دروس تمهيدية في الفقه الاستدلالي على المذهب الجعفري - ج1

- الشيخ باقر الإيرواني المزيد...
567 /
7

[المدخل]

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه رب العالمين و الصلاة و السلام على أشرف الخلق محمد و على أهل بيته الطيبين الطاهرين لا اعتقد ان فكرة الحاجة إلى تجديد النظر في كتبنا الدراسية ممّا يختلف فيها اثنان من طلّاب حوزاتنا و بالأخص في المجال الفقهي.

فالطالب ينهي مرحلة السطوح و لا يشعر من نفسه اجتياز نصف الشوط أو ربعه إلى مرحلة الاجتهاد. و السبب واضح لان ما يدرسه من كتب لم يشيد لزرع روح الاجتهاد في نفس الطالب. فهو يبقى مهما كرّرها و أمثالها سنوات بعيدا عن المقصود الأساسي، بل ان تلك الكتب لم يوضع الحجر الأساس فيها لتكون محورا للدراسة. و تبقى ألفاظها المطلسمة عائقا عن تلقي الفكرة بوضوح ليعود الذهن قادرا على هضمها و التأمّل في صحّتها و سقمها فهو بعد ان يصطادها و يحل الطلاسم يعود منهكا عاجزا عن التأمّلات التي تنبغي لطالب العلم و التي بها يأخذ بالتطوّر و التقدّم خطوات إلى الإمام.

8

و لا أظن ان الأفكار الدقيقة التي توصّل إليها علماؤنا الأبرار بحاجة إلى تعقيد أكثر من خلال الألفاظ و الرموز.

و إلى جانب ذلك يدخل طالب الحوزة مرحلة السطوح و يخرج و لا يجد أمامه ما يمثّل ذلك القسم الهائل من الروايات الذي يواجهه في مرحلة الخارج. فهو لا يعرف صورة واضحة عنها و لا يعرف كيف العلاج حالة التعارض بالرغم من ان المجتهد لا يكون مجتهدا إلّا بذلك.

و هو لا يعرف لاستصحاب العدم الأزلي و كيفية تطبيقه رسما و لا اثرا بل الاصول العملية بشكل عام لا يعرف كيفية تطبيقها.

و بتعبير شامل لا يعرف ربط ما قرأه في علم الاصول بما يحتاج إلى استنباطه من أحكام في الفقه. و يبقى التلاقح بين الفقه و الاصول خفيّا عليه إلى ان يجتاز فترة طويلة في بحوث الخارج.

لهذه الأسباب و غيرها عادت فكرة النظر في مناهج الدراسة قضية ضرورية، و لكن الفكرة بقدر ما هي ضرورية صعبة المنال و الطريق إليها ذو أشواك، فمن الذي يتصدّى و كيف يتصدّى و كيف يقبل منه و كيف و كيف و كيف ....

ان قوّة الاخلاص التي تسلّح بها أمثال الشهيد الثاني و الشيخ الأعظم ليس لها نظير، و هي كما نعلم ذات دور فعّال في فوزهما و نجاحهما. فالكاتب مهما أوتي من قوى علمية و جودة في الكتابة يبقى بحاجة ماسة إلى التوفيق الإلهي لقبول عمله و انجازه و سدّه الفراغ بشكل جيّد، و ذلك لا يتمّ إلّا بالإخلاص و العمل للّه سبحانه لا غير.

و انطلاقا من قاعدة الميسور لا يسقط بالمعسور اخذت تلك الفكرة التي عاشت معنا فترة من الزمن قوّة تنبثق إلى عالم الفعلية من خلال

9

هذا الكتاب الذي كتب ليكون بمنزلة دروس تمهيدية في الفقه الاستدلالي يدرسها الطالب بعد اجتيازه دراسة بعض المتون الفقهية.

و بعد ان تمّت كتابة بعض فصول الكتاب عرضتها على بعض الاخوة فلاحظ عليها وجود دقّة في بعض المواضع التي قد لا تتناسب و افتراض الطالب في مراحله الاولى. و من هنا حاولنا تجريده من تلك المواضع الدقيقة فنشأ من ذلك القسم الأوّل و كان هذا هو القسم الثاني.

و حاول الكتاب تأكيد نقاط اشير من بينها إلى:

1- عرض مقدار غير قليل من الروايات في كلّ مسألة ليكون الطالب على أهبة الاستعداد لمواجهة ذلك الكم العظيم من الروايات في مرحلة الخارج.

2- عرض الروايات المتعارضة و توضيح طريقة علاجها.

3- تأكيد ربط أحكام الفقه بقواعد الاصول لتتضح بذلك فائدة علم الاصول و مقدار الحاجة إليه.

4- الإشارة الى بعض النكات الرجالية ليستعد الطالب لمواجهة التفاصيل في مرحلة الخارج و ليتفاعل معها في وقت أقرب.

5- حاول الكتاب ان لا يجود بالألفاظ و لا يشح بها و يضغط بعض الأفكار العميقة في عبارات صغيرة حفاظا على العلاقة بين التلميذ و استاذه.

6- عملية عرض الأحكام الفقهية و الاستدلال عليها لم تتم إلّا في بعض قليل ممّا أشار إليه فقهاؤنا الأبرار لأنّ مقصودنا تدريب الطالب على عملية الاجتهاد و تقديم رأس الخيط له، و ذلك لا يتوقّف على استعراض جميع الأحكام و الاستدلال عليها بل ان ذلك التوسّع يوجب

10

التشويش على الطالب و عدم الوصول إلى المقصود.

7- طريقة الاستدلال لم تقم على أساس رأي فقيه معين بل نلاحظ ما هو الأنسب لتدريب الطالب.

و نرجو من الأساتذة الكرام في المواضع الميسرة التي لا تكلف التلاميذ شيئا توجيههم إلى بعض التمرينات؛ فنحن نشير في كل مسألة إلى رواية واحدة من بين مجموع روايات ان كانت، و بإمكان الأساتذة مطالبة التلاميذ بالفحص عن رواية اخرى صحيحة السند و عرضها عليهم.

كما اننا التزمنا الإشارة إلى كون الرواية صحيحة أو موثّقة و المناسب للأساتذة الكرام توضيح ذلك من خلال بيان حال كل راو واقع في السند ليتم تعرّف الطالب على حال رجال أحاديثنا الأمر الذي سوف يسهّل عليه كثيرا ممّا يواجهه في مرحلة الخارج.

و يبقى الكتاب كمحاولة لا أكثر تحتاج في سدّ فجواتها و اصلاح ما فيها من خلل إلى بذل محاولات اخرى من قبل أساتذة أكثر كفاءة، و اليد الواحدة إذا لم تتمكن من حمل الثقيل فبتعاون الأيدي يتيسر كل عسير.

و آخر دعوانا ان الحمد للّه ربّ العالمين و نسأل جميع اخواننا الدعاء بالقبول و التوفيق الالهي.

باقر الايرواني 3/ صفر المظفر/ 1417 هقم المشرّفة

11

التكليف و شروطه

1- شرائط التكليف 2- علامات البلوغ

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

1- شرائط التكليف

لا يثبت التكليف إلّا بشروط: العقل و القدرة و البلوغ. و في شرطية الإسلام خلاف.

و المستند في ذلك:

1- اما شرطية العقل

فلحكم العقل القطعي و صحيح محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السّلام): «لما خلق اللّه العقل استنطقه، ثم قال له: أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر، ثم قال: و عزّتي و جلالي ما خلقت خلقا هو أحبّ إليّ منك و لا أكملتك إلّا في من أحب. اما اني اياك آمر و اياك أنهى و اياك اعاقب و إيّاك اثيب» (1) و غيره.

2- و اما شرطية القدرة

فلحكم العقل القطعي و قوله تعالى:

لا يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْساً إِلّا وُسْعَها (2).

3- و اما شرطية البلوغ

على تقدير التمييز فيمكن التمسك لها

____________

(1) وسائل الشيعة الباب 3 من أبواب مقدمة العبادات الحديث 1.

(2) البقرة: 286.

14

بحديث رفع القلم الوارد في موثقة عمار الساباطي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام):

«سألته عن الغلام متى تجب عليه الصلاة؟ قال: إذا أتي عليه ثلاث عشرة سنة، فان احتلم قبل ذلك فقد وجبت عليه الصلاة و جرى عليه القلم. و الجارية مثل ذلك إن اتي لها ثلاث عشرة سنة أو حاضت قبل ذلك فقد وجبت عليها الصلاة و جرى عليها القلم» (1)، و في رواية ابن ظبيان المتقدّمة (2).

و الموثقة و إن كانت تامّة سندا إلّا انها تدل على ما لا يلتزم به، و هو بلوغ الذكر بثلاث عشرة سنة، و هو موهن لها.

و دعوى انها تدل على مطلبين: أصل شرطية البلوغ و تحققه بثلاث عشرة سنة، و سقوطها عن الحجّية بلحاظ الثاني لا يستلزم سقوطها عنها بلحاظ الأوّل مدفوعة بانه تفكيك بين مدلولي الفقرة الواحدة و هو ليس عرفيا و ليس تفكيكا بين فقرة و اخرى.

و رواية ابن ظبيان ضعيفة سندا لاشتمالها على عدّة مجاهيل، و لا يمكن الحكم بحجّيتها إلّا بناء على كبرى الجابرية بفتوى المشهور.

و على تقدير انكار الكبرى المذكورة فبالامكان الاستعانة لإثبات الشرطية باستصحاب عدم توجه التكاليف- الثابت حالة فقدان التمييز- بناء على ترجيح الاستصحاب على التمسّك بعموم العام عند الدوران بينهما فيما إذا خرج فرد من العام في زمان معيّن و شك في حاله بعد ذلك، و إلّا كان المناسب التمسّك بإطلاق أدلّة التكاليف.

4- و اما بالنسبة إلى شرطية الإسلام

فقد ذهب المشهور إلى

____________

(1) وسائل الشيعة الباب 4 من أبواب مقدمة العبادات الحديث 12.

(2) القسم الأول من الكتاب 1: 41.

15

عدمها تمسكا بإطلاق الأدلّة من قبيل قوله تعالى: وَ لِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ ... (1)، بل و خصوص بعضها من قبيل قوله تعالى: وَ وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ* الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (2).

أجل إذا أسلم الكافر لا يجب عليه القضاء لقاعدة «الإسلام يجبّ ما قبله» الثابتة بالسيرة القطعية في زمان النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) على العفو عمّا سلف، و بمثل قوله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ (3).

بل لا يمكن توجه الأمر بالقضاء إليه في العبادات لما أشار إليه صاحب المدارك من ان التكليف بالقضاء بشرط الإسلام خلف قاعدة الإسلام يجبّ ما قبله، و التكليف لا بشرطه خلف اشتراط قصد القربة (4).

2- علامات البلوغ

يثبت البلوغ لدى المشهور بما يلي: خروج المني، و نبات الشعر الخشن على العانة، و اكمال خمس عشرة سنة قمرية في الذكر و تسع في الانثى، و الشاك في بلوغه يبني على عدمه.

و المستند في ذلك:

1- اما تحقّق البلوغ بما ذكر

فلم ينسب فيه الخلاف إلّا الى الشيخ

____________

(1) آل عمران: 97.

(2) فصلت: 6- 7.

(3) الأنفال: 38.

(4) مدارك الأحكام 4: 289.

16

و ابن حمزة حيث ذهبا إلى تحقّقه في الانثى بعشر و إلى ابن الجنيد حيث نسب له تحقّقه في الذكر بأربع عشرة سنة (1).

و تدلّ عليه رواية حمران: «سألت أبا جعفر (عليه السّلام) قلت له: متى يجب على الغلام ان يؤخذ بالحدود التامّة و يقام عليه و يؤخذ بها؟ قال: إذا خرج عنه اليتم و أدرك. قلت: فلذلك حدّ يعرف به؟ فقال: إذا احتلم أو بلغ خمس عشرة سنة أو أشعر أو أنبت قبل ذلك اقيمت عليه الحدود التامّة و اخذ بها و اخذت له. قلت: فالجارية متى تجب عليها الحدود التامّة و تؤخذ بها و يؤخذ لها؟ قال: ان الجارية ليست مثل الغلام، ان الجارية إذا تزوجت و دخل بها و لها تسع سنين ذهب عنها اليتم و دفع اليها مالها و جاز أمرها في الشراء و البيع ...» (2).

بيد انها ضعيفة السند بحمزة و عبد العزيز لعدم ورود توثيق في حقهما، و لئن أمكن توثيق حمزة باعتبار رواية صفوان و ابن أبي عمير عنه إلّا ان المشكلة تبقى من ناحية عبد العزيز على حالها.

و رواية يزيد الكناسي عن أبي جعفر (عليه السّلام): «الجارية إذا بلغت تسع سنين ذهب عنها اليتم ...» (3) ضعيفة بالكناسي أيضا.

و ليس في المقام رواية تامّة الدلالة و السند تدل على مختار المشهور بكامله إلّا بناء على كبرى الجابرية لمن يراها.

أجل لإثبات تحقّق بلوغ الذكر بإكمال خمس عشرة سنة يمكن التمسّك باستصحاب عدم توجه الأحكام إليه قبل ذلك- بناء على المبنى

____________

(1) الحدائق الناضرة 20: 349.

(2) وسائل الشيعة الباب 4 من أبواب مقدمة العبادات الحديث 2.

(3) وسائل الشيعة الباب 6 من أبواب مقدمات الحدود و أحكامها العامة الحديث 1.

17

المتقدّم- بعد فرض عدم احتمال توقف توجهها على أزيد من ذلك.

و هكذا الحال في الانثى لو فرض عدم احتمال توقف توجهها على أكثر من بلوغ التسع.

و تبقى علامية الاحتلام قد يستدل عليها بقوله تعالى: وَ إِذا بَلَغَ الْأَطْفالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ (1).

إلّا انه قابل للتأمّل باعتبار احتمال الخصوصية للاستئذان من بين بقية الأحكام.

و الاولى الاستدلال لها بما رواه الصدوق بسنده إلى صفوان عن إسحاق بن عمّار: «سألت أبا الحسن (عليه السّلام) عن ابن عشر سنين يحجّ، قال:

عليه حجّة الإسلام إذا احتلم و كذلك الجارية عليها الحج إذا طمثت» (2) فان ايجاب حج الإسلام عند الاحتلام يدل على تحقق البلوغ عند ذلك.

و المقصود من صفوان هو ابن يحيى دون ابن مهران الجمال لان الراوي كثيرا عن إسحاق هو ابن يحيى بخلاف ابن مهران فانه لم تعهد روايته عنه.

و سند الصدوق إلى الجمال و ان أمكن التأمّل فيه من ناحية موسى بن عمر إلّا انه إلى ابن يحيى صحيح لا خدشة فيه.

و اما نبات الشعر على العانة فيبقى بلا دليل إلّا الرواية السابقة بناء على كبرى الجابرية.

ثمّ ان في المقام روايات تدل على تحقق البلوغ في الذكر بأربع عشرة سنة أو بثمان سنين، و في الانثى بثلاث عشرة سنة- و قد تقدّمت

____________

(1) النور: 59.

(2) وسائل الشيعة الباب 12 من أبواب وجوب الحج الحديث 1.

18

الإشارة إلى بعضها- أو بسبع، فان تحقّق هجران الأصحاب لها سقطت عن الحجيّة بذلك و إلّا كان المرجع هو الاستصحاب لو فرضت حجيّة كلّ واحد من المتعارضين في نفسه و تساقطهما بالمعارضة.

2- و اما ان الشاك في بلوغه يبني على العدم

فلاستصحاب عدم تحقّق البلوغ الذي هو استصحاب موضوعي. و بقطع النظر عنه يجري استصحاب عدم توجه الأحكام، و بقطع النظر عنه تجري البراءة.

هذا لو كان الشك بنحو الشبهة الموضوعية.

و اما إذا كان بنحو الشبهة المفهومية فلا يجري استصحاب عدم تحقّق البلوغ ككل شبهة مفهومية- لانتفاء الشك و تردد الأمر بين اليقين بالبقاء و اليقين بالارتفاع- و يتعيّن المصير الى استصحاب عدم توجه الأحكام، و بقطع النظر عنه فإلى البراءة.

19

العبادات

1- الطهارة 2- الصلاة 3- الصوم 4- الزكاة 5- الخمس 6- الحجّ

20

كتاب الطّهارة

1- أقسام المياه و أحكامها 2- أحكام التخلي 3- الوضوء 4- الغسل 5- التيمم 6- النجاسات 7- المطهّرات

21

1- أقسام المياه و أحكامها

تقسيم الماء

ينقسم الماء إلى مطلق و مضاف.

و المضاف طاهر في نفسه و ليس بمطهر من الحدث و لا من الخبث.

و إذا لاقى نجاسة تنجس جميعه مهما كان مقداره.

و المطلق إذا كان كثيرا- كرا- لا يتنجّس إلّا بتغيّر أحد أوصافه، و بحكم الكثير ذو المادة.

و إذا كان قليلا يتنجّس بمجرّد ملاقاة النجس أو المتنجس إلّا إذا كان متدافعا.

و إذا شك في كرية الملاقى فمع احراز حالته السابقة يحكم بما تقتضيه، و مع عدمه يحكم بطهارته.

و في تحديد مقدار الكر أقوال.

و المستند في ذلك:

1- اما طهارة المضاف في نفسه

فلقاعدة الطهارة المستفادة من

22

موثقة عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «كل شيء نظيف حتى تعلم انّه قذر، فاذا علمت فقد قذر، و ما لم تعلم فليس عليك» (1)، و استصحابها.

2- و اما انه ليس بمطهر من الحدث

فيكفي لإثباته استصحاب بقاء الحدث بعد عدم الدليل على ارتفاعه به، بل و يمكن إقامة الدليل على العدم بمثل قوله تعالى: فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً (2)، فانه بالإطلاق يدل على المطلوب.

3- و اما انه ليس بمطهر من الخبث

فتدلّ عليه رواية بريد بن معاوية عن أبي جعفر (عليه السّلام): «يجزئ من الغائط المسح بالأحجار، و لا يجزئ من البول إلّا الماء» (3)، فانه بضمّ عدم الفصل بين البول و غيره يثبت المطلوب.

و على تقدير ضعف الرواية بالقاسم بن محمّد الجوهري الوارد في سندها- حيث لم تثبت وثاقته إلّا من خلال كامل الزيارات بناء على وثاقة كل من يرد فيه- فيكفي لإثبات المطلوب استصحاب بقاء الخبث.

4- و اما تنجسه بمجرّد الملاقاة

فأمر متسالم عليه، و يمكن استفادته من موثقة السكوني عن جعفر عن أبيه (عليهما السّلام): «ان عليّا (عليه السّلام) سئل عن قدر طبخت و إذا في القدر فأرة. قال: يهرق مرقها و يغسل اللحم و يؤكل» (4)، فانه بضمّ عدم الفصل يثبت العموم.

و السكوني و ان لم يكن من أصحابنا إلّا ان ذلك لا يضرّ بعد ثبوت

____________

(1) وسائل الشيعة الباب 37 من أبواب النجاسات الحديث 4.

(2) النساء: 43.

(3) وسائل الشيعة الباب 30 من أحكام الخلوة الحديث 2.

(4) وسائل الشيعة الباب 5 من أبواب الماء المضاف الحديث 3.

23

وثاقته بعبارة الشيخ المنقولة في العدة (1).

5- و امّا عدم تنجّس المطلق- إذا كان كرّا- بالملاقاة

فلصحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شيء» (2) و غيره.

6- و امّا تنجّسه عند تغير أحد أوصافه الثلاثة

فلصحيحة حريز عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «كلّما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضّأ من الماء و اشرب، فإذا تغيّر الماء و تغيّر الطعم فلا توضأ منه و لا تشرب» (3)، فانها باطلاقها تشمل الكرّ.

7- و امّا تنجس القليل بملاقاة عين النجاسة

فلمفهوم صحيح معاوية المتقدّم.

و امّا تنجسه بالمتنجّس أيضا فهو المعروف بين الأصحاب خلافا لجماعة منهم الشيخ الآخوند بدعوى انه لا إجماع على ذلك، إضافة إلى انّه لا خبر يدل عليه لا بالخصوص و هو واضح، و لا بالعموم لأنّ المنسبق من لفظ «شيء» في صحيح معاوية المتقدّم عين النجاسة، و معه يكون المرجع استصحاب الطهارة. و بقطع النظر عنه قاعدة الطهارة.

و فيه: ان جملة من النصوص تشمل ملاقاة المتنجس أيضا. ففي صحيح شهاب بن عبد ربه عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «الرجل الجنب يسهو فيغمس يده في الإناء قبل ان يغسلها، انّه لا بأس إذا لم يكن أصاب يده

____________

(1) العدة في أصول الفقه 1: 149.

(2) وسائل الشيعة الباب 9 من أبواب الماء المطلق الحديث 2.

(3) وسائل الشيعة الباب 3 من أبواب الماء المطلق الحديث 1.

24

شيء» (1)، فانّه يمكن التمسّك بإطلاق المفهوم لإثبات المطلوب.

8- و اما استثناء حالة التدافع

فلانه لو كان المائع يتدافع من العالي مثلا و لاقت النجاسة السافل فلا يتنجس العالي بل السافل فقط، اما لأنه مع التدافع يتحول المائع إلى مائعين بالنظر العرفي، و لا موجب مع تنجّس أحدهما لتنجّس الثاني، أو لأنّ العرف لا يرى تأثر العالي بالنجاسة، و مسألة كيفية السراية حيث لم يرد فيها نص خاص فلا بدّ من تنزيلها على ما يراه العرف.

9- و اما انّه مع الشك في كرية الملاقى و احراز حالته السابقة يحكم بما تقتضيه

فللاستصحاب.

و اما انه مع عدم احرازها يحكم بالطهارة لاستصحاب الطهارة و بقطع النظر فلقاعدة الطهارة المستفادة من موثقة الساباطي المتقدّمة.

وجوه في مقابل قاعدة الطهارة

و قد يتمسك في مقابل قاعدة الطهارة و استصحابها بجملة من الوجوه من قبيل:

الأوّل: التمسك بعموم ما دلّ على تنجس كل ماء لاقى نجاسة،

كموثقة سماعة: «و لا تشرب من سؤر الكلب إلّا ان يكون حوضا كبيرا يستقى منه» (2).

و فيه: انه تمسّك بالعام في الشبهة المصداقية- لخروج الكرّ منه و يشك في فردية المشكوك للعام أو للمخصص- و هو غير جائز،

____________

(1) وسائل الشيعة الباب 8 من أبواب الماء المطلق الحديث 3.

(2) وسائل الشيعة الباب 9 من أبواب الماء المطلق الحديث 3.

25

لوجود حجتين، و ادخال المشكوك تحت احداهما بلا مرجح.

الثاني: التمسك بالقاعدة الميرزائية

القائلة بأن الاستثناء من الحكم الالزامي أو ما يلازمه إذا تعلّق بعنوان وجودي فلا بدّ عرفا من إحراز ذلك العنوان في ارتفاع الحكم الالزامي أو ما يلازمه. و عليه فالحكم بالانفعال لا ترفع اليد عنه مع عدم احراز الكرية (1).

و فيه: ان القاعدة المذكورة و ان تمسك بها الشيخ النائيني في موارد متعدّدة الا انها غير ثابتة.

الثالث: التمسك بقاعدة المقتضي و المانع

، بتقريب: ان الملاقاة مقتضية للتنجيس و الكرية مانعة، و مع إحراز المقتضي و الشك في المانع يبنى على تحقّق المقتضى.

و فيه: ان القاعدة المذكورة لم يحرز ثبوتها لدى العقلاء و لا تستفاد من النصوص.

الرابع: التمسك باستصحاب العدم الأزلي للكرية

بتقريب: ان موضوع الانفعال مركّب من القلّة و الملاقاة، و الجزء الأوّل محرز بالاستصحاب، و الثاني بالوجدان فيثبت الحكم.

و فيه: ان ما ذكر وجيه بناء على حجيّة الاستصحاب في الاعدام الأزلية.

الخامس: التمسّك باستصحاب العدم النعتي للكرية

بتقريب: ان أصل الماء هو المطر، و هو ينزل قطرة قطرة، و معه يكون كلّ ماء مسبوقا بالقلّة حين نزوله مطرا فتستصحب قلّته. و بضم الاستصحاب

____________

(1) أجود التقريرات 2: 195، و فوائد الأصول 3: 384.

26

الى الوجدان يثبت تمام الموضوع للانفعال.

و فيه: ان القلّة المحرزة في بدء الخلقة لا تجدي في الفروض العادية التي يؤخذ فيها ماء من البحر دفعة في ظرف كبير يشك في كونه كرّا.

و عليه فالرجوع إلى استصحاب الطهارة أو أصالة الطهارة يبقى بلا مانع بعد البناء على بطلان الوجوه الخمسة المذكورة.

مقدار الكر

10- و اما تحديد الكر بالمساحة

ففيه أقوال، و المعروف منها قولان:

أحدهما: ما كان كل من أبعاده الثلاثة يساوي ثلاثة أشبار، و نتيجته ان الكر- 27 شبرا.

ثانيهما: ما كان كل من أبعاده الثلاثة يساوي ثلاثة أشبار و نصفا، و نتيجته ان الكر شبرا.

اما القول الأوّل فتدل عليه صحيحة إسماعيل بن جابر: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): الماء الذي لا ينجسه شيء، قال: ذراعان عمقه في ذراع و شبر سعته» (1)، بتقريب: ان الذراع عبارة عن شبرين، و السعة لا يراد بها الطول أو العرض بل ما يسعه السطح.

و ظاهر تحديدها بذراع و شبر كونها كذلك من جميع الجهات، و ذلك لا يتمّ إلّا في الشكل الدائري.

و في تحصيل حجم الدائرة يضرب نصف القطر (2)* نصف

____________

(1) وسائل الشيعة الباب 10 من أبواب الماء المطلق الحديث 1.

(2) و القطر بعد كونه نفس السعة يساوي حسب الفرض ثلاثة أشبار.

27

المحيط* العمق.

و حيث ان نسبة المحيط إلى القطر ثلاثة إلى واحد تقريبا- و ان كانت بالدقّة- فنصف المحيط- شبرا.

و من ثم تصبح النتيجة شبرا.

و قد يناقش في السند بأن ظاهر الوسائل ان الشيخ ينقلها من كتاب محمّد بن أحمد بن يحيى الذي له طرق صحيحة إليه في المشيخة و الفهرست إلّا ان الأمر ليس كذلك فانه يرويها بطريق خاص في الاستبصار (1) يشتمل على أحمد بن محمد بن يحيى، و في التهذيب (2) على أحمد بن محمد بن الحسن، و كلاهما لم يوثقا إلّا بناء على كفاية شيخوخة الإجازة.

و اما القول الثاني فيدل عليه صحيح أبي بصير: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن الكر من الماء كم يكون قدره؟ قال: إذا كان الماء ثلاثة أشبار و نصف في مثله ثلاثة أشبار و نصف في عمقه في الأرض فذلك الكر من الماء» (3).

و بعد التعارض نقول: على تقدير عدم صحّة سند القول الأوّل يتعيّن المصير إلى الثاني.

و اما بناء على صحته و لو بالاستعانة بصحيحة إسماعيل بن جابر الاخرى (4) فحيث لا يمكن الجمع العرفي بينهما و لا الترجيح

____________

(1) الاستبصار 1: 10.

(2) التهذيب 1: 41.

(3) وسائل الشيعة الباب 10 من أبواب الماء المطلق الحديث 6.

(4) وسائل الشيعة الباب 9 من أبواب الماء المطلق الحديث 7.

28

بالموافقة للكتاب و المخالفة للعامة يتساقطان و يلزم الرجوع إلى القاعدة، و هي تقتضي نتيجة القول الثاني لان الأقل من متى ما شك في تنجسه بالملاقاة فمقتضى عموم انفعال كلّ ماء بالملاقاة تنجّسه، و لا يضرّ إجمال المخصص مفهوما بعد كونه منفصلا.

و متى ما شك في كفاية المرة عند الغسل به فاستصحاب النجاسة- بناء على جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية- يقتضي بقاءها.

هذا كلّه لو لم ندخل في الحساب روايات و فرضيات أخرى و إلّا فالنتيجة قد تتغيّر، و ذلك ما يحتاج إلى مستوى أعلى من البحث.

الأسآر

الأسآر كلّها طاهرة و يحل تناولها إلّا سؤر الكلب و الخنزير و الكافر. نعم يكره سؤر ما لا يحل أكل لحمه شرعا عدا الهر. و امّا سؤر المؤمن فهو شفاء.

و المستند في ذلك:

1- اما طهارة السؤر

فلانه بعد عدم الدليل على نجاسته يجري استصحاب طهارته. و بقطع النظر عنه أو لعدم جريانه في الشبهات الحكمية بما في ذلك الترخيصية يمكن التمسّك بقاعدة الطهارة.

2- و اما جواز التناول

فللاستصحاب، و بقطع النظر عنه فلأصل البراءة بعد عدم الدليل على الحرمة.

3- و اما نجاسة سؤر الثلاثة

فلملاقاته للنجس.

4- و اما كراهة سؤر ما لا يحل لحمه

فلكونها مقتضى الجمع بين

29

ما دلّ على الجواز كصحيحة العباس (1): «سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن فضل الهرة ... و الوحش و السباع فلم أترك شيئا إلّا سألته عنه فقال (عليه السّلام):

لا بأس به» (2) و بين ما دلّ على المنع كمفهوم موثقة عمّار بن موسى عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «... كلّ ما أكل لحمه فتوضّأ من سؤره و اشرب» (3)، فان الوصف لوروده مورد التحديد يدل على المفهوم.

5- و اما عدم كراهة سؤر الهر

فلما ورد في صحيحة زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «في كتاب علي (عليه السّلام): ان الهر سبع و لا بأس بسؤره و اني لأستحيي من اللّه ان ادع طعاما لان الهر أكل منه» (4)، فانه لا وجه للاستحياء مع الكراهة.

6- و اما الشفاء في سؤر المؤمن

فلصحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «في سؤر المؤمن شفاء من سبعين داء» (5) و غيرها.

2- أحكام التخلي

المشهور حرمة استقبال القبلة و استدبارها حالة التخلي.

و يطهر موضع البول بغسله بالماء فقط مرّة واحدة، و قيل مرّتين.

____________

(1) ورد في الطبع القديم للوسائل: ... عن الفضل عن العباس، و الصواب: عن الفضل ابي العباس، و هو المعروف بالبقباق الذي هو من ثقات أصحابنا. و قد نقلها الحرّ بشكل صحيح في الباب 11 من أبواب النجاسات الحديث 1.

(2) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب الأسآر الحديث 4.

(3) وسائل الشيعة الباب 4 من أبواب الأسآر الحديث 2.

(4) وسائل الشيعة الباب 2 من أبواب الأسآر الحديث 2.

(5) وسائل الشيعة الباب 18 من أبواب الأشربة المباحة الحديث 1.

30

و اما موضع الغائط فيطهر أيضا بكل جسم قالع للنجاسة.

و البلل المشتبه الخارج قبل الاستبراء محكوم بالبولية إلّا مع طول المدّة بنحو يطمئن بعدم بقاء بول في المجرى.

و المستند في ذلك:

1- اما حرمة الاستقبال و الاستدبار

فمتسالم عليها إلّا من بعض المتأخّرين كصاحب المدارك حيث اختار الكراهة (1).

و قد يستدل بمرفوعة محمّد بن يحيى: «سئل أبو الحسن (عليه السّلام): ما حدّ الغائط؟ قال: لا تستقبل القبلة و لا تستدبرها و لا تستقبل الريح و لا تستدبرها» (2).

لكنها ضعيفة سندا بالرفع، و دلالة باعتبار ان السياق قرينة على إرادة الأدب الإسلامي إلّا بناء على استفادة الوجوب و التحريم من حكم العقل دون الوضع.

و عليه فيشكل الحكم بالحرمة لان المستند ان كان هو الإجماع فهو محتمل المدرك على تقدير تحققه، و إن كان هو الروايات فهي ضعيفة.

و إذا قيل: ان الروايات و ان كانت ضعيفة السند و الدلالة إلّا ان استناد الأصحاب إليها يجبر ذلك حيث يتولّد اطمئنان بصدقها.

و بكلمة اخرى: ان التسالم- على تقدير تحقّقه- ان كان مستندا الى الروايات فذلك موجب للاطمئنان بحقانيتها، و ان لم يكن مستندا إليها فيلزم ان يكون حجّة لكاشفيته التعبّدية عن وصول الحكم إلى

____________

(1) مدارك الاحكام 1: 158.

(2) وسائل الشيعة الباب 2 من أبواب أحكام الخلوة الحديث 2.

31

المجمعين من الامام (عليه السّلام) يدا بيد.

و بهذه الطريقة يمكن ان تثبت للإجماعات المدركية أو محتملة المدرك قيمة في مقام الاستدلال.

قلنا: هذا وجيه لو انحصر المدرك المحتمل برواية واحدة و لم نحتمل وجود مدرك آخر للمجمعين غيرها، اما اذا كانت الروايات متعدّدة- كما هو الحال في المقام حيث توجد أكثر من رواية صالحة للدلالة- فلا يتم ما ذكر لاحتمال استناد نصف المجمعين إلى هذه الرواية و نصفهم الآخر إلى الرواية الاخرى، و بذلك لا يتولّد اطمئنان بحقانيّة الرواية.

2- و اما طهارة موضع البول بغسله بالماء فقط

فلصحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السّلام): «لا صلاة إلّا بطهور و يجزيك من الاستنجاء ثلاثة أحجار. بذلك جرت السنّة من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). و اما البول فانه لا بدّ من غسله» (1).

و الرواية صحيحة لان سند الشيخ إلى الحسين بن سعيد صحيح.

و الحسين نفسه و بقية الرجال هم من أجلّاء أصحابنا.

3- و اما كونه مرّة واحدة

فلعدّة روايات كصحيحة جميل بن دراج عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «إذا انقطعت درة البول فصبّ الماء» (2)، فإن إطلاق الصبّ يصدق بالمرة الواحدة.

و القول بالتعدّد مبني على المناقشة في الرواية السابقة و أمثالها بعدم كونها في مقام البيان من الناحية المذكورة، و هو يقتضي التعدّد

____________

(1) وسائل الشيعة الباب 9 من أبواب أحكام الخلوة الحديث 1.

(2) وسائل الشيعة الباب 31 من أبواب أحكام الخلوة الحديث 1.

32

يقتضي التعدّد لاستصحاب النجاسة بناء على جريان الاستصحاب في الأحكام الكلّية.

و تؤكّد اعتبار التعدّد رواية البزنطي: «سألته عن البول يصيب الجسد. قال: صبّ عليه الماء مرّتين، انّما هو ماء» (1)، بناء على صدق الاصابة على الواصل من الجسد إليه.

أجل مع إنكار الاستصحاب و دلالة الرواية المذكورة يتعيّن الرجوع إلى قاعدة الطهارة عند الغسل مرّة واحدة.

ثمّ ان في رواية البزنطي مشكلتين ينبغي الالتفات إليهما:

الاولى: ان الرواية المذكورة رواها ابن إدريس في مستطرفاته (2).

و طريقه إليها حيث لم يذكره فهو مجهول و ساقط عن الاعتبار إلّا ما ينقله عن أصل محمّد بن علي بن محبوب الأشعري فانه صرّح بانه رآه بخط الشيخ الطوسي، و الشيخ له طريق معتبر إلى ابن محبوب على ما في الفهرست (3).

الثانية: ان الرواية مضمرة، و هي ساقطة عن الاعتبار من الناحية المذكورة أيضا.

و يمكن الجواب: اما ببيان ان البزنطي من أجلّاء الأصحاب الذين لا تليق بهم الرواية عن غير الإمام (عليه السّلام) أو ببيان ان ذكر الضمير بدون مرجع قضية غير مألوفة في اللغة العربية، فلا يليق بالعارف بأساليب الكلام إذا دخل على جماعة من الناس ان يقول: سألته من دون ذكر

____________

(1) وسائل الشيعة الباب 26 من أبواب احكام الخلوة الحديث 9.

(2) السرائر: 473.

(3) الفهرست: 145.

33

مرجع الضمير.

و معه يلزم في موارد ذكر الضمير بدون مرجع وجود عهد خاص بين الطرفين لمرجع الضمير اعتمدا عليه في تشخيص المرجع، و بسبب ذلك ذكر الضمير.

و حيث لا يوجد شخص يليق ان يكون معهودا في الأوساط الشيعيّة إلّا الإمام (عليه السّلام) فيتعيّن ان يكون هو المرجع.

و إذا قيل: لعل هناك شخصا غير الإمام (عليه السّلام) كان معهودا بين الطرفين اعتمدا على عهده في ذكر الضمير و لا يتعيّن كون المعهود هو الإمام (عليه السّلام).

قلنا: ان المضمر كالبزنطي مثلا حيث انه لم يحتكر الرواية على نفسه بل حدّث بها غيره أو سجّلها في أصله فذلك يدل على انه أراد نقلها لجميع الأجيال. و حيث لا يوجد شخص تعهده الأجيال جميعا إلّا الإمام (عليه السّلام) فيثبت بذلك رجوع الضمير إليه (عليه السّلام).

و الفارق بين البيانين اختصاص الأوّل بما إذا كان المضمر من أجلّاء الأصحاب بخلاف الثاني فانه عام للجميع.

4- و اما الحكم بالبولية على الخارج قبل الاستبراء بالرغم من اقتضاء قاعدة الطهارة الحكم بعدم ذلك

فللروايات الحاكمة بانتقاض الطهارة أو ببولية المشتبه، كمفهوم صحيحة محمّد بن مسلم: «قلت لأبي جعفر (عليه السّلام): رجل بال و لم يكن معه ماء. قال: يعصر أصل ذكره إلى طرفه ثلاث عصرات، و ينتر طرفه، فإن خرج بعد ذلك شيء فليس من

34

البول و لكنه من الحبائل» (1).

5- و اما الاكتفاء بطول المدّة

فلان المطلوب بالاستبراء نقاء المحل فمع الاطمئنان به تترتّب فائدته.

هذا مضافا إلى التمسّك باستصحاب عدم خروج البول، و بقطع النظر عنه فبقاعدة الطهارة فان الحاكم عليهما- و هو الصحيحة المتقدّمة- يختص بغير هذه الحالة.

3- الوضوء

كيفية الوضوء

يجب في الوضوء غسل الوجه ما بين قصاص الشعر و الذقن طولا و ما بين الابهام و الوسطى عرضا. و المشهور عدم جواز النكس.

ثم غسل اليدين بتقديم اليمنى من المرفق إلى أطراف الأصابع بدون نكس.

ثم مسح مقدّم الرأس بمقدار المسمّى.

ثم مسح الرجلين إلى الكعبين كذلك، بمسح اليمنى باليمنى اولا و اليسرى باليسرى، و يجوز فيه النكس، و يلزم كونه بنداوة الوضوء.

و المستند في ذلك:

1- اما ان الوضوء مركّب من غسلين و مسحين

فيكفي لإثباته كتاب اللّه العزيز: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى

____________

(1) وسائل الشيعة الباب 11 من أبواب أحكام الخلوة الحديث 2.

35

الْكَعْبَيْنِ (1) فان الأرجل عطف على محل المجرور كما يقتضيه الظهور و صحيحة زرارة الآتية في الرقم 3.

2- و اما تحديد الوجه

بما ذكر فلصحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السّلام): «أخبرني عن حدّ الوجه الذي ينبغي ان يوضأ الذي قال اللّه عزّ و جلّ، فقال: الوجه الذي قال اللّه و أمر اللّه عزّ و جلّ بغسله الذي لا ينبغي لأحد ان يزيد عليه و لا ينقص منه، إن زاد عليه لم يؤجر و ان نقص منه أثم ما دارت عليه الوسطى و الابهام من قصاص شعر الرأس إلى الذقن و ما جرت عليه الاصبعان من الوجه مستديرا فهو من الوجه.

و ما سوى ذلك فليس من الوجه. فقال له الصدغ من الوجه؟ فقال: لا» (2).

و طريق الصدوق إلى زرارة صحيح في المشيخة. و بقطع النظر عنه يكفي طريق الكليني.

ثمّ ان الظاهر ان التحديد بما ذكر ملحوظ بنحو الطريقيّة دون الموضوعية، و معه يلزم رجوع الانزع و الاغم و طويل الأصابع و قصيرها الى المتعارف.

3- و اما عدم جواز النكس

فقد يستدل له:

تارة بالأخبار البيانية كصحيحة زرارة: «حكى لنا أبو جعفر (عليه السّلام) وضوء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فدعا بقدح من ماء فأدخل يده اليمنى فأخذ كفّا من ماء فأسدلها على وجهه من أعلى الوجه ثمّ مسح بيده الجانبين جميعا ثم أعاد اليسرى في الإناء فأسدلها على اليمنى ثمّ مسح جوانبها ثمّ أعاد اليمنى في الإناء ثمّ صبّها على اليسرى فصنع بها كما صنع

____________

(1) المائدة: 6.

(2) وسائل الشيعة الباب 17 من أبواب الوضوء الحديث 1.

36

باليمنى ثمّ مسح ببقية ما بقي في يديه رأسه و رجليه و لم يعدهما في الإناء» (1) حيث أسدل (عليه السّلام) الماء من أعلى الوجه.

و اخرى بأصالة الاشتغال حيث لا يقطع بالفراغ مع النكس.

و يرد الأوّل ان الفعل أعمّ من الوجوب.

و الثاني انه بعد ثبوت إطلاق الآية الكريمة- الذي هو دليل اجتهادي- لا معنى للرجوع إلى الأصل.

و لو قطعنا النظر عن الإطلاق فالأصل الجاري هو البراءة على ما هو الصحيح في مسألة الأقل و الأكثر الارتباطيين إلّا بناء على ان الواجب هو الطهارة المسببة- دون نفس الغسل و المسح- الذي لازمه صيرورة المقام من قبيل الشك في المحصل. و لكنه مرفوض فان مقتضى ظاهر آية الوضوء وجوب نفس الغسل و المسح.

و مع التنزل فوجوب الاحتياط في موارد الشك في المحصل الشرعي بعد كون وظيفة الشارع بيانه أوّل الكلام بل مقتضى عموم أدلّة البراءة الشرعية عدمه.

و من خلال هذا كلّه اتّضح جواز النكس لإطلاق الأمر بالغسل، و بقطع النظر عنه يمكن التمسك بأصل البراءة.

هذا و لكن الاحتياط بالعدم- حذرا من مخالفة المشهور- لا ينبغي تركه.

4- و اما وجوب غسل اليدين بالمقدار المذكور فهو مقتضى آية الوضوء.

____________

(1) وسائل الشيعة الباب 15 من أبواب الوضوء الحديث 10.

37

و هل المرفق يجب غسله أيضا؟ ان الآية الكريمة لا دلالة لها من هذه الناحية. أجل ورد في بعض الأخبار البيانية: «... ثم غمس يده اليسرى فغرف بها ملأها ثمّ وضعه على مرفقه اليمنى ... ثمّ غرف بيمينه ملأها فوضعه على مرفقه اليسرى ...» (1) و ظاهر كل ما يذكر فيها الوجوب إلّا إذا دلّ من الخارج دليل على العدم. و إذا لم نقبل هذا و قلنا ان الفعل أعم من الوجوب فليس لنا إلّا التسالم على ذلك و عدم نقل الخلاف إلّا عن زفر من العامة (2).

5- و اما عدم جواز النكس في غسل اليدين و لزوم تقديم اليمنى و المسح على مقدّم الرأس و كفاية مسمّى المسح و اعتبار المسح على الرجلين دون الغسل

فقد تقدّمت الإشارة إليه في القسم الأوّل من الكتاب (3).

6- و اما لزوم الاستيعاب الطولي ما بين رءوس الأصابع إلى الكعبين

فقد وقع محلّا للخلاف فاكتفى جماعة منهم صاحب الحدائق بمسح البعض (4).

و الآية الكريمة شاهد على قول المشهور بناء على قراءة النصب التي لا تقدّر معها الباء- المستفاد منها التبعيض- في الأرجل و وضوح كون الغاية راجعة إلى تحديد الممسوح دون المسح بقرينة جواز النكس جزما. و معه فلا يقال بأن انتهاء المسح إلى الكعبين

____________

(1) وسائل الشيعة الباب 15 من أبواب الوضوء الحديث 2.

(2) جواهر الكلام 2: 160.

(3) القسم الأول من الكتاب: 79.

(4) الحدائق الناضرة 2: 294.

38

لا يستلزم ابتداءه من رءوس الأصابع.

و لا يمكن التمسّك لكفاية مسح البعض بصحيحة زرارة و بكير:

«تمسح على النعلين و لا تدخل يدك تحت الشراك، و إذا مسحت بشيء من رأسك أو بشيء من قدميك ما بين كعبيك إلى أطراف الأصابع فقد أجزأك» (1) بدعوى دلالتها على كفاية مسح شيء من المحدود.

و الوجه فيه: ان ما ذكر يتم بناء على كون الموصول تفسيرا للقدمين لا لشيء، و حيث انّها مجملة من هذه الناحية فيعود ظهور الآية بلا مزاحم.

7- و اما الكعبان

فالمعروف إلى زمان العلّامة انّهما قبتا القدمين و هو فسّرهما بالمفصل بين الساق و القدم (2).

و الروايات ان لم تكن مؤيّدة للمشهور فلا أقل من تضاربها، و هكذا كلمات اللغويين متضاربة من هذه الناحية.

و المناسب ان يقال: ان شدّة الابتلاء بالمسألة كلّ يوم تؤكد ان المعنى المعروف قبل العلّامة هو الصحيح لأنه اما توارثوه جيلا بعد جيل عن المعصوم (عليه السّلام) أو انّهم استندوا إلى فهمهم ذلك من الروايات، و خطأ الجميع بعيد.

هذا مضافا إلى ان الكعب بمعنى الارتفاع و الارتفاع البارز ليس إلّا القبة.

هذا كله بالقياس إلى الامامية.

____________

(1) وسائل الشيعة الباب 23 من أبواب الوضوء الحديث 4.

(2) جامع المقاصد 1: 220.

39

و اما غيرهم فقد فسّروا الكعب بالعظمين الناتئين عن يمين الساق و شمالها (1).

و استدلوا بان الكعب في كل رجل لو كان واحدا فالمناسب التعبير ب«إلى الكعاب»، كما قال تعالى: إِنْ تَتُوبا إِلَى اللّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما (2) لمّا كان لكل واحدة قلب واحد.

و فيه: ان الاستعمال بنحو الجمع في بعض الموارد لا يدل على انحصار الصحة به.

8- و امّا كفاية المسمّى عرضا في مسح الرجلين

فهو المشهور و خالف الشيخ الصدوق حيث اختار لزوم مسحهما بتمام الكفّ (3).

و قد يستدل له بصحيحة البزنطي عن الرضا (عليه السّلام): «سألته عن المسح على القدمين كيف هو؟ فوضع كفّه على الأصابع فمسحها إلى الكعبين إلى ظاهر القدم. فقلت: جعلت فداك لو ان رجلا قال باصبعين من أصابعه هكذا فقال لا إلّا بكفيه (بكفه) كلّها» (4).

و المناسب ان يقال: مقتضى آية الوضوء بناء على قراءة الجر كفاية المسح بقدر المسمّى عرضا لتقدير الباء.

و اما على قراءة النصب فلا يلزم الاستيعاب لجميع القدم و لا المسح بمقدار الكفّ لمنافاة ذلك و كون المسح إلى الكعب بمعنى القبة، فان المسح إلى ذلك لا يمكن تحقّقه إلّا بمقدار اصبع أو اصبعين اللهم إلّا إذا فسّر

____________

(1) التفسير الكبير 6: 165، و احكام القرآن للجصاص 2: 436، و تفسير القرطبي 6: 96.

(2) التحريم: 4.

(3) من لا يحضره الفقيه 1: 28.

(4) وسائل الشيعة الباب 24 من أبواب الوضوء الحديث 4.

40

الكعبان بحدهما لا بنفسهما لكنه تحميل على الآية الكريمة.

و إذا كان هذا المقدار يكفي في ردّ الصحيحة السابقة لصدق عنوان كونها مخالفة للكتاب فالأمر واضح، و ان رفضنا ذلك- كأن يدعى ان المورد من قبيل المطلق و المقيّد- فيمكن ان يقال ان المسح بتمام الكفّ لو كان لازما لذاع و اشتهر لشدّة الابتلاء و الحال ان ذلك لم يعرف إلّا من الصدوق.

شرائط الوضوء

يلزم في الوضوء: النية، بمعنى قصد الفعل بداعي امتثال أمر اللّه سبحانه، و طهارة الماء، و إباحته، و إطلاقه، و الترتيب، و الموالاة، و المباشرة.

و المشهور اعتبار طهارة الأعضاء، و عدم المانع من استعمال الماء شرعا.

و المستند في ذلك:

1- اما لزوم النية بالمعنى المتقدّم

فلانه لازم العبادية.

اما كيف نثبت العبادية و النصوص خالية منها؟

قد يربط ذلك بمسألة ان الأصل في مشكوك العبادية هو العبادية أو التوصليّة فإذا بني على اقتضائه العبادية- لما افيد في الكفاية من عدم احراز تحقّق غرض المولى إلّا بقصد القربة- تثبت بذلك العبادية في المقام.

بيد ان المبنى قابل للتأمّل لأنه مبني على استحالة أخذ قصد التقرّب في متعلّق الامر، امّا بعد امكانه- كما هو الصحيح- فيستكشف من اطلاقه كونه توصليا.

و مع التنزل يمكن التمسك بالبراءة لنفي احتمال المدخلية في

41

الغرض بعد إمكان بيانها بجملة خبرية.

و الاولى التمسك بالارتكاز الواضح لدى كل متشرّع على عبادية الوضوء و ذلك يكشف عن وصوله يدا بيد من المعصوم (عليه السّلام).

و ممّا يؤكّد ذلك صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «الصلاة ثلاثة أثلاث: ثلث طهور و ثلث ركوع و ثلث سجود» (1)، فان الصلاة ما دامت قربية فأركانها الأساسية التي منها الطهور يلزم ان تكون كذلك أيضا.

و من خلال هذا تتّضح مبطلية الرياء للوضوء و لكل عمل عبادي بل هو محرّم و من الكبائر لكونه شركا باللّه سبحانه.

و في الحديث: «لو ان عبدا عمل عملا يطلب به وجه اللّه و الدار الآخرة و أدخل فيه رضا أحد من الناس كان مشركا» (2)، و الشرك حرام و لازم الحرمة البطلان.

و في الحديث الصحيح عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «يؤمر برجال إلى النار ...

فيقول لهم خازن النار: يا أشقياء ما كان حالكم؟ قالوا: كنّا نعمل لغير اللّه، فقيل لنا: خذوا ثوابكم ممّن عملتم له» (3).

و في حديث صحيح آخر عنه (صلّى اللّه عليه و آله): «سئل فيما النجاة غدا؟ فقال: إنّما النجاة في ان لا تخادع اللّه فيخدعكم فانه من يخادع اللّه يخدعه و يخلع منه الايمان، و نفسه يخدع لو يشعر. قيل له: فكيف يخادع اللّه؟ قال:

يعمل بما أمره اللّه ثم يريد به غيره. فاتقوا اللّه في الرياء فانه الشرك

____________

(1) وسائل الشيعة الباب 9 من أبواب الركوع الحديث 1.

(2) وسائل الشيعة الباب 11 من أبواب مقدّمة العبادات الحديث 11.

(3) وسائل الشيعة الباب 12 من أبواب مقدمة العبادات الحديث 1.

42

باللّه. ان المرائي يدعى يوم القيامة بأربعة أسماء: يا كافر يا فاجر يا غادر يا خاسر، حبط عملك و بطل أجرك فلا خلاص لك اليوم فالتمس أجرك ممّن كنت تعمل له» (1).

2- و اما انه لا تلزم النية بأكثر من ذلك

- كإحضار صورة العمل أو نيّة القضاء و الاداء أو نيّة الوجوب و الندب- فلعدم الدليل إلّا إذا توقف تمييز العمل على ذلك، كمن عليه صلاة الصبح قضاء و اداء.

3- و اما اعتبار طهارة الماء

فللنصوص المتواترة كموثقة سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «رجل معه إناءان فيهما ماء وقع في أحدهما قذر لا يدري ايهما هو و ليس يقدر على ماء غيره. قال:

يهريقهما جميعا و يتيمم» (2) و غيرها. و الحكم من واضحات الفقه.

4- و اما اعتبار إباحته

فلانه بدونها يكون التوضؤ تصرفا غصبيا محرّما فيستحيل اتّصافه بالعبادية.

5- و اما اعتبار اطلاقه

فيدل عليه إطلاق قوله تعالى: ... فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا ... (3).

و لم ينقل الخلاف في ذلك إلّا عن الشيخ الصدوق فجوّز الوضوء بماء الورد (4) لرواية يونس عن أبي الحسن (عليه السّلام): «قلت له: الرجل يغتسل بماء الورد و يتوضّأ به للصلاة؟ قال: لا بأس بذلك» (5). و لا بدّ من

____________

(1) وسائل الشيعة الباب 11 من أبواب مقدمة العبادات الحديث 16.

(2) وسائل الشيعة الباب 8 من أبواب الماء المطلق الحديث 2.

(3) المائدة: 6.

(4) مدارك الاحكام 1: 110- 111.

(5) وسائل الشيعة الباب 3 من أبواب الماء المضاف الحديث 1.

43

توجيهها بشكل و آخر بعد هجران الأصحاب لمضمونها. على ان في سندها سهلا.

6- و اما اعتبار الترتيب

فهو أمر متسالم عليه. و يقتضيه صحيح زرارة: «سئل أحدهما (عليهما السّلام) عن رجل بدأ بيده قبل وجهه، و برجليه قبل يديه، قال: يبدأ بما بدأ اللّه به و ليعد ما كان» (1) و غيره.

و اما الآية الكريمة فلا يمكن استفادة الترتيب منها لا من حيث الواو لعدم دلالتها على الترتيب و لا من حيث الفاء لكونها تفريعية غير دالة على ذلك، كقولك: إذا رأيت العالم فقبّل وجهه و يده.

7- و اما اعتبار الموالاة

فمقتضى اطلاق أدلّة الوضوء عدمه إلّا أنّ صحيحة معاوية بن عمار: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): ربّما توضأت فنفد الماء فدعوت الجارية فأبطأت عليّ بالماء فيجف وضوئي، فقال:

أعد» (2) دلّت على اعتبار الموالاة بمعنى عدم الجفاف.

و موردها يختص بحالة الجفاف للتأخير، أما الجفاف لا لذلك- كما لو كان الجوّ حارّا- فلا تشمله و يمكن التمسّك لتصحيحه بالاطلاقات.

8- و اما اعتبار المباشرة

فهو متسالم عليه. و يمكن ان يستفاد من آية الوضوء إذ بدونها لا يتحقق اسناد الفعل إلى الفاعل الذي يدل على اعتباره ظاهر الآية.

9- و اما اعتبار طهارة الأعضاء

فقد ذهب إليه المشهور إلّا انه

____________

(1) وسائل الشيعة الباب 35 من أبواب الوضوء الحديث 1.

(2) وسائل الشيعة الباب 33 من أبواب الوضوء الحديث 3.

44

لا دليل عليه سوى التعدي من غسل الجنابة الذي دلّت صحيحة زرارة (1) و غيرها على لزوم غسل المواضع المتنجسة قبله أو لأنّ تنجّس الأعضاء يستلزم تنجس الماء، و قد مرّ اعتبار طهارته.

و يندفع الأوّل باحتمال الفارق.

و الثاني بعدم تنجس الماء مع الارتماس في الكثير أو فرض طهارة الغسالة المتعقبة بطهارة المحل.

و عليه فلا وجه لاعتبار طهارة الأعضاء إذا لم يلزم من نجاستها تنجس الماء.

10- و اما اعتبار عدم المانع

فالمناسب ان يقال: ان المانع تارة هو المزاحمة بالأهم و اخرى هو الحرج أو الضرر و ثالثة خوف العطش.

و في الأوّل يمكن تصحيح الوضوء بفكرة الترتّب.

و في الثاني يبطل لعدم الأمر به بعد وجود الحاكم عليه و هو دليل لا ضرر أو لا حرج، و بارتفاع الأمر لا يبقى ما يدلّ على الملاك ليمكن تصحيحه به فان الدلالة الالتزامية تابعة للدلالة المطابقية في الحجّية.

إلّا ان يقال ان الورود مورد الامتنان قرينة على ارتفاع الوجوب فقط دون الملاك و إلّا يلزم بطلانه في حق من تحمّل الضرر و الحرج و هو خلف الامتنان.

و في الثالث يحكم بالبطلان لان صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «الرجل يكون معه الماء القليل فان هو اغتسل به خاف العطش. أ يغتسل به أو يتيمم؟ فقال: بل يتيمم و كذلك إذا أراد

____________

(1) وسائل الشيعة الباب 26 من أبواب الجنابة الحديث 5.

45

الوضوء» (1) دلّت على ارتفاع الأمر بالوضوء، و معه لا يمكن تصحيحه لا به لعدمه و لا بالملاك لعدم الكاشف عنه.

نواقض الوضوء

ينتقض الوضوء: بالبول، و الغائط، و خروج الريح، و النوم، و كل ما يزيل العقل، و الاستحاضة القليلة و المتوسطة، و الجنابة.

و في حكم البول البلل المشتبه قبل الاستبراء.

و المستند في ذلك:

1- اما الانتقاض بالأربعة الأولى [أي البول، و الغائط، و خروج الريح، و النوم]

فهو متسالم عليه. و تدل عليه صحيحة زرارة: «قلت لأبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهما السّلام): ما ينقض الوضوء؟

فقالا: ما يخرج من طرفيك الأسفلين من الذكر و الدبر من الغائط و البول أو مني أو ريح و النوم حتى يذهب العقل ...» (2) و غيرها من الأخبار الكثيرة.

و سند الشيخ إذا كان ضعيفا بابن الوليد لعدم الاكتفاء بشيخوخة الإجازة فيمكن الاستعانة بطريق الكليني أو الصدوق.

2- و اما الانتقاض بما يزيل العقل

فأمر متسالم عليه. و يمكن ان يستأنس له بذيل الصحيحة المتقدّمة: «و النوم حتى يذهب العقل».

و التسالم ان لم يكن مستندا الى مثل هذه الرواية فهو كاشف عن وصول الحكم يدا بيد من المعصوم (عليه السّلام)، و ان كان مستندا إليها ارتفعت دلالتها الى مستوى الاطمئنان.

____________

(1) وسائل الشيعة الباب 25 من أبواب التيمم الحديث 2.

(2) وسائل الشيعة الباب 2 من أبواب نواقض الوضوء الحديث 2.

46

3- و اما الانتقاض بالاستحاضة القليلة

فلصحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «... و ان كان الدم لا يثقب الكرسف توضأت و دخلت المسجد وصلت كل صلاة بوضوء» (1).

و لم ينسب الخلاف في المسألة إلّا إلى ابن أبي عقيل حيث لم يوجب عليها شيئا و ابن الجنيد حيث أوجب عليها الغسل لكل يوم مرّة (2).

4- و اما الانتقاض بالاستحاضة المتوسطة

فلموثقة سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «المستحاضة إذا ثقب الدم الكرسف اغتسلت لكل صلاتين و للفجر غسلا، و ان لم يجز الدم الكرسف فعليها الغسل لكل يوم مرّة و الوضوء لكل صلاة ...» (3).

و هي تدل على ان المستحاضة الكبيرة لا تنتقض طهارتها بل عليها الغسل ثلاث مرّات.

و بقطع النظر عن ذلك يكفينا استصحاب بقاء الطهارة بلا حاجة إلى دليل ينفي انتقاضها. أجل هو يتم بناء على جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية.

5- و اما الانتقاض بالمني

فلصحيحة زرارة السابقة.

6- و اما الانتقاض بالجماع

فلصحيحة أبي مريم: «قلت لأبي جعفر (عليه السّلام): ما تقول في الرجل يتوضأ ثمّ يدعو جاريته فتأخذ بيده حتى ينتهي الى المسجد فان من عندنا يزعمون انها الملامسة فقال:

____________

(1) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب الاستحاضة الحديث 1.

(2) الحدائق الناضرة 3: 277.

(3) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب الاستحاضة الحديث 6.

47

لا و اللّه، ما بذلك بأس، و ربما فعلته، و ما يعنى بهذا إلّا المواقعة في الفرج» (1).

و أبو مريم هو عبد الغفار بن القاسم قد وثّقه النجاشي (2).

7- و اما ان البلل المشتبه قبل الاستبراء بحكم البول

فلما تقدّم في أحكام التخلي.

متى يجب الوضوء؟

يجب الوضوء للصلاة الواجبة- ما عدا الصلاة على الميت- و للاجزاء المنسية، و لصلاة الاحتياط، و للطواف الواجب، و بالنذر و اخويه.

و المستند في ذلك:

1- اما وجوبه للصلاة الواجبة

فهو من الضروريات، و تدلّ عليه آية الوضوء (3) و النصوص المتواترة كصحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السّلام): «لا صلاة إلّا بطهور» (4) و غيرها.

2- و اما عدم وجوبه في المستثنى

فلما يأتي عند البحث عنه.

3- و اما وجوبه للأجزاء المنسية و لصلاة الاحتياط

فلأنهما جزء من الصلاة، بل الثانية صلاة حقيقة فتكون مشمولة لإطلاق النصوص.

4- و اما وجوبه للطواف الواجب

فلصحيح علي بن جعفر عن أخيه (عليه السّلام): «... و سألته عن رجل طاف ثم ذكر انه على غير وضوء.

____________

(1) وسائل الشيعة الباب 9 من أبواب نواقض الوضوء الحديث 4.

(2) رجال النجاشي: 173، منشورات مكتبة الداوري.

(3) المائدة: 6.

(4) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب الوضوء الحديث 1.

48

قال: يقطع طوافه و لا يعتدّ به» (1). و هي صحيحة في ثلاث من طرقها الأربع.

5- و اما وجوبه في المورد الأخير

فلوجوب الوفاء بالنذر و أخويه.

أحكام خاصة بالوضوء

من تيقن الحدث و شك في الطهارة أو بالعكس بنى على الحالة السابقة.

و من شك في الطهارة بعد الصلاة بنى على صحتها و توضأ لما يأتي.

و من شك فيها أثناءها قطعها و استأنفها بعد الوضوء.

و من شك في حاجبية الموجود أو وجود الحاجب قبل الوضوء أو أثناءه فلا بدّ له من تحصيل اليقين أو الاطمئنان بعدمه، و لو كان بعده بنى على صحته اما مطلقا أو مع احتمال الالتفات على الخلاف.

و كذا يبنى على الصحة مع العلم بوجود الحاجب و الشكّ في ان الوضوء قبله أو بعده.

و من كان بعض أعضاء وضوئه متنجسا و توضأ و شك في تطهيرها بنى على الصحة و بقاء النجاسة فيجب غسلها لما يأتي من أعمال.

و المستند في ذلك:

1- اما البناء على الحالة السابقة المتيقنة

فللاستصحاب.

2- و اما البناء على الصحة لمن شك في الطهارة بعدها

فلقاعدة الفراغ المستندة إلى موثقة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السّلام): «كل ما شككت فيه ممّا قد مضى فامضه كما هو» (2) و غيرها.

____________

(1) وسائل الشيعة الباب 38 من أبواب الطواف الواجب الحديث 4.

(2) وسائل الشيعة الباب 23 من أبواب الخلل في الصلاة الحديث 3.

49

3- و اما وجوب الوضوء لما يأتي

فللزوم احراز شرط العمل قبل الاشتغال به بعد فرض عدم جريان قاعدة الفراغ بلحاظه. و هي و ان جرت بلحاظ العمل السابق إلّا انها ليست حجّة في اثبات لوازمها غير الشرعية.

4- و اما وجوب الوضوء لمن شك في الأثناء

فللزوم احراز الشرط بلحاظ ما يأتي، و قاعدة الفراغ و ان جرت بلحاظ الأجزاء السابقة إلّا انها ليست حجّة في اثبات لوازمها غير الشرعيّة.

5- و اما ان الشاك في حاجبية الموجود يلزمه تحصيل اليقين أو الاطمئنان

فلان اللازم غسل الوجه و اليدين و الذمة مشتغلة بذلك فيلزم تحصيل اليقين بالفراغ. و استصحاب عدم تحقّق الحجب لا يجدي لأنه أصل مثبت.

و إذا قيل: ان هذا مقتضى القاعدة إلّا ان صحيحة علي بن جعفر عن أخيه (عليه السّلام): «سألته عن المرأة عليها السوار و الدملج في بعض ذراعها لا تدري يجري الماء تحته أم لا كيف تصنع إذا توضأت أو اغتسلت؟ قال: تحرّكه حتى يدخل الماء تحته أو تنزعه. و عن الخاتم الضيق لا يدري هل يجري الماء تحته إذا توضأ أم لا كيف تصنع؟ قال:

ان علم ان الماء لا يدخله فليخرجه إذا توضأ» (1) دلّت في ذيلها على عدم لزوم تحصيل العلم بوصول الماء و كفاية الشك.

كان الجواب: ان صدرها يدل على لزوم تحصيل العلم، و مع التهافت بين الصدر و الذيل لا يبقى ما يمنع من التمسّك بمقتضى القاعدة.

____________

(1) وسائل الشيعة الباب 41 من أبواب الوضوء الحديث 1.

50

6- و اما الوجه في كفاية الاطمئنان

فلانعقاد السيرة العقلائية الممضاة بعدم الردع عن التمسّك به.

7- و اما لزوم ذلك حالة الشك في وجود المانع

فلما تقدّم نفسه.

و المشهور ذهب إلى العدم، و لعلّه لاستصحاب عدم وجود الحاجب، و لكنه مثبت إذا الواجب تحصيل غسل الوجه و اليدين و هو ليس لازما شرعيّا لعدم وجود الحاجب.

و إذا قيل: ان سيرة المتشرّعة جارية على عدم الفحص كما ادّعى ذلك صاحب الجواهر (1) و الشيخ الانصاري (2).

كان الجواب: ان ذلك اما من جهة الغفلة أو الاطمئنان بالعدم، و اما عند الشك فانعقاد سيرتهم على ما ذكر مشكوك، و يكفي الشك في ذلك بعد لزوم الاقتصار في الدليل اللبّي على القدر المتيقّن.

8- و اما البناء على الصحة إذا كان الشك بعد الفراغ

فلقاعدة الفراغ.

هذا و قد ذهب جمع من الأعلام إلى اشتراط احتمال الالتفات في جريانها لنكتتين:

أ- ان القاعدة لم تشرع لتأسيس مطلب تعبّدي على خلاف المرتكزات العقلائية، و واضح ان العقلاء انّما يلغون الشك عند عدم القطع بالغفلة حين العمل.

ب- التمسّك بنكتة الاذكرية و الأقربية المشار إليها في موثقة

____________

(1) جواهر الكلام 2: 288.

(2) فرائد الأصول 2: 327، طبعة دار الاعتصام.

51

بكير بن أعين: «... هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشك» (1) و رواية محمد بن مسلم الواردة في من شك بعد الفراغ من الصلاة في انّه صلّى ثلاثا أو أربعا: «و كان حين انصرف أقرب إلى الحق منه بعد ذلك» (2) فان مقتضاها الاقتصار على الموارد التي يحتمل فيها الالتفات.

و تحقيق الحال يحتاج الى مستوى أعلى من البحث.

9- و اما البناء على الصحّة عند الشك في تقدّم الوضوء و تأخّره عن وجود الحاجب

فلقاعدة الفراغ.

10- و اما الحكم بالصحة في الفرع الأخير

فلقاعدة الفراغ. و الوجه في الحكم ببقاء النجاسة هو الاستصحاب بعد عدم حجية القاعدة في إثبات لوازمها غير الشرعية.

وضوء الجبيرة

إذا كان على بعض أعضاء الوضوء جبيرة- لجرح أو قرح أو كسر- فمع امكان إيصال الماء تحتها بلا ضرر و لو بغمسها أو نزعها يجب ذلك و إلّا لزم المسح عليها.

و مع عدم وضع الجبيرة و انكشاف الموضع يكفي في الجرح و القرح غسل ما حولهما و في الكسر التيمم.

و اللاصق الحاجب كالقير تجب إزالته، و مع عدم الإمكان يجب التيمم إن لم يكن في موضعه و إلّا فاللّازم الجمع بين التيمم و الوضوء.

____________

(1) وسائل الشيعة الباب 42 من أبواب الوضوء الحديث 7.

(2) وسائل الشيعة الباب 27 من أبواب الخلل في الصلاة الحديث 3.

52

و المستند في ذلك:

1- اما وجوب نزع الجبيرة أو غمسها مع الامكان

فلانه مقتضى ما دل على وجوب الوضوء على المتمكن منه.

2- و اما وجوب المسح عليها مع التعذر

فللروايات الخاصة- و ان كانت القاعدة تقتضي التيمم لعدم القدرة على الوضوء التام- كصحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «سئل عن الرجل تكون به القرحة في ذراعه أو نحو ذلك في مواضع الوضوء فيعصبها بالخرقة و يتوضّأ و يمسح عليها إذا توضأ؟ فقال: ان كان يؤذيه الماء فليمسح على الخرقة» (1).

و إذا كان مثل صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج: «سألت أبا الحسن الرضا (عليه السّلام) عن الكسير تكون عليه الجبائر أو تكون به الجراحة كيف يصنع بالوضوء؟ و عند غسل الجنابة و غسل الجمعة؟ فقال:

يغسل ما وصل إليه الغسل ممّا ظهر ممّا ليس عليه الجبائر و يدع ما سوى ذلك ممّا لا يستطيع غسله و لا ينزع الجبائر و يعبث بجراحته» (2) مطلقا و غير دال على مسح موضع الجبيرة إلّا انه قابل للتقييد بما ذكر.

و الروايتان و ان كانتا ناظرتين إلى المسح في موضع الغسل إلّا انه بالأولوية يثبت ذلك في موضع المسح أيضا.

ثم ان المذكور في صحيحة الحلبي و ان كان هو القرحة إلّا ان الجواب يفهم منه عدم الاختصاص بها.

3- و اما وجوب غسل ما حول الجرح و القرح المكشوفين

____________

(1) وسائل الشيعة الباب 39 من أبواب الوضوء الحديث 2.

(2) وسائل الشيعة الباب 39 من أبواب الوضوء الحديث 1.

53

فلصحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «قال سألته عن الجرح كيف يصنع صاحبه؟ قال: يغسل ما حوله» (1) اما لان عدم افتراض التعصيب يولّد نفسه ظهورا في المكشوف أو لأنّ ضمّها الى صحيحة الحلبي يولد ذلك.

ثمّ ان الصحيحة و ان كانت واردة في الجرح دون القرح إلّا انه لا يحتمل الاختصاص به بل القرح جرح في حقيقته.

4- و اما وجوب التيمم في الكسر

فلانه مقتضى القاعدة إذ مع عدم وجود نص على الخلاف يجب التيمم عملا بقوله تعالى: فَلَمْ تَجِدُوا ... (2) بعد بطلان قاعدة الميسور سندا أو دلالة. و النص المتقدّم وارد في الكسير المجبور.

5- و أما وجوب إزالة الحاجب

فلتوقف صدق الغسل و المسح على ذلك.

6- و اما وجوب التيمم مع عدم إمكان الإزالة

فلانه مقتضى القاعدة، لوجوب التيمم على كل من لا يمكنه استعمال الماء.

7- و اما وجوب الجمع في الفرض الأخير

فللعلم الإجمالي بوجوب الوضوء أو التيمم بعد ضمّ قاعدة عدم سقوط الصلاة بحال.

____________

(1) وسائل الشيعة الباب 39 من أبواب الوضوء الحديث 3.

(2) المائدة: 6.

54

4- الغسل

أسباب الغسل

الأسباب الموجبة للغسل ستة: الجنابة، و الحيض، و النفاس، و الاستحاضة، و مسّ الميّت، و الموت.

و المستند في ذلك:

1- اما وجوب الغسل لأحد الستّة

فللروايات الكثيرة كموثقة سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «غسل الجنابة واجب و غسل الحائض إذا طهرت واجب و غسل المستحاضة (الاستحاضة) واجب إذا احتشت بالكرسف و جاز الدم الكرسف فعليها الغسل لكل صلاتين و للفجر غسل، و ان لم يجز الدم الكرسف فعليها الغسل كلّ يوم مرّة و الوضوء لكل صلاة، و غسل النفساء واجب، و غسل الميّت واجب» (1).

هكذا روى الكليني. و زاد الشيخ و الصدوق: «و غسل من مسّ ميّتا واجب».

2- و اما الحصر في الستة

فهو المشهور. و توجد بعض الروايات الدالّة على وجوب غيرها كالغسل للإحرام و للجمعة.

و لكن يردها: ان ذلك لو كان واجبا لذاع و اشتهر خصوصا مع كثرة الابتلاء ببعضها.

____________

(1) وسائل الشيعة الباب 1 من أبواب الجنابة الحديث 3.

55

الجنابة

بم تتحقّق الجنابة؟

تتحقّق الجنابة بأحد سببين: خروج المني، و الجماع في قبل المرأة أو الدبر.

و يلحق بالأوّل خروج الرطوبة المشتبهة بعد الغسل و قبل الاستبراء بالبول.

و المستند في ذلك:

1- اما تحقّقها بخروج المني

فللروايات المتضافرة كصحيحة الحلبي: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن المفخّذ عليه غسل؟ قال: نعم إذا أنزل» (1) و غيرها.

2- و اما تحققها بالجماع في قبل المرأة

فللضرورة و التسالم و إطلاق الآية الكريمة: أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ ... (2)، و الروايات المتواترة، كصحيح محمّد بن إسماعيل بن بزيع: «سألت الرضا (عليه السّلام) عن الرجل يجامع المرأة قريبا من الفرج فلا ينزلان متى يجب الغسل؟ فقال: إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل فقلت: التقاء الختانين هو غيبوبة الحشفة؟ قال: نعم» (3).

3- و اما تحققها بالجماع في دبرها

فهو المشهور، لإطلاق الآية:

أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ ...* و اطلاق بعض الأخبار، كصحيحة محمّد بن

____________

(1) وسائل الشيعة الباب 7 من أبواب الجنابة الحديث 1.

(2) النساء: 43.

(3) وسائل الشيعة الباب 6 من أبواب الجنابة الحديث 2.

56

مسلم عن أحدهما (عليهما السّلام): «سألته متى يجب الغسل على الرجل و المرأة؟

فقال: إذا أدخله فقد وجب الغسل و المهر و الرجم» (1).

نعم ورد في بعض الروايات ما يدلّ على عدم تحقّقها بذلك، كمرسلة البرقي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «إذا أتى الرجل المرأة في دبرها فلم ينزلا فلا غسل عليهما، و ان أنزل فعليه الغسل و لا غسل عليها» (2).

إلّا انها ضعيفة بالارسال. و غيرها و ان كان صحيح السند لكنّه ضعيف الدلالة.

4- و هل يوجب الوطء في دبر الذكر الجنابة أيضا؟

المشهور ذلك اما للإجماع المدعى من قبل السيّد المرتضى، أو لإطلاق صحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة أو لرواية أبي بكر الحضرمي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): من جامع غلاما جاء يوم القيامة جنبا لا ينقيه ماء الدنيا، و غضب اللّه عليه و لعنه و أعدّ له جهنّم و ساءت مصيرا. ثم قال: ان الذكر يركب الذكر فيهتز العرش لذلك» (3).

و الكل قابل للتأمّل.

أما الأوّل فلان الاجماع لم يثبت تحقّقه. و على فرض تحقّقه فهو محتمل المدرك.

و اما الثاني فلان الصحيحة منصرفة إلى دخول الرجل بالمرأة بالدخول المتعارف، أي في قبلها أو في دبرها أيضا، و انّما أطلق (عليه السّلام)

____________

(1) وسائل الشيعة الباب 6 من أبواب الجنابة الحديث 1.

(2) وسائل الشيعة الباب 12 من أبواب الجنابة الحديث 2.

(3) وسائل الشيعة الباب 17 من أبواب النكاح المحرّم الحديث 1.