جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام - ج30

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
386 /
1

-

2

[تتمة القسم الثاني في العقود]

[تتمة كتاب النكاح]

[تتمة القسم الأول في النكاح الدائم]

[تتمة الفصل الرابع في أسباب التحريم]

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

[السبب الرابع استيفاء العدد]

السبب الرابع استيفاء العدد، و هو قسمان

[القسم الأول إذا استكمل الحر أربعا بالعقد الدائم حرم عليه ما زاد]

الأول إذا استكمل الحر أربعا بالعقد الدائم حرم عليه مع وجود الأربع عنده نكاح ما زاد غبطة أي دواما إجماعا من المسلمين بل ضرورة من الدين، و ما عن طائفة من الزيدية من جواز نكاح تسع لم يثبت، بل المحكي عن مشايخهم البراءة من ذلك، نعم قد اختص النبي (صلى الله عليه و آله) بنكاح الأزيد من ذلك، و هل كان يجوز له أزيد من التسع الذي مات عنهن أو لا يجوز؟ فيه بحث، لكنه قليل الجدوى، و على كل حال فالأصل فيه قوله تعالى (1):

____________

(1) سورة النساء: 4- الآية 3.

3

«وَ إِنْ خِفْتُمْ أَلّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتامى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى وَ ثُلاثَ وَ رُباعَ» بناء على ما عرفته سابقا من أن الأمر فيها للإباحة، و مقتضى إباحة الأعداد المخصوصة تحريم ما زاد عليها، إذ لو كان مباحا لما خص الجواز بها، لمنافاته الامتنان و قصد التوسيع على العباد، و لأن مفهوم إباحة الأربع حصر ما دون الأربع أو ما زاد عليها، و الأول باطل بتجويز الثلاث فيها صريحا، فتعين الثاني.

بل يمكن أن يكون المراد منها إن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى بالإنفاق من أموالهم التي في أيديكم التي جوز الله لوليهم الإنفاق منها بالمعروف فاقتصروا على نكاح ما طاب لكم، و حل و ساغ من العدد أعني مثنى و ثلاث و رباع إلى أن قال:

«ذلِكَ أَدْنى أَلّا تَعُولُوا» فيستفاد منها حينئذ انحصار الحل في العدد المزبور، و لذا

أمر رسول الله (صلى الله عليه و آله) قيس بن الحرث عند نزول الآية و كان تحته ثمانية أن يطلق أربعا و يمسك أربعا قال: «فجعلت أقول للمرئة التي لم تلد: يا فلانة أدبري، و التي قد ولدت: يا فلانة أقبلى» (1)

فمن الغريب دعوى بعض الناس عدم دلالة الآية على تحريم ما زاد، و إنما استفيد من دليل آخر.

ثم إن هذه الألفاظ ألفاظ معدولة عن أعداد مكررة هي ثنتين ثنتين، و ثلاث ثلاث، و أربع أربع، و هي غير منصرفة للعدل و الصفة، فإنها بينت صفات و إن كانت أصولها لم تبن لها، و قيل عدم انصرافها لتكرير العدل عدلها عن صيغها و عدلها عن تكررها، أى أن الأصل كان اثنين اثنين مثلا فغير اللفظ إلى مثنى، و عدل بها عن التكرير، فصار بها عدلان لفظي و معنوي، و نصبها على البدلية من المفعول، أو على الحال من فاعل طاب، و معنى الحالية فيها مثلها في قولك:

«جئت فارسا و راجلا و حافيا و ناعلا» تريد أنك جئت في كل حال من هذه الأحوال لا أنك جئت في حال ثبوت جميعها، و كذا الحال في الآية، فان المراد جواز النكاح في كل حال من الأحوال الثلاثة دون مجموعها، و إلا لزم نكاح التسع.

____________

(1) سنن البيهقي ج 7 ص 183 مع اختلاف يسير، و فيه أنه أسلم و عنده ثمان نسوة.

4

و اليه يرجع ما عن الكشاف من تقدير الحال المذكورة، فانكحوا الفتيات معدودات، هذا العدد ثنتين ثنتين، و ثلاثا ثلاثا و أربعا أربعا، و على كل حال فمقتضى العطف بالواو جمع المتعاطفة في الجواز، لا جواز الجمع بينها فلا يلزم نكاح التسع، بل قيل معنى الآية الاذن لكل ناكح يريد الجمع أن ينكح ما شاء من العدد المذكور متفقين فيه و مختلفين، كقولك: «اقتسموا هذه البدرة درهمين درهمين و ثلاثة ثلاثة» و لو أفردت كان المعنى تجويز الجمع بين هذه الأعداد دون التوزيع، و لو ذكرت بأو لذهب تجويز الاختلاف في العدد و إن كان لا يخلو من نظر، لما عرفت من أن الجمع بالحكم لا يقتضي الحكم بالجمع، فلا يلزم من الأفراد تجويز الجمع بين الأعداد، و لأن تجويز الأعداد لجماعة المخاطبين بمعنى تجويزه، لكل واحد منهم لا للمجموع من حيث الإجماع، فالتخيير الذي يقتضيه العطف بأو لو كان يكون لكل ناكح يريد الجمع، فلو اختلفوا لم يفعلوا إلا ما هو الجائز كما لو اتفقوا، فلا يلزم أن يذهب تجويز الاختلاف على تقديره.

نعم يمكن أن يقال: إن العطف بالواو للدلالة على جواز كل من الأعداد لكل جامع أو مريد للجمع، فيجوز الأربع لواجد الثلاث بالتكميل، و كذا الثنتان بالنقص، و لو عطف بأو لذهب التجويز في حق الجامع، لأنه قد استوفي العدد المباح له، فلا يجوز له غيره على ما يقتضيه التخيير.

و كيف كان فالغرض دلالة الآية على المطلوب من دون حاجة الى جعل الواو فيها بمعنى أو كما في جامع المقاصد و المسالك، معللين ذلك بأنها لو بقيت على معناها اقتضت الآية جواز نكاح الثمانية عشر.

و فيه أو لا أن مثنى مثلا بمنزلة اثنين اثنين ذكرا، و هو أعم من كونه اثنين و اثنين على جهة التغاير، و لذا قال بعضهم إنه يلزم نكاح التسع لا الثمانية عشر، و ثانيا أن إباحة هذه المراتب من الأعداد من حيث كونها أعدادا لا يقتضي جواز الجمع على الوجه المزبور، ضرورة عدم كون المراد من إباحة الثلاثة مثلا أنها أفراد غير الاثنين و الأربعة غير الثلاثة، بل قد عرفت أن الواو تقتضي الجمع

5

في الحكم الذي هو الإباحة لا الحكم بالجمع كما هو واضح، و الأمر سهل بعد ضرورية أصل الحكم الذي لا فرق فيه بين الابتداء و الاستدامة، و لذا

قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) لغيلان بن سلمة لما أسلم و تحته عشر نسوة: «أمسك أربعا و فارق سائرهن» (1)

بل هو مقتضى

قول الصادق (عليه السلام) في صحيح زرارة (2): «لا يجمع ماءه في خمس».

و كذا لا يحل له أي الحر من الإماء بالعقد الدائم أكثر من اثنتين بلا خلاف أجده فيه، بل الإجماع بقسميه عليه، و قد يستفاد ذلك من

خبر أبي بصير (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) «سألته عن رجل له امرأة نصرانية له أن يتزوج عليها يهودية، فقال: إن أهل الكتاب مماليك الامام، و ذلك موسع منا عليكم خاصة، فلا بأس أن يتزوج. قلت: فإنه يتزوج عليها أمة، قال: لا يصلح أن يتزوج ثلاث إماء»

الحديث بل

في خبر عباد بن صهيب (4) عن الصادق (عليه السلام) «و لا يحل له من الإماء إلا واحدة»

بل قد عرفت فيما مضى أن المختار عدم جواز نكاح الأمة إلا بالشرطين، و من هنا قال في المسالك: «هذا كله على القول بجواز نكاح الأمة اختيارا، أما عند من يعتبر الشرطين فلا يجوز نكاح الثانية» و إن كان قد عرفت ما فيه سابقا من إمكان فرض تحقق الشرطين مع نكاح الأمة لعدم رفع العنت بها و غيره، بل لو لا الإجماع لأمكن فرضهما مع الاثنتين أيضا.

و على كل حال فحيث ينكح الاثنتين فهما محسوبان عليه من جملة الأربع لا أنهما معا بمنزلة حرة، لإطلاق الأدلة، فلا يجوز له حينئذ الجمع بين ثلاث حرائر و أمتين فضلا عن حرتين و ثلاث إماء أو أربع كما هو واضح.

و إذا استكمل العبد أربعا من الإماء أو حرتين أو حرة و أمتين حرم عليه

____________

(1) سنن البيهقي ج 7 ص 181.

(2) الوسائل الباب- 2- من أبواب استيفاء العدد الحديث 1.

(3) الوسائل الباب- 2- من أبواب استيفاء العدد الحديث 2.

(4) المستدرك الباب- 41- من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 1.

6

ما زاد إجماعا منا بقسميه، و نصوصا كادت تكون متواترة، ف

في صحيح ابن مسلم (1) عن أحدهما (عليهما السلام) «سألته عن العبد يتزوج أربع حرائر، قال: لا، و لكن يتزوج حرتين، و إن شاء تزوج أربع إماء»

و في خبر الصيقل (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) «سألته عن المملوك ما يحل له من النساء، فقال: حرتان أو أربع إماء»

و في خبر زرارة (3) عن أحدهما (عليهما السلام) «سألته عن المملوك كم يحل له أن يتزوج؟ قال: حرتان أو أربع إماء»

و في خبره الآخر (4) عن أبى جعفر (عليه السلام) «لا يجمع من النساء أكثر من الحرتين»

و لا ينافي ذلك ما

في خبر الكناني (5) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المملوك كم يحل له من النساء؟ قال: امرأتان»

و كذا خبر سماعة (6) بل

في خبر زرارة (7) عن أبى جعفر (عليه السلام) «لا يجمع المملوك من النساء أكثر من امرأتين»

وخبر الفضيل (8) «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن المملوك كم تحل له من النساء، فقال: لا يحل إلا ثنتين»

بعد موافقتها لما تسمعه من العامة، و إمكان إرادة الحرائر من ذلك.

نعم قد يقال: إنه لا دلالة في شيء منها على جواز حرة و أمتين الذي ذكره المصنف و غيره، و دعوى إمكان استفادة تنزيل الحرة بالنسبة إلى العبد منزلة الأمتين و تنزيل الأمتين للحر منزلة الحرة يدفعها منع دلالة النصوص على ذلك، و إن اشتملت على بعض ما ينطبق على ذلك لكنه لا يستفاد منها على وجه التعميم بعد حرمة القياس و استنباط العلة و السير و نحو ذلك عندنا، على أنه إن تم في العبد فلا يتم في الحر لما عرفته من عدم جواز ثلاث حرائر و أمتين للحر و حرتين و ثلاث إماء و نحو ذلك مما لا يطابق ما عرفت.

____________

(1) الوسائل الباب- 8- من أبواب استيفاء العدد الحديث 1.

(2) الوسائل الباب- 8- من أبواب استيفاء العدد الحديث 2.

(3) الوسائل الباب- 22- من أبواب نكاح العبيد و الإماء الحديث 2.

(4) الوسائل الباب- 8- من أبواب استيفاء العدد الحديث 4.

(5) الوسائل الباب- 22- من أبواب نكاح العبيد و الإماء الحديث 4.

(6) الوسائل الباب- 22- من أبواب نكاح العبيد و الإماء الحديث 6.

(7) الوسائل الباب- 22- من أبواب نكاح العبيد و الإماء الحديث 5.

(8) الوسائل الباب- 22- من أبواب نكاح العبيد و الإماء الحديث 3 عن محمد بن الفضيل.

7

نعم قد يقال بإمكان الاستدلال على جوازه بما دل على جواز الحرتين للعبد (1) القاضي بجواز الحرة له قطعا و جواز الأربع (2) القاضي بجواز ما دون ذلك له، و أن الأدلة أقصى ما دلت عليه المنع من الزيادة على الحرتين و الزيادة على الأربع إماء بمعنى إن تزوج حرائر فلا يزيد على حرتين، و إن تزوج إماء فلا يزيد على أربع، و أما صور الخلط فليس في شيء من الأدلة التعرض الى منعه، فيبقى على أصل الجواز و على فحوى دليل كل من الصنفين، و فيه أن مقتضى ذلك جواز الحرة و ثلاث إماء، بل جواز الحرتين و أربع إماء، و دعوى استفادة المنع فيه من دليل آخر كما ترى، فالأوجه أن يقال: إن دليله بعد الإجماع بقسميه عليه و عدم صدق الزيادة على أربع منه ما في الفقيه، فإنه بعد أن

روى عن حماد بن عيسى (3) «أنه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) كم يتزوج العبد؟ قال: قال أبى (عليه السلام): قال علي (عليه السلام): لا يزيد على امرأتين»

قال: و في حديث آخر (4) «يتزوج العبد حرتين، أو أربع إماء، أو أمتين و حرة»

مؤيدا بإمكان دعوى ظهور نصوص العبد خاصة في تنزيل الحرة بالنسبة إليه منزلة الأمتين، فالعدد الممتنع منه الزيادة على أربع إماء حقيقة أو حكما، و الأمتان و الحرة بمنزلة الأربع حكما، فلا زيادة فيه، فلا منع، و الأمر سهل بعد وضوح الحكم عندنا بخلاف غيرنا، فعن الأكثر أنه لا يتجاوز اثنتين مطلقا على النصف من الحر و عن بعض أن له أربعا مطلقا كالحر، و إجماع الفرقة المحقة و نصوصها على خلافهم.

و على كل حال فقد ذكر غير واحد من الأصحاب إن الأمة المبعضة كالأمة في حق الحر، و كالحرة في حق العبد، و المبعض كالحر في حق الإماء، فلا يتجاوز أمتين، و كالعبد في حق الحرائر، فلا يتجاوز حرتين تغليبا لجانب الحرية في الجامع للوصفين، و لا ريب في أنه أحوط و إن كان لا يخلو من بحث إن لم يكن إجماعا،

____________

(1) الوسائل الباب- 22- من أبواب نكاح العبيد و الإماء الحديث 1.

(2) الوسائل الباب- 22- من أبواب نكاح العبيد و الإماء الحديث 2.

(3) الوسائل الباب- 8- من أبواب ما يحرم باستيفاء العدد الحديث 3.

(4) الوسائل الباب- 22- من أبواب نكاح العبيد و الإماء الحديث 10.

8

خصوصا في التبعيض اللاحق في التزويج الذي قد يتعارض فيه الاحتياط، فتأمل جيدا و الله العالم.

و كيف كان ف لكل منهما أن ينكح بالعقد المنقطع ما شاء بلا خلاف معتد به فيه بيننا، لظهور الآية (1) في نكاح الدوام بقرائنه فيها، و استفاضة النصوص (2) و تواترها في ذلك، نعم

في خبر البزنطي (3) عن الرضا (عليه السلام) قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام): اجعلوهن من الأربع، فقال له صفوان بن يحيى:

على الاحتياط، قال: نعم»

و في خبره الأخر (4) عن أبى الحسن (عليه السلام) أيضا «سألته عن الرجل يكون عنده الامرأة أ يحل له أن يتزوج بأختها متعة؟ قال: لا، قلت:

حكى زرارة عن أبى جعفر (عليه السلام) إنما هي مثل الإماء يتزوج ما شاء، قال: لا هي من الأربع»

وخبر الساباطي (5) عن أبى عبد الله (عليه السلام) «عن المتعة، قال: هي أحد الأربعة»

و من المعلوم إرادة جعلها من الأربع حذرا من اطلاع المخالفين، كما أومأ إليه الخبر الأول بذكر الاحتياط الذي لا يتصور من الامام (عليه السلام) الأمر به بالنسبة إلى الحكم، على أنها في مقابلة ما جاء في الجواز كالعدم.

فمن الغريب ما عن ابن حمزة من أنها إحدى الأربع، و أغرب منه ميلة في المسالك إلى ذلك، مناقشا في أسانيد بعض روايات الجواز، حاكيا عن المختلف أنه اقتصر في الحكم على مجرد الشهرة و لم يصرح بمختاره، قال: «و عذره واضح، و دعوي الإجماع في ذلك غير سديد» قلت: لا بأس بدعوى ضرورة المذهب على ذلك فضلا عن الإجماع، و النصوص- بعد استفاضتها و تعاضدها و اشتمالها على ضروب من الدلالة و التعليلات و اعتضادها بمثل هذا العمل- لا ينظر إلى أسنادها، كما لا يخفى على من له أدنى خبرة بأصول المذهب و قواعده، و الله العالم.

و كذا لكل منهما أن ينكح بملك اليمين ما شاء بلا خلاف فيه بين المسلمين فضلا عن المؤمنين، بل لعله من ضروريات الدين، نعم قد تقدم

____________

(1) سورة النساء: 4- الآية 3.

(2) الوسائل الباب- 4- من أبواب المتعة.

(3) الوسائل الباب- 4- من أبواب المتعة الحديث 9.

(4) الوسائل الباب- 4- من أبواب المتعة الحديث 11.

(5) الوسائل الباب- 4- من أبواب المتعة الحديث 10.

9

سابقا البحث في ملك العبد و عدمه، لكن قد استفاضت النصوص (1) هنا بأنه لا بأس في إذن المولى لعبده بأن يتسرى ما شاء و يشترى ما يشاء من الجواري و يطأهن، و المراد منها التحليل له، و منه يعلم أنه لا بأس بالوطء بالتحليل لغيره ما شاء أيضا، مع أن الظاهر عدم الخلاف فيه، سواء قلنا إنه إباحة أو تمليك، ضرورة عدم تناول ما دل على النهي عن الأربع له بعد ظهوره في نكاح الدوام كما هو واضح، و الله العالم.

[مسألتان]

مسألتان:

[المسألة الأولى إذا طلق واحدة من الأربع حرم عليه العقد على غيرها حتى تنقضي عدتها]

الأولى إذا طلق واحدة من الأربع، حرم عليه العقد على غيرها حتى تنقضي عدتها إن كان الطلاق رجعيا بلا خلاف أجده فيه، بل يمكن تحصيل الإجماع عليه، لأنها بحكم الزوجة نصا (2) و فتوى الذي منه ذلك، بل ظاهرهما أنها كذلك و إن التزم بعدم الرجوع بملزم شرعي، فإنه لا يخرجها عن حكم المطلقة رجعيا التي هي بحكم الزوجة، نعم لو كان الطلاق بائنا جاز له العقد على الأخرى في الحال لخروجها عن الزوجية بالطلاق، و عدم ما يدل على أنها بحكمها في العدة، فلا جمع حينئذ بين خمس، فيشمله حينئذ دليل الإباحة و كذا القول في نكاح أخت الزوجة مع البينونة إلا أنه على كراهة مع البينونة لبقاء عصمة النكاح في الجملة، و لصحيح زرارة (3) المحمول على ذلك عن الصادق (عليه السلام) «إذا جمع الرجل

____________

(1) الوسائل الباب- 22- من أبواب نكاح العبيد و الإماء.

(2) الوسائل الباب- 1- من أبواب أقسام الطلاق و الباب- 13- منها الحديث 6 و الباب- 20- منها الحديث 11 و الباب- 18 و 20 و 21- من أبواب العدد من كتاب الطلاق.

(3) الوسائل الباب- 2- من أبواب ما يحرم باستيفاء العدد الحديث 1.

10

أربعا فطلق إحداهن فلا يتزوج الخامسة حتى تنقضي عدة المرأة التي طلقت»

أو على الرجعي، و بمعناه غيره من النصوص (1) المستفيضة، لكن في كشف اللثام عن ظاهر التهذيب الحرمة، قال: «و هو ظاهر الأخبار» و في المسالك «في الحمل نظر من حيث عدم المعارض، نعم ورد التفصيل في الأخت في روايات: منها

حسنة الحلبي (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في الرجل طلق امرأته أو اختلعت منه أو بانت إله أن يتزوج أختها؟ فقال: إذا برأ عصمتها فلم يكن له عليها رجعة فله أن يخطب أختها»

قلت: قد يستفاد ذلك من هذه الرواية، ضرورة ظهورها في أن المدار على الإبراء من العصمة بعدم ملك الرجعة، فهو حينئذ كالتعليل الذي لا يخص الأخت و لو بقرينة فتوى الأصحاب مع ذلك.

بل يمكن أن يكون في النصوص إشارة إلى ذلك أيضا بجعل العدة له، ف

في الموثق (3) أنه سئل أبو عبد الله (عليه السلام) «عن رجل جمع أربع نسوة فطلق واحدة فهل يحل له أن يتزوج اخرى مكان التي طلق؟ قال: لا يحل له أن يتزوج اخرى حتى يعتد مثل عدتها»

بل

في خبرهم الآخر (4) أنه سئل أبو عبد الله (عليه السلام) «عن الرجل يكون له أربع نسوة فتموت إحداهن هل يحل له أن يتزوج اخرى مكانها؟ قال: لا حتى يأتي عليه أربعة أشهر و عشرا، سئل فإن طلق واحدة هل يحل له أن يتزوج؟ قال: لا حتى يأتي عليها عدة المطلقة»

و في خبر أبى بصير (5) عنه (عليه السلام) أيضا، قال: «سألته عن رجل له أربع نسوة فطلق واحدة يضيف إليهن أخرى، قال: لا حتى تنقضي العدة، فقلت: من يعتد؟ فقال: هو، قلت: و إن كان متعة، قال: و إن كان متعة»

إلى غير ذلك من النصوص المشعرة بكون الحكم على

____________

(1) الوسائل الباب- 3- من أبواب ما يحرم باستيفاء العدد و الباب- 47- من أبواب العدد من كتاب الطلاق.

(2) الوسائل الباب- 48- من أبواب العدد الحديث 2 من كتاب الطلاق.

(3) الوسائل الباب- 47- من أبواب العدد الحديث 2 من كتاب الطلاق.

(4) الوسائل الباب- 3- من أبواب ما يحرم باستيفاء العدد الحديث 5.

(5) الوسائل الباب- 3- من أبواب ما يحرم باستيفاء العدد الحديث 4.

11

ضرب من الكراهة و الندب، نعم لو لم يكن للمرأة عدة لعدم الدخول لم يكن بأس أصلا، كما أومأ اليه

خبر ابن طريف (1) قال: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن رجل كن له ثلاث نسوة ثم تزوج امرأة أخرى فلم يدخل بها، ثم أراد أن يعتق أمة و يتزوجها، فقال: إن هو طلق التي لم يدخل بها فلا بأس أن يتزوج اخرى من يومه ذلك، و إن هو طلق من الثلاث النسوة اللاتي دخل بهن واحدة لم يكن له أن يتزوج امرأة أخرى حتى تنقضي عدة التي طلقها»

و على كل حال فلا ريب في الحكم المزبور، و لا ينافيه إمكان رجوع البائنة رجعيا في بعض الأحوال، ضرورة عدم جريان هذا الحكم عليه مع فرض التزويج، و الله العالم.

[المسألة الثانية إذا طلق إحدى الأربع بائنا و تزوج اثنتين فان سبقت إحداهما كان العقد لها]

المسألة الثانية إذا طلق إحدى الأربع بائنا و تزوج اثنتين فان سبقت إحداهما كان العقد لها بلا خلاف و لا إشكال. و إن اتفقتا في حالة بطل العقدان وفاقا للمشهور، لاستلزام صحة كل منهما بطلان الأخر و لا ترجيح، و صحة أحدهما دون الأخر غير معقولة، و الصحة في إحدى الامرأتين على جهة الإطلاق الذي مرجعه الى تخيير الزوج في تعيينها غير مفادهما، و لو فرض قصد ذلك فهو غير صحيح، للإجماع على اعتبار تعيين الزوجة في عقد النكاح على وجه التشخيص. و لكن في المتن روى أنه يتخير ثم قال و في الرواية ضعف قلت: بل لم نعثر عليها في خصوص الفرض، كما اعترف به في المسالك و غيرها، نعم

روى عنبسة بن مصعب (2) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل كانت له ثلاث نسوة فتزوج عليهن امرأتين في عقد، فدخل بواحدة منهما ثم مات، قال: إن كان دخل بالمرأة التي بدأ باسمها

____________

(1) الوسائل الباب- 3- من أبواب ما يحرم باستيفاء العدد الحديث 6.

(2) الوسائل الباب- 5- من أبواب ما يحرم باستيفاء العدد الحديث 1.

12

و ذكرها عند عقدة النكاح فان نكاحها جائز، و لها الميراث، و عليها العدة، و إن كان دخل بالمرأة التي سميت و ذكرت بعد ذكر المرأة الأولى فإن نكاحها باطل»

الحديث. و هو كما ترى لا تخيير فيه، مع احتمال أن يراد به وقوع النكاح للأولى فيما لو قال الوكيل مثلا: «زوجتك فاطمة و زينب» فقال: «قبلت تزويج فاطمة و زينب» فان النكاح يقع للأولى حينئذ. و على كل حال هو خارج عما نحن فيه.

و يمكن أن يريد المصنف

صحيح جميل (1) المروي في الكافي و الفقيه و التهذيب الوارد عن أبى عبد الله (عليه السلام) «في رجل تزوج خمسا في عقدة، قال: يخلي سبيل أيتهن شاء و يمسك الأربع»

لعدم الفرق بين المسألتين، إلا أنه لا ضعف في سنده، اللهم إلا أن يريد الضعف في دلالته باعتبار احتمال إرادة التزوج حال الكفر، و احتمال الإمساك بالعقد الجديد، خصوصا بعد أن عبر بمثله فيما علم إرادة ذلك منه فيمن تزوج أختين على الترتيب، كما سمعته فيما تقدم إلا أنه كما ترى خلاف الظاهر الذي هو الحجة، على أن الخبر غير مهجور، بل عمل به الشيخ و أتباعه، بل و تبعهم يحيى بن سعيد في المحكي عنه و العلامة في المختلف، و ليس متضمنا لممتنع كي يتجه طرحه أو تأويله، إذ يمكن كون التخيير فيه على حسب التخيير لمن أسلم على أزيد من النصاب، و إن كان ذلك في الاستدامة و هذا في الابتداء لكنه لا يصلح فارقا، فان ما لا يؤثر في الابتداء لا يؤثر استدامة، بل ذلك غير فاقد للتعيين، و ليس هو بمنزلة «زوجتك إحدى الامرأتين» ضرورة كون الفرض تعيين كل منهما.

و لعله إلى ذلك أومأ في المختلف، حيث احتج له مضافا الى الصحيح بوجود المقتضى و انتفاء المانع، إذ ليس إلا انضمام العقد على الأخرى، و هو لا يقتضي تحريم المباح، كما لو جمع بين محرمة عينا و محللة عينا في عقد، و كما لو جمع بين المحلل و المحرم في البيع، و لا أثر للإطلاق و التعيين، إذ في التعيين تحرم واحدة معينة، فيبطل العقد عليها، و تحل أخرى معينة، و في الإطلاق تحل واحدة

____________

(1) الوسائل الباب- 4- من أبواب ما يحرم باستيفاء العدد الحديث 1.

13

مطلقة و تحرم اخرى مطلقة، و قد عقد عليهما معا، فيدخلان في العقد، إذ لا وجود للكلي إلا في جزئياته، فما في المسالك- من مناقشته بأن العقد على المحرمة ثابت بدون العقد و على المحللة كذلك، فلا يضر الانضمام، بخلاف غير المعينة، لأن كل واحدة صالحة للصحة منفردة و منهي عنها مع الانضمام، و لا أولوية، و تعلق العقد بغير معينة غير كاف في الصحة، بل لا بد من تعينها قبل العقد، و لذا لا يجوز على إحدى المرأتين إجماعا، و بهذا يحصل الفرق بين من يحرم نكاحها عينا و مطلقا- مدفوعة بما عرفت من أن ذلك ليس من فاقد التعيين، بل هو كأثر العقد بعد الإسلام.

و من ذلك يظهر لك قوة القول بالتخيير، بل لو قلنا بأن القواعد تقتضي البطلان كان المتجه ذلك، للنص الحاكم عليها بعد جمعه شرائط الحجية، و الاحتياط مع أنه غير واجب هو ليس في البطلان مطلقا، ضرورة عدم موافقته لجواز تزويجهما من غير طلاق، و تغليب جانب الحرمة إنما يسلم وجوبه في متحقق الحرمة، و لا يخلص إلا بالاجتناب، و هو في المقام ممنوع، و لو تزوج الحر حرة في عقد و اثنتين في عقد و ثلاثا في عقد و اشتبه السابق صح نكاح الواحدة على القول بالبطلان، للقطع بصحة نكاحها كيفما فرض، و يبقى الاشتباه في الآخرين، و الوجه استعمال القرعة كما سمعته سابقا في مسألة الأختين، و عن التذكرة الحكم بها هنا و لعله أولى من المحكي عن الشافعية من الوجهين: أحدهما بطلان العقد، و الأخر الإيقاف إلى البيان، فان لم يعلم كان لهن الفسخ، و إن صبرن لم ينفسخ، و عليه الإنفاق عليهن في مدة التوقف، و أما على القول بالتخيير فلا يتعين الواحدة للصحة، لاحتمال تأخر عقدها عن الآخرين مع جواز صحتهما باختيار إحدى الاثنتين أو اثنتين من الثلاث.

14

[القسم الثاني إذا استكملت الحرة ثلاث طلقات حرمت على المطلق حتى تنكح]

القسم الثاني من قسمي استيفاء العدد إذا استكملت الحرة ثلاث طلقات لم ينكحها بينها زوج آخر حرمت على المطلق حتى تنكح دواما زوجا غيره و تذوق عسيلته و يذوق عسيلتها بلا خلاف أجده في شيء من ذلك، بل الإجماع بقسميه عليه، مضافا الى الكتاب (1) و السنة (2) قال الله تعالى «الطَّلاقُ مَرَّتانِ فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ- ثم قال:- فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ، فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا» الآية فإنها صريحة في حرمة المطلقة على زوجها بالطلاق، و أن حلها موقوف على أن تنكح زوجا غيره، و أما أن الطلاق المحرم هو الثالث فمستفاد منها بمعونة تعقيبها لقوله تعالى:

«الطَّلاقُ مَرَّتانِ» فإنه يقتضي كون المعنى إن طلقها بعد المرتين أى التطليقتين الأولتين، و الطلاق الواقع بعدهما ليس إلا الثالث، إذ غيره لا يطلق عليه أنه بعد المرتين عرفا، بل بعد الثلاث فما زاد، و لأن التحريم بالثالث يقتضي انتفاءه في غيره، إلا إذا انتهى الدور، فيحرم لكونه ثالثا أيضا، فلا يكون التحريم إلا به.

ثم إن الظاهر إرادة الرجعي من الطلاق في قوله تعالى «الطَّلاقُ مَرَّتانِ» بمعنى إن الطلاق الرجعي الذي يجوز للزوج الرجوع فيه مرتان، أي تطليقتان، فالثالث بائن لا رجعي، و معنى قوله تعالى «فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ» إن الزوج بعد التطليقتين الأولتين مخير بين إمساك المرأة بالرجوع و حسن المعاشرة على الوجه المعروف شرعا و عرفا و تسريحها بالإحسان، بأن يطلقها التطليقة الثالثة

____________

(1) سورة البقرة: 2- الآية 229 و 230.

(2) الوسائل الباب- 3 و 4- من أبواب أقسام الطلاق من كتاب الطلاق.

15

و لا يراجعها حتى تنقضي عدتها و تبين عنه بانقضاء العدة، فإنه يجوز له كل من الأمرين، لكون الطلاق في المرتين رجعيا، و مقتضاه جواز الرجوع في العدة، و يكون قوله تعالى «فَإِمْساكٌ» بيانا للازم الحكم الأول، و هو كون الطلاق رجعيا.

و قيل: إن المعنى في الآية: الطلاق الشرعي مرتان، أي تطليقة بعد تطليقة، على أن تكون التثنية لمطلق التكرير، كما في قوله تعالى (1) «ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ» أى كرة بعد اخرى، و الفرض نفي شرعية الجمع و الإرسال كما ذهب إليه أكثر العامة، و وجوب التفريق بين الطلاقين كما ذهب إليه أصحابنا، و على هذا يكون قوله تعالى «فَإِمْساكٌ» تخييرا للأزواج بعد تعليمهم كيفية الطلاق الشرعي بين الإمساك بحسن المعاشرة و القيام بحقوق الزوجية و التسريح بالإحسان، أي التسريح الجميل الذي علمهم، و هو الطلاق الذي لا إرسال فيه، أو يكون المعنى على قياس ما سبق في الأول أنه بعد وقوع الطلاق المشتمل على التفريق ما يوجب أحد الأمرين من إمساك الزوجة بالرجوع و تسريحها بالطلاق الثالث، أو ترك الرجوع حتى تنقضي العدة، و ذلك لأن تفريق الطلاق يستلزم تعدده، و أقل ما يصدق معه التعدد المرتان، فيكون الطلاق الواقع بعده ثالثا، و حينئذ يكون قوله تعالى «فَإِمْساكٌ» إلخ بيانا لحكم الزوجة بعد تطليقها من غير ترتب على سابقه كما في الأول.

و كيف كان فالطلاق المشار اليه بقوله تعالى «فَإِنْ طَلَّقَها» هو الثالث، أما على الأول فظاهر، و أما على الثاني فلأن المعنى إن طلقها بعد التكرير، أى التطليقة الواقعة بعد اخرى، و لا ريب في صدق المعنى المذكور في الطلاق الثالث، فإن أقل ما يتحقق معه التكرير مرتان، و الواقع بعد هما هو الثالث.

لكن لا يخفى أن الأصح ما قلناه أولا من أن المراد الطلاق الرجعي و أن الثالث هو التسريح بإحسان، أما الأول فلوضوح كون المرتين حقيقة في معنى التثنية، و استعماله في مطلق التكرير مجاز قليل الاستعمال، و دعوى تبادر الشرعي في أمثال

____________

(1) سورة الملك: 67- الآية 4.

16

ذلك ممنوعة هنا، فان قوله تعالى «فَإِنْ طَلَّقَها» قرينة على أن المراد مما قبله الرجعي الذي تحل معه الزوجة، و كذا قوله تعالى «فَإِنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يَتَراجَعا» كما هو واضح، مضافا إلى

المروي عن النبي (صلى الله عليه و آله) (1) «إنه قيل له:

الطَّلاقُ مَرَّتانِ فأين الثالثة؟ قال فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ»

و إلى ما

روى في سبب نزولها (2) «أن امرأة أتت عائشة فشكت من زوجها يطلقها و يسترجعها يضارها، و كان الرجل في الجاهلية إذا طلق امرأته له أن يراجعها و لو ألف مرة، فذكرت ذلك لرسول الله (صلى الله عليه و آله)، فنزلت الطلاق مرتان»

فجعل حد الطلاق ثلاثا.

و أما الثاني فللنبوى الذي سمعته، و ل

خبر أبى بصير المروي عن تفسير العياشي (3) عن أبى عبد الله (عليه السلام)، قال: «المرأة التي لا تحل لزوجها حتى تنكح زوجا غيره التي تطلق ثم تراجع ثم تطلق ثم تراجع ثم تطلق الثالثة، فلا تحل حتى- إلى آخرها- إن الله يقول: الطلاق مرتان- إلى آخرها- و التسريح هو التطليقة الثالثة»

وعنه (4) عن أبي جعفر (عليه السلام) «إن الله تعالى يقول الطَّلاقُ- الى آخرها- و التسريح بإحسان هي التطليقة الثالثة»

و عن سماعة بن مهران (5) «سألته عن المرأة التي لا تحل حَتّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ و تذوق عسيلته و يذوق عسيلتها، و هو قول الله عز و جل الطَّلاقُ- الى آخرها- قال: التسريح بإحسان التطليقة الثالثة»

و لا ينافي ذلك ما

روي (6) «من أن قوله تعالى فَإِنْ طَلَّقَها فلا تحل له هي التطليقة الثالثة»

لأن قوله تعالى «فَإِنْ طَلَّقَها» على هذا التقدير بيان لحكم التسريح في قوله تعالى «أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ» فيكون الطلاق الثالث مرادا منه أيضا، و إنما سمي تسريحا لأن المرأة تطلق به من قيد الزواج، إذ هو مأخوذ من السرح، و هو الإطلاق، يقال: سرح الماشية في المرعى سرحا: إذا أطلقها ترعى، و سرحت

____________

(1) سنن البيهقي ج 7 ص 340.

(2) سنن البيهقي ج 7 ص 333.

(3) الوسائل الباب- 4- من أبواب أقسام الطلاق الحديث 10 من كتاب الطلاق.

(4) الوسائل الباب- 4- من أبواب أقسام الطلاق الحديث 12 من كتاب الطلاق.

(5) الوسائل الباب- 4- من أبواب أقسام الطلاق الحديث 13 من كتاب الطلاق.

(6) الوسائل الباب- 4- من أبواب أقسام الطلاق الحديث 11 من كتاب الطلاق.

17

الماشية: انطلقت في المرعى، و منه المسرح للمشط، لانطلاق الشعر به، و إنما كان بإحسان لأنه لا يرجى معه الرجوع المضار للزوجة، لبيونتها به، و على كل حال فدلالة الآية ظاهرة على المطلوب الذي هو نفي الحل له بجميع وجوهه، من غير فرق بين الدوام و المتعة.

و أما النصوص (1) فهي متواترة فيه أيضا و في أنها لا تحل له حتى ينكحها دواما زوج آخر غيره، و لا تكفي المتعة منها، ل

خبر الصيقل (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «قلت: رجل طلق امرأته طلاقا لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره فتزوجها رجل متعة أ تحل للأول؟ قال: لا، لأن الله تعالى يقول فَإِنْ طَلَّقَها فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ فَإِنْ طَلَّقَها، و المتعة ليس فيها طلاق»

و قد يشعر هذا الخبر بالحكم في المسألة الأصولية، و هو تخصيص العام أو تقييد المطلق بذكر الحكم الخاص لبعض أفرادهما في مساقهما، بل لعل من ذلك مسألة الضمير أيضا، هذا و يأتي إن شاء الله باقي أحكام المسألة في كتاب الطلاق.

نعم الحكم المذكور ثابت للحرة سواء كانت تحت حر أو عبد عندنا، لأن نصوصنا قد تواترت في أن العبرة بعدد الطلقات النساء لا الرجل. و حينئذ ف إذا استكملت الأمة طلقتين لم يتخلل بينهما نكاح رجل آخر حرمت عليه أي المطلق حتى تنكح زوجا غيره و لو كانت تحت حر بلا خلاف أجده بيننا، بل الإجماع بقسميه عليه، و النصوص (3) متواترة فيه أيضا كما تسمعها إن شاء الله، خلافا للمحكي عن العامة، فجعلوا العبرة بالزوج، فان كان عبدا حرمت عليه بالطلقتين و إن كانت حرة، و إن كان حرا اعتبر الثلاث و إن كانت زوجته أمة، و المراد حرمة وطئها عليه و لو بملك اليمين كما صرحت به النصوص (4) أيضا.

____________

(1) الوسائل الباب- 3 و 4 و 9- من أبواب أقسام الطلاق من كتاب الطلاق.

(2) الوسائل الباب- 9- من أبواب أقسام الطلاق الحديث 4 من كتاب الطلاق.

(3) الوسائل الباب- 24- من أبواب أقسام الطلاق من كتاب الطلاق.

(4) الوسائل الباب- 26- من أبواب أقسام الطلاق من كتاب الطلاق.

18

و لا فرق في الطلقات المحرمة على هذا الوجه بين كونها للعدة و غيرها، خلافا لابن بكير و أصحابه فاعتبروا كونها للعدة، و إلا حلت لزوجها من دون محلل و لو ألف مرة كما تسمعه إن شاء الله فيما يأتي، و تسمع أيضا أن النكاح المتخلل بين الطلقات يهدم ما تقدمه من الطلاق، فإذا رجعت لزوجها مثلا بعده تكون عنده على الثلاث كحالها السابق أولا، و الله العالم.

و إذا استكملت المطلقة تسعا للعدة ينكحها بينها رجلان حرمت على المطلق أبدا إجماعا بقسميه، و المراد بالطلاق للعدة أن يطلقها بالشرائط ثم يراجع في العدة و يطأ، ثم يطلق في طهر آخر ثم يراجع في العدة و يطأ، ثم يطلق الثالثة فينكحها بعد عدتها زوج آخر، ثم يفارقها بعد أن يطأها، فيتزوجها الأول بعد العدة، و يفعل كما فعل أولا إلى أن يكمل لها تسعا كذلك يتخلل بينهما نكاح رجلين، فتحرم في التاسعة مؤبدا لكن لا يخفى عليك أن إطلاق التسع للعدة حينئذ مجاز، لأن الثالثة من كل ثلاثة ليست للعدة، بل للسنة، و وجه التجوز إما بإطلاق اسم الأكثر على الأقل أو باعتبار المجاورة، و تظهر فائدة الاعتبارين فيما لو طلق الأول للعدة و الثانية للسنة، فان المعنيين ينتفيان عن الثالثة، و يصدق على الثانية اسم العدية بالاعتبار الثاني دون الأول، و فيما لو كانت الثانية للعدة و الأولى للسنة، فعلى الأول يختص بها الاسم، و على الثاني يصدق الاسم على الطرفين لمجاورتها.

و في المسالك بعد أن ذكر ما عرفت قال: «و مع ذلك ففي اعتبار التحريم بمثل هذا إشكال، من وجود العلاقة فيهما كما اعتبرت في الثالثة إجماعا، و من أن تعليق الحكم على المعنى المجازي على خلاف الأصل لا يصار إليه في موضع الاشتباه، و هذا هو الأقوى، فيجب الاقتصار في التحريم المؤبد على موضع اليقين، و هو وقوع التسع على الوجه الأول، أو إكمال التسع للعدة حقيقة مع التفرق، و لا تغتفر الثالثة كما اغتفرت في الأولى لكونها على خلاف الأصل مما ذكرناه، فيقتصر بها على موردها و هو وقوعها بعد عدتين، و على هذا إن وقع في كل ثلاث واحدة عدية احتسبت خاصة،

19

و إن وقع في بعض الأدوار عدتين احتمل إلحاق الثالثة بهما كما في مورد النص، لوجود العلاقة بالمعنيين، و عدمه لخروج مجموع الواقع من مورده، و للتوقف في الحكم بالتحريم مطلقا فيما خرج عن موضع النص و الإجماع مجال- ثم قال- هذا كله في الحرة، و أما الأمة فيحتمل تحريمها بالست لتنزيلها منزلة التسع للحرة، و لأن نكاح الرجلين يتحقق فيهما كتسع الحرة، و بالتسع كالحرة، لأنها إذا طلقت تسعا ينكحها بعد كل طلقتين رجل صدق أنه نكحها بين التسع رجلان، فيجتمع الشرطان المعتبران في التحريم المؤبد، و هما التسع و نكاح الرجلين، بخلاف الست، لتخلف الأول، و يحتمل عدم تحريمها مؤبدا مطلقا، لأن ظاهر النص كون مورده الحرة، فيتمسك في الأمة بأصالة بقاء الحل، و لأن شرط التحريم المؤبد وقوع التسع للعدة ينكحها بينها رجلان، و ذلك منتف في الأمة على كل حال، لتوقف التسع فيها على نكاح أزيد من رجلين، و هو مغاير لظاهر اعتبار الرجلين خاصة، و بالجملة فالحكم بالتحريم المؤبد بمثل هذه المناسبات مشكل، و وروده في كيفية مخصوصة لا يوجب تعديته إلى غيرها، لجواز أن يكون للهيئة الاجتماعية، من كون طلقتين متواليتين للعدة و ثالثة بعدهما محرمة و هكذا ثلاث مرات يوجب حكما لا يحصل بدونها، و مع ذلك ففيها إشكال آخر، و هو أن الحكم بالتحريم مع تمام العدد يوجب تعلقه بغير ثالثة و ثانية في الأمة لأنه يتم في الحرة بالخامسة و العشرين إن كانت العدية هي أول الدور، و السابعة عشر في الأمة، و ذلك غير معهود في حكم التحريم المرتب على الطلاق».

قلت مضافا إلى أن المفهوم من النصوص (1) التي عثرنا عليها اعتبار توالي التسع للعدة في التحريم المؤبد و هو لا يكون إلا في الصورة الأولى، فيبقى غيرها على إطلاق ما دل على الحل بالمحلل في كل ثلاث، و من ذلك يعلم أنه لا وجه للحكم بالتحريم المؤبد في صور الشك تمسكا بإطلاق ما دل (2) عليه بالتسع خرج ما خرج

____________

(1) الوسائل الباب- 4- من أبواب أقسام الطلاق من كتاب الطلاق.

(2) الوسائل الباب- 4- من أبواب أقسام الطلاق الحديث 4 و 8 من كتاب الطلاق.

20

مما لم يكن للعدة و يبقى غيره، ضرورة أنك قد عرفت ظهور النصوص في اعتبار توالي التسع المحرمة، إذ هي ليست إلا

الموثق (1) عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «الملاعنة إذا لاعنها زوجها لم تحل له أبدا، و الذي يتزوج امرأة في عدتها و هو يعلم لا تحل له أبدا، و الذي يطلق الطلاق الذي لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره ثلاث مرات و تتزوج ثلاث مرات لا تحل له أبدا»

و خبر أبى بصير (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) أيضا قال: «و سألته عن الذي يطلق ثم يراجع ثم يطلق ثم يراجع ثم يطلق، قال:

لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، فيتزوجها رجل آخر فيطلقها على السنة، ثم ترجع الى زوجها الأول فيطلقها ثلاث تطليقات فتنكح زوجا غيره فيطلقها، ثم ترجع الى زوجها الأول فيطلقها ثلاث مرات على السنة، ثم تنكح، فتلك التي لا تحل له أبدا»

وصحيح إبراهيم بن عبد الحميد (3) عن أبى عبد الله و أبى الحسن (عليهما السلام) «إذا طلق الرجل المرأة فتزوجت، ثم طلقها زوجها فتزوجها الأول، ثم طلقها فتزوجت رجلا، ثم طلقها فتزوجت الأول، ثم طلقها هكذا ثلاثا لم تحل له أبدا».

و هي كما ترى ظاهرة أو صريحة في اعتبار التوالي، نعم لا ظهور فيها باعتبار كونها للعدة في التحريم المؤبد، بل الصحيح الأخير منها صريح في عدم ذلك، كما أن الثاني منها صريح أيضا في أن الثلاثة الأخيرة للسنة، و مطلق في الثلاثة الثانية، بل ظاهر الأول منها أن موضوع المحرمة حتى تنكح و موضوع المحرمة أبدا واحد إلا أن الاولى الثلاث و الثانية التسع، فالمتجه حينئذ إما تخصيصهما معا

____________

(1) ذكر صدره في الوسائل في الباب- 31- من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 1 و وسطه في الباب- 17- منها الحديث 1 و ذيله في الباب 4 من أبواب أقسام الطلاق الحديث 4 من كتاب الطلاق.

(2) الوسائل الباب- 4- من أقسام الطلاق الحديث 2.

(3) أشار إليه في الوسائل في الباب- 11- من أبواب ما يحرم باستيفاء العدد الحديث 2 و ذكره في الكافي ج 5 ص 428.

21

بالعدية كما هو صريح ابن بكير و أصحابه أو الاكتفاء فيهما جميعا بالسني، فالاكتفاء حينئذ في الأولى بالسني و تخصيص الثانية بالعدى مناف لظاهرة، بل و ظاهر غيره، بل و الاعتبار، ضرورة أن التحريم عليه بالثالث حتى تنكح نوع من العقاب و ضرب من التأديب، فان لم يحصل بذلك حتى فعله ثلاث مرات كان أدبه الحرمة أبدا بالتسع كما أومأ إليه الرضا (عليه السلام) في خبر ابن سنان (1) المروي في الفقيه في علة تثليث الطلاق و علة تحريم المرأة بعد التسع.

لكن ربما دفع ذلك كله بشذوذ الصحيح الأخير، و بإرادة المقابل للبدعة من السنة في الثلاثة الأخيرة من الثاني، و المقيد من الثلاثة الثانية فيه على معنى التطليقات المذكورة أولا، و بأن الأول و إن كان مطلقا إلا أنه مقيد بمفهوم القيد المعتبر في

المروي (2) عن الخصال في تعداد المحرمات بالسنة قال: «و تزويج الرجل المرأة قد طلقها للعدة تسع تطليقات»

وبمفهوم الشرط في الرضوي (3) حيث قال: «و أما طلاق العدة فهو أن يطلق الرجل امرأته على طهر من غير جماع، ثم يراجعها من يوم واحد أدنى ما يريد من قبل أن تستوفي قرءها، و أدنى المراجعة أن يقبلها أو ينكر الطلاق، فيكون إنكار الطلاق مراجعة، فإذا أراد أن يطلقها ثانية لم يجز ذلك إلا بعد الدخول بها، و إذا أراد طلاقها تربص بها حتى تحيض و تطهر ثم يطلقها، فإذا أراد راجعها. و إن طلقها الثالثة فقد بانت منه ساعة طلقها فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، فإذا انقضى عدتها منه تزوجها رجل آخر و طلقها أومأت عنها، فإذا أراد أن يتزوجها فعل- الى أن قال-: فان طلقها ثلاث تطليقات علي ما و صفته واحدة بعد واحدة فقد بانت منه،

____________

(1) الوسائل الباب- 4- من أبواب أقسام الطلاق الحديث 8 من كتاب الطلاق.

(2) الوسائل الباب- 1- من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 1.

(3) ذكر صدره في المستدرك الباب- 2- من أبواب أقسام الطلاق الحديث 3 و ذيله في الباب- 4- منها الحديث 6 و تمامه في البحار ج 104 ص 142 و 143 مع اختلاف في اللفظ فيهما.

22

و لا تحل له بعد تسع تطليقات أبدا، و اعلم أن كل من طلق تسع تطليقات على ما وصفت له لم تحل له أبدا»

إذ هو ظاهر في اعتبار ذلك، خصوصا بعد ذكر طلاق السنة فيه مع عدم الإشارة إلى التحريم به إذا كان تسعا.

بل قد يدل على ذلك أيضا خصوص المعتبرين (1) بوجود ابن أبى عمير و عبد الله بن المغيرة اللذين هما مما أجمع العصابة على تصحيح ما يصح عنهما في سنديهما، فلا يضر ضعف الراوي لو كان في وجه، ف

في أحدهما «عن رجل طلق امرأته ثم لم يراجعها حتى حاضت ثلاث حيض، ثم تزوجها ثم طلقها فتركها حتى حاضت ثلاث حيض، ثم تزوجها ثم طلقها فتركها حتى حاضت ثلاث حيض، من غير أن يراجعها يعنى يمسها، قال: له أن يتزوجها أبدا ما لم يراجع و يمس»

فان لفظ التأييد صريح في العموم، كما لو طلقت كذلك و لو تجاوزت التسع، و أنها لا تحرم بذلك إلى حصول الأمرين من الرجوع و الوقاع، و ليس نصا في مختار ابن بكير، لقبوله التقييد بحصول المحلل بعد كل ثلاث، فيكون مقتضاه حينئذ حل التزويج له أبدا بعد حصول المحلل لا مطلقا.

قيل: و أصرح منهما

الموثق (2) عن الصادق (عليه السلام) «فان فعل هذا- مشيرا إلى المطلقة بالسنة- مأة مرة هدم ما قبله، و حلت بلا زوج، و إن راجعها قبل أن تملك نفسها ثم طلقها ثلاث مرات يراجعها و يطلقها لم تحل له إلا بزوج»

بالتقريب السابق، و خروج الذيل عن الحجية بالإجماع و المعتبرة غير ملازم لخروج الجميع عنها، فقد يكون من إلحاق ابن بكير الذي في سنده، و كلامه

____________

(1) ذكر أحدهما و أشار الى الثاني في الوسائل في الباب- 3- من أبواب أقسام الطلاق الحديث 13 و ذكرهما في الكافي ج 6 ص 77.

(2) الوسائل الباب- 3- من أبواب أقسام الطلاق الحديث 16 من كتاب الطلاق عن أبى جعفر (عليه السلام).

23

اجتهاد منه، و يؤيده تصريح ابن بكير على ما حكي عنه في عدة من الأخبار (1) بعدم سماعه عدم اعتبار المحلل من أحد الأئمة (صلوات الله و سلامه عليهم)، و أنه من الرأي الذي رآه و رزقه الله إياه.

هذا و لكن الجميع كما ترى إذ خبر العلل مع أنه من المفهوم الضعيف يمكن إرادة الطلاق في طهر لم يواقعها فيه الذي هو ابتداء العدة على نحو قوله تعالى (2):

«فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَ أَحْصُوا الْعِدَّةَ» و حينئذ فيندرج فيه الطلاق السني المقابل للبدعي الذي هو الطلاق في طهر المواقعة، و ربما يؤيده ذلك أن التسع للعدة لا يكون حقيقة إلا بهذا المعنى، ضرورة عدم كون التسع للعدة فيما فرضوه، لما عرفت من خروج كل ثالث منه، فليس هو إلا مجازا (3) لا قرينة عليه، و ما في النص (4) و الفتوى من تفسير الطلاق العدي بالمراجع فيه في العدة مواقعا فيها في مقابل السني لا يقتضي أن التسع للعدة كذلك، بل لعله يقضي بخلافه، بل لعل ذكرهم التسع مع نصهم على الحرمة بالمفروض قرينة على عدم ذلك، و إلا كان مقتضاه تحريمها بالرابعة عشر، فإنها هي التي تكمل بها التسع للعدة حقيقة.

و أما الرضوي فهو- مع أنه لم يثبت نسبته الى الرضا (عليه السلام) عندنا- يجرى فيه نحو ذلك.

و أما الأخبار الثلاث فلا يخفى تجشم ما سمعته فيها، بل يمكن القطع بعدم إرادة ذلك منها و إن كان هو مقتضى صناعة الأصول، إذ ليس كل ما تقتضيه الصناعة حجة يعمل عليه مع القطع أو الظن المعتد به بعدم إرادته، بل فتح الباب المزبور في الخبر الثالث يسقط الأخبار عن الحجية، ضرورة قيام احتمال تصرف الراوي

____________

(1) الوسائل الباب- 3- من أبواب أقسام الطلاق الحديث 11 و 12 و الكافي ج 6 ص 77 و 78 و الاستبصار ج 3 ص 271 الرقم 963 و 964.

(2) سورة الطلاق: 65- الآية 1.

(3) في النسختين الأصليتين المبيضة و المسودة «الا مجاز» و الصحيح ما أثبتناه.

(4) الوسائل الباب- 2- من أبواب أقسام الطلاق الحديث 1 من كتاب الطلاق.

24

في جميعها، فليس هي إلا أخبار موافقة لابن بكير و أصحابه، فالمتجه إما طرحها لمعارضتها بالأقوى منها، أو العمل بها كما تعرفه في محله إن شاء الله.

و من ذلك كله توقف بعض متأخري الأصحاب في الحكم المزبور، و هو في محله، نعم إن تم الإجماع المدعى على عدم اعتبار الطلاق العدي في الحرمة حتى تنكح في مقابل ابن بكير، و تم الإجماع المدعى أيضا على اعتبار العدي في الحرمة أبدا، و تم الإجماع المدعى أيضا على تحقق التسع للعدة بالمعنى المجازي ثبت ما ذكروه، و إلا كان للنظر فيه مجال.

و عليه فالمتجه حينئذ الاقتصار عليه وقوفا على ما خالف الأصل على المتيقن من النص و الفتوى، فلا تكفي المتفرقة، و لا يجرى الحكم في الأمة لما عرفت من عدم إطلاق يرجع إليه حينئذ في صور الشك بعد فهم التوالي من النصوص المزبورة، و الله العالم و ربما يأتي زيادة تحقيق للمسألة في باب الطلاق إن شاء الله.

[السبب الخامس اللعان]

السبب الخامس اللعان، و هو سبب لتحريم الملاعنة تحريما مؤبدا نصا (1) و إجماعا، و لكن شروطه (2) الآتية في محله كأن يرميها بالزنا و يدعي المشاهدة و لا بينة، أو ينفى ولدها الجامع لشرائط الإلحاق به و تنكر ذلك، فتلزمهما حينئذ الملاعنة، و يأمرهما الحاكم بها، فإذا تلاعنا سقط عنه حد القذف و عنها حد الزنا، و انتفى الولد عنه، و حرمت عليه مؤبدا، بلا إشكال في شيء من ذلك و لا خلاف، و لو لم يدع المشاهدة أو أقام بينة فلا لعان إجماعا، لاشتراطه بعدم الشهداء بنص الآية (3).

____________

(1) الوسائل الباب- 1- من كتاب اللعان.

(2) هكذا في النسخة الأصلية المبيضة، الا أن الموجود في المسودة التي هي بخط المصنف (قده) «بشروطه» و هو الصحيح.

(3) سورة النور: 24- الآية 6.

25

و كذا في كونه سببا للحرمة أبدا قذف الزوجة الصماء أو الخرساء بما يوجب اللعان لو لم تكن كذلك و إن لم يكن لعان بينهما، لانتفاء شرطه بلا خلاف أجده فيه، بل الإجماع بقسميه عليه، مضافا الى

صحيح أبى بصير أو موثقه (1) قال: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن رجل قذف امرأته بالزنا و هي خرساء صماء لا تسمع ما قال، فقال: إن كان لها بينة تشهد لها عند الإمام جلده الحد و فرق بينهما، ثم لا تحل له أبدا، و إن لم تكن لها بينة فهي حرام عليه ما أقام معها و لا إثم عليها»

وحسن الحلبي و محمد بن مسلم (2) عنه (عليه السلام) «في رجل قذف امرأته و هي خرساء، قال: يفرق بينهما»

و خبر محمد بن مروان (3) عنه (عليه السلام) «في المرأة الخرساء كيف يلاعنها زوجها؟

قال: يفرق بينهما و لا تحل له أبدا»

و ظاهر الأخيرين الاكتفاء بالخرس وحده، بل هو ظاهر الأول أيضا بناء على رواية الشيخ له هنا بأو، لكن رواه في باب اللعان بدونها كالكليني الذي هو أضبط من الشيخ قطعا، لكن مع كون ذلك في كلام السائل و الاقتصار على الخرس في الروايتين و التعبير بأو في كلام الأكثر بل هو في معقد إجماعي الغنية و محكي السرائر يتجه الاكتفاء بأحدهما، نعم في محكي التحرير الإشكال في الصماء، و في المسالك هو مبنى على اعتبار الأمرين.

و فيه أنه لو كان كذلك لم يخص الصماء بالإشكال، ضرورة كونهما حينئذ من واد واحد، بل هو مبني على مفروغية سببية الخرس وحده للروايتين، و إحدى النسختين و معقد الإجماعين، أما الصمم فقد يتوقف فيه من حيث إنه ليس إلا في سؤال خبر أبى بصير المحتمل كونه مذكورا فيه لبيان الواقع، لا لأن له مدخلية في الحكم، كما أنه ليس في الجواب إلا الحكم المزبور الذي لا إشكال في ثبوته على فرض تمامية الخرس في التسبيب، إذ الصمم إن لم يكن مؤكدا لم يكن مانعا، فالعمومات حينئذ تقتضي عدم التحريم معه، و من الإجماعين المزبورين و إحدى النسختين و ظهور السؤال في مدخليته في الحكم سيما مع قول السائل: «لا تسمع ما قال» مع تقرير الامام له، فإذا ثبت أن الخرس وحده سبب في الحكم استلزم ذلك

____________

(1) الوسائل الباب- 8- من كتاب اللعان الحديث 2.

(2) الوسائل الباب- 8- من كتاب اللعان الحديث 1.

(3) الوسائل الباب- 8- من كتاب اللعان الحديث 4.

26

ثبوت الصمم وحده أيضا بعد فرض ظهور الخبر في مدخليته في الحكم، إذ احتمال الإطلاق في سببية الخرس و تقييد سببية الصمم به لا يرجع إلى محصل.

نعم ربما يقوى في النفس أن الاختلاف المزبور في النصوص للتلازم بين الخرس الخلقي و الصمم، و منه ينقدح تخصيص موضوع هذا الحكم المخالف للأصول بذلك، أما الخرس العارضي بقطع لسان و نحوه و كذلك الصمم فلا يثبت له هذا الحكم، و هو جيد جدا إن لم يكن إجماع على خلافه.

و على كل حال فقد سمعت في المتن و غيره اعتبار ما يوجب اللعان في القذف المسبب لذلك، و قد يشكل ذلك بخلو الصحيح و الحسن بل و معقد إجماع الغنية عن ذلك، و من هنا قال بعضهم: «لو لا الإجماع على القيد المزبور لأمكن جعل السبب مطلقا قذف الزوج الصماء و الخرساء» لكن قد يقال مضافا إلى ذلك: إن الخبر الثالث- و إن لم يكن مقيدا لهما باعتبار عدم منافاته لهما- مشعر بأن التفرقة المزبورة هي اللعان بينهما، بل لعل السؤال في الخبرين الأولين مبني على ذلك، بمعنى أن الخرساء و الصماء التي لا لعان معها باعتبار خرسها و صممها إذا قذفها زوجها كيف الحكم في هذا القذف؟ فأجاب (عليه السلام) بما عرفت، أي أن حكم اللعان يجري و إن لم يكن فيكون هذا هو اللعان بينهما، و هذا هو المناسب لقاعدة الاقتصار على المتيقن فيما خالف الأصل و العمومات، و من هنا قيد المصنف و غيره القذف بما يوجبه، بل هو ظاهر غيره أيضا مما ذكره متصلا بحكم الملاعنة.

و من ذلك يعلم أن الحكم ثابت على سببي اللعان، و هو القذف و إنكار الولد، و هذا معنى قوله: «كيف يلاعنها؟» أي إذا حصل سبب اللعان في غيرها معها كيف يلاعنها؟ فما وقع من بعضهم من التصريح باختصاص الحكم في القذف بالزنا دون نفي الولد في غير محله، كاحتمال جريان اللعان منها بالإشارة فيه بخلاف الأول، لما ستعرف من اشتراط اللعان في كل من سببية بعدم الخرس و الصمم، كما هو واضح.

بل من ذلك يعلم أيضا سقوط ما عن الصدوق من ثبوت الحكم لو قذفت الزوجة

27

الزوج الأخرس أو الأصم و إن شهد له

المرسل (1) الفاقد لشرائط الحجية و إن كان المرسل ممن اجتمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه على ما رواه الكشي (2) «في امرأة قذفت زوجها الأصم، قال: يفرق بينهما و لا يحل له أبدا»

لكن قد عرفت أن هذا الحكم من أحكام اللعان بين الزوجة و زوجها، و هو إنما في قذف الزوج للزوجة لا العكس، نعم لو قلنا: إنه حكم للقذف من حيث كونه قذفا- ترتب عليه لعان لو لا الآفة أو لم يترتب- أمكن حينئذ تعميم الحكم و لو لقاعدة الاشتراك في وجه، و يخرج المرسل حينئذ شاهدا، لكن قد عرفت أن الحكم مترتب عليه من حيث كونه سبب لعان، فلا يتجه ذلك، و لذا لو قذفها على وجه لا يكون لعان به لعدم دعوى المشاهدة أو لحصول البينة أو لغير ذلك لم يترتب عليه الحكم المزبور، كما هو واضح، و الله العالم.

[السبب السادس الكفر]

السبب السادس الكفر، و النظر فيه يستدعي بيان مقاصد:

[المقصد الأول لا يجوز للمسلم نكاح غير الكتابية]

الأول لا يجوز للمسلم نكاح غير الكتابية إجماعا من المسلمين فضلا عن المؤمنين، و كتابا (3) و سنة (4) و ما عساه يظهر من محكي الخلاف عن بعض أصحاب الحديث من أصحابنا من القول بالجواز مع أنا لم نتحققه و لا نقله غيره مسبوق بالإجماع و ملحوق به، نعم في تحريم الكتابية من اليهود و النصارى روايتان (5)

____________

(1) الوسائل الباب- 8- من كتاب اللعان الحديث 3.

(2) رجال الكشي ص 466 ط النجف.

(3) سورة البقرة: 2- الآية 221.

(4) الوسائل الباب- 1- من أبواب ما يحرم بالكفر.

(5) الوسائل الباب- 1 و 2- من أبواب ما يحرم بالكفر.

28

أشهرهما عملا بين المتأخرين المنع في النكاح الدائم، و الجواز في المؤجل و ملك اليمين جمعا بين الدليلين، لكن لا ريب في دلالة قوله تعالى (1) «وَ لا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ» الآية على منع النكاح مطلقا، لأن تعليق النهي على الغاية التي هي الإيمان يدل على اشتراطه في النكاح، بل تعقيب النهي بقوله تعالى «أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النّارِ، وَ اللّهُ يَدْعُوا إِلَى الْجَنَّةِ» يقتضي كونه علة للمنع، فان الزوجين ربما أخذ أحدهما من دين صاحبه، فيدعو ذلك إلى دخول النار، و هذا المعنى مطرد في جميع أقسام الكفر، و لا اختصاص له بالشرك، على أنه قيل: إن اليهود و النصارى منهم أيضا، لقول النصارى بالأقانيم الثلاثة، و قد قال الله تعالى (2) «وَ قالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَ قالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ» و قال أيضا (3) «اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَ رُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللّهِ وَ الْمَسِيحَ- إلى أن قال:- سُبْحانَهُ عَمّا يُشْرِكُونَ» و الإشراك كما يتحقق بإثبات إله آخر مع الله سبحانه كذا يتحقق بإثبات إله غيره، فتكون الآية حينئذ دالة على المطلوب.

بل لعل قوله تعالى (4) «وَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا» الآية دال على المطلوب أيضا، فإنه إنما جوز نكاح الأمة إن لم يقدر على الحرة المؤمنة، فلو جاز نكاح الكافرة لزم جواز نكاح الأمة مع الحرة الكافرة، و لم يقل به أحد، و لأن التوصيف بالمؤمنات في قوله تعالى (5) «مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ» يقتضي أن لا يجوز نكاح الكافرة من الفتيات مع انتفاء الطول، و ليس إلا لامتناع نكاحها مطلقا، للإجماع على انتفاء الخصوصية بهذا الوجه، و لأن المنع عنها مع انتفاء الطول يقتضي المنع معه بطريق أولى، و في المحكي

عن نوادر الراوندي بإسناده (6) عن موسى بن جعفر عن آبائه عن علي (عليهم السلام) «لا يجوز للمسلم التزويج بالأمة اليهودية

____________

(1) سورة البقرة: 2- الآية 221.

(2) سورة التوبة: 9- الآية 30.

(3) سورة التوبة: 9- الآية 31.

(4) سورة النساء: 4- الآية 25.

(5) سورة النساء: 4- الآية 25.

(6) البحار ج 103 ص 380 ط الحديث.

29

و لا النصرانية، لأن الله تعالى يقول مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ».

بل قوله تعالى (1) «وَ لا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ» دال على المطلوب أيضا فإن العصم جمع عصمة، و هي ما يعتصم به من عقد أو ملك، لأن المرأة بالنكاح تعصم من غير زوجها، و الكوافر جمع كافرة، فالمراد نهي المؤمنين عن المقام على نكاح الكافرات، لانقطاع العصمة بينهما بالإسلام، و قد

روى (2) «إنها لما نزلت أطلق المسلمون نساءهم التي لم يهاجرن حتى تزوج بهن الكفار»

و في مرسل علي بن إبراهيم (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) في تفسيرها «من كانت عنده امرأة كافرة على غير ملة الإسلام و هو على ملة الإسلام فليعرض عليها الإسلام، فإن قبلت فهي امرأته، و إلا فهي بريئة منه، نهي الله أن يمسك بعصمهم»

و متى ثبت انقطاع العصمة الثابتة بالنكاح السابق لزم منه عدم تأثير اللاحق، بل لعله أولى، بل يمكن إرادة الأعم من السابق و اللاحق من الإمساك المنهي عنه فيها، فإن الاستدامة من لوازم التحصيل عادة، و المنع من اللازم يقتضي المنع من الملزوم، و على كل حال فلا ريب في دلالتها على ذلك من غير اختصاص بالمشركات و إن نزلت فيهن على ما قيل، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بحصول السبب.

مضافا إلى

موثق ابن الجهم (4) قال: «قال لي أبو الحسن الرضا (عليه السلام): يا أبا محمد ما تقول في رجل يتزوج نصرانية على مسلمة؟ قلت: جعلت فداك و ما قولي بين يديك؟ قال: لتقولن، فان ذلك تعلم به قولي، قلت: لا يجوز تزويج نصرانية على مسلمة و لا على غير مسلمة، قال: و لم؟ قلت: لقول الله عز و جل (5):

____________

(1) سورة الممتحنة: 60- الآية 10.

(2) مجمع البيان ذيل الآية 10 من سورة الممتحنة.

(3) الوسائل الباب- 5- من أبواب ما يحرم بالكفر الحديث 7.

(4) الوسائل الباب- 1- من أبواب ما يحرم بالكفر الحديث 3.

(5) سورة البقرة: 2- الآية 221.

30

وَ لا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ- إلى آخرها- قال: فما تقول في هذه الآية (1) وَ الْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ؟ قلت: قوله: وَ لا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ نسخت هذه الآية، فتبسم ثم سكت».

و إلى

خبر زرارة (2) عن أبي جعفر (عليه السلام): «لا ينبغي نكاح أهل الكتاب، قلت: جعلت فداك و أين تحريمه؟ قال: قوله وَ لا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ» (3)

و صحيحه الآخر (4) «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله سبحانه وَ الْمُحْصَناتُ- إلى آخرها- قال: هذه منسوخة بقوله وَ لا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ».

و إلى

خبر مسعدة بن صدقة المروي عن تفسير العياشي (5) قال: «سئل أبو جعفر (عليه السلام) عن قول الله تعالى وَ الْمُحْصَناتُ- إلى آخرها- قال: نسختها وَ لا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ».

و إلى ما

عن الطبرسي أنه روى عند قوله تعالى «وَ الْمُحْصَناتُ» عن أبي- الجارود (6) عن أبي جعفر (عليه السلام) «أنه منسوخ بقوله تعالى وَ لا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ»

بل قيل إن المراد بالمحصنات اللاتي أسلمن منهن، و بالمحصنات من المؤمنات اللائي كن في الأصل مؤمنات بأن ولدن على الإسلام، لما حكي أن قوما كانوا يتحرجون من العقد على من أسلمت عن كفر، فبين سبحانه أنه لا حرج في ذلك، فلذا أفرده بالذكر.

و إلى قوله تعالى (7) «لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ» إلى آخرها، فإن

____________

(1) سورة المائدة: 5- الآية 5.

(2) الوسائل الباب- 1- من أبواب ما يحرم بالكفر الحديث 4.

(3) سورة الممتحنة: 60- الآية 10.

(4) الوسائل الباب- 1- من أبواب ما يحرم بالكفر الحديث 1.

(5) المستدرك الباب- 1- من أبواب ما يحرم بالكفر الحديث 1.

(6) الوسائل الباب- 1- من أبواب ما يحرم بالكفر الحديث 7.

(7) سورة المجادلة: 58- الآية 22.

31

التزويج بهن مودة، خصوصا بعد قوله تعالى (1) «وَ جَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَ رَحْمَةً» و إلى قوله (2) «لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النّارِ وَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ» فان نفي الاستواء يقتضي نفيه من جميع الوجوه التي منها المناكحة، و من ذلك كله ذهب المفيد و المرتضى و ابن إدريس فيما حكى عنه إلى المنع مطلقا حتى الوطء بملك اليمين الذي هو أحد العصم، بل ادعى المرتضى منهم الإجماع على ذلك.

إلا أن التحقيق الجواز مطلقا وفاقا للحسن و الصدوقين على كراهية متفاوتة في الشدة و الضعف بالنسبة (3) إلى الدائم و المنقطع و ملك اليمين، و بالنسبة (4) إلى من يستطيع نكاح المسلمة و غيره، و بالنسبة (5) لمن يكون عنده المسلمة و غيره، و بالنسبة (6) إلى البله منهن و غيرها، كما أومأت إلى ذلك كله النصوص التي ستسمعها، لقوله تعالى (7) «وَ الْمُحْصَناتُ» إلى آخرها التي هي من سورة المائدة المشهورة في أنها محكمة لا نسخ فيها.

قال رسول الله (صلى الله عليه و آله) (8): «إن سورة المائدة آخر القرآن نزولا فأحلوا حلالها و حرموا حرامها».

والمروي (9) عن الطبرسي عن العياشي بإسناده و عيسى بن عبد الله، عن أبيه

____________

(1) سورة الروم: 30- الآية 21.

(2) سورة الحشر: 59- الآية 20.

(3) الوسائل الباب- 2- من أبواب ما يحرم بالكفر و الباب- 13- من أبواب المتعة و الباب- 16- من أبواب ما يكتسب به الحديث 1 من كتاب التجارة.

(4) الوسائل الباب- 2- من أبواب ما يحرم بالكفر.

(5) الوسائل الباب- 2 و 7 و 8- من أبواب ما يحرم بالكفر.

(6) الوسائل الباب- 3- من أبواب ما يحرم بالكفر.

(7) سورة المائدة: 5- الآية 5.

(8) الدر المنثور ج 2 ص 252.

(9) البحار ج 92 ص 274.

32

عن جده، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «كان القرآن ينسخ بعضه بعضا، و إنما يؤخذ من رسول الله (صلى الله عليه و آله) بآخره، و كان من آخر ما نزل عليه سورة المائدة نسخت ما قبلها و لم ينسخها شيء، لقد نزلت عليه و هو على بغلة شهباء، و قد ثقل عليه الوحي حتى وقفت و تدلى بطنها حتى رأيت سرتها تكاد تمس الأرض و أعيى، و أغمي على رسول الله (صلى الله عليه و آله) حتى وضع يده على ذؤابة شيبة بن وهب الجمحي، ثم رفع ذلك عن رسول الله (صلى الله عليه و آله)، فقرأ علينا رسول الله (صلى الله عليه و آله) سورة المائدة، فعمل رسول الله (صلى الله عليه و آله) و عملنا».

والمروي مرسلا (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله تعالى (2) «لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللّهِ» الآية «إنه لم ينسخ من هذه السورة شيء و لا من هذه الآية لأنه لا يجوز أن يبتدأ المشركون في أشهر الحرم بالقتال إلا إذا قاتلوا»

و فيه رد على من زعم أن قوله تعالى (3) «وَ لَا الشَّهْرَ الْحَرامَ» منسوخ بقوله (4) «فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ». و صحيح زرارة (5) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سمعته يقول: جمع عمر بن الخطاب أصحاب رسول الله (صلى الله عليه و آله) و فيهم على (عليه السلام)، فقال: ما تقولون في المسح على الخفين؟

فقام المغيرة بن شعبة، فقال: رأيت رسول الله (صلى الله عليه و آله) يمسح على الخفين، فقال علي (عليه السلام): قبل المائدة أو بعدها، فقال: لا أدري، فقال علي (عليه السلام): سبق الكتاب الخفين، إنما نزلت المائدة قبل أن يقبض بشهرين أو ثلاثة».

والمروي عن العياشي، عن زرارة و أبي حنيفة عن أبي بكر بن حزم (6) قال:

____________

(1) مجمع البيان ذيل الآية 2 من سورة المائدة.

(2) سورة المائدة: 5- الآية 2.

(3) سورة المائدة: 5- الآية 2.

(4) سورة التوبة: 9- الآية 5.

(5) الوسائل الباب- 38- من أبواب الوضوء- الحديث 6 من كتاب الطهارة.

(6) الوسائل الباب- 6- من أبواب صفات القاضي- الحديث 48 من كتاب القضاء.

33

«توضأ رجل فمسح على خفيه فدخل المسجد فصلى، فجاء علي (عليه السلام) فوطأ على رقبته، فقال: ويلك تصلى على غير وضوء، فقال: أمرني عمر بن الخطاب، قال: فأخذ بيده فانتهى به اليه، فقال: انظر ما يروى هذا عليك و رفع صوته، فقال: نعم أنا أمرته إن رسول الله (صلى الله عليه و آله) مسح على الخفين، قال: قبل المائدة أو بعدها، قال: لا أدرى، قال: فلم تفتي و أنت لا تدري، سبق الكتاب الخفين».

بل يدل على انتفاء النسخ في خصوص الآية بل هي ناسخة لما ادعوا نسخها به ما رواه السيد في المحكي من

رسالة المحكم و المتشابه نقلا عن تفسير النعماني بإسناده (1) عن علي (عليه السلام) قال: «و أما الآيات التي نصفها منسوخ و نصفها متروك بحاله لم ينسخ، و ما جاء من الرخصة في العزيمة فقوله تعالى وَ لا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ- إلى آخرها- و ذلك أن المسلمين كانوا ينكحون في أهل الكتاب من اليهود و النصارى و ينكحونهم حتى نزلت هذه الآية نهيا أن ينكح المسلم في المشرك أو ينكحونه، ثم قال الله تعالى في سورة المائدة ما نسخ هذه الآية، فقال وَ الْمُحْصَناتُ- الآية- فأطلق الله تعالى مناكحتهن بعد أن كان نهى، و ترك قوله وَ لا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتّى يُؤْمِنُوا على حاله، لم ينسخه».

بل يشهد له أيضا ما ذكره الثقة الجليل

علي بن إبراهيم (2) في تفسيره عند قوله تعالى «وَ لا تَنْكِحُوا» الآية «هي منسوخة بقوله تعالى في سورة المائدة:

____________

(1) الوسائل الباب- 2- من أبواب ما يحرم بالكفر الحديث 6.

(2) الموجود في تفسير على بن إبراهيم في ص 63 (طبع إيران عام 1313) ذيل الآية 221 من سورة البقرة «فقوله وَ لا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ منسوخة بقوله:

وَ الْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ، و قوله وَ لا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتّى يُؤْمِنُوا على حاله لم ينسخ» و في ص 151 ذيل الآية 5 من سورة المائدة «فقد أحل الله نكاح أهل الكتاب بعد تحريمه في قوله في سورة البقرة وَ لا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ، و انما يحل نكاح أهل الكتاب الذين يؤدون الجزية على ما يجب، فأما إذا كانوا في دار الشرك و لم يؤدوا الجزية لم يحل مناكحتهم».

34

الْيَوْمَ- الآية- ثم قال: نسخت هذه الآية قوله وَ لا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ، و ترك قوله وَ لا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ على حاله لم ينسخ، لأنه لا يحل للمسلم أن ينكح المشرك، و يحل له أن يتزوج المشركة من اليهود و النصارى»

فإنه و إن لم يسنده إلى حجة إلا أن الظاهر كونه مأخوذا عنهم (عليهم السلام)، كما يشهد به طريقة المحدثين و خصوصا فيما طريقه النقل من نقل متون الأخبار بحذف الإسناد كأنه من كلامهم.

و من ذلك كله يظهر لك ما في المحكي عن جماعة من منع كون سورة المائدة محكمة، لاشتمالها على ما هو منسوخ، و عدوا منه قوله تعالى (1) «فَاعْفُ عَنْهُمْ وَ اصْفَحْ» و قوله تعالى (2) «ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ» و قوله تعالى (3) «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ» فإنها جميعا منسوخة بآية السيف، و هي قوله تعالى (4) «وَ اقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ» على أن ذلك ليس من النسخ قطعا.

و أيضا فإن الروايات السابقة الدالة على نسخ آية المائدة منها ما دل على أنها منسوخة بقوله تعالى «وَ لا تُمْسِكُوا» و منها ما دل على أنها منسوخة بقوله تعالى:

«وَ لا تَنْكِحُوا» إلى آخرها، و من المعلوم أن النسخ بأحدهما لا يجتمع مع النسخ بالأخرى لاستحالة نسخ الشيء و رفعه بعد زواله و ارتفاعه.

و منه يعلم أن ما تضمنته رواية الطبرسي من اسناد النسخ إليهما معا خلاف ما يقتضيه الاعتبار، إلا أن يقال: إن الناسخ هو إحدى الآيتين خاصة، و إنما أضيف النسخ إلى الأخرى لكونها بمنزلة الناسخ من حيث الدلالة على ما يخالف حكم المنسوخ و إن حصل الرفع بغيرها، أو ما من شأنه النسخ به، أو يقال بتكرر النسخ و إن المنسوخ هو حل الكتابية لا من حيث استفادته من خصوص الآية بل حلها مطلقا و إن كان لأجل السنة لكن الكل كما ترى.

و أيضا قد عرفت أن الظاهر من آية النهي عن الإمساك المنع عن البقاء على

____________

(1) سورة المائدة: 5- الآية 13.

(2) سورة المائدة: 5- الآية 99.

(3) سورة المائدة: 5- الآية 105.

(4) سورة النساء: 4- الآية 89.

35

نكاح الكوافر و استدامته كما نص عليه المفسرون، فيشكل الحكم بكونه ناسخا لحل الكتابية، للإجماع على بقاء النكاح إذا أسلم زوج الذمية دونها و إن اختلفوا في جواز نكاحها ابتداء و عدمه، و لا تجدي أولوية المنع عن الابتداء بعد انتفاء حكم الأصل، نعم يصح جعل الآية ناسخة لو حمل الإمساك على ما يعم الابتداء و الاستدامة، لكنه خلاف المتبادر من اللفظ، و لذا لم يذكره المفسرون.

و أما النسخ بقوله تعالى «وَ لا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ» فيتوجه عليه منع دخول الكتابية في المشركة، لأن المتبادر من الشرك في إطلاق الشرع غير أهل الكتاب، كما يؤيده عطف المشركين على أهل الكتاب و بالعكس في كثير من الآيات (1) و هذا لا ينافي اعتقادهم ما يوجب الشرك، إذ ليس الغرض نفي الشرك عنهم، بل عدم تبادره من إطلاق لفظ المشرك، و ادعاء النسخ بالاية لفهم العموم منها بالقرائن و إن كان ممكنا إلا أنه خلاف ظاهر الرواية الدالة على النسخ بها من غير التفات إلى قرائن العموم، فوجب حينئذ طرح ما دل على ذلك، أو تأويله. على أن خبر ابن الجهم ليس فيه إلا أنه تبسم و سكت، و يمكن أن يكون تبسمه على اشتباهه، خصوصا و الامام (عليه السلام) سأله عن تزويج النصرانية على المسلمة الظاهر في المفروغية من جواز نكاحها لا على مسلمة.

و أيضا صدر آية المائدة بقوله تعالى (2) «الْيَوْمَ أُحِلَّ» إلى آخرها المراد منه بحسب الظاهر ما تعلق بالكتابيين، فإنه ظاهر في تجدد الحل و رفع الحرمة السابقة، فهو حينئذ كالصريح في أنه ناسخ لا منسوخ، على أنه لو أغضينا عن ترجيح ما ذكرناه، و قلنا: إن خبر الواحد لا يثبت به النسخ و لا الناسخ فلا أقل من التعارض، و لا ريب في أن التخصيص أولى من النسخ، و هو حاصل بتحكيم سورة المائدة.

هذا كله مضافا إلى موافقة ذلك للنصوص المستفيضة أو المتواترة الدالة على

____________

(1) سورة البقرة: 2- الآية 105 و سورة البينة: 98- الآية 1 و 6.

(2) سورة المائدة: 5- الآية 5.

36

جواز نكاح الكتابية منطوقا و مفهوما ك

صحيح ابن وهب (1) و غيره المروي في الكافي و الفقيه عن أبى عبد الله (عليه السلام) «في الرجل المؤمن يتزوج النصرانية و اليهودية، قال: إذا أصاب المسلمة فما يصنع باليهودية و النصرانية؟ فقلت: يكون له فيها الهوى، فقال: إن فعل فليمنعها من شرب الخمر و أكل لحم الخنزير، و اعلم أن عليه في دينه في تزويجه إياها غضاضة»

و منه يعلم الكراهة لمن يجد المسلمة

في خبر محمد (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) «لا ينبغي للمسلم أن يتزوج يهودية و لا نصرانية و هو يجد مسلمة حرة أو أمة»

مضافا إلى إشعار لفظ «لا ينبغي» فيه، و إلى

خبر عبد الله بن سنان (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سأله أبي و أنا أسمع عن نكاح اليهودية و النصرانية، فقال: نكاحهما أحب إلى من نكاح الناصبية، و ما أحب للرجل المسلم أن يتزوج اليهودية و لا النصرانية مخافة أن يتهود ولده أو يتنصروا»

. فما عن أبي علي- من حرمة النكاح اختيارا و الجواز اضطرارا للخبر المزبور و خبر حفص بن غياث (4) قال: «كتب إلى بعض إخواني أن أسأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن مسائل، فسألته عن الأسير هل له أن يتزوج في دار الحرب؟ فقال: أكره ذلك فان فعل في بلاد الروم فليس هو بحرام، و هو نكاح، و أما في الترك و الديلم و الخزر فلا يحل له ذلك»

و نحوه، كخبر الخزاز (5) عنه (عليه السلام)- واضح الضعف، على أن خبر حفص لا صراحة فيه، بل و لا ظهور في اشتراط الاضطرار المزبور في الجواز، بل هو في الدلالة على عدمه أظهر، فيندرج حينئذ في أدلة المختار التي منها ما عرفت.

____________

(1) الوسائل الباب- 2- من أبواب ما يحرم بالكفر الحديث 1.

(2) الوسائل الباب- 2- من أبواب ما يحرم بالكفر الحديث 2.

(3) ذكر صدره في الوسائل الباب- 10- من أبواب ما يحرم بالكفر الحديث 10.

و ذيله في الباب- 1- منها- الحديث 5.

(4) الوسائل الباب- 2- من أبواب ما يحرم بالكفر الحديث 4.

(5) أشار إليه في الوسائل الباب- 2- من أبواب ما يحرم بالكفر- الحديث 4 و ذكره في التهذيب ج 7 ص 433 الرقم 1727.

37

و (منها) أيضا

موثق سماعة (1) «سألته عن اليهودية و النصرانية أ يتزوجها الرجل على المسلمة؟ قال: لا و تزوج المسلمة على اليهودية و النصرانية»

الذي منه تظهر دلالة القيد في الصحيح أو الحسن (2) عن أبي جعفر (عليه السلام) «لا يتزوج اليهودية و النصرانية على المسلمة»

بل و خبر أبي بصير (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «لا يتزوج اليهودية و لا النصرانية على حرة متعة و غير متعة».

و (منها)

خبر أبي بصير (4) أيضا عن أبي جعفر (عليه السلام) «سألته عن رجل له امرأة نصرانية له أن يتزوج عليها يهودية؟ فقال إن أهل الكتاب مماليك للإمام، و ذلك موسع منا عليكم خاصة، فلا بأس أن يتزوج، قلت: فإنه يتزوج عليها أمة، قال: لا يصلح له أن يتزوج ثلاث إماء، فإن تزوج عليها حرة مسلمة و لم تعلم أن له امرأة نصرانية و يهودية ثم دخل بها فان لها ما أخذت من المهر، فإن شاءت أن تقيم بعد معه أقامت، و إن شاءت أن تذهب إلى أهلها ذهبت، و إذا حاضت ثلاث حيض أو مرت ثلاثة أشهر حلت للأزواج، قلت: فان طلق عليها اليهودية و النصرانية قبل أن تنقضي عدة المسلمة له عليها سبيل أن يردها إلى منزله؟ قال:

نعم»

و خبر منصور بن حازم (5) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «سألته عن رجل تزوج ذمية على مسلمة و لم يستأمرها، قال: يفرق بينهما، قلت: فعليه أدب؟ قال: نعم اثنى عشر سوطا و نصف ثمن حد الزاني و هو صاغر، قلت: فان رضيت المرأة الحرة المسلمة بفعله بعد ما كان فعل، قال: لا يضرب و لا يفرق بينهما، يبقيان على النكاح الأول»

و خبر هشام بن سالم (6) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في رجل تزوج ذمية على

____________

(1) الوسائل الباب- 7- من أبواب ما يحرم بالكفر الحديث 2.

(2) الوسائل الباب- 7- من أبواب ما يحرم بالكفر الحديث 1.

(3) الوسائل الباب- 7- من أبواب ما يحرم بالكفر الحديث 5.

(4) الوسائل الباب- 8- من أبواب ما يحرم بالكفر الحديث 1.

(5) أشار إليه في الوسائل الباب- 7- من أبواب ما يحرم بالكفر الحديث 4 و ذكره في الباب- 49- من أبواب حد الزنا- الحديث 1 من كتاب الحدود.

(6) الوسائل الباب- 7- من أبواب ما يحرم بالكفر الحديث 4.

38

مسلمة، قال: يفرق بينهما و يضرب ثمن الحد، اثني عشر سوطا و نصف، فان رضيت المسلمة ضرب ثمن الحد و لم يفرق بينهما، قلت: كيف يضرب النصف؟ قال: يؤخذ السوط بالنصف فيضرب به»

و خبر أبي مريم الأنصاري (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) «سألته عن طعام أهل الكتاب و نكاحهم حلال هو؟ فقال: نعم قد كانت تحت طلحة يهودية»

وصحيح محمد بن مسلم (2) عنه (عليه السلام) أيضا «سألته عن نكاح اليهودية و النصرانية، فقال: لا بأس به، أما علمت أنه كان تحت طلحة بن عبد الله يهودية على عهد النبي (صلى الله عليه و آله و سلم)؟».

و (منها) خصوص ما جاء في المتعة ك

مرسل ابن فضال (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا بأس أن يتمتع الرجل باليهودية و النصرانية و عنده حرة»

و خبر زرارة (4) «سمعته (عليه السلام) يقول: لا بأس أن يتزوج اليهودية و النصرانية، فقال: لا بأس به يعني متعة»

وخبر الأشعري (5) «سألته (عليه السلام) عن الرجل يتمتع من اليهودية و النصرانية، فقال: لا أرى بذلك بأسا»

الحديث. و خبر الحسن التغلبي (6) «سألت الرضا (عليه السلام) أ نتمتع من اليهودية و النصرانية؟ فقال: تتمتع من الحرة المؤمنة أحب إلى، و هي أعظم حرمة منها»

إلى غير ذلك من

____________

(1) الوسائل الباب- 5- من أبواب ما يحرم بالكفر الحديث 3.

(2) الوسائل الباب- 5- من أبواب ما يحرم بالكفر الحديث 4.

(3) الوسائل الباب- 4- من أبواب ما يحرم بالكفر الحديث 1.

(4) الوسائل الباب- 4- من أبواب ما يحرم بالكفر- الحديث 2 و الباب 13 من أبواب المتعة- الحديث 2. و في الموضعين قال:

«سمعته يقول: لا بأس أن يتزوج اليهودية و النصرانية متعة و عنده امرأة»

و اما قوله: فقال: لا بأس به يعني متعة» فهو من تتمة حديث محمد بن سنان الذي ذكره في الوسائل بعد خبر زرارة في الموضع الثاني بلا فصل، و الظاهر انه سهو من قلمه و طفرة من نظره الشريف طاب تراه.

(5) الوسائل الباب- 13- من أبواب المتعة الحديث 1.

(6) الوسائل الباب- 7- من أبواب المتعة الحديث 3 و الباب- 13- منها- الحديث 6 عن الحسن التفليسي كما في الاستبصار- ج 3 ص 145- الرقم 524.

39

النصوص الدالة على ذلك، مضافا إلى ما عن المبسوط من أنه قد أجاز أصحابنا كلهم التمتع بالكتابية و وطءها بملك اليمين.

إلا أن النصوص جميعها كما ترى لا تفصيل في شيء منها بالدائم و المؤجل و ملك اليمين الذي اختاره المصنف و غيره، بل قيل: إنه المشهور، بل ظاهر بعضها أو صريحه التعميم زيادة على إطلاق النكاح و التزويج الذي إن لم يكن ظاهرا في الدوام فلا ريب في تناوله لهما معا.

و دعوى ظهور الآية (1) في المتعة- باعتبار ذكر الأجر فيها الظاهر في عوضها، دون الدائم، فإن عوضه يسمى بالمهر و الصداق و نحوهما- يدفعها- مع أنه لا دلالة فيها على التفصيل المنافي للطلاق، بل هي حينئذ كأخبار المتعة- منع اختصاص لفظ الأجر في ذلك، و منع انصرافه إليه، بل أطلق في الكتاب و السنة على المهر باعتبار كونه عوض ملك منفعة البضع، على أن الآية قد اشتملت على المحصنات من المؤمنات و المحصنات من أهل الكتاب، و المراد أجور الجميع، و لا ريب في عدم اختصاص الجواز في المؤمنات بالتمتع، و احتمال اختصاص القيد بالكتابيات يدفعه ظهور الآية في خلافه، و خبر زرارة (2) المشتمل على التفسير بالمتعة مع أنه منه لأمن الإمام (عليه السلام) لا يقتضي التقييد، إذ أقصاه أن مراد الامام (عليه السلام) في خصوص الخبر المزبور من التزويج المتعة.

و دعوى حمل جميع ما دل على جواز الدوام على التقية يدفعها أن جملة من رواة تلك النصوص ممن لا يعطون من جراب النورة، على أن فيها ما ينافي التقية كالخبر المشتمل على كونهن ملكا للإمام، و غيره. كل ذلك مع عدم المعارض الذي يحمل لأجله الخبر على التقية المسقطة لحجيته، و عدم الإشعار في شيء منها بذلك، كما هو المتعارف في الأخبار الواردة مورد التقية، و الاستدلال بفعل طلحة باعتبار تقرير النبي (صلى الله عليه و آله) له عليه فلا دلالة فيه على ذلك، كما هو واضح.

____________

(1) سورة النساء: 4- الآية 25.

(2) راجع التعليقة (4) من الصفحة (38).

40

و كذا المناقشة فيها- باشتمالها على اعتبار المنع من أكل لحم الخنزير و شرب الخمر، و هو غير شرط في صحة النكاح، و لا واجب من حيث كونها زوجة و وجوبه من حيث الأمر بالمعروف خارج عما نحن فيه، و اشتمال الأخر على اختصاص التوسعة بالشيعة، و على معاملتهن معاملة الأمة في عدم جواز الجمع بين الثلاث منهن، و عدم نكاحهن على المسلمة، و الخيار للمسلمة لو نكحت عليهن و هي غير عالمة، و أن له الرجوع على المسلمة في عدة الفسخ لو طلق اليهودية، و غير ذلك مما لا يلتزمه القائل بالجواز- يدفعها عدم سقوط الخبر عن الحجية بذلك، على أن الصدوق و ابنه قد أفتيا بمضمون الصحيح المشتمل على المنع من لحم الخنزير و شرب الخمر، فلعلهما يعملان به بالنسبة إلى ذلك، و إن كان الأقوى خلافه، لا طلاق النصوص، نعم لا يبعد الاستحباب المؤكد أو الوجوب مع التمكن و لو بالاشتراط في عقد النكاح، كما أنه لا يبعد الكراهة في نكاحها على المسلمة احتراما لها، بل لعل الرجوع إليها بعد الطلاق دليل على عدم كون الفسخ حقيقة، و أنها باقية لعى حباله، كل ذلك بعد فرض الإجماع على عدم هذه الأحكام فيهن، كما هو واضح، و من ذلك كله يظهر لك أن مختار المصنف و غيره من التفصيل في غاية الضعف.

و أضعف منه اختصاص الجواز بملك اليمين كما هو ظاهر المفيد، و كذا القول بالتفصيل بين الاضطرار و غيره في الدائم و الجواز مطلقا متعة، فإن جميع ذلك مناف للعمومات و لما سمعته من الكتاب و السنة السالمة عن معارضة ما عدا التعميم و التخصيص إلا ما تقدم من النصوص (1) المتضمنة لنسخ آية المائدة (2) بآية «وَ لا تُمْسِكُوا» (3) و بآية «وَ لا تَنْكِحُوا» (4) و قد عرفت الحال فيها و قصورها عن

____________

(1) الوسائل الباب- 1- من أبواب ما يحرم بالكفر- الحديث 1 و 3 و 7 و المستدرك الباب- 1- منها- الحديث 1.

(2) سورة المائدة: 5- الآية 5.

(3) سورة الممتحنة: 60- الآية 10.

(4) سورة البقرة: 2- الآية 221.

41

المعارضة من وجوه.

و آية المحادة (1)- بعد منع كون التزويج موادة، فإنه ربما كان للحاجة دون المحبة، و آية «وَ جَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَ رَحْمَةً» (2) محمولة على الغالب، لتحقق النشوز و الشقاق المنافيين للمودة قطعا- ظاهرة في أن المراد موادة المحاد من حيث المحادة، لتعليقها على الوصف الظاهر في العلية، إذ الموادة لا من تلك الجهة لا تكون داخلة تحت الاختيار، فلا يتوجه النهي إليها، و لا يصح الحمل على اللوازم، لجواز صلة المحاد، لقوله تعالى (3) «وَ صاحِبْهُما فِي الدُّنْيا مَعْرُوفاً» و قوله (صلى الله عليه و آله) (4):

«لكل كبد حرى أجر»

و لا ريب في تحريم الموادة من حيث المحادة، بل منافاتها للايمان، فإنه و محبة الكفر مما لا يجتمعان، و حينئذ فالاية محمولة على ظاهرها، و لا حاجة فيها إلى تأويل قوله تعالى «لا تَجِدُ» بما قيل من أن المعنى لا ينبغي أن تجدوا، فإنه انما يحتاج إلى ذلك لو أريد بالموادة مطلق المحبة، و قد عرفت فساده، بل لعل الغرض من هذا الحكم نفي الايمان عن الذين كانوا يدعون الايمان و يضمرون الموادة للكفار المعلنين بالكفر، و هم المنافقون الذين كان يعرفهم النبي (صلى الله عليه و آله) بلحن القول و إشارات الوحي، و إنما ترك التصريح، لأن الكناية أوفق بالبلاغة و ادعى إلى الرجوع إلى الحق، و لما في التصريح من خشية تظاهرهم بالأمر و لحوقهم بالكفار الداعي إلى تقوية الكفر و ضعف الإسلام لكثرة المنافقين في عصره (صلى الله عليه و آله)، و لا ريب في نقضه للغرض.

أما آية الاستواء (5) فهي أجنبية عما نحن فيه، على أنها هي و غيرها من

____________

(1) سورة المجادلة: 58- الآية 22.

(2) سورة الروم: 30- الآية 21.

(3) سورة لقمان: 31- الآية 15.

(4) مسند أحمد ج 2 ص 222 و فيه

«في كل ذات كبد حرا أجر»

. (5) سورة الحشر: 59 الآية 20.

42

الايات معارضة لاية المائدة بالعموم الذي لا يعارض الخاص، و أما احتمال إرادة المسلمات من «الْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ» (1) فتخرج عن أصل المعارضة فيدفعه أنه مناف للظاهر خصوصا مع المقابلة بالمحصنات من المؤمنات و اتصال هذا الحكم بأحكام أهل الكتاب الثابتين على الكفر في قوله تعالى (2) «وَ طَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ» إلى آخرها، فإنه لا ريب في أن المراد من أهل الكتاب من ثبت منهم على الكفر دون من أسلم باتفاق المفسرين- على ما قيل- و النصوص الواردة في تفسيرها، على أن العمدة للخصم النص الدال على أنها منسوخة، و لولاه لكان الواجب التخصيص، و حينئذ فالأمر دائر بين النسخ و التخصيص. و على كل حال فالمراد بالمحصنات من الذين اللاتي لم يسلمن من الكتابيات، و قد عرفت رجحان عدم نسخها، بل قد عرفت ما يدل على أنها ناسخة.

و أما

صحيح زرارة (3) «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن نكاح اليهودية و النصرانية فقال: لا يصلح للمسلم أن ينكح يهودية و لا نصرانية، إنما يحل منهن نكاح البله»

فلم أجد عاملا به، نعم يحكى عن سلار أنه جوز نكاح المؤمنة و المستضعفة دواما و مطلق الذمية متعة، لكنه على كل حال قاصر عن معارضة غيره مما عرفت، على أن قوله (عليه السلام) فيه: «لا يصلح» مشعر بالكراهة، و إرادة الحرمة منه بقرينة قوله (عليه السلام):

«إنما يحل» ليس بأولى من إرادة ضعف الكراهة من الثاني بقرينة قوله: «لا يصلح» في الأول، فيكون عدم البلاهة مرتبة من مراتب الكراهة التي أشرنا إليها، و قلنا بتنزيل النصوص عليها، للإشعار فيها بذلك من وجوه.

و قد ظهر لك من ذلك كله ضعف الأقوال الستة أو السبعة، و أن الأقوال المفصلة منها مبنية على الجمع بلا شاهد و نحوه مما هو واضح البطلان، و مما سمعته تعرف ما في دعوى المرتضى (ره) من الإجماع على عدم الجواز مطلقا المتبين خلافه، خصوصا في المتعة و ملك اليمين، فلم يبق بحمد الله سبحانه في المسألة بعد اليوم من

____________

(1) سورة المائدة: 5- الآية 5.

(2) سورة المائدة: 5- الآية 5.

(3) الوسائل الباب- 3- من أبواب ما يحرم بالكفر الحديث 1.

43

إشكال، و الحمد لله المتعال، و الله هو العالم بحقيقة الحال.

هذا و قد قال المصنف تبعا لجماعة و كذا حكم المجوس على أشبه الروايتين أي لا يجوز النكاح فيهم إلا مؤجلا أو ملك يمين، ف

في صحيح ابن مسلم (1) «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل المسلم أ يتزوج المجوسية؟ قال: لا، و لكن إن كانت له أمة مجوسية فلا بأس أن يطأها و يعزل عنها، و لا يطلب ولدها»

و خبر منصور الصيقل (2) عن أبى عبد الله (عليه السلام) «لا بأس بالرجل أن يتمتع بالمجوسية»

و نحوه خبرا محمد بن سنان (3) و حماد بن عيسى (4) عن الرضا و أبي عبد الله (عليهما السلام)، فالجمع بين الصحيح المزبور و بين ما دل على عدم جواز نكاح المشركات و الكوافر (5) و بينها قاض بذلك، مضافا إلى مشابهة المتعة لملك اليمين، بل و إلى ما دل على أن المجوس كتابيون- بناء على أن حكمهم عند المصنف ذلك- من

مرسل الواسطي (6) عن الصادق (عليه السلام) قال: «سئل عن المجوس أ كان لهم نبي؟ فقال: نعم أ ما بلغك كتاب رسول الله (صلى الله عليه و آله) إلى أهل مكة أن أسلموا و إلا فأذنوا بحرب، فكتبوا إلى النبي (صلى الله عليه و آله) خذ منا الجزية و دعنا على عبادة الأوثان، فكتب إليهم النبي (صلى الله عليه و آله) إني لست آخذ الجزية إلا من أهل الكتاب، فكتبوا إليه يريدون تكذيبه: زعمت أنك لا تأخذ الجزية إلا من أهل الكتاب، ثم أخذت الجزية من مجوس هجر؟ فكتب إليهم النبي (صلى الله عليه و آله): إن المجوس كان لهم نبي فقتلوه، و كتاب أحرقوه أتاهم نبيهم بكتابهم في اثنى عشر ألف جلد ثور»

و نحوه

____________

(1) الوسائل الباب- 6- من أبواب ما يحرم بالكفر الحديث 1.

(2) الوسائل الباب- 13- من أبواب المتعة الحديث 5.

(3) الوسائل الباب- 13- من أبواب المتعة الحديث 4.

(4) الوسائل الباب- 13- من أبواب المتعة الحديث 5 مرسل حماد بن عيسى.

(5) الوسائل الباب- 1- من أبواب ما يحرم بالكفر الحديث 1 و 3 و 7.

(6) الوسائل الباب- 49- من أبواب جهاد العدو- الحديث 1 من كتاب الجهاد.

44

المروي في محكي العلل عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (1) و النبوي (2) «سنوا بهم سنة أهل الكتاب».

لكن قد يناقش في ذلك كله بأن مقتضى الآية و الصحيح الأول عدم جواز النكاح مطلقا غبطة و متعة، و الأخبار الثلاثة ضعيفة لا جابر لها، ضرورة عدم تحقق شهرة بذلك، بل لعل الشهرة على الخلاف، بل عن التبيان و السرائر الإجماع على ذلك، و المرسلان فاقدان شرائط الحجية، بل زيد في الثاني منهما «غير ناكحي نسائهم و لا آكلي ذبائحهم» فيراد منهما بالنسبة إلى غير ما نحن فيه، ف

في المقنعة عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (3) أنه قال: «المجوس إنما ألحقوا باليهود و النصارى في الجزية و الديات لأنه قد كان لهم فيما مضى كتاب».

على أن المراد بأهل الكتاب من أظهر اتباعه و الانقياد له، لا من أحرقه و أعرض عنه، بل المنساق من أهل الكتاب في مثل آية المائدة التي في محل البحث اليهود و النصارى كما لا يخفى على من تأمل موارد إطلاق هذا اللفظ، لعدم العبرة عندنا بغير التوراة و الإنجيل من باقي الكتب التي هي على ما قيل نقل من الأنبياء بالمعنى، لا أن ألفاظها نزلت من رب العزة، أو أنها مواعظ و نحوها لا أحكام، و لعله لذلك خص أهل الكتابين ببعض الأحكام دون غيرهم، فالذي يقوى في النظر حرمة نكاحهم مطلقا إلا بملك اليمين.

نعم الظاهر أن السامرة- على ما قيل- قوم من اليهود يسكتون بيت المقدس و قرايا من أعمال مصر يتقشفون في الطهارة أكثر من سائر اليهود، أثبتوا نبوة موسى و هارون و يوشع و أنكروا نبوة من بعدهم رأسا إلا نبيا واحدا، و قالوا:

____________

(1) لم نعثر على هذه الرواية في العلل بعد التتبع التام فيه و انما روى الصدوق قده في الأمالي و التوحيد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) ما يدل على ان المجوس كان لهم كتاب و بعث إليهم النبي و قد ذكره في الوسائل في الباب- 3- من أبواب ما يحرم بالنسب- الحديث 3.

(2) الوسائل الباب- 49- من أبواب جهاد العدو الحديث 5 و 9 من كتاب الجهاد.

(3) الوسائل الباب- 49- من أبواب جهاد العدو الحديث 8 من كتاب الجهاد.

45

التوراة إنما بشرت بنبي واحد يأتي بعد موسى بصدق ما بين يديه من التوراة و يحكم بحكمها، و لا يخالفها البتة، و قبلتهم الطور الذي كلم الله تعالى عليه موسى، و قالوا:

إن الله تعالى أمر داود أن يبنى عليه بيت المقدس، فخالف و ظلم فبناه بايليا.

و أما الصابئون فعن أبي على «أنهم قوم من النصارى» و عن المبسوط «أن الصحيح خلافه، لأنهم يعبدون الكواكب» و عن التبيان و مجمع البيان «أنه لا يجوز عندنا أخذ الجزية منهم، لأنهم ليسوا أهل الكتاب» و في المحكي عن الخلاف «نقل الإجماع على أنه لا يجري على الصابئة حكم أهل الكتاب» و عن العين ان دينهم يشبه دين النصارى، إلا أن قبلتهم نحو مهب الجنوب حيال نصف النهار، يزعمون أنهم على دين نوح، و قيل: قوم من أهل الكتاب يقرؤون الزبور، و قيل: بين اليهود و المجوس، و قيل: قوم يوحدون و لا يؤمنون برسول، و قيل: قوم يقرون بالله عز و جل و يعبدون الملائكة و يقرؤون الزبور و يصلون إلى الكعبة، و قيل: قوم كانوا في زمن إبراهيم (عليه السلام) يقولون بأنا نحتاج في معرفة الله و معرفة طاعته إلى متوسط روحاني لا جسماني، ثم لما لم يمكنهم الاقتصار على الروحانيات و التوسل بها فزعوا إلى الكواكب، فمنهم من عبد السيارات السبع، و منهم من عبد الثوابت، ثم إن منهم من اعتقد الإلهية في الكواكب، و منهم من سماها ملائكة، و منهم من تنزل عنها إلى الأصنام.

لكن في القواعد «الأصل في الباب أنهم،- أي السامرة و الصابئين- إن كانوا إنما يخالفون القبيلتين في فروع الدين فهم منهم، و إن خالفوهم في أصله فهم ملحدة لهم حكم الحربيين» و في كشف اللثام «بهذا يمكن الجمع بين القولين لجواز أن يعدوا منهم و إن خالفوهم ببعض الأصول، كما يعد كثير من الفرق من المسلمين مع المخالفة في الأصول، بل الأمر كذلك في غير الإمامية، و قد قيل: إنه لا كلام في عد هما من القبيلتين، و انما الكلام في الأحكام».

قلت: لا ينبغي الكلام في الأحكام بعد فرض أنهم من القبيلتين، أي اليهود و النصارى، ضرورة تعليق الأحكام في النص و الفتوى على المسمين بهذا الاسم الذي يشملهم أهل الكتاب، فمع فرض انتحالهم ملة موسى و عيسى و التوراة و الإنجيل و ركونهم إلى ما جاءا به جرت عليهم الأحكام، بل الظاهر عدم العبرة فيما بينهم من الاختلاف

46

في الأصول و الفروع، ضرورة تناول الاسم لهم جميعا، و هو مدار الأحكام.

كما أن الظاهر الاكتفاء في إثبات يهوديته مثلا بإقراره من غير حاجة إلى العلم بالتواتر، أو بالشياع المفيد له أو ما يقوم مقامه من شهادة العدلين و إن احتمله في جامع المقاصد، لكن الذي يقوى خلافه، ضرورة كونهم في ذلك كالمسلمين في أصل الإسلام و في فرقه، و كغيره من الأشياء التي لا تعلم إلا من قبل أصحابها، ضرورة كونها من الاعتقادات المقبول خبر أصحابها بالنسبة إلى جريان أحكامها من غير فرق بين ما رجع منها إليهم و بين ما رجع منها إلى غيرهم التي منها جواز نكاحهم.

نعم لا عبرة عندنا بمن تهود أو تنصر بعد البعثة، لأن كل من انتقل من الإسلام أو من دين من أديان الكفر إلى دين أهل الكتاب بعد مبعث النبي (صلى الله عليه و آله) لم يقبل منه عندنا من غير خلاف يعرف فيه إلا ما تسمعه من الشيخ (ره) بل عن بعضهم دعوى الإجماع عليه، بل قيل لقوله تعالى (1) «وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ» و عموم

قوله (صلى الله عليه و آله) (2): «من بدل دينه فاقتلوه»

و لأن دينهم لنسخة لم تبق له حرمة، خلافا للمحكي عن الشيخ من إقرار الكتابي المنتقل إلى غير ملته إذا كان الثاني مما يقر عليه، ناقلا عليه الإجماع، و الأول أقوى و حينئذ فليس لأولادهم حرمة و إن نشؤوا على دين أهل الكتاب و لا يقرون عليه، إذ الأولاد إنما يحترمون لاحترام آبائهم، و كذا أولاد الوثنيين إذا نشؤوا على اليهودية أو النصرانية، فإنه في حكم الانتقال.

و لو كان التهود و التنصر قبل البعثة لم يبعد القبول مطلقا سواء كان انتقاله إلى الدين المبدل بهم أو إلى القديم، لكن في القواعد «إن كان الانتقال قبله- أي المبعث- و قبل التبديل قبل و أقر أولادهم عليه، و ثبت لهم حرمة أهل الكتاب، و هل التهود بعد مبعث عيسى كهو بعد مبعث النبي (صلى الله عليه و آله)؟ إشكال، و إن كان بينهما

____________

(1) سورة آل عمران: 3- الآية 85.

(2) المستدرك الباب- 1- من أبواب حد المرتد الحديث 2 من كتاب الحدود.

47

فان انتقل إلى دين من بدل لم يقبل، و إلا قبل، و لو أشكل هل انتقلوا قبل التبديل، أو بعده؟ أو علم و أشكل هل دخلوا في دين من بدل أولا؟ فالأقرب إجراؤهم مجرى الكتابيين» قلت: لا إشكال في القبول لعموم الأدلة الشامل لهم، بل هو شامل لمن انتقل بين المبعث و التبديل، خصوصا و المبدلون في زمن النبي (صلى الله عليه و آله) و الأئمة (عليهم السلام) أكثر من غيرهم، بل لم يكن لهم إلا الدين المبدل، فإن الإقرار بنبوة نبينا (صلى الله عليه و آله) من دينهم، فاما أن يكونوا هم المبدلين أو الداخلين في دين المبدل و آبائهم، بل هو شامل أيضا للمتهود بعد مبعث عيسى (عليه السلام)، فالأقوى حينئذ إجراء حكم اليهود و النصارى على هؤلاء أجمع إلا من علم تهوده بعد البعثة بناء على عدم قبول ذلك منه لما عرفت، كما هو واضح، و الله العالم.

و لو ارتد أحد الزوجين عن الإسلام أو ارتدا معا دفعة قبل الدخول وقع الفسخ في الحال مطلقا، سواء كان الارتداد عن فطرة أو ملة، بلا خلاف أجده فيه بيننا، بل الإجماع بقسميه عليه، بل من أهل العلم كافة في الأول على ما عن التذكرة، لعدم جواز نكاح المسلم و المسلمة كافرة و كافرا ابتداء و استدامة و لو كتابيا، لعدم إقرارهم عليه إذا كان ارتدادا، و للمعتبرة (1) في المرتد الفطري الشاملة لصورتي الدخول و عدمه كما تسمعها، و الخبر (2) في الملي «المرتد تعزل عنه امرأته، و لا تؤكل ذبيحته، و يستتاب ثلاثة أيام، فإن تاب و إلا قتل»

و هو و إن كان خاصا بارتداد الرجل لكن في الرياض إن ارتداد المرأة ملحق به، للإجماع المركب، نعم قد يناقش بظهوره فيما بعد الدخول، اللهم إلا أن يقال: إن ما قبل الدخول أولى فتأمل.

كما أنه قد يناقش في الفسخ بردتهما دفعة، و لعله لإطلاق ما دل على ذلك

____________

(1) الوسائل الباب- 1- من أبواب حد المرتد الحديث 2 و 3 من كتاب الحدود و الباب- 6- من موانع الإرث- الحديث 4 و 5 من كتاب الإرث.

(2) الوسائل الباب- 3- من أبواب حد المرتد الحديث 5 من كتاب الحدود.

48

من نص أو معقد إجماع، بل قد يقال: إن المرتد مطلقا و إن كان مليا لا يصح نكاحه ابتداء و لا استدامة و لو لكافرة كتابية أو غيرها، و كذا المرتدة، لأنه بعد أن كان حكمه القتل و لو بعد الاستتابة صار بحكم العدم الذي لا يصح نكاحه، و كذا الامرأة، فإن حكمها السجن و الضرب أوقات الصلاة حتى تتوب أو تموت، و من هنا قال في الدروس: «و تمنع الردة صحة النكاح لكافرة أو مسلمة» و قال أيضا: «و لا يصح تزويج المرتد و المرتدة على الإطلاق، لأنه دون المسلمة و فوق الكافرة، و لأنه لا يقر على دينه، و المرتدة فوقه، لأنها لا تقتل» قلت: و من ذلك يظهر لك الوجه في المرتدين دفعة و لو عن ملة، مضافا إلى دعوى الإجماع و إطلاق ما دل على البينونة بالارتداد الشامل لحالي ارتداد الأخر و عدمه، بل يظهر لك الوجه في الانفساخ حتى لو كانت الزوجة كتابية و الزوج مرتدا مليا عن ذلك الصنف من الكتابي، كما هو واضح.

و على كل حال ف يسقط المهر إن كان من المرأة بلا خلاف أجده فيه لأن الفسخ جاء من قبلها، و لأن المعاوضة انفسخت قبل التقابض و نصفه إن كان من الرجل تنزيلا للفسخ بارتداده منزلة طلاقه المنصف للمهر قبل الدخول سواء كان لمسمى أو لمهر مثل، و فيه أن الأصل يقتضي وجوب المهر للعقد المسبب لذلك، و خروج الطلاق بدليل خاص لا يقتضي التعدية بعد حرمة القياس عندنا، و من هنا صرح غير واحد بوجوب الجميع عليه، خصوصا في الارتداد الفطري المنزل المرتد (1) منزلة الميت، و ستعرف أن الموت قبل الدخول يوجب الجميع، اللهم إلا أن يقال: إن الأصل في الفسخ أو ما يقوم مقامه رد كل عوض إلى صاحبه كالإقالة في البيع، فمع فرض عدم الدخول لم يكن لها عليه شيء، لعدم التقابض، لكن ثبت في الطلاق النصف للدليل، و ألحق به كل فسخ جاء من قبله بوجوب

____________

(1) هكذا في النسخة الأصلية المبيضة و الصحيح (للمرتد) كما هو كذلك في المسودة التي هي بخط المصنف طاب ثراه.

49

المنصف، للإجماع عليه، كما قد أشرنا إلى ذلك في الرضا، فلا حظ و تأمل.

و كيف كان ف لو وقع الارتداد بعد الدخول وقف الفسخ على انقضاء العدة من غير فرق في وقوعه من أيهما كان بل و من غير فرق في ارتداد الزوجة بين الفطري و الملي، نعم يعتبر في الزوج أن يكون عن ملة لما ستعرف أنه لا انتظار للفطري، و حينئذ فإن رجع أو رجعت قبل انقضاء العدة كانت زوجته و إلا انكشف أنها بانت من أول الارتداد، كما أنه ينكشف بالإسلام منها أن مثل هذه الردة غير مانعة و أن النكاح باق، لما ستعرفه من النصوص (1) الدالة على ذلك في نكاح الكفار إذا أسلموا، بل هو ظاهر العزل في الخبر السابق (2) بل منها يعلم أن الرجوع إلى الزوجية بالإسلام قهري لا حاجة فيه إلى قول: «رجعت» و نحوه كالمطلقة، فما

في خبر الحضرمي (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «إذا ارتد الرجل المسلم عن الإسلام بانت منه امرأته كما تبين المطلقة ثلاثا، و تعتد منه كما تعتد المطلقة فإن رجع إلى الإسلام و تاب قبل أن تتزوج فهو خاطب، و لا عدة عليها منه له، و إنما عليها العدة لغيره، فان قتل أو مات قبل انقضاء العدة اعتدت منه عدة المتوفى عنها زوجها، و هي ترثه في العدة، و لا يرثها إن ماتت و هو مرتد عن الإسلام»

محمول على الرجوع بعد العدة، كما أنه يحمل ما فيه من التشبيه بالمطلقة ثلاثا على إرادة عدم الرجوع له و هو كافر، بل تبين عنه في هذا الحال بينونة تامة.

و على كل حال ف لا يسقط شيء من المهر قطعا لاستقراره بالدخول هذا كله في المرتد عن ملة.

و اما إن كان أي الزوج ولد على الفطرة فارتد انفسخ النكاح في الحال و إن كان بعد الدخول، لأنه لا يقبل عوده بالنسبة إلى ذلك بلا خلاف، بل

____________

(1) الوسائل الباب- 9- من أبواب ما يحرم بالكفر.

(2) الوسائل الباب- 3- من أبواب حد المرتد الحديث 5 من كتاب الحدود.

(3) الوسائل الباب- 6- من أبواب موانع الإرث الحديث 4 من كتاب المواريث بطريق الشيخ.

50

الإجماع بقسميه عليه،

قال الساباطي (1): «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: كل مسلم بين مسلمين ارتد عن الإسلام و جحد رسول الله (صلى الله عليه و آله) نبوته و كذبه فإن دمه مباح لمن سمع ذلك منه، و امرأته بائنة منه يوم ارتد، و يقسم ماله على ورثته، و تعتد امرأته عدة المتوفى عنها زوجها، و على الامام أن يقتله و لا يستتيبه»

و قال ابن مسلم (2) «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن المرتد، فقال: من رغب عن الإسلام و كفر بما أنزل على محمد (صلى الله عليه و آله و سلم) بعد إسلامه فلا توبة له، و قد وجب قتله، و بانت منه امرأته، و يقسم ما ترك على ولده»

و قد تقدم في كتاب الطهارة (3) تمام البحث في قبول توبته باطنا مفصلا، فلاحظ و تأمل، و الله العالم.

و إذا أسلم زوج الكتابية فهو على نكاحه سواء كان قبل الدخول أو بعده بلا خلاف أجده، بل في المسالك و غيرها الإجماع عليه، بل و لا إشكال على المختار من جواز نكاح المسلم الكتابية ابتداء فضلا عن الاستدامة، بل و على غيره لضعف الاستدامة عن الابتداء، و لما عرفت من الإجماع المعتضد بنفي الخلاف، و خبر العبيدي عن يونس (4) قال: «الذمي تكون له المرأة الذمية فتسلم امرأته قال: هي امرأته يكون عندها بالنهار و لا يكون عندها بالليل، قال: فإن أسلم الرجل و لم تسلم المرأة يكون الرجل عندها بالليل و النهار»

و ل

حسن ابن أبي عمير عن بعض أصحابه عن ابن مسلم (5) عن أبي جعفر (عليه السلام) «إن أهل الكتاب و جميع من له ذمة

____________

(1) الوسائل الباب- 1- من أبواب حد المرتد- الحديث 3 من كتاب الحدود.

(2) الوسائل الباب- 1- من أبواب حد المرتد- الحديث 2 من كتاب الحدود.

(3) الجزء الأول ص 420.

(4) الوسائل الباب- 9- من أبواب ما يحرم بالكفر الحديث 8 مع الاختلاف و رواه بعينه في الكافي ج 5 ص 437.

(5) الوسائل الباب- 9- من أبواب ما يحرم بالكفر الحديث 5 رواه عن الكليني بإسناده عن إبراهيم بن هاشم، عن بعض أصحابه، عن محمد بن مسلم و في الاستبصار ج 3 ص 183 الرقم 663 عن ابن أبى عمير، عن بعض أصحابه، عن محمد بن مسلم.