الروضة من الكافي - ج8

- ثقة الإسلام أبي جعفر الكليني المزيد...
408 /
0

مما ابتلى انبياء ه واتباعهم المؤمنين ثم سلوا الله ان يعطيكم الصبر على البلاء في السراء والضراء والشدة والرخاء مثل الذي اعطاهم.

واياكم ومماظة اهل الباطل وعليكم بهدي الصالحين ووقارهم وسكينتهم وحلمهم وتخشعهم وورعهم عن محارم الله وصدقهم ووفائهم واجتهادهم لله في العمل بطاعته فانكم إن لم تفعلوا ذلك لم تنزلوا عند ربكم منزلة الصالحين قبلكم، واعلموا ان الله تعالى إذا أراد بعبد خيرا شرح صدره للاسلام، فاذا أعطاه ذلك نطق لسانه بالحق وعقد قلبه عليه فعمل به فاذا جمع الله له ذلك تم اسلامه وكان عند الله إن مات على ذلك الحال من المسلمين حقا وإذا لم يرد الله بعبد خيرا وكله إلى نفسه وكان صدره ضيقا حرجا فإن جرى على لسانه حق لم يعقد قلبه عليه وإذا لم يعقد قلبه عليه لم يعط الله العمل به، فاذا اجتمع ذلك عليه حتى يموت وهو على تلك الحال كان عند الله من المنافقين وصار ما جرى على لسانه من الحق الذي لم يعطه الله أن يعقد قلبه عليه ولم يعطه العمل به حجة عليه.

فاتقوا الله وسلوه أن يشرح صدوركم للاسلام وان يجعل ألسنتكم تنطق بالحق حتى يتوفاكم وأنتم على ذلك وان يجعل منقلبكم منقلب الصالحين قبلكم ولا قوة إلا بالاه والحمد لله رب العالمين.

ومن سره ان بعلم ان الله عزوجل يحبه فليعمل بطاعة الله وليتبعنا ألم يسمع قول الله تعالى لنبيه (صلى الله عليه وآله): (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم)

والله لا يطيع الله عبد أبدا إلا أدخل الله عليه في طاعته اتباعنا ولا والله لا يتبعنا عبد أبدا إلا أحبه الله والا والله لا يدع اتباعنا أحد أبدا إلا أبغضنا ولا والله لا يبغضنا أحد أبدا إلا عصى الله ومن مات عاصيا لله أخزاه الله وأكبه على وجهه في النار والحمد لله رب العالمين.

أقول: توضيح لغات الحديث كلها من الوافي عدا واحد منها.

علي أكبر الغفاري 1377.

1

بسم الله الرحمن الرحيم

1 - محمد بن يعقوب الكليني (1) قال: حدثني على بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن فضال عن حفص المؤذن، عن أبي عبدالله (عليه السلام)، وعن محمد بن اسماعيل بن بزيع (2)، عن محمد بن سنان، عن إسماعيل بن جابر، عن أبى عبدالله (عليه السلام) أنه كتب بهذه الرسالة إلى أصحابه وأمرهم بمدارستها والنظر فيها وتعاهدها والعمل بها فكانوا يضعونها في مساجد بيوتهم فإذا فرغوا من الصلاة نظروا فيها.

قال: وحدثني (3) الحسن بن محمد، عن جعفر بن محمد بن مالك الكوفي، عن القاسم بن الربيع الصحاف، عن إسماعيل بن مخلد السراج، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: خرجت هذه الرسالة من أبي عبدالله (عليه السلام) إلى أصحابه:

بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فاسألوا ربكم العافية وعليكم بالدعة (4) والوقار والسكينة وعليكم بالحياء والتنزه عما تنزه عنه الصالحون قبلكم وعليكم بمجاملة أهل الباطل، تحملوا الضيم منهم وإياكم ومماظتهم دينوا فيما بينكم وبينهم إذا أنتم جالستموهم وخالطتموهم ونازعتموهم الكلام، فإنه لا بد لكم من مجالستهم ومخالطتهم ومنازعتهم الكلام بالتقية التى أمركم الله أن تأخذوا بها فيما بينكم وبينهم فإذا ابتليتم

____________

(1) هذا قول احد رواة الكافي، النعماني او الصفواني او غيرهما.

(2) معطوف على ابن فضال لان ابراهيم بن هاشم من رواته. (آت). (3) اي قال ابراهيم بن هاشم: وحدثني... الخ.

(4) الدعة: الخفض والطمأنينة.

(5) المجاملة: المعاملة بالجميل. والضيم: الظلم. والمماظة بالمعجمة: شدة المنازعة والمخاصمة مع طول اللزوم. وقوله: (بالتقية) متعلق (بدينوا) وما بينهما معترض. (في) (*)

2

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

3

بذلك منهم فإنهم سيؤذونكم وتعرفون في وجوههم المنكر ولو لا أن الله تعالى يدفعهم عنكم لسطوا بكم (1) وما في صدورهم من العداوة والبغضاء أكثر مما يبدون لكم، مجالسكم ومجالسهم واحدة وأرواحكم وأرواحهم مختلفة لا تأتلف، لا تحبونهم أبدا ولا يحبونكم غير أن الله تعالى أكرمكم بالحق وبصركموه ولم يجعلهم من أهله فتجاملونهم وتصبرون عليهم وهم لا مجاملة لهم ولا صبر لهم على شئ (2) وحيلهم وسواس بعضهم إلى بعض فإن أعداء الله إن استطاعوا صدوكم عن الحق، فيعصمكم الله من ذلك فاتقوا الله وكفوا ألسنتكم ألا من خير.

وإياكم أن تزلقوا ألسنتكم (3) بقول الزور والبهتان والاثم والعدوان فإنكم إن كففتم ألسنتكم عما يكرهه الله مما نهاكم عنه كان خيرا لكم عند ربكم من أن تزلقوا ألسنتكم به فإن زلق اللسان فيما يكره الله وما [ي] نهى عنه مرداة (4) للعبد عند الله ومقت من الله وصم وعمي وبكم يورثه الله إياه يوم القيامة فتصيروا كما قال الله: " صم بكم عمي فهم لا يرجعون (5) " يعني لا ينطقون " ولا يؤذن لهم فيعتذرون ".

____________

(1) السطو: القهر اي وقبوا عليكم وقهروكم. (2) قال العلامة المجلسي رحمه الله: اعلم انه يظهر من بعض النسخ المصححة انه قد اختل نظم هذا الحديث وترتيبه بسبب تقديم بعض الورقات تاخير بعضها وفيها قوله: (ولا صبر لهم)

متصل بقوله فيما بعد: (من اموركم) هكذا: (ولا صبر لهم على شئ من اموركم تدفعون انتم السيئة إلى آخر ما سيأتي) وهو الصواب وسيظهر لك مما سنشير اليه في كل موضع من مواضع الاختلاف صحة تلك النسخة واختلال النسخ المشهورة اه. اقول: نقل هذه الرسالة صاحب الوافي رحمه الله عن الكافي في روضة الوافي عن مثل تلك النسخة التي اشار اليها العلامة المجلسي ولكن لم نعثر عليها مع كثرة ما لدينا من النسخ ولا يسعنا تغييرها عن هذه الصورة المشوشة فاثبتناها هكذا واوردناها بتمامها عن الوافي في آخر هذا المجلد مشفوعة بتفسير غريبها وتوضيح مشكلها.

(3) (ان تزلقوا) بالزاي المعجمة بمعنى النصر والفرح. وفي بعض النسخ بالذال المعجمة اخت الدال والمعنى ظاهر.

(4) في بعض النسخ [وفيما ينهى] والمرداة بغير الهمزة مفعلة من الردى بمعنى الهلاك.

(5) في بعض النسخ [لا يعقلون] وكلاهما في سورة البقرة: 18 و 171.

(6) المرسلات: 36. (*)

4

وإياكم وما نهاكم الله عنه أن تركبوه وعليكم بالصمت إلا فيما ينفعكم الله به من أمر آخرتكم ويأجركم عليه وأكثروا من التهليل والتقديس والتسبيح والثناء على الله والتضرع إليه والرغبة فيما عنده من الخير الذي لا يقدر قدره ولا يبلغ كنهه أحد، فاشغلوا ألسنتكم بذلك عما نهى الله عنه من أقاويل الباطل التى تعقب أهلها خلودا في النار من مات عليها ولم يتب إلى الله ولم ينزع عنها، وعليكم بالدعاء فإن المسلمين لم يدركوا نجاح الحوائج عند ربهم بأفضل من الدعاء والرغبة إليه والتضرع إلى الله والمسألة [له] فارغبوا فيما رغبكم الله فيه وأجيبوا الله إلى ما دعاكم إليه لتفلحوا وتنجوا من عذاب الله وإياكم أن تشره أنفسكم (1) إلى شئ مما حرم الله عليكم فإنه من انتهك ما حرم الله عليه ههنا في الدنيا حال الله بينه وبين الجنة ونعيمها ولذتها وكرامتها القائمة الدائمة لاهل الجنة أبد الآبدين.

واعلموا أنه بئس الحظ الخطر لمن خاطر الله بترك طاعة الله وركوب معصيته فاختار أن ينتهك محارم الله في لذات دنيا منقطعة زائلة عن أهلها على خلود نعيم في الجنة ولذاتها وكرامة أهلها، ويل لاولئك ما أخيب حظهم وأخسر كرتهم وأسوأ حالهم عندربهم يوم القيامة، استجيروا بالله أن يجيركم (2) في مثالهم ابدا وأن يبتليكم بما ابتلاهم به ولا قوة لنا ولكم إلا به.

فاتقوا الله أيتها العصابة الناجية إن أتم الله لكم ما أعطاكم به (3) فإنه لايتم الامر حتى يدخل عليكم مثل الذي دخل على الصالحين قبلكم وحتى تبتلوا في أنفسكم

____________

(1) في بعض النسخ (لتفلحوا وتنجحوا من عذاب الله الخ). وشره كفرح: غلبه حرصه.

(2) اي استعيذوا بالله من ان يكون اجارته تعالى اياكم على مثال اجارته لهم فانه لا يجيرهم من عذابه في الاخرة وانما اجارهم في الدنيا. وفي بعض النسخ (ان يجريكم) وفي بعضها (من مثالهم)

فالمراد استجيروا بالله لان يجيركم من مثالهم اي من ان تكونوا مثلهم. (آت).

(3) لعل المراد: اتقوا الله ولا تتركوا التقوى عن الشرك والمعاصي عند ارادة الله اتمام ما اعطاكم من دين الحق، ثم بين (عليه السلام) الاتمام بانه انما يكون بالابتلاء والافتتان وتسليط من يؤذيكم عليكم. فالمراد الامر بالتقوى عند الابتلاء بالفتن وذكر فائدة الابتلاء بانه سبب لتمام الايمان فلذا يبتليكم. (آت). (*)

5

وأموالكم وحتى تسمعوا من أعداء الله أذى كثيرا فتصبروا وتعركوا (1) بجنوبكم وحتى يستذلوكم ويبغضوكم وحتى يحملوا [عليكم] الضيم فتحملوا منهم تلتمسون بذلك وجه الله والدار الآخرة وحتى تكظموا الغيظ الشديد في الاذى في الله عزوجل يجترمونه (2) إليكم وحتى يكذبوكم بالحق ويعادوكم فيه ويبغضوكم عليه فتصبروا على ذلك منهم ومصداق ذلك كله في كتاب الله الذي أنزله جبرئيل (عليه السلام) على نبيكم (صلى الله عليه وآله) سمعتم قول الله عزوجل لنبيكم (صلى الله عليه وآله): " فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم (3) " ثم قال:

" وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا واوذوا (4) " فقد كذب نبي الله والرسل من قبله وأوذوا مع التكذيب بالحق فإن سركم أمر الله (5) فيهم الذي خلقهم له في الاصل - أصل الخلق من الكفر الذي سبق في علم الله أن يخلقهم له في الاصل ومن الذين سماهم الله في كتابه في قوله: " وجعلنا منهم أئمة يدعون إلى النار "

فتدبروا هذا واعقلوه ولا تجهلوه فإنه من يجهل هذا وأشباهه مما افترض الله عليه في كتابه مما أمر الله به ونهى عنه ترك دين الله وركب معاصيه فاستوجب سخط الله فأكبه الله على وجهه في النار.

وقال: أيتها العصابة المرحومة المفلحة إن الله أتم لكم ما آتاكم من الخير واعلموا أنه ليس من علم الله ولا من أمره أن يأخذ أحد من خلق الله في دينه بهوى ولا رأي ولا مقائيس قد أنزل الله القرآن وجعل فيه تبيان كل شئ وجعل للقرآن ولتعلم القرآن أهلا لا يسع أهل علم القرآن الذين آتاهم الله علمه أن يأخذوا فيه بهوى لا رأي ولا مقائيس أغناهم الله عن ذلك بما آتاهم من علمه وخصهم به ووضعه عندهم كرامة من الله أكرمهم

____________

(1) يقال: عرك الاذى بجنبه اي احتمله.

(2) في القاموس: اجترم عليهم واليهم جريمة: جنى جناية.

(3) الاحقاف: 35.

(4) الانعام: 34. وفيها (ولقد كذبت.. الخ).

(5) في النسخة المصححة التي اومأنا اليها قوله: (أن سركم) متصل بما سيأتي في آخر الرسالة: (أن تكونوا مع نبي الله محمد (صلى الله عليه وآله)) إلى آخر الرسالة وهو الاصوب. (آت)

(6) القصص: 41. وفيها (وجعلناهم ائمة يدعون... الخ). (*)

6

بها وهم أهل الذكر الذين أمر الله هذه الامة بسؤالهم وهم الذين من سألهم - وقد سبق في علم الله أن يصدقهم ويتبع أثرهم - أرشدوه وأعطوه من علم القرآن ما يهتدي به إلى الله بإذنه وإلى جميع سبل الحق وهم الذين لا يرغب عنهم وعن مسألتهم وعن علمهم الذى أكرمهم الله به وجعله عندهم إلا من سبق عليه في علم الله الشقاء في أصل الخلق تحت الاظلة (1) فاولئك الذين يرغبون عن سؤال أهل الذكر والذين آتاهم الله علم القرآن ووضعه عندهم وأمر بسؤالهم وأولئك الذين يأخذون بأهوائهم وآرائهم ومقائيسهم حتى دخلهم الشيطان لانهم جعلوا أهل الايمان في علم القرآن عند الله كافرين وجعلوا أهل الضلالة في علم القرآن عند الله مؤمنين وحتى جعلوا ما أحل الله في كثير من الامر حراما وجعلوا ما حرم الله في كثير من الامر حلالا فذلك أصل ثمرة أهوائهم وقد عهد إليهم رسول الله صلى عليه وآله قبل موته فقالوا: نحن بعد ما قبض الله عزوجل رسوله يسعنا أن نأخذ بما اجتمع عليه راى الناس بعد ما قبض الله عزوجل رسوله (صلى الله عليه وآله) وبعدعهده الذي عهده إلينا وأمرنا به مخالفا لله ولرسوله (صلى الله عليه وآله) فما أحد أجرأ على الله ولا أبين ضلالة ممن أخذ بذلك وزعم أن ذلك يسعه والله إن لله علي خلقه أن يطيعوه ويتبعوا أمره في حياة محمد (صلى الله عليه وآله) وبعد موته هل يستطيع أولئك أعداء الله أن يزعموا أن أحدا ممن أسلم مع محمد (صلى الله عليه وآله) أخذ بقوله ورأيه ومقائيسه؟ فإن قال: نعم، فقد كذب على الله وضل ضلالا بعيدا وإن قال: لا، لم يكن لاحد أن يأخذ برأيه وهواه ومقائيسه فقد آقر بالحجة على نفسه وهو ممن يزعم أن الله يطاع ويتبع أمره بعد قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد قال الله وقوله الحق:

" وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتهم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين (2) " وذلك لتعلموا أن الله يطاع ويتبع أمره في حياة محمد (صلى الله عليه وآله) وبعد قبض الله محمدا (صلى الله عليه وآله) وكما لم يكن لاحد من الناس مع محمد (صلى الله عليه وآله) أن يأخذ بهواه ولا رأيه ولا مقائيسه خلافا لامر محمد (صلى الله عليه وآله) فكذلك لم يكن لاحد من الناس بعد محمد (صلى الله عليه وآله) أن يأخذ بهواه ولا رأيه ولا مقائيسه.

____________

(1) اي عالم الارواح. (آت).

(2) آل عمران: 144. (*)

7

وقال: دعوا رفع أيديكم في الصلاة (1) إلا مرة واحدة حين تفتتح الصلاة فإن الناس قد شهروكم بذلك والله المستعان ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وقال: أكثروا من أن تدعوا الله فإن الله يحب من عباده المؤمنين أن يدعوه وقد وعد الله عباده المؤمنين بالاستجابة والله مصير دعاء المؤمنين يوم القيامة لهم عملا يزيدهم به في الجنة فأكثروا ذكر الله ما استطعتم في كل ساعة من ساعات الليل والنهار فإن الله أمر بكثرة الذكر له والله ذاكر لمن ذكره من المؤمنين، واعلموا أن الله لم يذكره أحد من عباده المؤمنين إلا ذكره بخير فأعطوا الله من أنفسكم الاجتهاد في طاعته فإن الله لا يدرك شئ من الخير عنده إلا بطاعته واجتناب محارمه التي حرم الله في ظاهر القرآن وباطنه فإن الله تبارك وتعالى قال في كتابه وقوله الحق: " وذروا ظاهر الاثم وباطنه (2) "

واعلموا أن ما أمر الله به أن تجتنبوه فقد حرمه، واتبعوا آثار رسول الله صلى عليه وآله وسنته فخذوا بها ولا تتبعوا أهواءكم وآراءكم فتضلوا فإن أضل الناس عند الله من اتبع هواه ورأيه بغير هدى من الله، وأحسنوا إلى أنفسكم ما استطعتم فإن أحسنتم أحسنتم لانفسكم وإن أسأتم فلها، وجاملوا الناس ولا تحملوهم على رقابكم، تجمعوا (3) مع ذلك طاعة ربكم. وإياكم وسب أعداء الله حيث يسمعونكم فيسبوا الله عدوا بغير علم وقد ينبغي لكم أن تعلموا حد سبهم لله كيف هو؟ إنه من سب أولياء الله فقد انتهك سب

____________

(1) اعلم ان رفع اليدين في تكبير الافتتاح لا خلاف في انه مطلوب للشارع بين العامة والخاصة والمشهور بين الاصحاب الاستحباب وذهب السيد ره من علمائنا إلى الوجوب واما الرفع في سائر التكبيرات فالمشهور بين الفريقين ايضا استحبابه وقال الثوري وابوحنيفة وابراهيم النخعي: لا رفع الا عند الافتتاح وذهب السيد ره إلى الوجوب في جميع التكبيرات ولما كان في زمانه (عليه السلام) عدم استحباب الرفع اشهر بين العامة فلذا منع الشيعة عن ذلك يشهروا بذلك فيعرفونهم. (آت).

(2) الانعام: 120.

(3) جواب للامر اي انكم إذا جاملتم الناس عشتم مع الامن وعدم حمل الناس على رقابكم بالعمل بطاعة ربكم فيما امركم به من التقية. وفي بعض النسخ (تجمعون) فيكون حالا عن ضميري الخطاب اي ان اجمعوا طاعة الله مع المجاملة، لا بأن تتابعوهم في المعاصي وتشاركوهم في دينهم بل بالعمل بالتقية فيما أمركم الله فيه بالتقية. (آت). (*)

8

الله ومن أظلم عند الله ممن أستسب لله ولاولياء الله، فمهلا مهلا فاتبعوا أمر الله ولا حول ولا قوة إلا بالله.

وقال: أيتها العصابة الحافظ الله لهم أمرهم عليكم بآثار رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسنته واثار الائمه الهداة من اهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) من بعده وسنتهم، فإنه من أخذ بذلك فقد اهتدى ومن ترك ذلك ورغب عنه ضل لانهم هم الذين امر الله بطاعتهم و ولايتهم وقد قال أبونا رسول الله (صلى الله عليه وآله): المداومة على العمل في اتباع الآثار والسنن وإن قل أرضى لله وأنفع عنده في العاقبة من الاجتهاد في البدع واتباع الاهواء، ألا إن اتباع الاهواء واتباع البدع بغير هدى من الله ضلال وكل ضلالة بدعة وكل بدعة في النار ولن ينال شئ من الخير عند الله إلا بطاعته والصبر والرضا لان الصبر والرضا من طاعة الله، واعلموا أنه لن يؤمن عبد من عبيده حتى يرضى عن الله فيما صنع الله إليه وصنع به على ما أحب وكره ولن يصنع الله بمن صبر ورضي عن الله إلا ما هو أهله وهو خير له مما أحب وكره، وعليكم بالمحافظة على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين كما أمر الله به المؤمنين في كتابه من قبلكم وإياكم (1)، وعليكم بحب المساكين المسلمين فإنه من حقرهم وتكبر عليهم فقد زل عن دين الله والله له حاقر ماقت وقد قال أبونا رسول الله (صلى الله عليه وآله): أمرني ربي بحب المساكين المسلمين [منهم]، وعلموا أن من حقر أحدا من المسلمين ألقى الله عليه المقت منه والمحقرة حتى يمقته الناس والله له أشد مقتا، قاتقوا الله في إخوانكم الملسمين المساكين فإن لهم عليكم حقا أن تحبوهم فإن الله أمر رسوله (صلى الله عليه وآله) بحبهم فمن لمن يحب من أمر الله بحبه فقد عصى الله ورسوله ومن عصى الله ورسوله ومات على ذلك مات وهو من الغاوين.

وإياكم والعظمة والكبر فإن الكبر رداء الله عزوجل فمن نازع الله رداء ه قصمه الله وأذله يوم القيامة، وإياكم أن يبغي بعضكم على بعض فإنها ليست من خصال الصالحين فإنه من بغى صير الله بغيه على نفسه وصارت نصرة الله لمن بغي عليه ومن نصره الله غلب وأصاب الظفر من الله، وإياكم أن يحسد بعضكم بعضا فإن الكفر أصله الحسد، و إياكم أن تعينوا على مسلم مظلوم فيدعو الله عليكم ويستجاب له فيكم فإن أبانا رسول الله

____________

(1) (اياكم) عطف على المؤمنين. (*)

9

(صلى الله عليه وآله) كان يقول: إن دعوة المسلم المظلوم مستجابة، وليعن بعضكم بعضا فإن أبانا رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يقول: إن معونة المسلم خير وأعظم أجرا من صيام شهر واعتكافه في المسجد الحرام، وإياكم وإعسار أحد من إخوانكم الملسمين أن تعسروه (1) بالشئ يكون لكم قبله وهو معسر فإن أبانا رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يقول: ليس لمسلم أن يعسر مسلما ومن أنظر معسرا أظله الله بظله يوم لا ظل إلا ظله.

وإياكم أيتها العصابة المرحومة المفضلة على من سواها وحبس حقوق الله قبلكم يوما بعد يوم وساعة بعد ساعة فإن من عجل حقوق الله قبله كان الله أقدر على التعجيل له إلى مضاعفة الخير في العاجل والآجل، وإنه من أخر حقوق الله قبله كان الله أقدر على تأخير رزقه ومن حبس الله رزقه لم يقدر أن يرزق نفسه فأدوا إلى الله حق ما رزقكم يطيب الله لكم بقيته وينجز لكم ما وعدكم من مضاعفته لكم الاضعاف الكثيرة التي لا يعلم عددها ولا كنه فضلها إلا الله رب العالمين.

وقال: اتقوا الله أيتها العصابة وإن استطعتم أن لا يكون منكم محرج الامام فإن محرج الامام هو الذي يسعى بأهل الصلاح من أتباع الامام، المسلمين لفضله، الصابرين على أداء حقه، العارفين لحرمته، واعلموا أنه من نزل بذلك المنزل عند الامام فهو محرج الامام، فإذا فعل ذلك عند الامام أحرج الامام إلى أن يلعن أهل الصلاح من أتباعه، المسلمين لفضله، الصابرين على أداء حقه العارفين بحرمته، فإذا لعنهم لاحراج أعداء الله الامام صارت لعنته رحمة من الله عليهم وصارت اللعنة من الله ومن الملائكة ورسله على اولئك (2).

____________

(1) عسر الغريم يعسره: طلب منهه على عسرته كاعسره. (القاموس).

(2) (محرج الامام) في الصحاح: احرجه اليه الجأه. وفيه: سعى به إلى الوالي إذا وشى به يعني نمه وذمه عنده. اقول: الظاهر ان المراد لا تكونوا محرج الامام اي بان تجعلوه مضطرا إلى شئ لا يرضى به، ثم بين (عليه السلام) بان المحرج هو الذي يذم اهل الصلاح عند الامام ويشهد عليهم بفساد وهو كاذب في ذلك فيثبت ذلك بظاهر حكم الشريعة عند الامام فيلزم الامام ان يلعنهم فاذا لعنهم وهم غير مستحقين لذلك تصير اللعنة عليهم رحمة وترجع اللعنة إلى الواشي الكاذب الذي الجأ الامام إلى ذلك. او المراد انه ينسب الواشي إلى اهل الصلاح عند الامام شيئا بمحضر جماعة يتقى منهم الامام فيضطر الامام إلى ان يلعن من نسب اليه ذلك تقية. ويحتمل ان يكون المراد ان (*)

10

واعلموا أيتها العصابة أن السنة من الله قد جرت في الصالحين قبل. وقال: من سره أن يلقى الله وهو مؤمن حقا حقا فليتول الله ورسوله والذين آمنوا وليبرأ إلى الله من عدوهم ويسلم لما انتهى إليه من فضلهم لان فضلهم لا يبلغه ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا من دون ذلك، ألم تسمعوا ماذكر الله من فضل أتباع الائمة الهداة وهم المؤمنون قال: " اولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين و حسن اولئك رفيقا (1) " فهذا وجه من وجوه فضل أتباع الائمة فكيف بهم وفضلهم ومن سره ان يتم الله له إيمانه حتى يكون مؤمنا حقا حقا فليف لله بشروطه التي اشترطها على المؤمنين فإنه قد اشترط مع ولايته وولاية رسوله وولاية أئمة المؤمنين إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وإقراض الله قرضا حسنا وإجتناب الفواحش ما ظهر منها وما بطن فم يبق شئ مما فسر مما حرم الله إلا وقد دخل في جملة قوله (2)، فمن دان الله فيما بينه وبين الله مخلصا لله ولم يرخص لنفسه في ترك شئ من هذا فهو عند الله في حزبه الغالبين وهو من المؤمنين حقا، وإياكم والاصرار على شئ مما حرم الله في ظهر القرآن و بطنه وقد قال الله تعالى: " ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون (3) " (إلى ههنا رواية القاسم بن الربيع (4) يعنى المؤمنين قبلكم إذا نسوا شيئا مما اشترط الله في كتابه عرفوا أنهم قد عصوا الله في تركهم ذلك الشئ فاستغفروا ولم يعودوا إلى تركه فذلك معنى قول الله: " ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون ".

____________

محرج الامام هو من يسعى باهل الصلاح إلى ائمة الجور ويجعلهم معروفين عند ائمة الجور بالتشيع فيلزم ائمة الحق لرفع الضرر عن انفسهم وعن اهل الصلاح ان يلعنوهم ويتبرؤوا منهم فيصير اللعنة إلى الساعين وائمة الجور معا وعلى هذا المراد باعداء الله ائمة الجور وقوله: (إذا فعل ذلك عند الامام) يؤيد المعنى الاول. هذه من الوجوه التي خطر بالبال والله اعلم ومن صدر عنه صلوات الله عليه. (آت).

(1) النساء: 69.

(2) اي في الفواحش، فقوله تعالى اجتناب الفواحش يشمل اجتناب جميع المحرمات. وقوله:

(فمن دان الله) اي عبدالله فيما بينه وبين ربه اي مختفيا ولا ينظر إلى غيره ولا يلتفت إلى من سواه.

(3) آل عمران: 135.

(4) اي ما يذكر بعده لم يكن في رواية القاسم بل كان في رواية حفص واسماعيل. (*)

11

وعلموا أنه إنما أمر ونهى ليطاع فيما أمر به ولينتهى عمانهى عنه فمن اتبع أمره فقد أطاعه وقد أدرك كل شئ من الخير عنده ومن لم ينته عما نهى الله عنه فقد عصاه فإن مات على معصيته أكبه الله على وجهه في النار.

واعلموا أنه ليس بين الله وبين أحد من خلقه ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا من دون ذلك من خلقه كلهم إلا طاعتهم له، فاجتهدوا في طاعة الله (1)، إن سركم أن تكونوا مؤمنين حقا حقا ولا قوة إلا بالله. وقال: وعليكم بطاعة ربكم ما استطعتم فإن الله ربكم.

واعلموا أن الاسلام هو التسليم والتسليم هو الاسلام فمن سلم فقد أسلم ومن لم يسلم فلا إسلام له ومن سره أن يبلغ إلى نفسه في الاحسان فليطع الله فإنه من أطاع الله فقد أبلغ إلى نفسه في الاحسان.

وإياكم ومعاصي الله أن تركبوها فإنه من انتهك معاصي الله فركبها فقد أبلغ في الاساءة إلى نفسه وليس بين الاحسان والاساءة منزلة، فلاهل الاحسان عند ربهم الجنة ولاهل الاساءة عند ربهم النار، فاعملوا بطاعة الله واجتنبوا معاصيه واعلموا أنه ليس يغني عنكم من الله أحد من خلقه شيئالا ملك مقرب ولا نبي مرسل ولا من دون ذلك فمن سره أن تنفعه شفاعة الشافعين عند الله فليطلب إلى الله أن يرضى عنه، واعلموا أن أحدا من خلق الله لم يصب رضى الله إلا بطاعته وطاعة رسوله وطاعة ولاة أمره من آل محمد صلوات الله عليهم ومعصيتهم من معصية الله ولم ينكرلهم فضلا عظم أو صغر.

واعلموا أن المنكرين هم المكذبون وأن المكذبين هم المنافقون وأن الله عزوجل قال للمنافقين وقوله الحق: " إن المنافقين في الدرك الاسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا (2) " ولا يفرقن (3) أحد منكم ألزم الله قلبه طاعته وخشيته من أحد من الناس ممن أخرجه الله من صفة الحق ولم يجعله من أهلها فإن من لم يجعل الله من أهل صفة الحق فأولئك هم شياطين الانس والجن وإن لشياطين الانس حيلة ومكرا وخدائع ووسوسة بعضهم إلى بعض يريدون إن استطاعوا أن يردوا أهل الحق عما أكرمهم الله به من النظر في دين الله الذي لم يجعل الله شياطين الانس من أهله إرادة أن يستوي أعداء الله وأهل الحق

____________

(1) في بعض النسخ (فجدوا) وفي بعضها (فخذوا). (2) النساء: 5 14.

(3) الفرق: الخوف. اي ولا يخافن. وفي بعض النسخ (لا يعرفن). (*)

12

في الشك والانكار والتكذيب فيكونون سواءا كما وصف الله تعالى في كتابه من قوله:

" ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواءا (1) " ثم نهى الله أهل النصر بالحق أن يتخذوا من أعداء الله وليا ولا نصيرا فلا يهولنكم ولا يردنكم عن النصر بالحق الذي خصكم الله به من حيلة شياطين الانس ومكرهم من اموركم تدفعون أنتم السيئة بالتي هي أحسن فيما بينكم وبينهم، تلتمسون بذلك وجه ربكم بطاعته وهم لا خير عندهم لا يحل لكم أن تظهروهم على اصول دين الله فإنهم إن سمعوا منكم فيه شيئا عادوكم عليه ورفعوه عليكم وجهدوا على هلاككم واستقبلوكم بما تكرهون ولم يكن لكم النصفة منهم في دول الفجار، فاعرفوا منزلتكم فيما بينكم وبين أهل الباطل فإنه لا ينبغي لاهل الحق أن ينزلوا أنفسهم منزله أهل الباطل لان الله لم يجعل أهل الحق عنده بمنزلة أهل الباطل ألم يعرفوا وجه قوله الله في كتابه إذ يقول: " أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الارض أم نجعل المتقين كالفجار (2) " أكرموا أنفكسم عن أهل الباطل ولا تجعلوا الله تبارك وتعالى وله المثل الاعلى وإمامكم ودينكم الذي تدينون به عرضة لاهل الباطل (3) فتغضبوا الله عليكم فتهلكوا، فمهلا مهلا يا أهل الصلاح لا تتركوا أمر الله وأمر من أمركم بطاعته فيغير الله ما بكم من نعمة، أحبوا في الله من وصف صفتكم وأبغضوا في الله من خالفكم وابذلوا مودتكم ونصيحتكم [لمن وصف صفتكم] ولا تبتذلوها لمن رغب عن صفتكم وعاداكم عليها وبغى [ل] كم الغوائل، هذا أدبنا أدب الله فخذوا به وتفهموه واعقلوه ولا تنبذوه وراء ظهوركم، ما وافق هداكم أخذتم به وما وافق هواكم طرحتموه ولم تأخذوا به وإياكم والتجبر على الله واعلموا أن عبدا لم يبتل بالتجبر على الله إلا تجبر على دين الله، فاستقيموا لله ولا ترتدوا على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين، أجارنا الله وإياكم من التجبر على الله ولا قوة لنا ولكم إلا بالله.

وقال (ع): إن العبد إذا كان خلقه الله في الاصل - أصل الخلق _ مؤمنا لم يمت حتى يكره الله إليه الشر ويباعده عنه ومن كره الله اليه الشر وباعده عنه (4) عافاه الله من الكبر

____________

(1) النساء: 88.

(2) ص: 8 2. (3) العرضة: الحيلة.

(4) في بعض النسخ (منه) في الموضعين. (*)

13

أن يدخله والجبرية، فلانت عريكته (1) وحسن خلقه وطلق وجهه وصار عليه وقار الاسلام وسكينته وتخشعه وورع عن محارم الله واجتنب مساخطه ورزقه الله مودة الناس ومجاملتهم وترك مقاطعة الناس والخصومات ولم يكن منها ولا من أهلها في شئ، وإن العبد إذا كان الله خلقه في الاصل - أصل الخلق _ كافرا لم يمت حتى يحبب اليه الشر ويقربه منه فإذا حبب إليه الشر وقربه منه ابتلى بالكبر والجبرية فقسا قلبه وساء خلقه وغلظ وجهه وظهر فحشه وقل حياؤه وكشف الله ستره وركب المحارم فلم ينزع عنها وركب معاصي الله وأبغض طاعته وأهلها فبعد ما بين حال المؤمن وحال الكافر.

سلوا الله العافيه واطلبوها إليه ولا حول ولا قوة إلا بالله، صبروا النفس على البلاء في الدنيا فإن تتابع البلاء فيها والشدة في طاعة الله وولايته وولاية من أمر بولايته خير عاقبة عند الله في الآخرة من ملك الدنيا وإن طال تتابع نعيمها وزهرتها وغضارة عيشها في معصية الله وولاية من نهى الله عن ولايته وطاعته فإن الله أمر بولاية الائمة الذين سماهم الله في كتابه في قوله: " وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا (2) " وهم الذين أمر الله بولايتهم وطاعتهم والذين نهى الله عن ولايتهم وطاعتهم وهم أئمة الضلالة الذين قضى الله أن يكون لهم دول في الدنيا على أولياء الله الائمة من آل محمد يعملون في دولتهم بمعصية الله ومعصية رسوله (صلى الله عليه وآله) ليحق عليهم كلمة العذاب وليتم أن تكونوا مع نبي الله محمد (صلى الله عليه وآله) والرسل من قبله فتدبروا ما قص الله عليكم في كتابه مما ابتلى به انبياءه وأتباعهم المؤمنين، ثم سلوا الله أن يعطيكم الصبر على البلاء في السراء والضراء والشدة والرخاء مثل الذي أعطاهم، وإياكم ومماظة أهل الباطل وعليكم بهدي الصالحين ووقارهم وسكينتهم وحلمهم وتخشعهم وورعهم عن محارم الله وصدقهم ووفائهم واجتهادهم لله في العمل بطاعته فإنكم إن لم تفعلوا ذلك لم تنزلوا عند ربكم منزلة الصالحين قبلكم.

واعلموا أن الله إذا أراد بعبد خيرا شرح صدره للاسلام: فإذا أعطاه ذلك أنطق

____________

(1) الجبرية بكسر الجيم والراء وسكون الباء وبكسر الباء ايضا وبفتح الجيم وسكون الباء:

التكبر. والعريكة الطبيعة.

(2) الانبياء: 73. (*)

14

لسانه بالحق وعقد قلبه عليه فعمل به فإذا جمع الله له ذلك تم له إسلامه وكان عند الله إن مات على ذلك الحال من المسلمين حقا، وإذا لم يرد الله بعبد خيرا وكله إلى نفسه وكان صدره ضيقا حرجا فإن جرى على لسانه حق لم يعقد قلبه عليه وإذا لم يعقد قلبه عليه لم يعطه الله العمل به فإذا اجتمع ذلك عليه حتى يموت وهو على تلك الحال كان عند الله من المنافقين وصار ما جرى على لسانه من الحق الذى لم يعطه الله أن يعقد قلبه عليه ولم يعطه العمل به حجة عليه يوم القيامة، فاتقوا الله وسلوه أن يشرح صدوركم للاسلام وأن يجعل ألسنتكم تنطق بالحق حتى يتوفيكم وأنتم على ذلك وأن يجعل منقلبكم منقلب الصالحين قبلكم ولا قوة إلا بالله والحمد لله رب العالمين.

ومن سره ان يعلم أن الله يحبه فليعمل بطاعة الله وليتبعنا، ألم يسمع قول الله عزوجل لنبيه (صلى الله عليه وآله) قل: " إن كنتم تحبون الله فاتبعونى يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم (1) "؟ والله لا يطيع الله عبد أبدا إلا أدخل الله عليه في طاعته اتباعنا ولا والله لا يتبعنا عبد أبدا إلا أحبه الله ولا والله لا يدع أحد اتباعنا أبدا إلا أبغضنا ولا والله لا يبغضنا أحد أبدا إلا عصى الله ومن مات عاصيا لله أخزاه الله وأكبه على وجهه في النار والحمد لله رب العالمين.

صحيفة علي بن الحسين (عليهما السلام)

(وكلامه في الزهد)

2 محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد بن عيسى، وعلي بن إبراهيم، عن أبيه جميعا، عن الحسن بن محبوب، عن مالك بن عطية، عن أبى حمزة قال: ما سمعت بأحد من الناس كان أزهد من علي بن الحسين (ع) إلا ما بلغنى من على بن أبي طالب (ع)، قال أبوحمزة: كان الامام علي بن الحسين (ع) إذا تكلم في الزهد ووعظ أبكى من بحضرته، قال أبوحمزة و قرأت صحيفة فيها كلام زهد من كلام علي بن الحسين (ع) وكتبت ما فيها ثم أتيت علي بن الحسين صلوات الله عليه فعرضت ما فيها عليه فعرفه وصححه وكان ما فيها:

____________

(1) آل عمران: 31. (*)

15

بسم الله الرحمن الرحيم كفانا الله وإياكم كيد الظالمين وبغي الحاسدين وبطش الجبارين، أيها المؤمنون لا يفتننكم الطواغيت وأتباعهم من أهل الرغبة في هذه الدنيا المائلون إليها، المفتتنون بها، المقبلون عليها وعلى حطامها الهامد وهشيمها البائد (1)

غدا واحذروا ما حذركم الله منها وازهدوا فيما زهدكم الله فيه منها ولا تركنوا إلى ما في هذه الدنيا ركون من اتخذها دار قرار ومنزل استيطان، والله إن لكم مما فيها عليها [ل] دليلا وتنبيها من تصريف أيامها وتغير انقلابها ومثلاتها (2) وتلاعبها بأهلها، إنها لترفع الخميل (3) وتضع الشريف وتورد أقواما إلى النار غدا ففي هذا معتبر ومختبر وزاجر لمنتبه، إن الامور الواردة عليكم في كل يوم وليلة من مظلمات الفتن (4) وحوادث البدع وسنن الجور وبوائق الزمان وهيبة السلطان ووسوسة الشيطان لتثبط القلوب (5) عن تنبهها وتذهلها عن موجود الهدى ومعرفة أهل الحق إلا قليلا ممن عصم الله، فليس يعرف تصرف أيامها وتقلب حالاتها وعاقبة ضرر فتنتها إلا من عصم الله ونهج سبيل الرشد و سلك طريق القصد ثم استعان على ذلك بالزهد فكرر الفكر واتعظ بالصبر فازدجر وزهد في عاجل بهجة الدنيا وتجافى عن لذاتها ورغب في دائم نعيم الآخرة وسعى لها سعيها وراقب الموت وشنأ الحياة (6) مع القوم الظالمين، نظر إلى ما في الدنيا بعين نيرة حديدة البصر (7) وأبصر حوادث الفتن وضلال البدع وجور الملوك الظلمة، فلقد لعمري استدبرتم الامور الماضية في الايام الخالية من الفتن المتراكمة والانهماك (8) فيما تستدلون به على تجنب الغواة وأهل البدع والبغي والفساد في الارض بغير الحق، فاستعينوا بالله و ارجعوا إلى طاعة الله وطاعة من هو أولى بالطاعة ممن اتبع فاطيع.

____________

(1) الحطام: ما يكسر من اليبس والهامد: البالي المسود المتغير، واليابس من النبات والهشيم من النبات: اليابس المتكسر. والبائد: الذاهب المنقطع أو الهالك.

(2) المثلات: العقوبات.

(3) الخامل: الساقط الذي لا نباهة له.

(4) في بعض النسخ (ملمات).

(5) التثبيط: التعويق والشغل عن المراد.

(6) الشناءة: البغض وشنأه: أبغضه.

(7) في بعض النسخ (حديدة النظر).

(8) الانهماك: التمادي في الشئ واللجاج فيه. (*)

16

فالحذر الحذر من قبل الندامة والحسرة والقدوم على الله والوقوف بين يديه وتالله ما صدر قوم قط عن معصية الله إلا إلى عذابه وما آثر قوم قط الدنيا على الآخرة إلا ساء منقلبهم وساء مصيرهم وما العلم بالله والعمل إلا إلفان مؤتلفان (1) فمن عرف الله خافه وحثه الخوف على العمل بطاعة الله وإن ارباب العلم وأتباعهم الذين عرفوا الله فعملوا له و رغبوا إليه وقد قال الله: " إنما يخشى الله من عباده العلماء (2) " فلا تلتمسوا شيئا مما في هذه الدنيا بمعصية الله واشتغلوا في هذه الدنيا بطاعة الله واغتنموا أيامها واسعوا لما فيه نجاتكم غدا من عذاب الله فإن ذلك أقل للتبعة وأدنى من العذر وأرجا للنجاة فقدموا أمر الله وطاعة من أوجب الله طاعته بين يدي الامور كلها ولا تقدموا الامور الواردة عليكم من طاعة الطواغيت من زهرة الدنيا بين يدي الله وطاعته وطاعة أولي الامر منكم.

واعلموا أنكم عبيد الله ونحن معكم يحكم علينا وعليكم سيد حاكم غدا وهو موقفكم ومسائلكم فأعدوا الجواب قبل الوقوف والمسائلة والعرض على رب العالمين يومئذ لا تكلم نفس إلا باذنه.

وأعلموا أن الله لا يصدق يومئذ كاذبا ولا يكذب صادقا ولا يرد عذر مستحق ولا يعذر غير معذور، له الحجة على خلقه بالرسل والاوصياء بعد الرسل فاتقوا الله عباد الله واستقبلوا في إصلاح أنفسكم وطاعة الله (3) وطاعة من تولونه فيها، لعل نادما قد ندم فيما فرط بالامس في جنب الله وضيع من حقوق الله واستغفروا الله وتوبوا إليه فإنه يقبل التوبة ويعفوا عن السيئة ويعلم ما تفعلون وإياكم وصحبة العاصين ومعونة الظالمين ومجاورة الفاسقين، احذروا فتنتهم وتباعدوا من ساحتهم (4) واعلموا أنه من خالف أولياء الله ودان بغير دين الله واستبد بأمره دون أمر ولى الله كان في نار تلتهب، تأكل أبدانا قد غابت عنها أرواحها وغلبت عليها شقوتها، فهم موتى لا يجدون حر النار ولو كانوا أحياء لوجدوا مضض (5) حر النار

____________

(1) الالف: الاليف.

(2) فاطر: 28.

(3) في بعض النسخ (في اصلاح انفسكم في طاعة الله).

(4) الساحة: الناحية.

(5) (مضض) كفرح: الم. والمضض محركة وجع المصيبة.

17

واعتبروا يا أولي الابصار وأحمدوا الله على ما هداكم واعلموا أنكم لا تخرجون من قدرة الله إلى غير قدرته وسيرى الله عملكم ورسوله ثم إليه تحشرون، فانتفعوا بالعظة وتأدبوا بآداب الصالحين.

3 أحمد بن محمد بن أحمد الكوفي وهو العاصمي، عن عبدالواحد بن الصواف، عن محمد ابن اسماعيل الهمداني، عن أبى الحسن موسى (ع) قال: كان أمير المؤمنين (ع) يوصي أصحابه ويقول: أوصيكم بتقوى الله فإنها غبطة الطالب الراجي وثقة الهارب اللاجي واستشعروا التقوى شعارا باطنا واذكروا الله ذكرا خالصا تحيوا به أفضل الحياة وتسلكوا به طريق النجاة، انظروا في الدنيا نظر الزاهد المفارق لها فإنها تزيل الثاوي (1) الساكن وتفجع المترف الآمن من لا يرجى منها ما تولى فأدبر ولا يدرى ما هو آت منها فينتظر، وصل البلاء منها بالرخاء والبقاء منها إلى فناء، فسرورها مشوب بالحزن والبقاء فيها إلى الضعف والوهن، فهى كروضة اعتم مرعاها واعجبت من يراها، عذب شربها، طيب تربها، تمج عروقها الثرى وتنطف فروعها الندى، حتى إذا بلغ العشب إبانه واستوى بنانه (4) هاجت ريح تحت الورق وتفرق ما اتسق فأصبحت كما قال الله: " هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شئ مقتدرا (5) "، انظروا في الدنيا في كثرة ما يعجبكم وقلة ما ينفعكم.

____________

(1) الثاوي: القائم. والمترف الطاغى، اترفته النعمة: اطغته.

(2) اعتم النبت اي اكتهل واكتهل النبات اي تم طوله وظهر نوره.

(3) في المصباح: مج الرجل الماء من فيه من باب قتل: رمى به. وقال: الثرى وزان الحصا:

ندى الارض انتهى. ونطف الماء ينطف بكسر وضم: إذا قطر قليل قليل.

(4) العشب: الكلاء الرطب: وإبان الشئ حينه أو أوله.

(5) الكهف: 46. (*)

18

(خطبة لامير المؤمنين (ع))

(وهي خطبة الوسيلة)

4 محمد بن علي بن معمر، عن محمد بن علي بن عكاية التميمي، عن الحسين بن النضر الفهري، عن أبي عمرو الاوزاعي، عن عمرو بن شمر، عن جابر بن يزيد قال: دخلت على أبى جعفر (ع) فقلت: يا ابن رسول الله قد أرمضني (1) اختلاف الشيعة في مذاهبها فقال: يا جابر ألم أقفك على معنى اختلافهم من أين اختلفوا ومن أي جهة تفرقوا؟ قلت: بلى يا ابن رسول الله قال: فلا تختلف إذا اختلفوا يا جابر إن الجاحد لصاحب الزمان كالجاحد لرسول الله (صلى الله عليه وآله) في أيامه، يا جابر اسمع وع، قلت: إذا شئت (2)، قال: إسمع وع وبلغ حيث انتهت بك راحلتك إن أمير المؤمنين (ع) خطب الناس بالمدينة بعد سبعة أيام من وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وذلك حين فرغ من جمع القرآن، وتأليفه فقال: الحمد لله الذي منع الاوهام أن تنال إلا وجوده وحجب العقول أن تتخيل ذاته لامتناعها من الشبة والتشاكل بل هو الذى لا يتفاوت في ذاته ولا يتبعض بتجزئة العدد في كماله، فارق الاشياء لا على اختلاف الاماكن ويكون فيها لا على وجه الممازجة، وعلمها لا بأداة، لا يكون العلم إلا بها وليس بينه وبين معلومه علم غيره به كان عالما بمعلومه، إن قيل: كان، فعلى تأويل أزلية الوجود وإن قيل: لم يزل، فعلى تأويل نفي العدم، فسبحانه وتعالى عن قول من عبد سواه واتخذ إلها غيره علوا كبيرا.

نحمده بالحمد الذي ارتضاه من خلقه وأوجب قبوله على نفسه وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، شهادتان ترفعان القول وتضاعفان

____________

(1) ارمضني اي احرقني واوجعني.

(2) اي إذا شئت يا ابن رسول الله سمعت منك ووعيت وما اخبرت احدا من الناس، فحسب جابر ان مراد الامام (عليه السلام) بقوله: (وع) يعني لا تخبر احدا من الناس فاجابه (عليه السلام) بان قال:

اسمع وع إلى ان تبلغ بلادك فاذا انتهت بك راحلتك إلى بلادك فبلغ شيعتنا. (*)

19

العمل، خف ميزان ترفعان منه وثقل ميزان توضعان فيه وبهما الفوز بالجنة والنجاة من النار والجواز على الصراط وبالشهادة تدخلون الجنة وبالصلاة تنالون الرحمة، أكثروا من الصلاة على نبيكم " إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما " (صلى الله عليه وآله) تسليما.

أيها الناس إنه لا شرف أعلى من الاسلام ولا كرم أعز من التقوى ولا معقل أحرز من الورع ولا شفيع أنجع من التوبة ولا لباس أجمل من العافية ولا وقاية أمنع من السلامة ولا مال أذهب بالفاقة من الرضى بالقناعة ولا كنز أغنى من القنوع ومن أقتصر على بلغة الكفاف فقد انتظم الراحة وتبوء خفض الدعة (1) والرغبة مفتاح التعب والاحتكار مطية النصب والحسد آفة الدين والحرص داع إلى التقحم (2) في الذنوب وهو داعي للحرمان و البغي سائق إلى الحين والشره (3) جامع لمساوي العيوب، رب طمع خائب وأمل كاذب ورجاء يؤدي إلى الحرمان وتجارة تؤول إلى الخسران، ألا ومن تورط في الامور غير ناظر في العواقب فقد تعرض لمفضحات النوائب (4) وبئست القلادة قلادة الذنب للمؤمن.

أيها الناس إنه لا كنز أنفع من العلم ولا عز أرفع من الحلم، ولا حسب أبلغ من الادب ولا نصب أوضع من الغضب، ولا جمال أزين من العقل، ولا سوءة أسوأ من الكذب، ولا حافظ أحفظ من الصمت ولاغائب أقرب من الموت.

أيها الناس [إنه] من نظر في عيب نفسه اشتغل عن عيب غيره، ومن رضي برزق الله لم يأسف على ما في يد غيره، ومن سل سيف البغي قتل به، ومن حفر لاخيه بئرا وقع فيها، ومن هتك حجاب غيره انكشف عورات بيته ومن نسي زلله استعظم زلل غيره، ومن أعجب برأيه ضل، ومن استغنى بعقله زل، ومن تكبر على الناس ذل

____________

(1) اي تمكن واستقر في متسع الراحة. والاحتكار: الجمع والامساك. (في)

(2) التقحم: الدخول في الامر من غير روية.

(3) الحين بالفتح: الهلاك والشره: الحرص.

(4) في بعض النسخ (مفظعات).

(5) السوءة: الخصلة القبيحة.

(6) في بعض النسخ (انهتك حجاب بيته). (*)

20

ومن سفه على الناس شتم، ومن خالط الانذال حقر (1)، ومن حمل ما لا يطيق عجز.

أيها الناس إنه لا مال [هو] أعود من العقل (2)، ولا فقر [هو] أشد من الجهل، ولا واعظ [هو] أبلغ من النصح، ولا عقل كالتدبير، ولا عبادة كالتفكر، ولا مظاهرة أوثق من المشاورة، ولا وحشة أشد من العجب، ولا ورع كالكف عن المحارم، ولا حلم كالصبر والصمت.

أيها الناس في الانسان عشر خصال يظهرها لسانه: شاهد يخبر عن الضمير، حاكم يفصل بين الخطاب، وناطق يرد به الجواب، وشافع يدرك به الحاجة، وواصف يعرف به الاشياء، وأمير يأمر بالحسن، وواعظ ينهى عن القبيح، ومعز تسكن به الاحزان (3) وحاضر تجلى به الضغائن (4)، ومونق تلتذ به الاسماع.

أيها الناس إنه لا خير في الصمت عن الحكم (5) كما أنه لا خير في القول بالجهل.

واعلموا أيها الناس إنه من لم يملك لسانه يندم، ومن لا يعلم يجهل، ومن لا يتحلم لا يحلم ومن لا يرتدع لا يعقل، ومن لا يعقل يهن، ومن يهن لا يوقر، ومن لايوقر يتوبخ (6)، ومن يكتسب مالا من غير حقه يصرفه في غير أجره، ومن لا يدع وهو محمود يدع وهو مذموم (7) ومن لم يعط قاعدا منع قائما (8)، ومن يطلب العز بغير حق يذل، ومن يغلب بالجور يغلب، ومن عاند الحق لزمه الوهن، ومن تفقه وقر، ومن تكبر حقر، ومن لا يحسن لا يحمد.

____________

(1) الانذال: السفهاء والاخساء.

(2) الاعود: الانفع.

(3) (معز) من التعزية بمعنى التسلية.

(4) في تحف العقول (وحامد تجلى به الضغائن) والضغينة: الحقد والمونق: المعجب وفي بعض النسخ (تلهى به الاسماع) وفي بعضها (يلهى الاسماع).

(5) الحكم بالضم: الحكمة.

(6) في بعض النسخ (ومن يتق ينج) موضع (ومن لا يوقر يتوبخ).

(7) يعني من لا يدع الشر ومالا ينبغي على اختيار يدعه على اضطرار. (في)

(8) يعني ان الرزق قد قسمه الله فمن لم يرزق قاعدا لم يجد له القيام والحركة. (في). (*)

21

أيها الناس إن المنية قبل الدينة والتجلد قبل التبلد (1)، والحساب قبل العقاب والقبر خير من الفقر، وغض البصر (2) خير من كثير من النظر، والدهر يوم لك ويوم عليك فإذا كان لك فلا تبطر (3) وإذا كان عليك فاصبر فبكليهما تمتحن (4). - وفي نسخة وكلاهما سيختبر.

أيها الناس أعجب ما في الانسان قلبه وله مواد من الحكمة وأضداد من خلافها فإن سنح له الرجاء أذله الطمع، وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص، وإن ملكه اليأس قتله الاسف، وإن عرض له الغضب اشتد به الغيظ، وإن اسعد بالرضى نسي التحفظ (5)، وإن ناله الخوف شغله الحذر، وإن اتسع له الامن استلبته العزة (6) وفي نسخة أخذته العزة، وإن جددت له نعمة أخذته العزة، وإن أفاد ما لا أطغاه الغنى، وإن عضته فاقة شغله البلاء (7) وفي نسخة جهده البكاء وإن أصابته مصيبة فضحه الجزع، وإن أجهده الجوع قعد به الضعف، وإن أفرط في الشبع كظته البطنة (8)، فكل تقصير به مضر وكل إفراط له مفسد.

أيها الناس إنه من فل ذل (9)، ومن جاد ساد، ومن كثر ماله رأس ومن كثر حلمه

____________

(1) يعني ان الموت خير من الذلة فالمراد بالقبلية القبلية بالشرف وفي نهج البلاغة: (المنية ولا الدنية والتقلل ولا التوسل وهو اوضح وعلى هذا يكون معنى (والحساب قبل العقاب) أن محاسبة النفس في الدنيا خير من التعرض للعقاب في الاخرى والتجلد: تكلف الشدة والقوة والتبلد ضده. (في).

(2) في بعض النسخ (عمى البصر) ولعله اظهر. (آت).

(3) البطر: شدة الفرح.

(4) في بعض النسخ (سيخسر) وفي بعضها (سيحسر) بالمهملات بمعنى الكشف.

(5) لعل المراد انه إذا اعين بالرضا وسر لم يتحفظ عما يوجب شينه من قول وفعل. (في).

(6) كانها بالاهمال والزاى ويحتمل الاعجام والراء وكذا في اختها الا انه ينبغي ان تكون الثالثة على خلاف الاوليين او احداهما. (في).

(7) عضه: امسكه باسنانه.

(8) اي ملاءته حتى لا يطيق النفس.

(9) فل بالفاء اي كسر (في). وفى بعض النسخ بالقاف اي من قل في الاحسان والجود في كل ما هو كمال إما في الاخرة أو في الدنيا فهو ذليل أو من أعوانه ذل. (ماخوذ من آت). (*)

22

نبل، ومن أفكر في ذات الله تزندق (1)، ومن أكثر من شئ عرف به ومن كثر مزاحه استخف به، ومن كثر ضحكه ذهبت هيبته، فسد حسب من ليس له أدب، إن أفضل الفعال صيانة العرض بالمال، ليس من جالس الجاهل بذي معقول، من جالس الجاهل فليستعد لقيل وقال، لن ينجو من الموت غني بماله ولا فقير لاقلاله.

أيها الناس لو أن الموت يشترى لاشتراه من أهل الدنيا الكريم الابلج واللئيم الملهوج (2).

أيها الناس إن للقلوب شواهد تجري الانفس عن مدرجة أهل التفريط وفطنة الفهم (3) للمواعظ ما يدعو النفس إلى الحذر من الخطر، وللقلوب خواطر للهوى، والعقول تزجر وتنهى، وفي التجارب علم مستأنف، والاعتبار يقود إلى الرشاد، وكفاك أدبا لنفسك (اجتناب) ما تكرهه لغيرك، وعليك لاخيك المؤمن مثل الذي لك عليه، لقد خاطر من استغنى برأيه، والتدبر (4) قبل العمل فإنه يؤمنك من الندم، ومن استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطأ (5) ومن أمسك عن الفضول عدلت رأيه العقول (6)، ومن حصن

____________

(1) النبالة: الفضل والشرف والفعل بضم الباء. وقوله: (افكر) افكر في الشئ وفكر وتفكر بمعنى واحد. وتزندق اي صار زنديقا. (آت).

(2) الملهوج هو الحريص مفعول بمعنى الفاعل كسعود ووجه اشترائهما الموت رضائهما به لان الكريم إذا اشتهر توجه الناس اليه بما عجز عن قدر اشتهاره وعلو همته وخجل مما نسب اليه فرضى بالموت. واما الحريص فلانه لم يبلغ ما حرص عليه فلا يزال يتعب نفسه ويزيد حرصه فيتمنى بذلك الموت. (في) وقال العلامة مجلسى (ره): الكريم يتمنى الموت لشدة حرصه في الكرم وقلة بضاعته واللئيم يشتراه لانه لا يحصل له ماهو مقتضى حرصه وينقص من ماله شئ بالضرورة وهو مخالف لسجيته ويرى الناس في نعمة فيحسدهم عليها فهو في شدة لازمة لا ينفك عنها بدون الموت فيتمناه.

(3) في الوافى (وتفطنه الفهم) وقال الفيض رحمه الله تذكير البارز باعتبار المرء وما يدعو بدل من المواعظ.

(4) في بعض النسخ (والتدبير).

(6) استقبال وجوه الاراء ملاحظتها واحدا واحدا. (في).

(6) عدلت من التعديل ويحتمل ان يكون بالتخفيف بمعنى المعادلة أي بمفرده يعدله ساير العقول. (في) وفي بعض النسخ (ومن حصر شهوته). (*)

23

شهوته فقد صان قدره، ومن أمسك لسانه أمنه قومه ونال حاجه، وفي تقلب الاحوال علم جواهر الرجال، والايام توضح لك السرائر الكامنة، وليس في البرق الخاطف مستمتع لمن يخوض في الظلمة (1) ومن عرف بالحكمة لحظته العيون بالوقار والهيبة، وأشرف الغنى ترك المنى، والصبر جنة من الفاقة، والحرص علامة الفقر، والبخل جلباب المسكنة، والمودة قرابة مستفادة، ووصول معدم (2) خير من جاف مكثر، والموعظة كهف لمن وعاها، ومن أطلق طرفه كثر أسفه (3)، وقد أوجب الدهر شكره على من نال سؤله، وقل ما ينصفك اللسان في نشر قبيح أو إحسان (4) ومن ضاق خلقه مله أهله، ومن نال استطال، وقل ما تصدقك الامنية، والتواضع يكسوك المهابة، وفي سعة الاخلاق كنوز الارزاق، كم من عاكف على ذنبه في آخر أيام عمره (5) ومن كساه الحياء ثوبه خفي على الناس عيبه، وانح القصد من القول فإن من تحرى القصد خفت عليه المؤن (6) وفي خلاف النفس رشدك، من عرف الايام لم يغفل عن الاستعداد، ألا وإن مع كل جرعة شرقا وإن في كل اكلة غصصا، لا تنال نعمة إلا بزوال اخرى، ولكل ذي رمق قوت، ولكل حبة آكل وأنت قوت الموت.

أعلموا أيها الناس أنه من مشى على وجه الارض فإنه يصير إلى بطنها، والليل والنهار يتنازعان وفي نسخة اخرى يتسارعان (7) في هدم الاعمار.

____________

لعل المراد انه لا ينفعك ما يقرع سمعك من العلوم النادرة كالبرق الخاطف بل ينبغي أن تواظب على سماع المواعظ وتستضئ دائما بانوار الحكم لتخرجك من ظلم الجهالات ويحتمل ان يكون المراد لا ينفع سماع العلم مع الانغماس في ظلمات المعاصي والذنوب. (آت).

(2) بفتح الواو أي البار والمعدم: الفقير لانه اعدم المال كما أن المكثر أكثره. (في).

(3) اي متى اطلق عينه ونظره كثر اسفه لانه ربما يتعلق بقلبه مما نظر إليه ما يلهيه عن المهمات أو يوقعه في الافات. (في).

(4) يعني يحملك في الاكثر على المبالغة والزيادة في القول. (في).

(5) يعني وهو في آخر عمره ولا يدرى به والغرض منه الترغيب في الانتهاء عن الذنب و المبادرة إلى التوبة منه. (في). (6) اي اقصد الوسط العدل من القول وجانب التعدي والافراط والتفريط ليخف عليك المؤون فان من قال جورا او ادعى امرا باطلا يشتد عليه الامر لعدم امكانه اثباته. (آت).

(7) في بعض النسخ (والليل والنهار يتسارعان وفي نسخة اخرى يتنازعان في هدم الاعمار). (*)

24

يا أيها الناس كفر النعمة لؤم، وصحبة الجاهل شؤم، إن من الكرم لين الكلام ومن العبادة إظهار اللسان وإفشاء السلام، إياك والخديعة فإنها من خلق اللئيم، ليس كل طالب يصيب ولا كل غائب يؤوب، لا ترغب فيمن زهد فيك، رب بعيد هو أقرب من قريب سل عن الرفيق قبل الطريق وعن الجار قبل الدار، ألا ومن أسرع في المسير أدركه المقيل، استر عورة أخيك كما تعلمها فيك (1)، اغتفر زلة صديقك ليوم يركبك عدوك من غضب على من لا يقدر على ضره طال حزنه وعذب نفسه، من خاف ربه كف ظلمه وفي نسخة من خاف ربه كفي عذابه ومن لم يزغ (2) في كلامه أظهر فخره، ومن لم يعرف الخير من الشر فهو بمنزلة البهيمة، إن من الفساد إضاعة الزاد، ما أصغر المصيبة مع عظم الفاقة غدا، هيهات هيهات وما تناكرتم إلا لمافيكم من المعاصي والذنوب فما أقرب الراحة من التعب والبؤس من النعيم وما شر بشر بعده الجنة وما خير بخير بعده النار، كل نعيم دون الجنة محقور وكل بلاء دون النار عافية، وعند تصحيح الضمائر تبدو الكبائر، تصفية العمل أشد من العمل وتخليص النية من الفساد أشد على العاملين من طول الجهاد، هيهات لو لا التقى لكنت أدهى العرب.

أيها الناس إن الله تعالى وعد نبيه محمدا (صلى الله عليه وآله) الوسيلة ووعده الحق ولن يخلف الله وعده، ألا وإن الوسيلة على درج الجنة وذروة ذوائب الزلفة (4) ونهاية غاية الامنية، لها ألف مرقاة ما بين المرقاة إلى المرقاة حضر الفرس الجواد مائة عام (5) وهو مابين مرقاة درة

____________

(1) في بعض النسخ (لما تعلمها). والمقيل من القيلولة.

(2) اي من لم يمل في كلامه عن الحق. وفي بعض النسخ بالمهملة من رعى يرعى اي عدم الرعاية في الكلام يوجب اظهار الفخر ويمكن ان يكون بضم الراء من الروع بمعنى الخوف وفي بعض النسخ بالمعجمة يقال: كلام مرغ إذا لم يفصح عن المعنى فالمراد ان انتظام الكلام والفصاحة فيه اظهار للفخر والكمال فيكون مدحا لازما وفي امالى الصدوق (والفقيه) ومن لم يرع في كلامه اظهر هجره والهجر: الفحش وكثرة الكلام في ما لا ينبغي ولعله اظهر. (ماخوذ من آت).

(3) الدهاء: جودة الرأي والفطنة.

(4) اي اعلاها والزلفة: القرب ولا يخفى لطف الاستعارة. (في).

(5) حضر الفرس بالضم عدوه. وزاد في بعض النسخ (وفي نسخة الف عام). (*)

25

إلى مرقاة جوهرة، إلى مرقاة زبرجدة إلى مرقاة لؤلؤة، إلى مرقاة ياقوته، إلى مرقاة زمردة، إلى مرقاة مرجانة، إلى مرقاة كافور، إلى مرقاة عنبر، إلى مرقاة يلنجوج (1)، إلى مرقاة ذهب، إلى مرقاة غمام، إلى مرقاة هواء، إلى مرقاة نور (2) قد أنافت على كل الجنان ورسول الله (صلى الله عليه وآله) يومئذ قاعد عليها، مرتد بريطتين (3) ريطة من رحمة الله وريطة من نور الله، عليه تاج النبوة وإكليل الرسالة (4) قد أشرق بنوره الموقف وأنا يومئذ على الدرجة الرفيعة وهى دون درجته وعلي ريطتان ريطة من أرجوان النور (5) وريطة من كافور والرسل والانبياء قد وقفوا على المراقي، وأعلام الازمنة وحجج الدهور (6) عن أيماننا وقد تجللهم حلل النور والكرامة، لا يرانا ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا بهت بأنوارنا وعجب من ضيائنا وجلالتنا وعن يمين الوسيلة عن يمين الرسول (صلى الله عليه وآله) غمامة بسطة (7) البصر يأتى منها النداء:

يا أهل الموقف طوبى لمن أحب الوصى وآمن بالنبي الامي العربي ومن كفر فالنار موعده وعن يسار الوسيلة عن يسار الرسول (صلى الله عليه وآله) ظلة (8) يأتي منها النداء: يا أهل الموفق طوبى لمن أحب الوصي وآمن بالنبي الامي والذي له الملك الاعلى، لا فاز أحد ولا نال الروح والجنة إلا من لقى خالقه بالاخلاص لهما والاقتداء بنجومهما، فأيقنوا يا أهل ولاية الله ببياض وجوهكم وشرف مقعدكم وكرم مآبكم وبفوزكم اليوم على سرر متقابلين ويا أهل الانحراف والصدود عن الله عز ذكره ورسوله وصراطه وأعلام الازمنة أيقنوا بسواد وجوهكم وغضب ربكم جزاءا بما كنتم تعملون وما من رسول سلف ولا نبي مضى إلا وقد كان مخبرا امته بالمرسل الوارد من بعده ومبشرا برسول الله

____________

(1) يلنجوج: عود البخور.

(2) تشبيه المراقي بالجواهر إشارة إلى اختلاف الدرجات في الشرف والفضل. (في). وقوله:

(قد انافت) اي ارتفعت واشرفت.

(3) الريطة: كل ثوب رقيق لين. (4) الاكليل: التاج.

(5) اي ثياب حمر وشجر له ورد.

(6) اي الاوصياء وسائر الائمة (عليهم السلام).

(7) اي قدر مد البصر.

(8) في بعض النسخ (ظلمة). (*)

26

(صلى الله عليه وآله) وموصيا قومه باتباعه ومحليه عند قومه ليعرفوه بصفته وليتبعوه على شريعته ولئلا يضلوا فيه من بعده فيكون من هلك [أ] وضل بعد وقوع الاعذار والانذار عن بينة وتعيين حجة، فكانت الامم في رجاء من الرسل وورود من الانبياء ولئن اصيبت بفقد نبي بعد نبى على عظم مصائبهم وفجائعها بهم (1) فقد كانت على سعة من الامل ولا مصيبة عظمت ولا رزية جلت كالمصيبة برسول الله (صلى الله عليه وآله) لان الله ختم به الانذار (2) و الاعذار وقطع به الاحتجاج والعذر بينه وبين خلقه وجعله بابه الذي بينه وبين عباده ومهيمنه (3) الذي لا يقبل إلا به ولا قربة إليه إلا بطاعته، وقال: في محكم كتابه: " من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا (4) " فقرن طاعته بطاعته ومعصيته بمعصيته فكان ذلك دليلا على ما فوض إليه وشاهدا له على من اتبعه وعصاه وبين ذلك في غير موضع من الكتاب العظيم فقال تبارك وتعالى في التحريض على اتباعه والترغيب في تصديقه والقبول لدعوته: " قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله و يغفر لكم ذنوبكم (5) " فاتباعه (صلى الله عليه وآله) محبة الله ورضاه غفران الذنوب وكمال الفوز ووجوب الجنة وفى التولي عنه والاعراض محادة الله وغضبه وسخطه والبعد منه مسكن النار و ذلك قوله: " ومن يكفر به من الاحزاب فالنار موعده (6) " يعني الجحود به والعصيان له فإن الله تبارك اسمه امتحن بي عباده وقتل بيدي أضداده وأفنى بسيفي جحاده و جعلني زلفة للمؤمنين وحياض موت على الجبارين وسيفه على المجرمين وشد بي أزر رسوله وأكرمنى بنصره وشرفني بعلمه وحباني بأحكامه واختصني بوصيته واصطفاني بخلافته في امته فقال (صلى الله عليه وآله) وقد حشده (7) المهاجرون والانصار وانغصت (8) بهم المحافل:

أيها الناس إن عليا مني كهارون (9) من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، فعقل المؤمنون

____________

(1) في بعض النسخ (وفجايعهم).

(2) في بعض النسخ (حسم) اي قطع. (3) المهيمن: القائم الحافظ والمشاهد والمؤتمن.

(4) النساء: 80. (5) آل عمران: 31. (6) هود: 17.

(7) حشد القوم اي اجتمعوا. (8) اي تضيقت بهم المحافل.

(9) في بعض النسخ (بمنزلة هارون). (*)

27

عن الله نطق الرسول إذ عرفوني أني لست بأخيه لابيه وامه كما كان هارون أخا موسى لابيه وامه ولا كنت نبيا فاقتضى نبوة ولكن كان ذلك منه استخلافا لي كما استخلف موسى هارون (ع) حيث يقول: " اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين (1) "

وقوله (صلى الله عليه وآله) حين تكلمت طائفة فقالت: " نحن موالي رسول الله (صلى الله عليه وآله) فخرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى حجة الوادع ثم صار إلى غدير خم فأمر فأصلح له شبه المنبر ثم علاه وأخذ بعضدي حتى رئي بياض إبطيه رافعا صوته قائلا في محفله " من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وآل من والاه و عاد من عاداه " فكانت على ولايتي ولاية الله وعلى عداوتي عداوة الله. وأنزل الله عزوجل في ذلك اليوم " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا (2) " فكانت ولايتي كمال الدين ورضا الرب جل ذكره وأنزل الله تبارك وتعالى اختصاصا لي وتكرما نحلنيه وإعظاما وتفضيلا من رسول الله (صلى الله عليه وآله) منحنيه (3) وهو قوله تعالى منحنيه وهو قوله تعالى: " ثم ردوا إلى الله موليهم الحق ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين (4) " في مناقب لو ذكرتها لعظم بها الارتفاع فطال لها الاستماع ولئن تقمصها دوني الاشقيان ونازعاني فيما ليس لهما بحق وركباها ضلالة واعتقداها جهاله فلبئس ما عليه وردا ولبئس ما لانفسهما مهدا، يتلاعنان (5) في دورهما ويتبرأ كل واحد منهما من صاحبه يقول لقرينه إذا إلتقيا: ياليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين، فيحيبة الاشقى على رثوثة (6): يا ليتني لم أتخذك خليلا، لقد

____________

(1) الاعراف: 2 14.

(2) المائدة: 3.

(3) قوله (عليه السلام): (انزل الله تعالى اختصاصا لي وتكريما نحلنيه) لعل مراده (عليه السلام) ان الله سبحانه سمى نفسه بمولى الناس وكذلك سمى رسول الله (صلى الله عليه وآله) نفسه به، ثم نحلاني ومنحاني واختصاني من بين الامة بهذه التسمية تكريما منهما لي وتفضيلا وإعظاما. أو أراد (عليه السلام) ان رد الامة اليه بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) رد إلى الله عزوجل وان هذه الاية انما نزلت بهذا المعنى كما نبه عليه بقوله: (وكانت على ولايتي ولاية الله) وذلك لانه به كمل الدين وتمت النعمة ودام من رجع اليه من الامة واحدا بعد واحد إلى يوم القيامة. او اراد (عليه السلام) ان المراد بالمولى في هذه الاية نفسه (عليه السلام) وانه مولاهم الحق لان ردهم اليه رد إلى الله تعالى. (في).

(4) الانعام: 62.

(5) ظاهر الفقرات ان هذه الخطبة كانت بعد انقضاء دولتهما وهو ينافي مامر في اول الخبر من انها كانت بعد سبعة ايام من وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) ولعله اخبار عما سيكون.

(6) الرثاثة: البذاذة ومن اللباس: البالي. وفي الوافي (على وثوبه). (*)

28

اضللتني عن الذكر بعد إذ جاء ني وكان الشيطان للانسان خذولا، فأنا الذكر الذي عنه ضل والسبيل الذي عنه مال والايمان الذي به كفر والقرآن الذي إياه هجر والدين الذي به كذب والصراط الذي عنه نكب، ولئن رتعا في الحطام المنصرم (1)

والغرور المنقطع وكانا منه على شفا حفرة من النار لهما على شر ورود، في أخيب وفود وألعن مورود، يتصارخان باللعنة ويتناعقان بالحسرة (2)، مالهما من راحة ولا عن عذابهما من مندوحة، إن القوم لم يزالوا عباد أصنام وسدنة أوثان، يقيمون لها المناسك و ينصبون لها العتائر ويتخذون لها القربان ويجعلون لها البحيرة والوصيلة والسائبة والحام ويستقسمون بالازلام (3) عامهين عن الله عز ذكره حائرين عن الرشاد، مهطعين إلى البعاد (4)، وقد استحوذ عليهم الشيطان، وغمرتهم سوداء الجاهلية ورضعوها جهالة وانفطموها ضلالة (5) فأخرجنا الله إليهم رحمة وأطلعنا عليهم رأفة واسفر بنا عن الحجب نورا لمن اقتبسه وفضلا لمن اتبعه وتأييدا لمن صدقه، فتبوؤوا العز بعد الذلة والكثرة بعد القلة وهابتهم القلوب والابصار وأذعنت لهم الجبابرة وطوائفها وصاروا أهل نعمة مذكورة وكرامة ميسورة وأمن بعد خوف وجمع بعد كوف (6) وأضاءت بنا مفاخر معد بن عدنان وأولجناهم (7) باب الهدى وأدخلناهم دار السلام وأشملناهم ثوب الايمان وفلجوا بنا في العالمين وابدت لهم أيام الرسول آثار الصالحين من حام مجاهد ومصل

____________

(1) الرتع: التنعم. والحطام: الهشيم ومن الدنيا كل ما فيها يفنى ويبقى. والمنصرم:

المنقطع. (2) نعق بغنمه: صاح.

(3) العتائر: جمع العتيرة وهي شاة كانوا يذبحونها في رجب لالهتهم. والبحيرة والسائبة:

ناقتان مخصوصتان كانوا يحرمون الانتفاع بهما. والوصيلة: شاة مخصوصة يذبحونها على بعض الوجوه ويحرمونها على بعض. والحام: الفحل من الامل الذي طال مكثه عندهم فلا يركب ولا يمنع من كلاة وماء. والاستقسام بالازلام: طلب معرفة ما قسم لهم مما لم يقسم بالاقداح. والعمه:

التحير والتردد. (في).

(4) المندوحة: السعة. والاهطاع: الاسراع. وفي بعض النسخ (جائزين عن الرشاد). و الاستحواذ: الاستيلاء.

(5) في بعض النسخ (رضعوا جهالة وانفطموا ضلالة). والانفطام: الفصل عن الرضاع اي كانوا في صغرهم وكبرهم في الجهالة والضلالة وفي بعض النسخ (وانتظموها ضلالة) فالضمير راجع إلى الجهالة اي انتظموها مع الجهالة في سلك ولعله تصحيف. (آت).

(6) اي تفرق وتقطع. وفي بعض النسخ (حوب). وهو الوحشة والحزن. (7) أي ادخلناهم. (*)

29

قانت ومعتكف زاهد، يظهرون الامانة ويأتون المثابة حتى إذا دعا الله عزوجل نبيه (صلى الله عليه وآله) ورفعه إليه لم يك ذلك بعده إلا كلمحة من خفقة (1) أو وميض من برقة إلى أن رجعوا على الاعقاب وانتكصوا على الادبار وطلبوا بالاوتار وأظهروا الكتائب وردموا الباب وفلوا (2)

الديار وغيروا آثار رسول الله (صلى الله عليه وآله) ورغبوا عن أحكامه وبعدوامن أنواره واستبدلوا بسمتخلفه بديلا اتخذوه وكانوا ظالمين وزعموا أن من اختاروا من آل أبي قحافة أولى بمقام رسول الله (صلى الله عليه وآله) ممن اختار رسول الله (صلى الله عليه وآله) لمقامه وأن مهاجر آل أبي قحافة خير من المهاجري الانصاري الرباني ناموس هاشم بن عبد مناف، ألا وإن أول شهادة زور وقعت في

الاسلام شهادتهم أن صاحبهم مستخلف رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فلما كان من أمر سعد بن عبادة ما كان رجعوا عن ذلك وقالوا: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) مضى ولم يستخلف فكان رسول الله (صلى الله عليه وآله) الطيب المبارك أول مشهود عليه بالزور في الاسلام وعن قليل يجدون غب ما أسسه الاولون (3) ولئن كانوا في مندوحة من المهل (4) وشفاء من الاجل وسعة من المنقلب واستدراج من الغرور وسكون من الحال وإدراك من الامل فقد أمهل الله عز و جل شداد بن عاد وثمود بن عبود (5) وبلعم بن باعور وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة وأمدهم بالاموال والاعمار وأتتهم الارض ببركاتها ليذكروا آلاء الله وليعرفوا الاهابة له (6) والانابة إليه ولينتهوا عن الاستكبار فما بلغوا المدة واستتموا الاكلة أخذهم

____________

(1) الفلج: الفوز والظفر. والمثابة: موضع الثواب ومجتمع الناس بعد تفرقهم. والخفقة:

النعاس. والوميض: اللمع الخفي.

(2) والانتكاس: الرجوع. والردم: السد. و (فلوا) بالفاء واللام الشاذة اي كسروا ولعله كناية عن السعي في تزلزل بنيانهم وبذل الجهد في خذلانهم وفي بعض النسخ (وقلوا) بالقاف اي ابعضوا داره واظهروا عداوة البيت. (آت).

(3) الغب بتشديد الباء: العاقبة.

(4) اي كانوا في سعة من المهلة. والشفا مقصورا: الطرف. اراد (عليه السلام) به طول العمر فكانهم في طرف والاجل في طرف آخر. (في).

(5) ثمود بن عبود كتنور وثمود: اسم قوم صالح النبي (عليه السلام). (آت).

(6) في بعض النسخ (ليعترفوا الاهابة له) وفي بعضها (ليقترفوا) والاهابة بمعنى الزجر يقال:

اهاب اهابة الراعي بغنمه: صاح لتقف او لترجع بالابل وايضا زجرها بقوله: (هاب). (*)

30

الله عزوجل (1) واصطلمهم فمنهم من حصب (2) ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من أحرقته الظلة (3) ومنهم من أودته الرجفة (4) ومنهم من أردته الخسفة (5) " وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون " ألا وإن لكل كتابا فإذا بلغ الكتاب أجله لو كشف لك عما هوى إليه الظالمون وآل إليه الاخسرون لهربت إلى الله عزوجل مما هم عليه مقيمون وإليه صائرون، ألا وإني فيكم أيها الناس كهارون في آل فرعون وكباب حطة في بني إسرائيل وكسفينة نوح في قوم نوح، إني النبأ العظيم والصديق والاكبر وعن قليل ستعلمون ما توعدون وهل هي إلا كلعقة الآكل ومذقة الشارب (6)

وخفقة الوسنان، ثم تلزمهم المعرات (7) خزيا في الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما يعملون فما جزاء من تنكب محجته؟ وأنكر حجته، وخالف هداته وحاد عن نوره واقتحم في ظلمه واستبدل بالماء السراب وبالنعيم العذاب وبالفوز الشقاء وبالسراء الضراء وبالسعة الضنك، إلا جزاء اقترفه (8) وسوء خلافه فليوقنوا بالوعد على حقيقته وليستيقنوا بما يوعدون، " يوم تأتي الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج. إنا نحن نحيي ونميت وإلينا المصير. يوم تشقق الارض عنهم سراعا إلى آخر السورة (9).

____________

(1) الاصطلام: الاستيصال.

(2) على بناء المفعول اي رمى بالحصباء وهي الحصا من السماء.

(3) الظلة: السحاب. وفي بعض النسخ (الظلمة).

(4) اي اهلكته الزلزلة.

(5) اي اهلكته الخسف والسوخ في الارض كقارون. (آت).

(6) اللعقة بضم اللام مصدر: ما تاخذ باصبعك او في الملعقة وايضا: القليل مما يلعق.

وبالفتح: المرة. والوسنان: من اخذته السنة وهو النائم الذي لم يستغرق في النوم.

(7) المعرة: الاثم والغرم والاذى. ومكان (خزيا) في بعض النسخ (جزاءا).

(8) استثناء من النفي المفهوم من قوله: (فما جزاء). (آت).

(9) سورة ق وفيها: (يوم يسمعون الصيحة بالحق) وتمام السورة (يوم تشقق الارض عنهم سراعا ذلك حشر علينا يسير. نحن اعلم يما يقولون وما انت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف وعيد). (*)

31

خطبة الطالوتية

5 - محمد بن علي بن معمر، عن محمد بن علي قال: حدثنا عبدالله بن أيوب الاشعري عن عمر والاوزاعي، عن عمرو بن شمر، عن سلمة بن كهيل، عن أبي الهيثم بن التيهان أن أمير المؤمنين (ع) خطب الناس بالمدينة فقال: الحمد لله الذي لا إله إلا هو، كان حيا بلا كيف (1) ولم يكن له كان، ولا كان لكانه كيف، ولا كان له أين، ولا كان في شئ ولا كان على شئ ولا ابتدع لكانه مكانا، ولا قوي بعدما كون شيئا، ولاضعيفا قبل أن يكون شيئا، ولا كان مستوحشا قبل أن يبتدع شيئا، ولا يشبه شيئا، ولا كان خلوا عن الملك قبل إنشائه، ولا يكون خلوا منه بعد ذهابه، كان إلها حيا بلا حياة، ومالكا قبل أن ينشئ شيئا، ومالكا بعد إنشائه للكون، وليس يكون لله كيف ولا أين ولا حد يعرف، ولا شئ يشبهه، وليهرم لطول بقائه، ولا يضعف لذعرة (2)، ولا يخاف كما تخاف خليقته من شئ ولكن سميع بغير سمع، وبصير بغير بصر، وقوي بغير قوة من خلقه، لا تدركه حدق الناظرين ولا يحيط بسمعه سمع السامعين، إذا أراد شيئا كان بلا مشورة ولا مظاهرة ولا مخابرة ولا يسأل أحدا عن شئ من خلقه أراده، لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار وهو اللطيف الخبير.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون فبلغ الرسالة وأنهج الدلالة (صلى الله عليه وآله).

____________

(1) أي بلا حياة زائدة يتكيف بها ولا كيفية من الكيفيات التي تتبع الحياة في المخلوقين، بل حياته علمه وقدرته وهما غير زائدتين على ذاته. وقوله: (ولم يكن له كان) الظاهر ان (كان)

اسم (لم يكن) لانه لما قال (عليه السلام): (كان) او هم العبارة زمانا، فنفى (عليه السلام) ذلك بانه كان بلا زمان. او لان الكون يتبادر منه الحدوث عرفا ويخترع الوهم للكون مبدء ا فنفى (عليه السلام) ذلك بان وجوده تعالى ازلي لا يمكن ان يقال: حدث في ذلك الزمان فالمراد: ب (كان) على التقديرين ما يفهم ويتبادر او يتوهم منه.

(2) في بعض النسخ (لا يصعق). والذعرة بالضم: الخوف وبالتحريك: الدهش. (*)

32

ايها الامة التي خدعت فانخدعت وعرفت خديعة من خدعها فأصرت على ما عرفت واتبعت أهواءها وضربت في عشواء غوايتها وقد استبان لها الحق فصدت عنه (1)

والطريق الواضح فتنكبته، أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لو أقتبستم العلم من معدنه وشربتم الماء بعذوبته وادخرتم الخير من موضعه وأخذتم الطريق من واضحه وسلكتم من الحق نهجه لنهجت (2) بكم السبل وبدت لكم الاعلام وأضاء لكم الاسلام فأكلتم رغدا (3) وما عال فيكم عائل ولا ظلم منكم مسلم ولا معاهد ولكن سلكتم سبيل الظلام فأظلمت عليكم دنياكم برحبها (4) وسدت عليكم أبواب العلم فقلتم بأهوائكم واختلفتم في دينكم فأفتيتم في دين الله بغير علم واتبعتم الغواة فأغوتكم وتركتم الائمه فتركوكم، فأصبحتم تحكمون باهوائكم إذا ذكر الامر سألتم أهل الذكر فإذا أفتوكم قلتم هو العلم بعينه فكيف وقد تركتموه ونبذتموم وخالفتموه؟ (5) رويدا عما قليل تحصدون جميع ما زرعتم وتجدون وخيم ما اجترمتم (6) وما اجتلبتم، والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لقد علمتم أني صاحبكم والذي به أمرتم وأني عالمكم والذي بعلمه نجاتكم ووصي نبيكم وخيرة ربكم ولسان نوركم والعالم بما يصلحكم، فعن قليل رويدا ينزل بكم ما وعدتم وما نزل بالامم قبلكم وسيسألكم الله عزوجل عن أئمتكم، معهم تحشرون وإلى الله عزوجل غدا تصيرون، أما والله لو كان لي عدة أصحاب طالوت أو عدة أهل بدر وهم أعداؤكم لضربتكم بالسيف حتى تؤولوا إلى الحق وتنيبوا للصدق فكان أرتق للفتق و آخذ بالرفق، اللهم فاحكم بيننا بالحق وانت خير الحاكمين.

____________

(1) في بعض النسخ (صدعت).

(2) في بعض النسخ (لتنهجت) وفي بعضها (لابتهجت). والابتهاج: السرور ونهج اي وضح وتنهج قريب منه. (3) اي واسعة طيبة.

(4) الرحب بالضم: السعة، اي مع سعتها.

(5) اي كيف ينفعكم هذا الاقرار والاذعان وقد تركتم متابعة قائله او كيف تقولون هذا مع انه مخالف لافعالكم. (آت).

(6) الاجترام: الاكتساب. والاجتلاب: جلب الشئ إلى النفس. وفي بعض النسخ (اجتنيتم)

من اجتناء الثمرة او بمعنى كسب الجرم. (*)

33

قال ثم خرج من المسجد فمر بصيرة (1) فيها نحو من ثلاثين شاة، فقال: والله لو أن لي رجالا ينصحون لله عزوجل ولرسوله بعدد هذه الشياه لازلت أبن أكلة الذبان (2)

عن ملكه.

قال: فلما أمسى بايعه ثلاثمائة وستون رجلا على الموت فقال لهم أمير المؤمنين (ع):

اغدوا بنا إلى أحجار الزيت (3) محلقين، وحلق أمير المؤمنين (ع) فما وافى من القوم محلقا إلا أبوذر والمقداد وحذيفة بن اليمان وعمار بن ياسر وجاء سلمان في القوم، فرفع يده إلى السماء فقال: اللهم إن القوم استضعفوني كما استضعفت بنو إسرائيل هارون، اللهم فإنك تعلم ما نخفي وما نعلن وما يخفى عليك شئ في الارض ولا في السماء، توفني مسلما وألحقنى بالصالحين، أما والبيت والمفضي (4) إلى البيت وفي نسخة والمزدلفة والخفاف إلى التجمير لو لا عهد عهده إلي النبي الامي (صلى الله عليه وآله) لاوردت المخالفين خليج المنية ولارسلت عليهم شآبيب صواعق الموت وعن قليل سيعملون.

6 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمد بن سليمان، عن أبيه قال:

كنت عند أبي عبدالله (ع) إذ دخل عليه أبوبصير وقد خفره النفس (6) فلما أخذ مجلسه قاله له أبوعبدالله (ع): يا أبا محمد ما هذا النفس العالي؟ فقال: جعلت فداك يا ابن رسول الله كبر سني ودق عظمي واقترب أجلي مع أنني لست أدري ماأرد عليه من أمر آخرتي، فقال أبوعبدالله (ع): يا أبا محمد وإنك لتقول هذا؟! قال: جعلت فداك وكيف لا أقول هذا؟! فقال، يا أبا محمد أما علمت أن الله تعالى يكرم الشباب منكم

____________

(1) الصيرة: حظيرة تتخذ من الحجارة واغصان الشجرة للغنم والبقر.

(2) الذبان بالكسر والتشديد: جمع ذباب وكنى بابن آكلتها عن سلطان الوقت فانهم كانوا في الجاهلية ياكلون من كل خبيث نالوه. (في).

(3) احجار الزيت: موضع داخل المدينة.

(4) المفضى إلى البيت: ماسه بيده. والخفاف: سرعة الحركة. ولعل المراد بالتجمير رمى الجمار. والخليج: النهر. (في).

(5) شآبيب: جمع شؤبوب بالضم مهموزا وهو الدفعة من المطر. (آت).

(6) الخفر: الحث والاعجال. (*)

34

ويستحيي من الكهول؟ قال: قلت: جعلت فداك فكيف يكرم الشباب ويستحيي من الكهول؟

فقال: يكرم الله الشباب أن يعذبهم ويستحيي من الكهول أن يحاسبهم، قال: قلت:

جعلت فداك هذا لنا خاصة أم لاهل التوحيد؟ قال فقال: لا والله إلا لكم خاصة دون العالم، قال: قلت: جعلت فداك فإنا قد نبزنا نبزا (1) انكسرت له ظهورنا وماتت له أفئدتنا واستحلت له الولاة دماءنا في حديث رواه لهم فقهاؤهم، قال: فقال أبوعبدالله

(ع): الرافضة؟ قال: قال: قلت: نعم، قال: لا والله ما هم سموكم ولكن الله سماكم به (2)

أما علمت يا أبا محمد أن سبعين رجلا من بني إسرائيل رفضوا فرعون وقومه لما استبان لهم ضلالهم فلحقوا بموسى (ع) لما استبان لهم هداه فسموا في عسكر موسى الرافضة لانهم رفضوا فرعون وكانوا أشد أهل ذلك العسكر عبادة وأشدهم حبا لموسى وهارون وذريتهما (ع) فأوحى الله عزوجل إلى موسى (ع) أن أثبت لهم هذا الاسم في التوراة فإني قد سميتهم به ونحلتهم إياه، فأثبت موسى (ع) الاسم لهم ثم ذخر الله عزوجل لكم هذا الاسم حتى نحلكمون، يا أبا محمد رفضوا الخير ورفضتم الشر، افترق الناس كل فرقة وتشعبوا كل شعبة فانشعبتم مع أهل بيت نبيكم (صلى الله عليه وآله) وذهبتم حيث ذهبوا و اخترتم من اختار الله لكم وأردتم من أراد الله فأبشروا ثم ابشروا، فأنتم والله المرحومون المتقبل من محسنكم والمتجاوز عن مسيئكم، من لم يأت الله عزوجل بما انتم عليه يوم القيامة لم يتقبل منه حسنة ولم يتجاوز له عن سيئة، يا أبا محمد فهل سررتك؟ قال: قلت:

جعلت فداك زدني، فقال: يا أبا محمد إن لله عزوجل ملائكة يسقطون الذنوب عن ظهور شيعتنا كما يسقط الريح الورق في أوان سقوطه وذلك قوله عزوجل: " الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم... ويستغفرون للذين آمنوا (3) " استغفارهم والله لكم دون هذا الخلق، يا أبا محمد فهل سررتك؟ قال: قلت: جعلت فداك زدني، قال: يا أبا محمد لقد ذكركم الله في كتابه فقال: " من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدو

____________

(1) النبز بالتحريك: اللقب.

(2) في بعض النسخ (بل الله سماكم به).

(3) المؤمن: 7. (*)

35

الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا (1) " إنكم وفيتم بما أخذ الله عليه ميثاقكم من ولايتنا وإنكم لم تبدلوا بنا غيرنا ولو لم تفعلوا لعيركم الله كما عيرهم حيث يقول جل ذكره: " وما وجدنا لاكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين (2) " يا أبا محمد فهل سررتك؟ قال: قلت: جعلت فداك زدني فقال: يا أبا محمد لقد ذكركم الله في كتابه فقال: " إخوانا على سرر متقابلين (3) " والله ما أراد بهذا غيركم يا أبا محمد فهل سررتك؟ قال: قلت: جعلت فداك زدني، فقال: يا أبا محمد " الاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين (4) " والله ما أراد بهذا غيركم، يا أبا محمد فهل سررتك قال: قلت: جعلت فداك زدني، فقال: يا أبا محمد لقد ذكرنا الله عزوجل وشيعتنا و عدونا في آية من كتابه فقال عزوجل: " هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر اولوا الالباب (5) " فنحن الذين يعلمون وعدونا الذين لا يعلمون و شيعتنا هم أولوا الالباب، يا ابا محمد فهل سررتك؟ قال: قلت: جعلت فداك زدنى، فقال: يا أبا محمد والله ما استثنى الله عزوجل بأحد من أوصياء الانبياء ولا أتباعهم ما خلا أمير المؤمنين (ع) وشيعته فقال في كتابه وقوله الحق: " يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا "

ولا هم ينصرون. إلا من رحم الله (6) " يعني بذلك عليا (ع) وشيعته، يا ابا محمد فهل سررتك؟

قال: قلت: جعلت فداك زدني، قال: يا أبا محمد لقد ذكركم الله تعالى في كتابه إذ يقول:

" يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم (7) " والله ما أراد بهذا غيركم، فهل سررتك يا أبا محمد؟ قال: قلت:

جعلت فداك زدني، فقال: يا أبا محمد لقد ذكركم الله في كتابه فقال: " إن عبادي ليس لك عليهم سلطان (8) " والله ما أراد بهذا إلا الائمة (عل) وشيعتهم، فهل سررتك يا أبا محمد؟ قال: قلت: جعلت فداك زدني، فقال: يا أبا محمد لقد ذكركم الله في كتابه فقال:

" فاولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن

____________

(1) الاحزاب: 23. (2) الاعراف: 102.

(3) الحجر: 47. (4) الزخرف: 67.

(5) الزمر: 9. (6) الدخان 42 و 43.

(7) الزمر: 53. (8) الحجر: 42. (*)

36

اولئك رفيقا (1) " فرسول الله (صلى الله عليه وآله) في الآية النبيون ونحن في هذا الموضع الصديقون والشهداء وأنتم الصالحون فتسموا بالصلاح كما سماكم الله عزوجل، يا أبا محمد فهل سررتك؟ قال: قلت: جعلت فداك زدني، قال: يا أبا محمد لقد ذكركم الله إذ حكى عن عدوكم في النار بقوله: " وقالوا مالنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الاشرار.

إتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم الابصار (2) " والله ما عنى ولا أراد بهذا غيركم، صرتم عند أهل هذا العالم شرار الناس وأنتم والله في الجنة تحبرون (3) وفى النار تطلبون با ابا محمد فهل سررتك؟ قال: قلت: جعلت فداك زدني، قال: يا أبا محمد ما من آية نزلت تقود إلى الجنة ولا تذكر أهلها بخير إلا وهي فينا وفي شيعتنا وما من آية نزلت تذكر أهلها بشر ولا تسوق إلى النار إلا وهي في عدونا ومن خالفنا، فهل سررتك يا أبا محمد؟

قال: قلت: جعلت فداك، زدني، فقال: يا أبا محمد ليس على ملة إبراهيم إلا نحن وشيعتنا وسائر الناس من ذلك براء (4) يا أبا محمد فهل سررتك؟ وفي رواية اخرى فقال: حسبي.

حديث أبي عبدالله (ع)

* (مع المنصور في موكبه) *

7 - محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن بعض أصحابه، وعلي بن إبراهيم، عن أبيه عن ابن أبي عمير جميعا، عن محمد بن ابي حمزة، عن حمران قال: قال أبوعبدالله (ع) و ذكر هؤلاء عنده وسوء حال الشيعة عندهم فقال: إني سرت مع أبي جعفر المنصور (5) وهو في موكبه وهو على فرس وبين يديه خيل ومن خلفه خيل وأنا على حمار إلى جانبه فقال لي: يا أبا عبدالله قد كان فينبغي لك أن تفرح بما أعطانا الله من القوة وفتح لنا من العز

____________

(1) النساء: 69.

(2) ص: 62 و 63.

(3) اي تكرمون وتنعمون وتسرون.

(4) براء ككرام وفي بعض النسخ (براء) كفقهاء وكلاهما جمع بريئ.

(5) يعني الدوانيقي.

37

ولا تخبر الناس أنك أحق بهذا الامر منا وأهل بيتك فتغرينا بك وبهم (1)، قال: فقلت:

ومن رفع هذا إليك عني فقد كذب فقال: لي أتحلف على ما تقول؟ فقلت: إن الناس سحرة (2) يعني يحبون أن يفسدوا قلبك علي فلا تمكنهم من سمعك فإنا إليك أحوج منك إلينا فقال لي: تذكر يوم سألتك هل لنا ملك؟ فقلت: نعم طويل عريض شديد فلا تزالون في مهلة من أمركم وفسحة من دنياكم حتى تصيبوا منا دما حراما في شهر حرام في بلد حرام، فعرفت أنه قد حفظ الحديث، فقلت: لعل الله عزوجل أن يكفيك (3)

فإني لم أخصك بهذا وإنما هوحديث رويته ثم لعل غيرك من أهل بيتك يتولى ذلك فسكت عني، فلما رجعت إلى منزلي أتاني بعض موالينا فقال: جعلت فداك والله لقد رأيتك في موكب أبي جعفر وأنت على حمار وهو على فرس وقد أشرف عليك يكلمك كأنك تحته، فقلت بيني وبين نفسي: هذا حجة الله على الخلق وصاحب هذا الامر الذي يقتدي به وهذا الآخر يعمل بالجور ويقتل أولاد الانبياء ويسفك الدماء في الارض بما لا يحب الله وهو في موكبه وأنت على حمار فدخلني من ذلك شك حتى خفت على دينى ونفسي، قال: فقلت: لو رأيت من كان حولي وبين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي من الملائكه لاحتقرته واحتقرت ما هو فيه فقال: الآن سكن قلبي، ثم قال: إلى متى هؤلاء يملكون أو متى الراحة منهم؟ فقلت:

أليس تعلم أن لكل شئ مدة؟ قال: بلى فقلت: هل ينفعك علمك أن هذا الامر إذا جاء كان أسرع من طرفة العين؟ إنك لو تعلم حالهم عند الله عزوجل وكيف هي كنت لهم أشد بغضا ولو جهدت أو جهد أهل الارض أن يدخلوهم في أشد ما هم فيه من الاثم لم يقدروا فلا يستفزنك الشيطان (4) فإن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون ألا تعلم أن من أنتظر أمرنا وصبر على ما يرى من الاذى والخوف هو غدا في زمرتنا فإذا رأيت الحق قد مات وذهب أهله، ورأيت الجور قد شمل البلاد، ورايت القرآن قد خلق واحدث فيه ما ليس فيه ووجه على الاهواء، ورأيت الدين قد انكفى كما ينكفي

____________

(1) (تغرينا) في بعض النسخ (تعزينا) والاغراء: التحريص على الشر.

(2) في بعض النسخ (شجرة) ولعله تصحيف. والسحر في كلامهم صرف الشئ عن وجهه.

(3) اي يصونك من ان يقع منك هذا الامر.

(4) اي لا يستخفنك الشيطان. (*)

38

الماء (1)، ورايت أهل الباطل قد استعلوا على أهل الحق، ورأيت الشر ظاهرا لا ينهى عنه ويعذر أصحابه، ورأيت الفسق قد ظهر واكتفى الرجال بالرجال والنساء بالنساء، ورأيت المؤمن صامتا لا يقبل قوله، ورأيت الفاسق يكذب ولا يرد عليه كذبه وفريته (2)، ورأيت الصغير يستحقر بالكبير، ورأيت الارحام قد تقطعت، ورأيت من يمتدح بالفسق يضحك منه ولا يرد عليه قوله، ورأيت الغلام يعطى ما تعطى المرأة، ورأيت النساء يتزوجن النساء، ورأيت الثناء قد كثر (3) ورأيت الرجل ينفق المال في غير طاعة الله فلا ينهى ولا يؤخذ على يديه، ورأيت الناظر يتعوذ بالله مما يرى المؤمن فيه من الاجتهاد، ورأيت الجار يؤذي جاره وليس له مانع، ورأيت الكافر فرحا لما يرى في المؤمن، مرحا لما يرى في االارض من الفساد (4)، ورأيت الخمور تشرب علانية ويجتمع عليها من لا يخاف الله عزوجل، ورأيت الامر بالمعروف ذليلا، ورأيت الفاسق فيما لا يحب الله قويا محمودا، ورأيت اصحاب الايات يحتقرون ويحتقر من يحبهم (5)، ورأيت سبيل الخير منقطعا وسبيل الشر مسلوكا، ورأيت بيت الله قدعطل ويؤمربتركه، ورأيت الرجل يقول ما لا يفعله، ورأيت الرجال يتسمنون (6) للرجال والنساء للنساء، ورأيت الرجال معيشته من دبره ومعيشة المرأة من فرجها، ورأيت النساء يتخذن المجالس كما يتخذها الرجال، ورأيت التأنيث في ولد العباس قد ظهر وأظهروا الخضاب وامتشطوا كما تمتشط المرأة لزوجها واعطو

____________

(1) اي انقلب، كفأت الاناء اي قلبته.

(2) الفرية: الكذب والبهتان.

(3) في بعض النسخ (رايت البناء قد كثر).

(4) المرح بالتحريك: شدة الفرح والنشاط.

(5) اصحاب الايات اي اصحاب العلامات والمعجزات او الذين نزلت فيهم الايات وهم الائمة أو المفسرون. وفى بعض النسخ (اصحاب الاثار) وهم المحدثون. (آت).

(6) اي يستعملون الاغذية والادوية للسمن ليعمل معهم القبيح، قال في النهاية: فيه: (يكون في آخر الزمان قوم يتسمنون) اي يتكثرون بما ليس فيهم ويدعون ما ليس لهم من الشرف، وقيل:

اراد جمعهم الاموال، وقيل: يحبون التوسع في المآكل والمشارب وهي اسباب السمن، ومنه الحديث الاخر (ويظهر فيهم السمن) وفيه: (ويل للمسمنات يوم القيامة من فترة في العظام) اي اللاتي يستعملن السمنة وهو دواء يتسمن به النساء انتهى. (آت). (*)

39

الرجال الاموال على فروجهم وتنوفس في الرجل (1) وتغاير عليه الرجال، وكان صاحب المال أعز من المؤمن، وكانت الربا ظاهرا لا يعير، وكان الزنى تمتدح به النساء، ورأيت المرأة تصانع زوجها (2) على نكاح الرجال، ورأيت أكثر الناس وخير بيت من يساعد النساء على فسقهن، ورأيت المؤمن محزونا محتقرا ذليلا، ورأيت البدع والزنى قد ظهر، ورايت الناس يعتدون بشاهد الزور، ورأيت الحرام يحلل ورأيت الحلال يحرم، ورأيت الدين بالرأى وعطل الكتاب وأحكامه، ورأيت الليل لا يستخفى به من الجرأة على الله (3)، ورأيت المؤمن لا يستطيع أن ينكر إلا بقلبه، ورأيت العظيم من المال ينفق في سخط الله عزوجل، ورأيت الولاة يقربون أهل الكفر ويباعدون أهل الخير، ورأيت الولاة يرتشون في الحكم، ورأيت الولاية قبالة لمن زاد، ورأيت ذوات الارحام ينكحن ويكتفى بهن ورأيت الرجل يقتل على التهمة وعلى الظنة ويتغاير على الرجل الذكر فيبذل له نفسه و ماله، ورأيت الرجل يعير على إتيان النساء، ورأيت الرجل يأكل من كسب امرأته من الفجور، يعلم ذلك ويقيم عليه، ورأيت المرأة تقهر زوجها، وتعمل ما لا يشتهي وتنفق على زوجها، ورأيت الرجل يكري امرأته وجاريته ويرضى بالدني من الطعام والشراب، ورأيت الايمان بالله عزوجل كثيرة على الزور، ورأيت القمار قد ظهر، ورأيت الشراب يباع ظاهرا ليس له مانع، ورأيت النساء يبذلن أنفسهن لاهل الكفر، ورأيت الملاهي قد ظهرت يمر بها، لا يمنها أحد أحدا ولا يجترئ أحد على منعها، ورأيت الشريف يستذله الذى يخاف سلطانه، ورأيت أقرب الناس من الولاة من يمتدح بشتمنا أهل البيت، ورأيت من يحبنا يزور ولا تقبل شهادته، ورأيت الزور من القول يتنافس فيه، ورأيت القرآن قد ثقل على الناس استماعه وخف على الناس استماع

____________

(1) اي فروج نسائهم للدياثة ويمكن ان يقرء الرجال بالرفع واعطوا على المعلوم او المجهول من باب اكلوني البراغيث والاول اظهر. والتنافس: الرغبة في الشئ والافراد به والمنافسة:

المغالبة على الشئ وهي المراد ههنا. (آت) وفي بعض النسخ (وتغار عليه الرجال).

(2) المصانعة: الرشوة والمداهنة.

(3) اي لا ينتظرون دخول الليل ليستتروا به المعاصي بل يعملونها في النهار علانية. (آت). (*)

40

الباطل، ورأيت الجار يكرم الجار خوفا من لسانه، ورأيت الحدود قد عطلت وعمل فيها بالاهواء، ورأيت المساجد قدزخرفت، ورأيت أصدق الناس عند الناس المفتري الكذب ورأيت الشر قد ظهر والسعي بالنميمة، ورأيت أصدق البغي قد فشا، ورأيت الغيبة تستملح (1) و يبشر بها الناس بعضهم بعضا، ورأيت طلب الحج والجهاد لغيرالله، ورأيت السلطان يذل للكافر المؤمن، ورأيت الخراب قد أديل من العمران (2)، ورأيت الرجل معيشته من بخس المكيال والميزان ورأيت سفك الدماء يستخف بها، ورأيت الرجل يطلب الرئاسة لعرض الدنيا ويشهر نفسه بخبث اللسان ليتقى وتسند إليه الامور، ورأيت الصلاة قد استخف بها، ورأيت الرجل عنده المال الكثير ثم لم يزكه منذ ملكه، ورأيت الميت ينبش من قبره (3) ويؤذى وتباع أكفانه، ورأيت الهرج قد كثر، ورأيت الرجل يمسي نشوان (4)

ويصبح سكرانالا يهتم بماالناس فيه، ورأيت البهائم تنكح، ورأيت البهائم يفرس بعضها بعضا ورأيت الرجل يخرج إلى مصلاه ويرجع وليس عليه شئ من ثيابه، ورأيت قلوب الناس قد قست وجمدت أعينهم وثقل الذكر عليهم، ورأيت السحت قد ظهر يتنافس فيه، ورأيت المصلي إنما يصلى ليراه الناس، ورأيت الفقيه يتفقه لغير الدين، يطلب الدنيا والرئاسة، ورأيت الناس مع من غلب، ورأيت طالب الحلال يذم ويعير وطالب الحرام يمدح ويعظم، ورأيت الحرمين يعمل فيهما بما لا يحب الله، لا يمنعهم مانع ولا يحول بينهم وبين العمل القبيح أحد ورايت المعازف ظاهرة في الحرمين، ورأيت الرجل يتكلم بشئ من الحق ويامر بالمعروف وينهى عن المنكر فيقوم إليه من ينصحه في نفسه فيقول: هذا عنك موضوع، ورأيت الناس ينظر بعضهم إلى بعض ويقتدون بأهل الشرور، ورايت مسلك الخير وطريقه خاليا لا يسلكه أحد، ورأيت الميت يهزأ به فلا يفزع له أحد، ورايت كل عام يحدث فيه من الشر والبدعة أكثر مما كانت، ورأيت الخلق والمجالس لا يتابعون إلا الاغنياء، ورأيت المحتاج يعطى على الضحك به ويرحم لغير وجه الله، ورأيت الآيات في السماء لا يفزع لها أحد، ورأيت الناس يتسافدون (5) كما يتسافد البهائم لا ينكر أحد منكرا تخوفا من

____________

(1) استملح أي عده مليحا. (2) الادالة: الغلبة.

(3) في بعض النسخ (ينشر من قبره). (4) نشوان اي سكران.

(5) السفاد: نزو الذكر على الانثى. اي جهرة في الطرق والشوارع. (*)

41

الناس، ورأيت الرجل ينفق الكثر في غير طاعة الله ويمنع اليسير في طاعة الله، ورأيت العقوق قد ظهر واستخف بالوالدين وكانا من أسوء الناس حالا عند الولد ويفرح بأن يفتري عليهما، ورأيت النساء وقد غلبن على الملك وغلبن على كل أمر لا يؤتى إلا مالهن فيه هوى، ورأيت ابن الرجل يفتري على أبيه ويدعو على والديه ويفرح بموتهما، ورأيت الرجل إذا مر به يوم ولم يكسب فيه الذنب العظيم من فجور أو بخس مكيال أو ميزان أو غشيان حرام أو شرب مسكر كئيبا حزينا يحسب أن ذلك اليوم عليه وضيعة (1)

من عمره، ورأيت السلطان يحتكر الطعام، ورأيت أموال ذوي القربى تقسم في الزور ويتقامر بها وتشرب بها الخمور، ورأيت الخمر يتداوى بها ويوصف للمريض ويستشفى بها، ورأيت الناس قد استووا في ترك الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وترك التدين به، ورأيت رياح المنافقين (2) وأهل النفاق قائمة ورياح أهل الحق لا تحرك، ورأيت الاذان بالاجر والصلاة بالاجر، ورأيت المساجد محتشية ممن لا يخاف الله، مجتمعون فيها للغيبة وأكل لحوم أهل الحق ويتواصفون فيها شراب المسكر، ورأيت السكران يصلي بالناس وهو لا يعقل ولا يشان (3) بالسكر وإذاسكر أكرم واتقى وخيف وترك، لا يعاقب ويعذر بسكره، ورايت من أكل أموال اليتامى يحمد بصلاحه، ورأيت القضاة يقضون بخلاف ما أمر الله، ورأيت الولاة يأتمنون الخونة للطمع ورأيت الميراث قد وضعته الولاة لاهل الفسوق والجرأة على الله (4)، يأخذون منهم ويخلونهم وما يشتهون ورأيت المنابر يؤمر عليها بالتقوى ولا يعمل القائل بما يأمر، ورأيت الصلاة قد استخف بأوقاتها، ورأيت الصدقة بالشفاعة (5) لا يراد بها وجه الله ويعطى لطلب الناس، ورأيت

____________

(1) اي خسران ونقص.

(2) تطلق الريح على الغلبة والقوة والرحمة والنصرة والدولة والنفس والكل محتمل و الاخير اظهر. (آت).

(3) من الشين اي العيب.

(4) اي ميراث اليتيم بان تولوا عليها خائنا يأكل بعضها ويعطيهم بعضها. او يحكمون لكل ميراث للفاسق من الورثة لما ياخذون منه من الرشوة. (آت). (5) اي لا يتصدقون الا لمن يشفع له شفيع فيعطون لوجه الشفيع لا لوجه الله. او يعطون لطلب الناس وابرامهم. (آت). (*)

42

الناس همهم بطونهم وفروجهم، لا يبالون بما أكلوا وما نكحوا، ورأيت الدنيا مقبلة عليهم، ورأيت أعلام الحق قد درست فكن على حذر واطلب إلى الله عزوجل النجاة وأعلم أن الناس في سخط الله عزوجل وإنما يمهلهم لامر يراد بهم فكن مترقبا واجتهد ليراك الله عزوجل في خلاف ما هم عليه فإن نزل بهم العذاب وكنت فيهم عجلت إلى رحمة الله وإن أخرت ابتوا وكنت قد خرجت مما هم فيه من الجرأة على الله عزوجل وأعلم أن الله لا يضيع أجر المحسنين وأن رحمة الله قريب من المحسنين.

حديث موسى (عليه السلام)

8 - علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن عمرو بن عثمان، عن علي بن عيسى رفعه قال (1): إن موسى (ع) ناجاه الله تبارك وتعالى فقال له في مناجاته:

يا موسى لا يطول في الدنيا أملك فيقسو لذلك قلبك وقاسي القلب مني بعيد.

يا موسى كن كمسرتي فيك (2) فإن مسرتي أن أطاع فلا اعصي، فأمت قلبك بالخشية وكن خلق الثياب (3) جديد القلب تخفى على أهل الارض وتعرف في أهل السماء، حلس البيوت (4) مصباح الليل واقنت بين يدي قنوت الصابرين وصح إلي من كثرة الذنوب صياح المذنب الهارب من عدوه واستعن بي على ذلك فإني نعم العون ونعم المستعان.

يا موسى إني أنا الله فوق العباد والعباد دوني وكل لي داخرون (5) فاتهم نفسك على نفسك ولا تأتمن ولدك على دينك إلا أن يكون ولدك مثلك يحب الصالحين.

____________

(1) كذا مرفوعا، مجهولا، موقوفا.

(2) هذا تشبيه للمبالغة وحاصله: كن على حال أكون مسرورا بفعالك فكانك تكون مسرورا.

(3) الخلق محركة: البالي.

(4) الحلس: بساط يبسط في البيت.

(5) اي صاغرون، عاجزون. (*)

43

يا موسى اغسل واغتسل واقترب من عبادي الصالحين.

يا موسى كن إمامهم في صلاتهم وإمامهم فيما يتشاجرون (1) واحكم بينهم بما أنزلت عليك فقد أنزلته حكما بينا وبرهانا نيرا ونورا ينطق بما كان في الاولين وبما هو كائن في الآخرين.

اوصيك يا موسى وصية الشفيق المشفق بابن البتول عيسى ابن مريم صاحب الاتان والبرنس والزيت والزيتون والمحراب (2) ومن بعده بصاحب الجمل الاحمر الطيب الطاهر المطهر، فمثله في كتابك أنه مؤمن مهيمن (3) على الكتب كلها وأنه راكع ساجد، راغب، راهب، إخوانه المساكين وأنصاره قوم آخرون (4) ويكون في زمانه أزل وزلزال (5) وقتل، وقلة من المال، اسمه أحمد، محمد الامين من الباقين من ثلة الاولين الماضين، يؤمن بالكتب كلها ويصدق جميع المرسلين ويشهد بالاخلاص لجميع النبيين امته مرحومة مباركة ما بقوا في الدين على حقائقه، لهم ساعات مؤقتات يؤدون فيها الصلوات أداء العبد إلى سيده نافلته، فبه فصدق ومنهاجه فاتبع فإنه أخوك.

يا موسى إنه أمي وهو عبد صدق يبارك له فيما وضع يده عليه ويبارك عليه كذلك كان في علمي وكذلك خلقته، وبه أفتح الساعة وبامته أختم مفاتيح الدنيا (6) فمر ظلمة بني إسرائيل أن لا يدرسوا اسمه ولا يخذلوه وإنهم لفاعلون، وحبه لي حسنة، فأنا معه

____________

(1) التشاجر: التنازع والتخاصم.

(2) الاتان بالفتح: الحمارة. والبرنس بالضم: قلنسوة طويلة وكان النساك يلبسونها في صدر الاسلام. والمراد بالزيتون والزيت: التمرة المعروفد ودهنها لانه (عليه السلام) كان ياكلهما او نزلتا له في المائدة من السماء او المراد بالزيتون مسجد دمشق او جبال الشام كما ذكره الفيروزآبادى اي اعطاه الله بلاد الشام. وبالزيت الدهن الذي روى انه كان في بنى اسرائيل وكان غليانها من علامات النبوة. والمحراب لزومه وكثرة العبادة فيه. (آت).

(3) المهيمن هنا: المشاهد والمؤتمن.

(4) اي ليسوا من قومه وعشيرته. (5) الازل: الضيق والشدة.

(6) (به افتح) الباء للملابسة والغرض اتصال امته ودولته ونبوته بقيام الساعة. (آت). (*)

44

وأنا من حزبه (1) وهو من حزبي وحزبهم الغالبون، فتمت كلماتي لاظهرن دينه على الاديان كلها ولاعبدن بكل مكان ولانزلن عليه قرآنا فرقانا شفاءا لما في الصدور من نفث الشيطان فصل عليه يا ابن عمران فإني أصلي عليه وملائكتي.

يا موسى أنت عبدي وأنا إلهك، لا تستذل الحقير الفقير ولا تغبط الغني بشئ يسير وكن عند ذكري خاشعا وعند تلاوته برحمتي طامعا واسمعني لذاذة التوراة بصوت خاشع حزين، اطمئن عند ذكري وذكر بي من يطمئن إلي واعبدني ولا تشرك بي شيئا وتحر مسرتي (2) إني أنا السيد الكبير، إني خلقتك من نطفة من ماء مهين (3)، من طينة أخرجتها من أرض ذليلة ممشوجة (4) فكانت بشرا فأنا صانعها خلقا فتبارك وجهي وتقدس صنيعي (5)، ليس كمثلي شئ وأنا الحي الدائم لا أزول.

يا موسى كن إذا دعوتني خائفا مشفقا وجلا، عفر وجهك لي في التراب واسجد لي بمكارم بدنك واقنت بين يدي في القيام وناجني حين تناجيني بخشية من قلب وجل واحي بتوراتي أيام الحياة وعلم الجهال محامدي وذكرهم آلائي ونعمتي وقل لهم لا يتمادون في غي ماهم فيه، فإن أخذي أليم شديد.

ياموسى إذا انقطع حبلك مني لم يتصل بحبل غيري، فاعبدني وقم بين يدي مقام العبد الحقير الفقير، ذم نفسك فهي أولى بالذم ولا تتطاول بكتابي على بني اسرائيل فكفى بهذا واعظا لقلبك ومنيرا وهو كلام رب العالمين جل وتعالى.

يا موسى متى ما دعوتني ورجوتني فإني سأغفر لك على ماكان منك، السماء تسبح لي وجلا والملائكة من مخافتي مشفقون والارض تسبح لي طمعا وكل الخلق

____________

(1) اي انصره واعينه. (آت).

(2) التحري: الطلب.

(3) المهين: الحقير والقليل والضعيف.

(4) اي مخلوطة من انواع والمراد: اني خليقتك من نطفة واصل تلك النطفة حصل من شخص خلقته من طينة الارض وهو آدم (عليه السلام) واخذت طينته من جميع وجه الارض المشتملة على ألوان وأنواع مختلفة. (آت).

(5) في بعض النسخ (صنعى). (*)

45

يسبحون لي داخرون (1) ثم عليك بالصلاة، الصلاة فإنها مني بمكان ولها عندي عهد وثيق وألحق بها ما هو منها زكاة القربان من طيب المال والطعام فإني لا أقبل إلا الطيب يراد به وجهي.

واقرن مع ذلك صلة الارحام فإني أنا الله الرحمن الرحيم والرحم أنا خلقتها فضلا من رحمتي ليتعاطف بها العباد ولها عندي سلطان في معاد الآخرة وأنا قاطع من قطعها وواصل من وصلها وكذلك أفعل بمن ضيع أمري.

يا موسى أكرم السائل إذا أتاك برد جميل أو إعطاء يسير فإنه يأتيك من ليس بإنس ولا جان، ملائكة الرحمن يبلونك كيف أنت صانع فيما أوليتك وكيف مؤاساتك فيما خولتك (2)؟ واخشع لي بالتضرع واهتف لي بولولة الكتاب (3) واعلم أني أدعوك دعاء السيد مملوكه ليبلغ به شرف المنازل وذلك من فضلي عليك وعلى آبائك الاولين.

يا موسى لا تنسني على كل حال ولا تفرح بكثرة المال فإن نسياني يقسي القلوب ومع كثرة المال كثرة الذنوب، الارض مطيعة والسماء مطيعة والبحار مطيعة وعصياني شقاء الثقلين وانا الرحمن الرحيم، رحمن كل زمان، آتي بالشدة بعد الرخاء وبالرخاء بعد الشدة وبالملوك بعد الملوك وملكي دائم قائم لا يزول ولا يخفى علي شئ في الارض ولا في السماء وكيف يخفى علي ما مني مبتداه وكيف لا يكون همك فيما عندي وإلي ترجع لا محالة.

يا موسى اجعلني حرزك وضع عندى كنزك من الصالحات وخفني ولا تخف غيري إلي المصير.

يا موسى ارحم من هو أسفل منك في الخلق ولا تحسد من هو فوقك فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.

____________

(1) في بعض النسخ (داخرين) وهو حال عن الضمير في يسبحون.

(2) التخويل: التمليك.

(3) الولولة: صوت متتابع بالويل والاستغاثة، ورفع الصوت بالبكاء والصياح. (*)

46

يا موسى إن ابني آدم تواضعا في منزلة لينا لا بها من فضلي ورحمتي فقربا قربانا ولا أقبل إلا من المتقين، فكان من شأنهما ما قد علمت فكيف تثق بالصاحب بعد الاخ والوزير.

يا موسى ضع الكبر ودع الفخر واذكر أنك ساكن القبر فليمنعك ذلك من الشهوات.

يا موسى عجل التوبة وأخر الذنب وتأن في المكث بين يدي في الصلاة ولا ترج غيري، اتخذني جنة للشدائد وحصنا لملمات الامور.

يا موسى كيف تخشع لى خليقة لا تعرف فضلي عليها وكيف تعرف فضلي عليها وهي لا تنظر فيه وكيف تنظر فيه وهي لا تؤمن به وكيف تؤمن به وهي لا ترجو ثوابا وكيف ترجو ثوابا وهي قد قنعت بالدنيا واتخذتها مأوى وركنت إليها ركون الظالمين.

يا موسى نافس في الخير أهله فإن الخير كاسمه ودع الشر لكل مفتون.

يا موسى اجعل لسانك من وراء قلبك تسلم وأكثر ذكري بالليل والنهار تغنم ولا تتبع الخطايا فتندم فإن الخطايا موعدها النار (1).

يا موسى أطب الكلام لاهل الترك للذنوب وكن لهم جليسا واتخذهم لغيبك إخوانا وجد معهم يجدون معك (2).

يا موسى الموت يأتيك لا محالة فتزود زاد من هو على ما يتزود وارد على اليقين.

يا موسى ما أريد به وجهي فكثير قليله وما أريد به غيري فقليل كثيره وإن أصلح أيامك: الذي هو أمامك فانظر أي يوم هو فأعد له الجواب فإنك موقوف ومسؤول وخذ موعظتك من الدهر وأهله فإن الدهر طويله قصير وقصيره طويل وكل شئ فان فاعمل كأنك ترى ثواب عملك لكي يكون أطمع لك في الآخرة لا محالة فإن ما بقي من الدنيا كما ولى منها وكل عامل يعمل على بصيرة ومثال فكن مرتادا لنفسك (3)

يا ابن عمران لعلك تفوز غدا يوم السؤال فهنالك يخسر المبطلون.

يا موسى ألق كفيك ذلا بين يدي كفعل العبد المستصرخ إلى سيده فإنك إذا فعلت ذلك رحمت وأنا أكرم القادرين.

____________

(1) يعني إذا اردت الكلام فابدأ باستعمال قلبك وعقلك.

(2) في بعض النسخ (يجودون معك).

(3) الارتياد: الطلب. (*)

47

يا موسى سلني من فضلي ورحمتي فإنهما بيدي لا يملكهما أحد غيري وانظر حين تسألني كيف رغبتك فيما عندي، لكل عامل جزاء وقد يجزي الكفور بما سعى.

يا موسى طب نفسا عن الدنيا وانطو عنها فإنها ليست لك ولست لها مالك ولدار الظالمين إلا لعامل فيها بالخير فإنها له نعم الدار.

يا موسى ما آمرك به فاسمع ومهما أراه فاصنع، خذ حقائق التوراة إلى صدرك و تيقظ بها في ساعات الليل والنهار ولا تمكن أبناء الدنيا من صدرك فيجعلونه وكرا كوكر الطير (1).

يا موسى أبناء الدنيا وأهلها فتن بعضهم لبعض فكل مزين له ما هو فيه والمؤمن من زينت له الآخرة فهو ينظر إليها ما يفتر، قد حالت شهوتها بينه وبين لذة العيش فادلجته بالاسحار (2) كفعل الراكب السائق إلى غايته يظل كئيبا ويمسى حزينا (3) فطوبى له لو قد كشف الغطاء ماذا يعاين من السرور.

يا موسى الدنيا نطفة (4) ليست بثواب للمؤمن ولا نقمة من فاجر فالويل الطويل لمن باع ثواب معاده بلعقة لم تبق وبلعسة لم تدم (5) وكذلك فكن كما أمرتك وكل أمري رشاد.

____________

(1) الوكر والوكرة: عش الطائر.

(2) الادلاج: السير بالليل وظاهر العبارة انه استعمل هنا متعديا بمعنى التسيير بالليل ولم يات فيما عندنا من كتب اللغة قال الفيروزآبادي: الدلج محركة والدلجة بالضم والفتح:

السير من اول الليل وقد ادلجوا، فان ساروا من آخره فادلجوا بالتشديد انتهى ويمكن ان يكون على الحذف والايصال ان ادلجت الشهوة معه وسيرته بالاسحار كالراكب الذي يسابق قرينه إلى الغاية التي يتسابقان اليها والغاية هنا الجنة والفوز بالكرامة والقرب والحب والوصال او الموت وهو الاظهر. (آت) وقال الفيض رحمه الله: هو كناية عن عبادته واجتهاده.

(3) الكآبة: الغم وسوة الحال والانكسار من الحزن والمعنى انه يكون في نهاره مغموما وفي ليله محزونا لطلب الاخرة ولكن لو كشف الغطاء حتى يرى ماله في الاخرة يحصل له السرور ما لا يخفى. (آت).

(4) النطفة: ما يبقى في الدلو او القربة من الماء، كنى بها عن قلتها. (في). (5) اللعقة: القليل مما يلعق واللعس بالفتح: العض والمراد هنا ما يقطعه باسنانه وفي بعض النسخ (بلعقة لم تبق وبلعة لم تدم). (*)

48

يا موسى إذا رأيت الغنى مقبلا فقل: ذنب عجلت لي عقوبته وإذا رايت الفقر مقبلا فقل: مرحبا بشعار الصالحين ولا تكن جبارا ظلوما ولا تكن للظالمين قرينا.

ياموسى ماعمر وإن طال يذم آخره وماضرك ما زوى عنك إذا حمدت مغبته (1)

يا موسى صرخ الكتاب إليك صرخا بما أنت إليه صائر فكيف ترقد على هذا العيون أم كيف يجد قوم لذة العيش لو لا التمادي في الغفلة والاتباع للشقوة والتتابع للشهوة ومن دون هذا يجزع الصديقون.

يا موسى مر عبادي يدعوني على ماكان بعد أن يقروا لي أني أرحم الراحمين، مجيب المضطرين وأكشف السوء وابدل الزمان وآتي بالرخاء وأشكر اليسير واثيب الكثير وأغني الفقير وأنا الدائم العزيز القدير، فمن لجأ إليك وانضوى إليك (2) من الخاطئين فقل: أهلا وسهلا، يا رحب (3) الفناء بفناء رب العالمين واستغفر لهم وكن لهم كأحدهم ولا تستطل عليهم بما أنا أعطيتك فضله وقل لهم فليسألوني من فضلي ورحمتي فإنه لا يمكلها أحد غيري وأنا ذو الفضل العظيم.

طوبى لك يا موسى كهف الخاطئين وجليس المضطرين ومستغفر للمذنبين، إنك مني بالمكان الرضى فادعني بالقلب النقي واللسان الصادق وكن كما أمرتك أطع أمري ولا تستطل على عبادي بما ليس منك مبتداه وتقرب إلي فإني منك قريب فإني لم أسألك ما يؤذيك ثقله ولحمله إنما سألتك أن تدعوني فأجيبك وأن تسألني فأعطيك وان تتقرب إلي بما مني أخذت تأويله وعلي تمام تنزيله.

يا موسى انظر إلى الارض فإنها عن قريب قبرك وارفع عينك إلى السماء فإن فوقك فيها ملكا عظيما وابك على نفسك ما دمت في الدنيا وتخوف العطب (4) و

____________

(1) زوى عنك اي بعد عنك: والمغبة: العاقبة.

(2) انضوى اليه: انضم، وفي بعض النسخ (وانطوى). (3) الرحب بالضم: السعة. وبالفتح: الواسع. ولعل المراد ان من لجأ اليك يا موسى من عبادي الخاطئين لتستغفر له وتدخل باستشفاعك في زمرة الساكنين في جوار قبولي فلا ترد مسألته فان رحمتي قد سبقت عضبي، فقل له: اهلا وسهلا ومرحبا فانك رحب الفناء بسبب كونك في فناء قبولي ورحمتي الواسعة، فآمنه من سخطي واسكنه باستغفارك وشفاعتك المقبولة في فناء فضلي ومغفرتي.

(كذا وجدته في هامش بعض النسخ المخطوطة) وقد يقرء في بعض نسخ الحديث (بأرحب الفناء) والظاهر هو الاصح.

(4) العطب بالتحريك: الهلاك. (*)

49

المهالك ولا تغرنك زينة الدنيا وزهرتها ولا ترض بالظلم ولا تكن ظالما فإني للظالم رصيد (1) حتى اديل منه المظلوم.

يا موسى إن الحسنة عشرة أضعاف ومن السيئة الواحدة الهلاك، لا تشرك بي، لا يحل لك أن تشرك بي، قارب وسدد (2) وادع دعاء الطامع الراغب فيما عندي، النادم على ما قدمت يداه، فإن سواد الليل يمحوه النهار وكذلك السيئة تمحوها الحسنة وعشوة (3)

الليل تأتي على ضوء النهار وكذلك السيئة تأتي على الحسنة الجليلة فتسودها.

9 - علي بن محمد، عمن ذكره، عن محمد بن الحسين، وحميد بن زياد، عن الحسن ابن محمد الكندي جميعا، عن أحمد بن الحسن الهيثمي، عن رجل من أصحابه قال: قرأت جوابا من أبي عبدالله (ع) إلى رجل من أصحابه، أما بعد فإني اوصيك بتقوى الله، فإن الله قد ضمن لمن اتقاه أن يحوله عما يكره إلى ما يحب ويرزقه من حيث لا يحتسب فإياك أن تكون ممن يخاف على العباد من ذنوبهم ويأمن العقوبة من ذنبه فإن الله عزوجل لا يخدع عن جنته ولاينال ماعنده إلا بطاعته إن شاء الله.

10 - عدة من أصحابنا، عن سهل بن زياد، عن محمد بن سليمان، عن عيثم بن أشيم (4)

عن معاوية بن عمار، عن أبي عبدالله (ع) قال: خرج النبي (صلى الله عليه وآله) ذات يوم وهو مستبشر يضحك سرورا فقال له الناس: أضحك الله سنك يا رسول الله وزادك سرورا فقال:

رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنه ليس من يوم ولا ليلة إلا ولي فيهما تحفة من الله، ألا وإن ربي أتحفني في يومي هذا بتحفة لم يتحفني بمثلها فيما مضى، إن جبرئيل أتاني فأقرأني من ربي السلام وقال: يا محمد إن الله عزوجل اختار من بني هاشم سبعة، لم يخلق مثلهم فيمن مضى ولا يخلق مثلهم فيمن بقي، أنت يا رسول الله سيد النبيين وعلي بن أبي طالب وصيك سيد

____________

(1) اي رقيب، منتظر لجزائه وفي تحف العقول (بمرصد) واديل اي اغلب المظلوم عليه. (آت).

(2) (قارب وسدد) قال في النهاية: وفيه سددوا وقاربوا اي اقتصدوا في الامور كلها واتركوا العلو فيها والتقصير، يقال: قارب فلان في الامور إذا اقتصد. وقال في السين والدال:

فيه: قاربوا وسددوا اي اطلبوا باعمالكم السداد والاستقامة وهو القصد في الامر والعدل فيه. (آت).

(3) عشوة الليل: ظلمته.

(4) في بعض النسخ (عثيم) ولعله الاظهر. (*)