأل رجل أبا عبد الله (عليه السلام) و أنا حاضر فقال: إني رجل أبيع العذرة فما تقول قال:

حرام بيعها و ثمنها و قال: لا بأس ببيع العذرة»

الذي هو صريح في أن العذرة منها ما يجوز بيعها و منها ما لا يجوز، و الا لزم التناقض بين جزئي الحديث، فتعين الحمل على ما ذكرنا.

و عن الشيخ في التهذيب الجمع بحمل رواية الجواز على عذرة البهائم من الإبل و البقر و الغنم، و في الاستبصار بحملها على عذرة غير الآدميين، و الظاهر ان مرجع التأويلين إلى شيء واحد، و هو الحمل على الأرواث الطاهرة كما قلناه، إذ لا فرق بين أنواع ما يؤكل لحمه في جواز البيع، و لا بين أنواع ما لا يؤكل لحمه في المنع، و قد صرح هو في المحكي عن مبسوطة و خلافه بجواز بيع السراجين الطاهرة، و تحريم بيع النجسة من دون تفصيل، بل نقل على ذلك في الخلاف إجماع الفرقة و إطلاق كلامه في الاستبصار، محمول على إرادة البهائم التي ينتفع بعذراتها غالبا، و لذا خصها بالذكر في التهذيب و لم يذكر غيرها من الحيوانات المأكولة اللحم مع القطع بمساواته لها في الحكم و من ذلك يعلم أن الشيخ لا خلاف له في المسئلة، فما عساه يتوهم

____________

(1) الوسائل الباب 40 من أبواب ما يكتسب به الحديث 3.

(2) الوسائل الباب 40 من أبواب ما يكتسب به الحديث 2.

19

من عبارته من جواز بيع عذرة غير الآدمي و إن كانت نجسة في غير محله كما أن ما عساه يقال أو قيل: من إمكان الجمع بين الروايتين، بحمل حديث المنع على الكراهة، أو التحريم مع فرض عدم الانتفاع، كما في بعض البلدان، أو التقية و حينئذ فيكون الحكم بنفي البأس في رواية سماعة بيانا للحكم الواقعي في غير محله أيضا، ضرورة أن الجمع بذلك فرع التكافؤ المفقود هنا كما عرفت، على أن لفظ السحت و الحرام كالصريح في خلاف الكراهة، و ليس هو بأولى مما ذكرناه على أن السؤال عن بيع العذرة قرينة، على الانتفاع إذ ما ينتفع به لا يسئل عن بيعه، و أما التقية فهي في الحقيقة طرح لأحد الدليلين، فالجمع أولى و من ذلك كله يظهر لك أن ما عن الظاهر الأردبيلي و المحقق الخراساني من التوقف في حكم العذرة و غيرها من الأرواث النجسة، بل الميل إلى جواز بيعها كما هو المحكي عن الفاضل القاساني تمسكا بالأصل، و استضعافا لدليل المنع و التفاتا إلى ظهور الانتفاع بها في الزرع و الغرس في غاية الضعف، بعد ما عرفت و ما أبعد ما بين القول بذلك، و القول بعدم جواز بيع الأرواث و الأبوال كلها إلا بول الإبل من غير فرق بين الظاهر و النجس، كما هو المحكي عن المفيد و سلار و إن كنا لم نتحقق ذلك منهما، لتعبيرهما بالعذرة التي هي حقيقة في عذرة الإنسان، نعم كلامهما ظاهر في عدم جواز بيع الأبوال الطاهرة إلا بول الإبل كما أشار إليه المصنف بقوله و ربما قيل بتحريم الأبوال كلها إلا بول الإبل خاصة دون الأرواث الطاهرة التي لم يظهر لنا خلاف في جواز بيعها، بل سيرة المسلمين في الأعصار و الأمصار من غير نكير على ذلك، مضافا إلى أنها أعيان طاهرة ينتفع بها نفعا ظاهرا بينا في التسميد و الإيقاد، فيحل بيعها كغيرها من الأعيان المخلوقة

20

لمصالح العباد و عموم قوله تعالى «وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ» (1) «و تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ» (2) و نحوهما و خصوص نفي البأس في الخبرين السابقين و حرمة أكلها لاستخباثها، و للنصوص الدالة على تحريم الفرث (3) من الذبيحة حتى ظاهر قوله تعالى «نُسْقِيكُمْ مِمّٰا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ (4) إلى آخرها و غير ذلك لا يقتضي حرمة التكسب بها، و إن

ورد عنه (5) (عليه السلام) «إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه»

«و لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فباعوها و أكلوا أثمانها» (6)

لكن لا يخفى عليك أن تحريم الأكل إنما يقتضي تحريم التكسب لو كان الشيء مأكولا مقصودا منه الأكل كالشحوم و اللحوم و نحوهما، و الأرواث ليست كذلك، إذ الفائدة المقصودة منها شيء آخر غير الأكل، و ليس ذلك بمحرم، و المحرم منها و هو الأكل غير مقصود، و معنى قوله (عليه السلام) إذا حرم إلى آخره، إذا حرم الغاية المطلوبة من شيء حرم ثمنه، فلا يتناول الأرواث، نعم يتجه ذلك في الطحال و نحوه من محرمات الذبيحة المقصود منها الأكل الذي قد حرم.

و أما بول غير الإبل من الأبوال الطاهرة فقد عرفت منهما عدم جواز التكسب بها، كما هو صريح الفاضل في التذكرة و القواعد و الإرشاد بل هو ظاهر الشيخ في النهاية و لعله لأنه لو جاز بيعها لكان للانتفاع

____________

(1) سورة البقرة الآية 275.

(2) سورة النساء الآية 29.

(3) الوسائل الباب 31 من أبواب الأطعمة المحرمة الحديث 4 و 8.

(4) سورة النحل الآية 66.

(5) الخلاف ج 1 ص 225 المطبوعة بطهران سنة 1370.

(6) مسند ابن حنبل ج 1 ص 322.

21

بها في الشرب، لكن شرب الأبوال محرمة، فيحرم البيع تبعا له أما الأولى فلأن الانتفاع بغير الشرب نادر، لا يعتد به و لا يصح البيع لأجله، كما في فضلات الإنسان و رطوباته، و اما الثانية فلأنها من الخبائث المحرمة بنص الكتاب، بل

روي عن رسول الله (صلى الله عليه و آله) بعدة طرق (1) «انه كان يكره الكليتين و لا يأكلهما لكونهما مجمع البول أو لقربهما منه»

بل لو سلمنا جوازه فهو نفع نادر غير مقصود للعقلاء، و لا معدود من المنافع عرفا، لإعراض الناس عنه و عدم التفاتهم إليه، كالانتفاع بغير الشرب فلا يصح بيعها للإجماع على اشتراط المنفعة في البيع، و المراد بها المنفعة الظاهرة المقصودة من الشيء في العادة و لا عبرة بالمنفعة النادرة، إذ لا يخلو عنها شيء من الأشياء فلو كانت كافية في صحة البيع، لبطل اشتراط النفع و لزم جواز بيع كل شيء، و هو خلاف الإجماع، كل ذلك مضافا إلى عدم عدها في العرف أموالا، يتحقق فيها الغصب و السرقة و الضمان و نحوها، و إلى ما في كشف الرموز من نسبة عدم الجواز إلى عموم الروايات الواردة بالمنع من التصرف في الأبوال بل ابن إدريس لما نقل عبارة النهاية قال:

من ذلك خبر أورده شيخنا إيرادا لا اعتقادا، لكن يقوى في النظر جواز التكسب بها أيضا، وفاقا للحلي و الفاضل في المختلف و التحرير و الابى و الشهيدين و الكركي و غيرهم، لنحو ما سمعته في الأرواث، من عموم الأدلة و غيرها، بل صرح المرتضى بجواز شربها اختيارا، مدعيا عليه الإجماع مضافا إلى الأصل، و عموم الكتاب و السنة و قول النبي (صلى الله عليه و آله) (2) «لا بأس ببول ما أكل لحمه»

و الموثق عن

____________

(1) الوسائل الباب 31 من أبواب الأطعمة المحرمة الحديث 5 و 1.

(2) الوسائل الباب 8 من أبواب النجاسات الحديث 17.

22

الصادق (1) (عليه السلام) «كل ما أكل لحمه فلا بأس بما يخرج منه»

بل و الموثق الآخر عنه أيضا (2) «سئل عن بول البقر يشربه الرجل قال: إن كان محتاجا إليه يتداوى به يشربه، و كذلك بول الإبل و الغنم»

و خبر سماعة (3) «سألت أبا عبد الله عن شرب الرجل أبوال الإبل و البقر و الغنم ينعت له من الوجع هل يجوز له أن يشرب قال: نعم لا بأس به»

، الظاهرين في تساوي أبوال الإبل و غيرها، و ستعرف جواز بيعها، على أنه لو سلم عدم جواز شربها فلا يستلزم عدم جواز التكسب بها، كما سمعته في الروث و عدم عد الناس لها أموالا تساهلا و استغناء عنها غالبا، لا ينافي جواز التكسب بها عند الحاجة إليها و اتخاذها مالا، لندرة المنفعة المرادة منه، لا تقتضي عدم جواز التكسب بها، و إلا لم يجز التكسب بأكثر العقاقير.

و من ذلك يعلم الأولوية بجواز البيع في بول الإبل، الذي قد أجازه بعض من منع في غيره، مدعيا الفرق بينهما بعدم كونه من الخبائث، لأن العرب لا تستخبثه بل تتداوى به و تشربه عند إعواز الماء و قلته، و هم المرجع في الفصل بين الطيبات و الخبائث، دون سائر الناس لأنهم المخاطبون بالقرآن و السائلون في قوله (4) «يَسْئَلُونَكَ مٰا ذٰا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبٰاتُ» و لأنهم أناس لا تقلب عليهم العيافة من التنعم الحاصل في غيرهم، و فيه أن ذلك كله جار في بول البقر و الغنم و نحوهما، و دعوى الفرق بينهما بذلك لا وجه له، و ما يذكر من النفع

____________

(1) الوسائل الباب 8 من أبواب النجاسات الحديث 12.

(2) الوسائل الباب 8 من أبواب النجاسات الحديث 15.

(3) الوسائل الباب 59 من أبواب الأطعمة و الأشربة الحديث 7.

(4) سورة المائدة الآية 4.

23

في أبوال الإبل بعينه يجري في هذه الأبوال أيضا، فالمتجه الجواز في الجميع كما عرفت و من هنا قال المصنف (رحمه الله) و الأول أي اختصاص المنع ببول ما لا يؤكل لحمه و روثه أشبه بأصول المذهب و قواعده، بل الظاهر اختصاص ذلك بالنجس منه و هو ذو النفس منه لا مطلقا لما عرفت فما عن الفاضل في النهاية، و يحيى بن سعيد في النزهة، من المنع عن التكسب ببول الإبل فضلا عن غيره واضح الضعف، و ربما خص جواز بيع أبوال الإبل بالاستشفاء بها عند الضرورة، لا غير، بل جعل ذلك قولا، و نسب إلى الشيخ في النهاية بل قيل: إن قول العلامة في القواعد و التذكرة إلا بول الإبل للاستشفاء يحتمله أيضا، بناء على كون ذلك قيد للمستثنى، لا تعليلا للاستثناء بل جعل ما في المسالك و غيرها من جواز بيعها إن فرض لها نفع مقصود كغيرها من الأبوال قولا رابعا، و التحقيق رجوع القولين إلى الأول، الذي هو الجواز مطلقا، و لكن ذكر القيد لإرادة إخراج المعاملة عن السفه المعلوم اعتباره في صحة المعاوضات كما هو واضح.

و أما التكسب ب الخنزير و جميع أجزائه و جلد الكلب و ما يكون منه فلا خلاف أجده في عدم جوازه، بل يمكن تحصيل الإجماع عليه، مضافا إلى ما سمعته من الأدلة السابقة الدالة على ذلك نعم ستسمع فيما يأتي إنشاء الله جوازه في بعض الكلاب، كما أنه لا إشكال في جوازه بأخيه أي الكافر حربيا كان أم ذميا لمسلم كان أم لكافر ذمي أو حربي و إن كان هو من الأعيان النجسة، إلا أن ذلك لا يمنع من بيعه بإجماع المسلمين و النصوص ك

خبر إسماعيل بن الفضل (1) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن شراء مملوكي

____________

(1) الوسائل الباب 1 من أبواب بيع الحيوان الحديث 2.

24

أهل الذمة إذا أقروا لهم، فقال إذا أقروا لهم بذلك فاشتر و انكح»

و موثق إبراهيم بن عبد الحميد عن أبي الحسن (عليه السلام) (1) في شراء الروميات «فقال: اشترهن و بعهن»

و خبر عبد الله بن الحسن الدينوري (2) قال: قلت لأبي الحسن (عليه السلام) «ما تقول: في النصرانية أشتريها و أبيعها من النصارى؟ قال: اشتر و بع»

إلى غير ذلك من النصوص الدالة فما عساه يتوهم من إطلاق بعض الأصحاب تحريم التكسب بالأعيان النجسة المندرج فيها الكافر في غير محله، ضرورة اختصاص الحكم بما لا يقبل الطهارة من الأعيان، لأن شرط صحة البيع طهارة العوضين فعلا أو قوة، و الكافر يقبل الطهارة بالإسلام، بل كلامهم في مباحث سبي الكفار، و بيع الأناسي و في مسئلة البيع بشرط الكفر و ظهور المبيع كافرا بعد البيع، و اشتراط إسلام المشتري إذا اشترى مسلما و غيرها من المسائل، و الفروع ينادي بسقوط هذا الوهم.

و عن الشيخ في المبسوط التصريح بأن موضع الحكم في مسئلة تحريم بيع النجس، و هو غير الآدمي من الحيوان، و غيره و العلامة في التحرير بجواز التجارة في الجارية النصرانية، و العبد المرتد عن غير فطرة، بل عنه في المنتهى تجوز التجارة في الجارية النصرانية، و المغنية بالبيع و الشراء لأنهما عينان مملوكتان فيصح أخذ العوض عنهما، و لا نعلم فيه خلافا و بالجملة فالأمر في ذلك أوضح من أن يتصدى لبيانه، نعم إنما الكلام في سبي الذكور البالغين في زمان الغيبة، فإنه قد قيل: لا يصح استرقاقهم، لأن حكمهم إلى الامام و هو مخير فيهم بين المن و الفداء،

____________

(1) الوسائل الباب 2 من أبواب بيع الحيوان الحديث 2.

(2) الوسائل الباب 16 من أبواب ما يكتسب به الحديث 1.

25

و الاسترقاق و في ابتياع الحربي من مثله إذا استرقه أنه بيع أو استنقاذ في صورة البيع، و البحث فيهما يأتي في محل آخر يليق به إنشاء الله.

[النوع الثاني مما يحرم التكسب به لتحريم ما قصد به]

النوع الثاني مما يحرم التكسب به لتحريم ما قصد به من الغايات التي وضع لها الشيء كآلات اللهو مثل العود و الزمر و هياكل العبادة المبتدعة كالصليب و الصنم و آلة القمار كالنرد و الشطرنج و نحو ذلك بلا خلاف أجده فيه بل الإجماع بقسميه عليه و النصوص ففي

خبر (1) تحف العقول عن الصادق (عليه السلام) «إنما حرم الله الصناعات التي هي حرام كلها، التي يجيء منها الفساد محضا، نظير البرابط و المزامير و الشطرنج، و كل ملهو به و الصلبان و الأصنام و ما أشبه ذلك، إلى أن قال: فحرام تعليمه و العمل به و أخذ الأجرة عليه، و جميع التقلب فيه من جميع وجوه الحركات»

و في خبر أبي بصير المروي (2) عن مستطرفات السرائر عن جامع البزنطي عن الصادق (عليه السلام) أيضا «بيع الشطرنج حرام و أكل ثمنه سحت و اتخاذها كفر، و اللعب بها شرك و السلام على اللاهي معصية و كبيرة، و الخائض يده فيها كالخائض يده في لحم الخنزير و المرسل المقلب لها أي الشطرنج كالمقلب لحم الخنزير»

بل في شرح الأستاد أن ظاهر الإجماع و الأخبار عدم جواز العمل، و الاستعمال و الانتفاع و الإبقاء و الاكتساب بجميع وجوهه من عبر فرق بين قصد الجهة المحللة و غيرها، و لا بين قصد المادة و قصد الصورة لكن في المسالك إن أمكن الانتفاع بها في غير الوجه المحرم، على تلك الحالة منفعة مقصودة، فاشتراها لتلك المنفعة، لم يبعد جواز بيعها إلا أن هذا الفرض نادر فالظاهر أن ذلك الموضوع المخصوص لا ينتفع به، إلا

____________

(1) الوسائل الباب 2 من أبواب ما يكتسب به الحديث 1.

(2) الوسائل الباب 103 من أبواب ما يكتسب به الحديث 4.

26

في المحرم غالبا، و النادر لا يقدح، و من ثم أطلقوا المنع من بيعها و تبعه عليه جماعة من متأخري المتأخرين، كما أن المحكي عن موضع التذكرة، جواز بيعها إذا كان لمكسورها قيمة، و باعها صحيحة لتكسر و كان المشتري ممن يوثق بديانته، و تبعه عليه أيضا جماعة من متأخري المتأخرين، و جعله أحد الوجهين في المسالك و محكي جامع المقاصد، بل في الأول استحسنه بعد أن حكاه عن التذكرة مع زوال الصفة.

ثم قال: و هل الحكم في أواني الذهب و الفضة كذلك يحتمله، بناء على تحريم عملها و الانتفاع بها في الأكل و الشرب، و عدمه لجواز اقتنائها للادخار و تزيين المجلس و الانتفاع بها في غير الأكل و الشرب، و هي منافع مقصودة، و في تحريم عملها مطلقا نظر، و في الأخير ما سمعته في كتاب الطهارة من أن المشهور بين الأصحاب حرمة اتخاذ الأواني من النقدين مطلقا، من غير فرق بين الاستعمال و التزيين و القنية بل عن التذكرة و غيرها الإجماع على حرمة استعمالها في غير الأكل و الشرب كما عن كشف الرموز نفي الخلاف فيه كما تقدم الكلام فيه مفصلا فحينئذ لا فرق بينها و بين ما هنا، كما أن في سابقه إمكان منع مدخلية الكسر اللاحق في الحكم بالحرمة، ضرورة صدق كون العوض ثمن شطرنج مثلا، و إخراجه بعد ذلك عن الاسم بالكسر غير مجد، كما هو واضح بأدنى تأمل، بل قد يناقش في الأول بما سمعته سابقا من عدم مدخلية المنفعة النادرة، بعد فرض كون المقصد المعظم منه محرما، كما هو المفروض في محل البحث، و لو فرض أن للشيء منفعتين مقصودتين إحداهما محللة و الأخرى محرمة، دار الحكم مدار القصد، و لعل ذلك هو المراد له إلا أنه خروج عن المقام.

و كيف كان فلا ريب في بقاء المادة على الملك و لا تخرج عنه

27

بالصورة التي يرفع الشارع احترامها و لم يدخلها في الملك و أوجب على المكلفين إتلافها بلا ضمان، حتى لو استلزم إتلاف المادة، و يرتفع ضمانهما معا بل قيل بجواز إتلافهما معا بلا ضمان، من دون استلزام و إن كان لا يخلو من إشكال أو منع، أما إذا أتلف الصورة و بقيت المادة فلا إشكال في بقائها على الملك و حرمة إتلافها و ضمان المتلف لها نعم ليس بيعهما معا من قسم بيع المتغايرين في صفقة، حتى يصح في البعض دون البعض ضرورة كونهما شيئا واحدا، و من ذلك يعلم أنه لا فرق في حرمة التكسب بها بين قصد المادة و الصورة، و بين قصد المادة خاصة، و ليست هي كالعبد المغني و الكاهن و الساحر، و المقامر و نحوهم، مما يصح بيعهم، مع عدم ملاحظة الصفة و إنما يفسد البيع إذا لوحظت، كما نص عليه شيخنا في شرحه، ضرورة الفرق بين المقامين بل قد عرفت فيما تقدم أنه لا فرق في الحرمة بين ملاحظة الغاية المحرمة، و عدمها بل الظاهر ذلك، حتى لو قصد الجهة المحللة بعد فرض ندرتها، كما أنه لا فرق في حرمة التكسب بها بين دفعها للمسلم و الكافر، حتى لو كان حربيا نعم قد يقال ان له تملك العوض المدفوع من الحربي بالاستيلاء و إن أثم بدفع أحد الأعيان المزبورة إليه هذا و في شرح الأستاد جعل مما نحن فيه في جميع الأحكام المزبورة، الدراهم الخارجية و بعض التغليطات في الجواهر و الأقمشة و هو مشكل، نعم يشترك ذلك معه في كون الجميع مما يترتب عليه الفساد العام، فيجب على سائر الناس دفع ما يندفع به ذلك بكسر و نحوه، لا أن المعاملة عليه بعد الاخبار بحاله بحيث لم يبق غش منه فاسدة، و أن الثمن المدفوع عنه حرام فتأمل جيدا.

و على كل حال فمن هذا القسم كلما يفضي إلى مساعدة

28

على محرم كبيع السلاح لأعداء الدين مع قصد الإعانة أو كانت الحرب قائمة، للنهي عن الإعانة (1) و ل

قول الصادق (عليه السلام) في خبر (2) السراد أو مرسله في جواب «سؤاله عن بيع السلاح لا تبعه في فتنة»

و صحيح علي بن جعفر (3) المروي عن كتاب مسائله و قرب الاسناد «سأل أخاه عن حمل المسلمين إلى المشركين التجارة، فقال إذا لم يحملوا سلاحا فلا بأس»

و ما

في وصية النبي (صلى الله عليه و آله) لعلي (عليه السلام) في خبر حماد بن أنس (4) «يا علي كفر بالله العظيم من هذه الأمة، عشرة أصناف إلى أن قال: و بايع السلاح من أهل الحرب»

و خبر هند السراج (5) «قال: لأبي جعفر (عليه السلام) أصلحك الله تعالى إني كنت أحمل السلاح إلى الشام، فأبيعه منهم فلما أن عرفني الله هذا الأمر ضقت بذلك و قلت لا أحمل إلى أعداء الله فقال: احمل إليهم و بعهم، فان الله يدفع بهم عدونا و عدوكم يعني الروم، فان كان الحرب بيننا فلا تحملوا فمن حمل إلى عدونا سلاحا يستعين به علينا فهو مشرك»

و حسن أبي بكر الحضرمي (6) قال: «دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام) فقال له حكم السراج: ما تقول فيمن يحمل لأهل الشام من السروج و أداتها فقال: لا بأس أنتم اليوم بمنزلة أصحاب رسول الله (صلى الله عليه و آله) إنكم في هدنة و إن كانت المباينة حرم عليكم أن تحملوا إليهم السروج و السلاح».

____________

(1) سورة المائدة الآية 2.

(2) الوسائل الباب 8 من أبواب ما يكتسب به الحديث 4.

(3) الوسائل الباب 8 من أبواب ما يكتسب به الحديث 6.

(4) الوسائل الباب 8 من أبواب ما يكتسب به الحديث 7.

(5) الوسائل الباب 8 من أبواب ما يكتسب به الحديث 2.

(6) الوسائل الباب 8 من أبواب ما يكتسب به الحديث 1.

29

و لإطلاق بعض هذه النصوص أطلق بعض تحريم بيع السلاح لأعداء الدين من غير تقييد بالقصد أو قيام الحرب، و ربما كان ظاهر المتن في وجه، و ما أبعد ما بينه و بين آخر حيث اعتبر في الحرمة القيدين معا، و اقتصر ثالث على اعتبار القصد كما هو الوجه الأخر في المتن، و رابع على قيام الحرب، و التحقيق ثبوتها بأحدهما أما مع القصد فلتحقق التعاون، و أما مع قيام الحرب فلما سمعته من النصوص التي يجب حمل إطلاق غيرها عليها، و ربما علل أيضا بالإعانة و فيه منع صدقها مع عدم القصد، خصوصا بعد كون المنهي عنه التعاون، الظاهر في كون الفعل مقصودا للجميع، و أن كلا منهم صار ظهيرا للآخر في وقوعه لا أن مجرد الاشتراك في شرائط وقوع الفعل يحقق الإعانة و إلا لم يمكن الاستقلال بالفعل، من أحد ضرورة معلومية عدم كون الشرائط جميعها منه، و بذلك ظهر لك أن الحرمة في المقام مع عدم القصد إنما هي من النصوص، فالواجب حينئذ الاقتصار على خصوص المستفاد منها، مع ملاحظة صلاحية الخبر باعتبار جمعه لشرائط الحجية و عدمها، و لا يجوز التعدي إلى غيره كما وقع من بعضهم.

نعم لا بأس بالتعدية فيما كان مدرك الحرمة فيه آية التعاون (1) من الفرد الآخر و هو المشتمل على القصد، ضرورة اشتراك الجميع في الصدق، بعد فرض ثبوت ما يحققه من القصد على الوجه الذي ذكرناه فلا فرق حينئذ بين السلاح و غيره فيما يحصل به التعاون، و لا بين المشركين و غيرهم، و لا بين حال الهدنة و غيرها، كما لا يخفى على من له أدنى نظر و تأمل، و على كل حال فقد ظهر لك أنه لا حرمة فيما لا تعاون فيه، و لا هو مندرج في إطلاق النصوص المزبورة، كبيع السلاح

____________

(1) سورة المائدة الآية 2.

30

و غيره عليهم في حال الهدنة مع عدم القصد، و في حال الحرب بينهم، و لو مع قصد إعانة بعضهم على بعض، كما أومى إليه في الجملة خبر هند السراج السابق.

و أما حرمة التكسب في إجارة المساكن و السفن و نحوها للمحرمات و في بيع العنب مثلا ليعمل خمرا و بيع الخشب ليعمل صنما مثلا على وجه يبطل العقد معها فلا خلاف أجدها فيها مع التصريح بالشرطية أو الاتفاق عليها على وجه بنى العقد عليها، بل عن مجمع البرهان نسبته إلى ظاهر الأصحاب، بل عن المنتهى دعوى الإجماع عليه، كما عن الخلاف و الغنية الإجماع على عدم صحة إجارة المسكن ليحرز فيه الخمر أو الدكان ليباع فيه، بل عن الأول زيادة نسبته إلى أخبار الفرقة أيضا، بل قد يظهر من الأصحاب كون الحكم كذلك مع فرض القصد لذلك و إن لم يكن على جهة الشرطية بل إنما كان على جهة الغائية، بل قد يقال: بكون الحكم كذلك عندهم مع فرض ذلك من البائع خاصة، فضلا عن اشتراطه و عن اتفاق المشتري معه عليه.

و لعل الدليل على ما لا يندرج منه آية التعاون الذي قد عرفت المراد منه، الإجماع المحكي و إطلاق بعض النصوص ك

خبر جابر (1) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يؤجر بيته، فيباع فيه الخمر فقال:

حرام أجرته»

، و ذيل مكاتبة ابن أذينة في الحسن أو الصحيح للصادق (عليه السلام) (2) «عن رجل له خشب فباعه ممن يتخذه صلبانا قال:

لا»

و خبر عمر بن حريث (3) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن

____________

(1) الوسائل الباب 39 من أبواب ما يكتسب به الحديث 1.

(2) الوسائل الباب 41 من أبواب ما يكتسب به الحديث 1.

(3) الوسائل الباب 41 من أبواب ما يكتسب به الحديث 2.

31

التوت أبيعه ممن يصنع الصليب أو الصنم قال: لا»

بل هي بإطلاقها شاملة لما أفتى به المصنف و غيره بل المشهور من أنه يكره بيع ذلك لمن يعلم أنه يعملهما خمرا أو صليبا.

لكن يجب الخروج عنه بالنسبة إلى ذلك لمعارضة لما دل على الوفاء بالعقود، و حليته البيع و غيره من العقود و خصوص

صحيح ابن أذينة «كتبت إلى أبي عبد الله (1) (عليه السلام) أسأله عن الرجل يؤجر سفينته أو دابته ممن يحمل فيها أو عليها الخمر و الخنازير فقال: لا بأس»

و مكاتبته الأخرى له أيضا (2) «سأله عن رجل له خشب فباعه ممن يتخذه برابط فقال: لا بأس»

و خبر محمد بن أبي نصر (3) «سألت أبا الحسن عن بيع العصير فيصير خمرا قبل أن يقبض الثمن قال: فقال: لو باع ثمرته ممن يعلم أنه يجعله حراما لم يكن بذلك بأس، و أما إذا كان عصيرا فلا يباع الا بالنقد»

و خبر محمد الحلبي (4) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن بيع عصير العنب ممن يجعله خمرا قال: لا بأس به، يبيعه حلالا و يجعله ذلك حراما فأبعده الله عز و جل و استخفه»

و صحيح ابن أذينة (5) «كتبت إلى أبي عبد الله (عليه السلام) أسأله عن رجل له كرم، أ يبيع العنب ممن يعلم أنه يجعله خمرا أو مسكرا؟ فقال: إنما باعه حلالا في الإبان الذي يحل شربه أو أكله

____________

(1) الوسائل الباب 39 من أبواب ما يكتسب به الحديث 2.

(2) الوسائل الباب 41 من أبواب ما يكتسب به الحديث 1.

(3) الوسائل الباب 59 من أبواب ما يكتسب به الحديث 1.

(4) الوسائل الباب 59 من أبواب ما يكتسب به الحديث 4.

(5) الوسائل الباب 59 من أبواب ما يكتسب به الحديث 5.

32

فلا بأس ببيعه»

و خبر أبي كهمش (1) «سأل رجل أبا عبد الله (عليه السلام) إلى قال: ثم قال: (عليه السلام) هو ذا نحن نبيع تمرنا ممن نعلم أنه يصنعه خمرا»

و خبر رفاعة (2) عن الصادق (عليه السلام) «أنه سأل عن بيع العصير ممن يخمره فقال: حلال، أ لسنا نبيع تمرنا ممن يجعله شرابا خبيثا؟»

و صحيح الحلبي (3) عن الصادق (عليه السلام) «أنه سأل عن بيع العصير ممن يصنعه خمرا قال بعه ممن يطبخه أو يصنعه خلا أحب إلى و لا أرى بالأول بأسا»

و خبر يزيد بن خليفة الحارثي (4) عن الصادق (عليه السلام) «قال سأله رجل و أنا حاضر، قال: إن لي الكرم فأبيعه عنبا قال: فإنه يشتريه من يجعله خمرا قال: بعه إذا كان عصيرا قال: انه يشتريه مني عصيرا فيجعله خمرا في قريتي قال: بعته حلالا فجعله حراما فأبعده الله تعالى».

و المناقشة بإمكان حملها على توهم البائع أن المشتري يعمله خمرا أو على ارادة رجوع الضمير إلى مطلق العصير لا التمر المبيع، و في خبر ابن أذينة باحتمال حمل الخمر فيه لإرادة التخليل أو الجبر عليه أو على كونه لأهل الذمة الذين لهم ان يفعلوا ذلك أو على عدم العلم بحمله أو نحو ذلك كما ترى، فلا إشكال في دلالتها على المطلوب كما لا إشكال في قوتها على المعارض من وجوه، خصوصا بعد تأيدها بالسيرة على المعاملة مع الملوك و الأمراء، فيما يعلمون صرفه في تقوية الجند

____________

(1) الوسائل الباب 59 من أبواب ما يكتسب به الحديث 6.

(2) الوسائل الباب 59 من أبواب ما يكتسب به الحديث 8.

(3) الوسائل الباب 59 من أبواب ما يكتسب به الحديث 9.

(4) الوسائل الباب 59 من أبواب ما يكتسب به الحديث 10.

33

و العساكر، المساعدين لهم على الظلم و الباطل و اجارة الدور و المساكن و المراكب لهم لذلك، و بيع المطاعم و المشارب للكفار في نهار شهر رمضان مع علمهم بأكلهم فيه، و بيعهم بساتين العنب منهم، مع العلم العادي بجعل بعضه خمرا، و بيع القرطاس منهم مع العلم بأن منه ما يتخذ كتب ضلال، و من ذلك يظهر أن قصد العلية من طرف المشتري غير قادح، ضرورة حصوله فيما عرفت، فلو كان قادحا لاقتضى فساد البيع، لأن فساده من جانب، فساد من الجانبين، بخلاف قصدها من البائع المنافي لإطلاق المنع السالم عن المعارض فيه، ضرورة عدم شمول الأدلة المزبورة لمثله، بل ربما كان ظاهر قوله في بعضها يبيعه حلالا، و ذلك يجعله حراما خلافه.

و على كل حال فما عن ظاهر التهذيب و المختلف و حواشي الشهيد و المسالك و الروضة و النهاية الشيخ في خصوص المساكن و الحمولات من الحرمة مع العلم مطلقا، بل عن ثاني الشهيدين و غيره إلحاق الظن به واضح الضعف، لعدم صدق الإعانة و ضعف إطلاق أدلة المنع بالنسبة إلى ما عرفت، و عدم منافاته للأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، اللذين قد يسقط وجوبهما لفقد بعض الشرائط، و كذا ما عن ابن المتوج من الحكم بالحرمة دون الفساد، ضرورة إمكان تحصيل الإجماع على خلافه بل قوله (عليه السلام) في الخبر السابق حرام أجرته كالصريح في عدم ملكه، و عدم انتقاله بالعقد، و ما في الكتاب في باب الإجارة أنه ربما قيل بالتحريم أي في نحو إجارة المسكن ليحرز فيه الخمر، و انعقاد الإجارة لإمكان الانتفاع في غير المحرم لم نتحققه قولا لأحد من أصحابنا ممن تقدم و إنما هو محكي عن الشافعي و أبي حنيفة و لا ريب في ضعفه و الله العالم.

34

[النوع الثالث ما لا ينتفع به]

النوع الثالث ما لا ينتفع به نفعا مجوزا للتكسب به على وجه يرفع السفه عن ذلك بلا خلاف أجده فيه، بل الإجماع بقسميه عليه، إنما الكلام فيما ذكره المصنف مثالا له بقوله كالمسوخ برية كانت كالقرد و الدب و الكلب و الخنزير و الذئب و الفأرة و الضب و الأرنب و الطاوس و الوطواط و هو الخطاف أو الخفاش و العنقاء و الثعلب و اليربوع و القنفذ و الطافي الذي هو قسم من الحيات، بل قيل و النعامة، و إن كان الحق خلافه كما بين في محله و في الفيل تردد و الأشبه جواز بيعه للانتفاع بعظمه و بحمله أو بحرية كالجري و الدعموص، و في المسالك ليس من المسوخ بحرية غيرهما حتى جعل قوله و الضفادع عطفا على المسوخ و فسر الطافي بالسمك الميت في الماء و لكن في غيرها أن منها السلاحف و الضفادع و النمار و التمساح و السرطان و هو عقرب الماء له ثمانية أرجل و عيناه في كتفه و صدره يمشي على جانب واحد و يقول استغفروا الله يا مذنبون و حينئذ فهما معطوفان على الجري، بل لعل الطافي منها أيضا بناء على أن المراد به قسم من الحيات لا السمك الميت في الماء إلا أن المنقول أنه من المسوخ البرية لا البحرية و يمكن أن يكون بحرية و حينئذ ينتظم ظاهر العبارة و الأمر في ذلك سهل، بل ألحق بالمسوخ، العقرب و الزنبور و الوزغ و الدبا و المهرجد نوعان من الجراد و سهيل و زهره دابتان و العنكبوت و الوبر و الورك و الزمير و المارماهي و البعوض و القمل، و لعل إلحاقها بها لعدم اعتبار ما دل على انها منه بل

عن النبي (صلى الله عليه و آله) (1) «ان الله مسخ سبع مائة أمة فأخذ أربعمائة برا و ثلاثمائة بحرا»

و لتحقيق ذلك مقام آخر.

إنما البحث في التكسب بها و التحقيق عدم كون المسوخية مانعا

____________

(1) الوسائل الباب 2 من أبواب الأطعمة المحرمة الحديث 9.

35

منه، بناء على الأصح من عدم نجاستها بذلك، عدا الكلب و الخنزير كما قدمناه في كتاب الطهارة، و خصوصا إذا قلنا بقبولها للتذكية فإن الانتفاع حينئذ بها حية و ميتة متحقق، فيندرج في نحو قوله تعالى «أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ» (1) الذي قال الفاضل في المختلف، أن الفقهاء أجمعوا في جميع الأعصار و الأصقاع على عمومية الاستدلال بهذه الآية في كل مبيع فالمتجه حينئذ جواز التكسب بما ينتفع به منها نفعا يخرجه عن السفه بذلك، بل لا يبعد جواز التكسب بما لا نفع غالبا فيه إذا اتفق حصول النفع المعتد به فيه، فيتكسب به في ذلك الحال، و دعوى كونه منفعة نادرة لا يجوز التكسب به لتحقق السفه معها، يدفعها منع تحققه مع فرض حصول النفع المعتد به فيه بل أقصاه، أنه يكون كبعض عقاقير الأدوية التي يندر الاحتياج إليها، نعم لا ريب في تحقق السفه لو تكسب بها حال عدم النفع رجاء لتلك المنفعة النادرة، و السبب في ذلك غلية وقوعها في كل وقت يحتاج إليها أما لو فرض ندرته و عدم تيسره في كل وقت، فلا ريب في حسن ادخاره لاحتمال حصول الحاجة به.

و حينئذ فما عن أكثر المتقدمين من إطلاق المنع عن بيعها في غير محله، مع أنه لا خلاف في جواز بيع بعض الكلاب منها كما تعرفه في محله، كما أنه لا شك في جواز الانتفاع بعظم الفيل منها المسمى بالعاج و جلود الثعالب و الأرانب مع التذكية، بشرط الدباغ أو مطلقا، و في خبر (2) عبد الحميد بن سعد «سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن عظام الفيل أ يحل بيعه و شرائه للذي يجعل منه الأمشاط فقال: لا بأس قد كان لأبي

____________

(1) سورة البقرة الآية 275.

(2) الوسائل الباب 37 من أبواب ما يكتسب به الحديث 2.

36

منه مشط أو أمشاط»

و في آخر «رأيت أبا الحسن (عليه السلام) (1) يتمشط بمشط عاج و اشتريته له»

و في ثالث (2) «عن العاج قال: لا بأس به، و أن لي منه لمشطا»

مضافا إلى ما عن الخلاف من الإجماع على جواز التمشط به و جواز استعماله، و السرائر ذلك أيضا على جواز بيع الفيل، و ما عن المبسوط من الإجماع على عدم جواز بيع المسوخ و إجارتها و الانتفاع بها و اقتنائها بحال إلا الكلب، مبني على نجاستها عنده فيه و هو معلوم الفساد، خصوصا فيما لا نفس له منها و خصوصا فيما قام الإجماع عليه من استعمال جلود بعضها، و الخبر الوارد (3) بالمنع «عن بيع القرد و شرائه مع ضعفه»

منزل على حال عدم الانتفاع المعتد به، أو المحرم كالإطافة به للعب كما هو الغالب، أو على الكراهة جمعا، و لعله لذا و نحوه حكي عن ابن الجنيد أنه اختار في أثمان ما لا يؤكل لحمه من السباع و المسوخ أن لا يصرف ثمنه في مطعم أو مشرب له و لغيره من المسلمين، بل لعله مما ذكرنا ينقدح البحث فيما ذكر مثالا للعنوان المزبور، من الحشرات من الهوام التي ضبطت بما لا يحتاج إلى الماء، و شم الهواء كالفأر و الحيات و الخنافس و العقارب و جميع الدواب الصغار، و ما ينفصل من الإنسان من شعر أو ظفر أو بصاق و نحوها، تمسكا بالأصل و عدم الدخول في أدلة المكاسب، و الإجماع المنقول عاما و خاصا بل قيل أن عليه المدار في الحجة، و فيه أن المدار الاحتجاج بعدم النفع، للاخبار و الإجماع على اعتباره.

و لكن ذلك إنما يجري في بعض الأقسام في بعض الأحوال لا مطلقا

____________

(1) الوسائل الباب 37 من أبواب ما يكتسب به الحديث 3.

(2) الوسائل الباب 69 من آداب الحمام الحديث 4.

(3) الوسائل الباب 37 من أبواب ما يكتسب به الحديث 4.

37

فلا مانع حينئذ من التكسب بالعلق و دود القز، و نحل العسل و نحو ذلك مما قامت السيرة على التكسب به، بل لا مانع منه في غير ذلك عند الحاجة إليه لدواء و نحوه مما يرتفع معه السفه الحاصل بشرائه عند عدم الحاجة إليه، و لو لادخاره عند عروضها، باعتبار غلبة نوعه في كل وقت و حين، ضرورة كونه حينئذ كبعض عقاقير الأدوية، و دعوى عدم التمول في ذلك مطلقا يمكن منعها باعتبار صدق التملك بإرادته في كل مباح، بل ربما تكونت هذه الأشياء من أرضه المملوكة له، و الاستحالة لا ترفع ملكه عنها، فيكون المدار حينئذ على ما ذكرنا، و من هنا جاز تمليكها بلا عوض، لعدم السفه فيه دونه مع العوض، و من ذلك التراب و الماء و الحجارة و نحوها مما لا تدخل في شيء من موانع الاكتساب إلا من جهة الانتفاع و عدمه، فيجوز بيعه و الاكتساب به مع الانتفاع المعتد به، و لا يجوز مع عدمه، بل حبة الحنطة و نحوها كذلك أيضا و دعوى أن ندور المنفعة لا يجوز الاكتساب مع حصولها أيضا واضحة المنع، بل عموم الأدلة و إطلاقها و السيرة على خلافها.

و كذا لا بأس ببيع المنفصل من لبن الآدميات، و إن كن حرائر إذ الحر يملك فوائده كما يملك منافعه، و لا بأس أيضا بشراء دار أو حمام أو بستان أو غيرها من العقار و إن لم يكن له طريق يوصل إليه لاحتمال حصوله احتمالا معتدا به، و لو بالاذن من الجار أو نحوه، نعم لو فرض اليأس من ذلك، كان من المعاملة السفهية، أما الترياق ففي القواعد لا يجوز بيعه و مراده به المشتمل على نجسين الخمر و لحوم الأفاعي على قول، أو نجس و محرم، لكن قيل الظاهر جواز الانتفاع به في غير الجهة الحرام و فيها مع الاضطرار و اقتنائه لذلك، بل بذل شيء من المال لاستخلاصه و فيه ما عرفته سابقا من عدم جواز الانتفاع بما لا يقبل التطهير من

38

المتنجسات، فضلا عن النجاسات، إلا ما قامت السيرة عليه.

نعم في الضرورات تباح المحظورات، كما إذا انحصر التداوي به نحو غيره من المحرمات، نعم لو لم يكن معه شيء من النجاسات، أمكن جواز الانتفاع به، بل جواز التكسب، بل لو لم يجز أكله أمكن ذلك فيه أيضا ضرورة عدم توقف جواز التكسب على جواز الأكل، و لذا جاز التكسب في السم المتخذ بما يجوز أكله و إن لم يجز أكله نفسه بل المدار على المنفعة المحللة الرافعة للسفه في المعاوضة بنحوه، بل الظاهر كفاية حصول ذلك فيه، و إن لم تكن مقصودة للمتعاقدين، أو أحدهما حال العقد، بل و قبله و بعده، كما هو واضح، و من ذلك يعلم ما في تفسير الطافي في المتن بالسمك الميت في الماء، فان دعوى عدم الانتفاع به ممنوعة، خصوصا إذا كان له دهن و نحوه، كدعوى عدم جواز الانتفاع به شرعا، لكونه من الميتة، لما عرفت من أن المراد بها نصا و فتوى ميتة ذي النفس لا مطلقا.

و كذا دعوى أن جواز الانتفاع به لا يقتضي جواز التكسب به خصوصا بعد

قوله (عليه السلام) (1) «ان الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه»

المتناول لذلك، ضرورة تحقق التحريم فيه بالموت في الماء، فيحرم التكسب به، بل منه ينقدح حرمة التكسب بجميع الحيوانات البحرية المحرم أكلها، لأن المراد منه ما حرم الشارع الأمر المقصود منه، لو يحلله، لكن لا يخفى عليك ما في ذلك بعد الإحاطة بما قدمناه سابقا من قضاء الأصل و العمومات جواز التكسب. بكل ذي منفعة معتد بها محللة، و المراد من الخبر المزبور تحريم ثمن ما حرمه الله إذا بيع في الجهة المحرمة، تعريضا بما فعله اليهود الذين قد سمعت لعنهم في الخبر

____________

(1) الخلاف ص 225 المطبوع بطهران سنة 1370.

39

السابق المراد منه، على الظاهر أنهم باعوها في الجهة التي حرمت عليهم ممن لا يبالي بحرمة ذلك منهم، أو ممن لا تحريم عليهم من غيرهم، و حينئذ فيتجه جواز التكسب بدهن الحيوانات البحرية و غيره، فضلا عن الانتفاع به.

و أما السباع فظاهر ابن أبي عقيل و سلار أنها كلها لا يجوز بيعها و في النهاية لا الفهود خاصة، لأنها تصلح للصيد، و عن المفيد بعد الحكم بتحريمها قال: و التجارة في الفهود و البزاة و سباع الطير التي يصاد بها حلال، و عن المبسوط و الطاهر غير المأكول مثل الفهد و النمر و الفيل و جوارح الطير و الصقور و البزاة و الشواهين و العقبان و الأرنب و الثعلب و ما أشبه ذلك فهذا كله، يجوز بيعه و إن كان لا ينتفع به فلا يجوز بيعه، بلا خلاف مثل الأسد و الذئب و في المتن عطفا على الممنوع و السباع كلها إلا الهر و الجوارح طائرة كانت كالبازي أو ماشية كالفهد و لم نجد به قائلا بالخصوص، و قيل: و القائل ابنا البراج و إدريس يجوز بيع السباع كلها تبعا للانتفاع بجلدها و ريشها و ان حكي عن الأول منهما الصدقة بثمن الهرة، و انه لا يتصرف فيه بغير ذلك إلا أنه كما في الدروس متروك، و على كل حال هو الأشبه بأصول المذهب و قواعده المقتضية للجواز مضافا إلى

الصحيح (1) «لا بأس بثمن الهرة»

و الآخر (2) «عن الفهود و سباع الطير هل يلتمس بها التجارة؟ قال نعم»

و الخبر (3) «عن بيع جلود النمر فقال:

____________

(1) الوسائل الباب 14 من أبواب ما يكتسب به الحديث 3.

(2) الوسائل الباب 37 من أبواب ما يكتسب به الحديث 1.

(3) الوسائل الباب 38 من أبواب ما يكتسب به الحديث 1.

40

مدبوغة هي؟ قلت: نعم قال: لا بأس به» (1)

و المروي عن قرب الاسناد «عن جلود السباع و بيعها و ركوبها أ يصلح ذلك؟ قال: لا بأس ما لم يسجد عليها»

و إلى النصوص (2) الدالة على جواز اتخاذ جلودها و ركوبها المستلزمة لقبولها التذكية القاضية بطهارتها، فينتفع بها حينئذ نفعا معتدا به تندرج به في عموم الأدلة و إطلاقها، و ما عن القاضي من التصدق بثمن الهرة و أنه لا يتصرف فيه بغير ذلك لم نعرف له مأخذا، و بذلك يظهر لك ما في كلام المستثنى لبعضها فضلا عمن أطلق عدم جواز بيعها بل عن التذكرة نسبة جواز بيع الهر إلى علمائنا بل قد يظهر من المصنف في النافع الإجماع على جواز بيع الهرة و جوارح الطير، بل هو ظاهره هنا أيضا في مطلق الجوارح، و إن ناقشه فيه في المسالك بل لعله ظاهر الدروس أيضا حيث اقتصر في نقل الخلاف على ما لا يصلح للصيد دونه كالهر و الفهد و الباز نعم فيها أنه لا يجوز اقتناء الحيات و العقارب و السباع الضارية و الترياق المشتمل على محرم و السمومات الخالية عن المنفعة، و في القواعد يحرم اقتناء الأعيان النجسة، إلا لفائدة كالكلب و السرجين لتربية الزرع، و الخمر للتخليل، و كذا يحرم اقتناء المؤذيات كالسباع و الحيات، بل في شرح الأستاد مزجه بقوله و إن سلمت من الإيذاء بالفعل لما دل على تحريم الانتفاع بالمحرمات، و ما فيها من ضروب الفساد، مع أخبار و إجماعات، و لعل ذلك هو العمدة، و لولاه لأمكن المناقشة بل لعلها متجهة فيما سمعته من الدروس من حرمة اقتناء الترياق المشتمل على محرم و السمومات لعدم الدليل على ذلك بل

____________

(1) الوسائل الباب 37 من أبواب ما يكتسب به الحديث 5.

(2) الوسائل الباب 3 من أبواب الأطعمة المحرمة الحديث 4.

41

و في إطلاق الفاضل حرمة اقتناء الأعيان النجسة كما هو واضح.

[النوع الرابع ما هو محرم في نفسه]

النوع الرابع ما هو محرم في نفسه لا لنجاسة و لا لغاية و لا لعبث

[منه عمل الصور المجسمة]

كعمل الصور المجسمة لذوات الأرواح، و لعل ترك التقييد بذلك لظهور لفظ الصور في ذلك، و على كل حال فلا خلاف في حرمة عملها، بل الإجماع بقسميه عليه، بل المنقول منه مستفيض، كالنصوص ففي

خبر المناهي عن الحسين بن يزيد عن الصادق (عليه السلام) (1) «نهى رسول الله (صلى الله عليه و آله) عن التصاوير و قال: من صور صورة كلفه الله تعالى يوم القيامة أن ينفخ فيها و ليس بنافخ، و نهى أن ينقش شيء من الحيوان على الخاتم»

و في خبر محمد بن مروان (2) عنه أيضا «ثلاثة يعذبون يوم القيامة من صور صورة الحيوان يعذب حتى ينفخ فيها»

و المرسل عن ابن عباس عن النبي (صلى الله عليه و آله) (3) «من صور صورة عذب و كلف أن ينفخ فيها و ليس بفاعل»

و في صحيح محمد بن مسلم (4) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن تماثيل الشجر و الشمس و القمر فقال: لا بأس، ما لم يكن شيئا من الحيوان»

بل في صحيح أبي العباس (5) عنه أيضا «إشعار أو ظهور في ذلك، قال:

في قوله تعالى «يَعْمَلُونَ لَهُ مٰا يَشٰاءُ» إلى آخرها و الله ما هي تماثيل الرجال و النساء، و لكنها الشجر و شبهه»

و كذا خبره الآخر (6) و في

____________

(1) الوسائل الباب 94 من أبواب ما يكتسب به الحديث 6.

(2) الوسائل الباب 94 من أبواب ما يكتسب به الحديث 7.

(3) الوسائل الباب 94 من أبواب ما يكتسب به الحديث 9.

(4) الوسائل الباب 94 من أبواب ما يكتسب به الحديث 3.

(5) الوسائل الباب 94 من أبواب ما يكتسب به الحديث 1.

(6) الوسائل الباب 94 من أبواب ما يكتسب به الحديث بعد ذكر الحديث الأول.

42

خبر تحف العقول (1) «و صنعة صنوف التصاوير ما لم يكن فيه مثال الروحاني فحلال تعلمه و تعليمه»

بل قد يشعر بذلك، أيضا

صحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (2) «لا بأس بتماثيل الشجر»

و إن لم نقل بحجية مفهوم اللقب، خصوصا بعد ملاحظة انجبار ما كان من ضعف في سند أو دلالة بما عرفت، بل لإطلاق الصورة في النصوص المزبورة أفتى جماعة بحرمة تصوير ذوات الأرواح مطلقا، مجسمة أو غير مجسمة، بل قيل أنه لو حملت الصفة فيما هو نحو المتن على الممثل لا المثال كان ظاهرا لجميع ذلك.

لكن قد يقال ما في بعض النصوص التي تقدمت في كتاب الصلاة (3) من أنه لا بأس إذا غيرت رؤسها، و في آخر قطعت (4) و في ثالث (5) كسرت نوع إشعار بالتجسيم، كالتعليل بالنفخ في الأخبار الأخر، و نحوها مما هي ظاهرة في كون الصورة حيوانا لا ينقص منه شيء سوى الروح بل قد يظهر من مقابلة النقش للصورة في خبر المناهي ذلك أيضا، و من ذلك كله يقوى حينئذ القول بالجواز في غير المجسمة الموافق للأصل، و إطلاق الآيات و الروايات، في الاكتساب و المشي في طلب الرزق بأي نحو كان، كقوة القول بجواز التصوير لغير ذي الروح مجسما أو غير مجسم لذلك أيضا، و للنصوص السابقة المنجبرة بالشهرة التي كادت تكون إجماعا.

____________

(1) الوسائل الباب 2 من أبواب ما يكتسب به الحديث 1.

(2) الوسائل الباب 94 من أبواب ما يكتسب به الحديث 2.

(3) الوسائل الباب 4 من أبواب أحكام المساكن الحديث 3.

(4) الوسائل الباب 32 من أبواب مكان المصلي الحديث 5 و لكن فيه تقطع و تكسر.

(5) الوسائل الباب 32 من أبواب مكان المصلي الحديث 10 و لكن فيه تقطع و تكسر.

43

فما عن القاضي و التقي من إطلاق (1) المنع «للنهي عن تزويق البيوت الذي فسره (عليه السلام) بالتصاوير و التماثيل» و إطلاق

قول النبي (صلى الله عليه و آله) «لعلي (عليه السلام) (2) لا تدع صورة إلا محوتها و لا كلبا إلا قتلته»

و الأخبار المستفيضة (3) المعربة عن عدم نزول الملائكة بيتا يكون فيه تماثيل»

واضح الضعف ضرورة قصوره عن المعارضة، من وجوه بل الخبران الأولان غير صالحين للاستدلال سندا، فضلا عن المعارضة و أما أخبار عدم نزول الملائكة فمع أنها محمولة على الكراهة، يمكن تقييدها بذي الروح ظلية أو غير ظلية على الخلاف السابق.

ثم إن المدار في صورة الحيوان على صدق الاسم، و تصوير البعض مع عدم صدقه عليه، و كون المقصود من أول الأمر البعض خاصة، لا مانع منه، و لو حصل الصنع من اثنين دفعة كانا مصورين، و مع التدريج ففي شرح الأستاد أن المدار على الأخير، قلت: لعل الأقوى التعلق بالأول أيضا، إذا فرض كون المقصود لهما ذلك من أول الأمر، لصدق الاستناد إليهما، و منه يظهر ما في إطلاق قوله أيضا بعد ذلك، و مع التفريق يتعلق بالحكم الجامع، و لو اشتركت الصورة بين الحيوان أو غيره اتبع القصد، إن لم يكن لأحدهما ظهور فيها، و الظاهر إلحاق تصوير الملك و الجني بذلك، بل قد يقوى جريان الحكم في تصوير ما يتخيله في ذهنه من صورة حيوان مشارك للموجود في الخارج، من الحيوان في كلي الأجزاء دون أعدادها و إرضاعها مثلا و تصوير البيضة و العلقة و المضغة

____________

(1) الوسائل الباب 3 من أبواب أحكام المساكن الحديث 8.

(2) الوسائل الباب 3 من أبواب أحكام المساكن الحديث 8.

(3) الوسائل الباب 33 من أبواب مكان المصلي الحديث 1- 4.

44

و بزر القز و نحو ذلك مما هو نشو الحيوان لا بأس به، بل لعله لا بأس بعدم منع الصبيان و نحوهم ممن هو غير مكلف عن العمل أيضا للأصل و غيره، لكن في شرح الأستاد أن القول بوجوب المنع لا يخلو من قوة هذا كله في عمل الصور.

أما بيعها و اقتنائها، و استعمالها و الانتفاع بها و النظر إليها و نحو ذلك، فالأصل و العمومات و الإطلاقات تقتضي جوازه، و ما يشعر به بعض النصوص من حرمة الإبقاء كأخبار عدم نزول الملائكة و نحوها، محمول على الكراهة أو غير ذلك خصوصا مع أنا لم نجد من أفتى بذلك عدا ما يحكى عن الأردبيلي من حرمة الإبقاء، و يمكن دعوى الإجماع على خلافه، و من ذلك يظهر لك جواز النظر إلى الصورة في المرأة و نحوها مع عدم الشهوة إذ احتمال الفرق بالخصوصية و عدمها لا وجه له كما هو واضح، و الله أعلم.

[منه الغناء]

و منه أيضا الغناء بالكسر و المد ككساء بلا خلاف أجده فيه بل الإجماع بقسميه عليه، و السنة متواترة فيه، و فيها ما دل على أنه من اللهو و اللغو و الزور المنهي عنها في كتاب الله (1) فيتفق حينئذ الأدلة الثلاثة على ذلك، بل يمكن دعوى كونه ضروريا في المذهب، فمن الغريب ما وقع لبعض متأخري المتأخرين تبعا للمحكي عن الغزالي من عدم الحرمة فيما لم يقترن بمحرم خارجي، كالضرب بالعود، و الكلام بالباطل و نحو ذلك، و أغرب من ذلك إن أراد عدم كون المجرد عن ذلك غناء ضرورة مخالفته لكلام أهل اللغة و الفقهاء و العرف و النصوص لاتفاق الجميع على أنه من مقولة الأصوات أو كيفياتها من غير مدخلية

____________

(1) الوسائل الباب 99 من أبواب ما يكتسب به الحديث 9 و 11 و 19.

45

لأمر آخر، و لا ينافي ذلك عده من لغو الحديث و قول الزور و نحوها، مما يمكن كون المراد منه أنه كذلك باعتبار هذه الكيفية الخاصة، كما أنه لا ينافيه أيضا

خبر علي بن جعفر (1) عن أخيه المروي عن قرب الاسناد «سألته عن الغناء هل يصلح في الفطر و الأضحى قال: لا بأس به ما لم يعص به»

إذ هو مع وضوح قصوره عن معارضة غيره من وجوه، و رواه علي بن جعفر (2) في المحكي عن كتابه بإبدال ما لم يعص به بما لم يؤمر به، فهو كالمضطرب محمول على التقية أو على ارادة خصوص العرس في اليومين أو على إرادة التغني بالشعر على وجه لا يصل إلى حد الغناء، فيكون ذلك هو المراد من قوله ما لم يعص به، أو غير ذلك مما هو خير من الطرح الذي لا بأس بالتزامه إذا أبيت الحمل و كذلك غيره من النصوص التي قد يشم منها اختصاص حرمة الغناء بالمقترن بالعود و نحوه لا مطلقا، و ذلك لقوة المعارض على وجه لا يصلح ذلك و نحوه لمعارضته، و دعوى أن ظاهر كلام الشيخ في الاستبصار ذلك أيضا يدفعها، ملاحظة كلامه فيه و في غيره، و من هنا كان الإطناب في إفساد ذلك من تضييع العمر بما لا ينبغي.

إنما الكلام في موضوعه ففي جملة من كتب الأصحاب أنه مد الصوت المشتمل على الترجيع المطرب، بل ربما قيل أنه المشهور و في القاموس غناء ككساء من الصوت ما طرب به، و في شهادات القواعد و بعض كتب اللغة ترجيع الصوت و مده، و عن الشافعي انه تحسين الصوت و ترقيقه، و في محكي النهاية أن كل من رفع صوتا و والاه فصوته عند العرب غناء، و عن السرائر و الإيضاح أنه الصوت المطرب، و عن

____________

(1) الوسائل الباب 15 من أبواب ما يكتسب به الحديث 5.

(2) الوسائل الباب 15 من أبواب ما يكتسب به الحديث 6.

46

بعض أنه مد الصوت، و عن المصباح المنير أنه الصوت إلى غير ذلك من كلمات أهل اللغة التي يقطع الماهر بملاحظتها بكون المراد منها، بيان أن الغنى من هذا الجنس نحو قولهم سعدانة نبت، ضرورة عدم خلو غالب الأصوات، في قراءة القرآن و الأدعية و الخطب و الشعر في جميع الأعصار و الأمصار من العلماء و غيرهم، من تحسين و مد و ترجيع في الجملة، كما لا يخفى على من له أدنى معرفة و إنصاف، فيعلم كون المراد كيفية خاصة منها موكولة إلى العرف، كما هي العادة في بيان أمثال ذلك، نعم لا عبرة بعرف عامة سواد الناس، فإنه الآن مشتبه قطعا، لعدهم الكيفية الخاصة من الصوت في غير القرآن و الدعاء و تعزية الحسين (عليه السلام) غناء، و نفى ذلك عنها فيها، و ما ذاك إلا لاشتباهه للقطع بعدم مدخلية خصوص ألفاظ فيه، لما عرفت أنه كيفية خاصة للصوت بأي لفظ كان، و دعوى التزام جواز ذلك فيها، و إن كان غناء في غيرها، لإطلاق ما دل على الأمر بها (1) الشامل لهذه الكيفية الخاصة، بل جاء في خصوص القرآن الأمر بالتغني فيه، و ما يقضي بجواز الغناء فيه، واضحة الفساد، لمعلومية تحكيم النهي في أمثال ذلك و ليس من تعارض العموم من وجه المحتاج إلى ترجيح، بل فهم أهل العرف كاف فيه، نحو العام و الخاص و المطلق و المقيد و إلا لتحقق التعارض من وجه، بين ما دل على قضاء حاجة المؤمن مثلا، و النهي عن اللواط و الزنا و الكذب و غيرها من المحرمات، المعلوم بطلانه بضرورة الشرع، أنه لا يطاع من حيث يعصى، و ما ورد في خصوص القرآن مما لا ريب في قصوره عن معارضة ما دل على الحرمة من وجوه،

____________

(1) الوسائل الباب 24 من أبواب قراءة القرآن الحديث 5 و 6.

47

مطرح أو مأول أو موضوع، خصوصا (1) بعد

قوله (عليه السلام) «أقروا القرآن بألحان العرب و إياكم و لحون أهل الفسوق»

فإنه سيجيء قوم يرجعون القرآن ترجيع الغناء.

نعم قد يحتمل إرادته اختصاص الغناء بالصوت المشتمل على التحسين بالمد و الترجيع المتخذ للهو و انشراح النفس و الطرب، كما عساه يومي إليه لهو الحديث و أخذ الطرب في تعريفه، و معروفية مجالس الغناء بذلك، بعد العلم بعدم زيادتها في المد و الترجيع على ما يستعمل في غيرها، مما لم يرد به اللهو كالتعزية و الأذان و غيرهما.

و قد يؤيد بما ذكر في استثناء النوح منه، من أنه ليس داخلا في موضوعه باعتبار مقابلة النوح له عرفا، و ما ذاك إلا لعدم اتخاذ اللهو به لكنه أيضا، لا يخلو من إشكال، ضرورة عدم اعتبار ذلك في حقيقته، و إن تعارف استعماله في مجالس اللهو، و إلا فربما كان من أفراد الغناء الأصوات المشجية و المثيرة للحزن و البكاء، كما يستعمله العشاق في فقد المحبوب و عدم نيل المطلوب، و هو مع ذلك نوع من الطرب، و لذا حكي عن القاموس التصريح بفساد وهم من خص الطرب بالسرور، و أنه قول العوام، و التحقيق الرجوع في موضوعه إلى العرف الصحيح الذي لا ريب في شموله للمقامات المعلومة، و شعبها المعروفة عند أهل فنها، بل لا ريب في تناوله لغير ذلك مما يستعمله سواد الناس من الكيفيات المخصوصة، بل الورع يقتضي اجتناب جميع الافراد المشكوك في اندراجها في موضوعه، و إن كان الأصل يقتضي الإباحة في شبهة الموضوع، الراجعة إلى شبهة الحكم.

و دعوى وجوب الاجتناب هنا باعتبار كون الشبهة في ذلك للشبهة

____________

(1) الوسائل الباب 24 من أبواب قراءة القرآن الحديث 1.

48

في مفهوم الموضوع لا مصداقه، فيجب الاجتناب للمقدمة، ضرورة كونه كالتكليف بالمجمل، يدفعها منع كون المقام من ذلك بعد معلومية جملة من الأفراد المحتملة، لكون تمام ماهية الغناء ما اشتملت عليه، فيشك حينئذ في حرمة الزائد و ينفى بأصل البراءة الذي لا يعارضه، حرمة الغناء المحتمل كون تمام ماهيته ما في الافراد المعلومة، اللهم إلا أن يقال أنه حينئذ لم يحصل اليقين بتمام امتثال نهى الحرمة المتيقن شغل الذمة بها، و فيه منع وجوب تحصيل مثل هذا اليقين، في مثل هذا الفرض، بعد أن لا يقين بفرد محرم في الأفراد المشبهة، كي يتجه اجتناب الجميع من باب المقدمة، ضرورة كون أحد المحتملات إباحة جميع هذه الأفراد المشتبهة، و انحصار الحرمة في الأفراد المعلومة كما هو واضح.

و كيف كان فقد ذكر غير واحد ورود الرخصة في إباحة أجرة المغنية في الأعراس، بل نسبه بعض مشايخنا إلى الشهرة، و مقتضاه جواز غنائها فيه، ضرورة التلازم بين إباحة الأجرة عليه و بين إباحته نعم قيده بعضهم بما إذا لم تتكلم بالباطل، و لم تلعب بالملاهي، و لم تدخل عليها الرجال، و آخر بالأول و الأخير، لكن فيه ان ذلك كله محرمات خارجة عنه لا مدخلية له فيها، خصوصا الأخير الذي قد يتوهم أخذه من دليل الجواز، و هو

قول الصادق (عليه السلام) في صحيح أبي بصير (1) «أجر المغنية التي تزف العرائس ليس به بأس ليست بالتي تدخل عليها الرجال»

و قوله في خبره (2) أيضا «حين سأله عن كسب

____________

(1) الوسائل الباب 15 من أبواب ما يكتسب به الحديث 1.

(2) الوسائل الباب 15 من أبواب ما يكتسب به الحديث 2.

49

المغنيات التي يدخل عليها الرجال حرام، و التي تدعى إلى الأعراس ليس به بأس»

لكن فيه أنهما خصوصا الأخير ظاهران في المقابلة، لا التخصيص، بمعنى أن هذه أجرها حلال لا المغنية في غير الأعراس و هي التي يدخل عليها الرجال لاتخاذ مجالس اللهو، و حينئذ لا دلالة فيهما على أزيد مما في قوله في الخبر الثالث (1) «المغنية التي تزف العرائس لا بأس بكسبها»

على أنه لم يعلم المراد من اللعب بالملاهي، فإن كان هو من قبيل اللعب بالدف و نحوه مما لا مدخلية له في الغناء، ففيه مضافا إلى ما عرفت من كونه محرما خارجيا و ليس في الأدلة ما يقضي بحرمة الغناء حاله بل ظاهرها خلافه، أنه صرح جماعة كما قيل بجواز لعبها في العرس بالدف الذي لا صنج فيه و لا جلاجل، و إن كان هو لا يخلو من إشكال، و إن أريد به ما له مدخلية في الغناء كالصرناج و الرباب و الزمار و نحو ذلك، أمكن أن يكون الوجه فيه حينئذ اتحاده في الخارج مع الغناء، فيتجه استثنائه.

بل و كذا الكلام بالباطل، ضرورة أنك قد عرفت أن الغناء من كيفيات الأصوات، و الكلام ليس هو إلا اللفظ الذي هو عبارة عن الصوت، فمع فرض إبرازه بكلام باطل يحرم، لكونهما فردا واحدا في الخارج، و الأمر في ذلك سهل، إذ المراد بيان الحكم في نفسه فلا ينافيه اتفاق جهة الحرمة في بعض الأفراد.

و قد عرفت أن الأقوى الجواز للنصوص السابقة المعتضدة بالشهرة المحكية، خلافا للمحكي عن الحلي و الفخر، بل لعله ظاهر المصنف و غيره ممن أطلق الحرمة من دون استثناء ترجيحا لإطلاق النهي و عموماته بل قيل أن تحريم الغناء كتحريم الزنا أخباره متواترة، و أدلته متكاثرة، عبر عنه

____________

(1) الوسائل الباب 15 من أبواب ما يكتسب به الحديث 3.

50

ب قَوْلَ الزُّورِ (1) و لَهْوَ الْحَدِيثِ في القرآن، و نطقت الروايات بأنه الباعث على الفجور و الفسوق، فكان تحريمه عقليا لا يقبل تقييدا و لا تخصيصا فيحمل حينئذ ما دل على الجواز على التقية أو يطرح، لكنه كما ترى ضرورة عدم كونه كذلك فان الطرب و الخفة و نحوهما قد حلل كثير من أسبابها كالجماع و تقبيل المحبوب المحلل و ضمه و المسامرة معه و نحوها مما يفيد الإنسان طربا أشد من الغناء فليس تحريمه حينئذ إلا سمعيا و قد عرفت اعتبار دليل الجواز في نفسه، فضلا عن انجباره فلا محيص عنه حينئذ بمقتضى قواعد الإطلاق و التقييد، و دعوى عدم المقاومة خالية عن الشاهد، كالمناقشة بعدم الدلالة باعتبار عدم التلازم بين نفي البأس عن الأجرة، و بين إباحة الغناء ضرورة كون ما التزمناه من التخصيص أسهل من ذلك، لتواتر الأدلة في عدم إباحة اعواض المحرمات كما هو واضح.

نعم ينبغي الاقتصار على خصوص المغنية، دون المغني، و على العرس دون الختان و نحوه، كما أنه قد يتوقف في استثناء المصنف في باب الشهادات، و الفاضل و الشهيد و الخراساني الحداء، كدعاء لسير الإبل من الغناء المحرم، بل ربما قيل أنه المشهور لعدم الدليل سوى الأصل المقطوع، و النبوي المرسل (2) «أنه قال: لعبد الله بن رواحة حرك بالنوق» فاندفع يرتجز و كان عبد الله جيد الحداء، و كان مع الرجال، و كان أنجشة مع النساء فلما سمعه تبعه، فقال: (صلى الله عليه و آله): لأنجشة «رويدك، رفقا بالقوارير الذي لا جابر له»

لعدم

____________

(1) الوسائل الباب 99 من أبواب ما يكتسب به الحديث 9 و 10 و 11.

(2) سنن بيهقي ج 10 ص 227 و المجازات النبوية طبع مصر ص 32.

51

تحقق الشهرة، بل لعل المحقق خلافها، و عدم معلومية كون ذلك منه على صفة الغناء، بل ربما ادعي أن الحداء قسيم للغناء، بشهادة العرف و حينئذ يكون خارجا عن الموضوع، لا عن الحكم و لا بأس به.

كما أن ما حكي عن بعضهم من استثناء مراثي الحسين (عليه السلام) إن أريد به الخروج عن الموضوع باعتبار اندراجه في النوح الذي ستعرف جوازه، فلا إشكال فيه، و إلا كان ممنوعا لعدم الدليل الصالح و كونه معينا على البكاء المرغب فيه طاعة لله بمعصيته، و دعوى استمرار السيرة عليه ممنوعة، كما هو واضح، نعم لا بأس بالهلهولة على الظاهر لكونها صوتا من غير لفظ، و الغناء من الألفاظ و أما الترديد المسمى بالحوراب في عرفنا فربما ظهر من بعض مشايخنا معلومية حليته في حال الحرب، و حث الرجال على القتال المحلل».

نعم قال: الحزم اجتنابه، و اجتناب الرقص و الهلهولة في غير ذلك بل لعله يحرم فعله، لأنه من اللهو و الباطل، و الحازم يتجنب الشبهات خصوصا عند اشتباه الموضوعات» و فيه أنه مع فرض عدم اندراجه في الغناء يمكن فرضه فيما لا يدخل في اللعب و اللهو، أما مع فرض اندراجه فيه فيشكل جوازه فيه، فضلا عن غيره من الأحوال لإطلاق أدلة النهي بل قد اقترنت بمؤكدات تقتضي إرادة جميع الأفراد على وجه أظهر دلالة من العموم اللغوي فتأمل جيدا و الله العالم.

[منه معونة الظالمين بما يحرم]

و منه معونة الظالمين بما يحرم، كما عن المقنعة و المراسم و الإرشاد، و لعل المراد به بقرينة ذكر الظالمين ما يحرم من الظلم، فيوافق عنوان الأكثر معونة الظالمين في الظلم، بل قد يدعى انصرافه أيضا ممن أطلق أيضا، كالمحكي عن النهاية لكن فيه أن ذلك غير مختص بالظالمين ضرورة حرمة إعانة كل عاص على معصيته، و احتمال

52

ارادة ذلك من الظالمين، بدعوى عمومه و لو للظالم نفسه كما ترى، نعم يمكن أن يكون الوجه في ذكر ذلك بالخصوص بيان المراد من المستفيض أو المتواترة من النصوص الواردة في النهي عن إعانة الظالمين، على معنى أن المحرم إعانتهم على مظالمهم و نحوها مما هو حرام في نفسه لا غيرها مما هو مباح في نفسه، و إن كان ذلك هو المستفاد من جملة منها،

قال:

ابن أبي يعفور (1) «كنت عند أبي عبد الله (عليه السلام) فدخل عليه رجل من أصحابنا فقال: له أصلحك الله إنه ربما أصاب الرجل منا الضيق و الشدة فيدعى إلى البناء يبنيه و النهر يكريه أو المسناة يصلحها فما تقول في ذلك؟ فقال: أبو عبد الله (عليه السلام) ما أحب أني عقدت لهم عقدة أو وكيت لهم وكاء و أن لي ما بين لابتيها لا و لا مدة بقلم إن أعوان الظلمة يوم القيامة في سرادق من نار حتى يحكم الله عز و جل بين العباد»

بل في خبر يونس بن يعقوب (2) «لا تعنهم و لو على بناء مسجد»

و في خبر صفوان الجمال (3) «النهي عن كرائه لهم جماله، لسفر مكة»

و من هنا قال العلامة الطباطبائي: انه ان انعقد إجماع على هذا التفصيل، و إلا فالمتجه التحريم مطلقا لاستفاضة النصوص في المنع عن إعانتهم في المباح بطريق العموم و الخصوص، مع اعتبار سندها و موافقتها الاعتبار فإن إعانتهم في المباحات تفضي إلى إعانتهم في المحرمات، كما أشير إليه

في الخبر (4) «لو لا أن بني أمية وجدوا من يكتب لهم و يجئ لهم الفيء و يقاتل عنهم و يشهد جماعتهم

____________

(1) الوسائل الباب 42 من أبواب ما يكتسب به الحديث 6.

(2) الوسائل الباب 42 من أبواب ما يكتسب به الحديث 8.

(3) الوسائل الباب 42 من أبواب ما يكتسب به الحديث 17.

(4) الوسائل الباب 47 من أبواب ما يكتسب به الحديث 1.