جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام - ج28

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
476 /
3

[تتمة القسم الثاني في العقود]

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

و به نستعين

[كتاب الوقوف و الصدقات]

كتاب الوقوف و الصدقات

[أما الوقف]

و تمام النظر فيه يحصل في العقد، و الشرائط، و اللواحق

[النظر الأول في العقد]

الأول: الوقف عقد ثمرته تحبيس الأصل و إطلاق المنفعة كما في القواعد و التنقيح و إيضاح النافع و الكفاية على ما حكى عن بعضها بل و في النافع و اللمعة أيضا لكن ترك ذكر العقد، كما هو المحكي عن المبسوط، و فقه القرآن للراوندي و الوسيلة و السرائر و الجامع و المهذب البارع، و مجمع البرهان إلا أنه تبديل الإطلاق بالتسبيل كما

في النبوي (1) «حبس الأصل و سبل المنفعة»

إلا ان المتأخرين أبدلوه بالإطلاق لما قيل من أنه أظهر في المراد من التسبيل الذي هو إباحتها للجهة الموقوف عليها بحيث يتصرف كيف شاء كغيره من الأملاك، لكن في الصحاح سبل فلان ضيعته أى جعلها في سبيل الله تعالى، و من هنا كان التعبير بالتسبيل أولى، بناء على ارادة ذلك من الإطلاق القابل للتحبيس كما هو مقتضى ابداله بذلك في المتن و غيره لإشعاره باعتبار القربة حينئذ و أنه من الصدقات، كما في النهاية و محكي المراسم أن الوقف و الصدقة شيء واحد و لعله لذا عرفه في الدروس بأنه الصدقة الجارية، بل في المسالك و محكي التذكرة و المهذب البارع و التنقيح «قال العلماء: المراد بالصدقة الجارية الوقف».

و على كل حال فقد ذكرنا غير مرة أن المقصود من أمثال هذه التعاريف التمييز في الجملة، فلا ينبغي نقض تعريف المصنف بالسكنى و أختيها، و الحبس، و تعريف الدروس بنذر الصدقة و الوصية و لا الجواب عن الأول بإرادة الحبس على الدوام، و كان الاختلاف في ذكر العقد

____________

(1) المستدرك ج 2 ص 511 لكن فيه

«و سبل الثمرة»

4

و عدمه على نحو ما سمعته في البيع و نحوه من أنها اسم للعقود، أو للمعنى الحاصل منها، و إن لم نقل بمشروعية المعاطاة فيه، أو لما تسمعه من الخلاف باعتبار القبول فيه و عدمه، المقتضى للاختلاف في عقد أولا كما ستسمع.

و كيف كان ف اللفظ الصريح فيه وقفت بلا خلاف كما في المسالك، و محكي التذكرة و جامع المقاصد، بل في محكي السرائر و التحرير و التنقيح و إيضاح النافع الإجماع على صراحتها فيه.

نعم عن الشافعي في بعض أقواله أنها كناية عن الوقف، و عن الفاضل في التذكرة أنه من أغرب الأشياء، و نفى الغرابة عنه بعض متأخري المتأخرين باستعمال لفظ الوقف في مجرد الحبس و السكنى و الرقبى و العمرى، في صحيح ابن مهزيار (1)، و الصفار (2) و فيه أن الاستعمال مجازا لا ينافي الصراحة المراد منها وضع اللفظ لذلك كما هو واضح.

نعم الظاهر أنها الصريحة أما و في بعض اللغات الشاذة أوقفت، و لا بأس بالعقد بها على شذوذها أما لفظ حرمت و تصدقت فلا خلاف في عدم صراحتهما فيه كما اعترف به غير واحد بل حكى الإجماع في المسالك، و محكي التنقيح فلا يحمل على الوقف إلا مع القرينة لاحتمالهما مع الانفراد عن قرينة حال أو مقال غير الوقف لاشتراكهما بينه و بين غيره.

و لكن لو نوى بذلك الوقف من دون القرينة دين بنيته كما عن الخلاف و المبسوط و الغنية و السرائر و غيرها من كتب المتأخرين، بل لا أجد فيه خلافا كما اعترف به بعض مشايخنا، بل و لا في أنه يدان بنيته إن لم يقصد الوقف بما هو صريح فيه إذا لم يكن له معارض، لكن قد يشكل الأول بعدم الاجتزاء بمثل ذلك في غيره من العقود اللازمة، بل المشهور فيما بينهم عدم انعقادها بالمجازات، و إن كان خلاف المختار إلا أنه على كل حال لا بد من اعتبار الدال على القصد في حصول أصل العقد، لا الحكم به، لأنه المتيقن من السببية و إن لم

____________

(1) الوسائل- الباب- 7- من أبواب أحكام الوقوف- الحديث- 1.

(2) الوسائل- الباب- 7- من أبواب أحكام الوقوف- الحديث- 2.

5

نجد في المقام دليلا مخصوصا، و دعوى- أن هذا العقد ليس من الخطاب الذي يراد به إفهام الغير حتى يعتبر فيه ذكر القرينة- تستلزم الاكتفاء بذلك في غيره من العقود، فلا حظ و تأمل.

و على كل حال فالمراد من الإدانة بنيته هو إيكاله إلى دينه و قصده فيما بينه و بين ربه، فيعامل كلا منهما معاملة حاله في الواقع مع فرض عدم المعارض.

نعم لو أقر أنه قصد ذلك أى الوقف بالكناية حكم عليه بظاهر الإقرار في الظاهر فيكون كالصريح حينئذ من هذه الجهة، و أن بقي حكم الإدانة بحاله في الواقع أيضا، هذا.

و في محكي التذكرة إذا أتى بالكناية فالمقترن الزائد عليه إما لفظ أو نية، فاللفظ أن يقرن إليه صدقة موقوفة أو محبسة إلى أن قال: و أما النية فينظر إن أضاف اللفظ إلى جهة عامة كأن قال: تصدقت بهذا على المساكين بنية الوقف، فالأقرب إلحاقه بالصحيح، و إن أضافه إلى معين، فقال: تصدقت عليكم أو عليك لم يكن وقفا على الأقوى و في المسالك و غيرها أن الفرق غير واضح، إلا أنه لم يحك عن التذكرة كما حكيناه، و قد يقال: إن مراده من عدم الحكم بوقفه و إن نواه لعدم ما يقتضي التأييد.

ثم إنه قد يظهر من عبارة المصنف و ما شابهها أن اللفظين صيغة واحدة للوقف باعتبار إفراد الضمير الراجع إليهما و لعله لذا قال في الدروس، ان ظاهر الأصحاب يدل على أنهما صيغة واحدة، فلا تغني الثانية عن الأولى، و تغني الأولى مع القرينة و لو قال: جعلته وقفا أو صدقة مؤيدة محرمة كفى لكن في المسالك «أن ما ادعاه من الظاهر غير ظاهر».

قلت: قد عرفت الإشعار في المتن و ما شابهه، نعم قد يناقش- فيما ذكر من الفرق بين الأولى و الثانية- بأنه لا دليل عليه، بل في محكي التذكرة «و أما حرمت هذه البقعة للمساكين أو أبدتها، أود أرى محرمة أو مؤبدة، فالأقرب أنها كناية عن الوقف، فإن انضم إليها قرينة تدل على الوقف صارت كالصريح، و إلا فلا، و كذا عن غيرها.

نعم حكى فيها عن أظهر وجهي الشافعية المنع في حرمت و أبدت لعدم استعمالهما مستقلين،

6

و إنما يؤكد بهما غيرهما، و أما ما ذكره أخيرا فلا أجد فيه خلافا.

نعم في المسالك بعد أن استحسنه قال: إلا أن فيه خروجا عن صيغة الوقف المنقولة، و ظاهرهم عدم المسامحة في مثل ذلك، و إن كان الأقوى الاكتفاء في كل لفظ يدل على المطلوب صريحا.

قلت: هو كذلك في غير المقام، أما فيه فمساحتهم فيه في غاية الظهور، نعم هو ليس صريحا في الاصطلاح الذي هو وضع اللفظ لخصوص المعنى.

و لو قال حبست أو سبلت قيل: يصير وقفا و أن تجرد ل

قوله (صلى الله عليه و آله) (1) «و حبس الأصل و سبل الثمرة

فيكون صريحا في الوقف كما عن الخلاف و الغنية و الجامع و التذكرة و الكيدري، بل في الأول الإجماع عليه و قيل لا يكون وقفا إلا مع القرينة كما عن الأكثر لعدم الوضح له و الاستعمال أعم إذ ليس ذلك عرفا مستقرا بحيث يفهم (عند) الإطلاق لا أقل من الشك و الأصل بقاء الملك، و لا ريب في أن هذا أشبه بأصالة عدم النقل و الانتقال، و عدم ترتب أثر الوقف و أحكامه، خصوصا مع معلومية اشتراك كل منهما معنى بين الوقف و غيره، و الخبر إنما يدل على حصول الوقف بهما معا، لا بكل واحد منهما، فيكون صريحا في عدم صراحتهما التي هي بمعنى وضع اللفظ للوقف الذي معناه مركب من معناهما، كما هو واضح بأدنى تأمل. هذا بل هما معا لا يقومان مقام وقفت في الصراحة، لاشتراكهما بين الوقف و بين الحبس، بل لعلهما في الثاني أظهر، و ربما توهم من عدم تعرض المصنف للقبول، عدم اعتباره فيه، و كذا غيره.

و لكن فيه أنه يمكن اكتفاء المصنف عنه بذكر كونه عقدا، و من المعلوم اعتباره في معناه، و عدم ذكره بالخصوص لعدم النزاع في خصوص ألفاظ له، إذ هو ما يدل على قبول ذلك الإيجاب، و لذا ترك ذكره المصنف فيما تقدم من بعض العقود الجائزة المعلوم اعتباره فيه، على أنه سيأتي له التصريح بعدم اعتباره في خصوص ما إذا كان على جهة عامة، و هو كالصريح

____________

(1) المستدرك ج 2 ص 511.

7

في اعتباره فيه في غيرها، و نحوه غيره ممن ذكره في قسم العقود، بل في جامع المقاصد و المسالك إطباق الأصحاب على أنه من قسمها مؤيدا ذلك كله بمعلومية عدم دخول عين أو منفعة بسبب اختياري ابتداء في ملك الغير من دون قبول، مع أنه لو كان لاتجه كونه حينئذ من قسم الإيقاع، فلا يبطله الرد، و هو مناف لما صرح به جماعة من البطلان به، و إن لم نقل باشتراط القبول، بل عن ظاهر الإيضاح و جامع المقاصد أنه لا خلاف فيه بيننا، و أن المخالف فيه إنما هو بعض الشافعية و حينئذ فعدم اشتراطه فيه مطلقا- كما عساه يتوهم من عدم ذكر جماعة له في غير محله.

نعم قد صرح المصنف و من تأخر عنه كالفاضل و الشهيدين و غيرهم بعدم الحاجة إليه في الوقف على الجهات العامة، لعدم القابل للقبول فيها، و لما عساه يظهر من المحكي من صدقات أمير المؤمنين (عليه السلام) و الزهراء (عليها السلام) و الصادق (عليه السلام) (1) المشتملة على ذكر إنشاء الإيجاب بدون قبول، و لأن الأصل عدم اشتراطه بعدم تناول المطلقات للمجرد عنه، إلا أن الجميع كما ترى، ضرورة عدم اقتضاء الأول الصحة بلا قبول، بل بعد فرض الدليل على اعتباره، يتجه عدم الصحة فيها حينئذ، على أن قبول الولي العام كالحاكم أو منصوبه ممكن، بل ربما يستفاد من بعض الأدلة الآتية في القبض الاكتفاء بقبول من يجعله فيما لها، و لو نفسه كالقبض و لعله على ذلك ينزل ما وقع من صدقاتهم بناء على أنها من الوقف، لا قسم مستقل برأسه، يثبت مشروعيته من هذه الروايات، لخلوها عن التصريح بكونه وقفا، و لا بعد في دعوى مشروعية مثل هذا التسبيل بهذه النصوص، و إن لم أجد من احتمله.

و أما الأصل فيقتضي اعتباره، لا عدمه، لما سمعت من أن مقتضاه عدم ترتب الأثر، و المطلقات لا تتناوله، بعد فرض الشك في معناه، و أنه من قسم العقود المعتبر فيها المعنى الارتباطي بين اثنين أولا، بل من ذلك ينقدح قوة اعتباره مطلقا على نحو غيره من العقود، حتى في الفورية و العربية و غيرهما، ضرورة ظهور النصوص أجمع في كونه قسما واحدا، و قد عرفت المفروغية من اعتبار القبول فيه في الجملة، إذ القول بعدم اعتباره مطلقا و أنه فلك ملك

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب أحكام الوقوف و الصدقات.

8

كالتحرير في غاية السقوط، بل لم نعرفه قولا لأحد من المعتبرين و إنما يذكر احتمالا، و تهجسا، فالوحدة المزبورة حينئذ تقتضي اعتباره أيضا حتى في الجهات العامة، بعد فرض مشروعيته فيها، على نحو فرض مشروعية غيره من العقود فيها، من الصدقة و غيرها، و إلا كان للوقف معنيان أحدهما عقدي، و الآخر إيقاعي، و هو مناف للوحدة المزبورة، كما هو واضح و نافع و موافق للذوق السليم.

نعم قد يقال: إن الأصل يقتضي عدم اعتبار القربة في صحته، و إن كان هو خيرة الفاضل في القواعد، للأصل بعد اندراج فاقدها بناء على ما ذكرناه في العقود المأمور بالوفاء بها، و في نحو قوله

(1) «الوقوف على حسب ما يقفها أهلها»

وقوله (صلى الله عليه و آله) (2) «حبس الأصل و سبل الثمرة»

و نحوها، و إطلاق الصدقة عليه في كثير من النصوص- بل لم يذكر فيما ورد مما أوقفوه (عليهم السلام) الا بلفظ الصدقة، و من المعلوم اعتبار القربة فيها خصوصا بعد

الصحيحين (3) «لا صدقة و لا عتق إلا ما أريد به وجه الله عز و جل»

بل هو دال عليه في الفرض، بناء على إرادة الوقف منه أو ما يشمله، و ارادة نفي الصحة فيه كما هو الأقرب للحقيقة لا الكمال، بل لو سلم إطلاقها عليه من باب المجاز فهو من التشبيه البليغ أو الاستعارة المقتضيين للمشاركة في الأحكام الظاهرة التي لا شك في كون القربة منها، مؤيدا ذلك كله بما صرح به في وقوفهم من وقوع ذلك منهم ابتغاء وجه الله- لا يقتضي ذلك، ضرورة عدم اقتضاء شيء من ذلك أن الوقف جميعه من الصدقة، بل أقصاه أن منه ما يكون كذلك، و هو ما قصد به وجه الله تعالى، و هو الذي وقع منهم (عليهم السلام) و لذا اتبعوه بذلك، و لا دلالة فيه على اعتبارها في صحته على وجه، بحيث لو وقف على ولده و نحوهم من دون ملاحظة القربة يكون باطلا، مع أن مقتضى ما سمعته من الإطلاقات صحته، و ما من الغنية و السرائر من الإجماع على ذلك لم نتحققه، لخلو كثير من عبارات الأصحاب المشتملة على بيان شرائطه عنه.

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب أحكام الوقوف و الصدقات.

(2) المستدرك ج 2 ص 511.

(3) الوسائل- الباب- 13- من أبواب أحكام الوقوف و الصدقات الحديث- 2- 3.

9

نعم قد يقال: باستفادة رجحانه في نفسه عند الشارع على نحو رجحان النكاح و هو غير اعتبار النية فيه على وجه يلحقه بالعبادات، على بحث يأتي فيه، أنه هل هو اسم للصحيح منه أو للأعم، و أن القربة في الصيغة، أو في القبض و الإقباض و غير ذلك مما لا يخفى على الفقيه بأدنى ملاحظة القطع بعدمه، خصوصا بعد معلومية عدم اعتبار ما يعتبر في الصدقة في الموقوف عليه من فقر و نحوه، بل ستسمع إن شاء الله تصريحهم بجوازه على الكافر، و بصحة وقف الذمي على البيع و الكنائس، و منه و من العامي المعلوم عدم صحة عباداتهما لفقد الايمان، و لعله لذا و غيره اعترف غير واحد من المحققين هنا بعدم الدليل على الاشتراط هنا، و في الأول أي القبول بأن الأولى اعتباره حتى في الجهات العامة لما ظهر من ذلك، فتأمل جيدا فإن كثيرا من الكلمات هنا غير نقية بل ظاهرة في التشويش من أهلها، و الله العالم.

و كيف كان ف لا يلزم عقد الوقف إلا بالإقباض الذي هو القبض بالاذن فلكل منهما حينئذ فسخه قبله، و هذا لا ينافي كونه مع ذلك من شرائط الصحة التي هي بمعنى ترتب الأثر من ملك الموقوف عليه المنفعة و غيره كما سيصرح به المصنف و غيره، بل فرعوا عليه البطلان بموت الواقف قبله و غيره، ضرورة كون المراد هنا بيان عدم اللزوم قبله كما عن بعض العامة أو بيان أن وقوع العقد لا يقتضي وجوب الإقباض الذي هو من شرائط الصحة، و إن توهم من نظير المقام جمعا بين قوله تعالى (1) «أَوْفُوا» و ما دل على اعتباره في الصحة التي هي بمعنى ترتب الملك و نحوه إذ هو- مع أنه مناف لأصالة البراءة و غيرها- لا يوافق ما دل هنا على اعتباره مما هو كالصريح بل صريح في الاذن بالفسخ قبل حصوله، و أنه لا إثم عليه.

قال صفوان في الصحيح (2): «سألت عن الرجل يوقف الضيعة ثم يبدو له أن يحدث في ذلك شيئا؟ فقال: إن كان وقفها لولده و لغيرهم، ثم جعل لها قيما لم يكن له أن يرجع، و إن كانوا صغارا، و قد شرط ولايتها لهم حتى يبلغوا فيحوزها لهم لم يكن له أن يرجع فيها، و إن كانوا كبارا و لم يسلمها إليهم، و لم يخاصموا حتى يحوزونها عنه، فله أن يرجع فيها، لأنهم لا يجوزونها عنه، و قد بلغوا».

____________

(1) سورة المائدة الآية- 1.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الوقوف الحديث- 2 و 8.

10

و عن الأسدي فيما ورد عليه من جواب مسائله عن العمرى (1) عن صاحب الزمان روحي له الفداء «و أما ما سألت عنه من الوقف على ناحيتنا و ما يجعل لنا ثم يحتاج إليه صاحبه ما لم يسلم، فصاحبه فيه بالخيار، و كل ما سلم فلا خيار فيه لصاحبه، احتاج أو لم يحتج، افتقر إليه أو استغنى عنه «إلى أن قال»: و أما ما سألت عنه من أمر الرجل الذي يجعل لنا حياتنا ضيعة و يسلمها من قيم يقوم فيها و يعمرها و يؤدى من دخلها خراجها و مؤنتها، و يجعل ما بقي لنا من الدخل لناحيتنا، فإن ذلك جائز لمن جعله صاحب الضيعة قيما عليها إنما لا يجوز ذلك لغيره»

لكن كما هما ترى غير صريحين، بل و لا ظاهرين في اشتراطه في الصحة بمعنى ترتب الأثر الذي هو الملك و نحوه ضرورة انطباق ما فيهما على كونه شرطا في اللزوم، و تظهر الثمرة في النماء المتخلل بينهما.

لكن في جامع المقاصد و المسالك نفى الخلاف من كونه شرطا فيها مكررا، بل فيها الإجماع على ذلك، و إن كان قد يناقش بما قد يظهر من الغنية من كونه شرطا في اللزوم حيث أنه بعد أن ذكر شرائط الصحة، قال: «فأما قبض الموقوف عليه أو من يقوم مقامه في ذلك فشرط في اللزوم» بل لعله صريحها بعد التأمل في جميع كلامه، و حينئذ يكون هو معقد إجماعها، بل لعله ظاهر اللمعة أيضا حيث ذكر أولا أنه لا يلزم بدون القبض بإذن الواقف، فلو مات قبله بطل، إلى أن قال، و شرطه التنجيز و الدوام، إذ من المحتمل بل الظاهر كونه من العقود الجائزة فيلحقه حكمها من البطلان بالموت، و لو للنصوص الدالة على ذلك في الصدقة بناء على إرادة الوقف منها، أو ما نعم عبارة المصنف و ما شابهها محتملة لإرادة الصحة بقرينة تصريحه بعدم ذلك بكونه من شرائطها أو من شرائطه الظاهر في أرادتها أيضا، و احتمال العكس بعيد و لإرادة ما ذكرناه أو لبيان أنه متى كان شرطا في الصحة كان شرطا في اللزوم، أما من لم يكن له إلا التعبير بكونه شرطا في اللزوم، فلا ريب في ظهوره بترتب الصحة قبله كالمحكي عن المبسوط و الخلاف و السرائر، بل عن الأخيرين الإجماع عليه مضافا إلى إجماع الغنية، و بذلك يظهر أن في المسألة

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الوقوف الحديث 2، 8.

11

قولين، بل عن الوسيلة أنه جعل التسليم شرطا في الصحة، إلا إذا جعل ولاية الوقف لنفسه مدة حياته.

و عن كافي أبي الصلاح «إذا تصدق على أحد الوجوه المذكورة، و أشهد على نفسه بذلك، و مات قبل التسليم، فان كانت الصدقة على مسجد أو مصلحة فهي ماضية، و إن كانت على من يصح قبضه، أو وليه، فهي وصية يحكم فيها بأحكام الوصايا» و عن سلار في المراسم عدم ذكره من الشروط أصلا، و بذلك كله يظهر لك ما في المسالك و الرياض و غيرهما من المفروغية عن اشتراطه فيها حتى فيما حكوه عن التنقيح من الإجماع على ذلك، مع أن التأمل في كلامه يقتضي إرادة دعواه على اعتباره في الجملة لأنه بعد ذلك بلا فاصلة معتد بها حكى الخلاف فيه، بل قد يقال: باقتضاء القواعد كونه شرطا فيه لا فيها، جمعا بين ما يدل عليها بدونه من الإطلاقات، و آية «أَوْفُوا» و غيرها و بين الخبرين السابقين.

و أما النصوص المتضمنة لبطلان الصدقة بالموت قبل القبض، فمع أن الاستدلال مبني على ارادة الوقف منها أو ما يشمله، لا تدل على اشتراطه في الصحة، و إن ذكره غير واحد، إذ من الممكن ما سمعت من كونه عقدا جائزا ينفسخ بالموت و مثله و لو لهذه النصوص، و الخروج عن ذلك في الصدقة غير الوقف لدليل لا يقتضي الخروج عنه في الوقف أيضا، و مع الإغضاء عن ذلك كله فالمتجه كونه شرطا كاشفا لا جزء سبب، كما حرره في المسالك، و تبعه غيره، لما عرفت من وجود مقتضى الصحة فلا وجه حينئذ لجعل الثمرة في النماء المتخلل، فتأمل جيدا، و الله العالم.

و كيف كان فلا خلاف و لا إشكال في أنه إذا تم الوقف بجميع شرائطه المعتبرة فيه كان لازما، لا يجوز الرجوع فيه، إذا وقع في زمان الصحة بل الإجماع بقسميه عليه عندنا، بل هو كالضروري من مذهبنا، خلافا لأبي حنيفة، فجوز للواقف الرجوع به بل لورثته، إلا أن يرضوا به بعد موته، فيلزم، أو يحكم به حاكم، مع أن تلميذه أبا يوسف لما قدم إلى بغداد كان على قوله، و لكن حدثه إسماعيل بن إبراهيم بن علية عن ابن عوف عن ابن عمر خلافه، فقال هذا لا يسع احد خلافه، و لو تناهى الى أبي حنيفة لقال

12

به، مع أن المحكي عن أبي حنيفة أنه قال: إن أوصى بالوقف لزم في الثلث، و في الخلاف، تناقض، لأنه جعله لازما في ثلثه في مرضه المخوف، و لم يجعله إذ أنجزه لازما في جميع ما له في حال صحته، و إن كان قد يفرق بينهما، بعد تسليم ارادة لزوم الوقف منه، هذا.

و لكن للمفيد في المقنعة ما ينافي بظاهره لما ذكرنا قال: «الوقوف في الأصل صدقات لا يجوز الرجوع فيها إلا أن يحدث الموقوف عليهم ما يمنع الشرع من معونتهم، و القرب إلى الله سبحانه و تعالى بصلتهم أو يكون تغير الشرط في الوقف إلى غيره أرد عليهم و أنفع لهم من تركه على حاله، و إذا أخرج الواقف الوقف عن يده إلى من وقفه عليه لم يجز له الرجوع في شيء منه، و لا يغير شرائطه و لا نقله من وجوهه و سبله» و عن ابن إدريس انه أطال في رده، و يمكن أن يكون ذلك منه بناء على اعتبار بقاء صلاحية الموضوع للتقريب في الموقوف، فيكون انتفاء الوصف المزبور حينئذ مقتضيا لانتفاء الموقوف عليه المقتضى لبطلان الوقف بناء على مختاره من عدم اعتبار التأييد فيه، و الأمر سهل بعد وضوح الحال، و الله العالم.

هذا كله لو وقف في زمان الصحة أما لو وقف في مرض الموت فإن أجازه الورثة نفذ من الأصل و إلا اعتبر من الثلث لكونه حينئذ ك باقي منجزاته من الهبة و المحاباة في البيع و نحوهما و قيل يمضى من أصل التركة و لا ريب في أن الأول أشبه كما أوضحنا ذلك مفصلا في كتاب الحجر و كتاب الوصايا و حينئذ ف لو وقف و وهب و أعتق و باع فحابى و لم يجز الورثة، فإن خرج ذلك من الثلث، صح و إن عجز بدئ بالأول فالأول لأنه هو السابق في التعلق حتى يستوفى قدر الثلث ثم يبطل ما زاد خلافا للمحكي عن الفاضل في المختلف فبسط الثلث على الجميع فارقا بين المنجزات و الوصايا، و ضعفه واضح.

و هكذا لو أوصى بوصايا، و لو جهل المتقدم قيل و القائل الشيخ في المحكي عن مبسوطة، لكن فيما إذا أوصى يقسم على الجميع بالحصص لعدم الترجيح بعد قيام احتمال التقدم المعلوم كونه في أحدها في كل منها، و بذلك يكون الفرض كالمنجزات التي لم يعلم التقدم في أحدها المحكوم فيها بالاقتران لأصالة عدم تقدم كل منها على الآخر، كما هو قضية

13

كل حادث اشتبه سبقه بالآخر و تأخره عنه و لكن فيه ما لا يخفى عليك في المقيس، و المقيس عليه، ضرورة كون المتجه في الأول القرعة، و لذا قال المصنف و لو اعتبر ذلك بالقرعة كان حسنا

- «لأنها لكل أمر مشتبه (1)»

و لا ريب في أن الفرض منه، بل لعل الأمر كذلك في المقيس عليه أيضا إذا فرض عنوان الحكم في الشرع السبق و الاقتران، و لم يعلم أحدهما، إذ الأصل لا يشخص الثاني الذي هو من الحوادث، و الأصل عدمه فليس إلا القرعة.

نعم لو قلنا أن العنوان في الشرع السبق خاصة كما هو الظاهر فمع عدم العلم يبقى الحكم على مقتضى إطلاق الوصية الذي هو التعلق بالجميع فمع القصور يتجه التقسيم حينئذ بالحصص، لا القرعة كما سلف لنا غير مرة في نظائر المقام، بل قد ذكرنا جملة من ذلك في هذه المسألة في كتاب الوصايا فلا حظ و تأمل.

ثم أنه لا يخفى عليك أنه ليس في الشرع اعتبار كيفية خاصة للقرعة بالنسبة إلى التعدد و الاتحاد، فله حينئذ تعددها في الثلاثة التي في المتن مثلا، مع فرض جهل الحال فيها على وجه لم يعلم أنها مرتبة كلا أو بعضا أو لا، فيقرع أولا لبيان اقترانها على السواء، أو ترتبها كذلك، أو الاقتران في بعض و الترتب في آخر، فإذا خرج أحدهما أقرع لتعرف احتمالاته خاصة إن كانت.

و له أن يقرع قرعة واحدة بثلاثة عشر ورقة على عدد الاحتمالات فيها، و هي ترتيبها مع سبق الوقف ثم العتق ثم البيع، أو مع تقدم البيع على العتق، و سبق العتق ثم الوقف ثم البيع، أو مع تقدم البيع و سبق البيع مع الصورتين، فهذه ست.

و مقارنة اثنين منها و هي ست أيضا، اقتران العتق و الوقف سابقين، و تأخر البيع و لاحقين له، و تقارن الوقف و البيع سابقين و تأخر العتق و لاحقين له، و اقتران العتق و البيع سابقين و تأخر الوقف و لاحقين له و اقتران الثلاثة.

و له القرعة بكتابة سبع رقاع في أحدها الوقف و في الثانية العتق، و في الثالثة البيع، و في الرابعة الوقف و العتق، و في الخامسة الوقف و البيع، و في السادسة العتق و البيع، و في السابعة

____________

(1) الوسائل- الباب- 13- من أبواب كيفية الحكم و أحكام الدعوى الحديث 11 و 18. و فيها

«كل مجهول ففيه القرعة»

14

اجتماع الثلاثة، ثم يخرج واحدة، فإن ظهرت بأحد المنفردين قدم، و أخرج أخرى، فإن ظهر منفرد آخر أو مجتمع مع غيره و الثلاثة أطرحتا و أخرج غيرها كما ذكر، و أن ظهر أولا رقعة الثلاثة أفاد الاجتماع، أو رقعة اثنين جمع بينهما سابقا و حكم بتأخر الثالث و بالجملة، فالمدار على كتبه رقاع تصح على جميع الاحتمالات، و الله العالم.

و إذا وقف شاة كان صوفها الذي على ظهرها و لبنها الموجود في ضرعها داخلا في ما اقتضاه الوقف من تسبيل الثمرة ما لم يستثنه نظر إلى العرف كما لو باعها بلا خلاف أجده بين من تعرض له من الفاضل، و الشهيدين و الكركي و غيرهم، بخلاف الحمل، بل و بخلاف ثمرة النخل و الشجر و نحوهما، فإنه لا عرف يقتضي ذلك إلا أن الانصاف عدم خلوه من الأشكال بحسب ما نجده الآن، بل قد يشك في أصل الحكم حتى مع التصريح بناء على عدم اقتضاء عقد الوقف تمليك نفس الثمرة و إنما اقتضاؤه ذلك بإدخال العين الموقوفة في ملك الموقوف عليه، فتكون الثمرة نماء ملكه المحبوس عليه بالمنع من التصرف فيه ببيع و نحوه بخلاف الثمرة، و من المعلوم أن ذلك إنما يكون في النماء المتجدد دون ما حصل من النماء الذي هو ملك الواقف فإنه لا يتصور تملكه من حيث التبعية المزبورة كما هو واضح، و دعوى قابلية عقد الوقف لنقلها باعتبار كونها ثمرة تقتضي قابليته لها على جهة التسبيل حتى مع الانفصال و هو محل تأمل، إلا أن ظاهر من تعرض المفروغية من قابليته لذلك كاقتضائه دخول باقي المنافع المتجددة في ملك الموقوف عليه كالصوف و اللبن المتجددين، و عوض البعض، و اجرة الدابة و العبد و نحوها، بل و النتاج المتجدد، كما نص عليه الفاضل في القواعد و محكي التذكرة و إن كان لا يخلو من نظر تقدم في نظائره في كتاب البيع.

و أما أغصان الشجر الذي هو كالثمر فيها نحو شجر الخلاف فهو أيضا ملك للموقوف عليه لأنه من المنافع، بل لا يبعد دخول ما جرت العادة بقطعه كل سنة مما فيه إصلاح الشجر و الثمرة من تهذيب الأغصان، و ما يقطع من أغصان شجر العنب في الثمار كما لا يبعد كونه من أجزاء الموقوف في حال، و من المنافع في حال آخر، مثل أطراف النخل حال كونها رطبة و يابسة، و الله العالم.

بقي الكلام في فروخ الأشجار المتجددة بعد الوقف، و لا يبعد أن تكون من نماء الوقف و من

15

فوائده إن كانت متولدة منها نفسها و إلا فهي لمن يجوزها أو لمن كان بذرها له هذا.

و عن التذكرة اشتراط دخول اللبن المتجدد في منافع الموقوف على وجه يدخل في ملك الموقوف عليه بما إذا لم تكن العين موقوفة على جهة خاصة لا يدخل فيها نحو ذلك كما إذا وقف بقرة للحرث، فان الدرع يكون للواقف، و مرجعه الى جواز الوقف في بعض المنافع دون بعض و لنا فيه نظر يأتي إن شاء الله تعالى.

[النظر الثاني في الشرائط]

النظر الثاني: في الشرائط و هي أربعة أقسام:

[القسم الأول في شرائط الموقوف]

القسم الأول: في شرائط الموقوف و هي أربعة الأول أن تكون عينا مملوكة ينتفع بها مع بقائها، و يصح إقباضها، فلا يصح وقف ما ليس بعين كالدين معجلة و مؤجلة على الموسر و المعسر و كذا الكلي كما لو قال: وقفت فرسا أو ناضحا أو دارا و لم يعين و إن وصفها بأوصاف معلومة، بل و كذا المنفعة، لأن العين تطلق في مقابل الثلاثة التي لا يصح وقف شيء منها للشك في تناول أدلة الوقف لذلك، و لاتفاق الأصحاب ظاهرا، و لأن المستفاد من

قوله (1) (صلى الله عليه و آله) «حبس الأصل و سبل الثمرة»

و ما وقع من وقوفهم، اعتبار فعليه التهيؤ للمنفعة في الأصل الذي يراد حبسه، و لا ريب في انعدام التهيؤ فعلا للكلي المسلم فيه مثلا، و لذا لا تصح إجارته و لا غير الإجارة مما يقع على المنفعة، لعدم ملكها لمن يملكه.

نعم يصح بيعه و الصلح عليه و غيرهما مما يقتضي نقله نفسه، بل وهبته إن لم يدل دليل على اعتبار الشخصية فيها، و تهيؤه بعد القبض لا يقتضي ذلك قبله الذي هو مورد العقد في الفرض.

و أما وقف كلى موصوف في الذمة على نحو إجارته الذي أشار إليه المصنف بقوله «و كذا»

____________

(1) المستدرك ج 2 ص 11 د.

16

إلى آخره فيمنعه أولا: عدم صلاحية عقد الوقف لإثبات نحو ذلك في الذمم، كغيره من عقد الهبة و الصدقة و نحوهما مما هو ليس عقد معاوضة، بل هو غير مملوك. و ثانيا: عدم تحقق الحبس و التسبيل فعلا و تأخره إلى التعيين مناف لاعتبار تنجيزه، و مقارنة الأثر لسببه، و بذلك افترق عن الإجارة المقتضية لملك دابة موصوفة عليه فعلا، و تأخر تعينها للوفاء لا ينافي ذلك، كما لا ينافي ذلك ملك عين الكلي في ذمته، كل ذلك، مضافا إلى ما في جامع المقاصد، من دعوى الاتفاق على ما في القواعد من عدم صحة وقف الدين و المطلق كفرس غير معين و عبد في الذمة و ملك مطلق، قال: و المراد بالأخير أن يقف ملكا من الأملاك أيها كان و لا يشخصه، و يجوز أن يراد به أن يقول وقفت ملكا و يقتصر على ذلك».

قلت: قد يشك في عدم صحة وقف عبد من عبيده المعينين على وجه يكون الموقوف فيها واحدا منهم بخصوصه و شخصه على البدل على نحو مذهب الإمامية في الواجب المخير، و يتعين حينئذ بالقرعة، أو بتعيين الواقف، أو يكون الموقوف عبدا منها الصادق على كل منها، بل لعل هذا هو المتيقن في الفرض على تقدير الصحة، ضرورة عدم وقف كل منها بالخصوص على البدل، و إن جاز ذلك في الواجب المحير لغة و عرفا على وجه لا يحتاج إلى تعيين من الأمر و لا قرعة، بخلافه في المقام المفروض فيه كون أحدهما، لا كل منهما، و في محكي التذكرة عن الشافعية في أحد الوجهين صحته كصحة عتق أحد العبدين، و ربما يشعر به اقتصار المصنف الأولين في التفريع على العين، اللهم إلا أن يريد بقرينة قوله و لم يعين خصوص المفروض أو الأعم منه، و في مفتاح الكرامة «قل من تعرض لعدم الصحة في ذلك، و أول من تعرض له الفاضل في التذكرة» لكن في الرياض عن الغنية الإجماع على عدم الصحة في المنفعة و الدين و المبهم، و إن كنا لم نتحققه، و إنما الموجود فيها و في المحكي عن السرائر الإجماع على كونه معلوما مقدورا على تسليمه مع بقاء عينه في يد الموقوف عليه، مع أنه يمكن إرادة إخراج نحو وقفت شيئا من أملاكي، و بطلانه حينئذ للإبهام المحض الذي يشك معه في صلاحية كونه موردا للعقد ان لم يظن العدم، و لعله المراد من الملك المطلق في القواعد كما سمعته من جامع المقاصد في تفسيرها بل لعله المراد من اعتبار العلم فيما حكيناه عن الغنية و السرائر، ضرورة ارادة

17

إخراج فاقده أصلا و هو المبهم المحض و بالجملة إن لم يكن إجماعا فالقول بالصحة لا يخلو من وجه خصوصا على المختار عندنا من صحة وقف المشاع المنافي لدعوى التشخيص، و لتحقق الحبس و التسبيل فعلا في أحدهما كالوصية به لشخص و الجهل بعينه لا يقدح بعد عدم اعتبار المعلومية فيه كالبيع و الإجارة، فتأمل جيدا فإنه قد تكون المسألة مبنية على جواز ملك الكلي في الخارج بدون الإشاعة بناء على أن الموقوف ملك للموقوف عليه، و قد تقدم الكلام فيها في كتاب البيع و غيره، و الله العالم.

و أما عدم صحة وقف المنفعة فلعدم تصور الحبس فيها، ضرورة كونها مبنية على الاستيفاء شيئا فشيئا، و دعوى- عدم اعتبار أصل التحبيس في الوقف، بل يكفى فيه تسبيل المنفعة كما عن أبي الصلاح- يدفعها ظهور النص و الفتوى بخلافه بل يمكن دعوى ضرورة المذهب أو الدين على ذلك، نعم نحو ذلك يشرع في السكنى و الرقبى و العمرى، و هي غير الوقف كما هو واضح.

و كيف كان فلا إشكال كما لا خلاف بيننا في أنه يصح وقف العقار و الثياب و الأثاث و الآلات المباحة و نحو ذلك مما ضابطه كلما يصح الانتفاع به منفعة محللة مع بقاء عينه لا كمنفعة أعيان الملاهي و نحوها، و لا ما لا منفعة له أصلا، أو لا منفعة له إلا بإتلاف عينه، كالطعام و الشمع و نحوهما، بلا خلاف أجده في شيء من ذلك بيننا، بل الإجماع بقسميه عليه، لإطلاق الأدلة و خصوصها في بعض.

نعم عن أبي حنيفة عدم جوازه في الحيوانات و الكتب، بل عن مالك في مطلق المنقول، و عن أبي يوسف عدم جوازه إلا في الأرض و الدور، و الكراع، و السلاح، و الغلمان تبعا للضيعة، إلا أنها كما ترى مخالفة للنصوص من طرقنا، و طرقها عموما و خصوصا، و الإجماع و السيرة المستمرة في وقف الحصير و القناديل و الزوالى و نحوها.

18

لكن هل يعتبر طول زمان المنفعة أولا؟ ظاهر الأكثر كما اعترف به في الروضة و النصوص الثاني، فيصح حينئذ وقف ريحانة يسرع فسادها، و ربما احتمل الأول، بل هو ظاهر جماعة و صريح محكي التذكرة و التحرير، لدعوى الانسباق الممنوعة على مدعيها، و للمنافاة للتأبيد المراد من الوقوف الذي يدفعها معلومية عدم إرادة أزيد من عمر العين منه، و إلا لم يصح وقف أبدا، لعدم عين عمرها الأبد كما هو واضح.

و كذا لا يعتبر فعلية النفع، بل يكفي تأهله، فيصح وقف الفلو و الجحش، و العبد الصغار، بلا خلاف أجده، لإطلاق الأدلة أيضا و كذا يصح وقف الكلب المملوك ككلب الصيد و الماشية و الزرع و الحائط بناء على ملكيتها و السنور و غيرها من الحيوانات التي تدخل تحت الملك، و لها منافع مقصودة محللة، لحصول مقتضى الصحة حينئذ من ملك الأصل و لإمكان الانتفاع به المحلل مع بقاء العين.

نعم لو قلنا بعدم ملكها و أن لصاحبها حق الاختصاص، و لكن له الانتفاع بها اتجه حينئذ عدم صحة وقفها، بناء على اعتبار ملك الأصل، بل لعل قوله حبس الأصل و سبل الثمرة يشمله، إذ لا دلالة في الأصل على اعتبار كونه مملوكا و هو واضح، نعم لا يصح وقف الخنزير، لأنه لا يملكه المسلم و كذا غيره من كلب الهراش، و نحوه مما لا يدخل تحت يد المسلم على وجه يملك منفعته بلا خلاف أجده فيه، أما الكافر فالأقرب صحة وقفه له على مثله، كما في القواعد و غيرها، بناء على صحة الوقف منه لمعاملته معاملة الملك في حقه، و المراد بصحة الإقباض في المتن القدرة على تسليمه أو ما يشملها، و لذا قال و لا وقف الآبق لتعذر التسليم مفرعا له على ذلك، و هو جيد فيما يرجع منه إلى السفه، كالطير في الهواء و السمك في الماء، أما إذا لم يكن كذلك فلا دليل على عدم جوازه، لإطلاق الأدلة التي ليس في شيء منها ما يقتضي مقارنة إمكان القبض للعقد في الصحة، بناء على اعتبارها فيها، بخلاف البيع المعتبر فيه، عدم الغرر، الذي هو بمعنى الخطر، و حينئذ فيقف الآبق فإن قبض بعد ذلك صح، و إلا فلا كما صرح به ثاني المحققين و الشهيدين، و أولى بالصحة وقفه على القادر على تسلميه لحصول الإقباض من المالك الذي هو بمعنى الإذن فيه من جهته، بل قد عرفت في كتاب البيع قوة صحة بيع مثله، فضلا عن وقفه.

19

و هل يصح وقف الدراهم و الدنانير قيل: لا يصح و هو الأظهر عند المصنف وفاقا لجماعة من القدماء بل في الدروس عن المبسوط الإجماع عليه إلا ممن شذ، و الموجود في المحكي عنه و عن الغنية و السرائر نفي الخلاف فيه، لأنه لا نفع لها إلا بالتصرف فيها و هو مناف للوقف المقتضى بقاء الأصل و قيل: يصح كما أرسله في محكي المبسوط لأنه قد يفرض لها نفع مع بقائها كالتزين بها، و دفع الذل و نحوها، فيتناولها حينئذ إطلاق الأدلة، و لعله لذا استشكل الفاضل في القواعد بل في محكي التذكرة أن أصحابنا ترددوا، و في محكي السرائر لو قيل بالجواز كان وجها، و في المسالك أقوى، و في الدروس و محكي التذكرة و الحواشي و جامع المقاصد الصحة مع المنفعة، كالتحلي و نحوه.

قلت: و يؤيده الإجماع- في الظهور فضلا عن النصوص، كما تقدم في محله- على جواز إعارتها، و هي كالوقف في اعتبار وجود المنفعة، و احتمال الفرق بينهما لا وجه له هذا كله في خصوص الدراهم و الدنانير.

أما إذا اتخذت حليا أو اتخذ منها حليا فلا إشكال في جواز وقفها، و عن التحرير أنه يصح وقف الحلي إجماعا و لو وقف ما لا يملكه لم يصح وقفه مع عدم الإجازة قطعا و لو أجاز المالك قيل: لا يصح- لا لأن الفضولي على خلاف الضوابط فيقتصر فيه على خصوص ما ورد فيه، لأن الظاهر عدم الاختصاص، بل- لأن نية التقرب شرط فيه، و لا يقوم الغير مقام المالك فيها و نيتها حين الإجازة غير نافعة، إما لاشتراط المقارنة للصيغة، أو لأن تأثير نيته في الصحة غير معلوم، و الأصل بقاء الملك و اختاره الكركي وفاقا للمحكي عن المهذب و جامع المقاصد و التحرير في موضع، و كأنه قال به أو مال إليه في الروضة.

و قيل: يصح، لأنه بالإجازة صار كالوقف المستأنف و هو حسن وفاقا للمحكي عن التحرير في آخر، و اللمعة و الحواشي و شرح الإرشاد و للفخر، و الروض و التنقيح، و ظاهر المسالك و غيرها، لأنه قسم من الصدقة التي ثبت بالنص جوازها من الفضولي في مثل مجهول المالك و نحوه، و التقرب بمال الغير عن الفاعل غير مشروع أما عن الغير نفسه ففي

20

الأدلة ما يدل على مشروعية كل ذلك، بناء على اعتبار نية التقرب فيه على وجه يكون من العبادة، أما على القول بعدم اعتبارها أصلا فلا ريب أن المتجه حينئذ الصحة.

و يصح وقف المشاع بلا خلاف أجده فيه عندنا، بل الإجماع بقسميه عليه، بل نصوص التصدق به مستفيضة أو متواترة، فيدخل فيه الوقف، أو يراد منه بل في الغنية أنه مورد قوله (عليه السلام) حبس الأصل و سبل الثمرة، فما عن الشيباني- من عدم الجواز لعدم إمكان قبضه- واضح الضعف لما عرفت و لأن قبضه هنا كقبضه في البيع كما هو واضح، و الله العالم.

بقي الكلام فيما يندرج في الضابط المزبور من جواز وقف من ينعتق على الموقوف عليه، و قد صرح به الفاضل في قواعده، و وافقه عليه في جامع المقاصد لأن العتق إنما هو في الملك التام، بل عن غاية المراد الميل إلى ذلك، أو القول به، هذا.

و لكن الإنصاف عدم خلوه من النظر، و تسمع لذلك تتمة إن شاء الله تعالى، في صيرورة الأمة الموقوفة أم ولد، إذا وطأها الموقوف عليه، فولدت منه فتنعتق بموت السيد، و يؤخذ من تركته قيمتها للبطون المتأخرة، و أما أم الولد فالمتجه عدم جواز وقفها بناء على انتقال الموقوف للموقوف عليه، لعدم جواز، نقلها إلى الغير بجميع وجوه النقل، أما على القول ببقائه على ملك الواقف فقد يقال بالجواز، و تبقى حينئذ على الوقف إلى موت السيد، و لو مات ولدها قبله تأبد وقفها، و إلا عتقت من نصيبه و بطل وقفها.

و فيه أنه مناف للتأييد المعتبر فيه الذي يراد منه بناؤه عليه من أول الوقف، اللهم إلا أن يمنع اعتبار ذلك، أو يقال: كما عن بعض الشافعية من بقاء منافعها للموقوف عليه و إن تحررت، كما لو آجرها و مات، و أما المدبر فلا إشكال في جواز وقفه، و يكون حينئذ رجوعا عنه، و لعله لذا حكى الإجماع عن التذكرة على جواز وقفه.

نعم الظاهر عدم صحة وقف المكاتب بقسميه، لانقطاع سلطنة المولى عنه، كما عن التذكرة التصريح به، و أما العين المستأجرة و الموصى بمنفعتها شهرا مثلا فلا يجوز للمستأجر و الموصى له وقفها، لأنه لا يملك إلا المنفعة، و قد عرفت جواز وقفها، أما المالك فلا بأس

21

به، و القبض حينئذ يكون بإذن الآخر، أو إلى انقضاء تعلقه.

نعم لو فرض مدة الإجارة يستغرق عمر العين غالبا، و تأييد الوصية بالمنافع لم يجز الوقف، ضرورة كون العين حينئذ مسلوبة المنافع، كضرورة عدم جواز الوقف في العين المملوكة التي تعلق بها حق الرهن، أو الدين لفلس و نحوه، فالغرض من الملك في الضابط الخالي من نحو ذلك، و يمكن أن يكون نظر المصنف و غيره في خروج ذلك إلى ما تسمعه من شرائط الوقف التام، و الله العالم.

[القسم الثاني في شرائط الواقف]

القسم الثاني: في شرائط الواقف و يعتبر فيه البلوغ و لو بالعشر و كمال العقل و جواز التصرف و لعل الأخير مغن عن الأولين و لذا اكتفى في اللمعة باشتراط الكمال، و في الدروس بأهلية الوقف، و في محكي السرائر و الغنية كونه مختارا مالكا للتبرع به إجماعا، و الأمر سهل بعد معلومية سلب عبارة الصبي، و إن قلنا بشرعية عبادته، و أن الوقف من العبادة، و سلب عبادة المجنون بقسميه، و أن المحجور عليه لفلس أو سفه لا يجوز له التصرف المالي بعبادة أو غيرها، بل قد يشكل صحته منه مع الإجازة المتأخرة بما عرفته سابقا في الفضولي، اللهم إلا أن يجعل ذلك من شرائط الصحة كالقبض، فلا يمنع التقرب بالصيغة حينئذ.

و على كل حال ف في وقف من بلغ عشرا مميزا تردد بل خلاف، فعن المقنعة الأول، و عن وصايا النهاية و المهذب جواز صدقته، بل في جامع المقاصد في الوكالة أن المشهور جواز تصرفه في الوصية و العتق و الصدقة، و المشهور الثاني بل لعل عليه عامة المتأخرين، بل لعل الخلاف منحصر في خصوص المفيد بناء على إرادة ما لا يشمل الوقف من الصدقة في كلامهم، بل و لا دليل عليه، ضرورة اختصاص خبر زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) (1) في الصدقة على الوجه المعروف في البالغ عشرا.

و موثق جميل (2) «عن أحدهما في صدقة الغلام إذا كان قد عقل»

و كذا موثق الحلبي و محمد

____________

(1) الوسائل- الباب- 15- من أبواب أحكام الوقوف و الصدقات الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 15- من أبواب أحكام الوقوف و الصدقات الحديث 2.

22

ابن مسلم (1).

و من هنا قال المصنف المروي جواز صدقته على أنه في المسالك مثل هذه الأخبار الشاذة المخالفة الأصول المذهب بل إجماع المسلمين لا تصلح لتأسيس هذا الحكم، و في جامع المقاصد لا تنهض معارضات للتواتر.

قلت: و لا ينافي ذلك جواز وصيته و لو بالوقوف للنصوص المعمول بها بين معظم الأصحاب مع حرمة القياس، و حينئذ فلا ريب في أن الأولى المنع بل هو الأصح ل ما عرفت، و معلومية توقف رفع الحجر على البلوغ و الرشد و من المعلوم عدم تحقق الأول منهما ببلوغ العشر، و دعوى كونه بلوغا بالنسبة إلى خصوص ذلك واضحة المنع، ضرورة أن البلوغ مرتبة خاصة لا تفاوت فيها في ذلك.

و كيف كان فلا إشكال في أنه يجوز أن يجعل الواقف النظر في الموقوف لنفسه خاصة و لغيره كذلك و لهما معا على الاشتراك و الاستقلال، بل و لا خلاف إلا ما يحكى عن ابن إدريس، و الموجود في محكي السرائر عداد الشروط، و منها أنه لا يدخله شرط خيار للواقف في الرجوع فيه، و لا أن يتولاه هو بنفسه أو بغيره متى شاء هو، و ليست صريحة، و لذا نفى الخلاف عنه من دون استثنائه غير واحد، و قطع به آخر، و نفي الشبهة عنه ثالث، و إلا كان محجوجا بعموم الأدلة و خصوصها بل مقتضى الإطلاق نصا و فتوى عدم الفرق في ذلك بين كونه عدلا أو فاسقا كما صرح به غير واحد بل لم أجد فيه خلافا و إن احتمله في المسالك، لكن في الرياض تبعا للكفاية فيه قولان و لم نتحققه.

نعم قد صرح غير واحد باعتبارها في غيره، بل في الكفاية أنه المعروف من مذهب الأصحاب، بل في الرياض دعوى حكاية الاتفاق عليه، و إن كان فيه ما لا يخفى على المتتبع، بل في محكي التحرير لو جعل النظر للأرشد عمل بذلك، و لو كان الأرشد فاسقا فالأقرب عدم ضم عدل إليه، و قال أيضا: لو جعل النظر لأجنبي عدل ثم فسق ضم إليه

____________

(1) الوسائل- الباب- 10- من أبواب أحكام الوقوف و الصدقات الحديث 2.

23

الحاكم أمينا، و يحتمل انعزاله بفسقه، و حينئذ فالمتجه عدم الفرق بين اشتراطها لنفسه و لغيره بالنسبة إلى ذلك، و ما في سيدنا أمير المؤمنين (عليه السلام) (1) من اعتبار الرضا بهديه و إسلامه و أمانته لا يدل على اشتراط ذلك في أصل الناظر.

و على كل حال ففي المسالك و غيرها أنه إن عادت العدالة إليه عادت النظارة إن كان مشروطا من الواقف، و نحو ذلك قد ذكروه في الوصي، و الظاهر اختصاص ذلك فيهما من بين العقود لاقتضاء العموم في دليل مشروعيتهما من

قوله (عليه السلام) (2) «الوقوف على حسب ما يقفها أهلها إن شاء الله»

و قوله تعالى (3) «فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ ما سَمِعَهُ» إلى آخره جواز ذلك، و هو جعل العنوان الشخص الموصوف من حيث الوصف، و من المعلوم عدم جواز مثل ذلك في الوكالة، و نحوها على وجه تدور وكالته مدارها وجودا و عدما.

ثم الناظر المشروط في نفس العقد لازم من جهة الواقف، لا يجوز له عزله مطلقا، لعموم الأمر بالكون مع الشرط، و إن كان لا يجب على المشروط له القبول، للأصل بل لو قبل: لم يجب عليه الاستمرار لما في الدروس و الروضة من أنه في معنى التوكيل.

و في المسالك «لأنه غير واجب في الأصل فيستصحب فإذا رد صار كما لا ناظر له ابتداء فيتولاه الحاكم، أو الموقوف عليه، و يحتمل الحاكم مطلقا، لخروج الموقوف عليه من استحقاق النظر بشرطه، فعوده إليه يحتاج إلى دليل، بخلاف الحاكم فإن نظره عام».

قلت: قد يناقش في جواز الرد بعد القبول بإطلاق الأمر بالوفاء بالعقد من المتعاقدين و غيرهما ممن له تعلق بالعقد، و القبول بالنسبة إليه حينئذ رضاه بما اشترط له منه، و دعوى أنه في معنى التوكيل كما ترى، ضرورة عدم الدليل و عدم القصد بل ربما يومئ في الجملة إلى ما قلناه وجوب القيام بما تقتضيه النظارة عليه مع عدم الرد لكونه من مقتضى العقد المزبور، بل و ما ذكروه أيضا من أنه إن اشترط الواقف له شيئا من الثمرة عوضا عن عمله جاز، و ليس له أزيد

____________

(1) الوسائل- الباب- 10- من أبواب أحكام الوقوف و الصدقات الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب أحكام الوقوف و الصدقات الحديث 2.

(3) سورة البقرة الآية 181.

24

منه و إن كان أقل من الأجرة و إن أطلق فله أجرة مثل عمله إن لم يرد التبرع، ضرورة ابتناء التزامه بالعوض القليل على كونه من مقتضى العقد اللازم الذي لا وجه عند التأمل في جواز رده بعد قبوله، مع أن المردود من أجزاء مقتضاه، فتأمل جيدا فإنه دقيق.

و لو جعل النظارة لاثنين مثلا اشتركا فيها على وجه لا يجوز لأحدهما الاستقلال على ما صرح به غير واحد و لا بأس به مع قصد الواقف ذلك لعموم

(1) «المؤمنون» (2)

و «الوقوف»

المقتضي جواز جميع الصور المتصورة في المقام من الاستقلال و الاشتراك في الجميع و البعض و غيرهما مما لم يكن فيها مانع من الشرع.

و لكن هل يحمل على الاشتراك المزبور بمجرد تعدد الناظر لا يخلو من إشكال، كالإشكال في استقلال الآخر لو مات أحدهما أو انعزل بفسق و نحوه، كما أوضحنا ذلك في الوصي الذي لا مقتضى للفرق بينه و بين الناظر في مثل هذه الأحكام التي مرجعها إلى فهم معنى، أو عموم دليل أو نحو ذلك، و منه يعلم ما في المسالك من أنه لو اختص أحدهما بالعدالة أو بقي عليها ضم إليه الحاكم حيث لا يكون منفردا أو انضم إلى الموقوف عليه إن انتقل إليه النظر كما تقدم، فلاحظ و تأمل.

ثم إن وظيفة الناظر مع الإطلاق، ما يتعارف من ذلك من العمارة و الإجارة و تحصيل الغلة و قسمتها على مستحقها، و حفظ الأصل و نحو ذلك مما لا يجوز لغيره بعد فرض اشتراط النظر المنصرف عرفا إلى تولي شيء من ذلك.

و في التوقيع (3) «و أما ما سألت عن أمر الرجل الذي يجعل لناحيتنا ضيعة فيسلمها من يقوم بها و يعمرها و يؤدي من دخلها خراجها و مؤنتها و يجعل ما بقي من الدخل لناحيتنا، فإن ذلك لمن جعله صاحب الضيعة لا يجوز ذلك لغيره.»

لكن في المسالك «الإشكال في ذلك من وجهين: (أحدهما) ما لو كان الموقوف عليه

____________

(1) الوسائل- الباب- 20- من أبواب المهور الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب الوقوف الحديث- 2.

(3) الوسائل- الباب- 2- من أبواب أحكام الوقوف- الحديث- 8.

25

متحدا، أما ابتداء أو لاتحاده في بعض الطبقات اتفاقا، فإنه مختص بالغلة فتوقف تصرفه فيها على إذن الناظر بعيد، لعدم الفائدة خصوصا مع تحقق صرفها إليه بأن تكون فاضلة عن العمارة و غيرها مما تقدم على القسمية نعم لو أشكل الحال توقف على اذنه قطعا، لاحتمال أن يحتاج إليها أو إلى بعضها في الأمور المتقدمة على اختصاص الموقوف عليه، (و ثانيهما) الأوقاف العامة على المسلمين و نحوهم التي يريد الواقف انتفاع كل من الموقوف عليه بالثمرة إذا مربها كأشجار الثمار فإن مقتضى القاعدة أيضا عدم جواز تصرف أحد منهم في شيء منها إلا بإذن الحاكم، و لا يخلو من إشكال، و تفويت لكثير من أغراض الواقف، بل ربما دلت القرينة على عدم إرادة الواقف النظر على هذا الوجه، بل يريد تفويض الانتفاع إلى كل واحد من أفراد تلك الجهة، فكأنه في قوة جعل النظر إليه، لكن هذا كله لا يدفع الأشكال لما تقدم من أنه بعد الوقف حيث لا يشترط النظر لأحد يصير كالأجنبي، و ينتقل الحكم إلى الحاكم فلا عبرة بقصده خلاف ذلك، حيث لا يوافق القواعد الشرعية، جعل مثل هذا الإطلاق نظرا الى كل واحد في حيز المنع، و بالجملة فهذه القواعد الشرعية المتفق عليها، لا تدفع بمثل هذا الخيال، و ينبغي أن يقال: أن المتصرف على هذا الوجه يأثم خاصة، و يملك حيث لا يجب صرف الثمرة في الأمور المتقدمة على صرفها إلى الموقوف عليه، و كذا القول في تصرف الموقوف عليه المتحد، أما المتعدد فلا، لأن قسمتها و تمييز حق كل واحد من الشركاء يتوقف على ناظر، فيكون كالتصرف في المال المشترك بغير إذن الشريك، فتستقر في ذمته حصة الشريك من ذلك، و لم أقف في هذه الأحكام للأصحاب على شيء فينبغي تحرير النظر فيه».

إلا أنه من غرائب الكلام، ضرورة أنه لا استبعاد في توقف تصرف الواحد على إذن الناظر مع فرض اشتراطه من الواقف على هذا الوجه، لأن

«الوقوف على حسب ما يقفها أهلها»

كما أنه لا وجه لدعوى توقف المنتفع بثمر شجر أو ماء بئر أو ظلال أو نحو ذلك مما يراد من وقفه الانتفاع لمن يمر به على إذن الحاكم، إذ هو و إن كان الناظر مع الإطلاق إلا أنه فيما لم يتجه المالك بوقفه له على هذا الوجه.

و دعوى- أنه أجنبي مع فرض أنه وقف على هذا الوجه- غريبة، و أغرب منها دعوى الإثم

26

بالتناول المزبور، و إن ترتب عليه الملك، لمنافاته السيرة المستمرة، و للمعلوم من قصد الواقف بوقفه على هذا الوجه، و لما ورد في النص من أحقية السابق من غيره و لغير ذلك، و كذا لا يخفى عليك ما فيه من الفرق بين المتحد و المتعدد مع فرض تراضي الشركاء فيما بينهم بالقسمة، فإن الناظر لا مدخلية له في ذلك إلا أن يشترط الواقف كما هو واضح.

بقي الكلام فيما ذكره المصنف بقوله فإن لم يعين الواقف الناظر كان النظر إلى الموقوف عليهم بناء على القول بالملك و نحوه في القواعد و محكي التحرير و الجامع و غيرها، و إليه يرجع ما عن جماعة من إطلاق كونه للموقوف عليهم، و ما في المسالك «من أنه إن جعلنا الملك للواقف أو للموقوف عليه مطلقا فالنظر إليه، و إن جعلناه للموقوف عليه إن كان معينا، و لله تعالى إن كان على جهة عامة، فالنظر في الأول للموقوف عليه، و للحاكم الشرعي في الثاني، و كذا غيرها مما صرح فيه بتولية الحاكم إن كان عاما و إن كان على معين وليه بنفسه، لمعلومية ابتناء ذلك على كونه في العالم الله أو للفقراء، و على كل حال فالولي الحاكم».

لكن لم نعرف لهم دليلا يعتد به مع فرض إرادة أحكام الناظر المشترط التي تمضي إجارته على الأعقاب و نحوها، و كون العين و المنفعة ملكا لهم ما داموا أحياء لا يقتضي إثبات مثل هذه الولاية لهم.

نعم لهم تناول ما هو ملك لهم من دون استيذان، و لهم التصرف في تنميته و إصلاحه و نحو ذلك مما هو من توابع الملك، و ليس لهم إهماله كما يهمل المالك ملكه كما أنه ليس لهم النظر فيه على وجه يمضي على البطون المتأخرة، و من ذلك يظهر لك قوة ما حكاه في الدروس عن بعضهم من احتمال كون النظر للحاكم عند الإطلاق في الوقوف كلها، لتعلق حق البطون المتعاقبة، بناء على إرادته ما ذكرناه بقرينة تعليله، لا مطلق التصرف بها، و تناول ثمرتها و نحو ذلك مما لا ينافي حق البطون أو كان فيه مصلحة لها، بل يمكن تنزيل إطلاق الكلمات على ما ذكرناه من التفصيل.

و أما احتمال أنه للمالك، لأن النظر و الملك كانا له، فإذا زال أحدهما بقي الآخر، فإنه و إن حكاه في الدروس، بل احتمله الفاضل في محكي التذكرة، إلا أنه في غاية الضعف، ضرورة

27

خروج الواقف بعد الوقف و صيرورته كالأجنبي بالنسبة إلى ذلك، و إنما كان له ماله تبعا لملكه، و قد زال كما هو واضح. و الله العالم.

[القسم الثالث في شرائط الموقوف عليه]

القسم الثالث: في شرائط الموقوف عليه و قد اشتهر فيما بينهم أنه يعتبر في الموقوف عليه شروط أربعة (1) الأول أن يكون موجودا و الثاني: أن يكون ممن يصح تملكه و الثالث أن يكون معينا و الرابع أن لا يكون الوقف عليه محرما بل في محكي الغنية و السرائر الإجماع على كونه معروفا متميزا يصح التقرب بالوقف عليه، و هو ممن يملك، بل فيه أيضا و محكي المبسوط نفي الخلاف عن عدم صحته على المعدوم الذي لم يوجد بعد و الحمل و العبد، بل في الأخير أيضا أن الذي يقتضيه مذهبنا أنه لا يصح الوقف على المجهول و المعدوم، كل ذلك مضافا إلى معلومية اقتضاء «عقد» (2) الوقف ملك الموقوف عليه المنفعة أو هي مع العين، و المعدوم و غير القابل للملك لا يصلح لذلك لعدم صلاحيتهما للقبول الذي قد عرفت اعتباره فيه.

و حينئذ ف لو وقف على معدوم ابتداء لم يصح، كمن وقف على من سيولد له مثلا أو على حمل لم ينفصل فإنه و إن كان موجودا أو صحت الوصية له و عزل الميراث له، إلا أنه بحكم المعدوم بالنسبة إلى الوقف للإجماع المزبور، أو لعدم قابليته للملك إلا ما خرج بناء على صحة الوصية له بمعنى التمليك الاختياري الفعلي و لو بقبول وليه، بناء على ثبوت الولاية له قبل التولد لا الوصية العهدية أو التملكية المتأخر قبولها من وليه عن تولده، فإن ثبوتها لا يقتضي صحة الوقف.

أما لو وقف على معدوم قابل لذلك بعد وجوده فضلا عن الحمل تبعا لموجود قابل لعقد الوقف و مقتضاه من التملك للمنفعة فإنه يصح بلا خلاف فيه

____________

(1) و في المتن «شروط ثلاثة أن يكون موجودا، ممن يصح أن يملك، و أن يكون معينا و أن لا يكون الوقف عليه محرما إلى آخره».

(2) كلمة «عقد» ليست موجودة في بعض النسخ.

28

بل الإجماع بقسميه عليه، و النصوص بعمومها و خصوص صدقاتهم مستفيضة أو متواترة فيه على معنى تملكه بعد وجوده مرتبا و مشاركا.

نعم لو بدء بالمعدوم ثم بعده على الموجود لم يصح على المعدوم قطعا لما عرفت، و لكن هل يقتضي ذلك بطلان العقد رأسا قيل: هو كذلك ف لا يصح حينئذ حتى بالنسبة إلى الموجود كما هو المشهور، و في المسالك نسبته إلى المصنف و المحققين لأن اللازم من الصحة أحد أمور ثلاثة معلومة البطلان، و هي: إما صحة الوقف مع انتفاء الموقوف عليه، أو وقوع الوقف المشروط أو عدم جريان الوقف على حسب ما أراد الواقف، ضرورة أنه حال الوقف إن لم يكن موقوفا عليه فهو الأول أو الثاني، و إن فرض أنه البطن الثاني فهو الثالث.

و قيل و القائل الشيخ في محكي خلافه و مبسوطة يصح على الموجود قال في الأول: إذا وقف على من لا يصح الوقف عليه مثل العبد أو حمل لم يوجد أو رجل مجهول و ما أشبه ذلك ثم بعد ذلك على أولاده الموجودين في الحال، و بعد ذلك على الفقراء بطل الوقف فيما بدء بذكره، لأنه لا يصح الوقف عليهم، و صح في حق الباقين لأنه لا دليل على إبطاله، و لا مانع يمنع منه، و قال في الثاني ما حاصله أنه مبني على صحة تفريق الصفقة التي اعترف بالقول بها، ثم إن كان من بطل الوقف في حقه لا يمكن اعتبار انقراضه، كالوقف على معدوم أو مجهول صرفت منفعة الوقف إلى من صح في حقهم في الحال، و إن كان ذلك ممكنا كالعبد ففي صرفها إليهم أيضا و عدمه، بل تصرف إلى الفقراء و المساكين إلى انقراض العبد فترجع إليهم قولان.

و عن يحيى بن سعيد في الجامع موافقته في الصحة في حق الباقين، و كأنه مال إليه في غاية المراد حيث أجاب عن دليل الأول بالتزام أن هناك موقوفا عليه و هم البطن الثاني فإن أمكن اعتبار انقراض الأول اعتبر ذلك في جواز انتفاع البطن الثاني، لا في نفوذ الوقف، و النماء حينئذ للواقف أو ورثته، كمنقطع الوسط، مع احتمال مساواته لمن لا يمكن انقراضه، و يقال فيهما أنه لما كان المصدر به محالا كان شرط الواقف كلا شرط، فلا يلزم بمخالفته محال، و اتباع

29

شرط إنما يلزم لو كان سابقا، و بطلان الوقف إنما يلزم لو لم يكن هناك موقوف عليه لكنه موجود قطعا و الواسطة غير صالح للمانعية.

و فيه- مضافا إلى ما عرفت- أنه مبني على عدم بطلان العقد ببطلان الشرط الذي قد تقدم الكلام فيه في محله، بل في المسالك أنه مناف أيضا لاعتبار إخراج الواقف نفسه عن الوقف و لو وفاء دين أو غلة سنة في صحة الوقف، و تشبيهه له بمنقطع الوسط رد له إلى المتنازع فإنه بمثابة منقطع الأول بعد الانقطاع، و إن أراد فيما قبله فالفرق واضح.

و بذلك ظهر لك حينئذ صلاحية الواسطة للمانعية و أن الأول أشبه بأصول المذهب و قواعده بعد وضوح الفرق على العبد مثلا بينه و بين تبعيض الصفقة التي يساويها وقف الشاة و الخنزير مثلا، أو الوقوف على العبد مثلا و زيد الذي صرح الأكثر بجوازه في الثاني في النصف، لتوجه القصد في الأول إليهما فيصح في الجامع و يبطل في الفاقد، و في الثاني إلى التشريك بينهما فيصح في القابل، و يبطل في الفاقد بخلاف الفرض الذي تترتب في القصد بل هو قصد إلى المرتب الذي هو كالمركب في اقتضاء انتفاء المرتب عليه انتفاءه، لعدم الترتيب حينئذ، بل لعل التأمل يقتضي البطلان بنحو ذلك في منقطع الوسط، و منقطع الأخير بناء على مدخلية الترتيب في المتأخر كمدخليته في المتقدم، لاتحاد سلسلة الترتيب، فمتى كان اختلال في أولها أو وسطها أو آخرها بطلت، لأن المعنى الترتيبي واحد بالنسبة إلى الجميع.

اللهم إلا أن يدعي بين المرتب عليه و المرتب في العرف، و لكنه صعب مع التأمل و الا فلا إشكال فيه مع فرض قصد الواقف ذلك، و حينئذ يكون من تبعيض الصفقة، بل لو فرض في الأول أيضا كان كذلك فلا حظ و تأمل جيدا كي لا يخفى عليك ما في الذي حكيناه عن غاية المراد من التشبيه بمنقطع الوسط، و ما سمعته من رده بما في المسالك.

و كذا ظهر أيضا لك الحال فيما لو وقف على من لا يملك ثم على من يملك و إن كان فيه ال تردد و الخلاف المزبور و لكن المنع أشبه بأصول المذهب و قواعده لا عرفت، و لا أقل من أن يكون الوقف المفروض محل شك في تناول الأدلة، و لو الإطلاقات و العمومات فالأصل فيه الفساد، لكن لا

30

يخفى عليك أن بناء جميع ما سمعته من الأصحاب في المنع على خلو الوقف عن موقوف عليه- و لا ريب في كون ذلك مانعا و منافيا لتنجيز الوقف، من غير فرق بين ابتداء الوقف و في أثنائه، و في آخره، مما عساه يظهر من المصنف و الدروس من أن هذا الشرط إنما هو في ابتداء الوقف، و إلا فلا بأس بالوقف على المعدوم تبعا للموجود- لا يخلو من إبهام، ضرورة أن الصحيح من الوقف على المعدوم تبعا هو ما لا يقتضي خلو الوقف عن موقوف عليه في أحد الأزمنة، و بهذا المعنى لو فرض في الأول يكون صحيحا للعمومات بمعنى أنه يقف على الموجودين ما دام لم يولد له مثلا، و متى ولد له كان الوقف عليهم على وجه يكونون هم المقدمون، و دعوى عدم صحة هذا أيضا ممنوعة على مدعيها، و إن كان سيأتي من المصنف ما يوهمها، و هو قوله «و لو شرط نقله عن الموقوف عليهم إلى من سيوجد لم يجز و بطل الوقف» إلا أنه في نقل الوقف من أصله عنهم، و هو غير ما نحن فيه مع أن ظاهر الشهيد في الدروس و غيره جوازه كما تسمعه في محله إن شاء الله تعالى.

و كيف كان فقد عرفت أنه لا خلاف بيننا كما لا إشكال في أنه لا يصح الوقف على المملوك بجميع أفراده المشتركة في عدم قابليته للملك الذي قد عرفت أنه من مقتضى الوقف.

نعم لو قلنا بأنه صح الوقف عليه و إن كان محجورا عليه، بل في عدم اعتبار إذن مولاه في القبول وجه، و ما عن بعض العامة- من جواز الوقف عليه على الأول و يكون لسيده واضح البطلان، ضرورة كون الوقف عقدا و هو تابع للقصد ف لا ينصرف الوقف إلى مولاه ل كون المفروض أنه لم يقصده بالوقفية و إنما كان قاصدا للعبد و كذا لا خلاف و لا إشكال في أنه يصح الوقف على المصالح الراجعة إلى كافة الناس أو بعضهم كالقناطر و المساجد لعموم الأدلة و لا ينافي ذلك عدم قابليتها للملك لأن الوقف في الحقيقة على الناس المسلمين و إن وقعت هي في اللفظ و القصد الأولى لكن المراد حقيقتهم باعتبار انتفاعهم في ذلك ف هو حينئذ صرف إلى بعض مصالحهم و كذا الوقف على أكفان الموتى

31

و مؤنة حفر قبورهم بل و على العبيد المعدين لخدمة البيت و الحضرات المشرفة و الأماكن المعظمة، بل و البهائم كذلك لرجوع الأمر في ذلك كله إلى ما عرفت، بل يمكن القول بصحة الوقف على الجهات الخاصة، كالوقف على كتب زيد و مدرسته مثلا لأنه في الحقيقة وقف على زيد أن يصرفه في مصلحة خاصة.

نعم يحتاج مع ذلك إلى ما يكون به مؤبدا، ضرورة اتحاد الجميع في المدرك، و أما

المرسل في الفقيه في باب فضل المساجد (1) «إنه سئل عن الوقوف عليها، فقال لا يجوز، لأن المجوس وقفوا على بيوت النار»

المراد به على الظاهر ما رواه هو و الشيخ في التهذيب من خبر الصحاري (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قلت له: «الرجل اشترى دارا فبقيت عرصة فبناها بيت غلة أ يوقفه على المسجد، فقال: إن المجوس أوقفوا على بيوت النار»

الذي هو مع شذوذه و ضعف سنده- و احتماله الوقف على نفس المسجد أو للتزويق و الزخرفة أو وقف الأولاد للخدمة كما كان في الشرع السابق و غير ذلك و إن بعد- فيمكن حمله على إدارة بيان الأولوية بالجواز مما ذكر فيه من التعلل، فيكون حينئذ مؤيدا، لترك «لا» في بعض النسخ في المرسل الذي يكون حينئذ صريحا على هذا التقدير في الجواز المواقف لما دل على الأمر بعمارتها و كنسها و غير ذلك مما يكون الوقف مقدمة له، و الله العالم.

و لا يقف المسلم على الحربي، و إن كان رحما وفاقا للمشهور كما عن المسالك، بل قد تشعر عبارته بعدم الخلاف كما عن ظاهر التنقيح، و إن كان فيه حينئذ ما ستعرف، للنهي عن موادته و بره، و لأنه مباح المال على وجه ينافي صحة الوقف عليه التي يترتب عليها عدم جواز تناوله منه كما أومى إليه بتعليل المنع في الدروس بذلك.

لكن عن كثير من القدماء إطلاق جوازه على الكافر- بل عن مجمع البيان الإجماع على جواز أن يبر الرجل على من شاء من أهل الحرب قرابة كان أو غير قرابة، و إنما الخلاف في إعطائهم الزكاة و الفطرة و الكفارات، فلم يجوزه أصحابنا، و فيه خلاف بين الفقهاء- لعموم

قوله (3)

____________

(1) الوسائل- الباب- 44- من أبواب أحكام المساجد الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 44- من أبواب أحكام المساجد الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 2- من أبواب أحكام الوقوف الحديث 1- 2.

32

(عليه السلام) «الوقوف على حسب»

إلى آخره و نحوه و الحث على الإحسان و المعروف و صلة الأرحام، و ربما كان فيه تأليف لقلوبهم و ميلهم إلى الإسلام، و لأن

«لكل كبد حرى أجر (1)»

و النهي عن الموادة من حيث كونه محادا و محاربا، و إلا لحزم محادثتهم و التعارف معهم و نحوه، و تحريم تغييره من حيث كونه وقفا، لا ينافي جوازه من حيث كونه مال حربي، لا أقل من أن يكون التعارض من وجه، و لا ريب في رجحان الأخير، و مع الإغضاء عن ذلك كله، فالنهي عن الموادة لا يقتضي الفساد إذا كانت في عقد من العقود بل أقصاها الإثم.

و لكن فيه- بعد إمكان إرادة خصوص الذمي الذي ستعرف الحال فيه من الإطلاق كما عن الشهيد و جماعة، و أن يراد من معقد الإجماع المزبور ما لا يشمل الوقف عليهم، الذي هو أولى بالمنع من الوصية التي أطبقوا على ما قيل إلا من شذ على عدم جوازها له بل ظاهر المبسوط الإجماع على ذلك- أن ضرورة الشريعة تقتضي الحث على قطع رحم الكفر، و على الإسائة لهم بكل ما يمكن، لأنهم شر دواب الأرض المؤذية و أن الفساد على تقدير اعتبار القربة فيه واضح، لمعلومية عدم كون العبادة محرمة، بل و على العدم أيضا للنهي عن نفس العقد الذي هو فرد المقتضى للبر و الموادة كالنهي عن فرد الإعانة على الإثم، و ليس هو الأمر خارجي كالبيع وقت النداء و الظاهر أن ذلك مبني الفساد عندهم، لا ما في الرياض من عدم صلاحية الحربي للملك الذي هو مقتضى الوقف، و لا أقل من أن يكون محل شك، و الأصل الفساد، إذ هو كما ترى مناف للضرورة و ما سمعته من إباحة ماله لا يقتضي ذلك، بل هو ظاهر في خلافه كظهور أدلة التمليك في ذلك أيضا، بل هو كالضروري من مذهبنا.

نعم قد يتوقف بناء على الصحة في تملك المسلم منه بالاغتنام و نحوه، لكونه وقفا لمسلم جامعا للشرائط، اللهم إلا أن يرجح ما دل على أن ماله فيء للمسلمين على ذلك بعد فرض تناول ذلك لمثل هذا المال له، كما أومأنا إليه سابقا، و هو أمر آخر غير ما نحن فيه، فتأمل جيدا و الله العالم.

____________

(1) الوسائل- الباب- 39- من أبواب الصدقة الحديث- 5.

33

و أما القول بجواز أن يقف المسلم على الذمي و لو كان أجنبيا فهو محكي عن التذكرة و التبصرة، و موضع من التحرير و الدروس و إيضاح النافع، بل لعله لازم للقائل بجواز الصدقة عليه الذي نسبه في المسالك إلى الأشهر، بل في الكفاية إلى المشهور، بل قيل لم يحك الخلاف فيه إلا عن الحسن، و منه ينقدح الاستدلال عليه بالنصوص الدالة على ذلك، مضافا إلى عموم المقام، بل و عموم الإحسان و المعروف و صلة الرحم و غيرها، بعد قوله (تعالى) (1) «لا يَنْهاكُمُ اللّهُ.» و إلى فحوى ما دل على جواز الوصية من الإجماع المحكي، أو النصوص و إلى ما سمعته من إجماع مجمع البيان، بل لا ينافي ذلك القول باعتبار القربة فيه بعد فرض شمول الأدلة له، ضرورة عدم المانع من كونه مقربا إلى الله تعالى، و إن كان على أهل الذمة كالصدقة، و بذلك يظهر لك ضعف القول باختصاص الجواز في الرحم- و إن حكي عن الشيخين و أبي الصلاح و بني حمزة و زهرة و سعيد و إدريس، بل في جامع المقاصد أنه المشهور، بل في الخلاف الإجماع عليه، بل قد يظهر من الغنية نفي الخلاف فيه-

للمرسل (2) «إن صفية وقفت على أخ لها يهودي فأقرها النبي (صلى الله عليه و آله)»

ضرورة عدم دليل صالح للاختصاص، و إن زاد الرحم بما دل على رجحان صلته و الوقف على الأرحام، بل يمكن إرادة القائلين وضوح القول بالجواز فيهم، لا الجزم بنفيه عن غيرهم، و حينئذ لا يكون مخالفا للمختار، و كذا القول باختصاصه فيما إذا كان أحد الأبوين مع أنا لم نتحقق القول به إلا ما يحكي عن السرائر مع أن المنقول عنها في موضع آخر التصريح بجوازه على مطلق الأرحام، كما لم نتحقق الدليل له إلا المرسل في محكي المراسم «إذا كان الكافر أحد أبوي الواقف كان جائزا» و الأمر بمعاضرتهما بالمعروف و هما غير صالحين للدلالة على الاختصاص، و أما القول بالمنع، و إن حكى عن سلار و ابن البراج و الفخر و الشهيد في الحواشي المنسوبة إليه لكن لا دليل لهم سوى ما سمعته في الحربي الذي يجب الخروج عنه بما عرفته هناك كما هو واضح، هذا.

و لكن في الرياض المناقشة في أصل دلالة العمومات على الجواز مطلقا بكون المراد من

قوله (عليه السلام) «الوقوف»

إلى آخره و غيره، الوقوف الصحيحة المتضمنة لشرائط الصحة التي منها

____________

(1) سورة الممتحنة الآية- 8.

(2) المغني لابن قدامة ج 4 ص 222 طبعة بيروت دار الكتاب العربي سنة 1932.

34

قصد القربة، و هي فرع الأمر بالوقف أو مطلق الصدقة عليهم و المبرة بهم، و لا أثر له في الشريعة لا في الكتاب و لا في سنة، فكيف يقصد التقرب بشيء لم يرد به أمر أو حث أو ترغيب نحو ما ورد في المستحبات الشرعية، و بذلك يظهر لك الجواب عن الاستدلال ب

قوله (عليه السلام) «لكل كبد حرى أجر»

و بآية «لا يَنْهاكُمُ اللّهُ» إلى آخره فإن غايتهما الدالة على ثبوت الأجر، و عدم النهي عن المودة، و هما لا يستلزمان الأمر بالوقف أو المودة حتى يتحقق فيه قصد القربة المشترطة في الصحة، مع معارضتهما بعموم دليل المنع، حتى يتحقق فيه قصد القربة المشترطة في الصحة، مع معارضتهما بعموم دليل المنع، و هو قوله تعالى (1) «لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ» إلى آخره، مع أني لم أجد لهذا القول عدا الماتن هنا و في الشرائع قائلا، إلى أن قال: فهو ضعيف غايته.

و هو من غرائب الكلام و ما كنا لنؤثر أن يقع ذلك منه لا في النظر و لا في التتبع، إذ قد عرفت أنه قول غير المصنف أولا، و ثانيا لا يخفي عليك- بعد الإغضاء عما في تقييد العمومات بالصحيحة المقتضي لعدم استفادة الصحيح منها حينئذ، و الإغضاء عن شرطية نية القربة- أنه يكفي في ذلك إطلاق ما دل على استحباب الوقف، و أنه من الصدقة الجارية، ضرورة عدم الفرق بين متعلقة و متعلق أوامر الصدقة بين المسلم و الذمي خصوصا بعد

الخبر «أن لكل كبد حرى أجرا»

و كذا ما دل على الأمر بالإحسان و بالمعروف و فعل الخير و نحو ذلك، بل قوله تعالى (2) «لا يَنْهاكُمُ اللّهُ» إلى آخره كاف في ثبوت الحث على برهم، و الإقساط إليهم بالمودة، «ف إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ و المحسنين، و يأمر بالإحسان (3)» و أغرب من ذلك قوله فإن «غايتهما» إلى آخره و بالجملة هو من غرائب الكلام، و الله هو المؤيد و المسدد و الحافظ من زلل الاقدام و الأقلام.

هذا كله في الوقف عليهم أنفسهم من حيث أنهم من بني آدم، و يمكن تولد مسلم منهم، بل يمكن صيرورتهم مسلمين، بخلاف ما لو وقف على الكنائس و البيع التي هي معابدهم فإنه لم يصح بلا خلاف أجده فيه بل عن ظاهر المبسوط و الغنية

____________

(1) سورة المجادلة الآية- 2.

(2) سورة الممتحنة الآية- 8.

(3) سورة البقرة الآية- 195- و سورة النحل الآية 90.

35

نفيه بين المسلمين لكونه إعانة لهم على ما هو محرم عليهم من التعبيد فيها و نحوه و بذلك افترق عن الوقف عليهم لا بقصد شيء من ذلك و إن صرفوهم في المحرم، و على المسلمين أو مصالحهم كمساجدهم و قناطرهم و نحوها مما يستحب إعانتهم عليه هذا.

و لكن في المسالك بعد أن ذكر وجه المنع بنحو ما قلناه قال: و أما تعليل المنع- بأن من جملة مصرف الوقف عمارتها و هي محرمة، بخلاف عمارة المساجد، و باقي مصالح أهل الذمة- فغير مطرد، لأن من الكنائس ما يجوز لهم عمارتها بل هو الأغلب في بلاد الإسلام، و تخصيصه بكنيسة لا يجوز إحداثها كالمحدثة في أرض الإسلام، أو أرضهم بعيد عن الإطلاق من غير ضرورة».

و فيه أن عدم منعنا لهم عن ذلك لكونه من مقتضى عقد الذمة، لا يقتضي الجواز لهم في الواقع، بل هو محرم عليهم، و حينئذ لا يجوز الوقف منا لهم على هذه الجهة، بالإعانة على الإثم، نعم لا بأس في الوقف على المصالح الراجعة إليهم الجائزة لهم كبناء دورهم و نحوها، لأنه كالوقف عليهم.

و كذ لك في عدم الصحة لو وقف على معونة الزناة في زناهم من المسلمين فضلا عن غيرهم، أو قطاع الطريق أو شاربي الخمر أو غيرهم لاشتراكهم معهم في الدليل الذي هو النهي عن الإعانة على الإثم، و الوقف بهذا القصد فرد منها، فبناء على اعتبار القرية فيها فالأمر واضح، و على العدم يبطل لكون النهي عنه نفسه باعتبار أنه إعانة، نحو ما سمعته في الموادة و كذا لو وقف على كتب ما يسمى الآن بالتوراة، و الإنجيل بلا خلاف أجده فيه كما عن التذكرة و كذا المبسوط، لا لأنها منسوخة، فإن ذلك لا يقتضي حرمة النظر فيها كالمنسوخ من القرآن و إن توقف فيه في جامع المقاصد لاختلاف الملتين بخلاف منسوخ القرآن إلا أنه كما ترى بل لأنها محرفة و لو في الجملة و به صارت من كتب الضلال التي لا يجوز نسخها و النظر فيها لغير النقض و لذا

غضب رسول الله (صلى الله عليه و آله) على عمر لما رأى في يده شيئا من التوراة (1) «و قال له: أ في شك أنت يا بن الخطاب، أ لم آت بها بيضاء نقية،

____________

(1) المغني لابن قدامة ج 6 ص 222 طبعة بيروت دار الكتاب العربي سنة 1932.

36

و لو كان أخي موسى حيا لما وسعه إلا اتباعي»

و لو وقف عليها بقصد الوجه الذي يجوز له إمساكها و النظر فيه جاز، لكونه حينئذ طاعة إلا أن الفرض لما كان نادرا أطلقوا المناع من الوقوف عليها، و كإطلاقهم المنع على الحربي، و البيع مع إمكان فرض جهة راجحة يجوز لها ذلك، لكنه بعد تسليم إمكان فرضه خروج عن محل البحث كما هو واضح. هذا كله في وقف المسلم.

و أما لو وقف الكافر على البيع و الكنائس أو أحد الكتابين جاز بلا خلاف أجده فيه كما عن المقتصر الأعراف به بل عن ظاهر التنقيح الإجماع عليه.

نعم في جامع المقاصد بعد أن افتى بالجواز قال: «و فيه وجه آخر» و على كل حال فالمعروف الأول إقرارا لهم على دينهم، لكن في المسالك هو يتم بناء على عدم اشتراط القربة، أما معه فمشكل من حيث إن ذلك معصية في الواقع، فلا يتحقق معنى القربة بها إلا أن يراد قصدها في الجملة و إن لم تحصل، أو قصدها ممن يعتقد حصولها، و هذا هو الظاهر، و الأصل في ذلك ما عن الآبي في كشفه قال: سألت المصنف عن وجه عدم الصحة أي الذي ذكره في النافع، فأجاب بأنه يمكن أن يقال: أن نية القربة شرط في الوقف، و لا يمكن ذلك في الكافر، فلا يصح منه الوقف.

و ناقشه فيه بأن لقائل أن يمنع المتقدمين، و الوجه الصحة، إذ كل قوم يدينون بدين و يعترفون بمعبود يتوجهون إليه، و تبعهما في الرياض، فإنه بعد أن حكى عن المصنف احتمال عدم الجواز لتعذر النية قال: و فيه نظر، لاختصاصه بالمعطلة و الدهرية.

و فيه أن الجواز الإقراري غير محتاج إلى شيء من ذلك، ضرورة أنه كوقف الخنزير و نحوه، و أما الجواز الواقع الذي ينبغي فرضه في الجامع لشرائط الصحة عندنا، سوى أنه من كافر لا في نحو المقام الذي باطل عندنا، و الفرض اشتراكهم في الفروع معنا، و حينئذ فلا ريب في الفساد بناء على أن الوقف من العبادات المعتبر فيها النية المتوقفة على تحقق الأمر، و ليس هي إلا

37

بالصحيحة الجامعة للشرائط التي منها الإسلام، و دعوى الاتفاق على الصحة من الكافر في وقفه الجامع يقتضي ما أشرنا إليه من عدم اعتبار نية القربة فيه، و إلا لم يكف القصد المزبور، ضرورة شرطية الإسلام في صحة عباداتهم الجامعة للشرائط، فضلا عن محل الفرض الذي ليس موضوع عبادة في الواقع، و المذهب على اشتراكهم معنا في الفروع و لعل ذلك هو مراد المصنف كما وقع له في العتق، بل كذلك الكلام في الوقف من فرق المسلمين المخالفة للحق، فإنه باطل على اعتبار القربة لمعلومية اشتراط الإيمان في صحة العبادة».

و أما الوقف عليهم فالظاهر جوازه لنحو ما سمعته في الوقف على الذمي، إلا ما كان ملحقا منهم بالحربي كالخوارج و الغلاة و النواصب و نحوهم مما لم يثبت شرعية الوقف عليهم إن لم يكن الثابت من الأدلة خلافه، و هو معنى آخر غير اشتراط القربة، و عليه يتفرع عدم جواز الوقف على الفاسق من حيث كونه كذلك، و كذا الكافر و المخالف على وجه لا يكون من الإعانة على الإثم، فليس حينئذ إلا اعتبار مشروعية جهة الوقف في الصحة فتأمل جيدا، فإنه دقيق نافع، و مما ذكرنا يعلم وجه الصحة في وقف الكافر على بيوت النيران و قرابين الشمس و الكواكب كما هو المحكي عن المقنعة و المهذب و الكافي و الوسيلة و السرائر و الدروس و المقتصر، بل و ظاهر النهاية و الجامع، إذ هي إما أن يراد منها الصحة الإقرارية إن كانوا ممن يقرون على ذلك، نحو قولهم بصحة وقف الذمي الخنزير على مثله، أو مبني على عدم اعتبار نية القربة في الوقف، بل و على عدم اعتبار مشروعية الجهة في الوقف في الواقع، لكن عن المختلف و التنقيح التصريح بعدم صحة ذلك، و هو مبني على إرادة الصحة الواقعية لا الإقرارية، و أن القربة معتبرة فيها أو مشروعية الجهة و الله العالم.

و المسلم إذا وقف على الفقراء انصرف عرفا إلى إرادة فقراء المسلمين دون غيرهم و إن كان اللفظ جميعا معرفا، و مقتضاه الاستغراق، إلا أن شهادة الحال عرفا تكفي في تخصيصه و من هنا لو وقف الكافر كذلك بأن جعل عنوان وقفه الفقراء انصرف إلى فقراء نحلته أيضا لما عرفت بلا خلاف أجده فيهما، و ليس هو من الحقيقة العرفية حتى يبني على مسألة تقديمها على اللغوية أو بالعكس كما توهم، بل

38

هو من القرينة على إرادة الاختصاص، بل الظاهر قيامها على إرادة فقراء أهل مذهبه، لا غيرهم كما اعترف به بعضهم، بل يمكن إرادة الأكثر له، و إن أطلقوا، إلا أنه كان بصدد بيان عدم دخول فقراء الكافرين من حيث كون الواقف مسلما، من المحققين كان أو المبطلين، أما لو فرض كونه إماميا فشاهد هذا الحال الذي ذكرناه بنفسه قائم أيضا على إرادة الفقراء من الإمامية دون غيرهم، و هكذا إلا مع القرينة الدالة على إرادة خلاف قرينة الإطلاق، و كذا لو جعل العنوان فقراء بلد أو بلد مخصوص.

نعم لو لم يكن في البلد إلا فقراء غير مذهبه، و كان عالما بذلك أتجه حينئذ الصرف إليهم للقرينة، أما إذا لم يكن عالما فلا يبعد بطلان الوقف لعدم الموقوف عليه خلافا لما في المسالك من أن الأولى الصحة عملا بالعموم المتناول للموجودين و حملا للوقف على الوجه الصحيح، و فيه ما لا يخفى بعد فرض انصراف الإطلاق إلى ما ذكرناه و عدم القرينة إلى غيره.

و لو وقف على المسلمين انصرف إلى من صلى إلى القبلة كما عن الأكثر، بل المشهور، و هي الكعبة المشرفة، أي تدين بالصلاة إليها و إن لم يفعل، خلافا لما عن المفيد من اشتراط الفعل، بل الظاهر ما صرح به غير واحد من دخول أطفالهم و مجانينهم و المستضعفين منهم و نحوهم ممن محكوم بإسلامه شرعا للتبعية، بل و الإناث و إن كانت الصيغة للذكور، إلا أن المراد منها الجنس.

نعم يخرج عنهم كل من حكم بكفره، و لو لسب و نحوه، و إن انتحل الإسلام كالخوارج و الغلاة و نحوهم ما لم يكن الواقف منهم، و إن احتمال دخولهم في الرياض، لكنه في غير محله، من غير فرق في ذلك كله بين كون الواقف من المسلمين محقا و غيره، للعموم.

و قيل: إن كان الواقف محقا اختص الوقف بقبيلته بشاهد الحال، كما لو وقف على الفقراء، و لمنع صحة الوقف على غير المحق، بناء على اعتبار القربة فيه، و فيه منع شهادته بذلك، و لا تلازم بين اقتضائه في لفظ الفقراء، و اقتضائه في لفظ المسلمين، و إلا لاقتضى في لفظ الناس و بني آدم و نحوهم، و التعليل بعدم صحة الوقف على غير المحق خروج عن محل البحث، أولا، و ممنوع ثانيا و إن قلنا باعتبار القربة فيه، كما أوضحنا سابقا.

39

و منه يعلم ضعف ما عن الحلبي من خروج غير المؤمن إن كان مبناه الحكم بكفره على وجه لا يجوز الوقف عليه كما أن من ذلك كله يظهر لك الحال فيما أطنب فيه في الرياض خصوصا بعد ملاحظة كون المرجع في المسألة الفهم عرفا و لو بشاهد الحال، فإيكاله حينئذ إلى الوجدان كما في نظائره أولى من إقامة الدليل و البرهان، و كذا في الدروس من أن الرجوع إلى الاعتقاد قوي، و إن خفي بني على تحقق الإسلام و الكفر و هو في علم الكلام، و الله العالم.

و لو وقف على المؤمنين انصرف إلى الاثني عشرية، و قيل: و القائل الشيخ و جماعة إلى مجتنبي الكبائر منهم التي منها الإصرار على الصغائر و الأول أشبه لعدم الدليل على اعتبار ذلك في الإيمان بل ظاهر الأدلة خلافه بل استقر المذهب الآن على ذلك بل هو المحكي عن التبين للشيخ قائلا أنه كذلك عندنا، مشعرا بالاتفاق عليه، و عن الحلبي و الديلمي و كافة المتأخرين، بل ظاهر المصنف و الأكثر على ما اعترف به بعضهم بل في الرياض نسبته إليهم عدم الفرق في الانصراف المزبور بين كون الواقف منهم أو من غيرهم.

لكن في المسالك بعد أن ذكر أن للإيمان معنيين، عام، و هو التصديق القلبي بما جاء به محمد (صلى الله عليه و آله)، و هو أخص من الإسلام، و خاص، و هو أيضا قسمان أحدهما أنه كذلك مع العمل الصالح، فصاحب الكبيرة ليس بمؤمن و الثاني الاعتقاد بإمامة الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام)، و هو المتعارف بين الإمامية و ذكر ما اقتضاه ظاهر المصنف و الأكثر قال: «و هو مشكل لأن ذلك غير معروف عنده، و لا قصده متوجه إليه، فكيف يحمل عليه، و ليس الحكم فيه كالمسلمين في أن لفظة عام فينصرف إلى ما دل عليه اللفظ، و إن خلاف معتقد الواقف كما تقدم، لأن الإيمان لغة هو مطلق التصديق، و ليس بمراد هنا و اصطلاحا مختلف بحسب المصطلحين، و المعنى الذي اعتبره أكثر المسلمين هو المعنى العام، فلو قيل بحمله عليه إذا كان الواقف غير إمامي كان حسنا، أو يقال: إذا كان من الوعيدية يحمل على معتقده أو من الإمامية، فعلى معتقده، أو من غيره فعلى معتقده عملا بشاهد الحال و دلالة العرف الخاص و القرائن الحالية، و لو كان الواقف إماميا و عيديا كما اتفق لكثير من قدمائنا تعارض العرفان، و لعل حمله على المعنى المشهور و هو الأخير أوضح لأنه أعرف» و تبعه على ذلك في الرياض.

40

قلت: قد يقال: إن نظر الأصحاب إلى أن هذا الاختلاف في مصداق المؤمن الموجود في الكتاب و السنة النبوة و أخبار الأئمة (عليهم السلام)، و ليس هو تعدد اصطلاح منهم، و حينئذ فمن أوقف أو أوصى و جعل العنوان المؤمن نفذ فيما هو مصداقه واقعا، لظهور إرادة الواقع من كل متكلم إذا كان من قبيل لا يعرف اختلاف علمائه في ذلك، بل لعله كذلك و إن كان خلاف ما اعتقده الواقف، إلا أن تكون قرينة على إرادته بوقفه ما يزعم أنه مصداق له، و مجرد الاختيار في التفسير لا يصلح قرينة على ذلك، و لا ريب في أن المؤمن في العرف السابق، المصدق قلبا بمحمد (صلى الله عليه و آله)، و ما جاء به، و في العرف الحادث المصدق مع ذلك بإمامة الأئمة الاثنى عشر (عليهم السلام)، فهم المؤمنون حينئذ حقا.

نعم يعتبر فيهم عدم صدور ما يخرجهم عن الايمان إلى الكفر من سب و إنكار ضروري المذهب و نحو ذلك، مثل ما سمعته في المسلم بالنسبة إلى ذلك، بل و بالنسبة إلى إدخال أطفالهم و مجانينهم مما هو محكوم بايمانه بالتبعية، بل و المستضعف منهم، و كأنه أشار إلى بعض ما ذكرنا في الدروس حيث اعتبر اعتقاد العصمة في الاثنى عشر مع الإمامة، و لعله لأنها من ضروريات المذهب الذي يقتضي إنكارها- من أهل المذهب الكفر، و إن نظر فيه في المسالك قال: «و يلزمه اشتراط اعتقاد أفضليتهم على غيرهم من معتقدات الإمامية المجمع عليها، و الفتاوى خالية عنه، و الظاهر يشهد بخلافه» لكن فيه ما لا يخفى بعد الإحاطة بما ذكرناه، و الله العالم.

و لو وقف على الشيعة فهو في عرفنا الآن للإمامية خاصة كما اعترف به في الرياض، بل في المسالك حكاه عن بعض من تقدمه، لكن قال: هو غريب بناء منه على أن الشيعي من شائع عليا (عليه السلام) في الإمامة مقدما له على غيره بعد النبي (صلى الله عليه و آله).

و حينئذ فيندرج فيهم الجارودية و الإسماعيلية من فرق الزيدية دون غيرهم و الكيسانية و الواقفية و الفطحية و غيرهم، الا أن المصنف اقتصر على الجارودية من فرق الزيدية للقول: بإمامة الشيخين من باقي فرقهم و انقراض الطوائف الأخر.

41

و على كل حال فالقول بالانصراف المزبور هو المشهور بين الأصحاب كما في المسالك و لا يختص به فرقة نحلة الواقف خلافا للمحكي عن ابن إدريس فقال: «إن كان الواقف من احدى فرق الشيعة حمل كلامه العام عليه، و صرف في أهل نحلته دون من عداهم، عملا بشاهد الحال» و عن التذكرة نفي البأس عنه، و هو كذلك مع فرض قيام قرينة عليه و إلا فالحكم لمصداق اللفظ في الواقع كالمسلم، و مع فرض الاختلاف في مصداق الشيعي فالحكم على حسب ما قلناه في المؤمن، و هو واضح، كوضوح الانصراف الآن من هذا اللفظ- لو كان الواقف اثنى عشريا- إليهم خاصة، و لا يدخل فيه أحد من الجارودية أو غيرهم و لعل كلام الأصحاب محمول على حال عدم القرينة، فإن الأمر يدور حينئذ على المفهوم واقعا في نفسه، و من ذلك يظهر لك الحال فيما أورده بعض الناس- ممن قارب عصرنا- على الأصحاب من معلومية خروج غير الاثني عشرية إذا كان الواقف واحد منهم كما هو واضح و هكذا إذا وصف الموقوف عليه بنسبة دخل فيها كل من أطلقت عليه إلا أن تكون هناك قرينة صارفة، و هذا هو الضابط في جميع هذه المسائل على حسب غيره من المقامات.

لكن في المسالك «لا كلام في ذلك مع اتفاق العرف و الاصطلاح، و مع التعدد يحمل على المتعارف عند الواقف، و بهذا يتخرج الخلاف و الحكم في الجميع» و هو كذلك مع فرض العرف الخاص، لا القول الخاص في التفسير كما عرفته سابقا، و لكن لا يخفى عليك عدم تخرج الخلاف على ذلك ضرورة عدم النزاع في تقديم العرفية الخاصة على غيرها في لفظ أهلها كما هو واضح.

و على كل حال ف لو وقف على الإمامية، كان للاثنى عشرية خاصة لأنهم المعروفون بهذا الاسم، و الظاهر عدم اعتبار اجتناب الكبائر هنا ممن اعتبره في المؤمن كما هو مقتضى دليل القائل اما اعتبار العصمة فقد يظهر من الدروس ذلك، و لا يبعد أن يكون التحقيق فيها ما ذكرناه في المؤمن فلا حظ و تأمل و لو وقف على الزيدية كان للقائلين بإمامة زيد بن علي بن الحسين (عليه السلام) ثم لكل من خرج بالسيف من ولد

42

فاطمة (عليها السلام) من ذوي العلم و الرأي و الصلاح، و ما عن ابن إدريس من بطلان الوقف إذا كان الواقف غير زيدي خروج عن محل البحث.

و كذا الحال لو علقهم بنسبته إلى أب، كان لكل من انتسب إليه بالأبوة كالهاشميين: فهو لمن انتسب إلى هاشم من ولد أبي طالب (عليه السلام) و الحارث و العباس و أبي لهب، و الطالبيين: فهو لمن ولده أبو طالب (عليه السلام) منهم خاصة بلا خلاف و لا إشكال في شيء من ذلك بل و لا إشكال في أنه يشترك الذكور و الإناث في ذلك المنسوبون إليه من جهة الأب نظرا إلى العرف إذا كان بلفظ لا يخص أحدهم كالهاشمية و العلوية، بل و الهاشميين و العلويين و نحوهم مما يفهم إرادة الجنس منه أو هو مبني على التغليب و أما المنتسبون إليه بالأم ف فيه خلاف للأصحاب و قد حققنا في كتاب الخمس عدم دخولهم في مثل هذه الأسماء التي هي نحو أسماء القبائل، و إن قلنا بكونهم أبناء و أولادا حقيقة، فضلا عن الذرية و نحوهما، فلا يجزي عليهم الحكم الذي عنوانه ذلك كالخمس، بخلاف الحكم الذي- عنوانه الثاني كالنكاح، و لعل المرتضى و من تابعه اشتبه في حكم العنوانين، لا في الاندراج في الموضوعين فلا حظ و تأمل جيدا و الله العالم.

و لو وقف على الجيران رجع إلى العرف كما في القواعد و كشف الرموز و التذكرة و التحرير و المختلف و الإيضاح و جامع المقاصد و الروض و المسالك و الكفاية على ما حكي عن بعضها، و قواه بعض، و استحسنه آخر، و حكاه في جامع المقاصد عن جماعة، لأنه المدار في الألفاظ الصادرة من أهله. و قيل: لمن يلي داره إلى أربعين ذراعا كل ذراع أربعة و عشرون إصبعا من كل جانب و هو حسن بل في غير كتاب نسبته إلى الأكثر، بل في المسالك و غيرها نسبته إلى المشهور، بل في محكي الغنيمة و ظاهر التنقيح الإجماع عليه، بل قيل إنه يلوح أو يظهر من السرائر بل عن موضعين من الخلاف نسبته إلى روايات أصحابنا و إجماعهم، بل قد افتى به من لا يعمل إلا بالقطعيات كالتقي و ابني زهرة و إدريس، و ذكره من عادته التعبير بمتون الأخبار كالمقنعة و النهاية و غيرهما من كتب القدماء، و لعله غير مناف

43

للأول ضرورة أنه تحديد للعرف بذلك، كما هي عادة الشارع في مثل ذلك، كالوجه و المسافة و نحوهما مما يشك في بعض الافراد منها، بعدم معرفة التحقيق في العرف على وجه يعلم الداخل فيه، و الخارج عنه فيضبطه الشارع الذي لا يخفى عليه الشيء بما هو حد له في الواقع، و ليس ذلك منه معنى جديد، و لا إدخال لما هو معلوم الخروج في العرف و بالعكس.

و من هنا كان ما قيل و إن لم نعرف قائله كما اعترف به في المسالك من تحديده بما يلي داره إلى أربعين دارا من كل جانب صغيرة كانت أو كبيرة ضعيفا جدا، بل في المتن و هو مطرح و في غيره شاذ و في ثالث ليس بشيء، كل ذلك للقطع بمخالفة العرف له و جعله عرفا شرعيا غير مجد في الألفاظ المتداولة بين أهل العرف في غيره كما هو المفروض.

و إن رواه

جميل بن دراج في الحسن أو الصحيح عن أبي عبد الله (عليه السلام) (1) «حد الجوار أربعون دارا من كل جانب، من بين يديه و من خلفه، و عن يمينه و عن شماله».

و عمرو بن عكرمة عنه (عليه السلام) أيضا (2) «قال رسول الله (صلى الله عليه و آله): كل أربعين دارا جيران من بين يديه و من خلفه و عن يمينه و عن شماله».

و عمرو بن عكرمة عنه (عليه السلام) أيضا في حديث طويل في آخره (3) «أن رسول الله (صلى الله عليه و آله) أمر عليا و سلمان و أبا ذر أن ينادوا في المسجد بأعلى أصواتهم بأنه لا إيمان لمن لم يأمن جاره بوائقه فنادوا بها ثلاثة، ثم أومأ بيده إلى أربعين دارا من بين يديه و من خلفه و عن يمينه و عن شماله».

لكنها محمولة على التقية من العامة الذين حكموا بذلك (4)

للمرسل عن عائشة «أن النبي سئل عن حد الجوار، فقال: إلى أربعين دارا»

أو على إرادة جوار الشرف كساكني النجف

____________

(1) الوسائل- الباب- 90- من أبواب أحكام العشرة الحديث 1.

(2) الوسائل- الباب- 90- من أبواب أحكام العشرة الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 84- من أبواب أحكام العشرة الحديث 1.

(4) المغني لابن قدامة ج 4 ص 556 طبع دار الكتب العربية بيروت سنة 1390.

44

و كربلاء و غيرهما بعنوان المجاورة لقبورهم، أو غير ذلك، فمن الغريب ميل ثاني الشهيدين إلى هذا القول مع شدة مخالفته للقواعد الشرعية، ضرورة اقتضائه الوقف أو الوصية لمن يعلم بعدم إرادة الواقف و الموصى إياه كما هو واضح.

و من ذلك يعلم أن المدار في التحديد المزبور على نحو ذلك أيضا، فلو علم بدخول من خرج عن التحديد في إرادة الواقف حكم بدخوله، و إنما فائدة التحديد عنه الاشتباه.

و لو انتهى عدد الأذرع إلى باب الدار خاصة فعن ابن البراج الدخول، و قواه في الدروس، بل لعله ظاهر محكي المقنعة و النهاية أيضا و كأنه مبني على دخول الغاية في المغيا، و لعله هنا كذلك: أما إذا انتهى إلى أثناء دار فلا إشكال في الدخول عرفا.

لكن في المسالك إن انتهى العدد إلى آخر دار أو بين دارين فالحد متميز، و إن انتهى أثناء دار هل يدخل في الحد أم لا يبنى على دخول الغاية في المغيا مطلقا أم لا أم بالتفصيل بالمفصل المحسوس، فلا يدخل و عدمه فيدخل، و الأقوى تفريعا عليه حينئذ الدخول، و لو وصل المقدار إلى باب داره خاصة، بني على ما ذكروا أولى بعدم الدخول هنا، و صرح ابن البراج بدخوله في عبارة ردية و قواه في الدروس، و لا يخفى عليك ما فيه ضرورة كون المدار في التحديد دخول من وصل إليه بعض الحد إنما الإشكال خاصة فيما إذا كانت باب الدار مثلا على رأس الذراع الأخير، و هو المبني على ذلك كما هو واضح بأدنى تأمل. و لا يعتبر في الجار عرفا الملكية، فيدخل حينئذ المستأجر و المستعير و نحوهما بل و الغاصب في وجه قوي، و إن كان المحكي عن التحرير عدم استحقاقه، بل حكى عنه التوقف في المستأجر و المستعير، و لو باع صاحب الدار داره فسكنها المشتري دخل هو و خرج البائع، و لو عاد عاد الاستحقاق، و كذا المستعير و المستأجر و غيرهما ضرورة دوران الحكم على التلبس بالوصف وجودا و عدما.

نعم لو غاب غيبة بقصد الرجوع مع بقاء عياله و عدمه لم يخرج بذلك عن الوصف و إن حصل الوقف حالها الا مع طول المدة المقتضية ذلك عرفا، و لا عبرة بتقارب الدور مع عدم السكنى حتى على الثالث، و إن احتمله في المسالك، لكنه في غاية الضعف، ضرورة مدخلية السكنى في صدق اسم الجار، لا ملك الدار و نحوه، لكن يكفى فيها صدقها عرفا،

45

فلو كان له داران يسكنهما صدق كونه جار الكل من يليهما مع تردده لكل منهما أما إذا كانت سكناه فيهما على التناوب و لو بحسب الفصول، ففي المسالك استحق زمن السكنى.

و الظاهر أن القسمة على عدد الرؤوس على الثلاثة، لصدق الجيران عرفا على الجميع و إن دخل بعضهم في العيال في وجه قوي.

نعم يخرج العبد لعدم قابليته للملك، إن كان المراد الملكية، لكن في المسالك لو اعتبرنا عدد الدور ففي قسمته على رؤوس أهلها أو على عدد الدور وجهان، و على الثاني يقسم على الدور أولا، ثم يقسم حصة كل دار على رؤس أهلها، و فيه ما لا يخفى من أنه لا اقتضاء في التحديد بالدور و اعتبارها نفسها في الجوار لا ساكنيها، بل المراد هم، و إن كان التحديد بها كما هو واضح، و الله العالم.

و لو وقف على مصلحة كمسجد و قنطرة و نحوهما فبطل رسمها و أثرها بالمرة صرف في وجوه البر كما هو المشهور على ما اعترف به غير واحد، بل لم أقف على راد له من الأصحاب عدا المصنف في النافع. حيث نسبه إلى قول، مشعرا بتردده فيه، و قد نسبه في محكي المهذب إلى الندرة، و غيره إلى الضعف، بل في محكي السرائر نفى الخلاف فيه، بل قيل ظاهرة بين المسلمين، و كان الوجه فيه بعد معلومية إرادة الواقف الدوام، و لو زعم دوام تلك المصلحة، بل عن جامع الشرائع و جامع المقاصد التصريح بكون الفرض مما تقتضي العادة بدوامها إلا أنه اتفق بطلان رسمها على خلاف العادة استصحاب صحته، و إطلاق الأدلة التي ليس فيها ما يقتضي البطلان بتعذر المصرف المعين، إذ هو ليس مقتضيا لانتفاء الموقوف عليه الذي هو في الفرض المسلمون، كما أنه ليس فيها ما يقتضي الانتقال إلى ما يشابه تلك المصلحة، فليس حينئذ إلا الصرف في وجوه البر التي هي الأصل في كل مال خرج عن ملك مالكه لمصرف خاص تعذر، كما ستعرف في نظائر المقام.

و من ذلك يعرف ما في المسالك و غيرها حتى فيما ذكره من التحقيق الذي قد اعترف بتوجه كلام الأصحاب فيما لو كان الوقف في مصلحة ما شأنه الدوام، لخروج الملك عن الواقف بالوقف فعوده يحتاج إلى دليل، و هو منتف، و صرفه في وجوه البر أنسب بمراعاة غرضه الأصلي

46

إن لم يجز صرفه فيما هو أعم منه، و إنما توقف في الوقف على مصلحة مما تنقرض غالبا كشجر التين و العنب أو مجهولة الحال كالوقف على مسجد في قرية صغيرة أو على مدرسة كذلك، بل جزم في الأول بأنه كمنقطع الآخر، بل هو بعض أفراده، فيرجع بعد انقضائه إلى الواقف أو ورثته على الخلاف حيث لا يجعله بعده لمصلحة أخرى تقتضي التأبيد و أما الثاني فقد استشكل فيه من أصالة البقاء فيكون كالمؤبد، و من الشك في حصول شرط انتقال الملك عن مالكه مطلقا الذي هو التأبيد فيحصل الشك في المشروط فلا يحكم إلا بالمتيقن منه، و هو خروجه عن ملكه مدة تلك المصلحة، و يبقى الباقي على أصالة البقاء على ملك مالكه.

و لا يخفى عليك ما فيه بعد ما عرفت من ظهور كلمة الأصحاب في إرادة الوقف المؤبد لا ما يشمل منقطع الآخر الذي هو بناء على مشروعيته ما يراد انقطاعه من أول صدوره و كون ذي المصلحة مما ينقرض غالبا لا ينافي دوام الوقف بعد عدم انحصاره فيها، و إنما هو مصرف فيها حيث يكون، و لو بأن يعود بعد الخراب و إلا فهو وقف على المسلمين، و يراد حينئذ بوجوه البر ذلك، أو أن المراد تلك الجهة، و لكن قد تعذرت، و تعذرها لا يقتضي البطلان كما عرفت و أن الصرف في وجوه البر للأصل الذي قد ذكرناه في كل مال قد تعذر مصرفه، كما يومي إليه في الجملة ما في كثير من النصوص الواردة في نحو الوصية و النذر المعين الذي له مصارف مخصوصة و قد تعذر.

كالخبر (1) «عن إنسان أوصى بوصية فلم يحفظ الوصي إلا بابا واحدا منها كيف يصنع بالباقي، فوقع (عليه السلام) الأبواب الباقية اجعلها في وجوه البر».

و نحوه

خبر طويل (2) يتضمن «أنه لو أوصى رجل بتركته إلى رجل و أمره أن يحج بها عنه، قال الوصي: فنظرت فإذا شيء يسير لا يكفى للحج، فسألت الفقهاء من أهل الكوفة فقالوا تصدق به عنه، فتصدق به، ثم لقي بعد ذلك أبا عبد الله (عليه السلام) فسأله و أخبره بما فعل،

____________

(1) الوسائل- الباب- 41- من أبواب أحكام الوصايا الحديث- 1.

(2) الوسائل- الباب- 87- من أبواب أحكام الوصايا الحديث- 1.

47

فقال: إن كان لا يبلغ أن يحج به من مكة فليس عليك ضمان، و إن كان يبلغ ما يحج به، فأنت ضامن».

بل قد يؤيده في الجملة، ما في جملة وافرة من الاخبار (1) مما يدل أن ما أوصى به للكعبة أو كان هديا أو نذرا يباع إن كان جارية و نحوها، و إن كان دارهم يصرف في المنقطعين من زوارها، على أن القسم الأول الذي قد اعترف بصحة كلام الأصحاب فيه مبني على ذلك، ضرورة عدم مدخلية زعمه لدوام المصلحة في صحة الوقف بعد فرض بيان فساده، و لو لاتفاق خلاف العادة، إذ لو لم يكن مبني الصحة ما ذكرناه توجه بطلانه لعدم الموقوف عليه حينئذ و لو في الفرض النادر. هذا.

و ربما احتمل وجوب الصرف في الفرض إلى ما شابه تلك المصلحة فيصرف وقف المسجد في مسجد آخر، و المدرسة إلى مثلها، اقتصارا على المتيقن، لاحتمال إرادة المثالية فيما ذكره مصرفا في الوقف المراد تأبيده أو لفحوى ما دل على صرف آلات المسجد بعد اندراسه أو خرابه في مسجد آخر، على ملاحظة الشارع الأقرب إلى نظر الواقف.

و لكن قد عرفت إطلاق فتوى الأصحاب الذي مبناه ما قلناه، من استواء القرب كلها في عدم تناول عقد الوقف لها، و عدم قصده إليها بخصوصها، فلا أولوية لبعضها على بعض بالنسبة إلى ذلك، و مجرد المشابهة لا دخل لها في تعلقه بها، فيبطل القيد، و يبقى أصل الوقف من حيث القربة، فيصرف في كل فرد منها، و لعل ذلك منشأ ما ذكرناه من الأصل، و نوقش بأن تحري الأقرب فالأقرب ليس من حيث المشابهة، بل من حيث دخوله في نوع المصلحة الخاصة، و إن تميزت عنه بالخصوصية، فإذا زالت بقي أفراد النوع الآخر الممكنة داخلة، فكان الوقف تضمن أشياء ثلاثة، القربة و المسجدية مثلا، و خصوصية المسجد، فإذا زال الأخير بقي الأول، لقاعدة «الميسور» و «ما لا يدرك».

بل في المسالك و لعل هذا أقرب، و تبعه في الرياض، الا أنه أشكله في الأول بأنه آت في المصلحة التي تعلم انقطاعها أيضا، مع أن حكم منقطع الآخر متناول لها، الا أن يخص هذا بما

____________

(1) الوسائل- الباب- 4- من أبواب أحكام الوصايا الحديث- 1.

48

لا يتعلق بمصالح المسلمين، مثل الوقف على أولاده من غير أن يسوقه في باقي البطون و نحو ذلك، ثم قال (1) و ليس بذلك، البعيد و للتوقف مجال، و كذا في الرياض، فإنه بعد أن ذكر مثل ذلك قال: هذا كله في غير معلومة الانقطاع، أما فيها ففي انسحاب الحكم أو لحاقها بمنقطع الآخر كما يظهر من بعض الأجلة وجهان، من إطلاق الفتاوى هنا و ثمة، و الاحتياط لا يترك في المقام.

و فيه ما لا يخفى بعد الإحاطة بجميع ما ذكرناه، بل منه يعلم عدم تحريرهم موضوع البحث عند الأصحاب، و أنه الوقف المؤبد الذي ذكر فيه الصرف على مصلحة خاصة و قد تعذرت، و أنه لا محل هنا لقاعدة الميسور، بعد ما سمعت من الأصل و معلومية عدم قصد الواقف ذلك، إذ لم يصدر منه إلا ذكر المصرف الخاص الذي يرتفع بارتفاع الخصوصية كما هو واضح.

و لو وقف على وجوه البر الذي هو كما قيل: اسم جامع للخير كله و أطلق صرف في الفقراء و المساكين و كل مصلحة يتقرب بها إلى الله سبحانه و تعالى بلا خلاف محقق أجده، و إن تعلق بعض وجوهه في الأغنياء أيضا بعد أن يكون من الخير المأمور يفعله شرعا و لا يحب تحري الأكمل فالاكمل بعد إطلاق العنوان كما هو واضح، و ما عن الوسيلة و الجامع من أن سبل البر الجهاد و الحج و العمرة: و مصالح المسلمين، و معونة الفقراء و الضعفاء- لا خلاف فيه لما ذكرناه، مع أن العنوان فيه سبيل البر لا وجوهه، و إن كانا هما بمعنى.

و لو وقف على بنى تميم و نحوهم مما هو غير محصور صح و لو بنى آدم و يصرف إلى من يوجد منهم و لا يجب عليه تتبع غيرهم، بل لا يجب استيعاب الموجودين على الأصح كما ستعرفه في المسألة العاشرة في اللواحق.

و قيل: و القائل ابن حمزة منا و الشافعي من غيرنا لا يصح لأنهم مجهولون فيعتذر المصرف و الأول هو المذهب بل حكى الإجماع عليه غير واحد صريحا و ظاهرا و اشعارا، مضافا إلى إطلاق الأدلة و خصوص

خبر النوفلي (2) «كتبت إلى أبي

____________

(1) هكذا في النسخ لكن الظاهر

«و ليس ذلك ببعيد»

. (2) الوسائل- الباب- 8- من أبواب الوقوف و الصدقات الحديث- 1.

49

جعفر الثاني (عليه السلام) أسأله عن أرض وقفها جدي على المحتاجين من ولد فلان ابن فلان، و هم كثير متفرقون في البلاد فأجاب (عليه السلام) ذكرت الأرض التي وقفها جدك على الفقراء من ولد فلان ابن فلان، و هي لمن حضر البلد الذي فيه الوقف، و ليس لك أن تتبع من كان غائبا»

و يمكن حمل كلام المخالف على ما إذا علم ارادة الاستيعاب المفروض تعذره فيه، لا ما إذا علم العدم أو أطلق و حينئذ يكون خارجا عما نحن فيه.

و على كل حال ففي وجوب استيعاب من حضر على السوية أو التفاوت أو يكفي الصرف إلى أحدهم كالزكاة أو إلى الثلاثة التي هي أقل الجمع مع فرض كون العنوان جميعا بحيث يأتي تحقيقه عند تعرض المصنف له في المسألة العشرة و الله العالم.

و لو وقف على الذمي جاز كما عرفت البحث فيه مفصلا لأن الوقف تمليك، فهو كإباحة المنفعة التي لا إشكال في جوازها له، و لكل من لم تنه عن موادته من الفرقة الباطلة و قيل: لا يصح، لأنه يشترط فيه نية القربة و هي مفقودة فيه و في كل فرقة غير محقق، و في أصل الاشتراط منع قدمناه، و على تسليمه نمنع فقده بعد فرض مشروعيته لشمول العمومات له، فإنه نفسه حينئذ قربة.

و قيل لا يصح الا على إحدى الأبوين المأمور بمعاشرتهما بالمعروف، و قيل يصح على ذوي القرابة خاصة.

و الأول أشبه بأصول المذهب و قواعده، كما عرفت الكلام فيه مفصلا، و كلام المصنف صريح أو كالصريح هنا في عدم اشتراط نية القربة فيه و الله العالم.

و كذا يصح على المرتد كما في القواعد و المسالك، لكن قيداه بما إذا كان عن علة و زاد في الأخير الفطري إذا كان امرأة، و لم أجد شيئا من ذلك لغيرهم، بل الذي عثرت عليه من محكي التذكرة و الإيضاح و جامع المقاصد على الجواز في الملي، فضلا عن الفطري الذي قد صرح بعدم جواز الوقف عليه الشهيدان أيضا و غيرهم، بل لم نعرف فيه خلافا، عدا ما يحكى عن التذكرة أنه حكي فيه قولا و لم نعرفه بل و لا وجهه، بناء على عدم قبول توبته،

50

و عدم قابليته للتملك، كما صرح به في المسالك، بل و على تقدير قبول توبته، فلا أقل من أن يكون حينئذ مساويا للملي الذي قد عرفت التصريح أيضا بعدم جواز الوقف عليه، و لعل الوجه فيه ما سمعته في الحربي، ضرورة عدم إقراره على دينه الذي يرجع إليه و قبول توبته لا يخرجه عن الحربي الذي نهينا عن موادته، و إن كان مقبول التوبة فيجري حينئذ ما يجري فيه، و قد عرفت عدم جواز الوقف عليه، و إن قال المصنف هنا و في الوقف على الحربي تردد، أشبهه المنع لكن قد عرفت الكلام فيه مفصلا، و الله العالم.

و لو وقف و لم يذكر المصرف بطل الوقف على المشهور بل لم أقف فيه على مخالف الا ابن الجنيد كما اعترف به في المسالك بل قد سمعت فيما سبق إجماعي الغنية و السرائر على كونه معروفا متميزا، بل لعل كون الموقوف عليه من أركان العقد من ضروريات الفقه، بل لعل ابن الجنيد غير مخالف في ذلك، فإن المحكي عنده لو قال: صدقة لله و لم يذكر من يتصدق بها عليه جاز ذلك و كانت في أهل الصدقات التي سماهم الله تعالى و هو ليس خلافا في أصل اعتبار الموقوف عليه، بل هو دعوى انصراف ذلك إلى أهل الصدقات، و ليس بأبعد من انصراف الوقف على مصلحة المسلمين باعتبار عودها إليهم.

و لعله لذا مال إليه في المختلف، و اقتصر في الدروس على نقل القولين مشعرا بالتردد بل ربما يؤيده معلومية صحة الوصية بالثلث، و إن لم يعين مصرفه، و دعوى- عدم جواز ذلك أو اختصاص الوصية به دون الوقف مع أن كلا منهما عقد- كما ترى، و كذا نذر الصدقة بالمال، و حينئذ فلا وجه لرده بأن الوقف يقتضي التمليك المستلزم لذات تقويم به، كما في كل عرض بالنسبة إلى جوهر، بل لا يخلو قوله من قوة.

نعم لو فرض ملاحظة الواقف عدم موقوف عليه اتجه البطلان فيه، بل و في المصالح أيضا و نحوها، و أما إذا كان يكفي في ملاحظة ما يرجع إليه فهو مستحق في المقام فتأمل جيدا.

و كذا لو وقف على غير معين كأن يقول: على أحد هذين، أو على أحد المشهدين أو الفريقين فالكل باطل بلا خلاف أجده، بل في المحكي من إجماعي الغنية و السرائر اعتبار كونه معروفا متميزا مضافا إلى ما عرفت، من اقتضاء الوقف التمليك الذي لا بد له من مالك

51

معين، و لو في ضمن عام أو مطلق، و لا يعقل تمليك ما ليس بمعين.

و لما في المسالك من أن الوقف حكم شرعي، فلا بد له من محل معين يقوم به، كما يفتقر مطلق العرض إلى المحل الجوهري، و أحد الأمرين كلي لا وجود له خارجا، و إن كان كل واحد منهما موجودا خارجا، و مقتضاه اختصاص البطلان بالمبهم الذي لا يتقوم في فرد في الخارج، أما لو كان الموقوف عليه أحدهما الصادق في كل منهما فلا بأس به، و لعله لقابليته حينئذ التمليك كغيره من المفاهيم الكلية المالكة و المملوكة، و لا دليل على اعتبار العلم في الموقوف عليه على وجهه تقدح فيه مثل هذه الجهالة.

و لا ينافي ذلك ما في القواعد من الحكم بالبطلان في رجل غير معين أو امرأة كذلك بناء على إرادته المبهم الذي لا يتحقق في فرد، و لا يعقل تمليكه بل و لا تملكه، لا في الاكتفاء فيهما بالإطلاق و العموم، و لا يتوهم الانحلال ما ذكرناه إلى الوقف عليهما ضرورة اقتضاء ذلك التصنيف بينهما، و جواز تناول كل منهما من حيث انه مصداق لأحدهما لا يقتضي الوقف عليهما من حيث الخصوصية كما هو واضح.

و إذا وقف على أولاده، أو اخوته أو ذوي قرابته، اقتضى الإطلاق اشتراك الذكور و الإناث و الأقرب و الأبعد بعد فرض التساوي في صدق القرابة عرفا و التساوي في القسمة، إلا أن يشترط ترتيبا فيهم أو اختصاصا لبعضهم على بعض أو تفضيلا له على آخر، بزيادة النصيب و لو للأنثى أو الأبعد، بلا خلاف معتد به أجده في شيء من ذلك، بل و لا إشكال ضرورة اقتضاء الإطلاق ذلك كاقتضاء قاعدة

«المؤمنون»

و «الوقوف على ما اشترطه»،

و ما عن الإسكافي من أن للذكر مثل حظ الأنثيين في الوقف على الأولاد و الذرية في غير محله، الا أن يريد الوقف عليهم على حسب الإرث لا مع الإطلاق الظاهر في التساوي كما هو واضح.

نعم الظاهر خروج الإناث مع فرض كون الضيعة تخص الذكور، الا مع القرينة و ما في المسالك و غيرها- من أن الإناث يدخلن تبعا في اللفظ المختص في مثل هذه الإطلاقات، كما يدخلن في الأوامر الشرعية المختصة بالذكور إجماعا- كما ترى، ضرورة الفرق بينهما بمعلومية

52

دليل الاشتراك فيها دون المقام الا مع فرض القرينة على ارادة الجميع كما هو واضح.

و لو وقف على أخواله و أعمامه تساووا جميعا لاشتراكهم في أصل الوقف الظاهر في التسوية، بلا خلاف أجده فيه، و إن حكى عن ابن الجنيد، لكن لم أتحققه و إنما المحكي عنه أنه

روى عن الباقر (عليه السلام) (1) «و إذا أوصى بشيء معين لا عمامة و أخواله كان لا عمامة الثلثان، و لأخواله الثلث»

و الرواية ليست فتوى، و الوصية غير الوقف، و على تقديره فهو واضح الضعف.

و إذا وقف على أقرب الناس إليه ففي القواعد و غيرها بل المشهور هم الأبوان و الولد، و إن سفلوا، فلا يكون لأحد من ذوي القرابة شيء، كما لم يعدم المذكورون ثم الأجداد و الاخوة و إن نزلوا، ثم الأعمام و الأخوال على ترتيب الإرث، لكن يتساوون في الاستحقاق، إلا أن يعين التفضيل لتساويهم في سبب الاستحقاق، لكن في محكي المبسوط أن المتقرب بالأبوين من الاخوة، الأقرب مطلقا، لأن الانفراد بقرابة يجري مجرى التقدم بدرجة.

و قواه في محكي المختلف، بل اختاره في محكي التحرير بل زاد الأعمام و الأخوال فجعل المتقرب بالأبوين منهم مقدما على غيره و إن كان متقربا بالأم الذي عن بعضهم استبعاد دخوله، و خروج المتقرب بالأب. لكن في الجميع أن مبني كلام الأصحاب تعليق قصد الواقف على مفهوم الأقرب في الواقع الذي كشف عنه الشارع بما ذكرناه في الميراث الذي سببه آية (2) «وَ أُولُوا الْأَرْحامِ» لأن الناس لا يعلمون أيهم أقرب إليهم.

نعم لو كان قصد الواقف على ما هو أقرب في ظاهر ما عندنا من العرف اختلف مع الميراث في كثير من الافراد، لا في خصوص ما ذكروه كما هو واضح.

____________

(1) الوسائل- الباب- 42- من أبواب أحكام الوصايا الحديث- 1.

(2) سورة الأنفال الآية- 75.