جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام - ج34

- الشيخ محمد حسن النجفي المزيد...
387 /
1

-

2

[تتمة القسم الثالث في الإيقاعات]

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

[كتاب اللعان]

كتاب اللعان مصدر «لاعن» و ربما استعمل جمعا، و هو لغة الطرد و الإبعاد، و شرعا مباهلة بين الزوجين على وجه مخصوص، و لعل الملاعنة هنا لإرادة طرد كل منهما صاحبه و إبعاده عنه، أو تشبيها للعن كل منهما نفسه إن كان كاذبا بلعن كل منهما صاحبه.

و الأصل فيه قوله تعالى (1) «وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ إِلّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهاداتٍ بِاللّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصّادِقِينَ. وَ الْخامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللّهِ عَلَيْهِ إِنْ كانَ مِنَ الْكاذِبِينَ. وَ يَدْرَؤُا عَنْهَا الْعَذابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهاداتٍ بِاللّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكاذِبِينَ. وَ الْخامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللّهِ عَلَيْها إِنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ».

و السبب فيها- مضافا إلى ما يدركه العقل من المصالح في ذلك-

ما عن ابن

____________

(1) سورة النور: 24- الآية 6 الى 9.

3

عباس (1) من أنه لما نزلت «وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ» (2) إلى آخرها قال سعد بن معاذ: يا رسول الله إني لأعلم أنها حق من عند الله تعالى شأنه، و لكن تعجبت أن لو وجدت لكاعا يفخذها لم يكن لي أن أهيجه و لا أحركه حتى آتى بأربعة شهداء، فو الله إني لا آتي بهم حتى يقضي حاجته، فما لبثوا حتى جاء هلال بن أمية فقال: يا رسول الله إني جئت أهلي عشاء فوجدت عندها رجلا يقال له: شريك بن سمحاء فرأيت بعيني و سمعت باذني، فكره النبي (صلى اللّه عليه و آله) ذلك، فقال سعد: الان يضرب النبي هلال بن أمية، و تبطل شهادته في المسلمين، فقال هلال: و الله إني لأرجو أن يجعل الله لي مخرجا فبينما هم كذلك إذ نزل:

«وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ» إلى آخرها (3) فقال رسول الله (صلى اللّه عليه و آله): «أبشر يا هلال، فقد جعل الله لك فرجا و مخرجا».

و روي أن المعرض هو عاصم بن عدي الأنصاري (4) قال: «جعلني الله فداك إن وجد رجل مع امرأته فأخبر جلد ثمانين جلدة و ردت شهادته أبدا و فسق، و إن ضربه بالسيف قتل به، و إن سكت على غيظ إلى أن يجيء بأربعة شهداء فقد قضيت حاجته و مضى، اللهم افتح و فرج و استقبله هلال بن أمية، فأتيا إلى النبي (صلى اللّه عليه و آله) فأخبر عاصم رسول الله (صلى اللّه عليه و آله)، فكلم خوله زوجة هلال، فقالت:

لا أدري الغيرة أدركته أم بخل بالطعام؟ و كان الرجل نزيلهم، فقال هلال: لقد رأيته على بطنها، فنزلت الآية، فلاعن رسول الله (صلى اللّه عليه و آله) بينهما. و قال لها: إن

____________

(1) سنن البيهقي ج 7 ص 394، و تفسير الطبري ج 18 ص 82، و تفسير الرازي ج 6 ص 342- ط عام 1307، و مجمع البيان ج 4 ص 128 ط صيدا مع الاختلاف في الألفاظ في الجميع.

(2) سورة النور: 24- الآية 4.

(3) سورة النور: 24- الآية 6.

(4) تفسير الرازي ج 6 ص 342 ط عام 1307 و مجمع البيان ج 4 ص 128 ط صيدا.

4

كنت ألممت بذنب فاعترفي به فالرجم أهون عليك من غضب الله، فان غضبه هو النار».

و روي (1) «إن عويمر العجلاني رمى زوجته، فقال له رسول الله (صلى اللّه عليه و آله): البينة و إلا حد في ظهرك، فنزلت».

و في طرقنا (2) «إن عباد البصري سأل أبا عبد الله و أنا حاضر كيف يلاعن الرجل المرأة؟ فقال أبو عبد الله (عليه السلام): إن رجلا من المسلمين أتى رسول الله (صلى اللّه عليه و آله) فقال: يا رسول الله أ رأيت لو أن رجلا دخل منزله فوجد مع امرأته رجلا يجامعها ما كان يصنع؟ قال: فأعرض عنه رسول الله (صلى اللّه عليه و آله) و انصرف الرجل، و كان ذلك الرجل هو الذي ابتلى بذلك من امرأته، قال: فنزل الوحي من عند الله تعالى بالحكم فيهما، فأرسل رسول الله (صلى اللّه عليه و آله) إلى ذلك الرجل فدعاه، فقال له: أنت الذي رأيت مع امرأتك رجلا، فقال: نعم فقال له: انطلق فأتني بامرأتك، فإن الله أنزل الحكم فيك و فيها، فأحضرها زوجها فأوقفهما رسول الله (صلى اللّه عليه و آله)، ثم قال للزوج:

اشهد أربع شهادات بالله أنك لمن الصادقين فيما رميتها به، قال: فشهد، ثم قال:

اتق الله فإن لعنة الله شديدة، ثم قال: اشهد الخامسة أن لعنة الله عليك إن كنت من الكاذبين، قال: فشهد، ثم أمر به فنحي، ثم قال للمرأة: اشهدي أربع شهادات بالله أن زوجك لمن الكاذبين فيما رماك به فشهدت، ثم قال لها: أمسكي، فوعظها و قال: اتقي الله فان غضب الله شديد، ثم قال: و اشهدي الخامسة أن غضب الله عليك إن كان زوجك من الصادقين فيما رماك به، فشهدت، قال: ففرق بينهما، و قال لهما: لا تجتمعان بنكاح أبدا بعد ما تلاعنتما»

إلى غير ذلك مما ورد فيها.

و كيف كان ف النظر في أركانه و أحكامه،

[الأركان الأربعة]

و أركانه أربعة.

____________

(1) سنن البيهقي ج 7 ص 393 و فيه

«ان هلال بن أمية قذف امرأته»

. (2) الوسائل- الباب- 1- من كتاب اللعان الحديث 1.

5

[الركن الأول في السبب]

الأول في السبب:

و هو شيئان:

[السبب الأول القذف]

الأول:

القذف كتابا (1) و سنة (2) بل و إجماعا و إن حكي عن الصدوق في الفقيه و الهداية و ظاهر المقنع أنه قال: «لا لعان إلا بنفي الولد، و إذا قذفها و لم ينتف جلد ثمانين جلدة» ل

قول الصادق (عليه السلام) في خبر أبي بصير (3): «لا يكون اللعان إلا بنفي الولد»

لكن في خبر محمد بن مسلم (4) عن أحدهما (عليهما السلام) «لا يكون لعان إلا بنفي ولد، و قال: إذا قذف الرجل امرأته لاعنها»

و من هنا حملهما الشيخ على أنه لا لعان بدون دعوى المشاهدة إلا بالنفي، و لا بأس به بعد معلومية قصورهما عن المعارضة، خصوصا بعد احتمال اضافية الحصر بالنسبة إلى مقتضى المقام، و يكون المراد أنه لا لعان بمجرد الشبهة.

و في وافي الكاشاني في خبر أبي بصير «لعل المراد أنه إذا كانت المرأة حاملا فأقر الزوج بأن الولد منه و مع هذا قذفها بالزنا فلا لعان، و أما إذا لم يكن حمل و إنما قذفها بالزنا مع الدخول و المعاينة فيثبت اللعان، كما دلت عليه الأخبار، و يدل على هذا صريحا حديث محمد عن أحدهما (عليهما السلام) فإنه قد أثبت اللعان بالأمرين» و فيه أنه و غيره مضافا إلى الكتاب يدل على إثباته بالقذف على الإطلاق من دون إشارة إلى ما ذكره من التفصيل الذي يمكن دعوى الإجماع على خلافه.

____________

(1) سورة النور: 24- الآية 6.

(2) الوسائل- الباب- 1- من كتاب اللعان.

(3) الوسائل- الباب- 9- من كتاب اللعان الحديث 2.

(4) الوسائل- الباب- 9- من كتاب اللعان الحديث 1.

6

و كيف كان ف لا يترتب اللعان به أي القذف إلا على رمي الزوجة المحصنة غير المشهورة بالزنا المدخول بها بالزنا قبلا بل أو دبرا عندنا، بل عن الخلاف الإجماع عليه، خلافا لأبي حنيفة فنفاه فيه مع دعوى المشاهدة و عدم البينة.

فلو رمى الأجنبية تعين الحد و لا لعان بلا خلاف أجده فيه، بل الإجماع بقسميه عليه، مضافا إلى إطلاق ما دل على الحد بالقذف كتابا (1) و سنة (2) المقتصر في تقييده باللعان على قذف الزوجة كتابا (3) و سنة (4) و إجماعا بقسميه، مؤيدا ذلك بظهور الحكمة في الفرق بين الزوج و الأجنبي الذي لا داعي له إلى القذف من غيره و نحوها.

و كذا لو قذف الزوجة و لم يدع المشاهدة ل

قول الصادق (عليه السلام) في الصحيح (5) «إذا قذف الرجل امرأته فإنه لا يلاعنها حتى يقول رأيت بين رجليها رجلا يزني بها».

و في مرسل أبان (6) عنه (عليه السلام) أيضا «لا يكون لعان حتى يزعم أن قد عاين»

و في صحيح ابن مسلم (7) «سألته عن الرجل يفتري على امرأته، قال: يجلد ثم يخلى بينهما، و لا يلاعنها حتى يقول: أشهد أني رأيتك تفعلين كذا و كذا»

و في رواية (8) «إذا قال: إنه لم يره قيل له أقم البينة و إلا كان بمنزلة غيره جلد الحد».

بل في كشف اللثام لعله لا خلاف في اشتراط مشاهده أنها تزني، و يتفرع على ذلك سقوط اللعان بقذف الأعمى زوجته، لانتفائها في حقه، و ينحصر لعانه حينئذ بنفي الولد، لكن أشكله في المسالك- بعد اعترافه مكررا باشتراط الأصحاب المعاينة- بإمكان علمه بدون المشاهدة، و اشتراطها لو سلم يمكن حمله على من

____________

(1) سورة النور: 24- الآية 4.

(2) الوسائل- الباب- 2- من أبواب حد القذف من كتاب الحدود.

(3) سورة النور: 24- الآية 6.

(4) الوسائل- الباب- 1 و غيره- من كتاب اللعان.

(5) الوسائل- الباب- 4- من كتاب اللعان الحديث 4.

(6) الوسائل- الباب- 4- من كتاب اللعان الحديث 3.

(7) الوسائل- الباب- 4- من كتاب اللعان الحديث 2.

(8) الوسائل- الباب- 4- من كتاب اللعان الحديث 5.

7

تمكن في حقه، أو على جعله كناية عن العلم بذلك، و أنه لا يكفي الظن المستند إلى القرائن أو الشياع منفردا- إلى أن قال-: و يؤيده عموم قوله تعالى (1) «وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ» ثم أطنب بعد ذلك بما لا حاصل له، بل كأنه اجتهاد في مقابلة النص الذي به يقيد إطلاق الأدلة، لا استبعاد في اعتبار ذلك في خصوص اللعان الذي هو وظيفة شرعية منافية لإطلاق أدلة القذف و إن لم نشرطه في أصل الشهادة و اكتفينا فيها بالعلم، كما لا استبعاد في سقوط اللعان بذلك حينئذ للأعمى بعد إطلاق أدلة الاشتراط.

و لو كان له بينة على ما قذفها به فلا لعان و لا حد كما تسمع تحقيق الحال فيه.

و كذا لو كانت المقذوفة مشهورة بالزنا لأن اللعان إنما شرع صونا لعرضها من الانتهاك، و عرض المشهورة بالزنا منتهك، لكن في كشف اللثام «لم أر من اشترطه من الأصحاب غير المصنف و المحقق» و ظاهره التأمل فيه، و لعله لإطلاق الأدلة، و فيه أنه مبني على اعتبار الإحصان بمعنى العفة في حد القذف الذي شرع لسقوطه اللعان في الزوجين، كما تسمع تحقيقه إنشاء الله في الحدود.

هذا و قد عرفت أنه مما يتفرع على اشتراط المشاهدة سقوط اللعان في حق الأعمى بالقذف إذا قذفها حال عماه لتعذر المشاهدة منه حينئذ و إنما يثبت في حقه اللعان بنفي الولد و عرفت إشكال ثاني الشهيدين فيه و الجواب عنه.

و لو كان للقاذف بينة و عدل إلى اللعان قال في الخلاف و تبعه الفاضل في المختلف يصح لإطلاق النصوص (2) الذي لا يقيده مفهوم الحال في

____________

(1) سورة النور: 24- الآية 6.

(2) الوسائل- الباب- 1 و غيره- من كتاب اللعان.

8

الآية (1) الخارج مخرج الغالب، مؤيدا بما وقع من النبي (صلى اللّه عليه و آله) (2) من الملاعنة من دون أن يسأل عن البينة.

و منع في المبسوط و تبعه يحيى بن سعيد في المحكي من جامعه و الفاضل في قواعده التفاتا إلى اشتراط عدم البينة في الآية و هو الأشبه بأصول المذهب و قواعده التي منها الاقتصار فيما خالف إطلاق أدلة القذف على المتيقن، على أن اللعان حجة ضعيفة و البينة حجة قوية، فلا يعدل إلى الضعيف مع وجود القوي، بل ظاهر النصوص (3) أن أصل مشروعية اللعان لعدم تيسر البينة، و إطلاق النصوص لا وثوق به بعد أن كان محتملا لإرادة ما في الآية خارجا مخرج الغالب، كما اعترف به الخصم في رفع دلالة القيد، و عدم سؤال النبي (صلى اللّه عليه و آله) لعله لعلمه بالحال، بل في الخبر قرائن دالة على عدم البينة، على أنه من قضايا الأحوال، لا من ترك الاستفصال عقيب السؤال.

و لو قذفها بزنا إضافة إلى ما قبل النكاح فقد وجب الحد، و هل له إسقاطه باللعان كما لو أطلق أو إضافة إلى زمان الزوجية؟ قال في الخلاف: ليس له اللعان اعتبارا بحالة الزنا الذي رماها به في حال لم يشرع له اللعان فيه، فيبقى عموم «وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ» (4) شاملا له سالما عن معارضة دليل اللعان، لأنه لا يقال: قذف زوجته، كما أن من قذف مسلما بالزنا حال كفره لا يقال:

إنه قذف مسلما.

و قال في المبسوط: له ذلك اعتبارا بحالة القذف الذي لا ريب في صدوره منه في حال الزوجية و هو أشبه بأصول المذهب و قواعده، لإطلاق أدلة اللعان كتابا و سنة الذي لا يقيده سبب النزول، بل هو كذلك، سواء قلنا باعتبار بقاء مبدأ الاشتقاق في صدق المشتق و عدمه، فإنه إنما اعتبر فيها بعد تسليم اعتبار البقاء

____________

(1) سورة النور: 24- الآية 6.

(2) الوسائل- الباب- 1- من كتاب اللعان الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 1- من كتاب اللعان.

(4) سورة النور: 24- الآية 4.

9

كون الرمي حين الزوجية لا الرمي بما وقع حينها، و كأن التعليل أولا باعتبار حالة الزنا نشأ من توهم ذلك، فحكم بنفي صدق أنه قذف زوجته، فأخرجه من آية اللعان و أدخله في آية القذف، لكنه كما ترى، ضرورة صدق رمي الزوجة و قذفها، فيدخل في آية اللعان حينئذ.

و لا يجوز للزوج فضلا عن الأجنبي عندنا قذفها مع الشبهة و لا مع غلبة الظن أو أخبره الثقة أو شاع إن فلانا زنى بها و لا غير ذلك من صفات الولد و نحوه، لأن عرض المؤمن كدمه، بل في كشف اللثام في حسن الحلبي (1) عن الصادق (عليه السلام) «أنه نهى عن قذف من كان على غير الإسلام إلا أن يكون اطلعت على ذلك منه»

و في الصحيح عن عبد الله بن سنان (2) «أنه نهى عن قذف من ليس على الإسلام إلا أن يطلع على ذلك منهم، و قال: أيسر ما يكون أن يكون قد كذب»

إلا أنهما كما ترى ظاهران في جواز قذف غير المسلم مع الصدق، و ربما يؤيده ما وقع من الأئمة (عليهم السلام) في قذف بعض الناس (3) خصوصا في مشاجرة الحسن (عليه السلام) مع معاوية لعنه الله و أصحابه بناء على أنهم غير مسلمين أو بحكم غير المسلمين.

و على كل حال فلا يجوز قذف الزوجة بالأمور المزبورة خلافا لبعض العامة، فجوز للزوج قذفها للأجنبي بجميع ذلك، لكنه كما ترى، بل لا يجوز قذفها للأجنبي مع اليقين إذا لم تكن بينة، نعم جاز له ذلك للزوج خاصة و شرع له الشارع التخلص عن الحد باللعان، و لا يجب عليه مع عدم الولد، للأصل، بل لعل الستر عليها و مفارقتها بغير اللعان أولى، بل لا يحرم عليه إمساكها أيضا، للأصل و للمرسل (4) «إن رجلا أتى رسول الله (صلى اللّه عليه و آله) و سلم فقال له: إن له

____________

(1) الوسائل- الباب- 1- من أبواب حد القذف الحديث 2 من كتاب الحدود.

(2) الوسائل- الباب- 1- من أبواب حد القذف الحديث 1 من كتاب الحدود.

(3) البحار ج 44 ص 80 و 82 و 83.

(4) المستدرك الباب- 12- من أبواب ما يحرم بالمصاهرة الحديث 2 و 7.

10

امرأة لا ترد يد لامس فقال (صلى اللّه عليه و آله): طلقها، قال: إني أحبها، قال: فأمسكها».

نعم إذا كان هناك ولد يتيقن أنه ليس منه يجب عليه نفيه منه، لأن ترك النفي يتضمن الاستلحاق، و لا يجوز له استلحاق من ليس منه، كما لا يجوز نفي من هو منه،

و في النبوي (1) «أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم فليست من الله في شيء»

و من المعلوم أن الرجل بمعناها.

و إذا قذف في العدة الرجعية إضافة إلى زمان الزوجية أو زمان العدة كان له اللعان كما له الإيلاء و الظهار، لأنها بحكم الزوجة، بل لا يتوقف على رجوعه، بل يصح في الحال، و يترتب عليه أحكامه بخلافهما، لأن مدار اللعان على الفراش و لحوق النسب، و الرجعية في ذلك كالمنكوحة و في التأخير خطر بالموت.

نعم ليس له ذلك في البائن و لا في الرجعية بعد العدة بل يثبت بالقذف الحد و لو أضافه إلى زمان الزوجية لأنها أجنبية حينئذ و قد عرفت أن العبرة بزمان القذف، خلافا لبعض العامة، فأثبته مع الإضافة إلى زمانها، أما نفي الولد فله اللعان له و لو في حال الطلاق البائن، كما ستعرف. و لو قذف ثم أبانها كان له اللعان، لصدق رمي الزوجة.

و لو قالت: «رميتني قبل أن تتزوجني فعليك الحد» فقال: «بل بعده فلي اللعان» أو قالت: «قذفتني بعد أن بنت منك» فقال: «بل قبله» فالقول قوله، لأن القذف فعله، و لأن القول قوله في أصله فكذا في وقته، مضافا إلى درء الحد بالشبهة، نعم لو قالت الأجنبية: «قذفتني» فقال: «كانت زوجتي» فأنكرت الزوجية أصلا قدم قولها، للأصل.

و لو قذفها بالسحق لم يثبت اللعان بلا خلاف و لا إشكال، لظهور أدلته في كونه بالزنا و نفي الولد و حينئذ فلا لعان فيه و لو ادعى المشاهدة و لكن

____________

(1) المستدرك الباب- 9- من كتاب اللعان الحديث 5 و سنن البيهقي ج 7 ص 403.

11

يثبت الحد به في أحد القولين، لأنه قذف بفاحشة، و قد يشكل بأن دليل القذف ظاهر في الزنا و اللواط أيضا، و الأصل البراءة، فهو حينئذ كالقذف بإتيان البهائم إنما فيه التعزير، و من هنا كان المحكي عن أبي الصلاح و الفاضل في المختلف التعزير خاصة، بل لعله مقتضى حصر المصنف موجب الحد به في الحدود بالرمي بالزنا و اللواط، كما ستسمع تحقيق الحال فيه إنشاء الله.

و لو قذف زوجته المجنونة في حال إفاقتها ثبت الحد لإطلاق الأدلة و لكن لا يقام عليه إلا بعد المطالبة منها في حال صحتها فإن أفاقت و طالبت به صح اللعان منه لإسقاطه و ليس لوليها المطالبة بالحد ما دامت حية لأن طريق إسقاطه من جانب الزوج بالملاعنة التي لا تصح من الولي، نعم لو كانت مجنونة و لم تستوف الحد كان لوارثها المطالبة به، لأنه من حقوق الآدميين، كذا ذكروا ذلك، و هو إن كان إجماعا فذاك و إلا أشكل ذلك بعموم ولاية الولي، و بأنه لا دليل على اعتبار الملاعنة، بل مقتضى الآية (1) أنه لا مدخلية للعان الرجل في نفي حد القذف عنه بلعان المرأة الذي هو لسقوط العذاب عنها، و حينئذ يتجه اللعان منه لإسقاط الحد عنه و إن تعذر اللعان منها بجنون أو موت أو نحو ذلك، فتأمل جيدا، فاني لم أجده محررا و إن ترتب عليه أحكام كثيرة.

و لو أضافه إلى حال جنونها فلا حد لعدم القذف بالزنا المحرم، و كذا لو كانت المقذوفة عاقلة حال القذف و لكن أضافه إلى حال جنونها و كان لها حالة جنون معلومة، بل في المسالك أو محتملة، إلا أنه يعزر للإيذاء، أما إذا علم استقامة عقلها و ليس لها حالة جنون فعن ظاهر الأكثر ثبوت الحد، لإطلاق الأدلة.

لكن في المسالك تبعا للفاضل في القواعد «يحتمل العدم، لأنه نسبها إلى الزنا في تلك الحال، و إذا علم انتفاؤها لم تكن زانية، فيكون ما أتى به لغوا من

____________

(1) سورة النور: 24- الآية 6 و 7.

12

الكلام و محالا، فأشبه ما إذا قال: زنيت و أنت رتقاء» و فيه أن العلم بالانتفاء لا يقتضي انتفاء ما رماها به من الزنا، بل أقصاه الكذب في وصفها بالحال المزبور، و لعل من ذلك ما لو قال: «زنيت و أنت مشركة» و لم يعهد منها حالة إشراك، و حينئذ فلو قالت: «ما كنت مشركة و لا مجنونة» كان القول قولها، لأصالة الإسلام و العقل، و يحتمل قوله، لأصل البراءة، و الله العالم.

و كذا ليس للمولى مطالبة زوج أمته و لا الأجنبي بالتعزير في قذفها ما دامت حية، لأن الحق لها، و للزوج طريق لإسقاطه باللعان الذي لا يحصل من الولي فإن ماتت قال الشيخ: له المطالبة، و هو حسن و إن كان المملوك لا يورث، لكن ذلك مبني على عدم ملكه، أما ما كان له فأدلة الإرث تشمله، على أن من المعلوم أحقية السيد بذلك بعد استصحاب عدم سقوطه.

و لو نسبها إلى زنا مستكرهة عليه أو مشتبه عليها أو نائمة فليس قذفا و إن استشكل فيه الفاضل في القواعد لأنه إنما نسبها لأمر لا لوم عليه و لا إثم فيه، بل ليس زنا في عرف الشرع، بل عن الشيخ التردد في أصل التعزير و إن كان الأظهر ذلك، للعار و الإيذاء. و على كل حال فلا لعان إلا لنفي الولد، بل جزم به الفاضل و إن استشكل في كونه قذفا، و لعله مما قيل من كون اللعان على خلاف الأصل، و المتبادر من الرمي بالزنا الرمي بما لم يكن عن إكراه، فيقتصر عليه، و لأنه الذي يوجب الانتقام منها، و إن كان هو كما ترى.

و لو قذف نسوة بلفظ واحد تعدد اللعان، لأنه يمين و اليمين لا تتداخل في حق الجماعة و لو مع رضاهن بلا خلاف، فان تراضين بمن يبدأ بلعانها و إلا أقرع أو بدأ الحاكم بمن شاء.

13

[السبب الثاني إنكار الولد]

السبب الثاني:

إنكار الولد بلا خلاف أجده فيه نصا (1) و فتوى، بل قد عرفت حصر اللعان به في النصوص (2) السابقة و لكن لا يثبت اللعان بإنكار الولد حتى تضعه تاما لستة أشهر فصاعدا من حين احتمال وطئها ما لم يتجاوز حملها أقصى مدة الحمل و تكون مع ذلك موطوءة بالعقد الدائم، و حينئذ ف لو علم أنه ولدته تاما لأقل من ستة أشهر لم يلحق به قطعا و انتفى بغير لعان نعم لو ولدته ناقصا اعتبر إمكان لحوقه به عادة، و يختلف ذلك باختلاف حالاته.

و تظهر الفائدة في انقضاء عدتها بوضعه لو كان قد طلقها ثم أتت به في العدة و لم يلاعن فيها، فإنه يثبت نسبه مع إمكانه، و تبين بوضعه، و قد تقدم في الطلاق ما يدل على معرفة وقت الإمكان، و لعله لذا قيد المصنف و غيره بالتمام، فإنه الذي يعلم نفيه عنه، و كذا لو علم أنه قد جاءت به بعد مضى أقصى الحمل من الوطء المحتمل لذي الفراش و كان المصنف ترك التصريح به اتكالا على ما ذكره أولا و على ذكر الأقل، ضرورة معلومية كونه لغيره شرعا فيهما معا، فلا يحتاج نفيه إلى لعان، بل لو أريد إلحاقه به لم يتمكن من ذلك مع فرض العلم بعدم مقاربته لها قبل النكاح شبهة، و قد أطنب في المسالك في الفرق بين صورة الوضع للأقل و الأقصى، بل ادعي أن في عبارات الأصحاب قصورا في تأدية الحكم المزبور، لكنه عند التأمل لا حاصل له، و لا قصور في عبارات الأصحاب بعد معلومية كون المراد لهم أنه علم وضعها للولد للأقل أو بعد الأقصى، كما هو واضح.

و على كل حال فلو تزوج الشرقي بغربية و أتت بولد لستة أشهر من العقد لم يلحق به، لعدم الإمكان عادة، و لا لعان لنفيه، خلافا لبعض العامة حيث اكتفى

____________

(1) الوسائل- الباب- 9- من كتاب اللعان.

(2) الوسائل- الباب- 9- من كتاب اللعان.

14

في الإلحاق بالعقد و قدرته على الوطء و إن لم يكن عادة، و فرع عليه مسائل (منها) هذه المسألة، و (منها) أنه إذ تزوج بامرأة بحضرة القاضي و طلقها في الحال ثم أتت بولد لستة أشهر من العقد لحق به، و لم ينتف إلا باللعان، و (منها) أنه إذا غاب عنها زوجها و انقطع خبره، فقيل لها: إنه مات فاعتدت ثم تزوجت فأولدها الزوج الثاني أولادا ثم عاد الأول، فالأولاد لاحقون به، و لا شيء للثاني، بل عن بعض العامة الذين وافقونا في اعتبار إمكان الوطء أنه قال: «إذا مضى زمان يمكن فيه قطع ما بين الزوجين من المسافة ثم مضى أقل زمان الحمل فإنه يلحق به و إن علم أن أحدا من الزوجين لم يبرح إلى الآخر».

و لا يخفى عليك وضوح فساد ذلك كله، بل منه فشا الزنا في نسائهم و لحوق أولاد غير الأزواج بهم، و ازدادت ولادتهم خبثا إلى خبث.

و كيف كان فقد ظهر لك أن موضوع اللعان إمكان لحوق الولد به في الظاهر لولا اللعان و إن علم هو انتفاءه عنه، و إلا فمع فرض الإمكان عنده و لو بعد لا يجوز له نفيه، لأن الولد للفراش شرعا مع إمكانه، و في النبوي (1) «أيما رجل جحد ولده و هو ينظر إليه احتجب الله منه، و فضحه على رؤوس الخلائق»

نعم يجب عليه نفيه مع علمه بعدم تكونه منه و لو باللعان إذا كان الظاهر لحوقه به، هذا كله مع العلم بالحال.

أما لو اختلفا بعد الدخول في زمان الحمل تلاعنا إذا كان مقتضى قول الزوج نفي الولد لوضعها له تاما دون الستة أشهر على دعواه أو بعد أقصى الحمل لاشتباه حال الصادق منهما، فكان الانتساب إليه ممكنا، و قد ولد على فراشه، فلا ينتفي إلا باللعان، و أصالة تأخر الحادث و نحوها لا تنقح خروجه عن الولادة على الفراش، و من هنا أثبت من تعرض لذلك اللعان في الفرض، و لم يلحظ شيئا مما تقتضيه الأصول في هذه الدعوى.

____________

(1) المستدرك الباب- 9- من كتاب اللعان الحديث 5 و سنن البيهقي ج 7 ص 403.

15

و مما تقدم ظهر لك أنه لا يلحق الولد ظاهرا حتى يكون الوطء الذي يحصل التولد منه ممكنا في العادة و الزوج قادرا عليه فيها فلو دخل الصبي لدون تسع فولدت لم يلحق به لعدم وقوع مثله في العادة، كالموضوع تاما لدون الستة أشهر و إن كانا داخلين تحت قدرة الله تعالى شأنه نعم لو كان له عشر سنين كاملة لحق به الولد لإمكان البلوغ في حقه و لو نادرا، بل ربما قيل بالاكتفاء بالطعن فيها و لو ساعة واحدة، بل في كشف اللثام نسبته إلى ظاهر المتن و المبسوط و التحرير و إن كان هو كما ترى.

و على كل حال ف لو أنكر الولد لم يلاعن إذ لا حكم للعانه لأن الفرض كونه صبيا غير بالغ، و إلحاق الولد به لاحتمال بلوغه لا يقتضي ثبوت بلوغه، نعم لو قال: أنا بالغ بالاحتلام فله اللعان بناء على أن ذلك مما يرجع فيه إليه، لأنه لا يعلم إلا من قبله، و الفرض إمكان الزمان، أما مع عدم قوله فالأصل عدم بلوغه و إن حكمنا ظاهرا بلحوق الولد به للاحتمال.

و لا استبعاد في الحكم بلحوق الولد به دون الحكم بالبلوغ و إن كان اللعان إنما هو لنفي هذا الولد، و إذا لم يكن بالغا لم يحتج إلى اللعان في نفيه و إلا صح، لأن لزوم البلوغ لتكون الولد منه في الواقع لا يقتضي الحكم به، كما أن كون اللعان لنفيه لا يقتضي التساوي بينه و بين إلحاق الولد، لأن اللعان مشروط بالبلوغ اتفاقا و إلحاق الولد يكفي فيه أدنى إمكان البلوغ، فيعطي كل منهما حكمه في الحكم الظاهري و إن تنافيا في اللوازم التي هي للواقع دون الحكم في الظاهر الذي هو ليس إثبات الموضوع واقعا على وجه يتحقق لازمه معه، و مثل هذا كثير في الفقه، خصوصا في العمل بالأصول، و بالاحتياط الذي منه ما سمعته في زوجة المفقود التي يطلقها الحاكم بعد طلبه لاحتمال حياته و تعتد عدة الوفاة لاحتمال موته.

و حينئذ يؤخر اللعان حتى يبلغ و يرشد بأن يوثق بعقله و تمييزه

16

كما ستعرف من اشتراطهما في الملاعن.

و لو مات قبل البلوغ أو بعده و لم ينكره الحق به و ورثته الزوجة و الولد و لا عبرة بالإنكار المتقدم قبل البلوغ، و لو أنكره بعد البلوغ لم ينتف عنه إلا باللعان كغيره ممن حكم بلحوقه لولا اللعان، كما هو واضح.

و لو وطأ الزوج دبرا فحملت الحق به بلا خلاف أجده فيه كما اعترف به في كشف اللثام، بل في المسالك ظاهرهم الاتفاق على ذلك، و لعله لإمكان استرسال المني في الفرج من غير شعور به و إن كان الوطء في غيره بل عن بعضهم التصريح بأنه كذلك و إن عزل كما لو وطأ في الفرج، خلافا لبعض فاشترط عدم العزل، لكون العلوق مع ذلك في غاية البعد، لأن الذي يحتمل معه سبقه من المني في غاية القلة، و فيه أن الإمكان حاصل و إن كان مع العزل أبعد، و تعليل المصنف و غيره بذلك لا يقتضي اعتبار عدم العزل، لما عرفت من أن الإمكان المزبور حاصل على التقديرين، فلا فرق حينئذ بين الوطء في الفرج أو في الدبر مع العزل و بدونه في الحكم باللحوق مع احتمال سبق المني من غير شعور. و بذلك يظهر لك النظر فيما أطنب به في المسالك، فلاحظ و تأمل.

و لا يلحق ولد الخصي الذي لا ينزل في الظاهر المجبوب الذي قطع ذكره و أنثياه، للعادة في عدم التولد من مثله لعدم الإيلاج و الانزال، لكن على تردد من ذلك و من عدم العلم لنا بما يكون التكون منه في الواقع، فيمكن حصوله من المساحقة، و لا عادة مستقرة في ذلك، فإنه لو فرض خصي مجبوب كانت له زوجة فساحقها فحملت لا يمكن القطع عادة بكونه من غيره، لعدم انكشاف أمر التكون لنا.

و من هنا قال المصنف و غيره: إنه يلحق ولد الخصي الذي هو يلج و لا ينزل أو المجبوب الذي قطع ذكره و أنثياه و لكن ينزل بهما و لا ينتفى ولد أحدهما إلا باللعان تنزيلا على الاحتمال و إن بعد إذ لا يخفى عليك

17

حصول الاحتمال أيضا في الخصي المجبوب و إن كان هو أبعد من كل واحد منهما، بل لعل التأمل في ذلك و غيره يقتضي الاكتفاء بالاحتمال و إن لم يتحقق الإمكان، فهو أزيد من قاعدة ما أمكن في الحيض، بناء على اعتبار تحقق الإمكان فيها، و لعله لظاهر

قوله (صلى اللّه عليه و آله) (1): «الولد للفراش»

الشامل للمفروض و غيره، بل قد سمعت توسع العامة فيه، فألحقوا به الولد و إن علم عدم مباشرة منه للزوجة اتكالا على قدرته تعالى شأنه، و إن كان هو واضح الفساد، ضرورة ظهوره في كونه له مع احتمال أنه منه و إن كان بعيدا.

و إذا كان الزوج حاضرا وقت الولادة و لم ينكر الولد مع ارتفاع الأعذار فعن المبسوط بل المشهور كما في المسالك أنه لم يكن له إنكاره بعد ذلك إلا أن يؤخر بما جرت العادة به كالسعي إلى الحاكم لأن الحق له على الفور، إذ هو كخيار الرد بالعيب و الغبن مثلا في الثبوت لدفع الضرر المقتصر فيه على مقدار ما يرتفع به الضرر و هو الفور، مؤيدا ذلك بأن الولد إذا كان منفيا عنه وجب الفور بإظهار نفيه حذرا من لحوق من ليس منه به، و عوارض التأخير من الموت فجأة و نحوه كثيرة، فتختلط الأنساب، و بأنه لولا اعتبار الفور لأدى إلى عدم استقرار الأنساب، و ذلك ضرر يجب التحرز عنه.

و الجميع كما ترى، ضرورة عدم صلاحية شيء من ذلك لتقييد إطلاق ما دل (2) على ثبوت حق النفي له المستصحب ذلك له مع التراخي، و الرد بالعيب و الغبن مع تسليم الفورية فيه إنما هو لقاعدة الاقتصار على المتيقن في تخصيص اللزوم المستفاد من «أَوْفُوا» (3) و نحوه مما لا يجري في المقام، مؤيدا ذلك بأن أمر النسب خطير، و قد ورد النهي (4) عن استلحاق من ليس منه، و ربما احتاج

____________

(1) الوسائل- الباب- 9- من كتاب اللعان الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 9- من كتاب اللعان.

(3) سورة المائدة: 5- الآية 1.

(4) سنن البيهقي ج 7 ص 403 و كنز العمال ج 3 ص 225 و 226.

18

ذلك إلى نظر و مهلة.

نعم لو أقر بالولد لزمه الولد للنصوص (1) و لقاعدة إقرار العقلاء، بل لم ينتف عنه بعد بنفيه بلا خلاف أجده فيه، بل في القواعد الإجماع عليه، لعدم سماع الإنكار بعد الإقرار حتى لو لاعن، لما سمعت من النصوص (2) و قاعدة إقرار العقلاء التي لا يعارضها دليل اللعان الوارد على قاعدة الفراش، نعم إن لم يكن إجماعا أمكن المناقشة- فيما لو علم أن منشأ إقراره الأخذ بظاهر قاعدة الفراش- بأنه لا يزيد حينئذ حكم قاعدة الإقرار على قاعدة الفراش التي ثبت اللعان لنفي مقتضاها، فتأمل جيدا.

و لعله لذلك كله و غيره قال المصنف و لو قيل له إنكاره ما لم يعترف به كان حسنا و تبعه عليه الفاضل، بل ينبغي الجزم بذلك في نحو مفروض المسألة الذي يمكن عدم منافاة الفورية فيه بفرض عدم حصول ما يقتضي نفيه له حال الولادة، إذ المراد بالفور عند من اعتبره هو سقوط حقه مع التراخي إذا كان سبب النفي حاصلا له و مع ذلك تراخى في نفيه.

على أنه لم يظهر لنا مراد القائل بالفورية هل هو وجوب إنشاء النفي عند حصول مقتضية له أو وجوب إظهاره عند الحاكم؟ و إن كان ظاهر ما ذكروه من الفروع الثاني، لكن هو كما ترى.

بل ملاحظة ما ذكره في المسالك و غيره منها يقتضي كونها من فروع العامة المبتنية على القياس و الاستحسان، قال فيها: «و إن كان معذورا بأن لم يجد الحاكم، أو تعذر الوصول إليه، أو بلغه الخبر ليلا فأخر حتى يصبح، أو حضرته الصلاة فقدمها، أو أحرز مالا له أولا أو كان جائعا أو عاريا فأكل أو لبس أولا، أو كان مريضا أو محبوسا أو ممرضا لم يبطل حقه، و هل يجب عليه الاشهاد على النفي؟ وجهان، و قد سبق له نظائر كثيرة، و لو أمكن المريض أو الممرض أن يرسل إلى الحاكم و يعلمه بالحال أو يستدعي منه أن يبعث إليه نائبا من عنده فلم يفعل بطل حقه، لأن

____________

(1) الوسائل- الباب- 6- من أبواب ميراث ولد الملاعنة من كتاب المواريث.

(2) الوسائل- الباب- 6- من أبواب ميراث ولد الملاعنة من كتاب المواريث.

19

مثل هذا متيسر له، و مثله ملازمة غريمه و من يلازمه غريمه، و أما الغائب فإن كان في الموضع الذي غاب إليه قاض و نفى الولد عند وصول خبره إليه عنده فذاك، و إن أراد التأخير إلى أن يرجع إلى بلده ففي جوازه وجهان، من منافاة الفورية اختيارا، و من أن للتأخير غرضا ظاهرا، و هو الانتقام منها باشتهار خبرها في بلدها و قومها، و حينئذ فان لم يمكنه المسير في الحال لخوف الطريق و نحوه فينبغي له أن يشهد، و إن أمكن فليأخذ في السير، فإن أخر بطل حقه، و إن لم يكن هناك قاض فالحكم كما لو كان و أراد التأخير إلى بلده و جوزناه» إذ ذلك كله كما ترى لا يوافق أصولنا خصوصا بعد أن لم يكن في شيء مما وصل إلينا من الأدلة جعل العذر و الغرض عنوانا للحكم حتى يرجع إلى مصداقهما عرفا.

و كيف كان ف لو أمسك عن نفي الحمل حتى وضعت جاز له نفيه بعد الوضع على القولين، لاحتمال أن يكون التوقف لتردده بين أن يكون حملا أو ريحا فلا يكون سكوته منافيا للفور، و لو قال: عرفت أنه حمل (ولد خ ل) و لكن أخرت طمعا في أن تجهض فلا احتاج إلى كشف الأمر و رفع الستر ففي المسالك «فيه وجهان: أحدهما أنه يبطل حقه، لتأخير النفي مع القدرة عليه و معرفة الولد، فصار كما لو سكت عن نفيه بعد انفصاله طمعا أن يموت، و الثاني أن له النفي، لأن مثل هذا عذر واضح في العرف، و لأن الحمل لا يتيقن صرفا، فلا أثر لقوله: عرفت أنه ولد» بل فيها «أن هذا لا يخلو من قوة» مع أنه كما ترى.

ثم قال: «و من الأعذار ما لو أخر و قال: إنى لم أعلم أنها ولدت و كان غائبا أو حاضرا بحيث يمكن ذلك في حقه، و يختلف ذلك بكونه في محلة أخرى أو في محلتها أو في دارها أو في دارين، و لو قال: أخبرت بالولادة و لكن لم اصدق الخبر نظر، إن أخبره فاسق أو صبي صدق بيمينه و عذر، و إن أخبره عدلان لم يعذر، لأنهما مصدقان شرعا، و إن أخبره عدل حر أو عبد ذكر أو أنثى ففيه

20

وجهان: أحدهما أنه يصدق و يعذر، و لأنه أخبره (1) من لا يثبت بشهادته الحق، و الثاني أنه لا يصدق و يسقط حقه، لأن روايته مقبولة، و هذا سبيله سبيل الاخبار، و لو قال: عرفت الولادة و لم أكن أعلم أن لي حق النفي فإن كان ممن لا يخفى عليه ذلك عادة لم يقبل، و إن أمكن بأن كان حديث العهد بالإسلام أو ناشئا في بادية بعيدة عن أهل الشرع قبل، و إن كان من العوام الناشئين في بلاد الإسلام فوجهان:

أجودهما القبول بيمينه مع إمكان صدقه» و لكن لا يخفى عليك ما في الجميع بعد الإحاطة بما ذكرناه.

و لو أقر بالولد صريحا أو فحوى لم يكن له إنكاره بعد ذلك لما عرفت من قاعدة عدم سماع الإنكار بعد الإقرار الصادق عرفا على الصريح و غيره مثل أن يبشر به فيجيب بما يقتضي الرضا، كأن يقال: بارك الله لك في مولودك فيقول: آمين أو إنشاء الله تعالى، أما لو أجاب بما لا يتضمن الإقرار بأن قال مجيبا: بارك الله لك أو أحسن الله إليك أو رزقك مثله لم يكن إقرارا و لم يبطل حقه من النفي، خلافا لبعض العامة، فجعله إقرارا، و ضعفه واضح.

و إذا طلق الرجل و أنكر الدخول فادعته و ادعت أنها حامل منه ف عن الشيخ في النهاية إن أقامت بينة أنه أرخى سترا عليها لاعنها و حرمت عليه، و عليه المهر كملا و إن لم تقم بينة كان عليه نصف المهر و لا لعان، و عليها مأة سوط ل

صحيح على بن جعفر (2) «سألته (عليه السلام) عن رجل طلق امرأته قبل أن يدخل بها فادعت أنها حامل، قال: إن أقامت البينة على أنه أرخى سترا ثم أنكر الولد لاعنها، ثم بانت منه، و عليه المهر كملا»

مؤيدا بالظاهر.

لكنه كما ترى لا دلالة فيه على ذكر المأة سوط، بل لا وجه له، ضرورة عدم ثبوت حد عليها، فإن إنكار الولد منه و إن انتفى عنه بدون لعان لا يقتضي زناها و اعترافها بالوطء و الحمل منه الذي كان القول قوله في نفيهما للأصل لا يوجب حدا

____________

(1) في المسالك «أحدهما أنه يصدق و يعذر لأنه أخبره» بدون «و».

(2) الوسائل- الباب- 2- من كتاب اللعان الحديث 1.

21

عليها، لأنه أعم، و لا يلزم من انتفاء السبب الخاص المحلل انتفاء غيره من الأسباب و إن لم تدعه لا أقل من أن يكون دعواها ذلك يوجب شبهة يسقط بمثلها الحد، و عدم ثبوت دعواها شرعا لا يحقق وصف الزنا قطعا، إلا أن ذلك لا يقتضي سقوط الخبر المزبور الدال بمنطوقه و مفهومه على الأحكام المزبورة التي يدل على بعضها الأصل، نعم هو من جملة نصوص الخلوة (1) المقتضية للحكم بالدخول بالنسبة إلى تمام المهر و الملاعنة، و قد عرفت البحث في ذلك مفصلا في كتاب النكاح و أنه لا يقتضي الحكم بالدخول بالنسبة إلى تمام المهر، فضلا عن غيره من الأحكام المترتبة على الدخول.

و من هنا قيل و القائل ابن إدريس، لا يثبت اللعان ما لم يثبت الدخول بالبينة أو الإقرار و هو الوطء، و لا يكفي في إثباته إرخاء الستر حينئذ و لا يتوجه عليه الحد لأنه لم يقذف فإن إنكار الولد أعم من ذلك و لا أنكر ولدا يلزمه الإقرار به حتى يصح اللعان منه، و وجهه في المسالك بعدم ثبوت الوطء الذي به يتحقق الفراش المقتضي للحوق الولد به.

و لعل هذا أشبه بأصول المذهب و قواعده التي منها أصالة عدم الدخول بناء على كونه شرطا في اللعان التي لا يعارضها نصوص الخلوة (2) كما سمعت الكلام فيه مفصلا في كتابه.

نعم قد يقال- إن لم يكن إجماع على خلافه-: بلحوق الولد به لاحتمال الوطء بناء على أنه يكفي في الفراش في الزوجة تحقق الزوجية و احتمال الوطء و لكن لا يشرع اللعان في نفيه بناء على اعتبار تحقيق الدخول فيه، و لا تنافي بين الحكمين بعد اقتضاء دليلهما ذلك، و دعوى أن لحوق الولد به يتوقف أيضا على

____________

(1) الوسائل- الباب- 55- من أبواب المهور الحديث 3 و 4 من كتاب النكاح.

(2) الوسائل- الباب- 55- من أبواب المهور من كتاب النكاح.

22

تحقق الدخول كاللعان يمكن منعها، و قد تقدم بعض الكلام في ذلك. بل أطنب في المسالك عند البحث على تحقق فراش الأمة بالأمة في بيان تحقق فراش الزوجة الدائمة بالعقد و إمكان وصوله إليها و أنه يلحق به الولد بذلك، فلاحظ و تأمل، فإنه لا يخلو من منافاة لما هنا، و الله العالم.

و لو جمع بين سببي اللعان بأن قذف امرأته و نفى الولد و أقام بينة على ما قذفها به سقط الحد عنه بلا خلاف و لا إشكال و لكن لم ينتف الولد عنه إلا باللعان الذي شرعه الشارع لنفي الولد الذي لولاه لا لتحقق به ب

قوله (صلى اللّه عليه و آله) (1): «الولد للفراش».

و كذا لو طلقها بائنا فأتت بولد يلحق به في الظاهر كما لو وضعته تاما بعد ستة أشهر فصاعدا من حين وطئه لم ينتف عنه إلا باللعان.

بل و كذا لو تزوجت فأتت بولد لدون ستة أشهر من دخول الثاني ليعلم نفيه عنه و لتسعة أشهر فما دون من فراق الأول لم ينتف عنه إلا باللعان لقاعدة «الولد للفراش» التي لا يعارضها هنا فراش الثاني بعد العلم بانتفائه عنه، كما هو واضح.

____________

(1) الوسائل- الباب- 9- من كتاب اللعان الحديث 3.

23

[الركن الثاني في الملاعن]

الركن الثاني في الملاعن:

و لا خلاف في أنه يعتبر فيه أن يكون بالغا عاقلا بل الإجماع بقسميه عليه، مضافا إلى معلومية سلب عبارة غيرهما فيما يشمل المقام الذي هو إما شهادة أو يمين، و كل منهما ليسا من أهله، بل لا يترتب على قذفهما حد كي يراد إسقاطه باللعان و إن عزر المميز على قذفه تأديبا له، بل لعل المنساق من آية اللعان (1)- التي هي الأصل في إثبات شرعيته- غيرهما، و هو واضح. و في لعان جنس الكافر روايتان أشهرهما أنه يصح و إن كنا لم نعثر فيما وصل إلينا من النصوص على شيء من ذلك إلا في الملاعنة (2) التي ستسمع الحال فيها، و لعله المراد للمصنف بناء على اتحاد الحكم فيهما، فإنه لا قائل بالفصل بينهما، على أن مبنى المنع في الكافر هو كون اللعان شهادة بقرينة قوله تعالى (3) «فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ» خصوصا بعد قوله تعالى «وَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ» المعلوم إرادة الشهادة منه، و هي لا تقبل من الكافر، و هذا أمر شامل للملاعن و الملاعنة و إن كان هو واضح الفساد، ضرورة صحته من الفاسق و إن لم تقبل شهادته إجماعا على أن قوله تعالى (4) «شَهاداتٍ بِاللّهِ» كالصريح في إرادة اليمين منه، بل

في الخبر (5) «مكان كل شاهد يمين»

و قوله تعالى (6) «وَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَداءُ»

____________

(1) سورة النور: 24- الآية 6 الى 9.

(2) الوسائل- الباب- 5- من كتاب اللعان.

(3) سورة النور: 24- الآية 6.

(4) سورة النور: 24- الآية 6.

(5) الوسائل- الباب- 4- من كتاب اللعان الحديث 6.

(6) سورة النور: 24- الآية 6.

24

و إن كان المراد منه الشهادة قطعا، إلا أنه لا يقتضي كون المراد منها ذلك في قوله تعالى (1) «فَشَهادَةُ أَحَدِهِمْ» بل معناه أنه إذا لم يكن بينة فيمين، كما هو واضح.

على أن المحكي عنه اعتبار الإسلام هنا الإسكافي مطلقا و الحلي إذا كان اللعان للقذف، و لا ريب في عدم تمامية الدليل المزبور في الثاني منهما، بل لعله مناف له في الجملة، كل ذلك مضافا إلى قاعدة اتحاده مع المسلم في الفروع و إلى ما سمعته من النصوص (2) الدالة على ملاعنة اليهودية و النصرانية المتممة بعدم القول بالفصل، و هي و إن كان في مقابلها نصوص (3) دالة على عدم الجواز فيها لكنها قاصرة من وجوه كما ستسمع ذلك إنشاء الله.

و على كل حال يتصور لعان الكافر فيما إذا كان الزوجان ذميين و ترافعا إلينا، بل يمكن فرض الزوجة مسلمة و الزوج كافرا فيما إذا أسلمت و أتت بولد يلحقه شرعا فأنكره، و الله العالم.

و كذا الكلام (القول خ ل) في لعان المملوك فان المشهور جوازه، بل نفي الخلاف عنه في المسالك، لإطلاق الأدلة و خصوص الصحاح

في أحدها (4) «عن عبد قذف امرأته قال: يتلاعنان كما يتلاعن الأحرار»

و في حسن جميل بن دراج (5) سأل الصادق (عليه السلام) «عن الحر بينه و بين المملوكة لعان؟ فقال: نعم و بين المملوك و الحرة، و بين العبد و الأمة، و بين المسلم و اليهودية و النصرانية»

و نحوهما الثالث (6).

____________

(1) سورة النور: 24- الآية 6.

(2) الوسائل- الباب- 5- من كتاب اللعان الحديث 2 و 6 و المستدرك الباب- 5- منه الحديث 1 و 2.

(3) الوسائل- الباب- 5- من كتاب اللعان الحديث 4 و 11 و 12 و 13 و 14.

(4) الوسائل- الباب- 5- من كتاب اللعان الحديث 3.

(5) الوسائل- الباب- 5- من كتاب اللعان الحديث 2.

(6) الوسائل- الباب- 5- من كتاب اللعان الحديث 1.

25

خلافا للمحكي عن المفيد و الديلمي فاشترطا الحرية مطلقا و الحلي فاشترطها في اللعان للقذف، و لم نجد لهم دليلا هنا سوى ما تقدم، و قد عرفت الحال فيه، مضافا إلى صريح المعتبرة التي لا معارض لها سوى

خبر السكوني (1) عن جعفر عن أبيه (عليه السلام) «أن عليا (عليه السلام) قال: ليس بين خمس من النساء و بين أزواجهن ملاعنة:

اليهودية تكون تحت المسلم فيقذفها، و النصرانية و الأمة تكون تحت الحر فيقذفها، و الحرة تكون تحت العبد فيقذفها، و المجلود في الفرية، لأن الله تعالى يقول (2) وَ لا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً، و الخرساء ليس بينها و بين زوجها لعان، إنما اللعان في اللسان»

و نحوه في الخصال عن سليمان بن جعفر البصري (3) عن جعفر عن أبيه عن جده عن علي (عليهم السلام).

و لكنهما ضعيفان موافقان للعامة،

كالمرسل عن بعض الكتب (4) عن علي (عليه السلام) أيضا «الخرساء و الأخرس، ليس بينهما لعان، لأن اللعان لا يكون إلا باللسان»

فلا ريب في عدم الاشتراط، و الله العالم.

و يصح لعان الأخرس إذا كان له إشارة معقولة يفهم منها القذف و معاني الشهادات الخمس بلا خلاف أجده فيه، بل عن الشيخ إجماع الفرقة و أخبارهم، لعموم ما دل (5) على قيام إشارته مقام اللفظ في جميع ما اعتبر فيه ذلك من عبادة كتكبيرة الإحرام و غيرها و عقد و إيقاع، فيصح الفرض فيه حينئذ كما يصح

____________

(1) الوسائل- الباب- 5- من كتاب اللعان الحديث 12.

(2) سورة النور: 24- الآية 4.

(3) أشار إليه في الوسائل الباب- 5- من كتاب اللعان الحديث 12 و ذكره في البحار ج 104 ص 176.

(4) المستدرك الباب- 8- من كتاب اللعان الحديث 2.

(5) الوسائل- الباب- 59- من أبواب القراءة في الصلاة الحديث 1 من كتاب الصلاة.

26

طلاقه و إقراره على أن الأقوال الخمس هنا إما شهادة أو يمين، و كل منهما صحيح عندنا من الأخرس بالإشارة، مؤيدا ذلك كله بقضاء الضرورة به إذا كان مما يجب عليه نفي الولد للعلم بكونه من غيره، و احتمال انتفائه بنفيه هنا من دون لعان مناف لأصالة اللحوق و غيرها، فليس حينئذ إلا قيام إشارته مقام نطق غيره.

و لكن مع ذلك كله و غيره ربما توقف شاذ منا في قذفه و لعانه نظرا إلى تعذر العلم بالإشارة و هو ابن إدريس، قال فيما حكى عنه «لا أقدم على أن الأخرس المذكور يصح لعانه، لأن أحدا من أصحابنا غير الشيخ في خلافه و مبسوطة لم يورده في كتابه، و لا وقفت على خبر في ذلك، و لا إجماع عليه، و القائل بهذا غير معلوم، و التمسك بالاية (1) بعيد لأنه لا خلاف أنه غير قاذف و لا رام على الحقيقة، و النطق منه حال اللعان متعذر، و الأصل براءة الذمة، و اللعان حكم شرعي يحتاج إثباته إلى دليل شرعي و أيضا لو رجع بالشهادات عن اللعان عند من جوزه له وجب عليه الحد، و الرسول (صلى اللّه عليه و آله) قال: «ادرؤوا الحدود بالشبهات» (2)

و من المعلوم أن في إيمائه و إشارته بالقذف شبهة هل المراد به القذف أو غيره؟ و هو غير معلوم يقينا بلا خلاف- ثم قال-: فان قلنا: يصح منه اللعان كان قويا معتمدا، لأنه يصح منه الإقرار و الايمان و أداء الشهادات و غير ذلك من الأحكام».

و هو كما ترى متوقف مضطرب، لكن دعواه عدم دلالة إشارته على القذف و عدم إمكان أداء معاني ألفاظ اللعان فيها خلاف الفرض، كما أن دعوى عدم تحقق إشارة للأخرس كذلك منافية للوجدان خصوصا إذا كان منها الكتابة التي يمكن فرض أنه يحسنها، و من الغريب دعوى عدم الخلاف في عدم كون إشارته قذفا، إذ هو مناف للعرف بل و اللغة، على أنه يمكن عروض الخرس له بعد القذف.

____________

(1) سورة النور: 24- الآية 6.

(2) الوسائل- الباب- 24- من أبواب مقدمات الحدود الحديث 4 من كتاب الحدود.

27

و من ذلك و غيره قال المصنف هو ضعيف إذ ليس حال اللعان بزائد عن حال الإقرار بالقتل و غيره.

نعم لا يصح اللعان منه مع عدم النطق و عدم الإشارة المعقولة بلا خلاف و لا إشكال، بل لا يتصور فيها الموضوع فضلا عن الصحة، و دعوى الفرق بين الإقرار و العقود و الإيقاعات و بين المقام- من حيث إنه يتعين فيه تأديته بلفظ الشهادة و اللعن و الغضب، و الإشارة لا ترشد إلى ذلك و إن أدت معناها، بخلاف غيره من الإقرار و العقد و غيره مما لا يعتبر فيه ذلك و إن اعتبر فيها الصيغ الخاصة إلا أن المراد معناها، فتقوم الإشارة حينئذ في التأدية مقام اللفظ- يدفعها بعد الإغضاء عما فيها ما أشرنا إليه سابقا من التصريح في الأدلة بقيام إشارته مقام التكبير و التلبية و نحوهما مما يراد منها اللفظ لكن من القادر عليه، و لو لإطلاق ما دل (1) على قيام إشارته مقام اللفظ من غيره في سائر المقامات، و من فحوى ذلك يستفاد صحته بغير العربية ممن لا يقدر عليها كالفارسي و التركي و غيرهما، نعم ما تقدم في النصوص (2) السابقة من التعليل و غيره يقتضي عدم صحته من الأخرس كالخرساء، إلا أنها نصوص ضعيفة لا جابر لها، بل الإعراض عنها متحقق، فلا تصلح معارضة لإطلاق أدلة قيام إشارته مقام اللفظ من غيره، كما أوضحنا ذلك في كتب العبادات و المعاملات، فلاحظ و تأمل.

و لو كان يحسن الكتابة و قلنا إنها من جملة إشارته فليكتب حينئذ كلمة الشهادة و كلمة اللعن و الغضب و يشير إليها أربع مرات، و لا يكلف أن يكتب أربع مرات.

و لو قذف و لاعن بالإشارة ثم عاد نطقه و قال: لم أرد اللعان بإشارتي قبل قوله

____________

(1) الوسائل- الباب- 59- من أبواب القراءة في الصلاة الحديث 1 من كتاب الصلاة.

(2) الوسائل- الباب- 5- من كتاب اللعان الحديث 12 و المستدرك الباب- 8- منه الحديث 1 و 2.

28

فيما عليه من لحوق النسب به و ثبوت الحد دون ماله من الحرمة المؤيدة، و لكن له أن يلاعن في الحال لإسقاط الحد و لنفى النسب إذا لم يمض من الزمان ما يسقط فيه حكم النفي، و لو قال لم أرد القذف أصلا لم يقبل قوله، لأن إشارته أثبت حقا لغيره، و لأن المفروض دلالتها عليه على وجه يحصل العلم منه، فلا يقبل إنكاره حينئذ، و الله العالم.

و لو نفى ولد المجنونة لم ينتف إلا باللعان منهما لأن الأصل اللحوق، و لا يخرج عنه إلا بما ثبت شرعا، و هو الانتفاء باللعان منهما و لا دليل على قيام الولي مقامها هنا، بل ظاهر الأدلة خلافه، نعم لو أفاقت فلاعنت صح بلا خلاف و لا إشكال و إلا كان النسب ثابتا و الزوجية بلا خلاف و لا إشكال كذلك أيضا للأصل و غيره.

و لو نفى ولد الشبهة انتفى عنه من غير لعان إذا لم يعترف بوطئها بحيث يلحق به الولد و لم يعلم منه ذلك، كما ستعرف تحقيق ذلك في الأمة و المتمتع بها عند تعرض المصنف لهما.

و منه يعلم النظر فيما في المسالك هنا حيث قال: «الموطوءة بالشبهة لا تصير فراشا بحيث يلحق به الولد بمجرده، بل يتوقف لحوقه على اعترافه به أو بأنه لم يطأها في ذلك الوقت الذي يمكن إلحاق الولد به فيه غيره، لأن ذلك يستلزم كونه منه أيضا، و هو في قوة الاعتراف به، فيلحق به و إلا فلا».

و فيه أنه يكفي في لحوق الولد به بعد وطئه لها على وجه يصلح لتكون الولد منه عدم العلم بوطء غيره لها إذا لم تكن ذات زوج حاضر معها، لا العلم بالعدم، كما ستعرف الوجه في ذلك، بل و لا ينتفي بانتفائه حينئذ.

و كيف كان فقد عرفت فيما تقدم من غير خلاف فيه بينهم و لا إشكال أنه إذا عرف الزوج خاصة انتفاء الحمل لاختلال شروط الالتحاق أو بعضها كما لو ولدته لستة أشهر فصاعدا من حين التزويج و خلوته بها و لكن لم

29

يدخل بها فيما بينه و بين الله تعالى شأنه في وقت يمكن فيه إلحاقه به وجب عليه إنكار الولد و اللعان، لئلا يلحق بنسبه من ليس منه و يترتب عليه حكم الولد في الميراث و النكاح و نظر محارمه و غير ذلك من الأمور التي لا ترتفع إلا بنفيه، لاقتضاء قاعدة الفراش الالتحاق به ظاهرا، من غير فرق في ذلك بين علمه بزناها و عدمه، و إن حرم عليه قذفها في الثاني، لاحتمال كون الولد من شبهة، و إنما الواجب عليه نفي الولد عنه و اللعان.

لكن في المسالك هنا «ربما قيل بعدم وجوب نفيه، و إنما يحرم التصريح باستلحاقه كذبا دون السكوت عن النفي، و ذلك لأن في اقتحام اللعان شهرة عظيمة و فضيحة يصعب احتمالها على ذوي المروات فيبعد إيجابه» و لا يخفى عليك ضعفه، بل يمكن تحصيل الإجماع على خلافه، مضافا إلى ظاهر بعض النصوص (1).

نعم لو اجتمعت شروط الإلحاق بأن ولدته في المدة التي بين أقل الحمل و أكثره من حين وطئه لا يجوز له إنكار الولد و الحق به ظاهرا، بل ستعرف التحقيق في عدم مشروعية اللعان لنفيه مع اعترافه باجتماع شرائط الإلحاق أو العلم بها، و حينئذ فلا يجوز له نفيه فضلا عن اللعان للشبهة و لا للظن و لا لمخالفة الولد صفات الواطئ و موافقتها لصفات المتهم، بل و لو حقق زناها و جاء الولد مخالفا له في الخلق و الخلق بل مشابها للزاني، لتظافر الأدلة (2) بلحوق الولد للوطء المحترم الصالح للتكون منه، و اللعان إنما يرفع اللحوق الناشئ من قاعدة الفراش الظاهرية، كما ستعرف تحقيق ذلك كله في الأمة و المتمتع بها على وجه لم نسبق إليه، و الله العالم بحقيقة الحال و الموفق للصواب.

____________

(1) الوسائل- الباب- 17- من أبواب أحكام الأولاد الحديث 10 من كتاب النكاح.

(2) الوسائل- الباب- 9- من كتاب اللعان الحديث 3 و الباب- 105- من أبواب أحكام الأود من كتاب النكاح و الباب- 58- من أبواب نكاح العبيد و الإماء.

30

[الركن الثالث في الملاعنة]

الركن الثالث في الملاعنة و لا خلاف كما لا إشكال في أنه يعتبر فيها حال الملاعنة البلوغ و كمال العقل لسلب عبارة غير البالغ و المجنونة و غيره مما عرفته مكررا.

و كذا لا خلاف و لا إشكال في أنه يعتبر فيها السلامة من الصمم و الخرس لكن على الوجه الذي ذكرناه في كتاب النكاح مفصلا عند ذكر المصنف له في السبب الخامس من أسباب التحريم، و منه يعلم الحال في وجه ذكر المصنف للأمرين شرطا المقتضي بظاهره لصحة اللعان مع انتفاء أحدهما، مع اكتفائه و غيره في التحريم في كتاب النكاح بقذف أحدهما، فلاحظ و تأمل، فإن منه يعلم أيضا قوة القول بكون ذلك شرطا في اللعان بالسبب الآخر، و هو نفي الولد، كما هو مقتضى إطلاق الأصحاب هنا، مضافا إلى ظهور خبر السكوني (1) و المرسل (2) عن علي (عليه السلام) المتقدمين سابقا في ذلك أيضا و ضعفهما منجبر هنا بما يظهر من الأكثر من كون ذلك شرطا في سببي اللعان حينئذ.

و لا يشكل ذلك باقتضائه الانتفاء بمجرد نفيه من دون لعان مع اقتضاء قاعدة الفراش إلحاقه إن كان المراد من الاشتراط المزبور حصول فائدة اللعان من دون اللعان، كما لو قذفها، فإنها تحرم عليه من دون ملاعنة، أو وجوب نفيه عليه،

____________

(1) الوسائل- الباب- 5- من كتاب اللعان الحديث 12.

(2) المستدرك الباب- 8- من كتاب اللعان الحديث 2.

31

لعلمه بأنه ليس منه مع عدم طريق إلى انتفائه عنه، إذ الفرض عدم مشروعية اللعان معها و لو بالإشارة، إذ لا مانع من التزام الأول، و يكون لعانه معها مجرد ذكره سبب اللعان، فيحصل ثمرته بينهما و إن لم يحصل اللعان كما في القذف.

لكن الانصاف عدم خلو المسألة بعد عن الإشكال فإن ظاهر اقتصار المصنف في سبب التحريم على القذف في كتاب النكاح يقتضي عدمه في نفي الولد، بل في صحيح أبي بصير أو موثقه (1) القذف خاصة، قال: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن رجل قذف امرأته بالزنا و هي خرساء صماء لا تسمع ما قال، فقال: إن كان لها بينة تشهد لها عند الإمام جلده الحد، و فرق بينهما، ثم لا تحل له أبدا، و إن لم يكن لها بينة فهي حرام عليه ما أقام معها، و لا إثم عليها»

و كذا

حسن الحلبي و محمد بن مسلم (2) عنه (عليه السلام) «في رجل قذف امرأته و هي خرساء، قال: يفرق بينهما»

نعم في خبر محمد بن مروان (3) عنه (عليه السلام) «في المرأة الخرساء كيف يلاعنها زوجها؟

قال: يفرق بينهما و لا تحل له أبدا».

فما عساه يظهر منه أن ذلك كيفية لعانها في مطلق سببه، لكن بمجرد ذلك لا يجسر على الحرمة أبدا كما لا يجسر على انتفاء الولد الثابت لحوقه بقاعدة الفراش بمجرد نفيه، على أن ذكرهم ذلك شرطا في اللعان أعم من انتفائه بمجرد نفيه، بل أقصاه سقوط اللعان بينهما، و هو أعم من انتفائه، بل و من الحرمة الأبدية، و من هنا كان خيرة ثاني الشهيدين هنا مشروعية اللعان بينهما في نفي الولد بالإشارة.

لكن يبعده- مضافا إلى إطلاق الأصحاب الاشتراط على وجه يشمل السببين- خفاء الفرق بين سقوطه بينهما للقذف و عدمه لنفي الولد، خصوصا مع ظهور كون العلة في الأول الخرس، كما أومئ إليه في النصوص (4) السابقة

____________

(1) الوسائل- الباب- 8- من كتاب اللعان الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 8- من كتاب اللعان الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 8- من كتاب اللعان الحديث 4.

(4) الوسائل- الباب- 5- من كتاب اللعان الحديث 12 و المستدرك الباب- 8- منه.

32

و إن لم يتعدى منها إلى الخرس في الرجل للإجماع و غيره، و لذا كان ظاهر بعض الأفاضل سقوط اللعان بينهما في ذلك، لظاهر الاشتراط المزبور في الفتاوى المعتضدة بما سمعته من خبر السكوني (1) و غيره مع عدم حرمة الأبد و عدم انتفاء الولد، للأصل و قاعدة الفراش، و هو جيد إن لم يكن ظاهر خبر محمد بن مروان (2) المتقدم أن كيفية اللعان بينهما في سببية التفرقة بينهما أبدا، بمعنى إجراء حكم اللعان على ذكر سببه و إن لم يحصل، بل قد يدعى ظهور اشتراطهم له ذلك مع عدم ذكرهم الفرق بين القذف و نفي الولد مع أنه لا ريب في كون حكمه كذلك في الأول، فالاحتياط لا ينبغي تركه، خصوصا مع عدم تحرير المسألة في كلامهم، بل في قواعد الفاضل «و في اللعان لنفي النسب- أي في الخرساء و الصماء- إشكال» و لعله مما عرفت من أنه لا طريق إلى انتفائه سواه، و من إطلاق النص (3) و الفتوى نفي لعانهما، و في كشف اللثام «و الأول أقوى».

نعم لا إشكال في ظهور كلمات الأصحاب بسقوط الحد عنه لو أقام بينة على ما قذفها به و عدم جريان حكم اللعان حينئذ، فلا تحرم عليه أبدا، لكن في المسالك «حرمت أيضا عليه كما دلت عليه الرواية السابقة- أي خبر أبي بصير (4) ثم قال-: و ربما قيل بأنها تحرم حينئذ، لعدم قذفها بما يوجب اللعان، و يثبت عليها الحد بالبينة، و لا ينتفى عنها بلعانها، و الرواية تنافي ذلك، و هي معتبرة الإسناد، لكن في الاكتفاء بها في إثبات هذا الحكم نظر، و عبارة الأصحاب في باب التحريم مصرحة باشتراط قذفها بما يوجب اللعان لولا الآفة المذكورة، فيخرج منها ما لو أقام البينة و ما لو لم يدع المشاهدة، و إطلاق هذه الرواية و غيرها يتناول الجميع، و الأولى الرجوع في كل موضع يحصل فيه الاشتباه إلى الحكم العام».

قلت: و هو هنا ما ذكره الأصحاب من عدم الحرمة أبدا عليه بذلك،

____________

(1) الوسائل- الباب- 5- من كتاب اللعان الحديث 12.

(2) الوسائل- الباب- 8- من كتاب اللعان الحديث 4.

(3) الوسائل- الباب- 5- من كتاب اللعان الحديث 12.

(4) الوسائل- الباب- 8- من كتاب اللعان الحديث 2.

33

لأنها منافية للأصل و غيره، على أن إطلاق النصوص بملاحظة فتوى الأصحاب و خبر محمد بن مروان (1) يمكن دعوى كون المراد منه أن التحريم المزبور في مقام اللعان الذي ليس المفروض منه، و اشتمال الخبر المزبور على البينة إنما هو بالنسبة إلى دعوى القذف عليه لا ما قذفها به، كما هو واضح.

هذا و قد يستفاد من الخبر المزبور عدم الإثم عليها في الاجتماع معه مع عدم البينة لها على قذفه لها و إن حرم هو عليه، و لعله كذلك في كل مقام يعجز عن إثبات الحكم في الظاهر و إن اختص الإثم بالاخر.

و كذا يعتبر في الملاعنة لنفي الولد أن تكون منكوحة بالعقد الدائم بلا خلاف معتد به، بل في المسالك هو موضع وفاق، لأن ولد المتمتع بها ينتفى بغير لعان اتفاقا، لكن في كشف اللثام عن الجامع التصريح بوقوعه للنفي، و فيه- مع أنه مناف للاتفاق المزبور و للأصل- أنه مناف لإطلاق

قول الصادق (عليه السلام) في صحيح ابن سنان (2): «لا يلاعن الحر الأمة و لا الذمية و لا التي يتمتع بها»

و في صحيح ابن أبي يعفور (3): «لا يلاعن الرجل المرأة التي يتمتع بها»

و نحوه خبر علي بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) (4).

بل منها يستفاد أيضا عدم وقوعه أيضا للقذف كما هو المشهور شهرة عظيمة،

____________

(1) الوسائل- الباب- 8- من كتاب اللعان الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 5- من كتاب اللعان الحديث 4.

(3) الوسائل- الباب- 10- من كتاب اللعان الحديث 1.

(4) لم أقف على خبر لعلى بن جعفر بهذا المضمون بعد التتبع التام في مظانه من الوسائل و المستدرك و الوافي و الكتب الأربعة و البحار في باب اللعان و ج 10 منها ص 249- الطبع الحديث- باب «ما وصل إلينا من أخبار على بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام).» و الظاهر أنه طاب ثراه أخذه من المسالك حيث ان الشهيد (قده) بعد ذكر صحيحة ابن سنان قال: «و مثله رواية على بن جعفر عن أخيه (عليه السلام)».

34

بل لم يحك الخلاف في ذلك إلا عن السيد و المفيد، لعموم الآية (1) الذي يجب تخصيصه بالنصوص المزبورة و إن كانت آحادا لما تحرر في الأصول من جواز تخصيصه بخبر الواحد فحينئذ لا ريب في اشتراط الدوام في اللعان بالسببين.

نعم ينبغي أن يعلم أن ولد المتعة و إن انتفى بمجرد النفي من دون لعان لكن في كشف اللثام لا يجوز له النفي إلا مع العلم بالانتفاء و إن عزل أو اتهمها أو ظن الانتفاء بالقرائن الخارجية، بل قال في شرح قول الفاضل قبل ذلك: «و يلحق به الولد و إن عزل و كذا في كل وطء صحيح أو شبهة، فان

المني سباق

و الولد للفراش،

و للأخبار (2)» و لا يخفى عليك ظهور كلامه في أنه يجب إلحاقه به و إن حصل له الظن بعدمه بالأمارات في كل وطء صحيح و لو شبهة، بل لا يتوقف إلحاقه به على اعترافه بعدم وطء غيره، فيكفي الأصل له و لغيره في إلحاقه به، كما أومأنا إلى ذلك سابقا، و يأتي إنشاء الله.

إلا أنه قد يشكل ذلك بأن ذلك إن كان للفراشية لم يتجه نفيه بالانتفاء و إن لم يشرع اللعان، بل أقصى نفيه لحوق أحكامه بالنسبة إليه من حيث إقراره، و أما حقوق الولد فلا تنتفي لقاعدة الفراش الذي لم يشرع اللعان هنا لنفيه، و إن كان لا للفراشية لم يتجه وجوب إلحاقه به بمجرد احتمال كونه من وطئه و إن لم يعلم وطء غيره، فتأمل جيدا، فإنه ربما يأتي لذلك مزيد تحقيق، و الله العالم.

و في اعتبار الدخول بها في مشروعية اللعان خلاف و المروي في المعتبرة المستفيضة أنه لا لعان ففي

خبر أبي بصير (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «لا يقع اللعان حتى يدخل الرجل بأهله».

و في مرسل ابن أبي عمير عن بعض

____________

(1) سورة النور: 24- الآية 6.

(2) الوسائل- الباب- 33- من أبواب المتعة و الباب- 15- من أبواب أحكام الأولاد من كتاب النكاح.

(3) الوسائل- الباب- 2- من كتاب اللعان الحديث 2.

35

أصحابه (1) «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): الرجل يقذف امرأته قبل أن يدخل بها، قال: يضرب الحد و يخلى بينه و بينها»

و في خبر محمد بن مضارب (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «من قذف امرأته قبل أن يدخل بها جلد الحد و هي امرأته»

و في خبر محمد بن مسلم (3) عن أبي جعفر (عليه السلام) «لا تكون الملاعنة و لا الإيلاء إلا بعد الدخول»

و في خبر أبي بصير (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «لا يقع اللعان حتى يدخل الرجل بامرأته»

و في خبره الآخر (5) عنه (عليه السلام) أيضا قال: «سألته عن رجل تزوج امرأة غائبة لم يرها فقذفها، قال: «يجلد»

28918 و في خبر محمد بن مضارب (6) «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ما تقول في رجل لاعن امرأته قبل أن يدخل بها؟ قال:

لا يكون ملاعنا إلا بعد أن يدخل بها، يضرب حدا و هي امرأته، و يكون قاذفا»

و هي مع تعاضدها و اعتبار سند بعضها قد حكى الإجماع على مضمونها في محكي الخلاف و ظاهر التبيان و أحكام القرآن للراوندي.

و لكن مع ذلك كله فيه قول بالجواز كما عن بعضهم، بل في قواعد الفاضل أنه الأقرب، و لعله لعموم الآية (7) الذي يجب تخصيصه بما سمعت من النصوص و غيرها، و دعوى تنزيلها على اعتباره بالنسبة إلى نفي الولد- الذي لا يتوقف نفيه قبل الدخول على اللعان إجماعا كما في المسالك، لعدم وجود شرائط الإلحاق، فلا إشكال في انتفائه بهذا السبب- يدفعها التصريح في جملة منها بنفي اللعان بينهما بالقذف دون نفي الولد.

و حينئذ فما أشار إليه المصنف و غيره بعد حكاية القولين المزبورين بقوله و قال ثالث كما عن السرائر بثبوته أي اللعان بالقذف بلا دخول دون نفي الولد حاملا عليه كلام الأصحاب قال: «لأن قبل الدخول القول قول الزوج مع يمينه، و لا يلحق به الولد بلا خلاف بين أصحابنا، و لا يحتاج في نفيه إلى لعان» و استحسنه

____________

(1) الوسائل- الباب- 2- من كتاب اللعان الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 2- من كتاب اللعان الحديث 4.

(3) الوسائل- الباب- 2- من كتاب اللعان الحديث 5.

(4) الوسائل- الباب- 2- من كتاب اللعان الحديث 6.

(5) الوسائل- الباب- 2- من كتاب اللعان الحديث 7.

(6) الوسائل- الباب- 2- من كتاب اللعان الحديث 8.

(7) سورة النور: 24- الآية 6.

36

في محكي المختلف في غير محله، لما عرفت من تصريح جملة من النصوص بنفيه في القذف أيضا.

لكن لا ريب في أن كلام المصنف و غيره ممن عبر كتعبيره ظاهر في أن من الأصحاب من قال بعدم اشتراط الدخول في اللعان بسببين، لأنه جعل التفصيل قولا ثالثا، و في المسالك «أن قائله غير معلوم، و هو غير موجه لما عرفت من أن الدخول شرط لحوق الولد، فلا يتوقف انتفاؤه على اللعان على تقدير عدمه، و الحق رجوع الخلاف إلى قولين بالاشتراط فيهما و التفصيل فيهما (بينهما خ ل) كما مر».

قلت: يمكن القول بعدم اشتراط الدخول في مشروعية اللعان، بل يكفي احتماله، فحينئذ إذا نفاه مع إمكانه منه و ادعته المرأة لم ينتف عنه إلا باللعان، نعم ما سمعته من النصوص صريح في اشتراط الدخول في مشروعية اللعان، اللهم إلا أن يحمل على إرادة إخراج حال العلم بعدم الدخول بالنسبة إلى نفي الولد، فإنه لا حاجة حينئذ إلى اللعان قطعا في الانتفاء عنه و إن كان هو خلاف ظاهر إطلاق اعتبار الدخول، و حينئذ يتجه اشتراطه في اللعان مطلقا و إن قلنا بلحوق الولد به بمجرد احتمال الدخول. بل و إن قلنا لا طريق إلى نفيه عنه بعد

قوله (صلى اللّه عليه و آله) (1): «الولد للفراش»

كما تسمع ذلك في نظائره، أو يكتفي في انتفائه بمجرد نفيه عنه، لأنه لا طريق إلى ما أوجب الشارع عليه من نفيه عنه مع علمه بعدم كونه منه إلا انتفاؤه عنه بمجرد نفيه بعد فرض عدم مشروعية اللعان، كما تسمع تحقيق ذلك في نظائره إن شاء الله فتأمل جيدا، و الله العالم.

و يثبت اللعان بين الزوج الحر و الزوجة المملوكة على المشهور بين الأصحاب، كما يثبت من دون خلاف بين الحرين و المملوكين و الزوج المملوك و الزوجة الحرة، لعموم الآية (2) و خصوص

حسن جميل (3) عن

____________

(1) الوسائل- الباب- 9- من كتاب اللعان الحديث 3.

(2) سورة النور: 24- الآية 6.

(3) الوسائل- الباب- 5- من كتاب اللعان الحديث 2.

37

الصادق (عليه السلام) «سأل هل يكون بين الحر و المملوك لعان؟ فقال: نعم، و بين المملوك و الحرة، و بين العبد و الأمة، و بين المسلم و اليهودية و النصرانية»

و صحيح ابن مسلم (1) سأل الباقر (عليه السلام) «عن الحر يلاعن المملوكة، قال: نعم إذا كان مولاها الذي زوجها إياه»

و حسن الحلبي أو صحيحه (2) عن الصادق (عليه السلام) في حديث «سألته عن الحر تحته أمة فيقذفها، قال: يلاعنها»

و خبر حريز (3) عنه (عليه السلام) أيضا «بين الحر و الأمة و المسلم و الذمية لعان»

و خبر محمد (4) عن أحدهما (عليهما السلام) «سألته عن الحر يلاعن المملوكة، قال: نعم»

و خبر هشام بن سالم (5) «سألته عن المرأة الحرة يقذفها زوجها و هو مملوك و الحر تكون تحته المملوكة فيقذفها، قال: يلاعنها»

إلى غير ذلك من النصوص المتعاضدة المعتبرة و لو بالانجبار.

و لكن مع ذلك فيه رواية بالمنع هي

صحيحة ابن سنان (6) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «لا يلاعن الحر الأمة و لا الذمية و لا التي يتمتع بها»

و رواية علي بن جعفر (7) عن أخيه موسى «سألته عن رجل مسلم تحته يهودية أو نصرانية أو أمة ينفي ولدها و قذفها هل عليه لعان؟ قال: لا»

و رواية السكوني (8) المتقدمة سابقا عن جعفر، عن أبيه، عن علي «ليس بين خمس من النساء و أزواجهن لعان- و عد منهن- الأمة تحت الحر فيقذفها»

و رواية الحسين ابن علوان (9) المروية عن قرب الاسناد، عن جعفر، عن أبيه، عن علي (عليهم السلام) «أربعة ليس بينهم لعان، ليس بين الحر و المملوكة».

لكنها قاصرة عن المعارضة سندا و عددا و اعتضادا فلا بأس بحملها على الموطوءة بملك اليمين، أو على التقية، أو على ما إذا تزوجها بغير إذن مولاها

____________

(1) الوسائل- الباب- 5- من كتاب اللعان الحديث 5.

(2) الوسائل- الباب- 5- من كتاب اللعان الحديث 1.

(3) الوسائل- الباب- 5- من كتاب اللعان الحديث 6.

(4) الوسائل- الباب- 5- من كتاب اللعان الحديث 8.

(5) الوسائل- الباب- 5- من كتاب اللعان الحديث 10.

(6) الوسائل- الباب- 5- من كتاب اللعان الحديث 4.

(7) الوسائل- الباب- 5- من كتاب اللعان الحديث 11.

(8) الوسائل- الباب- 5- من كتاب اللعان الحديث 12.

(9) الوسائل- الباب- 5- من كتاب اللعان الحديث 13.

38

أو غير ذلك، خصوصا بعد اشتمال جملة من النصوص (1) المزبورة على نفي اللعان أيضا في صورة العكس التي قد نفي الخلاف في المسالك عن ثبوت اللعان فيها، فما عن المفيد حينئذ من عدم اللعان في الفرض واضح الضعف، كالاستدلال له بأن اللعان شهادة و المملوكة ليست من أهل الشهادة الذي قد عرفت ما فيه سابقا من أنه يمين لا شهادة حقيقة، و إلا لاتجه المنع أيضا في صورة العكس التي لا خلاف في ثبوت اللعان فيها.

و أضعف من ذلك ما قال ه ثالث و هو ابن إدريس، بل حكى عن الاستبصار و المراسم من التفصيل بثبوته بنفي الولد دون القذف محتجا بأن قذف المملوكة لا يوجب الحد، فلا يتوقف نفيه على اللعان، بخلاف نفي الولد إذا كانت زوجة، و بأن اللعان حكم شرعي يقتصر فيه على المتيقن، إذ هو كالاجتهاد في مقابل النص، و الإطلاق كتابا (2) و سنة (3) و عدم الحد على قذفها لا ينافي مشروعية اللعان بإطلاق الأدلة و خصوصا لنفى التعزير الثابت بقذف الأمة.

و من ذلك يعلم أيضا عدم اشتراط إسلامها، لإطلاق الأدلة و خصوص ما سمعته من النصوص التي لا يكافؤها غيرها، خلافا للمحكي عن جماعة منهم ابن الجنيد من عدم ملاعنة الكافرة للمسلم، لنحو ما سمعته في اشتراط الحرية من بعض النصوص و الاعتبار التي قد عرفت الحال فيها، و لعله لوضوح ضعفه أهمل المصنف ذكر الخلاف هنا، و إن ذكره في الملاعن، أو أنه اتكل على ذكره هناك.

و يصح لعان الحامل وفاقا للمشهور، بل عن الخلاف الإجماع، للعموم

____________

(1) الوسائل- الباب- 5- من كتاب اللعان الحديث 12 و 13 و المستدرك الباب- 5- منه الحديث 6.

(2) سورة النور: 24- الآية 6.

(3) الوسائل- الباب- 5- من كتاب اللعان.

39

كتابا (1) و سنة (2) و خصوص ما عن النبي (صلى اللّه عليه و آله) (3) من أنه لاعن بين هلال ابن أمية و زوجته الحامل، و صحيح الحلبي (4) سأل الصادق (عليه السلام) «عن رجل لاعن امرأته و هي حبلى قد استبان حملها و أنكر ما في بطنها، فلما ولدت ادعاه و أقر به و زعم أنه منه، قال: يرد عليه ولده و يرثه، و لا يجلد الحد لأن اللعان قد مضى»

و المرسل (5) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) إنه قال: «إن تلاعنا و كان قد نفى الولد و الحمل إن كانت حاملا أن يكون منه ثم ادعى بعد اللعان الولد، فان الولد يرثه، و لا يرث هو الولد بدعواه بعد أن لاعن عليه و نفاه».

خلافا للمحكي عن المفيد و سلار و التقي، ل

خبر أبي بصير (6) عن الصادق (عليه السلام) «كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يلاعن في كل حال إلا أن تكون حاملا»

و هو- مع عدم مكافئته لما تقدم من وجوه- محتمل لإرادة بيان جواز تأخير اللعان لا نفي صحته، و لعله لأنه و إن جاز لعانها حاملا لكن إن أقرت أو نكلت لا يقام عليها الحد إلا بعد الوضع كغيرها مما يثبت عليها الحد، بل ربما حمل الخبر المزبور على نفي ما يجب باللعان من الحد على تقدير نكولها و إن بعد، أو على غير ذلك مما لا بأس به بعد قصوره عن المقاومة.

و لا تصير الأمة فراشا بالملك بلا خلاف أجده فيه و إن خلت به و خلى بها و أمكن تكونه منه، بل في المسالك الإجماع عليه، قال: «بخلاف النكاح الذي يلحق به الولد بمجرد الإمكان، لأن المقصود منه الاستمتاع و الولد، و ملك اليمين قد يقصد به ذلك و قد يقصد به التجارة و الاستخدام، و لذا لا يتزوج من لا تحل له، و يملك بملك اليمين من لا تحل له- ثم قال بعد ذلك- إذا كان الفراش زوجة دائمة

____________

(1) سورة النور: 24- الآية 6.

(2) الوسائل- الباب- 13- من كتاب اللعان.

(3) سنن البيهقي ج 7 ص 394 و 395.

(4) الوسائل- الباب- 13- من كتاب اللعان الحديث- 1.

(5) المستدرك الباب- 6- من كتاب اللعان الحديث 1.

(6) الوسائل- الباب- 31- من كتاب اللعان الحديث 3.

40

تحقق فراشها من حين العقد و إمكان وصوله إليها، ثم لها بالنسبة إلى الولد حكمان:

أحدهما في ظاهر الأمر، و هو أنه يحكم بإلحاق الولد الذي تلده بعد العقد و إمكان الوصول إليها فيما بين أقل الحمل و أكثره بالزوج و إن لم يعترف به و لم يعلم وطؤه لها، سواء كان من أهل الاعتراف كالبالغ العاقل أو لا كالمجنون و الصبي الذي يمكن تولده منه، كابن العشر قبل أن يحكم ببلوغه على ما سبق- ثم إنه بعد ذكر أن الأمة بعد الوطء تكون كالحرة في لحوق الولد قال-: يفارق ولد الزوجة في أمرين:

أحدهما أنه لا يحكم بلحوقه به إلا مع ثبوت وطئه لها، إما بإقراره أو بالبينة بخلاف ولد الزوجة، فإنه يكفي إمكان الوطء، و الوجه فيه أن المعتبر فيهما ثبوت الفراش، و لما كان في الزوجة متحققا بالعقد و إمكان وصوله إليها كان المعتبر ثبوت ذلك، و لما كان فراشية الأمة لا يتحقق إلا بالوطء اعتبر ثبوته، فمرجع الأمر فيهما إلى شيء واحد، و هو ثبوت الفراش، إلا أنه في الزوجة يظهر غالبا بغير الزوج بحضور العقد و العلم بإمكان وصوله إليها، و في الأمة لا يظهر غالبا إلا منه، لأن الوطء من الأمور الخفية، فاعتبر إقراره به إن لم يتفق الاطلاع عليه بالبينة نادرا» إلى غير ذلك من كلماته في هذا الشرح الذي أطنب فيه، و تبعه عليه في كشف اللثام.

لكن قد يناقش بأنه مناف لما ذكروه في حكم إلحاق الأولاد من اعتبار تحقق الدخول بالزوجة في لحوق الولد بالزوج، بل و لما ذكره هو و غيره سابقا في هذا الكتاب- فيما لو طلق و أنكر الدخول فادعته و ادعت أنها حامل- من عدم ثبوت اللعان بينهما، لعدم ثبوت الدخول، و هو الوطء، بل قالوا: لا يكفي إرخاء الستر خلافا للشيخ، بل صرح هو في وجه ذلك بأن فائدة اللعان من الزوج إما نفي ولد يحكم بلحوقه شرعا، و هو موقوف على ثبوت الوطء ليصير فراشا لم يحصل، و هو صريح في توقف صدق الفراش في الزوجة على ثبوت الوطء كالأمة.

اللهم إلا أن يقال: إن ذلك كذلك مع إنكار الزوج الدخول لا مطلقا، لكنه

41

كما ترى، بل قد يقال: إن المراد من

قوله (صلى اللّه عليه و آله) (1): «الولد للفراش و للعاهر الحجر»

لذي الفراش بمعنى المفترش للزوجة فعلا، لا أن المراد المعدة للفراشية و إن لم يتحقق الافتراش منه بإقراره أو بالبينة.

إنما الكلام في اختصاص ذلك بالزوجة الدائمة أو كل موطوءة بغير زنا سواء كان بملك يمين أو بتحليل أو عقد متعة، بل أو شبهة كما أشار إليه المصنف في الأمة بقوله و هل تصير فراشا بالوطء فيه روايتان أظهرهما أنها ليست فراشا، و لا يلحق ولدها إلا بإقراره و لو اعترف بوطئها و تبعه عليه الفاضل و الشهيد و غيرهما، بل لم يحك الخلاف في ذلك إلا عن ظاهر الاستبصار و صريح الجامع، و مال إليه ثاني الشهيدين في المسالك.

و الرواية التي أشار إليها المصنف الدالة على أنها ليست فراشا هي رواية محمد ابن عجلان (2) و صحيحة عبد الله بن سنان (3) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال في الأول:

«إن رجلا من الأنصار أتى أبا جعفر (عليه السلام) فقال: إني قد ابتليت بأمر عظيم، إني وقعت على جاريتي ثم خرجت في بعض حوائجي فانصرفت من الطريق فأصبت غلامي بين رجلي الجارية فاعتزلتها فحبلت، ثم وضعت جارية لعدة تسعة أشهر، فقال له أبو جعفر (عليه السلام): احبس الجارية لا تبعها، و أنفق عليها حتى تموت أو يجعل الله لها مخرجا، فان حدث بك حدث فأوص أن ينفق عليها من مالك»

و نحوه في الثاني إلى قوله: «مخرجا» و أورد بدل «احبس الجارية» «لا ينبغي لك أن تقربها».

و رواية حريز (4) عن أبي عبد الله (عليه السلام) أيضا «في رجل كان يطأ جارية له و أنه

____________

(1) الوسائل- الباب- 9- من كتاب اللعان الحديث 3.

(2) الوسائل- الباب- 55- من أبواب نكاح العبيد و الإماء الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 55- من أبواب نكاح العبيد و الإماء الحديث 1.

(4) الوسائل- الباب- 56- من أبواب نكاح العبيد و الإماء الحديث 3.

42

كان يبعثها في حوائجه و أنها حبلت، و أنه بلغه عنها فساد، فقال أبو عبد الله: إذا ولدت أمسك الولد و لا يبيعه، و يجعل له نصيبا في داره، قال: فقيل له: رجل يطأ جارية له و أنه لم يكن يبعثها في حوائجه و أنه اتهمها و حبلت، فقال: إذا هي ولدت أمسك الولد و لا يبيعه، و يجعل له نصيبا من داره و ماله، و ليست هذه مثل تلك».

و المرسل عن عبد الحميد بن إسماعيل (1) «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل كانت له جارية يطئها و هي تخرج فحبلت، فخشي أن لا يكون منه كيف يصنع؟

أ يبيع الجارية و الولد؟ قال: يبيع الجارية و لا يبيع الولد، و لا يورث من ميراثه شيئا».

و صحيح سعيد بن يسار (2) سأل الكاظم (عليه السلام) «عن الجارية تكون للرجل يطيف بها و هي تخرج فتعلق، قال: أ يتهمها الرجل أو يتهمها أهله؟ قلت: أما ظاهرة فلا، قال: إذا لزمه الولد».

و سأل الصادق (عليه السلام) في حديث آخر (3) «عن رجل وقع على جارية له تذهب و تجيء و قد عزل عنها، و لم يكن منه إليها ما تقول في الولد؟ قال: أرى أن لا يباع هذا يا سعيد، قال: و سألت أبا الحسن (عليه السلام)، قال: أ يتهمها؟ قلت: أما تهمة ظاهرة فلا، قال: يتهمها أهله؟ فقلت: أما شيء ظاهر فلا، فقال: كيف تستطيع أن لا يلزمك الولد؟»

المشعران بعدم لحوق الولد مع التهمة.

و خبر محمد بن إسماعيل الخطاب (4) «كتب إليه يسأله عن ابن عم له كانت

____________

(1) الوسائل- الباب- 56- من أبواب نكاح العبيد و الإماء الحديث 4.

(2) الوسائل- الباب- 56- من أبواب نكاح العبيد و الإماء الحديث 2.

(3) الوسائل- الباب- 56- من أبواب نكاح العبيد و الإماء الحديث 5.

(4) الوسائل- الباب- 55- من أبواب نكاح العبيد و الإماء الحديث 4- عن جعفر ابن محمد بن إسماعيل بن الخطاب كما في الاستبصار ج 3 ص 367 و التهذيب ج 8 ص 180 و في الجميع «أو فيه مشابهة منك فلا تبعهما» كما ذكرها (قده) كذلك في ج 31 التعليقة الثانية من ص (246).

43

له جارية تخدم فاستراب بها، فهدد الجارية، فأقرت أن الرجل فجر بها، ثم أنها حبلت بولد، فكتب إن كان الولد لك أو كان فيه مشابهة منك فلا تبعه، و بع امه».

و خبر يعقوب بن يزيد (1) «كتب إلى أبى الحسن (عليه السلام) في هذا العصر رجل وقع على جارية ثم شك في ولده، فكتب إن كان فيه مشابهة منه فهو ولده»

إلى غير ذلك من النصوص المشتركة في الدلالة على عدم كونها فراشا، و إلا لاقتضى لحوق الولد به على كل حال إلا مع العلم بتكونه من غيره.

بل قد عرفت في كتاب النكاح في بحث لحوق الأولاد أن المحكي عن الأكثر بل المشهور اشتراط لحوق ولد الأمة بالواطي بعدم أمارة يغلب الظن فيها بعدم كونه منه، و لو كانت فراشا لم يلتفت إلى الأمارة المزبورة كما في الزوجة الدائمة، بل اتفاقهم كنصوص (2) المقام على عدم اللعان بينهما دليل على عدم الفراشية التي شرع اللعان لنفي مقتضاها، و إنما لحوق الولد للإقرار الذي لم يشرع اللعان لنفيه، بل اتفاقهم أيضا على انتفائه بالنفي دليل آخر، ضرورة كون انتفائه بالنفي حينئذ منافيا لقاعدة الفراش و موافقا للحوقه بالإقرار المفروض انتفاؤه.

و ما في المسالك من «أن السر بانتفائه عنه بنفيه من غير لعان أن الولد الذى يظهر للزوج كونه منتفيا عنه يليق بالحكمة أن يجعل الشارع له طريقا إلى نفيه عنه، ليخرج عنه من ليس منه، و لما نصب لولد الزوجة طريقا إلى النفي باللعان و خصه بالزوجين بقوله تعالى (3) «وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْواجَهُمْ» فلا بد من طريق

____________

(1) الوسائل- الباب- 55- من أبواب نكاح العبيد و الإماء الحديث 5.

(2) الوسائل- الباب- 5- من كتاب اللعان الحديث 12 و 13 و المستدرك الباب- 5- منه الحديث 6.

(3) سورة النور: 24- الآية 6.

44

آخر لنفي ولد الأمة حيث يقتضي الحال نفيه، فإذا لم يمكن باللعان بقي على أصل الإلحاق كما لو تعذر اللعان حيث يشرع لزم أن يكون ولد الأمة أقوى اتصالا و أحسن حالا من ولد الزوجة الدائمة، فشرع لذلك انتفاءه بمجرد النفي من غير لعان، إذ ليس هناك طريق آخر» كما ترى لا يرجع إلى محصل و لا إلى دليل شرعي، بل لا بد من القول بأن مبنى ذلك عدم كونها فراشا بل لا طريق إلى الحكم بإلحاق الولد به إلا إقراره المفروض انتفاؤه و أنه ينفي الولد عنه، إذ لا دليل شرعي يقتضي إلحاقه به.

بل إن لم يكن إجماع أمكن القول بعدم انتفائه عنه لو نفاه في مقام يقر بوطئها على وجه حكم الشارع بإلحاقه به لإمكان تولده منه مع فرض عدم العلم بوطء غيره، بل و لا تهمة منه لها، فيخص حينئذ ما ادعوه من الإجماع على انتفائه بنفيه حيث يمكن أن يكون نفيه لعلمه بعدم تكونه منه، لعلمه بعدم وطئه لها على وجه يمكن تكون الولد منه، و قول الأصحاب أنه ينتفي بنفيه و إن أقر بوطئها يراد منه و إن أقر بكونها موطوءة له في الجملة، لا أنه و إن أقر بأنها موطوءة له وطئا ألحقه الشارع به، لإمكان تكون الولد منه و عدم العلم بوطء غيره و عدم تهمتها بذلك.

و على كل حال فمما ذكرنا يظهر لك الفرق بين الزوجة المدخول بها و بين الأمة، و يظهر أيضا معنى كونها ليست فراشا، كما تسمع ما يؤيده إنشاء الله.

هذا و لكن في مقابل ذلك كله نصوص و فتاوى (منها) إطلاق

قوله (صلى اللّه عليه و آله) (1) «الولد للفراش و للعاهر الحجر»

بناء على أن المراد من الفراش المقابل بالعهر مطلق الافتراش بحل و لو بشبهة.

و (منها)

صحيح سعيد الأعرج (2) سأل الصادق (عليه السلام) «عن رجلين واقعا على جارية في طهر واحد لمن يكون الولد؟ قال: للذي عنده الجارية، لقول رسول

____________

(1) الوسائل- الباب- 58- من أبواب نكاح العبيد و الإماء الحديث- 4.

(2) الوسائل- الباب- 58- من أبواب نكاح العبيد و الإماء.

45

الله (صلى اللّه عليه و آله) الولد للفراش و للعاهر الحجر»

و خبر الحسن الصيقل (1) عن أبي عبد الله (عليه السلام) «سمعته يقول و سئل عن رجل اشترى جارية ثم وقع عليها قبل أن يستبرئ رحمها، قال: ما صنع!! يستغفر الله و لا يعود، قلت: فإنه باعها من رجل آخر و لم يستبرئ رحمها ثم باعها الثاني من رجل آخر و لم يستبرئ رحمها فاستبان حملها عند الثالث، فقال أبو عبد الله (عليه السلام): الولد للفراش و للعاهر الحجر»

و نحوه

خبره الآخر (2) إلا أنه قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): الولد للذي عنده الجارية و ليصبر، لقول رسول الله (صلى اللّه عليه و آله): الولد للفراش و للعاهر الحجر».

و (منها)

خبر علي بن جعفر (3) عن أخيه موسى (عليه السلام) «سألته عن رجل وطأ جارية فباعها قبل أن تحيض فوطأها الذي اشتراها في ذلك الطهر فولدت له لمن الولد؟ قال: الولد للذي عنده و ليصبر، لقول رسول الله (صلى اللّه عليه و آله): الولد للفراش و للعاهر الحجر»

إلى غير ذلك من النصوص الموافقة لفتواهم في بحث لحوق الأولاد أنه متى وطأ الأمة مولاها ألحق به الولد، و لزمه الإقرار به إلا مع العلم بانتفائه منه.

و لكن قد يقال إن النصوص المزبورة موافقة لما رواه

العامة عن النبي (صلى اللّه عليه و آله) (4) «أنه تنازع إليه سعد و عبد بن زمعة عام الفتح في ولد ولده زمعة، و كان زمعة قد مات، فقال سعد،: يا رسول الله (صلى اللّه عليه و آله) إن أخي كان قد عهد إلى فيه، و ذكر أنه ألم بها في الجاهلية، و قال عبد هو أخي و ابن وليدة أبي، ولد على فراشه، فقال رسول الله (صلى اللّه عليه و آله): يا عبد بن زمعة هو لك، الولد للفراش و للعاهر الحجر»

فيمكن أن يكون النصوص المزبورة للتقية، خصوصا بعد أن لم يكن في مفروض بعضها عاهر،

____________

(1) الوسائل- الباب- 58- من أبواب نكاح العبيد و الإماء الحديث 2.

(2) الوسائل- الباب- 58- من أبواب نكاح العبيد و الإماء الحديث 3.

(3) الوسائل- الباب- 58- من أبواب نكاح العبيد و الإماء الحديث 7.

(4) سنن البيهقي ج 7 ص 412.

46

نحو

خبر محمد بن قيس (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في وليدة جامعها ربها ثم باعها من آخر قبل أن تحيض فجامعها الآخر و لم تحض فجامعها الرجلان في طهر واحد فولدت غلاما فاختلفا فيه، فسألت أم الغلام فزعمت أنهما أتياها في طهر واحد، فلا تدري أيهما أبوه، فقضى في الغلام أنه يرثهما كلاهما و يرثانه سواء»

الذي لا ريب في حمله على التقية.

إنما الإشكال في الجمع بين كلمات الأصحاب في المقام و في بحث لحوق الأولاد، فإن ظاهرهم هنا عدم كونها فراشا، و أنه لا يلحقه الولد حتى يقر به، و في ذلك المقام أنه يلحق به الولد علم إقراره به أو لا، نعم لو نفاه انتفى، و تظهر الثمرة بالموت مثلا.

و قد أطنب فيه في المسالك، و الذي استقر رأيه عليه بناء على كون الأمة ليست فراشا أنا لا نحكم بلحوق الولد به إلا بإقراره، قال: «و أما ما ذكروه في باب إلحاق الأولاد فهو منزل على أن ذلك الحكم الذي يلزم المولى فيما بينه و بين الله تعالى، بمعنى أنه إذا وطأ الأمة وطءا يمكن إلحاق الولد به يجب عليه الاعتراف به و استلحاقه، و لا يجوز له نفيه عنه بتهمة أمة إلا على تلك الرواية الشاذة، و أما بالنسبة إلينا فلا نحكم بإلحاقه به ما لم يعترف به حيث لا نجعلها فراشا، و هكذا القول فيما لو وطأها المولى و غيره، فإنه يحكم به للمولى دون الغير إذا كان وطؤ مجوزا، و لكن بالنسبة إلينا لا نحكم به له إلا باعترافه به- هذا و قد حكى عن فخر المحققين أنه قال في شرحه-: إن معنى كونها ليست فراشا أنه لا يلحق ولدها به إلا بإقراره به أو بوطئها و إمكان لحوقه به- قال-: و كأنه حاول بذلك الجمع بين حكم الأصحاب بكونها ليست فراشا مطلقا و بين حكمهم في باب لحوق الأولاد بلحوق ولد الأمة بالمولى الواطئ، و أنه يلزمه الإقرار به حيث يمكن كونه منه، و أنه لو وطأها غيره ألحق به دون الغير من غير تقييد بإقراره به، فجعل مستند ذلك

____________

(1) الوسائل- الباب- 58- من أبواب نكاح العبيد و الإماء الحديث 6.

47

الوطء الواقع من المولى، و أقامه مقام الإقرار به من غير أن يعلم كونه واطئا- ثم ضعفه- بأن إلحاقه به مع وطئه لها من لوازم الفراش كما سبق، فلو جعل مترتبا على عدمه لم يبق فرق بين الفراش و غيره، اللهم إلا أن يجعل الوطء الموجب للفراش كافيا في إلحاق الولد بعد ذلك و إن لم يمكن استناده إلى ذلك الوطء الشخصي الثابت، كما هو أحد الاحتمالين في المسألة، و يجعل هذا الوطء القائم مقام الإقرار هو الوطء الذي يمكن استناد الولد إليه، و مع ذلك ففيه مخالفة لما ذكره الجميع في معنى الفراش، فإنهم أطبقوا على أن فائدته لحوق الولد به مع إمكانه و إن لم يعترف به، و عدم لحوقه بمن ليست فراشا إلا بإقراره، و الوجه أن الاكتفاء بالوطء في هذا القسم ليس في محله، و إنما محله على تقدير كونها فراشا، لأن الوطء حينئذ لا بد من العلم به ليتحقق به كونها فراشا كما قد تحقق» إلى آخر ما ذكره.

و في الروضة بعد أن حكى الإجماع على انتفائه بنفيه قال: «إنما الخلاف في أنه هل يلحق به بمجرد إمكان كونه منه و إن لم يقر به أم لا بد من العلم بوطئه و إمكان لحوقه به أو إقراره به، فعلى ما اختاره المصنف و الأكثر لا يلحق به إلا بالإقرار به أو وطئه و إمكان لحوقه به، و على القول الآخر لا ينتفي إلا بنفيه أو العلم بانتفائه عنه، و يظهر من العبارة و غيرها من عبارات المحقق و العلامة أنه لا يلحق به إلا بإقراره به، فلو سكت و لم ينفه و لم يقر به لم يلحق به، و جعلوا ذلك فائدة عدم كون الأمة فراشا بالوطء، و الذي حققه جماعة أنه يلحق به بإقراره أو العلم بوطئه و إمكان لحوقه به و إن لم يقر به، و جعلوا الفرق بين الفراش و غيره أن الفراش يلحق به الولد و إن لم يعلم وطؤه مع إمكانه إلا مع النفي و اللعان، و غيره من الأمة و المتمتع بها يلحق به الولد إلا مع النفي، و حملوا عدم لحوقه إلا بالإقرار على اللحوق اللازم، لأنه بدون الإقرار ينتفي بنفيه من دون لعان، و لو أقر به استقر، و لم يكن له نفيه بعده، و هذا هو الظاهر، و قد سبق في أحكام الأولاد ما ينبه عليه، و لولا هذا المعنى لتنافي ما ذكروه هنا مع ما حكموا به فيما سبق من

48

لحوقه به بشرطه».

قلت: و حاصله هنا اختيار ما أنكر عليه في المسالك و لكن الإنصاف أن التأمل التام يقتضي أن مرادهم بعدم فراشية الأمة هنا و إن اعترف بوطئها عدم كونها كالزوجة المدخول بها في الحكم بلحوق الولد بمجرد إمكان كونه منه و لا ينتفي عنه إلا باللعان، بل لا بد من الإقرار فيها بالولد أو بالوطء الذي يمكن تكون الولد منه، و لا يكفي كونها موطوءة له في الجملة، كما كان يكفي في لحوق ولد الزوجة مجرد كونها مدخولا بها مع إمكان كونه منه، لكونها فراشا بخلاف الأمة، فإنها ليست فراشا بهذا المعنى و إن حكم بلحوق الولد به بإقراره أو بالعلم بوطئه لها على وجه يمكن تكون الولد منه مع عدم العلم بوطء محترم لغيره، بل قد سمعت تقييد غير واحد له من الأصحاب بما إذا لم تكن هناك أمارة يغلب الظن فيها أنه ليس منه، بل قد سمعت جملة من النصوص (1) الدالة على عدم لحوقه به، و عدم نفيه مع اتهامه لها أو اتهام أهله أو خروجها في الحوائج و إن كان قد عرفت البحث فيها في كتاب النكاح و في المقام، فلاحظ و تأمل.

و كيف كان فالمراد أن اتفاق الأصحاب على الانتفاء بالنفي لا ينطبق إلا على عدم كون الأمة فراشا، و من هنا أشكل على العامة الحال، فإنهم بعد أن وافقوا على أن ولد ملك اليمين لا ينتفي باللعان اختلفوا في طريق نفيه لمن علم انتفاءه، فمنهم من سد الطريق عن نفيه نظرا إلى الولد للفراش، و ليس هناك طريق إلى النفي، و منهم من جوز نفيه باللعان للضرورة حذرا من أن يكون أقوى من ولد الزوجة، و منهم من نفاه بيمينه.

و السبب الذي ألجأهم إلى ذلك تخيلهم كون الأمة فراشا، و لم يعلموا أنها ليست فراشا يقتضي لحوق الولد به كما يقتضي لحوق ولد الزوجة المحتاج نفيه إلى اللعان،

____________

(1) الوسائل- الباب- 55 و 56 و 58- من أبواب نكاح العبيد و الإماء من كتاب النكاح.

49

و إنما لحوقه به بالإقرار المفروض انتفاؤه، لأنه ناف له، و لا ينافي ذلك إلحاق الشارع الولد به مع العلم بوطئه على وجه يمكن تكون الولد منه، و لم يعلم وطء لغيره و لا تهمة، بل إن لم يكن إجماع أمكن القول بعدم انتفائه عنه لو نفاه في هذا الحال، و إنما ينتفي عنه لو لم يعلم الحال، و يمكن أن يعلم بعدم تكونه منه لسبق وطئه له على وجه لا يمكن تكونه منه، و حينئذ لا يلحق الولد به إلا بإقراره، فإن نفاه انتفى عنه، بل لا يحكم بلحوقه به إذا لم نعلم وطءه لها على وجه يمكن تكون الولد منه و إن علمنا كونها موطوءة له سابقا على وجه لا يمكن تكون هذا الولد منه، بخلاف الزوجة، فان احتمال وطئه لها كاف في لحوق الولد بعد أن كانت مدخولا بها.

و لعله إلى ما ذكرنا يرجع ما سمعت من كلام الفخر من أن معنى كونها ليست فراشا أنه لا يلحق ولدها به إلا بإقراره أو بوطئها و إمكان لحوقه به و إن اعترض عليه في المسالك بما سمعت، بل لا يخفى عليك دفعه بعد الإحاطة بما ذكرنا، بل لعل التأمل الجيد في كلامه يقتضي ما ذكرناه من أنه لا ينتفي حينئذ بنفيه في الحالين المزبورين.

و من الغريب أنه في المسالك قد اختار ما ذكرنا على تقدير كون الأمة فراشا و لم يتنبه لدفع أصل الإشكال فيه، قال: «و على تقدير صيرورتها فراشا بالوطء هل يستمر لذلك ما دامت على ملكه أم يختص الحكم بالولد الذي يمكن تولده من ذلك الوطء خاصة، حتى لو أتت بولد بعد أقصى الحمل من الوطء الذي يثبت بإقراره أو البينة لا يلحق به بدون الإقرار به؟ وجهان من حصول شرط الفراش و هو الوطء، فنزل منزلة العقد الدائم على الحرة، لأن وطء الأمة إما تمام السبب للفراشية أو شرط فيها، و على التقديرين حصل الفراش به كالعقد، فيستمر الحكم حينئذ كما استمر حكم الفراش بالعقد، و لم يشترط بعد ذلك ظهور وطء يلحق به الولد، و من ضعف فراشية الأمة و دلالة تلك النصوص (1) الموجبة لإلحاق الولد به على كونه

____________

(1) الوسائل- الباب- 58- من أبواب نكاح العبيد و الإماء من كتاب النكاح.

50

مولودا في وقت يمكن تخلقه من ذلك الوطء، فيبقى غيره على الأصل، و لا إشكال في انتفائه عنه بنفيه، و إنما تظهر الفائدة لو لم ينفه، فهل يلحق به ظاهرا بمجرد الوطء السابق أم يتوقف على الإقرار به؟ بني على الوجهين، و الأظهر الثاني».

قلت: ينبغي القطع به، إذ لا دليل على فراشيتها بالوجه الأول، و به يفرق بينها و بين الزوجة، بل به يرتفع الإشكال بين كلمات الأصحاب في المقام و في بحث لحوق الأولاد، بل بالتأمل يرتفع الإشكال في النصوص (1) المزبورة، و حاصله أن المحتاج في الإلحاق إلى إقرار هو الذي ينتفي بنفيه لو نفاه، و أما الذي يحلق به شرعا و لو لاعترافه بالوطء الذي يمكن تكونه منه مع عدم العلم بوطء غيره و لا تهمة فلا ينتفي بنفيه بل يلحق به للنصوص (2) المزبورة الظاهرة أو الصريحة في عدم ترتب الانتفاء على نفيه لعدم استطاعته نفيه في الحال المزبور فهو ملحق به لذلك شرعا، لا لأنها فراش، إذ لا طريق إلى علمه بعدم تكونه منه ليصح له نفيه عنه فتأمل جيدا.

بل من التأمل فيما ذكرنا يعلم أن موضوع اللعان في الزوجة مع عدم العلم بالحال، و إلا فمع العلم بالحال و أنه قد وطأها وطأ يصلح لتكون الولد منه لا يشرع له اللعان لنفيه، للحكم بلحوقه شرعا، و للنهي (3) عن نفيه، نعم لو لم يعلم الحال و كان إلحاقه به لقاعدة الفراش التي يمكن علم الزوج بفسادها و لو للعلم بزمان وطيه الذي لا يصلح لتكون الولد منه يصح له حينئذ نفيه، و يشرع له اللعان، فتأمل جيدا، فان ذلك من أسرار الفقه.

هذا و لا يخفى عليك جريان ما ذكرناه في الأمة في المتمتع بها التي قد سمعت

____________

(1) الوسائل- الباب- 55 و 56 و 58- من أبواب نكاح العبيد و الإماء من كتاب النكاح.

(2) الوسائل- الباب- 58- من أبواب نكاح العبيد و الإماء من كتاب النكاح.

(3) الوسائل- الباب- 33- من أبواب المتعة من كتاب النكاح.