جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام - ج27

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
450 /
1

-

2

[تتمة القسم الثاني في العقود]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

و به نستعين

[كتاب المزارعة و المساقاة]

كتاب المزارعة و المساقاة

[أما المزارعة]

أما المزارعة

[تعريف المزارعة]

فهي لغة: مفاعلة من الزرع و شرعا معاملة على الأرض بحصة من حاصلها و لعل تحقق المعنى اللغوي فيه باعتبار مباشرة أحدهما و أمر الآخر به نحو ما سمعته في المضاربة و هل هي المخابرة؟ فيه خلاف لا فائدة مهمة في تحقيقه لكن في المسالك «قد يعبر عن المزارعة بالمخابرة إما من الخبر و هو الأكار أو من الخبارة و هي الأرض الرخوة أو مأخوذ من معاملة النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) لأهل خيبر.

و على كل حال فالمعاملة في تعريفها بمنزلة الجنس الشامل للإجارة و المساقاة و غيرهما، و بالأخير يخرج الأول، لعدم صحتها بحصة من النماء كما أنه بالأول يخرج الثاني، لأنها معاملة على الأصول بحصة منها و ان كانت الأرض تابعة و قد عرفت غير مرة أن المراد بنحو هذا التعريف في كلامهم التصوير و التمييز في الذهن في الجملة فلا يناسب الإطناب في بيان فقده لوازم التعريف من الطرد و العكس و غيرهما كما هو واضح.

و لا ريب في مشروعية هذا العقد عندنا، و عند أكثر علماء الإسلام، بل نصوصا فيها و في المساقاة مستفيضة أو متواترة.

منها

خبر أبي الربيع الشامي (1) «عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه سئل عن الرجل

____________

(1) الوسائل الباب- 8- من أبواب أحكام المزارعة و المساقاة الحديث 10.

3

يزرع أرض رجل، فيشترط عليه ثلثا للبذر و ثلثا للبقر فقال: لا ينبغي أن يسمى بذرا و لا بقرا و لكن يقول لصاحب الأرض: أزرع أرضك و لك منها كذا و كذا نصف أو ثلث، أو ما كان من شرط، و لا يسمي بذرا و لا بقرا إنما يحرم الكلام».

و نحوه

خبر النضر بن سويد (1) عن عبد الله بن سنان «أنه قال: في الرجل يزارع فيزرع أرض غيره، فيقول: ثلث للبقر و ثلث للبذر، و ثلث للأرض قال: لا يسمى شيئا من الحب و البقر، و لكن يقول: أزرع فيها كذا و كذا إن شئت نصفا، و إن شئت ثلثا».

و منها

صحيح يعقوب (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث «سألته عن الرجل يعطي الرجل أرضه و فيها رمان أو نخل أو فاكهة، و يقول: اسق هذا من الماء و اعمره و لك نصف ما أخرج؟ قال: لا بأس»

خلافا للشافعي و أبي حنيفة و بعض العامة فمنعوا منه إلا في مواضع مخصوصة.

و كيف كان ف عبارة عقد ها أن يقول: الموجب و هو من بيده الأرض زارعتك أو ازرع هذه الأرض أو سلمتها إليك، و ما جرى مجراه مدة معلومة، بحصة معينة من حاصلها فيقول القابل، قبلت، و جريان المعاطاة فيها على ما حققناه في محله بل حققنا الحال في اعتبار مادة لفظ مخصوص و هيئته في العقد اللازم و عدمه، و قد ذكرنا قوة الثاني و أنه يكفي في تأديته جميع ما يفيده من الألفاظ و لو على طريق المجاز إلا ما لا يتعارف أيضا في تأدية مثله من الخطاب و لو لاستهجان المجاز فيه.

و لعله على هذا توسع المصنف هنا، فذكر سلمتها و ما جرى مجراه، و صيغة الأمر، بل في جامع المقاصد و المسالك الاستدلال على جواز الأخير الذي نسبه في الروضة هنا إلى المشهور بخبري أبي الربيع و النضر بن سويد المتقدمين، و إن ناقشا

____________

(1) الوسائل الباب- 8- من أبواب أحكام المزارعة و المساقاة الحديث 5.

(2) الوسائل الباب- 9- من أبواب أحكام المزارعة و المساقاة الحديث 2- باختلاف يسير.

4

فيه بعدم الدلالة فيهما، على أن هذا هو العقد، خصوصا مع عدم التصريح بالقبول، فيمكن أن يكون هذا من جملة القول الذي يكون بين المتعاقدين قبل العقد، لتقرير الأجر بينهما، و اختارا عدم الصحة، و كذا في الرياض إلا أنه استدل عليه بخبر يعقوب السابق و ضعفه أولا: بأن غايته نفي البأس، و هو لا يدل على اللزوم المطلوب إثباته بالصيغة، و ثانيا: بعدم تضمنه القبول و لو فعلا، و هو كاشف عن أن المراد من ذكر ذلك بيان ما يصح مساقاته، لا صيغتها حتى يستدل به على ذلك.

لكن لا يخفى عليك ما في الجميع بعد الإحاطة بما أسلفناه في كتاب البيع، و خبرا أبي الربيع و النضر، إنما هما بصيغة المضارع، لا الأمر، و ظاهر

قوله في أحدهما «إنما يحرم الكلام»

إرادة العقد بذلك، و نفي البأس في خبر يعقوب بعد ظهور القول فيه في الصيغة دال على صحتها المترتب عليه أحكامها فإذا الأقوى جواز ذلك كله لأن التحقيق عدم الإجمال في العقد كي يقتصر فيه على المتيقن في المادة و الهيئة.

نعم الظاهر اعتبار القول أيضا في قبولها، كغيرها من العقود اللازمة، و ترك المصنف له هنا في بيان عبارتها، لعدم اعتبار لفظ مخصوص فيه، بل هو جميع ما دل على الرضا بالإيجاب، فما في المسالك من احتمال كون ذلك منه لبيان الاكتفاء فيه بالفعل كما اختاره العلامة في القواعد في غير محله، هذا و في المسالك «و اعلم أنه قد استفيد من حقيقة المزارعة و من صيغتها أن المعقود عليه هو الأرض المملوكة المنتفع بها- إلى أن قال- و إنه لا تشرع المزارعة بين المتعاملين إذا لم يكن الأرض ملكا لأحدهما كما في الأرض الخراجية، و إن بقي من لوازمها ما يمكن اشتراكهما فيه، لما قد عرفت أن متعلقها و المعقود عليه هو الأرض فلو اتفق اثنان على المعاملة في مثل ذلك في الأرض الخراجية، فطريق الصحة الاشتراك في البذر» إلى تمام ما ذكره من الحيل الشرعية المفيدة للاشتراك في الحاصل، على حسب ما يتفقان عليه بغير طريق المزارعة.

و قد يناقش فيه بأن صيغة المزارعة التي هي زارعتك و سلمتك و نحوهما و حقيقتها- التي هي المعاملة على الأرض بالحصة من حاصلها- لا تقتضي اعتبار ملكية

5

الأرض، لا عينا و لا منفعة، بل يكفي فيها الأولوية الحاصلة في أرض الخراج بالإحياء أو بالتفويض، ممن هي في يده من حاكم الجور أو الشرع أو غير ذلك.

و من هنا جزم في الكفاية بعدم اعتبار ذلك في المزارعة، و ذكر جملة من النصوص الدالة على جواز مزارعة أرض الخراج، ك

صحيح الحلبي (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث «سئل عن مزارعة أهل الخراج بالنصف و الثلث و الربع قال: نعم لا بأس به، قد قبل رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) خيبر أعطاها اليهود حين فتحت عليه بالخبر و الخبر هو النصف» و في خبر الفيض بن المختار (2) «قال قلت لأبي عبد الله (عليه السلام):

جعلت فداك ما تقول في أرض أتقبلها من السلطان ثم أو أجراها أكرتي على أن ما أخرج الله تعالى منها من شيء كان لي من ذلك النصف أو الثلث بعد حق السلطان قال: لا بأس به كذلك أعامل أكرتي.» و في خبر يعقوب بن شعيب (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «سألته عن الرجل له الأرض من أرض الخراج فيدفعها إلى الرجل على أن يعمرها و يصلحها و يؤدي خراجها و ما كان من فضل فهو بينهما، قال: لا بأس- إلى أن قال:- و سألته عن المزارعة فقال: النفقة منك، و الأرض لصاحبها، فما أخرج الله من شيء قسم على الشطر، و كذالك أعطى رسول الله (صلى الله عليه و آله) يهود خيبر حين أتوه فأعطاهم إياها على أن يعمروها و لهم النصف مما أخرجت»

إلى غير ذلك.

قلت: قد يقال: إن مراد الشهيد ما لا ينافي شيئا مما سمعت، و ذلك لأنه لا يكاد ينكر ظهور ما ذكروه من تعريف المزارعة المزبورة و من صيغتها المذكورة في كون الأرض مملوكة العين أو المنفعة أو الانتفاع، و الا لم يكن وجه للمعاملة عليها بالحصة من حاصلها التي مقتضاها تسليط العامل عليها بعوض هو الحصة من الحاصل، فهي حينئذ كالإجارة بالنسبة إلى ذلك، و إن اختلفت معها في

____________

(1) الوسائل الباب- 8- من أبواب أحكام المزارعة و المساقاة الحديث 8.

(2) الوسائل الباب- 15- من أبواب أحكام المزارعة و المساقاة الحديث 3.

(3) الوسائل- 10- من أبواب أحكام المزارعة و المساقاة الحديث 2.

6

الأجرة بل هو معنى زارعتك على هذه الأرض، أو سلمتك إياها أو سلطتك عليها بالحصة من حاصلها، إذ لا معنى له بدونه، فان المعاوضات التمليكية لا يتصور فيها عدم ملكية العوضين، أو أحدهما بأحد الوجوه التي ذكرناها، بل قد سمعت ما في خبر يعقوب المسؤول فيه عن المزارعة، فقال: «النفقة منك و الأرض لصاحبها فما أخرج الله تعالى من شيء قسم على الشطر» كغيره من النصوص الظاهرة في كون الأرض في المزارعة مملوكة عينا أو منفعة أو انتفاعا، بمعنى اعتبار السلطان على الأرض للمزارع، و أرض الخراج و إن كانت غير مملوكة العين ذاتا لكنها قد تملك منفعتها بالاستيجار من السلطان، الذي قد أجرى الشارع ذلك منه مجرى سلطان العدل أو بالتقبيل أو غير ذلك مما يفيد تمليك المنفعة أو الانتفاع، و كذا من سبق إليها فأحياها و قلنا: إنه بذلك يكون أحق من غيره في الانتفاع بها، فإنه في الحقيقة مالك الانتفاع بها، و لذا يصح له جعل مثل هذه الأحقية ثمنا لمبيع و أجرة في الإجارة إذ هو كالتحجير و نحوه من الحقوق المالية.

و على هذا و نحوه خرجت نصوص مزارعة أرض الخراج، لا ما إذا لم يكن لأحدهما تسلط على منفعتها، أو الانتفاع بها، فإنه لا خصوصية لأحدهما على الآخر على وجه يكون أحدهما مزارعا و الآخر عاملا بل لا بد حينئذ في إرادة الاشتراك في نمائها على التساوي، أو التفاضل، من الاشتراك في البذر كذلك، أو غير ذلك من الوجوه و الحيل التي ذكرها في المسالك مما هو منطبق على قواعد الإجارة و الصلح أو غيرهما، لا المزارعة لفقد تسلط أحدهما على الأرض الذي هو ركن في المزارعة، كي يدفعها إلى الآخر بالحصة من حاصلها الذي قد عرفت أنه في المعنى إجارة.

و بذلك كله ظهر أنه لا وجه لمناقشته بما عرفت، و بمخالفته للنصوص السابقة و دعوى ظهور كلامه في اعتبار ملكية العين في المزارعة مقطوع بفسادها، فان القواعد و النصوص و الفتاوى صريحة في خلافها، و يبعد خفاء مثل ذلك على مثل الشهيد.

7

نعم يبقى شيء، و هو أن قضية ما ذكرنا عدم صحة المزارعة على الأرض المستعارة و لو للزراعة على وجه يملك المستعير الحصة على المزارع، لعدم الملك عينا و منفعة و انتفاعا، فإذا وقعت المزارعة منه حينئذ فهي في الحقيقة للمالك، و إن قصد بها نفسه فأرض الخراج التي يفوض أمرها الجائر مثلا إلى شخص مثلا على أنها له إذا زارع عليها، لا يملك الحصة، ضرورة عدم ملك العين أو المنفعة أو الانتفاع بذلك، بل تكون الحصة حينئذ للمسلمين، على فرض صحة المزارعة.

نعم إذا استمر الجائر على الإباحة إلى قبض الحاصل، كان الملك حينئذ بذلك، لا بالمزارعة، فتأمل جيدا.

و على كل حال ف هو أي عقد المزارعة عقد لازم بلا خلاف بل لعل الإجماع بقسميه عليه، لقاعدة اللزوم المستفادة من آية «أَوْفُوا» و غيرها ف لا ينفسخ حينئذ اختيارا إلا بالتقايل المطلقة أدلته، أو باشتراط الخيار و نحوه. نعم قد تنفسخ قهرا بخروج الأرض عن الانتفاع و نحوه، و لا يبطل بموت أحد المتعاقدين كغيره من العقود اللازمة، فإذا مات رب الأرض انتقل حكم العقد إلى وارثه، و إذا مات العامل قام وارثه مقامه، أو استؤجر من ماله- و لو الحصة المزبورة- على إتمام العمل.

و لكن في المسالك و غيرها أنه ربما استثني من ذلك ما إذا شرط المالك على العامل العمل بنفسه، فإنها حينئذ تبطل بموته، قال: «و يشكل لو كان موته بعد خروج الثمرة، لأنه حينئذ قد تملك الحصة و إن وجب عليه بقية العمل، فخروجها عن ملكه بعد ذلك بعيد، نعم لو كان قبله اتجه».

قلت: قد يقال بأن الملك حينئذ و إن حصل، لكنه متزلزل إلى حصول تمام العمل، نحو ملك العامل في المضاربة في بعض الأحوال، بل الظاهر حينئذ البطلان و الرجوع إلى أجرة المثل على فرض القول باحترام عمله في هذا الحال، و لا يقسط على الحصة، و إن قلنا به في الإجارة على العمل المشروط فيه المباشرة، لعدم ظهور

8

مقابلة أجزاء العمل بأجزاء الحصة هنا، لا شرعا و لا قصدا بخلافه في الإجارة، و إلا لاتجه حينئذ ملك بعض الحصة ببعض العمل قبل ظهور شيء من الزرع، و هو معلوم البطلان كما هو واضح.

و كيف كان ف الكلام إما في شروطه أي هذا العقد و إما في أحكامه.

[أما الشروط]

أما الشروط: فثلاثة

[الشرط الأول أن يكون النماء مشاعا بينهما]

الأول: أن يكون النماء مشاعا بينهما، تساويا فيه أو تفاضلا بلا خلاف على ما في الرياض، بل في الغنية الإجماع عليه، و إنه الحجة مضافا إلى قاعدة الاقتصار على المتيقن من النص و الفتاوى في عقد المزارعة و المساقاة، المخالف لأصالة عدم الغرر، بل

في الصحيح (1) «لا تقبل الأرض بحنطة مسماة، و لكن بالنصف و الثلث و الربع و الخمس لا بأس به»

و في المسالك في تفسير الشرط المزبور «أي يكون مجموع النماء بينهما مشاعا، فيخرج بذلك ما لو شرط أحدهما شيئا معينا، و الباقي للآخر أولهما، و ما لو شرط أحدهما خاصة و غير ذلك، و الوجه في بطلان الجميع منافاته لوضع المزارعة».

قلت: لا خلاف و لا إشكال في بطلان المزارعة مع عدم الإشاعة في شيء منها فلو شرطه أي النماء أحدهما لم يصح و كذا لو اختص كل واحد منهما بنوع من الزرع دون صاحبه كأن يشترط أحدهما الهرف أي المتقدم من الزرع و الأخر الأفل أي المتأخر منه أو ما يزرع على الجداول بمعنى الأنهار الصغار أو ما يجمع حولها من التراب من قطع الأرض و الأخر ما يزرع في غيرها أو نحو ذلك مما لا إشاعة في شيء منه بينهما.

____________

(1) الوسائل الباب- 8- من أبواب أحكام المزارعة الحديث- 3.

9

و أما إذا كانت الإشاعة في الجملة محققة و لكن بعد استثناء شيء معين كما لو شرط أحدهما قدرا من الحاصل و ما زاد عليه بينهما فإنه لم يصح أيضا عند المصنف و جماعة، بل ربما قيل: إنه المشهور، سواء كان مقدار البذر أو غيره لا لجواز أن لا تحصل الزيادة فيبقي الأخر بلا شيء، إذ يمكن فرضه فيما يكون الغالب عادة حصولها، بل لمنافاته الثابت من شرع المزارعة الذي هو كون النماء جميعه مشاعا بينهما، خلافا لما عن الشيخ و جماعة من جواز اشتراط مقدار البذر بل عن الفاضل جواز استثناء شيء مطلقا، و رجحه في الكفاية، و لعله للعمومات و الإطلاقات بعد منع ظهور ما دل على شرعية المزارعة في إشاعة جميع الحاصل بينهما بل ربما كان الظاهر منه خلاف ذلك، خصوصا إذا كان الاستثناء لأجنبي عنهما، و لعل منه استثناء قدر معين لخراج السلطان، كما أن من الأول استثناء مقدار ما يصرف على عمارتها أو لا ثم قسمة الحاصل بينهما.

بل لعل

خبر إبراهيم الكرخي (1) كالصريح في أن المدار على الشرط، قال:

«قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أشارك العلج فيكون من عندي الأرض و البذر و البقر، و يكون على العلج القيام و السقي و الزرع حتى يصير حنطة أو شعيرا، و تكون القسمة فيأخذ السلطان حقه، و يبقى ما بقي، على أن للعلج منه الثلث، ولي الباقي قال: لا بأس بذلك، قلت: فلي عليه أن يرد على مما أخرجت الأرض البذر، و يقسم ما بقي، قال: إنما شاركته على أن البذر من عندك، و عليه السقي و القيام».

كظهور

خبر يعقوب بن شعيب (2) في استثناء غير ذلك «قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل تكون له الأرض من أرض الخراج فيدفعها إلى الرجل على أن يعمرها و يصلحها، و يؤدي خراجها، و ما كان من فضل فهو بينهما، قال: لا بأس»

إلى غير ذلك من النصوص على اختلافها في الظهور و الاشعار بجواز ذلك الذي هو في الحقيقة لا ينافي الإشاعة، خصوصا إذا كان لأجنبي، و إن نافى كونه بينهما.

____________

(1) الوسائل الباب- 10- من أبواب أحكام المزارعة و المساقاة، الحديث- 1.

(2) الوسائل الباب- 10- من أبواب أحكام المزارعة و المساقاة الحديث- 2-.

10

و من الغريب بعد ذلك كله ما في الرياض حيث أنه بعد أن حكى عن الكفاية ترجيح ذلك استنادا إلى قوله تعالى (1) «إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ» قال: «و هو كما ترى، إذ ليس المستفاد منه إلا الجواز مع الرضا، و هو لا يستلزم اللزوم مع فقده و لو بعدها، كما هو المدعى، مع أنه مخصص بما مضى، مضافا إلى ما دل (2) على النهي عن التجارة المتضمنة للغرر، و الجهالة، و منها مفروض المسألة كما مر إليه الإشارة، و به صرح في الغنية، فقال، بعد الاستناد إلى الإجماع: و لعله لا يسلم إلا ما قد عينه، فيبقي رب الأرض و النخل بلا شيء و قد يعطب إلا غلة ما عينه، فيبقى العامل بلا شيء.

إذ لا يخفى عليك ما فيه من عدم انحصار الدليل في الآية التي يكفي في المطلوب دلالتها على الجواز و المشروعية، و اللزوم يستفاد حينئذ من آية (3) «أَوْفُوا» و غيرها و ليس فيما مضى ما يصلح مخصصا، إذ ليس إلا دعوى شرعيتها على خلاف ذلك، و قد عرفت منعها على مدعيها، و أن الإطلاقات و العمومات تكفي في إثبات شرعيتها على الوجه المزبور، و لا نهي عن مطلق الغرر على وجه يشمل هذه المعاملة التي هي مبنية عليه.

و ما في الغنية ظاهر في استثناء قطعة من الأرض يختص بها العامل أو رب الأرض، و هو غير ما نحن فيه من اشتراط مقدار معين كلي من الحاصل، لأحدهما الذي قد عرفت عدم منافاته للإشاعة، حتى لو كان لأحدهما، بناء على أنه كاستثناء الأرطال المعلومة في بيع الثمار، مع أنه قد يمنع عدم جواز ذلك أيضا، إذا كان بطريق الشرط خارجا عن أرض المزارعة، لعموم الأدلة و إطلاقها، و لعل منه ما في أيدي الناس الان من اشتراط الشكارة المختصة بالسر كار أو الفلاح أو غيرهما، و من ذلك كله يظهر الوجه فيما ذكره المصنف بقوله.

____________

(1) سورة النساء الآية- 29.

(2) الوسائل الباب- 40- من أبواب آداب التجارة الحديث- 3-.

(3) سورة المائدة الآية- 1-.

11

أما لو شرط أحدهما على الأخر شيئا يضمنه له من غير الحاصل مضافا إلى الحصة من ذهب أو فضة أو غيرهما قيل: و القائل المشهور يصح بل لعل عليه عامة من تأخر بل قد يشعر ما في المسالك و محكي غيرها بعدم الخلاف فيه، حيث لم يعلما القائل بالاخر و ان قال المصنف قيل: يبطل و على كل حال لا ريب في أن الأول أشبه بأصول المذهب و قواعده، بل في المفاتيح في بعض الأخبار عليه دلالة، قيل: و لعله ما أشار إليه في الكفاية من بعض

المعتبرة (1) «عن الرجل يزرع له الحراث الزعفران و يضمن له أن يعطيه في كل جريب أرض يمسح عليه وزن كذا و كذا درهما، فربما نقص و غرم، و ربما استفضل و زاد، قال:

لا بأس إذا تراضيا»

هذا.

و لكن في المسالك «إن قراره حينئذ مشروط بالسلامة كاستثناء أرطال معلومة من الثمرة في البيع، و لو تلف البعض منه سقط منه بحسابه، لأنه كالشريك و إن كان حصته معينة».

قلت: قد يشكل ذلك بمنافاته لعموم ما دل على لزوم الشرط بعد فرض كونه في الذمة، و بذلك يفرق بينه و بين استثناء الأرطال التي هي بعض المبيع، و لا مناص عن كونه حينئذ كالشريك.

نعم قد يتم ذلك في المسألة الأولى التي هي اشتراط قدر معين من الحاصل، و لعله المراد لثاني الشهيدين، و إن توهم بعض من تأخر عنه أن مراده الأخير و تبعه عليه، إلا أنه كما ترى لا وجه له، بل لعل في الحكم بالسقوط منه بحسابه في المفروض اشكالا، عملا بالشرط الموافق لتعليل المنع في المتن و غيره، و إن كان هو الأقوى ما لم يعلم إرادة خلافه من الشرط.

و تكره إجارة الأرض المزارعة حنطة بالحنطة أو شعيرا ب الشعير مع ضمان ذلك في الذمة، و أما إذا كان مما يخرج منها و يحصل فيها مشخصا للثمن بذلك ف المنع أشبه بأصول المذهب و قواعده، ضرورة اعتبار ملكية

____________

(1) الوسائل الباب- 14- من أبواب أحكام المزارعة الحديث- 1-.

12

الأجرة التي هي عوض المنفعة المملوكة خارجا أو ذمة، و لا شيء منهما في الفرض.

و من ذلك يعلم عدم الفرق بين تشخيص كونه منها، أو من أرض أخرى، و لا بين استيجارها بجنس ما يريد زرعه فيها و غيره.

و إلى ما ذكرنا أشار

الصادق (عليه السلام) في خبر أبي بصير (1) لا تؤاجر الأرض بالحنطة و الشعير و لا بالتمر و لا بالأربعاء و لا بالنطاف، و لكن بالذهب و الفضة، لأن الذهب و الفضة مضمون، و هذا ليس بمضمون»

بناء على إرادة عدم إجارتها بذلك إذا كان منها حتى يصح التعليل فيه، بل منه يعلم كونه المراد من غيره من الأخبار المشتملة على النهي عن إجارتها بالحنطة و الشعير من دون تعليل، خصوصا مع ملاحظة العادة في ذلك.

مضافا إلى خصوص

خبر أبي بردة (2) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن إجارة الأرض المحدودة بالدراهم فقال: لا بأس قال: و سألته عن إجارتها بالطعام فقال: إن كان من طعامها فلا خير فيه».

و خبر الفضيل بن يسار (3) «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن إجارة الأرض بالطعام قال: إن كان من طعامها فلا خير فيه»

و المناقشة في السند أو الدلالة مدفوعة بالانجبار بالشهرة العظيمة، بل لم أجد مخالفا صريحا، إلا ما يظهر من المصنف في النافع.

مؤيدا ذلك كله

بالحسن (4) «عن رجل اشترى من رجل أرضا جريانا معلومة بمأة كر على أن يعطيه من الأرض قال حرام»

بناء على عدم ظهور الفرق بين ثمن المبيع و الأجرة، هذا كله إذا شخص الثمن بذلك.

أما لو جعله في الذمة و لكن شرط الأداء منها أو من أرض معينة أخرى فلا يبعد الجواز، للعمومات، و يجري عليه حكم الشرط حينئذ، مع احتمال البطلان فيه، عملا بما سمعته من النصوص في خصوص هذا الشرط.

و أما إذا لم يذكر لا مشخصا و لا شرطا فلا ريب في أن الأصول و العمومات تقتضي

____________

(1) الوسائل الباب- 16- من أبواب أحكام المزارعة الحديث- 2.

(2) الوسائل الباب- 16- من أبواب أحكام المزارعة الحديث 9.

(3) الوسائل الباب- 16- من أبواب أحكام المزارعة الحديث 5.

(4) الوسائل الباب- 12- من أبواب بيع الثمار الحديث- 2.

13

الجواز، مضافا إلى التعليل و المفهوم من الأخبار السابقة الحاكمين على إطلاق غيرها من النصوص الذي قد عرفت مع ذلك انسياقه إلى إرادة ما يخرج منها، من غير فرق في ذلك بين كون الأجرة من جنس ما يزرع فيها، و غيره.

خلافا لبعض فمنع منه مع كونها من جنس ما يزرع فيها ل

صحيح الحلبي (1) عن الصادق (عليه السلام) «لا تستأجر الأرض بالحنطة ثم تزرعها حنطة»

و فيه مع عدم وفائه بتمام المدعى- أنه يمكن حمله على إرادة ما إذا كان منها، بل لعله لا يخلو من إيماء إليه، أو يحمل النهي فيه على الكراهة.

لكن في المسالك. «فيه نظر لأن النهي فيه مطلق، و لا منافاة بينه و بين تحريم شرطه من طعامها حتى يجمع بينهما بحمله، و التحقيق أن المطلق و المقيد متى كانا منفيين لا يلزم الجمع بينهما، بل يحمل المطلق على إطلاقه، بخلاف المثبت و بملاحظة ذلك يخرج فساد كثير مما قررناه في مثل هذا الباب، و قد مضى مثله في النهي عن بيع الطعام قبل قبضه مع ورود نص آخر بتحريم بيع المكيل و الموزون كذلك، حيث جمع الأكثر فيهما بحمل المطلق على المقيد، و ليس بشيء و تحقيق ذلك في الأصول، مع أنه يمكن حمل الخبر الأول على الإطلاق كالثاني، بأن يريد بكونه من طعامها أي من جنسه، و يؤيده ظهور الكراهة منه، و لو كان من نفسه لكان اللازم التصريح بالمنع، فان عدم الخير لا يبلغ حد المنع فان المباح و المكروه لا يوصف بالخير و لا يفيده، و بينه و بين الشر واسطة، و أما النهي فالأصل فيه التحريم، فحمله على الكراهة بغير دليل أمر غير حسن، و قول ابن البراج بالمنع مطلقا لا يخلو من قوة، نظرا إلى الرواية الصحيحة إلا أن المشهور خلاف قوله».

قلت: فيه ما لا يخفى عليك ضرورة كون التعارض بينهما بمفهوم الشرط الذي هو بحكم المنطوق، و قد تقدم الكلام في مسألة بيع الطعام قبل قبضه، و الجمع بما عرفت أولى مما ذكره من وجوه أحدها الاعتضاد بالشهرة العظيمة، و ما قد تقدم من تعليل المنع، و بالحسن المزبور، و بغير ذلك مما عرفته على وجه كشف عن إرادة ذلك

____________

(1) الوسائل الباب- 16- من أبواب أحكام المزارعة الحديث- 3.

14

من المطلقات أجمع، حتى الخبر المزبور، بشهادة ما في بعضها من التعليل الذي لا ينطبق إلا على إرادة ما إذا كان منها، فلا محيص للفقيه حينئذ عن ذلك.

و قد ظهر من جميع ما قررنا وجه الحكم بالحرمة فيما إذا كان منها، بل أو من غيرها المعين، و عدمها فيما إذا لم يكن من جنس ما تزرع فيه، كما لو استأجرها بشعير في الذمة و زرعها حنطة، بلا خلاف و لا إشكال، و أن الأصح عدمها أيضا فيه، و إن كان هو مكروها للصحيح السابق، بل لا يبعد القول بالكراهة في مطلق استيجارها بالطعام بناء على التسامح فيها فيكفي حينئذ احتمال ارادته من المطلقات و الله العالم.

و كذا يكره أن يؤجرها بأكثر مما استأجرها به، إلا أن يحدث فيها حدثا أو يؤجرها بجنس غيره عند جماعة، بل المشهور لكن قد أشبعنا الكلام في ذلك في كتاب الإجارة، فلاحظ و تأمل.

[الشرط الثاني تعيين المدة]

الشرط الثاني تعيين المدة بلا خلاف معتد به، بل لعل الإجماع عليه بناء على عموم النهي عن الغرر، و وروده على أدلة المقام و لو لرجحانه عليها، لكون المزارعة كالإجارة في المعنى، لا كالقراض الذي هو عقد جائز لا فائدة لضرب الأجل فيه بالنسبة إلى جواز الفسخ، و احتمال المزارعة الغرر بالنظر إلى الحصة لا يقتضي احتمالها إياه من غير هذه الجهة، و كون الزرع له أمد، لا يكتفي به في تعيين الأجل بعد فرض اعتباره، كما في غيرها من الإجارة و نحوها.

مضافا إلى

خبر أبي الربيع الشامي (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «سألته عن أرض يريد رجل أن يتقبلها فأي وجوه القبالة أحل قال: يتقبل الأرض من أربابها بشيء معلوم إلى سنين مسماة فيعمر و يؤدى الخراج فان كان فيها علوج فلا يدخل العلوج في قبالة الأرض فإن ذلك لا يحل»

بناء على إرادة المزارعة من القبالة فيه أو ما يشملها.

و منه يعلم وجه دلالة

صحيح الحلبي (2) عنه أيضا «أن القبالة أن تأتي الأرض

____________

(1) الوسائل الباب- 18- من أبواب أحكام المزارعة الحديث- 5.

(2) الوسائل الباب- 18- من أبواب أحكام المزارعة الحديث 4 باختلاف يسير.

15

الخربة فتقبلها من أهلها عشرين سنة أو أقل من ذلك أو أكثر فتعمرها و تؤدي ما خرج فلا بأس به»

بل صرح جماعة بوجوب كون المدة فيها مما يعلم فيها إدراك الزرع و لو من جهة العادة، لأن إدراك الزرع هو الملحوظ في المزارعة بل هو ركنها الأعظم حتى أنه ظن من جعل ذلك هو المدار من بعض النصوص عدم اعتبار المدة في المزارعة و أن إدراك الزرع هو الغاية فيها.

قال إبراهيم الكرخي (1) «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أشارك العلج فيكون من عندي الأرض و البذر و البقر و يكون على العلج القيام و السقي و العمل و الزرع حتى يصير حنطة أو شعيرا و يكون القسم فيأخذ السلطان حقه و يبقى ما بقي على أن للعلج منه الثلث ولي الباقي قال: لا بأس»

و إن كان المراد منه أن ذلك يكون من العلج حتى يدرك الزرع الذي هو المراد من المزارعة، و لو مع ذكر المدة التي يبلغ فيها الزرع، و حينئذ فلا يجدي المدة القليلة التي يعلم قصورها عن الإدراك فيها، و احتمال التراضي- بعدها مع عدم لزومه عليهما غير مجد بل و معه كما لو اشترط في عقد لازم لكنه خلاف المعلوم المعهود من المزارعة المشروعة، بل لعل ما توهم منه الخلاف في ذلك كالمتن و نحوه مما أطلق فيه ذلك يمكن دعوى انسياقه إلى إرادة المدة التي يدرك فيها الزرع من المدة التي اعتبروها شرطا نعم ذلك متجه في الإجارة التي لم يكن مبناها و لا المقصود منها إدراك الزرع، لاحتمال إرادة قصيله و نحوه.

و كيف كان فبناء على ما ذكرنا إذا شرط مدة معينة بالأيام أو الأشهر و السنين و نحو ذلك على وجه يدرك فيه الزرع صح لما عرفت و أما لو اقتصر على تعيين المزروع من غير ذكر المدة ف في الاكتفاء بذلك عنها وجهان:

أحدهما يصح لأن لكل زرع أمدا معتادا فيبني حينئذ على العادة كالقراض و يكتفى به عن ذكر المدة.

و الآخر يبطل، لأنه عقد لازم فهو كالإجارة فيشترط فيه تعيين المدة دفعا للغرر، لأن أمد الزرع غير مضبوط، و هو مع عدم خلاف محقق فيه أشبه

____________

(1) الوسائل الباب- 10- من أبواب أحكام المزارعة الحديث- 1.

16

بأصول المذهب و قواعده بعد القول باعتبار المدة التي من المعلوم عدم الاكتفاء بمثل ذلك في جميع ما اعتبرت فيه من الإجارة و غيرها، و قد عرفت الفرق بينها و بين القراض، كما أنك قد عرفت الشبه بينها و بين الإجارة.

و على كل حال ف لو مضت المدة و الزرع باق، كان للمالك إزالته على الأشبه بأصول المذهب و قواعده التي منها قاعدة «تسلط الناس على أموالها» «و عدم حل مال المسلم إلا بطيب نفسه» ضرورة عدم حق للزارع بعد المدة التي ذلك فائدة جعلها غاية.

سواء كان بسبب الزارع كالتفريط أو من قبل الله سبحانه كتأخير المياه أو تغير الأهوية و ملحوظية إدراك الزرع لهما و ضربهما المدة المذكورة لزعم إدراكه فيها لا يقتضي استحقاق بقاء الزرع بعد المدة فما عن بعض- من أنه ليس له الإزالة لأنه قد حصل في الأرض بحق، فلم يكن للمالك قلعه، و لأن للزرع أمدا معينا غير دائم الثبات، فإذا اتفق الخلل لا يسقط حق الزارع كما لو استأجر مدة للزرع فانقضت قبل إدراكه- واضح الضعف، إذ الحق كان إلى غاية، فلا حق له حينئذ بعدها، و إن كان للزرع أمد معين بل و إن كان قصيرا كوضوح المنع في المقيس عليه من الإجارة التي هي أولى بالحكم مما هنا.

اللهم إلا أن يقال: إن الغاية هنا للمزروع لا للمزارعة، و لذا يبقى حكمها من الحصة فيما بعد الغاية، و حينئذ فالمراد أن الزرع الذي غايته كذا عادة متعلق المزارعة، و ذلك كاف في رفع الجهالة، فإذا اتفق الخطاء بقيت المزارعة على حالها من اللزوم، فليس له الإزالة حينئذ.

نعم قد يقال: إن له الأجرة لما بقي من المدة على ما يخص الزارع، مع احتمال الأجرة للجميع، لاستحقاق المالك عليه عوض المنفعة الأولى في الأرض الحصة في الزرع فكل مقدمة يحتاج إليها حينئذ الزرع تراد من العامل، خصوصا إذا كان التأخير منه لتقصير، و فيه أنه خلاف ظاهر المدة المضروبة التي هي مساوية

17

لمدة الإجارة من الإتيان بها لرفع الجهالة و الغرر في عقد المزارعة، هذا.

و لكن في القواعد «الأقرب أن للمالك الإزالة مع الأرض، أو التبقية مع الأجرة سواء كان بسبب الزارع كالتفريط بالتأخير أو من قبل الله تعالى كتغير الأهوية و تأخير المياه».

و فيه أولا أن المناسب لما ذكره في الإجارة- من عدم جواز القلع لو تأخر إدراك الزرع عن مدة الإجارة لا بتفريط الزارع- عدم جواز القلع مع عدم التفريط هنا، إذ المزارعة أولى لأن الأصح جواز استيجار الأرض مدة لزرع لا يدرك فيها، بخلافه هنا.

و ثانيا: أن المتجه على الجواز اختصاص هذا القسم بوجوب الأرش دون ما إذا كان التأخير بتفريطه.

و ثالثا: أنه لا بد من تقييد قوله «أو التبقية بالأجرة» بكون ذلك مع رضى العامل، لامتناع إلزامه بإثبات عوض في ذمته من دون رضاه، و حينئذ لا وجه لإدخاله في حيز الأقرب، ضرورة كونه قطعيا على فرض رضاه، ثم إن الواجب هو أرش زرع العامل، دون المالك، فان كان البذر منه و قلنا إنه ينمو على ملكهما كما هو الظاهر و من ثم قلنا بوجوب الزكاة على كل منهما إذا بلغ نصيبه نصابا فمقدار حصة المالك لا يجب أرشه و لو قلنا بأنه ينمو على ملك العامل فأرش الجميع، و منه يعلم حكم ما إذا كان البذر من المالك أو منهما، و متى قلع المالك فالمتجه وجوب أجرة المثل لتلك الأرض له على العامل إذا كان التأخير بتفريطه، و لا نفع للعامل، لتضييعه منفعة الأرض على المالك.

«قيل و لو أفضى تفريطه بالتأخير إلى نقص الحاصل نقصا فاحشا مخالفا للعادة، فليس ببعيد وجوب أكثر الأمرين للمالك من الحصة و أجرة المثل».

قلت: يشكل انطباقه على قاعدة شرعية يعول عليها، و الاعتبار بمجرده لا يصلح مدركا. نعم يتجه في الأول أجرة المثل التي هي الضابط في كل منفعة تفوت على مالكها، و الفرض عدم التمكن من معرفة الحصة التي كان يقتضيها عقد المزارعة،

18

و في الثاني أرش الحاصل إن أمكن، هذا كله في المالك.

أما العامل فلا أجرة له على المالك و إن كان التأخير من الله سبحانه، قيل:

إلا إذا حكمنا بجواز القلع، فان المتجه وجوب أجرة المثل عليه، لتضييع منافعه مع احتمال الاكتفاء بوجوب الأرش عنها.

قلت مضافا إلى عدم ضمان منفعة الحر بمثل ذلك، و اعلم أن الأرش هو تفاوت ما بين قيمته باقيا بالأجرة، و قيمته مقلوعا، و يحتمل أن يلحظ في القيمة استحقاقه للقلع، إذا المراد بالأرض عوض نقصان ماليته باعتبار حالته التي هو عليها، و منها كونه مستحق القلع بالأرش، إذ ذلك من جملة أوصافه اللازمة له.

لكن في المسالك «انه لا يخلو من دور» و فيه أنه ليس المقام مقام دور، فمع فرض مدخلية ذلك في قيمته يتجه ملاحظته، و إلا كما هو الظاهر فلا، و الله العالم.

و كيف كان ف ان اتفقا على التبقية جاز بعوض و غيره بلا خلاف و لا إشكال لأن الحق لا يعدوهما لكن إن شرط رب الأرض عوضا معينا افتقر في لزومه بعقد الإجارة إلى تعيين المدة الزائدة و اما الصلح فيقوى جوازه، و إن لم يعين المدة كما أنه تلزمه أجرة المثل إن لم يعين العوض الذي قد اتفقا عليه كما هو واضح بل لعل الحكم كذلك حتى على القول بوجوب البقاء، فإن الأقوى استحقاقه الأجرة على ذلك فيتجه حينئذ ما عرفت و الله العالم.

و على كل حال ف لو شرط في العقد تأخيره إن بقي بعد المدة المشترطة، بطل العقد على القول باشتراط تقدير المدة فإنه لا تقدير حينئذ، إذ المدة هي مجموع المذكور منها، و المشترط المفروض عدم تقديره، بل الظاهر كفاية الجهل في المدة المشترطة خاصة في بطلان العقد.

لكن في المسالك «احتمال الصحة، لأن المدة مضبوطة، و ما تضمنه الشرط بمنزلة التابع ذكر احتياطا لاحتمال الحاجة، و جهالة التابع غير مضرة كما تقدم غير مرة» و فيه ما لا يخفى، بل قد يقال بالبطلان حتى مع تعيين المدة المشروطة، للتعليق، و للجهالة، و لو باعتبار الترديد بين المدتين.

19

نعم يمكن الصحة باشتراط البقاء مدة معينة على كل حال، لإرادة الاستظهار من دون تعليق له على بقائه بعد المدة غير مدرك، كما أنه يمكن القول بالصحة بناء على أن المانع الجهالة، لا التعليق، بتنزيل إرادة أصل ثبوت استحقاق الإبقاء و لو بالأجرة بالشرط المزبور، إذ مرجعه إلى اشتراط عدم القلع عليه، أو ما يقرب من ذلك مما لا إشكال في صحته، و إن وجب التراضي حينئذ بعد ذلك على تقديرها مع إرادة الإجازة الصحيحة أو أجرة المثل أو غير ذلك فتأمل جيدا فإنه دقيق.

و لو ترك الزراعة حتى انقضت المدة لزمه أجرة المثل، و لو كان استأجرها لزمته الأجرة لوضوح الفرق بينهما، بتعذر معرفة المسمى في الأول و لذا وجب الرجوع إلى أجرة المثل، بخلافه في الأجرة، و الظاهر اختصاص المالك بها، لا أنها تكون هي الحاصل، فيجري عليه حكم ما اشترطاه في المزارعة من النصف أو الثلث، ضرورة أن ذلك في الحاصل من العمل و الأرض، و الفرض عدم العمل منه أصلا فلا وجه لاستحقاقه فيما يقابل منفعة الأرض.

و كيف كان فهذا مع تمكين المالك له منها، و تسليمه إياها، و إلا لم يستحق عليه شيئا لأن المنع من قبله، بل قد ينساق أن للعامل عليه أجرة المثل، حيث أنه فوت عليه المنفعة المستحقة له، و عدم العمل منه الذي هو المقابل لمنفعة الأرض إنما كان بتفريط المالك و تضييعه، فهو حينئذ كما لو استوجر على عمل في مدة فبذله الأجير و لم يستوفه منه المستأجر فتأمل.

و على كل حال فحيث يلزم ضمان الأجرة قال في المسالك «يلزمه أرشها لو نقصت بترك الزرع كما يتفق في بعض الأرضين لاستناد النقص إلى تفريطه كما قال فيها و هل يفرق فيها بين ما إذا ترك العامل الانتفاع اختيارا أو غيره ظاهرهم عدمه، و لا يبعد الفرق، لعدم التقصير في الثاني خصوصا في الأرش، و مقتضى العقد لزوم الحصة خاصة، و لم يحصل منه تقصير يوجب الانتقال إلى ما لا يقتضيه نعم يتوجه الحكم مطلقا في الإجارة، لأن حق المالك هو الأجرة عوضا عن منفعة العين تلك المدة، فإذا فاتت المنفعة فإنما ذهبت على مالكها، و هو المستأجر أما المؤجر

20

فلا حق له فيها، إنما حقه في الأجرة و لم تفت».

قلت: لا إشكال في الفرق بين الإجارة و المزارعة بذلك، بل إن لم يكن إجماع أمكن القول بعدم وجوب أجرة المثل حتى في صورة التفريط، ضرورة عدم بطلان العقد بذلك، و هو إنما يقتضي الحصة المعدومة التي ليست بمضمونة في الذمة، كما سمعته في مسألة الإجارة بشيء معين من حاصلها، و من الممكن عدم حصولها حتى لو زرع و لم يقصر فالرجوع منهما حينئذ إلى أجرة المثل مما لا يرجع إلى قاعدة، ضرورة عدم العدوان في يده، حتى يندرج في عموم «على اليد»

و عدم صدق إتلاف مال الغير، لان عقد المزارعة جعله بحكم ماله، لا مال الغير.

نعم إنما يجب عليه الاستنماء و تسليم الحصة، و ذلك إنما يترتب عليه الإثم لا الضمان، و قاعدة «لا ضرر و لا ضرار» لا يستفاد منها الضمان، و لكن ترفع اللزوم، فيتسلط على الخيار، و حينئذ تكون كالمضاربة التي يترك العامل فيها العمل بلا فسخ لها.

و كذلك الكلام فيما لو كان التقصير من صاحب الأرض بعدم تسليمها إلى المزارع، بل عدم الضمان فيه أولى، لعدم صيرورة منفعة الأرض ملكا له بعقد المزارعة حتى تكون يد المالك عليها عارية يترتب عليها الضمان، و الضرر عليه بفوات انتفاعه بنفسه مثلا لا يقتضي الضمان، لأن منافع الحر لا تضمن بذلك و من ذلك كله يظهر لك الحال حتى في الحكم بضمان النقص الذي يلحق الأرض بعدم زرعها فان ذلك من أحكام يد الضمان التي ليست هذه اليد منها فتأمل جيدا و الله العالم.

[الشرط الثالث أن تكون الأرض مما يمكن الانتفاع بها]

الشرط الثالث: أن تكون الأرض التي تقع المزارعة عليها مما يمكن الانتفاع بها في ذلك بان يكون لها ماء و لو تقديرا إما من نهر أو بئر أو عين أو مصنع أو غير ذلك حتى الغيث فان لم يمكن الانتفاع بها في ذلك لعدم إمكان الماء لها لم تصح المزارعة عليها، للأصل بعد معلومية إرادة غيرها من العمومات و الإطلاقات بل هي من معاملات السفه في نظر العقلاء فحينئذ لو أوقعها على أرض هي كذلك حال العقد فاتفق تجدد قابليتها لم يجد ذلك العقد، و احتمال الاكتفاء بحالها في الواقع

21

المستور عليها ممكن، إلا أن الأظهر خلافه.

نعم قد يقال بالصحة على الأرض التي هي حال العقد قابلة لذلك، إلا أنه لم يعلم المتعاقدان بها فانكشف حالها بعد ذلك، لكن لا يخفى عليك أن مقتضى ما سمعته من الدليل مانعية عدم قابليتها للانتفاع بذلك للصحة، لا اعتبار الإمكان، و تظهر الثمرة في المزارعة على الأرض التي لها ماء نادرا، و إن تردد في ذلك في التذكرة من عدم التمكن من إيقاع ما وقع عليه العقد غالبا، و من إمكان الوقوع و لو نادرا، إلا أن المتجه الصحة، بناء على ما ذكرنا للعمومات، و لعل هذا الشرط هنا كشرط القدرة على التسليم في البيع الذي قد أطنبنا فيه في محله، و كثير من مباحثه تأتي هنا بأدنى التفاوت فلاحظ و تأمل هذا.

و لكن في الإرشاد «و لو زارع على ما لا ماء له بطل إلا مع علمه» و مقتضاه الصحة مع العلم إلا أن الظاهر إرادته عدم الماء فعلا، و إن كان يمكن بحفر بئر مثلا لا أن المراد الصحة على ما لا يمكن الانتفاع بها للزرع الذي من الواضح عدم صحة المزارعة عليها، بل لا يطابق ما اعترف به هو و غيره من الشرط الثالث، إلا أن المتجه حينئذ على هذا التنزيل الخيار مع الجهل، كما تسمعه منه في القواعد و من المصنف فيما يأتي، لا البطلان، كأنه لم يفهم منه ذلك في الرياض، حيث أنه بعد أن ذكر الشرط المزبور قال: «لا خلاف في اشتراطه في الجملة و إن اختلفوا في متعلق الشرط هل هو الصحة مطلقا كما هو ظاهر العبارة. فيبطل العقد مع عدمه مطلقا، و لو مع العلم بفقده ابتداء، أو عدمه بعد وجوده، أو في صورة الجهل بعدمه حين العقد خاصة كما هو ظاهر الفاضل في الإرشاد حيث حكم بالبطلان بعدمه إلا مع العلم به، أو اللزوم في صورة الجهل خاصة، فللعامل الخيار فيها بعد العلم، و أما صورة العلم ابتداء بعدمه حين العقد فليس بشرط أصلا بل يلزم فيها كما هو صريح القواعد، و وجهه كالسابق غير واضح بعد ما قررناه، سيما هذا و حمل على محامل- مع بعدها- لا تنطبق على شيء مما قدمناه من الأدلة.

قلت: سمعت عبارة الإرشاد، و ما يمكن تنزيله عليه، و كذا عبارة القواعد

22

التي هي: «الثالث: إمكان الانتفاع بالأرض في الزرع بأن يكون لها ماء إما من عين أو بئر أو نهر أو مصنع، و كذا التي أجرها للزرع و لو زارعها أو أجرها له، و لا ماء لها تخير مع الجهالة، لا مع العلم، لكن في الأجرة يثبت المسمى» ضرورة استبعاد إرادته الصحة مع العلم بعدم إمكان الانتفاع بها في ذلك، بعد أن ذكر ذلك عقيب اعترافه بالشرط الثالث.

نعم إنما الكلام في قول المصنف و غيره و لو انقطع الماء في أثناء المدة فللمزارع الخيار، لعدم الانتفاع، هذا إذا زارع عليها أو استأجرها للزراعة، و عليه أجرة ما سلف، و يرجع ب أجرة ما قابل المدة المتخلفة من وجوه أحدها:

أن المتجه البطلان إذا خرجت بانقطاع الماء عن قابلية إمكان الانتفاع بها للزرع، لا الخيار، ضرورة اتحاد المدرك لشرطه ابتداء و استدامة، و حمله على إرادة انقطاع الماء المعد لها الذي قدم عليه المزارع، لا مطلق الماء حتى حفر بئر جديد لها مثلا جيد، ضرورة إيجاب مثله الخيار في باقي العقود اللازمة، لقاعدة

«لا ضرر و لا ضرار»

و غيرها، إلا أنه ينافيه ما ذكر أخيرا من وجوب الأجرة عليه لما سلف من المدة مع الفسخ، فان ذلك لا يتجه في المزارعة التي كان الفسخ فيها من عدم إمكان الإكمال، و ليس لها أجرة مسماة، بل الحصة من الحاصل الذي تعذر، اللهم إلا أن يجعل ذلك في الإجارة خاصة، بقرينة قوله «و يرجع» إلى آخره، فإنه لا يتصور في المزارعة.

نعم لا يتجه ذلك في مثل عبارة اللمعة التي هي لم يذكر فيها غير المزارعة، قال: «و لو انقطع في جميع المدة انفسخت، و في الأثناء يتخير العامل، فان فسخ فعليه بنسبة ما سلف» و كذا الإرشاد، و إن أمكن توجيهه بأنه مع فرض عدم خروجها عن قابلية الانتفاع، لإمكان استنباط ماء جديد لها يكون إتلاف منفعة الأرض باختياره الفسخ، خصوصا مع بذل المالك لما يأتي به الماء، فيضمنها كالإجارة و ان اختلفا في التقسيط باعتبار المسمى، و أجرة المثل، كما أنه يتجه ضمانه- في صورة تجدد عدم قابليتها للانتفاع بالزرع أصلا لأجرة المثل عما سلف من المدة، بناء على

23

اقتضاء ذلك الانفساخ من الأصل، بمعنى ظهور بطلان المزارعة من أول الأمر، لكون المنفعة في يده مضمونة، و لو بالحصة التي مع بيان عدم إمكانها يقوم مقامها أجرة المثل، فان ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده، و احتمال إرادة الفاضل و الشهيد ذلك ينافيه تصريحهم بالخيار المقتضي لوجود الصحة فعلا فتأمل. فإنه بما ذكرنا اتضح لك الحال في جميع صور المسألة في المزارعة و الإجارة للزراعة التي هي مثلها في الحكم إذا أخذت الزراعة موردا لها.

اما إذا كانت داعيا لكون الأرض معدة لذلك، و معظم ما يراد منها ذلك، فاتفق تعيبها في الأثناء، و خروجها عن القابلية لتعذر الماء مثلا، فالمتجه الخيار أيضا، لقاعدة الضرر، و إمكان الانتفاع بها في غير تلك المنفعة لا ينافيه، و إن قابلت نفع الزراعة إلا أنه قد حصل موجب الخيار بنقص الأرض عن الحال التي أقدم عليها به، و استأجرها له، و ربما تأتي لذلك تتمة إنشاء الله هذا.

و من الغريب ما في جامع المقاصد من قوله «اعلم أن قول المصنف «لا مع العلم» يريد به عدم بطلان المزارعة و الإجارة للزرع مع العلم بأن الأرض لا ماء لها، و هو صحيح على القول بجواز التخطي إلى غير المنفعة المشروطة مما يكون مساويا أو أقل ضررا، و حينئذ فلا شيء للمالك في المزارعة، لعدم إمكان الانتفاع الذي حصول الحصة المشترطة متوقف عليه، أما في الإجارة فيجب عليه المسمى لصحة الإجارة، و على البطلان فلا يجب عليه شيء» إذ لا يخفى عليك عدم احتمال ذلك في المزارعة التي وقع عقدها على الزرع، و كذا الإجارة التي فرض موردها الزرع، و أن المتجه وجوب اجرة المثل مع البطلان من رأس، كما عرفت حتى في المزارعة.

و كيف كان ف إذا أطلق المزارعة زرع العامل الذي هو المخاطب بالزرع و مراد منه العمل ما شاء من أفراد الزرع التي ينصرف إليها الإطلاق ضرورة كون هذا المطلق كغيره من المطلقات في الانصراف إلى المعهود المتعارف إن كان، و عدمه، فما وقع من بعض الناس هنا مما ينافي ذلك في غير محله.

24

نعم في المسالك «إنما يتم ذلك، أي تخيير العامل إذا كان البذر من عنده أما لو كان من عند صاحب الأرض فالتخيير إليه بطريق أولى، لا إلى المزارع» و فيه: أنه لا منافاة بينهما بعد فرض ظهور الإطلاق في ذلك، و أنه المخاطب المأمور بالزرع.

و على كل حال فالتخيير مع الإطلاق لصلاحية كل فرد من الأفراد التي ينصرف إليها الإطلاق لوجوده في ضمنه، و أصرح من ذلك التعميم، لكن عن التذكرة أنه قوى وجوب التعيين مع الإطلاق، لتفاوت ضرر الأرض باختلاف جنس المزروعات، فيلزم من تركه الغرر بخلاف العموم الدال على الرضا بالأضر، و رده في المسالك بأن المالك معه راض بذلك أيضا من حيث دخوله تحت الإطلاق المفروض رضاه به.

قال: «و ربما فرق بينهما بأن الإطلاق إنما يقتضي تجويز القدر المشترك بين الافراد، و لا يلزم من الرضا بالقدر المشترك الرضى بالأشد ضررا من غيره، إذ ليس في اللفظ إشعار بذلك الوجه، و لا دلالة على الاذن فيه و الرضي بزيادة ضرره، إذ الرضا بالقدر المشترك إنما يستلزم الرضا بمقدار الضرر المشترك بين الكل، لا على الرضا بالزائد، فلا يتناول المتوسط و لا الأشد، بخلاف العام الدال على الرضا بكل فرد فرد».

و رده في المسالك أيضا بما حاصله أن القدر المشترك المعنى المصدري أو نفس الحقيقة، لا اللوازم اللاحقة لها، و هو مسألتنا الزرع الحاصل بكل فرد من أفراد المزروعات، لأنها مشتركة في هذا المعنى، و إن لم تشترك في الضرر و غيره، سواء قلنا إن المطلق هو الدال على الماهية بلا قيد، أو النكرة بلا صلاحية لكل فرد، و على الثاني ظاهرة و إن اختلفت في القوة و الضعف، بل و على الأول، و لهذا حكموا بأن الأمر بالضرب مثلا يتحقق امتثاله بكل جزئي من جزئياته، كالضرب بالعصى و السوط ضعيفا و قويا و متوسطا حتى قيل إن الأمر به أمر بكل جزئي أو اذن في كل جزئي.

قلت: لا ريب في عدم دلالة المطلق على إرادة الأفراد، بل قد يحضر في الذهن و يكون عنوانا و لا يحضر شيء منها فيه، و الرضا به حينئذ ليس رضا بها على اختلافها

25

فلا يجتزى به فيما يعتبر فيه المعلومية و عدم الغرر، بخلاف التكاليف التي يراد فيها نفس المطلق، و الفرد إنما هو مقدمة، و لا مدخلية للغرر و المعلومية في شيء منها.

نعم قد يناقش في أصل اعتبار المعلومية التي لا يجتزى فيها نحو المطلق هنا، ثم إنه لا يخفى عليك أن ما ذكره الفارق لا يقتضي عدم جواز المطلق، بل أقصاه الاقتصار على الأفراد المتساوية في مقدار الضرر، دون المتوسطة و الشديدة، اللهم إلا أن يدعى مجهولية ذلك فيبطل حينئذ من هذه الجهة، و الله العالم.

و كيف كان ف إن عين رب الأرض الزرع على العامل شخصا أو نوعا لم يجز له التعدي إلى الآخر قطعا، لعموم الوفاء بالعقد و الشرط و حينئذ ف لو زرع ما هو أضر و الحال هذه كان لمالكها أجرة المثل إن شاء فسخ العقد بالخيار الحاصل له بعدم الوفاء بالشرط كالبيع و الإجارة أو المسمى إن شاء لزومه مع الأرش للنقص الحاصل في الأرض بسبب زرع الأضر فيها، كما صرح بذلك كله الفاضل.

لكن أشكله ثاني المحققين و الشهيدين و أتباعهما بأن الحصة المسماة إنما وقعت في مقابلة زرع المعين، و لم يحصل، و الذي زرع لم يتناوله العقد و لا الاذن، فلا وجه لاستحقاق المالك فيه الحصة، فوجوب أجرة المثل حينئذ أقوى.

قلت كان ذلك منهم بناء على تشخيص المزارعة بما وقع من التعيين و لو على جهة الاشتراط، و لا ريب في فساده على التقدير المزبور، بل قد يقال: بعدم تشخيصها بذلك مطلقا، و إن كل ما وقع فيها منه ليس إلا على جهة الشرطية، فإن حقيقة المزارعة ليست إلا زرع الأرض بحصة من حاصلها، كائنا ما كان الحاصل، و انما يذكر التعيين من الشرائط، لا أنه منوع للمزارعة، فليس هو حينئذ إلا كذكر المكان في المضاربة التي قد عرفت ضمانه للمال مع بقاء المالك على حصته لو تعدى و خرج إلى غير ذلك المكان.

إلا أن الشرط لما كان في عقد لازم، و قد عرفت في كتاب البيع اقتضاء عدم

26

الوفاء به الخيار لمن له الشرط، اتجه حينئذ ما ذكره المصنف و الفاضل، فله الفسخ و المطالبة بأجرة المثل، و عدمه فله المسمى من الزرع المخصوص الداخل في كلي المزارعة، و له الأرش عوض النقصان الحاصل بسببه، لعدم الاذن فيه بالخصوص و من هنا يتجه عدم انفساخ المزارعة حينئذ بتعذر المعين، خصوصا إذا كان شخصا.

كما أنه مما ذكرنا قد يظهر الوجه أيضا في قوله و لو كان قد زرع ا لا قل ضررا جاز بتقريب أن المراد من التعيين مقدار الاذن في الانتفاع بالأرض فهو كالإجارة بالنسبة إلى ذلك.

لكنه أشكله ثاني المحققين و الشهيدين أيضا بأن غرض المالك ليس منحصرا فيما يتعلق بمصلحة الأرض، بل المقصد الذاتي له إنما هو الانتفاع بالزرع، و مصلحة الأرض تابعة لا مقصودة بالذات، و لا شك أن الأغراض تختلف في أنواع المزروع، فربما كان غرضه بالأشد ضررا من حيث نفعه، و الحاجة إليه و إن حصل للأرض ضرر، و لا يتعلق غرضه بالأخف و إن انتفعت الأرض به، ألا ترى أن الأرض لو انتفعت بترك الزرع رأسا لم يكن ذلك كافيا في جواز ترك المزارع العمل، نظرا إلى مصلحة الأرض فالأقوى عدم التعدي لما عين مطلقا، نعم مثل هذا يجري في إجارة الأرض لزرع نوع معين، فان عدول المستأجر إلى زرع ما هو أخف ضررا منه متجه، لأن الغرض في الإجارة للمالك تحصيل الأجرة، و هي حاصلة على التقديرين و يبقى معه زيادة تخفيف الضرر عن أرضه، و أولى منه لو ترك الزرع طول المدة، فإنه لا اعتراض للمالك عليه حيث لا يتوجه ضرر على الأرض، لحصول مطلوبه، و هو الأجرة، بخلاف المزارعة، فإن مطلوبه الحصة من الزرع المعين فلا يدل على الرضا بغيره و لا يتناوله بوجه.

قلت: و لعله كان لذا خيرة الفاضل هنا بين الفسخ و أخذه أجرة المثل، و أخذه المسمى نحو ما سمعته في زرع الأضر إلا أنه لا أرش هنا لعدم النقص، لكن الجماعة أيضا أشكلوا بما عرفت، من عدم الوجه لأخذ المسمى من الزرع الذي لم يدخل في عقد المزارعة، و جوابه ما علمت، بل لعل ظاهر المصنف عدم الخيار أيضا.

27

و التحقيق في المسألة أن يقال: إن كان المقصود من التعيين تقدير الاذن في الانتفاع بالأرض، فلا ريب في صحة ما ذكره المصنف، خصوصا في صورة تعذر الأضر الذي هو المعين، و إن كان المقصود منه إرادة المعين، فالأصح ما ذكره الفاضل خصوصا في صورة التعذر لما سمعته سابقا من ثبوت الخيار بنحو ذلك من الشرائط، و كذا مع اشتباه الحال، و لعل غرض المصنف الأول، ضرورة كونه في بيان الاذن في زرع ما يراد زرعه في صورة الإطلاق و التعيين فتأمل جيدا، فإن المسألة غير محررة في كلامهم حتى مسألة الإجارة التي ذكرها المعترض، ضرورة إمكان القول بلزوم المنفعة المخصوصة، و عدم جواز الأخف منها، خصوصا على ما عساه الظاهر من كلامهم من كون ذلك مشخصا للإجارة و فرق واضح بين الانتفاع بالأخف الذي لم تحصل الاذن فيه، و بين عدم الانتفاع أصلا، فإن ذلك ليس تصرفا فيها بغير اذن المالك، بخلاف الأول الذي يتجه عليه أجرة المثل، بناء على ما ذكروه، كما أن المتجه بناء على ما ذكرناه مع فرض عدم ارادة التقدير بذلك الخيار، فله الفسخ و الرجوع بأجرة المثل و الإمضاء و الاقتصار على المسمى.

و لو زارع عليها أو آجرها للزراعة و لا ماء لها فعلا مع علم المزارع لم يتخير لإقدامه على ذلك و أما مع الجهالة ف له الفسخ لتضرره بانتظار الإتيان بالماء لها بحفر بئر أو غيره، مع احتمال عدم كفايته لها، و قد تقدم لك تحقيق المسألة في ذلك، و أنه قد جزم جماعة منهم الشهيد الثاني بالبطلان، لفقد الشرط الذي هو إمكان الانتفاع بها بالزرع، من غير فرق في ذلك بين العلم و الجهل، لا التخيير المزبور الذي هو فرع الصحة، بل لعل الحكم بالشرط المزبور لمنع التخيير المذكور من المتدافع.

لكن في المسالك هنا بعد أن ذكر ذلك قال: «ربما تكلف للجمع بين الحكمين بحمل هذا التخيير على ما لو كان للأرض ما يمكن الزرع و السقي به، لكنه غير معتاد من جهة المالك بل يحتاج معه إلى تكلف إجراء ساقية و نحوه، و المنع على ما لو لم يكن لها ماء مطلقا، و هو جيد لو ثبت أن مثل هذا القدر يوجب التخيير، و أن

28

الإطلاق كون الماء معتادا بلا كلفة، إلا أن إطلاق كلامهم يأباه فإنهم اقتصروا في الحكم بالجواز على إمكان السقي بالماء من غير تفصيل، و بالتخيير على عدم الإمكان، و أيضا فإن إحداث النهر و الساقية و نحوهما لازم للمالك، سواء كان معتادا أو لا كما سيأتي التنبيه عليه و لا فرق حينئذ بين كون الماء معتادا و غيره في عدم الكلفة على الزارع، و الأقوى عدم الصحة هنا عملا بهذا الإطلاق و مثله ما لو استأجرها للزراعة».

قلت: لعل التأمل في كلام الفاضلين و اتفاقهما على القطع بالصحة في صورة العلم بلا تخيير، و انما اختلفا في صورة الجهل، ففي الإرشاد البطلان، و في المتن و القواعد التخيير، يقضي بما أشرنا إليه سابقا من أنه لا إشكال في الصحة و اللزوم مع الإمكان، بمعنى القابلية فعلا و لو باحداث ماء لها.

و أما الأرض المحتملة لتحقق القابلية بسبب احتمال إيجاد ماء صالح لزراعتها و عدمه، فلا ريب في أنه يصح عقد المزارعة عليها مع العلم بحالها مراعيا له، و أما مع الجهل فيحتمل التخيير- لما في الانتظار من الضرر كما في المتن و القواعد، و لأنه بمنزلة تخلف الوصف في البيع- و البطلان كما في الإرشاد لتعارف القابلية المحققة في الاقدام على أرض المزارعة، و لعل الأول لا يخلو من قوة.

أو يقال إن قول الأصحاب و لا ماء لها أعم من عدم إمكان زرعها، ضرورة إمكانه بنقل الماء أو تطبيبه أو نحو ذلك، بل الظاهر بقرينة ما ذكروه من الشرط إحراز إمكان زراعتها، إلا أنه على ذلك الوجه لا ريب في الصحة و اللزوم حينئذ مع العلم، و الخيار مع الجهل بكون زراعتها على هذا الوجه، أو البطلان كما سمعته عن الإرشاد، لما ذكرناه من كون المقصود غيرها للعادة، هذا كله في المزارعة و في الإجارة أيضا إذا كان مورد العقد فيها الزراعة.

أما لو استأجرها مطلقا و لم يشترط الزراعة لم يفسخ و إن لم يكن عالما بحالها لإمكان الانتفاع بها بغير الزرع الذي لا يشترط في صحة إجارة الأرض إمكانه ضرورة كونه نوعا من أنواع الانتفاع، و لا يشترط في استيجار شيء أن يمكن الانتفاع به في جميع الوجوه، بل يكفي إمكان مطلق الانتفاع حيث تطلق، و هو هنا

29

كذلك، لإمكان الانتفاع بالأرض المذكورة في وضع المتاع و جعلها مراحا و مستراحا و غير ذلك، و إن كان الغالب في الأرض الزراعة، إلا أن مطلق الغلبة لا يقيد الإطلاق إلا أن تكون على وجه يفهم إرادة ذلك من الإطلاق، و لو مع انضمام قرائن الأحوال و غيرها، و حينئذ يتجه البطلان، لا الخيار، اللهم إلا أن يكون الزرع معظم المقصود منها، و الداعي إلى استيجارها، فإنه لا يبعد الخيار حينئذ، للضرر.

و على كل حال فقد بان لك انه لا خيار مع إطلاق الإجارة الخالي عما يقتضي تقييده و كذا لو زارع أو اشترط الزارعة و جعلها موردا لعقد إجارة الأرض و لكن كانت في بلاد تسقيها الغيوث عادة لإطلاق الأدلة و عمومها التي لا فرق فيها بين كون الماء من غيث أو زيادة نهر أو إجراء ساقية أو غير ذلك كما هو واضح.

و لو استأجر للزراعة ما لا ينحسر عنه الماء و كان جاهلا بذلك لم يجز لعدم العلم بمحل الانتفاع من الأرض و لو علم الحال ف رضي بذلك أي المستأجر قيل جاز لكونه حينئذ كاستيجار الأرض التي لا ماء لها للزراعة و لكن لو قيل: بالفرق بينهما فيحكم بالمنع هنا لجهالة الأرض بخلافه هناك كان حسنا.

نعم لو فرض علم الأرض سابقا أو كان الماء صافيا يمكن معرفة الأرض معه، اتجه حينئذ تساوى المسألتين في الحكم، بعد فرض إمكان الزرع في المقام بزرع ما لا ينافي انحسار الماء، أو بعلاج حسر الماء أو غير ذلك، ضرورة عدم الفرق في عدم استعداد الأرض للزراعة بين كونه من عدم الماء لها، أو من عدم انحسار الماء عنها فتتجه الصحة بلا خيار مع العلم، و بخيار مع الجهل، نحو ما سمعته في المسألة السابقة، و احتمال عدم الصحة فيهما- باعتبار عدم استعداد الأرض للزراعة، فليست من أرض المزارع، بل ربما كان استئجارها للزراعة أو المزارعة عليها على هذا الحال غير جار على قياس أفعال العقلاء- يدفعه عموم الأدلة و إطلاقها، و أقصى ما في هذا الحال التسلط على الخيار مع الجهل، و كذا احتمال البطلان حال الجهل خاصة، الذي سمعته من الإرشاد في المسألة السابقة، فإنه لا يزيد تخلف المعتاد على خلاف

30

الوصف المسلط على الخيار، و بذلك كله ظهر لك أن مراد الأصحاب في المسألتين بعد إحراز إمكان الزرع الذي صرحوا بشرطيته، إلا أنه على غير الوجه المعتاد في أرض المزارع، لا أن المراد بما ذكروه من عدم الماء أو عدم انحساره، الكناية عن عدم إمكان زرعها، فان ذلك لا يناسبه الخيار، و لا التعليل بالجهالة، كما هو واضح بأدنى تأمل مع حسن الظن بهؤلاء الفحول.

و على كل حال ف ان كان الماء الذي لا ينحسر قليلا يمكن معه بعض الزرع جاز و لكن يتسلط أيضا على الخيار مع فرض النقصان في الزرع، و الجهل بحالها و لو كان الماء ينحسر عنها تدريجا لم يصح، لجهالة وقت الانتفاع و إن رضي بذلك المستأجر، ضرورة عدم كفاية الرضا بفاقد شرط الصحة فيها.

لكن في القواعد قيد المنع بعدم رضا المستأجر فلو رضي صح، و في المسالك «هذا إنما يتم فيما يكون كالعيب المنجبر بالرضا و الخيار، لا في الجهالة، و على تقدير إلحاقه به، نظرا إلى إمكان الانتفاع في الجملة، إنما يوجب انقطاعه تدريجا نقصان المنفعة، فلا وجه للحكم بعدم الصحة، بل ينبغي تخيير المستأجر مع الجهل، و حينئذ فما أطلقه المصنف أوضح.

قلت: إن ثبت أن مثل هذا الجهل يقدح في الإجارة، خصوصا بعد معلومية انحساره عنها في وقت صلاحية الزرع في الجملة، و الفرض استيجارها مدة تشتمل على ذلك، و إن لم يتشخص أول وقت الانحسار أو وسط أو آخره، و لعل العلامة (رحمه الله) لحظ ذلك فحكم بالصحة مع الرضا، أما حكمه بالفساد مع الجهل فلما عرفته غير مرة، من احتمال انصراف العقد إلى الأرض المستعدة للزرع على الوجه المعتاد، و إن كان الذي يقوى ثبوت الخيار مع ذلك، لا الفساد، لكون المفروض وقوع العقد على الأرض المشخصة، فتأمل جيدا.

ثم لا يخفى عليك جريان هذه الاحكام في المزارعة على الأرض المذكورة، فكان ذكرها في بابها أولى من استطراد حكم الأجنبي أو التعميم، و ربما قيل في هاتين المسألتين: بأن المنع مخصوص بالإجارة أما المزارعة عليها فجائزة، و الفرق ابتناء

31

الإجارة على المعلومية في الأجرة فلا بد من العلم بمقدار مقابلها من المنفعة، بخلاف المزارعة التي كان العوض فيها الحصة المجهولة فيتسامح فيما يقابلها من المنفعة بما لا يتسامح بمثله في غيرها، إلا أن ظاهر الأصحاب خلافه، و أنه لا فرق بين المزارعة و الإجارة للزرع في ذلك، و اغتفار الجهل في الحصة في المزارعة التي شرعت على ذلك، لا يقتضي اغتفار الجهل من جهة أخرى و الله العالم.

و لو شرط الغرس و الزرع في استيجاره الأرض و لم يفهم من ذلك التنصيف افتقر إلى تعيين مقدار كل واحد منهما لتفاوت ضرريهما، و كذا لو استأجر لزرعين أو غرسين مختلفي الضرر للغرر الحاصل من الإطلاق الذي هو بالنسبة إلى ذلك كالمجمل، فيمكن الاقتصار معه في الأخف على مسماه.

لكن في المسالك هنا هذا كله إذا استأجر لهما مطلقا، أما لو استأجرها لينتفع بها منها صح أو تخير، لأن ذلك تعميم في الأفراد، و قدوم على الرضا بالأضر».

و فيه: أنه مناف لما ذكره سابقا- عند قول المصنف «و إذا أطلق المزارعة و زرع ما شاء»- «من أن المطلق كالعام بالنسبة إلى ذلك، فيصح جعله العنوان في المزارعة و الإجارة، و يكتفي بدلالته من حيث صلاحية كل فرد لتحققه على الاذن لكل فرد من الأفراد إن تفاوت في الضرر، إذ ذلك منه رضا بالأضر» و إن كان التحقيق خلافه و أنه لا دلالة في المطلق على ذلك، و ليس هو جهة تعيين يكتفى به في ذلك، بخلاف التعميم، فإنه جهة تعيين لها و لو بالعمومية، ضرورة كون العموم من عوارضها، بخلاف الإطلاق، فإنه شيء خارج عن الافراد، و لا تحضر في الذهن بحضوره.

نعم بناء على جواز جعله عنوانا في المزارعة مثلا يجب الاقتصار في زرع الأفراد المتساوية في مقدار الضرر، و لا يجوز زرع الأضر، فإنه لا دلالة فيه على الاذن به، و إن كان هو فردا للمطلق أيضا، و لعله لذا اعتبر هنا التعيين عند ذكر الزرعين و الغرسين المختلفين في الضرر، و اكتفى بالإطلاق هناك، أو أنه فرق بين المزارعة و الإجارة، و لو فرض عدم تساوي أفراد الزرع أجمع و عدم معرفة الأقل ضررا منها، اتجه حينئذ عدم الاجتزاء في الإطلاق.

32

و بالجملة فرق واضح بين المطلق و العام، كما أن من الواضح هنا البطلان في المقام إلا مع فرض انسياق التنصيف و الله العالم.

[تفريع لو استأجر أرضا مدة معينة ليغرس فيها ما يبقى بعد المدة غالبا صح]

تفريع لو استأجر أرضا مدة معينة ليغرس فيها ما يبقى بعد المدة غالبا صح ما لم يكن سفها، لإطلاق الأدلة و عمومها بل قيل: يجب على المالك إبقاؤه بالأجرة أو إزالته مع الأرش لأن المستأجر غير متعد بالزرع، إذ الفرض كونه مالكا للمنفعة تلك المدة، فله الزرع، و ذلك موجب على المالك ذلك، لمفهوم

قوله (صلى الله عليه و آله) (1) «ليس لعرق ظالم حق»

الذي حكي عن فخر المحققين إجماع الأصوليين عليه في هذا الحديث، و إن اختلفوا في دلالة مفهوم الوصف في غيره، و حينئذ وجب الجمع بين الحقين، و هو إنما يكون بما عرفت من التخيير المزبور للمالك الذي يمكن دعوى ترجيح حقه على الآخر، فلذلك استأثر بالتخيير المزبور.

و قيل: له إزالته كما لو غرس بعد المدة فلا أرش له، لأنه دخل على أن لا حق له بعد المدة، إذ منفعة المدة هي المبذولة في مقابلة العوض، فلا يستحق بالإجارة شيئا، و هو الأقوى عند ثاني الشهيدين لا الأول الذي هو أشبه عند المصنف، قال: «و عدم تعدى المستأجر بزرعه في المدة لا يوجب له حقا بعدها، مع استناد التقصير إليه، و المفهوم ضعيف، و دعوى الإجماع هنا على العمل به لم تثبت، و على تقدير صحته نمنع من كونه بعد المدة غير ظالم، لانه واضح عرقه في أرض لا حق له فيها، و إلزام المالك بأخذ الأجرة أو الأرش على خلاف الأصل، فلا يصار إليه بمثل ذلك».

قلت: لكن قد يقال بعد عدم معلومية فساد دعوى الإجماع المزبور- بل هو

____________

(1) المستدرك ج- 3- ص 149.

33

قد عمل به فيما لو استأجر للزرع مدة يدرك فيها غالبا، لكن اتفق عدم إدراكه فيها لا لتقصيره، بل لكثرة الأمطار أو تغير الأهوية أو غيره، فأوجب الجمع بين الحقين بالإبقاء بالأجرة- إن الظاهر من الخبر ثبوت الحق لمن كان له أصل وضع عرقه بحق، و انتهاء الحق من حيث الإجارة لا ينافي ثبوته من الخبر المزبور، بل إن لم يكن إجماع لأمكن ظهوره في استحقاق الإبقاء على وجه يجب على المالك إجابته مع دفع الأجرة، و ليس له القلع حينئذ و إن بذل الأرش، إلا أن الظاهر كون التخيير المزبور بيد المالك و ربما زاد بعضهم في وجوه التخيير دفع قيمة الغرس ليملكه، إلا انه كما ترى، و ان كان في بعض الاخبار نوع شهادة له و الله العالم.

[أما أحكامه فتشتمل على مسائل]

و اما أحكامه فتشتمل على مسائل.

[المسألة الأولى إذا كان من أحدهما الأرض حسب و من الآخر البذر و العمل و العوامل صح بلفظ المزارعة]

الأولى: إذا كان من أحدهما الأرض حسب، و من الآخر البذر و العمل و العوامل صح بلفظ المزارعة، و كذا لو كان من أحدهما الأرض و البذر، و من الآخر العمل، أو كان من أحدهما الأرض و العمل، و من الأخر البذر و بالجملة جميع الصور المتصورة في هذه الأربعة كلا أو بعضا بين المزارع و المزارع جائزة نظرا الى العموم و الإطلاق أت بلا خلاف أجده في شيء منها عندنا، بل ربما ظهر من بعضهم الإجماع عليه.

نعم في القواعد «في صحة كون البذر من ثالث نظر، و كذا لو كان البذر من ثالث، و العوامل من رابع» و في المسالك و جامع المقاصد ينشأ من عموم الأمر بالوفاء بالعقود، و الكون مع الشرط، و من توقف المعاملة سيما التي هي على خلاف الأصل على التوقيف من الشارع، و لم يثبت منه مثل ذلك، و الأصح في المزارعة قصة خيبر (1) و مزارعة النبي (صلى الله عليه و آله) اليهود على أن يزرعوها، و لهم شطر ما يخرج منها، و له شطره الأخر و ليس فيها أن المعاملة مع أكثر من واحد، و كذلك باقي النصوص التي وردت من طرقنا، و لأن العقد يتم باثنين، موجب و هو صاحب الأرض، و قابل،

____________

(1) الوسائل الباب- 8- و- 9- و- 10- من أبواب أحكام المزارعة و المساقاة و المستدرك ج 2 ص 502.

34

فدخول ما زاد يخرج العقد عن وضعه، و يحتاج إثباته إلى دليل، بل في الأول منهما:

الأجود عدم الصحة.

و أنكر عليه في الحدائق حاكيا له عن الأردبيلي أيضا بمنافاة ذلك لإطلاق الأدلة، و لما يفهم من خبر قصة خيبر، و أن اليهود كانوا كثيرين، و قد زارعهم النبي (صلى الله عليه و آله)، و لما هو معلوم جوازه في باقي العقود من تعدد الموجبين و القابلين إلا أن الجميع كما ترى، ضرورة عدم تناول الإطلاق لما هو المفروض الذي هو تركب العقد من ثلاثة أو أربعة على وجه تكون أركانا له، و أن المزارعة حينئذ مركبة من مالك أرض، و من ذي عمل، و من ذي عوامل، و من ذي بذر، فإنه لم يعهد في شيء من العقود كذلك، لا أن المراد عدم صحة وقوع المزارعة من أكثر من اثنين، بمعنى عدم جوازها من الشركاء في أرض مثلا أو عدم جوازها لجماعة على وجه الشركة في عمل الزراعة، فإن ذلك لا يتصور منعه ممن له أدنى دربة، بل يمكن القطع به من ملاحظة نصوص (1) الأكرة و العلوج و غيرهما، و قصة خيبر إنما هو من ذلك لا من محل الفرض الذي لا دليل على جوازه.

بل قد يستفاد من

قول الصادق (عليه السلام) في خبر أبي الربيع الشامي (2) و غيره المفروض فيه التسمية للبذر ثلثا و للبقر ثلثا «لا ينبغي أن يسمى بذرا و لا بقرا، و لكن يقول لصاحب الأرض: أزرع أرضك، و لك منها كذا و كذا نصفا أو ثلثا، أو ما كان من شرط و لا يسم بذرا و لا بقرا، فإنما يحرم الكلام»

عدم جواز ذلك و إلا كان ما في هذه النصوص ساقطا، إذ لم أر أحدا أفتى بمضمونها سوى ما يحكى عن ابن الجنيد قال: «و لا بأس باشتراك العمال بأموالهم و أبدانهم في مزارعة الأرض و إجارتها إذا كان على كل واحد قسط من المؤنة، و له جزء من الغلة، و لا يقول أحدهم ثلث للبذر، و ثلث للبقر، و ثلث للعمل، لأن صاحب البذر يرجع إليه بذره و ثلث الغلة من الجنس، و هذا ربا، فان جعل البذر دينا جاز ذلك».

____________

(1) الوسائل الباب 14 و 12 من أبواب أحكام المزارعة و المساقاة.

(2) الوسائل الباب- 8- من أبواب أحكام المزارعة و المساقاة الحديث- 10.

35

و عن ابن البراج لا يجوز أن يجعل للبذر ثلثا، و للبقر ثلثا، و يمكن إرادتهما أيضا ما ذكرناه، لكن في المختلف بعد أن ذكر النصوص المشتملة على ذلك «و الوجه الكراهة و لا ربا هنا، إذ الربا إنما يثبت في البيع خاصة».

قلت: ينافي الكراهة التعليل في النصوص بأنه

«إنما يحرم الكلام»

المراد منه بحسب الظاهر الحرمة و الفساد مع هذه التسمية و التوزيع، بخلاف ما لو جعل الحصة في مقابلة الزراعة، و إن كانت هي في الواقع ملحوظة في مقابلة ذلك كما هو واضح، و ليس المراد الربا حقيقة، بل المراد صورته أو في خصوص ما لو جعله قرضا مشترطا ذلك، و إلا فلا ربا قطعا في ثلث البقر مثلا كما هو واضح.

و من الغريب ما في حواشي المجلسي من أن قوله «للبذر ثلثا» إلى آخر يحتمل وجهين أحدهما: إن اللام للتمليك، فالنهي لكونهما غير قابلين للملك، و ثانيهما: أن يكون المعنى ثلث بإزاء البذر، و ثلث بإزاء البقر، فالنهي لشائبة الربا في البذر.

إذ هو كما ترى و لا ريب في أن الأولى حمل هذه النصوص على إرادة عدم جواز توزيع المزارعة، و إنما شرعيتها جعل الحصة على عمل الزرع، بل مقتضى ذلك عدم جواز بعض الصور التي قد سمعت أنها مجمع عليها، كتحقق المزارعة بدفع بقرة أو بعضها أو البذر أو بعضه، إلا أن الإجماع أخرجنا عن ذلك.

و أما ما في أيدي الناس الآن من اشتراك المالك و الفلاح و صاحب البذر أثلاثا فقد يقال إنها بعقدين لا عقد واحد، بمعنى أن المزارعة تكون بين صاحب الأرض و البذر، ثم صاحب البذر الذي هو المزارع يزارع الفلاح على النصف من حصته مثلا أو تكون بين صاحب الأرض و الفلاح، ثم هو يزارع صاحب البذر بالنصف من حصته مثلا، لما ستعرف من أن للمزارع أن يزارع، و إلا كانت محل اشكال، اللهم إلا أن يجعل مثلا ذلك سيرة كاشفة عن جواز مثل ذلك.

لكن لا ريب في أن الأحوط خلافه، بل لعل الأحوط عدم الاكتفاء في تحقق المزارعة، بدفع بعض العوامل، كما يستعمله أهل القرى من إعطاء الدابة بالسدس

36

أو أقل أو أكثر.

و كيف كان ف لو كان العقد على النحو المزبور بين الاثنين بلفظ الإجارة لم يصح، لجهالة العوض الذي هو الثلث و الربع، و لا يجوز مثله في الإجارة كما ستعرف بخلاف المزارعة.

أما لو آجره بمال معلوم مضمون في الذمة أو معين موجود من غيرها أو منها جاز و لو كان المضمون من جنس ما يزرع فيها، كما عرفت الكلام في ذلك مفصلا، بل قد عرفت أن الأصح عندنا جواز ذلك مزارعة و إن كان بلفظ الإجارة بناء على جواز العقد بالمجاز الدال على المراد في العقود اللازمة و الله العالم.

[المسألة الثانية إذا تنازعا في المدة فالقول قول منكر الزيادة مع يمينه]

المسألة الثانية: إذا تنازعا أي المزارع و رب الأرض في المدة فالقول قول منكر الزيادة مع يمينه سواء كان العامل أو المالك، لأصالة عدم استحقاقها لمدعيها و كذا لو اختلفا في قدر الحصة فادعى المالك قلتها، و ادعى العامل زيادتها فالقول قول صاحب البذر و إن كان هو مدعي الزيادة لأصالة تبعية النماء بلا خلاف أجده في شيء من الحكمين، لما عرفت، و لأن مدعي الزيادة فيهما لو ترك المنازعة لترك، فيكون مدعيها بهذا المعنى أيضا.

لكن في جامع المقاصد «لولا الإجماع لأمكن أن يقال: إن اتفاقهما على عقد تضمن تعيين مدة و حصة نقل عن الأصل المذكور، و كل منهما مدع لشيء، و منكر لما يدعيه، و ليس إذا ترك دعوى الزيادة مطلقا يترك، فإنه إذا ترك العمل طالبه به، نعم يجيء هذا إذا وقع الاختلاف عند انتهاء الأمر، و يجب التحالف».

و أجاب عنه في المسالك «بأن العقد المتضمن لهما إنما أخرج عن حكم الأصل في أصل المدة، و الحصة أما في قدر معين منهما فلا، فيبقى إنكار الزيادة فيهما بحاله لم يخرجه عن حكم الأصل، و المراد «بمن يترك إذا ترك» في نفس ذلك المدعى و هو هنا المدة الزائدة، و الحصة الزائدة أما العمل، فهو أمر خارج عن الدعوى، فلا أثر للمطالبة به في هذه المنازعة».

37

قلت: لا ريب في عدم التحالف في مسألة المدة لو كانت الدعوى في نفس استحقاق الزائد منها، من دون تعرض في الدعوى، لسببه، ضرورة كون إنكارها على مقتضى الأصل.

أما لو كانت الدعوى في سبب استحقاقها بعد اتفاقهما على كونه عقدا مشخصا و وقع النزاع في كيفية تشخيصه، فقال المالك مثلا: إنه بمدة قليلة، و قال العامل:

أنه بمدة كثيرة، فلا ريب في ان المتجه التحالف، لكون كل منهما مدعيا و منكرا و دعوى كل منهما مخالفة للأصل، و القلة و الكثرة بالنسبة إلى تشخيصهما العقد، على حد سواء، في مخالفة الأصل، إلا ان ظاهر الأصحاب هنا تقديم قول مدعى القلة حتى لو كانت الدعوى على الفرض المزبور.

و اما الحصة فالقول فيها قول صاحب البذر، و إن كانت الدعوى كذلك، لأصالة تبعية النماء، اللهم إلا ان يقال: إن التمليك هنا لعقد المزارعة المفيد تشريكا للعامل و المالك في نماء البذر و منفعة الأرض، و العمل و العوامل، سواء كان البذر من المالك أو العامل، فلا أثر حينئذ لتبعية النماء هنا، فإنه يفيد التمليك لو لم يكن ثم عقد مزارعة، أما معه فالتمليك مستند إليه لا إلى التبعية المزبورة، حتى بالنسبة إلى صاحبه، و حينئذ يتجه التحالف لولا ظهور اتفاق الأصحاب، على ان القول قول صاحبه، نعم لو فرض خروجه عنهما اتجه التحالف حينئذ لكنه كما ترى، ضرورة عدم تمليك عقد المزارعة ما هو ملك للإنسان نفسه، إذ النماء جزء من الأصل.

نعم قد يقال: إذا فرض كون الدعوى في تشخيص العقد المتفق على وقوعه بينهما فلا ريب في اقتضاء الأصل، نفي كل منهما، و موافقة مدعي القلة إذا كان البذر له لأصالة التبعية لا تقتضي ترجيحه على وجه يكون به منكرا، خصوصا مع إمكان معارضته بأصالة عدم استحقاق منفعة الأرض مثلا، بما ادعاه من الحصة لو كان البذر للعامل الذي يفرض دعواه القلة، بل لعل صاحب الأرض هو كصاحب اليد بالنسبة إلى ما يكون فيها.

38

و أما ما ذكره في المسالك في الرد على المحقق الثاني في توجيه كونه مدعيا بأنه «يترك إذا ترك» فهو في محله، ضرورة أنه يترك مطالبته بالعمل بالنسبة إلى ما ادعاه من الزيادة، لا غيرها من المدة التي اعترف بثبوتها عليه، و لو في ضمن الزيادة التي ادعاها كما هو واضح. هذا كله مع قطع النظر عن كلام الأصحاب، و إلا فلا محيص عن موافقتهم عليه بعد ثبوت إجماعهم عليه، بل قد يتكلف موافقته للقواعد أيضا بعد التأمل.

و على كل حال فإن أقام كل منهما بينة على ما ادعاه، بني الحكم على تقديم بينة الداخل و الخارج، و الأقوى الثاني و هو فيما نحن فيه مدعي الزيادة في المدة و الحصة لو لم يكن له البذر و حينئذ متى قامت البينتان على مقدار الحصة قدمت بينة العامل مع فرض خروجه بكون صاحب البذر المالك.

و قيل: يرجعان إلى القرعة التي هي لكل أمر مشكل و لا ريب في أن الأول أشبه بأصول المذهب و قواعده التي منها (1)

«البينة على المدعى و اليمين على من أنكر»

و بها حينئذ يرتفع الإشكال الذي هو وصف موضوع حكم القرعة إنما الكلام في إطلاق المصنف تقديم قول العامل، و كذا ما في المختلف قال:

«لو اختلفا في الحصة فالقول قول صاحب البذر مع يمينه، فإن أقام كل بينة قدمت بينة العامل، لأنه الخارج، و لأن القول قول المالك، فالبينة بينة العامل، و قيل: يرجعان إلى القرعة و ليس بجيد» و يمكن تنزيله على ما إذا كان المالك صاحب البذر، أو يقال بتقديم بينة العامل هنا و إن كان صاحب البذر، لأنه و إن كان داخلا بالنسبة إلى قبول قوله عند عدم البينة، لأصالة التبعية، لكنه خارج عند قيام البينة، لكون صاحب الأرض هو ذو اليد على ما فيها، و الأصل عدم خروج منفعتها إلا بقوله، فيكون العامل حينئذ خارجا فتأمل جيدا.

[المسألة الثالثة لو اختلفا فقال الزارع أعرتنيها و أنكر المالك حلف على نفي العارية]

المسألة الثالثة: لو اختلفا فقال الزارع: أعرتنيها، و أنكر المالك حلف على نفي العارية و إن ادعى مع ذلك الحصة أو الأجرة و لا بينة له

____________

(1) المستدرك ج 3 ص 199.

39

فإنه منكر بالنسبة إلى نفي العارية على كل حال، و حينئذ فالقول قوله أي صاحب الأرض بالنسبة إلى ذلك و لكن تثبت له أجرة المثل المساوية لما ادعاه أو الأقل منه لا الزائدة على ما ادعاه من الحصة و الأجرة المسماة إلا أنه مع يمين الزارع على نفيهما، حيث يحتاج إليه كما لو فرض زيادتهما عن أجرة المثل أما مع فرض قلتهما عن ذلك، فلا حاجة إليه، ضرورة وجوب ذلك عليه بيمين صاحب الأرض على نفي العارية فإنه يثبت له الأقل من أجرة المثل، و مما ادعاه، لأنه مع فرض زيادة أجرة المثل عنه قد اعترف المالك أنه لا يستحق أزيد مما ادعاه من الحصة و الأجرة، و حينئذ يتجه يمين الزارع على نفيهما مع فرض زيادتهما على ذلك، أما مع المساواة أو القلة فلا فائدة فيه، لوجوب تأديته ذلك على كل حال.

نعم لو فرض تعلق غرض مخصوص بكون الأجرة عينا مشخصة مثلا أو لإرادة عدم الإعطاء من خصوص الزارع، اتجه حينئذ يمينه على نفي دعوى المالك، و الرجوع إلى أجرة المثل.

و من الغريب ما في الحدائق «من كون المتجه في المسألة ثبوت أجرة المثل و إن زادت على دعوى المسمى، محتجا بأن التحالف يسقط الدعوى و يبطلها، و ينزلها منزلة العدم، فلا يؤخذ المالك باعترافه بالإجارة بالأقل، إذ هو غلط فاحش، ضرورة اقتضاء اليمين نفي ما يكون على الحالف، لا إسقاط مقتضى حكم الإقرار في حق من له اليمين كما هو واضح، و أفحش منه ما عن الأردبيلي في نظير المسألة من أن القول قول مدعى العارية لأصالة براءة الذمة، و لان اليمين على نفي الإجارة و المزارعة يوجب سقوط الأجرة و الحصة، و عوضهما الذي هو اجرة المثل لذهاب اليمين بما فيها».

و فيه أن أصل البراءة مقطوع بقاعدة الضمان، المستفادة من قوله (1) «من

____________

(1) قاعدة مستفادة من مضامين الأخبار.

40

أتلف» (1)

و «على اليد»

و نحوهما، و إلا للزم عدم ضمان كل متلف، لكل مال شخص بدعوى الهبة، بل لا يحتاج إلى الدعوى بأصالة البراءة و التزامه واضح الفساد و الفرق بين المنفعة و العين أوضح فسادا، و ذهاب اليمين بما فيها إنما هو بالنسبة إلى خصوص ما نفته من الحصة و الأجرة المسماة، لا غيرها كما هو واضح.

و على كل حال فقد ظهر لك ضعف ما قيل: في أصل المسألة من أنه تستعمل القرعة لكل أمر مشكل و لا إشكال بعد ما عرفت فلا ريب في أن القول الأول أشبه بأصول المذهب و قواعده، بل لم نعرف القائل بالقرعة هنا بالخصوص.

و كيف كان ف للزارع تبقية الزرع إلى أوان أخذه بلا خلاف و لا إشكال معتد به لأنه مأذون فيه باتفاق منهما، فيكون له حق البقاء، بناء على العمل بمفهوم

قوله (2) «لا حق لعرق ظالم»

بل ليس للمالك المطالبة بالقلع، إلزاما له بدعواه الإجارة و المزارعة.

نعم ليس له منعه لو أراد الزارع أخذه قصيلا، لعدم ثبوت حق له فيه بعد فرض يمينه على نفي المزارعة، كما أنه ليس للعامل حق الإبقاء بناء على جواز الرجوع بالعارية و إن كانت للزرع، أخذا له بإقراره بدعوى العارية كما هو واضح، هذا كله مع كون الدعوى على الفرض المزبور.

أما لو قال: المالك في جوابه غصبتنيها حلف المالك على نفي العارية و كان له إزالته و المطالبة بأجرة المثل، و أرش الأرض إن عابت، و طم الحفر إن كان غرسا لكونه حينئذ بحكم الغاصب الذي يترتب عليه ذلك. و لم يكن ثم إقرار من المالك يلزم به، و ليس هو من التداعي الأول الذي يتوجه فيه يمين على مدعى العارية، فما عن التذكرة- من أنه يحلف العامل على نفي الغصب- في غير محله خصوصا بعد اعترافه بترتب الأحكام المزبورة التي يكفي فيها عدم تحقق الاذن من

____________

(1) المستدرك ج 2 ص 504.

(2) الوسائل الباب- 33 من أبواب الإجارة الحديث- 3 المستدرك ج 3 ص 149.

41

المالك، الحاصل بيمينه على نفي العارية التي يدعيها الزارع كما هو واضح.

[المسألة الرابعة للمزارع بالفتح أن يشارك غيره في حصته]

المسألة الرابعة: للمزارع بالفتح أن يشارك غيره في حصته و أن يزارع عليها غيره بحصته أو أقل منها و لا يتوقف ذلك على إذن المالك بلا خلاف أجده في شيء من ذلك، بل عن ظاهر الغنية الإجماع عليه، لانتقال المنفعة إليه بعقد المزارعة (1) و «الناس مسلطون على أموالهم».

نعم ليس له تسليم الأرض إلا بإذن المالك على الوجه الذي تسمعه في كتاب الإجارة، و في موثق سماعة (2) دلالة على ذلك في الجملة «قال سألته عن المزارعة قلت:

الرجل يبذر في الأرض مأة جريب أو أقل أو أكثر طعاما أو غيره، فيأتيه رجل فيقول له: خذ مني نصف ثمن هذا البذر الذي زرعته في الأرض و نصف نفقتك علي، و أشركني فيه قال: لا بأس، قلت: و إن كان الذي بذر فيه لم يشتره بثمن، و إنما هو شيء كان عنده، قال: فليقومه قيمة كما يباع يومئذ، ثم ليأخذ نصف الثمن، و نصف النفقة و يشاركه».

و لعله لذا اشترط بعضهم فيما حكي عنه في جواز المزارعة و المشاركة كون البذر منه، ليكون تمليك الحصة منوطا به، قال: و به يفرق بينه و بين عامل المساقاة، حيث لا يصح له أن يساقي غيره كما سيأتي، و لأن البذر إذا كان من صاحب الأرض، فالأصل أن لا يتسلط عليه إلا مالكه، أو من أذن له، و هو المزارع، و استحسنه في المسالك في المزارعة، قال: «أما المشاركة فلا. لأن المراد بها أن يبيع بعض حصته في الزرع مشاعا بعوض معلوم، و هذا لا مانع منه، لملكه لها فيتسلط على بيعها كيف يشاء، بخلاف ابتداء المزارعة، إذ لا حق له حينئذ إلا العمل، و به يستحق الحصة مع احتمال الجواز مطلقا، لأن لزوم عقدها اقتصى تسلطه على العمل بنفسه و غيره و تملكه للمنفعة و التصرف في البذر بالزرع و إن لم يكن بنفسه، حيث لا يشترط عليه الاختصاص، فيجوز نقله إلى الغير كما يجوز الاستنابة، و يضعف بأن البذر

____________

(1) البحار ج 2 ص 274- الطبعة الحديثة.

(2) الوسائل الباب- 13- من أبواب أحكام المزارعة الحديث- 1.

42

حينئذ ليس ملكا له، و إنما هو مأذون في التصرف بالزرع فيه، و به يملك الحصة و قد يقال: إن هذا كاف في جواز مزارعة الغير، لأنها عبارة عن نقل حقه في ذلك إليه و تسليطه على العمل فيجوز له كما يجوز له التوكيل فيه و الاستنابة بغيرها من الوجوه- ثم قال: هذا كله إذا لم يشترط المالك عليه العمل بنفسه، و إلا لم يجز المشاركة و لا المزارعة بحيث يصير العمل كله أو بعضه متعلقا بغيره، و لا يرد أن ذلك يقتضي منع المالك من التصرف فيما له، فيكون منافيا للمشروع، لأن

«الناس مسلطون على أموالهم»

لأن ذلك حيث لا يعارضه حق غيره، و إلا لم تتم الكلية، ضرورة تخلفها في كثير كالراهن و المفلس».

قلت: قد تبع بذلك كله أو أكثره ما في جامع المقاصد، لكن لا يخفى عليك ما في تفسيرهما المشاركة المذكورة في المتن و غيره، خصوصا بعد قول المصنف و غيره لو شرط المالك الزرع بنفسه لزم، و لم تجز المشاركة إلا بإذنه ضرورة أنه لا معنى لمنعها، بناء على أنها عبارة عن شراء بعض حصة العامل بعد ظهورها، و ملكه إياها، لعدم منافاة ذلك لاشتراط الزرع بنفسه، حتى لو احتاجت بعد إلى العمل الذي يمكن شراء الحصة منه، مع المحافظة على البقاء علي العمل بنفسه الذي هو في الحقيقة لحصته و حصة رب الأرض، فليس هو مستحقا له أجمع، و الفرض كون الشركة في حصته.

و من هنا أنكر الأردبيلي فيما حكي عنه على التفسير المذكور، و قال: «إن ظاهر العبارات أعم من ذلك، بل غير ذلك و هو شركة غيره معه بالعمل المشروط له عليه ببعض الحصة المشروطة له، فكأنه يرجع إلى المزارعة في البعض، و هو جيد و لا ينافيه حينئذ ذكر المزارعة بعدها المحمول على إرادة عدم شركته معه في العمل، بل يكون المزارع الثاني هو المستقل، و يكون للاول من نفس منفعة الأرض مثلا.

أو يقال: إن المراد الشركة معه في العمل ببعض الحصة بطريق الصلح.

و من التأمل فيما ذكرنا يظهر أنه لا وجه للمنع من مزارعة الغير حتى مع اشتراط الاختصاص في العمل، إذ لا يعتبر في تحقق المزارعة العمل من المزارع كما

43

عرفته سابقا، بل يكفي فيها دفع العوامل أو بعض البذر، بل يمكن مزارعة الغير على وجه يكون هو الأجير له في العمل.

و لعله لذا اقتصر المصنف على عدم جواز المشاركة مع اشتراط الزرع بنفسه بخلافه في القواعد حيث قال: «و للمزارع أن يشارك غيره، و أن يزارع عليها غيره و إن لم يأذن المالك».

نعم لو شرط الاختصاص لم تجز المشاركة و لا المزارعة، اللهم إلا أن يريد الاختصاص بالحصة أيضا، لكن في صحة هذا الشرط حينئذ بحث، لعموم تسلط الناس، و لما حكي من الإجماع في كتاب البيع على عدم صحة مثل هذا الشرط، و قياس ذلك على الراهن و المفلس في غير محله، و كان الذي أوقع ثاني المحققين، و الشهيدين في التزام ذلك تفسيرهم الشركة هنا بما سمعت، و فيه ما عرفت، كما أنه لا يخفى عليك ما في الوسوسة في عدم اعتبار كون البذر منه في جواز المزارعة أيضا، ضرورة كون ذلك مقتضى العمومات، و المنع في المساقاة- إن كان الإجماع أو غيره- لا يقتضي المنع هنا، بل عن ظاهر الغنية الإجماع عليه، بل لم نعرف القائل به بالخصوص، عدا ما في الحواشي المنسوبة إلى الشهيد من نسبته إلى عميد الدين، و لا ريب في ضعفه لما عرفته من كفاية عقد المزارعة في تمليك الحصة من غير حاجة إلى ملك البذر، كالمزارع الأول و الخبر الأول لا دلالة فيه على ذلك بل لعله خارج عما نحن فيه، بكون المراد منه السؤال عن المزارعة بهذا الوجه، أي تملك الزرع بالطريق المذكور، لا أن المراد عقد المزارعة و لا أن العامل باعه ما ملكه بالمزارعة فتأمل جيدا.

[المسألة الخامسة خراج الأرض و مؤنتها على صاحبها]

المسألة الخامسة: خراج الأرض و مؤنتها كأجرتها و نحوها على صاحبها لأصالة براءة ذمة العامل الذي لم يوجب عليه عقد المزارعة ذلك و نحوه بل

في خبر سعيد الكندي (1) «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إني آجرت قوما أرضا فزاد السلطان عليهم، قال: أعطهم فضل ما بينهما، قلت: أنا لم أظلمهم و لم أزد عليهم قال: إنهم إنما زادوا على أرضك».

____________

(1) الوسائل الباب- 16- من أبواب أحكام المزارعة الحديث- 10.

44

و إن قال في الرياض: «فيه قصور من حيث السند، و مخالفة في المتن لقاعدة «لٰا تَزِرُ وٰازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرىٰ» و لذا قال الراوي ما سمعت، ثم قال: و يستفاد من التعليل انسحاب الحكم في كل موضع يشابه مورده، كما يتفق كثيرا في بلادنا من الظلم على سكنة الدور بمال يكتب عليها، فمقتضى الأصل و القاعدة براءة ذمة أربابها و صرف الغرامة إلى السكنة: فان المظلوم من ظلم، و لكن الحال في السند كما ترى، و لا أجد له جابرا، فيشكل الحكم به هنا أيضا».

قلت: لعل ما في الخبر المزبور من الخراج الذي هو على مالك الأرض، ضرورة عدم تقديره بقدر فقد يزيد السلطان فيه، و قد ينقص، لاختلاف الأزمنة و الرجوع به على المالك إنما هو باعتبار أخذ السلطان العوض عنه، فكأنه قد اشترى من السلطان ذلك إلا ان يشترطه على الزارع فيلزم حينئذ.

لكن في المسالك «لو شرط عليه الخراج فزاد السلطان فيه زيادة، فهي على صاحب الأرض، لأن الشرط لم يتناولها، و لم تكن معلومة، فلا يمكن اشتراطها و لو شرطا ذلك أو بعضه عليها، أو إخراجه من الأصل و الباقي بينهما فهو كما لو شرط المالك زيادة على العامل، لأنه بمعناه».

و أشكله بعض الناس بأنه مناف لما يفيده ظاهر جملة من النصوص من اغتفار مثل هذه الجهالة، ف

في صحيح داود بن سرحان (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في الرجل تكون له الأرض يكون عليها خراج معلوم، و ربما زاد و ربما نقص فدفعها الى الرجل على أن يكفيه خراجها، و يعطيه مأتي درهم في السنة، قال: لا بأس».

و في صحيح يعقوب بن شعيب (2) عنه أيضا «سألته عن الرجل تكون له الأرض من أرض الخراج فيدفعها إلى رجل على أن يعمرها و يصلحها و يؤدي خراجها، و ما كان من فضل فهو بينهما. قال: لا بأس».

بل في الحدائق أنه ورد في النصوص ما هو أعظم من ذلك و هو إجارتها أو قبالتها

____________

(1) الوسائل الباب- 17- من أبواب أحكام المزارعة الحديث- 1.

(2) الوسائل الباب- 10- من أبواب أحكام المزارعة الحديث- 2.

45

بما عليها من الخراج قل أو كثر،

قال إبراهيم بن ميمون (1) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قرية لأناس من أهل الذمة لا أدري أصلها لهم أم لا، غير أنها في أيديهم و عليهم خراج، فاعتدى عليهم السلطان فطلبوا إلى فأعطوني أرضهم و قريتهم على أن أكفيهم السلطان بما قل أو كثر ففضل لي بعد ذلك فضل بعد ما قبض السلطان ما قبض قال:

لا بأس بذلك، لك ما كان من فضل».

و في صحيح أبي بردة بن رجا (2) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن القوم يدفعون أرضهم إلى رجل فيقولون: كلها و أد خراجها قال: لا بأس إذا شاؤوا أن يأخذوها أخذوها».

و خبر أبي الربيع (3) «قال أبو عبد الله (عليه السلام) في رجل يأتي على قرية و قد اعتدى عليهم السلطان فضعفوا عن القيام بخراجها و القرية في أيديهم، و لا يدري هي لهم أم لغيرهم فيدفعونها إليه على أن يؤدى خراجها فيأخذها منهم، و يؤدى خراجها و يفضل بعد ذلك شيء كثير قال: لا بأس بذلك إذا كان الشرط عليهم بذلك».

لكن في الرياض بعد أن ذكر صحيح ابن سرحان قال: «و نحوه غيره، و في الدلالة ضعف، فان غايته نفي البأس الغير الملازم للزوم الذي هو المطلوب، لأعميته منه، فقد يجامع جواز الرجوع، و يكون المطلوب من نفي البأس حينئذ بيان الجواز مع حصول التراضي، ألا ترى إلى الصحيح، أي صحيح أبي بردة (4) قد حكم فيه بنفي البأس عن نحو ذلك، مع تصريحه بجواز الرجوع، فظهر أن المراد من نفي البأس حيث يطلق. إنما هو بيان الجواز المطلق لا اللزوم، إلا أن يقال: بأن المقصود من التمسك بنفي البأس إنما هو إثبات الجواز، دفعا لما يتوهم من النهي عنه الناشي من الجهالة، و حيث ثبت الجواز ثبت اللزوم، حيث يذكر في العقد اللازم عملا بما دل على لزومه، و هذا هو السر في تمسك الأصحاب في القول بلزوم كثير من الشروط

____________

(1) الوسائل الباب- 17- من أبواب أحكام المزارعة الحديث- 2.

(2)) الوسائل الباب- 17- من أبواب أحكام المزارعة الحديث- 3.

(3) الوسائل الباب- 17- من أبواب أحكام المزارعة الحديث- 4.

(4) الوسائل الباب- 17- من أبواب أحكام المزارعة الحديث- 3.

46

في العقود اللازمة بالنصوص التي غايتها نفي البأس عنها، لا الحكم بلزومها، و لكن هذا يتم لو دلت النصوص على نفي البأس عنها و إن ذكرت في العقد اللازم، و إلا فالتمسك بها لذلك محل إشكال، إذ المناط في نفي البأس حيث يذكر في غير العقود اللازمة هو حصول المراضاة، و الغرر و الجهالة لعلهما مغتفران معها فيما عداها، لجواز الرجوع بعد ظهور الغرر دونها، لعدم جوازه فيها للزومها، و لعله لذا نهى عنها، و نصوص المسألة لعلها من هذا القبيل. إذ لم يذكر فيها وقوع اشتراط ذلك في عقد لازم، فكيف يستدل بها على الجواز و لو ذكر فيه، إلا أن يتمسك بإطلاق نفي البأس الشامل لصورتي وقوع الشرط في ضمن العقد اللازم و غيره، إلا أن في الخروج بمثله عن عموم ما دل على النهي عن الغرر و الجهالة إشكالا.

قلت: لعل الوجه في إطلاق النص و الفتوى صحة هذا الشرط أنه من اشتراط كون حق الخراج عليه، نحو اشتراط حق الزكاة على مشتري الثمرة مع عدم العلم بمقدارها فلا يقدح جهالة ما يؤديه عن ذلك، إذ ليس هو اشتراط قدر، بل هو اشتراط حق، و ربما لا يؤدى عنه شيئا، و مرجعه إلى صيرورة الزارع كالمالك في تعلق هذا الحق به، الذي لا إشكال في صحة اشتراطه عليه، و لو مؤكدا و مثل ذلك ليس من الجهالة في شيء كما هو واضح.

و لعله لذا أطلق المصنف و غيره صحة الشرط المزبور مع معلومية كون الخراج قد يزيد و ينقص، كما سمعت التصريح به في النص، و اعتبار المعلومية إنما وقع في كلام بعض المتأخرين، و أنكره عليه بعض من تأخر عنه، فمن الغريب ما سمعته من فاضل الرياض من التردد في ذلك.

ثم إن المراد بالمؤنة على ما استظهره في المسالك ما يتوقف عليه الزرع، و لا يتعلق بنفس عمله و تنميته كإصلاح النهر و الحائط و نصب الأبواب إن احتيج إليها، و إقامة الدولاب و ما لا يتكرر كل سنة، كما فصلوه في المساقاة، و المراد بالعمل الذي على الزارع ما فيه صلاح الزرع و بقاؤه مما يتكرر كل سنة كالحرث و السقي و آلاتهما و تنقية النهر من الحمأة و حفظ الزرع و حصاده و نحو ذلك، ثم قال: «فكلامهم في

47

هذا المحل قاصر جدا، هذا كله إذا لم يشترط ذلك على الزارع، فان شرط عليه لزم إذا كان القدر معلوما، و كذا لو شرط بعضه معينا أو مشاعا مع ضبطه».

قلت: لا إشكال في كون المرجع فيما ذكره مع الإطلاق تعارف ما هو على المالك أو العامل، و إلا أشكل الحال.

و قد يقال: إن المراد بمؤنة الأرض- بقرينة ذكرهم لها مع الخراج- ما كان مثله من أجرة الأرض عوض قبالتها، و نحو ذلك مما هو سبب في الاستيلاء علي كون الأرض بيده، إجارة و زراعة و غيرهما، و لعل هذا أقرب عند التأمل و الله العالم.

[المسألة السادسة كل موضع يحكم فيه ببطلان المزارعة تجب لصاحب الأرض أجرة المثل]

المسألة السادسة: كل موضع يحكم فيه ببطلان المزارعة تجب لصاحب الأرض أجرة المثل إن كان البذر من العامل الذي يكون منه الحاصل حينئذ، كما أنه لصاحبها إن كان البذر منه، و لكن عليه أجرة مثل العامل و العوامل، و لو كان البذر منهما فالحاصل بينهما على النسبة، و لكل منهما على الآخر أجرة مثل ما يخصه على نسبة ما للآخر فيه من الحصة، فإذا كان البذر بينهما مثلا، رجع المالك بنصف أجرة أرضه، و العامل بنصف أجرة عمله و عوامله و آلاته.

و على هذا قياس باقي الأقسام، و لو كان البذر من ثالث فالحاصل له، و عليه أجرة مثل الزرع و باقي الأعمال و آلاتهما، بلا خلاف في شيء من ذلك أجده، كما اعترف به في الرياض، و وجهه ما تقدم غير مرة، و خصوصا في قاعدة «ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده» بل في الرياض هنا «إن إطلاق العبارة كغيرها يقتضي عدم الفرق في ثبوت الأجرة لمن ليس له البذر على الآخر في مقابلة أرضه أو عمله بين أن يكون هناك حاصل أم لا.»

و هو كذلك مع فرض شغل الأرض بالبذر، و العمل من العامل، أما مع فرض عدم استعمال العامل الأرض، لاقدام منه على مخالفة عقد المزارعة الذي بان فساده، أو لعلمه بالبطلان أو غير ذلك فقد يشكل ضمانه الأجرة حينئذ، بأصالة براءة الذمة مع فرض عدم منع المالك منها، خصوصا مع علمه بالبطلان، اللهم إلا أن يفرض كونها في يده التي هي يد ضمان، ضرورة عدم الاذن في ذلك، لفرض انحصارها في العقد

48

المفروض بطلانه، فتبقى الأرض حينئذ في يده بحكم الغصب.

لكن مع ذلك لا يخلو من نظر و تأمل، كما أنه لا يخلو إطلاقهم الأجرة الشامل لصورتي علمهما و جهلهما، و علم أحدهما خاصة- من تأمل، خصوصا بعد ما تسمعه منهم في المساقاة من التصريح بعدم الأجرة للعامل مع العلم ببطلانها، لكونه حينئذ متبرعا، و المسألة من واد واحد، و لولا ذلك لأمكن توجه الإطلاق هنا بأنه لا ملازمة بين العلم بالبطلان و المجانية، بعد فرض كون دفع الأرض و العمل بعنوان تلك المزارعة الباطلة، فتبقى حينئذ على قاعدة «احترام مال المسلم و عمله،» كما صرح به بعضهم في غير المقام، كالبيع الفاسد و الإجارة الفاسدة، و كذا لا يخلو الإطلاق المزبور من اشكال بعد تقييدهم له في المساقاة بما إذا لم يكن البطلان من اشتراط عدم الحصة، و إلا كان متبرعا، فان نظيره هنا أيضا آت، و إن كان يمكن أن يقال:

إن رضاه بعدمها إنما كان بعنوان العقد الذي قد فرض فساده، فلا إذن حينئذ فيبقى تحت القاعدة التي ذكرناها فلاحظ و تأمل.

[المسألة السابعة يجوز لصاحب الأرض أن يخرص على الزارع]

المسألة السابعة: يجوز لصاحب الأرض أن يخرص على الزارع، و الزارع بالخيار في القبول و الرد، فان قبل كان استقرار ذلك مشروطا بالسلامة، فلو تلف الزرع بآفة سماوية أو أرضية، لم يكن عليه شيء كما أوضحنا ذلك كله مع باقي فروع المسألة في بيع الثمار، فلاحظ و تأمل هذا.

و لكن بقي هنا أمور لم يذكرها المصنف، منها: ان البذر مع إطلاق المزارعة من العامل أو الهالك، صرح الفاضل في القواعد بالأول، و عن بعض العامة الثاني، و ظاهر موضع من التذكرة وجوب التعيين.

قلت: لا كلام مع فرض انصراف للإطلاق، فإنه المتبع حينئذ من غير فرق بين البذر و غيره، و أما مع عدمه فيحتمل التعيين- و إلا بطل العقد للغرر،- و أن يكون على العامل، ل

قوله (عليه السلام) (1) في جواب السؤال عن المزارعة «النفقة منك، و الأرض لصاحبها»

فيكون حينئذ كالأصل الشرعي في ذلك.

____________

(1) الوسائل الباب- 10- من أبواب أحكام المزارعة و المساقاة الحديث- 2.

49

و منها أن الحب الثابت في الأرض في العام الأخر الذي هو غير عام المزارعة إن كان لأحدهما كان النماء له، و عليه أجرة الأرض إن كان لغير مالكها، و إن كان من مال المزارعة كان بينهما على حسب النسبة، و يخصه من الأجرة مقدار نصيبه، لكن مع فرض كون الحب من الذي هو معرض عنه على وجه يجوز للملتقط التقاطه فهل هو كذلك لأنه لا يزول عن الملك بالاعراض، بل به مع الاستيلاء، و الفرض عدمه إلى أن صار زرعا، و الفرض عدم الاعراض عنه في هذا الحال، أو أنه يكون لصاحب الأرض، لأنه من توابعها و نمائها، بل لعل كونه فيها نوع استيلاء من المالك عليه وجهان، إلا أنه جزم في التذكرة بأنه بينهما على كل حال، خلافا لبعض العامة.

و منها: أن ما جاء في النصوص هنا من قبالة الأرض بشيء معلوم، سنين معلومة، و عليه خراجها و عمارتها أو قبالتها بخراجها و عمارتها، أو بغير ذلك مما تضمنته اخبار المقام هل هو عقد برأسه، و إن أفاد فائدة المزارعة و الإجارة و الصلح في بعض الموارد، أو أن المراد من لفظ التقبيل هنا ما ينطبق على ذلك المورد من العقود المعهودة و لو الصلح وجهان، أو قولان، أقواهما الثاني كما أوضحناه في مسألة الخرص في بيع الثمار، لعدم إفراد الأصحاب بابا للقبالة على وجه يعرف به كونها من العقود المتعارفة في ذلك الزمان، و لم يتعرضوا لألفاظ هذا العقد، و لا لشرائطه و لا لأحكامه و لا لموارده، و ذلك كله قرينة على أنهم فهموا من لفظ التقبيل ما ذكرناه، فالتعبير به حينئذ كالتعبير بالأخذ و التناول و نحوهما مما يعلم عدم إرادة كونه عقد برأسه، و دعوى عدم صلاحية جميع العقود لبعض مواردها، فيدل على أنها عقد برأسه قد أوضحنا فسادها في مسألة الخرص من بيع الثمار، فلاحظ و تأمل.

و منها: أنه حيث يستحق المالك قلع الزرع فهل يضمن الزكاة لمستحقها لو فرض بلوغه حد تعلقها إذا قلعه؟ وجهان بل قولان، لأن ظاهر المحكي عن ابن الجنيد الأول، و ظاهر الفاضل في المختلف الثاني، و الله العالم هذا كله في المزارعة.

50

[أما المساقاة]

و أما المساقاة

[تعريف المساقاة]

فهي جائزة بالإجماع من علمائنا و أكثر العامة، خلافا لأبي حنيفة و زفر، فأنكراها للجهالة و الغرر، و لا ريب في ضعفه، للنصوص المروية من الطرفين في قصة خيبر (1) و غيرها، بل لعلها من طرقنا متواترة أو مقطوع بمضمونها.

نعم ليس في شيء منها تصريح بلفظ المساقاة، إلا أنها دالة صريحا أو ظاهرا على مشروعية معاملة على سقي أصول ثابتة بالثاء المثلثة أو بالنون كالنخل و الشجر بحصة من حاصلها و لا نعني بالمساقاة إلا ذلك.

بل أطنب بعض الأفاضل في أن تسمية هذه المعاملة بالمساقاة اصطلاح جديد حدث بعد زمان الشارع، بل قال: إنه بعد زمان الصحابة و التابعين، فإن المساقاة في اللغة كما صرح به في القواعد و غيره مفاعلة من السقي، كما يقتضيه اشتقاق الصيغة و لم يذكر أحد من اللغويين ورود المساقاة في اللغة بالمعنى الذي ذكره الفقهاء، و لا وجدنا ذلك في استعمالات العرب، و لو كان ثابتا لذكره أهل اللغة، كما ذكروا المزارعة و غيرها من ألفاظ المعاملات الثابتة في اللغة، و نقلها إلى هذا المعنى في عرف الشارع أو الأئمة (عليهم السلام) غير ثابت، إذ لا ذكر للمساقاة في الكتاب و السنة، و لا في الأحاديث المروية عن أهل البيت (عليهم السلام)، و لذا لم يعقد أحد من أصحاب الحديث كالكليني و الصدوق بابا للمساقاة، و إنما أوردوا الأحاديث المتعلقة بها في باب المزارعة، و النقل إلى المعنى فرع الاستعمال فيه، فما لم يثبت الاستعمال لم يثبت النقل، و ثبوته عند الفقهاء إنما يقتضي الحقيقة الشرعية على القول بثبوتها لو ثبت استعمال الشارع إياها في المعنى المعروف، لا مطلقا، إذ لا ريب في أن للفقهاء و المتكلمين و الأصوليين اصطلاحات كثيرة، ليست بحقائق شرعية فلا يلزم من كون المساقاة حقيقة في هذا المعنى في عرف

____________

(1) الوسائل الباب- 8- 9- 10- من أبواب أحكام المزارعة.