كشف الغطاء عن مبهمات الشريعة الغراء - ج2

- الشيخ جعفر كاشف الغطاء المزيد...
439 /
7

كتاب الصلاة

و فيه مباحث:

[المبحث] الأوّل في بيان معناها

و لها معانٍ كثيرة، كالرحمة، و الاستغفار، و المتابعة، و المدح، و الثناء، و الدعاء، على وجه الاشتراك لفظيّاً، أو معنويّاً، في حدّ ذاتها أو باعتبار المتعلّق.

و بين الجميع و المعنى الجديد علاقة المجاز المرسل، فيمكن ملاحظة كلّ واحد منها في النقل أو الهجر (1) إلى المعنى الجديد.

و أظهر معانيها في اللغة الدعاء (2)، و لعلّه هو الملحوظ بالنسبة إلى وضع الشرع (ثمّ وضعت في مثل شريعة سيّد المرسلين، بل شرائع الأنبياء السالفين، بل منذ خلق القرآن المبين) (3) وضعاً أصليّاً تعيينيّاً لا هجريّاً تعيّنيّاً، لعمود الأعمال الدينيّة، و أوّل أُصول الفروع الشرعيّة، و العبادة المشروطة بالطهارة طبيعتها، أو باستقبال فاعلها أو فاعل ما يسمّى باسمها أو ما يتبعها القبلة، أو ما كان الركوع و السجود من أركانها، أو

____________

(1) في «ح» زيادة: من الشّخص، متّحداً أو متعدّداً و الجنس.

(2) انظر النهاية لابن لأثير 3: 50، و مجمع البحرين 1: 266، و كنز العرفان للفاضل المقداد 1: 57، و الإفصاح 2: 1273.

(3) بدل ما بين القوسين في «ح» كذا: بل هي من مبدء شريعة سيّد المرسلين، بل شرائع الأنبياء السالفين، بل منذ خلق القرآن المبين من أوضاع ربّ العالمين ثمّ وضعت.

8

ما كانت القراءة من واجباتها بالأصالة، أو ما اشتملت على الأقوال و الأفعال و تفصيلاتها المعلومة، أو ما كان التكبير ابتداءها، و التسليم ختامها، إلى غير ذلك من مميّزاتها المعلومة.

و التقييد بوصف الصحّة داخل في حقيقتها، دون القيد، و هي المقوّمة لها كيف كانت أفعالها و هيئتها؛ و لذلك يدور الإطلاق مدارها، فيصدق (1) الاسم مرّة مع اجتماع الواجبات فقط، أو مع المندوبات.

و قد يصدق على مجرّد الأركان، و مرّة على بعض الأركان، حتّى تنتهي إلى تكبيرة عوض الركعة.

و يكتفى مع الصحّة عن ركوعها و سجودها في صحّة إطلاقها بتغميض العينين، و يدور عليها حكم الفاعل و التارك و غيرهما من الأعمال، و لا شكّ في دخولها تحت الاسم معها، و عدم دخولها مع عدمها.

و يجري مثل هذا الكلام في جميع العبادات الصرفة، كما لا يخفى. فليست عبارة عن الأركان، و لا مطلق الواجبات، و لا مجموع ما بين التكبير و التسليم من الواجبات و المستحبّات، و ليست باقية على الوضع الأوّل و الأفعال خوارج، و لا مع التقييد بالأعمال حتّى يدخل التقييد و تخرج القيود.

و لا مجازاً في المعاني الجديدة المتكررة.

و لا حقيقة بنحو الوضع الهجري التعيّني، على نحو غيرها من العبادات المشهورة المتكررة.

فقد اتّضح بهذا أنّ ألفاظ العبادات من المجملات الموضوعة في الشرع لمعان جديدة، يتوقّف بيانها على تعريف الشارع كالأحكام الشرعيّة.

كما أنّ الموضوعات النحويّة و الصرفيّة و البيانيّة و النجوميّة و الحسابيّة و الموضوعات في جميع الصناعات، معرفتها و معرفة أحكامها موقوفة على بيان مؤسّسها.

____________

(1) في «ح» زيادة: على ما اجتمعت جميع الأركان أو بعضها.

9

ثمّ البيان قد يكون بالقول كما في الوضوء و التيمّم. و قد يكون بالفعل مقصوداً به التعليم كصلاته (عليه السلام) لتعليم حمّاد (1)، أو غير مقصود به ذلك، متبوع بالقول كقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) «صلّوا كما رأيتموني أُصلّي و حجّوا كما رأيتموني أحجّ» (2).

أو غير متبوع كما إذا رأيناه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قد عمل عملًا أو نُقِل عنه بطريق معتبر، فإنّه يقوم مقام القول؛ إلا أن يقوم دليل على الخلاف.

أو بالتقرير، كما إذا كان العمل بحضوره فارتضاه، أو سكت عنه في مقام لا ينبغي السكوت منه.

و في حكم ذلك ما قضى به جمع جميع ما ذكر في الروايات، و كلام الأصحاب من الأجزاء و الشروط و الموانع، فيحكم لذلك بنفي ما عداها.

و هذا النحو مجمع عليه، و السيرة قاضية به، لا بأصل عدم شغل الذمّة المردود بأصالة بقائه بعد اليقين (3)، و لا بأصل عدم زيادة تركّب المعنى المردود بأصل عدم تحقّقه، و لا بأصل عدم دخول شيء في الاسم إلا ما علم دخوله فيه، فيكون موضوعاً للمعلوم دون غيره؛ لأنّ اللغة لا تثبت إلا بطرق خاصّة، و ليس أصل العدم منها.

فليس حالنا إلا كحال العبيد في الاهتداء إلى طرق معرفة إرادة مواليهم، و كحال الصدر الأوّل نتلقّى الأحكام الشرعيّة و موضوعاتها على نحو تلقّيهم.

و لا تجب معرفة حقيقتها على المكلّفين (4) كما لا تلزم معرفة حقيقة غيرها من العبادات.

و لا تتوقّف عليها صحّة النيّة، و لو لا ذلك لفسدت أكثر عبادات المكلّفين؛ إذ لا يعرف حقيقة الصلاة و الصيام و الحجّ و العمرة و الإحرام سوى الأوحديّ من الناس.

____________

(1) الفقيه 1: 196 باب وصف الصلاة ح 916.

(2) عوالي اللآلي 1: 198 ح 8، صحيح البخاري 1: 162 باب الأذان للمسافر، و فيهما صدر الحديث.

(3) في «ح» زيادة: و لأنّه في حكم تعدّد الأفراد المتفاوتة و لوضوح الفرق بين الأجزاء و الجزئيّات، و لا بأصل عدم تحقّقه.

(4) في «ح» زيادة: و لا الفرق بين واجبها و ندبها.

10

و إذا تَتَبّعت كلمات أهل الفنّ وجدتها مختلفة في بيان معانيها أشدّ اختلاف (1)، فلو جاء العامل بأحد هذه الأعمال من غير علم بداخلها و خارجها و ندبها و واجبها، لم يكن عليه بأس.

و يجري نحو ما حرّرناه بداية و نهاية في تكليف كلّ مطاع بما وضع له اسماً و عيّن معناه، فيجري فيه وجوب الاحتياط، و إدخال ما يحتمل دخوله إن لم يقم فيه احتمال الإفساد.

____________

(1) و أُنظر المبسوط 1: 70، و النهاية و نكتها 1: 172، و تذكرة الفقهاء 2: 259، و المغني لابن قدّامة 1: 376، و شرح المهذّب 3: 1، و كنز العرفان 1: 57، و الإفصاح 2: 1273، و معجم مقاييس اللغة 3: 300، و مجمع البحرين 1: 266.

11

المبحث الثاني في بيان فضلها و كثرة مزيّتها على غيرها من العبادات

و ممّا يدلّ على ذلك قبل الخوض في الأدلّة امتيازها عنها بجمع محاسن لا توجد أكثرها في غيرها:

منها: الإقرار بالعقائد الدينيّة من التوحيد، و العدل، و النبوّة، و الإمامة، و المعاد.

و منها: مكارم الأخلاق من صورة الخضوع و الخشوع و التذلّل بالقيام و الركوع، و السجود، و وضع أشرف أعضاء البدن على التراب و شبهه.

و إظهار العجز عن يسير الأقوال و الأفعال إلا بإعانة ربّ العزّة و الجلال (1).

و [شمولها] على أكثر المستحبّات، و الوظائف المرغبات، من قراءة القرآن (2)، و الدعاء، و التسبيح، و التهليل، و التكبير، و التحميد، و المدح، و الشكر، و الصلاة على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و البراءة من أعدائهم لعنهم اللّه و غير ذلك.

و لذلك خُصّت بأُمور لم يكن أكثرها في غيرها، من طهارة حدث و خبث، و أفضل جهة و مكان و زمان و جوار (3) و منقول و محمول و منظور و لباس و هيئة، و أذان فيه

____________

(1) في «ح» زيادة: و على الاتّفاق من البدن و الجاه و المال على الظهور في العبوديّة.

(2) في «ح» زيادة: و قراءة أفضل سورة.

(3) في «ح» جواز.

12

إعلام، و إقامة و جماعة فيها، أو فيما يلتحق بها من صلاة الجنازة و نحوها.

و ترك ما فيه منافاة للإقبال و التوجّه، من قهقهة و بكاء لأُمور الدنيا، أو كلام غير قراءة و ذكر و دعاء، و من أكل و شرب، و فعل كثير، و سكوت ماح للصورة، و نحوها.

و فيها من الوعظ، و الزجر عن المعاصي و الملاهي و الظلم لذاتها، أو بسبب الاشتغال بها عنها، أو بما اشتملت عليه منهما.

و يُشير إلى الجميع قوله تعالى إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ (1).

و من جهة نظمها الذي هو من أكبر المعاجز، من البدأة بالأذان المشتمل على شبه الدعوى و البرهان، فالأكبريّة شاهد استحقاق العبوديّة، لكن لا ينافي وجود معبود آخر، فأتي بكلمة التوحيد.

ثمّ ذلك لا يفيد حتّى يثبت أمره و حكمه (2)، فقضت به شهادة الرسالة.

ثمّ لا تميل النفس إلى الصلاة حتّى تكون فيها ثمرة، فذكر أنّها فلاح.

ثمّ لا تتعيّن حتّى تكون خير العمل، إذ لو لم تكن كذلك لجاز الاشتغال عنها بغيرها.

و ربّع التكبير لبدأته و تعظيمه و ليتنبّه بالأوّل الغافل و بالثاني النائم و بالثالث الناسي و بالرابع المتشاغل.

و ثنّى الشهادة على وفق الشهادة.

و أتى بالإقامة محتجّاً بها على الغائب عن سماع الأذان إلى غير ذلك، (و سيتّضح لك شطر منها في بحث بيان الأسرار) (3).

و قد تكرّر الأمر بها و الحثّ عليها في كتاب اللّه زائداً على غيرها، و تعليل الفوائد الأُخرويّة بفعلها.

و نطقت الأخبار المتواترة معنىً ببيان فضلها؛ فقد روي عنهم (عليهم السلام):

____________

(1) العنكبوت: 45.

(2) في «ح» أمر و حكمة.

(3) ما بين القوسين زيادة في «ح».

13

«لا أعرف شيئاً بعد المعرفة أفضل من هذه الصلاة» (1).

و أنّ «صلاة فريضة خير من عشرين حجّة، و حجّة خير من بيت مملوء ذهباً يتصدّق منه حتّى يفنى» (2).

و «إنّ مثل الصلاة كمثل النهر الجاري، كلّما صلّى صلاة تكفّر ما بينهما من الذنوب» (3) و فيه ظهور في أنّ الماء الجاري لا ينجس بالملاقاة و إن قلّ، و إشارة إلى أنّ الذنوب إذا غلبت على الطاعات لا تؤثّر.

و أنّه «ما من عبد من شيعتهم يقوم إلى الصلاة، إلا اكتنفته بعدد من خالفه ملائكة يُصلّون خلفه و يدعون اللّه له حتّى يفرغ من صلاته» (4).

و في تخصيص ذلك بالعدول و خصوص الفريضة وجه لو أُريد بصلاة الملائكة نحو صلاتنا و بالخلف الجماعة، و إجراء أحكام إمامنا في إمامهم.

و أنّه «إذا قام العبد المؤمن في صلاته نظر اللّه إليه أو قال: أقبل اللّه عليه حتّى ينصرف، و أظلّته الرحمة من فوق رأسه إلى أُفق السماء، و الملائكة تحفّه من حوله إلى أُفق السماء، و وكّل اللّه به ملكاً قائماً على رأسه يقول له أيّها المصلّي لو تعلم من ينظر إليك و من تناجي ما التفتّ، و لا زلت من موضعك أبداً» (5) إلى غير ذلك من الأخبار (6).

____________

(1) الكافي 3: 264 ح 1، و في المصدر ما أعلم.

(2) الكافي 3: 265 ح 7.

(3) الفقيه 1: 136 ح 640 بتفاوت لفظي، التهذيب 2: 237 ح 938، نهج البلاغة: 316 الخطبة: 199، الوسائل 3: 7 أبواب أعداد الفرائض ب 2 ح 3، بحار الأنوار 82: 220، 236.

(4) الفقيه 1: 134 ح 629 و في المصدر: من شيعتنا.

(5) الكافي 3: 265 ح 5، الوسائل 3: 21 أبواب أعداد الفرائض ب 8 ح 5.

(6) الكافي 3: 264 باب فضل الصلاة ح 131، الفقيه 1: 133 باب فضل الصلاة ح 642622، التهذيب 2: 236 باب فضل الصلاة ح 932 948، الوسائل 3: 21 أبواب أعداد الفرائض ب 8.

14

المبحث الثالث في شدّة العناية بها و تأكّد وجوبها.

و هو معلوم من تتبّع آيات الكتاب و في بعضها (1) أنّ الكفّار حيث يسألون في النار عن سبب تعذيبهم يجيبون بترك الصلاة (2).

و من تتبّع الأخبار، كقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) «الصلاة مثل عمود الفسطاط إذا ثبت العمود نفعت الأطناب و الأوتاد و الغشاء (3) و هو الحبال القصار أو ما على البيت أو الخيمة يدار و إذا انكسر لم ينفع طنب و لا وتد، و لا غشاء» (4).

و (ربما أذن بالصحّة) (5)، «إنّ عمود الدين الصلاة، و هي أوّل ما ينظر فيه من عمل ابن آدم، إن صحّت نظر في عمله، و إلا لم ينظر في بقيّة عمله». (6) و «إنّ أوّل ما يحاسب به العبد الصلاة، فإن قبلت قبل ما سواها» (7).

____________

(1) المدثر: 43 يَتَساءَلُونَ عَنِ الْمُجْرِمِينَ ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ

(2) و في «ح» زيادة: و ادّعاء عدم الدلالة لبعض الوجوه لا وجه له.

(3) و في النسخ الغثاء و الصحيح ما أثبتناه كما في المصادر.

(4) الكافي 3: 266 ح 9، التّهذيب 2: 238، ح 942، الفقيه 1: 136 ح 639، الوسائل 3: 21 أبواب أعداد الفرائض ب 8 ح 6. و في المصادر كلّها: مثل الصلاة.

(5) ما بين القوسين ليس في: «س»، «م».

(6) التّهذيب 2: 237 ح 936، الوسائل 3: 23 أبواب أعداد الفرائض ب 8. ح 13.

(7) الكافي 3: 268 ح 4.

15

و (قد يفرّق بين القبول و الإجزاء) (1)، و «إنّ الصلاة إذا ارتفعت في وقتها رجعت إلى صاحبها و هي بيضاء مُشرقة تقول: حفظتني حفظك اللّه، و إذا ارتفعت في غير وقتها بغير حدودها رجعت إلى صاحبها و هي سوداء مُظلمة تقول: ضيّعتني ضيّعك اللّه» (2). (ثمّ قد يقال ببناء جميع ما فيه على الحقيقة و قد يبنى على التأويل) (3).

و أنّه بينا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) جالس في المسجد إذ دخل رجل فقام يصلّي فلم يتمّ ركوعه و لا سجوده، فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) «نقر كنقر الغراب، لئن مات هذا و هكذا صلاته ليموتنّ على غير ديني» (4) (و فيه ما يفيد بعض الأحكام الخفيّة) (5).

و أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال حين موته: «ليس منّي من استخفّ بصلاته» (6)، و «أنّ تارك الصّلاة يدعى كافراً» (7)، و «أنّ شفاعتهم لا تنال من استخفّ بصلاته» (8).

و الحكم بما تضمّنته من الشرطيّة و الخروج عن الملّة الإسلاميّة لا وجه له بالكلّيّة، و له ضروب من التأويل.

و في عموميّة وجوبها لواجد المال (9) و فاقده، و صحيح المزاج و فاسده، و استمرار وجوبها في جميع الأوقات، و لزوم كلّ يوم و ليلة خمس صلوات، و ثبوت وقتي

____________

(1) ما بين القوسين ليس في «س»، «م».

(2) الكافي 3: 268 ح 4، التهذيب 2: 239 ح 946.

(3) ما بين القوسين ليس في «م»، «س».

(4) الكافي 3: 268 ح 6، التهذيب 2: 239 ح 949، الوسائل 3: 20 أبواب أعداد الفرائض ب 8 ح 2.

(5) ما بين القوسين ليس في «م»، «س».

(6) الكافي 3: 269 ح 7، الفقيه 1: 132، الوسائل 3: 15 أبواب أعداد الفرائض ب 6 ح 1.

(7) الكافي 2: 279 ح 8، الفقيه 1: 132 ح 616، الوسائل 3: 29 أبواب أعداد الفرائض ب 11 ح 4. بتفاوت في اللفظ.

(8) الكافي 3: 270 ح 15، الفقيه 1: 133 ح 618، الوسائل 3: 16 أبواب أعداد الفرائض ب 6 ح 3، 6، و في المصدر: شفاعتنا.

(9) في «ح»: الماء.

16

الفضيلة و الإجزاء، و الأداء و القضاء؛ أبين شاهد على أنّها من أهمّ الواجبات، إلى غير ذلك من الروايات و الجهات الّتي لا يمكن حصرها.

17

المبحث الرابع في حكم تاركها

وجوب الفرائض اليوميّة على الاستمرار و أكثر أجزائها و شرائطها و منافياتها، و صلاة الجمعة و العيدين في الصدر الأوّل، و النوافل الراتبة في الجملة كغيرها من الزكاة الواجبة، و الخمس، و الصدقات المندوبة، و الصوم في الجملة، و خصوص شهر رمضان على التكرار أيضاً، و الحجّ مرّة مع الشروط، و كذا المحرّمات المعروفة بين المسلمين من ضروريّات الدين.

فمن لم يعمل بها منكراً لها أو ظانّاً لعدمها أو شاكّاً فيها أو ظانّاً (1)، و هو بين أظهر المسلمين، و له سمع يسمع به، و إدراك يدرك به، و لم يسبق بشبهة (فإنّها قد ترفع الفطريّة أو الكفر بالكليّة أو المعصية الإلهيّة) (2) فهو مرتدّ فطريّ إن يكن من نطفة مسلم أو مسلمة، من حلال أو مطلقاً مع كون الكفر عن تقصيرٍ، لا تقبل توبته إن كان ذكراً معلوم الذكوريّة، لا أُنثى و لا خنثى مشكلًا و لا ممسوحاً لا ظاهراً و لا باطناً، لا في الدنيا و لا في الآخرة. فلا تؤثّر توبته في طهارة بدنه، و لا في صحّة عباداته، لا ظاهراً و لا باطناً، و إن كان مؤاخذاً على تركها.

____________

(1) في «ح»: ظلماً لها و قد يختلف باختلاف الأشخاص.

(2) ما بين القوسين ليس في «س»، «م».

18

و استناد الاستحالة إليه يُخرجه عن التكليف بالمحال، و يُدخله تحت الاختيار.

و يجري عليه جميع أحكام الكفّار (1)، و يحكم بقتله، و يجري عليه حكم الميّت من حينه قُتل أو لم يقتل من وفاء الديون، و قضاء الوصايا السابقة على الارتداد، و قسمة المواريث من المال السابق على الارتداد و المتأخّر عنه، و عدّة النساء.

و الأُنثى و الخنثى المشكل و الممسوح لا قتل عليهم ابتداء، و لا يحكم عليهم بالموت. بل يؤدّبون بالحبس و التضييق في المطعم و المشرب و اللباس و الفراش و المسكن، و يساء معهم السلوك في المخاطبات و المعاشرات و نحوها، حتّى يتوبوا أو يموتوا في الحبس. فان تابوا قُبلت توبتهم ظاهراً و باطناً في الأُنثى، و ظاهراً فقط فيهما، و أُخرجوا من الحبس.

و إن عادوا أُعيدوا، إلى ثلاث مرّات، فإن عادوا في الرابعة قتلوا. و لا فرق بين الفطريّ منهم و الملّي، و الملّي من الذكور و هو الذي يدخل في الإسلام بعد الانعقاد، ثمّ يرتدّ، و يستتاب، فإن تاب قبلت توبته، و إلا قتل.

و لا تجري عليه أحكام الموتى إلا بعد قتله.

(و يبنى على الملّيّة مع الشكّ في غير بلاد المسلمين، و فيها في وجه) (2).

و هكذا الحال في كلّ من أنكر حكماً ضروريّاً من الأحكام الخمسة من وجوب أو حرمة أو ندب أو كراهة أو إباحة.

و من صدرت منهم كبيرة بفعل حرام أو ترك واجب كترك الصلاة و الزكاة و الخمس و الحجّ مثلًا يؤدّبون بما يراه الحاكم ثلاثاً، فإن لم يتوبوا قتلوا في الرابعة.

(و يجري الحكم في كلّ من أخلّ بواجب في الصلاة عمداً ركناً أو غيره و لو حرفاً أو حركة أو بشرط أو بفعل مناف، و منكر ضروري المذهب يحكم عليه بالخروج من المذهب) (3).

____________

(1) في «ح» زيادة: كشفاً لا تعبّداً فيجري في القطع من النظري في حقّ القاطع.

(2) ما بين القوسين ليس في «س»، «م».

(3) ما بين القوسين من «ح».

19

المبحث الخامس في بيان وقت مؤاخذة الصبيان بها

(و هم من لم يبلغوا حدّا يحصل به شهوة قابلة للانفصال، و يترتّب الحبل و الإحبال، على نحو ما يعرض للجذع من الضأن و الثنيّ لبعض أقسام الحيوان، و ربما كان الحكم به في الجملة عقلياً، و هي إمّا في الاداب الشرعيّة أو العرفيّة أو العبادات أو المعاصي ممّا فيه فساد، حُدّوا عليهم أو على غيرهم أولا) (1).

و قد اختلفت فيه الرواية:

فمنها: بين ستّ سنين و سبع سنين (2).

و منها: أنّه إذا عقل الصلاة وجبت عليه، و فسّر بستّ سنين (3).

و منها: أنّه يجب عليه الصوم و الصلاة إذا راهق الحلم و عرف الصوم و الصلاة (4).

و منها: إذا أتى على الصبيّ ستّ سنين وجبت عليه الصلاة، و إذا أطاق الصوم وجب عليه الصيام (5).

____________

(1) ما بين القوسين أثبتناه من «ح».

(2) التهذيب 2: 381 ح 1590، الاستبصار 1: 409 ح 1563، الوسائل 3: 11 أبواب أعداد الفرائض ب 3 ح 1.

(3) التهذيب 2: 381 ح 1589، الوسائل 3: 12 أبواب أعداد الفرائض ب 3 ح 2.

(4) التهذيب 2: 380 ح 1587، الاستبصار 1: 408 ح 1559، الوسائل 3: 12 أبواب أعداد الفرائض ب 3 ح 3.

(5) التهذيب 2: 381 ح 1591، الاستبصار 1: 408 ح 1561، الوسائل 3: 12 أبواب أعداد الفرائض ب 3 ح 4.

20

و منها: إنّا نأمر صبياننا إذا كانوا بني خمس سنين، فمُروا صبيانكم إذا كانوا بني سبع سنين (1).

و منها: أنّ من بلغ ثماني سنين، و كان مريضاً يصلّي على قدر ما يقدر (2).

و منها: خذوا صبيانكم بالصلاة إذا بلغوا ثماني سنين (3).

و روينا في غير مقام روايات أُخر، و اختلاف الفقهاء قريب من اختلاف الأخبار.

(و الذي نختاره ما أشعر به بعض الأخبار من أنّ التفاوت في قلّة السنين و كثرتها مبنيّ على قلّة المعرفة و كثرتها، و قوة القابليّة و ضعفها، و هو أولى من أن يؤخذ بالأكثر و ينفى الأقلّ بالأصل، أو الأقلّ و يبنى الأكثر على زيادة الرجحان، و صدق وصف الصحّة على القول به و التمرين) (4)، و يختلف التأديب شدّة و ضعفاً باختلاف ذلك و باختلاف الأسباب.

و كشف المسألة: أنّ تأديب الصبيان لا حدّ له فيما يتعلّق بالدماء و الأعراض و الأموال، و جميع المضارّ المتعلّقة بهم أو بغيرهم، و يتبعها الفحش و الغيبة و الغناء و استعمال الملاهي الباعثة على الفساد، دون اللعب و اللهو.

و التحديد إنّما هو في غير ما يتعلّق بأمر دنياه صلاحاً و فساداً، بل في خصوص العبادات و الاداب. و في القسم الأوّل على طريق الإيجاب، و في الأخير على طريق الاستحباب.

و على الجمود تؤخذ الأُنثى بالنسبة إلى بلوغها أو يجري على نحو الذكر، أو يسقط عنها. و الخنثى المشكل و الممسوح حينئذٍ بحكم الذكر، و للتأديب (5) لحقوق الملك

____________

(1) الكافي 3: 409 ح 1، التهذيب 2: 380 ح 1584، الوسائل 3: 12 أبواب أعداد الفرائض ب 32 ح 5.

(2) ورد مضمونه في الفقيه 1: 182 ح 862، الوسائل 3: 13 أبواب أعداد الفرائض ب 3 ح 6.

(3) الخصال: 626، الوسائل 3: 11 أبواب أعداد الفرائض ب 3 ح 8. و في المصدر: علّموا صبيانكم.

(4) بدل ما بين القوسين في «س»: و الذي نختار ما أشعر به بعض الأخبار من أن التفاوت في قلّة المعرفة و كثرتها وجوه.

(5) في «ح» زيادة: إلى بلوغها.

21

وضع آخر، و يتعلّق الحكم بالأولياء.

و لا تمرين للمجانين (1) و يتوصّل (2) إلى دفع فسادهم عن الأنام بما يناسب المقام.

و مع تعدّد الأولياء يجب عليهم كفاية التأديب على فعل ما يترتّب عليه الفساد، و مع عدمهم يجب على الناس كذلك، و مع التضادّ يتهايئون أو يقترعون (3).

____________

(1) في «ح» زيادة: و في تسوية الحكم إلى المجانين من الأطفال أو مطلقاً مع ترتّب الثمرة و لا سيما في الأدواريّين وجه قوي.

(2) في «س»، «م»: و يتعلّق.

(3) في «ح» زيادة: و يستحبّ لهم كذلك.

22

المبحث السادس في شرائطها

و هي نوعان: عبادة تتوقّف على النيّة و غير عبادة.

أمّا الأوّل: فقسم واحد، و هو الطهارة من الحدث بأقسامها الثلاثة.

و تختصّ من بين الشرائط ممّا لا يتعلّق بالعقائد بعدم صحّتها من دونها من كلّ مكلّف، من العالم و الجاهل، و الناسي و الذاكر، و المختار و المجبور.

فتتوقّف على النيّة، و يكفي فيها الإطلاق مع تعيّن (1) النوع من دون اعتبار الخصوصيّة و لا السببيّة و لا الغائيّة.

و غير العبادة منها كالوقت و الاستقبال و اللباس و الطهارة الخبثيّة و الاطمئنان و الاستقرار و نحوها لا يتوقّف على النيّة، و لا العلم بها، و لا إحضارها وقت النيّة.

نعم يلزم إحرازها بعد الخطور، لِتوقّف النيّة عليه، و عدم قصد خلافها حيث ينافي القربة.

و لو دار بين نوعين (2) يتقرّب بهما، كغسل حيض و نفاس، نوى الواقع مع العلم (3)

____________

(1) في «م» تعيين.

(2) في «ح» زيادة: في الحكم الواحد.

(3) في «س»: الواقع.

23

و خلافه، إذ الوصف فيه غير مقوّم على الظاهر (1) لأنّهما واحد و الأحوط التعيين مع العلم. أمّا بين الاستحاضة الكبرى و الوسطى فلا بحث في عدم لزوم التعيين.

و لو دار بين نوعين مختلفين مع اتّحاد الصورة أجزأت نيّة الواقع عن التكرار مع جهل الفائت، و لو دار بين متقرّب به و غيره، كما إذا علم وجوب غسل بعض بدنه و جهل أنّه لبعض غسل أو رفع خبث فلا بدّ من نيّة المتقرّب به، و يجزئ من غيره مع مساواة الهيئة (2) و لو نوى غيره بطل.

و لو تعذّر جمع (3) الشرائط غير طهارة الحدث (4) قدّم الأهمّ على الأهمّ. و يحتمل تقديم المقدّم. و لو دار بين ارتفاع شرط و حصول مانع قدّم الثاني، و يحتمل التخيير و اعتبار التعادل، و لعلّه أقوى.

ثمّ الشرائط أقسام؛

الأوّل الطهارة،

و هي قسمان؛

الأوّل الحدثيّة

و فيها مطلبان:

المطلب الأوّل: في الطهارة المائيّة

و هي قسمان: كبرى و صغرى.

أمّا الكبرى فهي خمسة أنواع: غسل الجنابة، و غسل الحيض، و غسل الاستحاضة، و غسل النفاس، و غسل مسّ الأموات، و ما قام مقامها من التيمّم. و أسبابها ما أضيفت إليه من الأحداث.

و أمّا الصغرى فهي الوضوء، و ما قام مقامه من التيمّم. و أسبابه أسباب الغسل ممّا عدا الجنابة، و البول، و الغائط، و الريح، و النوم، و مزيل العقل، و الاستحاضة القليلة، ثمّ الأسباب:

____________

(1) في «ح» زيادة: في مقام التردّد.

(2) في «ح» زيادة: و تعدّد الغسل مع احتمال كون الخبث ممّا يتوقّف زواله عليه واجب عليه.

(3) في «م»: جميع.

(4) في «ح» زيادة: المتعلّقة بالمختار.

24

منها: ما يبعث على الغسل فقط، و هو الجنابة.

و منها: ما يبعث على الوضوء فقط، و هي الستّة الأخيرة، و الاستحاضة الكثيرة بالنسبة إلى الصلاة التابعة لصلاة تقدّمها الغسل، كالعصر و المغرب (1) إذا سبق عليها دمها الفرض السابق و استمرّ إلى اللاحق.

و المتوسّطة بالنسبة إلى ما عدا أوّل صلاة (2) حدث قبلها الدم في ذلك اليوم، و القليلة بالنسبة إلى الفرائض الخمس.

و منها: ما يبعث على الغسل و الوضوء معاً، كمسّ الأموات، و الحيض، و النفاس، و الاستحاضة الكبرى بالنسبة إلى كلّ صلاة غير تابعة، كصلاة الصبح و الظهر و المغرب بالنسبة إلى المستدامة في تمام اليوم، و الاستحاضة الوسطى بالنسبة إلى أوّل صلاة حدث قبلها الدم من الفرائض اليوميّة كالصبح أو غيره بالنسبة إلى من عرض لها الدم قبله، اختصّ به أو استمرّ، و ينحصر البحث في مقصدين:

المقصد الأوّل: في الوضوء

و فيه مقامات:

المقام الأوّل في بيان أجزائه،

و فيه أبحاث:

البحث الأوّل في تفصيلها

و هي ستّة:

أوّلها غسل الوجه. ثانيها: غسل اليد اليمنى. ثالثها: غسل اليد اليسرى مرّة مرّة، و أمّا الغسل الثاني فيهنّ فيدخل في الأجزاء إذا أتى به، و إذا ترك لم يترتّب على تركه نقصان (3). و أمّا غسل الكفّين و المضمضة و الاستنشاق فالظاهر خروجها، و دخولها

____________

(1) في «ح» زيادة: في المستمرّة عليها الدّم.

(2) في «ح» زيادة: من الفرائض اليوميّة

(3) في «ح» زيادة: لأنّ المعتبر في حقيقتها صحّتها.

25

في المقدّمات (1).

و الاكتفاء باقتران النيّة بها، لقربها إلى الغاية قرب الأجزاء، فحالها كحال البسملة و الدعوات الموظّفة في الابتداء أو الأثناء.

رابعها و خامسها و سادسها: مسح الرأس، و مسح الرجل اليمنى، و مسح الرجل اليسرى مرّة مرّة.

و لا تكرار هنا على وجه الفرضيّة و لا الندبيّة، لا على وجه الجزئيّة و لا على وجه الخارجيّة.

البحث الثاني: في بيان حقيقة الغسل

لفظ الغسل كلفظ المسح باقٍ على المعنى اللغوي.

و هو (2) عبارة عن: إجراء الماء المطلق، و لو ضعيفاً بمنزلة الدهن مع بقاء الاسم، مع مساعد و بدونه، مع الدلك و بدونه، منتقلًا من بعض عضو إلى مثله أو إلى خارج، بعضو من بدنه أو بغيره، بالكفّ الأيمن أو الأيسر أو بهما أو بغيرهما.

أو إصابته كما في البواطن التابعة للظواهر، و منها ما تحت الجبيرة و نحوها، مع إمكان إيصال الماء إليه.

أو بالغمس للأعضاء في قليلٍ أو كثير، إدخالًا أو إخراجاً أو مكثاً، مع التحريك و عدمه على إشكال، أو مركّباً منها على اختلاف أنواع التركيب.

أو بالوضع تحت منحدر من ماء ميزاب أو بلابل (3) أو ماء مطر و غيرها، من المعصوم أو غيره.

و حيث إنّ الماء يمرّ منطلقاً على العضو و لا يرسب فيه أغنى الإجراء عن (4) العصر،

____________

(1) في «ح» زيادة: و يترتّب على الدخول و الخروج بعض الثمرات.

(2) في «ح» زيادة: هنا على نحو الأجزاء المكمّلة للواجبات، و هو في لغة العرب كمرادفه في باقي اللغات.

(3) بلابل جمع من بلبل الإبريق أي قناته الصغيرة التي يصبّ منها الماء، المنجد: 47، و في لسان العرب 11: 68 البلبل ضرب من الكيزان في جنبه بلبل ينصبّ منه الماء.

(4) في «ح» زيادة: النقص و.

26

و لو في الشعر.

و لو انتقل الماء من جزء إلى آخر ثمّ من الأخر إليه كانا مغسولين، و لو تعدّدت كيفيّات الغسل في العضو الواحد فلا بأس.

و لا يجب انصراف الماء عن الأعضاء المغسولة إلى خارج، بل يكفي الانتقال من بعض إلى آخر، بخلاف غسل النجاسات في أحد الوجهين.

و إطلاق الغسل ينصرف في الخبر و العهد و القسم و النذر إلى ما كان بالماء المطلق، و ما كان بغيره من ماء مضاف أو غيره، فلا يصدق إلا مع القرينة من الإضافة و نحوها.

و يجزي في الغسل أن يأخذ من ماء عضو مغسول لغسل غيره، و لو بمسحه عليه، حتّى يتحقّق الإجراء بسببه، مع عدم الإخلال بشرط.

و لو خرج عن الإطلاق للامتزاج بوسخ أصابه من بعض العضو فلا يجزئ إجراؤه على البعض الأخر، فضلًا عن العضو الأخر. و مع الشكّ في ذلك لا مانع، و البناء على المداقّة في مثل ذلك تبعث على الوسواس.

و يتحقّق الغسل بمجرّد وصول الماء بالنسبة إلى ما يلحق بالظاهر من البواطن، كبعض ما تحت الأظفار، و المتّصل بباطن الأنف و الأُذن، و ما تحت الجبائر و العصائب و نحوها كما تقدّم.

البحث الثالث: في بيان حقيقة المسح

و حقيقته في لغة العرب (1) كمرادفه في سائر اللغات جرّ الشيء على الشيء مع مماسّته له، إمّا مع بقائه متّصلًا كالماء و رطوبته، أو مع الانفصال كالمسح باليد و نحوها، و بالتراب و الغبار غالباً.

و الغسل و المسح بالماء و بغيره على وجه الحقيقة أو المجاز يتصادقان حيث يحصل الإجراء و الجرّ، و يفترقان مع الافتراق مع كثرة المجرور و قلّته فيهما. و مع اجتماع

____________

(1) مجمع البحرين 2: 412 باب ما أوله الميم و آخره الحاء.

27

الصفتين (1) يجتزئ به في محلّ الغسل و المسح.

فلا بأس بكثرة رطوبة الماسح ما لم يخرج عن الاسم، و لا بكثرة رطوبة الممسوح ما لم تغلب رطوبة الماسح، إلا أنّه لا تجوز نيّة الغسل في موضع المسح، و لا العكس.

و ليس الفارق بين الحقيقتين النيّة، بل التفرقة ذاتيّة، لأنّ الأقسام على التحقيق أربعة: غسل و مسح، و غسل و لا مسح، و مسح و لا غسل، و لا غسل و لا مسح، فإنّ مجرّد إصابة حجر الاستنجاء و إصابة الجبيرة برطوبة الماء و إصابة الكفّ الرأس أو الكفّين ظهر القدم و هكذا لا يسمّى مسحاً و لا غسلًا.

و لا يقوم الغسل مقام المسح إلا مع التقيّة، و يقوم المسح مقامه في الجبائر و نحوها.

و لا يجب الاستمرار في المسح، فلو فصل بين أجزاء الممسوح فلا بأس.

البحث الرابع: في الغاسل

لمّا كان الغسل يتحقّق بمجرّد الإصابة مرّة، و بالإجراء أو بالغمس مرّة، كان الغاسل هو الفاعل لذلك.

و لا فرق في الإجراء بين أن يكون بالنقل من جزء إلى جزء، أو بالصبّ المتفرّع عليه ذلك النقل، فإن انفرد أحدهما عن الأخر فالحكم واضح، و إذا اجتمعا فالظاهر أنّه المتولّي للإجراء إن تلقّاه قبل الاستيلاء، و لو تلقّاه بعده كانا غاسلين، و المستعمِل لعضو غيره هو الفاعل.

ثمّ لو بنى على الصبّ لم يفترق الحال بين التولّي له أو الوضع تحت ماء منصبّ من مطر أو ميزاب أو إناء مكفوّ أو نحوها.

و لا يجوز تولّي الإنسان له مع الاختيار عاقلًا أو لا، و لا بالغاً أو لا، مملوكاً أو لا، أجيراً أو لا (2)، و لا بأس بفعل الحيوان الغير المعلّم، و في تولّي الصامت المعلّم إشكال.

و لو أراق الإنسان ماء اتّفاقاً، أو بقصد غسل بدنه أو بدن غيره، و وضع المغسول

____________

(1) في «س»، «م»: الصنفين

(2) في «ح» زيادة: و يحتمل في غير المميز الإلحاق بالحيوان.

28

تحته أو وضع تحت المتقاطر و إن كان أصل الصبّ بالقصد قوي الإجزاء على إشكال أشدّه في القسم الأخير.

و لو تشاركا فيما يتحقّق به الغسل من الصبّ أو الإجراء، فإن اختصّ أحدهما بصدق الاسم فالحكم واضح، و إن اشتركا في صدقه على نحو يصحّ الإسناد إلى كلّ منهما على الاستقلال صحّ. و إن لم يصحّ الإسناد (1) إلا إلى الخارج أو المجموع بطل.

و لو صبّ الخارج فأجرى الداخل، أو أجرى القطرات المتخلّفة بعد الصبّ، أو صبّ الداخل صبّا مستولياً فأجرى الخارج لم يكن بأس.

و لا يكون المغسول مغسولًا حتّى يصيبه الماء، فلو كان الماء محجوباً عنه لم يسمّ مغسولًا.

و وحدة الغسل و تعدّده بتعدّد الإجراء و إصابة الماء معاً أو الصبّ أو الغمس، فانات المكث و تعدّد الجريات في الجاري و نحوه و اختلاف السطوح بالتحريك ليس من المتعدّد، نعم يحصل منها غسل لمغسول آخر، و ابتداء غسل إن لم يسبق بقصد غسل غيره.

و الاكتفاء بالآنات المتأخّرة من دون اختلاف السطوح في تحقّق الغسل فيما لم يكن المطلوب منه نفس الإصابة لا يخلو من إشكال؛ و إن كان القول بالجواز لا يخلو من وجه، لا لأنّ البقاء يحتاج إلى المؤثّر، بل هو داخل في التكوين، و الإصابة في الكون الأوّل تؤكّد ما يكون في الكون الثاني و لا تنفيها.

فالبقاء في المغصوب و فرج الزانية مثلًا غصب و زناء، فوجود بعض الأعضاء حال الرمس في الماء قبل بعض لا ينافي حصول غسل الجميع دفعة.

و يرجع إلى تحقيق العرف، فإنّ المولى لو أمر العبد بغسل يده و كانت في الماء لم يتوقّف الامتثال على إخراجها ثمّ إدخالها.

هذا مع عدم اختلاف سطوح الماء، فضلًا عن اختلافها اللازم من إتباع ما خرج من الأعضاء.

____________

(1) في «ح»: الاستناد.

29

فلو نوى و تمامه في الماء مع المكث فضلًا عن التحريك عدّ غاسلًا، و في جواز الغسل تحت المطر أكمل شاهد على ثبوت بعض ما تقرّر، و اللّه أعلم.

البحث الخامس: في الماسح

و هو الجاري على الشيء، و الممسوح و هو المجريّ عليه (و يتمشّى فيه باعتبار الوحدة و التعدُّد، و صحّة الإسناد و عدمها نحو ما في الغاسل) (1). و لو تجاريا كلّ واحد منهما على صاحبه تماسحا، و كان كلّ منهما ماسحاً و ممسوحاً، فيصدق وصف المسح على كلّ منهما و لا يخلّ اشتراك الأخر معه في الصدق واضعاً لطول الماسح أو عرضه على طول الممسوح أو عرضه. و مع اعتبار التبعيض لا تقف الأقسام على حدّ، و هو في مسح الرأس (2) باطن كفّ اليمنى كلا أو بعضاً (3) ممّا يسمّى مسحاً ببعض الرطوبة الباقية بها، قلّت أو كثرت، من رطوبة الوضوء في ذلك المحلّ حين المسح.

فلو أحرزها خارجاً أو في المحلّ (بعد الفصل ثمّ) (4) مسح بها لم يجز.

(و في مسح القدمين ظاهراً بباطن الكفّين، كلّ واحد بما يسامته من القدمين بشيء من الرطوبة الباقية فيهما، على نحو ما مرّ) (5).

فإنّ تعذّر بطن اليمنى عاد إلى ظهرها، فإن تعذّر فإلى بطن اليسرى، ثمّ إلى الباقي من اليد الأقرب فالأقرب، ثمّ إلى سائر البدن كذلك، ثمّ إلى غير ذلك على تأمّلٍ في وجوب ذلك.

و ذو اليمينين الأصليين أو المشتبهتين أو الشمالين كذلك يمسح بهما معاً كلّ في

____________

(1) ما بين القوسين أثبتناه من «ح».

(2) في «س»، «م» زيادة: ظاهر.

(3) في «ح» زيادة: و ليس مسطّح الأنامل منه.

(4) بدل ما بين القوسين في «م»، «س»: ثمّ بعد الغسل.

(5) بدل ما بين القوسين في «س»: بشيء من باقي الرطوبة في باطن الكفّين كلّ واحد لما سامته من القدمين.

30

مقامه و لا يمسح بمعلومة الزيادة (و الأحوط المسح بها مضافة، و القول بالإجزاء ببعض إحدى الأصليّتين قويّ) (1). و مجرّد نفوذ الرّطوبة إلى الممسوح لا تجزي.

و من كان على كفّه أو ما قام مقامه حاجب معلوم الحجب أو مشكوكه وجبت إزالته أو تحريكه، و مع الشكّ في أصله يحكم بنفيه.

و لو جعل الماسح ممسوحاً أو بالعكس بطل. و لو تماسحا صحّ، و لو مسح بقوّته بعضو غيره فيما لم يجب فيه المسح بعضوه كمسح الجبائر و نحوها لم يكن بأس.

و في اشتراط استمرار جزء من الماسح في أسفل الممسوح إلى أعلاه وجه (2).

و مع الخلوّ عن المتعلّق يتحصّل ماسح و ممسوح (و مع وجوده يتحصّل ثالث) (3) هو الممسوح به.

و لا يكون الماسح للشيء ماسحاً حتّى يباشر بشرة الممسوح، فإن حصل حاجب عن المباشرة و مسح عليه كان الممسوح الحاجب دون المحجوب، و يقدّم مسح الحاجب على التيمّم على الأقوى.

و لا يتكرّر المسح بتعاقب الأجزاء، و لا بفواصل الماسح مع اجتماعها في الإصابة في المسح الواحد، و لو ترتّب من دون فصل معتدّ به قوي ذلك أيضاً، و لو كرّر الدلك من دون انفصال لم يكن من تكرار المسح، و لو نوى به التكرار متعبّداً كان مشرّعاً، كما أنّه لو نوى بغسله المسح أو بالعكس كان كذلك.

البحث السادس: في المغسول من الأعضاء

و هي ثلاثة:

الأوّل: الوجه،

و الظاهر بقاؤه على المعنى اللغوي بمعنى مجموع ما يواجه به مطلقاً أو من خصوص الإنسان، فيكون معنى ثان، فيدخل فيه الصدغان و البياضان اللذان تحدّهما الأُذنان، دون النزعتين (4)، و ما كان من البياض خلف الأُذنين أو عن الجانبين.

____________

(1) ما بين القوسين ليس في «س»، «م».

(2) ما بين القوسين ليس في «س»، «م».

(3) بدل ما بين القوسين في «ح» كذا: و رطوبة ممسوح بها و مع وجوده يتحصّل رابع.

(4) و هما البياضان المنكشفان للناصية، كما سيأتي.

31

و لا يخلو من إجمال فالوجه المراد به في التيمّم لثبوت الحكم خصوص الجبهة، و في الوضوء ما يشملها مع بعض ما تقدّم تحديده، و لا ربط له بصدق حقيقة الاسم، و دعوى الشرعيّة فيهما أو في أحدهما و الاشتراك بين الكلّ و البعض لفظاً و معنًى أو اختلاف الحقيقة باختلاف المقام منفيّة على الأقوى.

فالوجه بالمعنى الأصلي أوسع من وجه الوضوء، و هو أوسع من وجه التيمّم.

و للوجه اللازم غسله في الوضوء حدّان: حدّ بحسب الطول، و الآخر بحسب العرض.

أمّا الطول فهو من قصاص شعر الرأس من المقدّم ممّا يسامت أعلى الجبهة لمستوي الخلقة من الناس ممّن يكون نبات شعره على وفق العادة، لا أصلع قد وافق بعض مقدّم رأسه الجبهة في الخلوّ عن الشعر، و لا أغمّ قد وافق بعض الجبهة منه مقدّم الرأس في نبات الشعر، و يحصل بحسب ذلك اختلاف جزئيّ. و هذان يرجعان إلى المستوي، و يعتبران من الحدّ بنسبته.

و حيث إنّ قصاص الشعر فيه تفاوت جزئيّ باعتبار محالّه لزم التفاوت في طوله بسبب اختلاف الجهات.

و ينتهي طوله في الجانب الأسفل إلى منتهى (1) سطح الذقن و هو مجمع اللحيين و قد يحصل فيه اختلاف جزئيّ بسبب التفاوت في غايته.

و أمّا مقدار عرضه فيعلم بوضع وسط ما بين طرفي الإبهام و الوسطى على وسط القصاص على وجه يأخذ فيه شيئاً من القصاص؛ ليعلم الإحاطة، و على نحو يدخل جميع البياض المنحطّ عن القصاص.

و يتوقّف ذلك على إدخال شيء من الشعر تحت الامتداد ليستغرق ما اكتنفه من البياض، ثمّ يجرّهما إلى منتهى الذقن (2)، فما دخل تحتهما داخل، و ما خرج خارج (3).

____________

(1) في «ح»: مسطّح أعلى الذقن و هو مجمع اللحيين دون مسطّح حدّه.

(2) في «ح» زيادة: الأعلى.

(3) في «ح» زيادة: و يمكن أن يستفاد من الجري الوارد في الخبر الاختصاص بالظاهر و دخول ظاهر الشعر.

32

هذا إذا كانت الأصابع مع الوجه متناسبة، بأن تكون النسبة بينهما على نحو نسبة مستوي الخلقة، فلو اتّسع الوجه و قصرت الأصابع، أو ضاق و طالت، لوحظ ما ناسب الوجه من الأصابع حتّى تكون بينهما نسبة كنسبة ما بينهما إلى المستوي.

و هذا معنى الرجوع إلى المستوي، لا بمعنى اعتبار مقدار وجه المستوي و أصابعه، فإنّه يلزم في ذلك خروج أكثر الوجه، أو دخول كثير من البدن فيه في بعض الآحاد، و إذا عمل المستوي عمله و عُلِمت حدوده عمل غيره على تلك الحدود.

و يعتبر الاستواء في تسطيح الجبهة و الخدّين و السعة فيهما و خلافهما، و طول الأصابع و قصرها، و علوّ الأنف و هبوطه، و قطعه و وصله، و طوله و قصره؛ لحصول الاختلاف باختلافها.

و يعلم من ذلك كلّه خروج النزعتين، و هما البياضان المكتنفان للناصية، و البياض المحيط بالأُذنين (1) و مواضع التحذيف ما بين النزعة و الصدغ و الصدغين، بناءً على أنّ الصدغ عبارة عن الشعر المقابل للأُذن المتّصل أسفله بالعذار، و لو جعلناه عبارة عمّا بين العين و الأُذن دخل بعض و خرج آخر.

و العذار و هو ما حاذى الأُذن بين الصدغ و العارض يدخل بعضه، و العارض و هو الشعر المنحطّ عن القدر المحاذي للأُذن، أي العذار إلى الذقن، و هو مجمع اللحيين داخل كمسطّح الذقن (2).

و معرفته على التحقيق من هذا التحديد أمر مشكل، خصوصاً على العوام، لاختلاف الوضع و الإمرار غالباً. و إنّما اللازم إذن أن يعتمد غسل ما يطلب غسله من الوجه، فإذا أتى بما يزيد احتياطاً فرغت ذمّته، و ليس عليه الوقوف على نفس الحدّ و عدم التجاوز.

(نعم لو أدخل الزائد عمداً محدوداً أوّلًا في مبدأ نيّة الوضوء أو العضو أو مع بعض

____________

(1) في «ح» زيادة: و الصدغين.

(2) في «ح» زيادة: و جميع ما انحطّ عن طرف الأنف من الوجه، و لو وضع وسط المقدار على طرف الذّقن أو على طرف الأنف لدخول ما تحته من غير تقدير فأجراه متصاعداً إلى القصاص أغنى في التقدير، غير أنّ الأوّل أسهل و أدلّ، و غير أنّه لا ينبغي التخلّف عن مدلول الروايات الواردة في التقدير، و لا ينبئك مثل خبير.

33

أعضاء أُخر في وجه أفسد المشمول ما اشتمل، و في الإدخال مع الإفراد في الأثناء بين الأعضاء فضلًا عن الانتهاء لا يحكم بالفساد، و العمل على الاحتياط في القسم الأوّل أولى) (1).

و ليس المراد من دوران الإبهام و الوسطى في الروايات و كلام الأصحاب، الدوران البركاري (2)، و إلا لزم خروج كثير من الجبهة من الجانبين، و كثير من صفحتي الخدّين، و دخول ما خرج ممّا حول الصدغين، و مخالفة ما بلغ حدّ الظهور، لموافقته لفهم المشهور (على أنّ جري الإصبعين لا يكون في البركاري أنّه لا ينفع حين العمل، و اعتبار وضع الحدود المستقبلة لا وجه، و وصف الاستدارة في المجرّى عليه لا يناسبه) (3) مع أنّ إرادة الدائرة البركاريّة لا يناسب الخطابات الشرعيّة.

ثم بعد أن اتّضح أنّ الوجه باقٍ على المعنى اللغوي، و أنّ التحديد في الوضوء و التيمّم حكميّ لا اسميّ كان الحكم في وجه الإحرام، و وجه الإرغام (4)، و وجه التقبيل، و وجه الصلاة، و وجه النظر، و وجه النذر أو شبهه، و وجه الغسل لأكل الجنب، و وجه الدعاء و غيرها باقياً على الأصل.

و يراد من الوجه في إطلاق الاسم (5) أو في خصوص الحكم الظاهر دون الباطن. فلا يدخل فيه باطن المنخرين و العينين، و موضع تطبيق الشفتين و الجفنين، و ما ظهر من الباطن من الظاهر، و ما بطن من الظاهر من الباطن.

و ما خرج عن الحدّ بالانسلاخ مع التدلّي أو دخل فيه بالانسلاخ من غيره يبقى على حكمه السابق ما لم يتّصل بالجديد، فيلتحق به.

و ما تحت الشعر من الظاهر، و لعلّ اسم الوجه يفيده. فلو أدخل الماء تحت الشعر فأصاب البدن دون الشعر أجزأ، غير أنّ الشعر بدله على نحو ما سيجيء.

____________

(1) ما بين القوسين أثبتناه من «ح».

(2) في «س»، «م»: البركالي و لعلّه معرب «پرگارى».

(3) ما بين القوسين ليس في «م»، «م».

(4) قد تقرأ في النسخ: الإدغام.

(5) في «ح» زيادة: فيكون دليل الحكم.

34

(و أمّا ما تحت الشعر من الشعر فلا، إلا مع الكشف، فيقوم مقام الظاهر. و منابت شعر الأجفان و ما بين شعرها و باطنها من البواطن، فإذا أُزيل الشعر تعيّن ما ظهر بعد زواله شعراً أو غيره) (1)، و إذا أُزيل الشعر تعيّن المبدل (2)، و الكثيف و الخفيف متساويان في البدليّة عمّا تحتهما على الأقوى.

(و باطن كلّ من الأعضاء داخل تحت الاسم فله أبعاد ثلاثة خارج عن الحكم حتّى يدخل في الظاهر، و في الوجه يحتمل ذلك، و يحتمل تخصيصه ببعدين دون العمق، فبالظهور يدخل في الاسم و الحكم) (3).

و صاحب الوجهين إذا كان ذا رأسين على بدن (4) و علم باختلاف النوم كونهما اثنين كان الوجهان كوجهي شخصين، و إلا فإن علم أو احتمل كونهما أصليّين لزم غسل الوجهين (5)، و إلا فاللازم غسل الأصليّ فقط من الاثنين، و الأحوط كونهما في لزوم الغسل مطلقا متساويين.

و لا بدّ من العلم بوصول الماء إلى البشرة أو المظنّة المتاخمة معه. فلو حصل حاجب و شكّ في حجبه لزم رفعه أو تحريكه إن حصل به الغرض. و الشك في أصل الحاجب يقتضي الحكم بنفيه عملًا بالأصل و لو لا تحكيمه لقضى احتمال الرعاف و حصول الرمص (6) و بعض فضلات الأنف و دم القمّل و البرغوث و البعوض و نحوها بالفساد و الأحوط خلافه.

الثاني و الثالث من الأعضاء المغسولة: اليد اليمنى و اليد اليسرى.

و هما بحسب اللغة و العرف العامّ عبارة عن العضوين المقابلين للرجلين، من المنكبين إلى أطراف الأصابع.

____________

(1) ما بين القوسين ليس في «س»، «م».

(2) في «ح» زيادة: لعدم بقاء البدل.

(3) ما بين القوسين ليس في «س»، «م».

(4) في «س»، «م»: حقو.

(5) في «ح» زيادة: و في لزوم الابتداء بالأعلى في واحد أو في الاثنين وجهان، و في تخصيص الأعلى وجه.

(6) و الرمص: وسخ يجتمع في مؤخر العين الصحاح 3: 1042.

35

و إطلاقهما على المبتدئين بالمرفقين في الوضوء، و بمفصلي الزندين في التيمّم و الغَسل قبل الوضوء أو الغُسل أو الأكل، و بمفاصل الأصابع في قطع السرقة منتهيتين في الجميع إلى أطراف الأصابع؛ لتحديد الحكم، مع المجازيّة في الاسم.

و احتمال الحقيقة الشرعيّة في الجميع أو البعض، و الاشتراك اللفظي بين الكلّ و البعض و اختلاف الحقيقة العرفيّة باختلاف المقامات في الكلّ أو البعض بعيد عن التحقيق على اختلاف مراتبه.

و المرفقان داخلان في المغسول، فيدخل شيء من فوقهما من باب المقدّمة.

و المرفق: مجمع أصلي الزند و شعبتي العضد، فالمفصل وسطه دون نفس المفصل كما قيل. (1) و يختلف الحكم باختلاف المعنيين.

و كلّما كان نابتاً تحت المرفق أو عليه من يد أو عَظم أو غُددَ أو ورم أو لحم زائد وجب غسله و كذا كلّ ما كان على الأعضاء و يعطى حكمه حكم محلّه. و ما كان فوق ذلك يسقط حكمه إلا ما كان من يدٍ لم تُعلم زيادتها، علمت أصالتها أو شكّ فيها.

و من قطعت يده من المرفق و لم يبقَ منه شيء سقط حكمها و إن قيل باستحباب غسل ما بقي من العضد (2)- و بقي على غسلين، و إن حصل ذلك في اليدين اقتصر على غسل الوجه.

و من أحاط بتمام عضوه عظم نجس أو لحم كذلك أو مال مغصوب أو ما يجب دفنه (3) و كان في قلعه إضرار سقط حكمه.

و يحتمل الفرق بين تكوّنه جزأ منه و ينزل منزلة التالف و ينتقل حكمه إلى حكم الجزء فيغسل مع عدم المانع و عدمه و جعله من قبيل التلف مطلقاً؛ لحصول الإضرار فلا يلزمه سوى العوض في الغصب، و تصحّ طهارته حيث لا تبقى نجاسته (4).

____________

(1) الصحاح 4: 1482.

(2) الدروس 1: 92.

(3) في «ح» زيادة: في وجه.

(4) في «ح» زيادة: مع البقاء.

36

و يحتمل إرجاعه إلى حكم الجبائر أو المقطوع أو الرجوع إلى التيمّم. و مع عدم الإحاطة يجري ما مرّ في المحاط. و يجري مثل هذا الكلام في الأغسال.

و يلزم في جميع المغسولات الاستيعاب بحيث لا يبقى مقدار شعرة منها، فإن بقي شيء و لم يعد عليه أو عاد و قد فاتت الموالاة بطل وضوؤه.

و يلزم تنظيف الوسخ المانع من وصول الماء في الوجه أو اليدين و الكفّين و المرفقين و عقد الأصابع و الرمص إذا اتّصل بالبشرة، و الكحل و الكتم (1) و الحناء و الخطاط البالغة حدّ العلم بالحجب أو الشك فيه.

و أمّا وسخ الأظفار فإن زاد على المتعارف بحيث استعلى على بعض الأنملة وجبت إزالته، و إلا فلا (كما ينبئ عنه النهي عن التعرّض للوسخ تحت أظفار الميّت) (2).

و الظاهر أنّ حكم المستور بالشعر جار في جميع المغسولات في الوضوء لا في خصوص الوجه، و الأحوط الاقتصار عليه و لو تكاثف (3) عليهما الشعر أجزأ غسله عن غسل البشرة، و الأحوط غسلها (4).

البحث السابع: في الأعضاء الممسوحة (5)

و هي ثلاثة:

الأوّل: مقدّم الرأس

كلا أو بعضاً و لو أقلّ من إصبع بأقلّ من إصبع- و هو الربع المسامت للجبهة دون الخلف و الجانبين، و القُنّة (6) التي هي محلّ اجتماعها. و تخصيص الناصية و هي ما أحاط بها النزعتان و هما البياضان المرتفعان من جانبي الجبهة أولى.

____________

(1) الكتم: نبت فيه حمرة يخلط بالوسمة و يختضب به للسواد المصباح المنير: 525.

(2) ما بين القوسين ليس في «س» و «م».

(3) في «س»، «م» تكاشف.

(4) في «ح» زيادة: و ذو الأيد المتعدّدة يجري فيه ما يجري في ذي الرأسين و السابع و الثامن الماء المغسول به و الممسوح به و سيجيء حكمهما.

(5) في «ح» في الممسوح من الأعضاء.

(6) قنّة كلّ شيء: أعلاه مثل القُلّة. لسان اللسان 2: 424.

37

و المسح إمّا على نفس البشرة و لو بتفريق الشعر أو إدخال اليد تحته، و إمّا على الشعر النابت فيه؛ إمّا على أُصوله أو أطرافه ما لم يخرج بمدّه مع جمعه أو استرساله عن حدّه، فلو نبت في غيره لم يصحّ مسحه و إن كان فيه ثمّ استرسل إلى غيره و لو بالإرسال، أو كان بحيث لو مُدّ استرسل لم يجز المسح على ذلك المسترسل فعلًا أو قوّة.

و لو مسح الكفّ بالرأس لم يجز، و لو تماسحا قوي الجواز، و اعتبار مقدار ثلاثة أصابع مبنيّ على الاستحباب، و لو مسح الشعر فأزيل قبل تمام الوضوء أو العضو (1) لم يكن بأس.

و ذو الرأسين يمسحهما معاً إن كانا أصليّين أو مشتبهين (2)، و لو علم الزائد لم يتعلّق به حكم على الأقوى، بخلاف حكم الغُسل في الغَسل، و ليس يتمّم الغَسل كالغُسل. لكنّ البناء على التساوي أحوط.

و من كان على رأسه حاجب يحجب عن المباشرة وجب رفعه أو تحريكه مع العلم بحجبه و الشكّ فيه. و ما لا يعلم وجوده محكوم بعدمه، و المسح على الحاجب من عمامة أو خُفّ أو غيرهما مقدّم على التيمّم على الأقوى، و ليست الدسومة و اللون من الحاجب، و وجود الأجزاء الغير المحسوسة فيها لا ينافي إجراء حكم الأعراض عليها.

و تلزم سلامة الرأس من حناء و نحوها ممّا يحيل رطوبة الماسح إلى غير حقيقتها إن لم تكن حاجبة و لا يصحّ المسح بالكفّ المغصوبة العين أو المنفعة.

الثاني و الثالث: الرجل اليمنى و الرجل اليسرى.

و هما و إن كانا في أصل اللغة عبارة عن العضوين من مبدأ الفخذين إلى باطن القدمين، لكن يراد بهما في باب القطع و الوضوء نفس القدمين إلى الكعبين (3)، و هما على الأصحّ قبّتا القدمين، محلّ معقد شراك النعلين دون الظنبوبين و المفصلين بين الساقين و القدمين.

____________

(1) في «ح» بدل «أو العضو»: أو مسح ما يلزم مسحه من العضو فكشفت.

(2) في «ح» زيادة: و الأقوى الاكتفاء بأحدهما في أوّل القسمين.

(3) في «ح» زيادة: على وجه الاشتراك بين الكلّ و الجزء لفظاً أو معنىً أو الحقيقة الشرعيّة في الأخيرين أو المجازيّة.

38

و يلزم الاستيعاب الطولي من أيّ جزء ابتدأ مسامتاً للكعبين أولًا بحيث يحيط بما بين الكعبين و الأنامل بحسب الطول، و يجب إدخالهما فيدخل بعض ما فوقهما و بعض مسطّح الأنامل من باب المقدّمة.

و المقطوع من أحد الجانبين يكتفي فيه بإيصال المسح من محلّ القطع إلى الكعبين على إشكال، خصوصاً ما لو قاربهما.

و لا يجب تخفيف رطوبة الماسح و الممسوح إلا إذا قضت الثانية باستهلاك الأُولى قبل المسح أمّا لو استهلكت الأُولى الثانية أو ساوتها فلا بأس على إشكال في الأخير، و لا يعتبر ظهور التأثير و إن كان الاحتياط فيه.

الظاهر من تحت الأظفار ليس من الظاهر ما لم يتجاوز المعتاد فيأخذ بعضاً من الأنامل، و غير المعتاد بطونه من الظاهر يجب غسله بعد القطع على سبيل القطع، و قبله لا قطع في وجوب (1) القطع؛ لكنّه أوفق بالاحتياط.

و لا يجب استيعاب العرض، بل يكفي مسح بعضه و إن قلّ، ببعض باطن كفّه و إن قلّ. و تجب المباشرة.

و المقطوع بحجبه و المشكوك فيه لا يقوم مقام المحجوب. و الأحوط إيصال المسح إلى المفصلين دون الساقين، و هما على قول (2) محلّ الكعبين.

و لو تكاثف الشعر على ظهر القدمين قوي الاكتفاء بالمسح عليه، و الأحوط خلافه، و تلزم سلامة القدمين من غبار و نحوه يخرج رطوبة الماء عن حقيقتها.

و يجب إدخال الحدود في المغسولات و الممسوحات لتحصيل يقين الفراغ، و لو قصد دخولها فيها أو دخول غيرها من الخارج مُدخلًا لها في قصد الجملة في مغسول أو ممسوح بطل الوضوء، و إن أدخلها مع البعض فسد، و لو أضافها بعد تمام الواجب في العضو بقي على صحّته، و إن شرّع في فعله، و لو أتى بها بقصد الاحتياط أو مع الذهول و تعلّق القصد بالواجب فلا بأس.

____________

(1) في «ح» زيادة: الإدخال أو.

(2) في «ح» زيادة: بعيد عن ظاهر اللغة و الشرع و العرف.

39

و لا يشترط الاستمرار في شيء من المغسول و الممسوح بل لو أتى بالفعل شيئاً فشيئاً فلا بأس. و يتمشّى هذا الحكم في سائر المحدود ممّا يتعلّق بالطهارة المائيّة و غيرها، و الحكم فيها بأقسامها متعلّقه الظاهر دون الباطن.

و لو ظهر الباطن أو بطن الظاهر انقلب الحكم. و لو جاء بالعمل فانقلب أجزأ الأوّل، و لو أتى بشيء من الغسل و المسح في مقام آخر بطل.

و لا تلزم معرفة الحدود، و إنّما اللازم استيعاب المحدود، و تكفي نيّته على الإجمال.

و زوال المغسول و الممسوح يرفع الحكم دون الغاسل و الماسح، فلا ينتقل (1) فيهما من ظاهر إلى باطن، و لا إلى مجاور على الأظهر.

و لا يجوز المسح على القدم و لا بالكفّ المغصوبتين، و إن قلنا بارتفاع نجاستهما بالانتقال، و كذا جميع الأعضاء التي تعتبر مباشرتها في العبادة.

المقام الثاني: في بيان شروطه

و هي بعد الإسلام و الإيمان الباعثين على طهارة الذات من خبث الكفر الإسلامي و الإيماني إذ هما أعظم من خبث البدن و العقل و البلوغ على تفصيل سبق أُمور:

أحدها: الترتيب بين أجزائه (2)

و هو شرط في الاختيار و الاضطرار، في واجبه و مندوبه، فلا بدّ من غسل الأعضاء المغسولة و مسح الممسوحة على الترتيب المذكور بتقديم الوجه، ثمّ اليد اليمنى، ثمّ اليسرى، ثمّ الرأس، ثم القدمين، و لا ترتيب بينهما على الأقوى، فلا تصحّ من مائة و عشرين حاصلة من الضرب سوى صورة واحدة، و لو اعتبرنا الترتيب بين القدمين لم تصح من سبعمائة و عشرين صورة سوى صورة واحدة أيضاً.

و إذا لوحظ الترتيب بين السنن بعض مع بعض، و بينها و بين الأجزاء زادت الصور

____________

(1) في «س»، «م»: فلا سبيل.

(2) في «ح» زيادة: دون مقدّماته على الأقوى.

40

على أُلوف الأُلوف، و يبنى اختلاف أقسامها بالصحّة و الفساد على اختلاف الفروض.

فلو قدّم مؤخّراً من الأجزاء كلا أو بعضاً على مقدّم كلّ أو بعض فسد ما كان من المؤخّر عامداً كان أو ناسياً، مختاراً أو مضطرّاً، و صحّ ما تقدّم ممّا أتى به مرتّباً إن لم تفت الموالاة و لم يدخل العكس في نيّة الجملة أو بعضها، بل أتى به ابتداء، و لو أدخله في نيّة الجملة فسد بجملته أو نيّة بعضه فسد بعضه.

و لو عرض له خلاف الترتيب بوجه يعذر فيه صحّ ما عمل من المقدّم، و أعاد ما قدّم من المؤخّر إن لم تفت الموالاة، و لو قُطع مقدّم ففُعِل مؤخّر ثم عاد المقدّم عليه لم يجب العود عليه.

و لو أتى بالمقدّم مؤخّراً غير ناوٍ للتقرّب بتأخّره صحّ إذا لم تفت الموالاة بتوسّط المؤخّر.

و لو رمس عضوين أو أكثر ممّا فيه الترتيب دفعة قاصداً للترتيب في الآنات فضلًا عن الجريان (1) قوي الجواز، غير أنّ الاحتياط في تركه.

و يكفي في الإتيان بالترتيب و غيره من الشرائط حصولها اتّفاقاً، فلا يشترط علمها و لا نيّتها، و لا تفاوت في المتخلّف من المقدّم بين القليل و لو بقدر الذرّة و بين الكثير.

و الظاهر أنّه لا ترتيب بين السنن المتقدّمة بعضها مع بعض من أقوال و أفعال، فله الإتيان بالبسملة و المضمضة و الاستنشاق على الانفراد و الاجتماع مع عكس الترتيب.

نعم لا بدّ من تقديمها على الأجزاء (مقارنة لما يناسبها أو متقدّمة أو متأخّرة.

و على القول باشتراط الترتيب أو مطلقاً على اختلاف الوجهين لو شكّ في سابق بعد الدخول في اللاحق لم يلتفت، بخلاف الأجزاء المقوّمة) (2).

و لو أتى بها لمجرّد التنظيف ما لم تستتبع مرجوحيّة خارجيّة فلا بأس بها مطلقاً.

و لا بين الدعوات الموظّفة و أعمالها، فلا يعتبر سوى الإتيان بالأعمال. و الظاهر اعتبار موافق العادة من الاتّصال.

____________

(1) ما بين الحاصرتين ليس في «م»، «س».

(2) ما بين القوسين ليس في «س»، «م».

41

و الأحوط في تحصيل السنن المذكورة المحافظة على السنّة المأثورة بالطريقة المعروفة المشهورة، و المسنون في التكرير يشترط فيه التأخير، و مع التقديم يثبت بسبب التشريع التحريم.

و متى أخلّ بالترتيب في سنّةٍ (1) فسدت، و إذا أدخل ذلك فيها في أصل النيّة مع القول بالجزئيّة أفسدت، و يجري حكم الترتيب في الغسل و التيمّم كما مرّ و ما سيأتي.

ثانيها: المباشرة

و يراد بها تولّي الفعل بنفسه، فيجري في الغاسل و الماسح أخذاً من البشر بمعنى الإنسان، و لو أخذ منه بمعنى الجلد جرى في المسح من جهة الغاسل و المنفعل، و في خصوص المنفعل في الغسل.

و هي شرط فيه في الاختيار كما في غيره من الطهارات و جميع العبادات البدنيّات، سوى المستثنيات من الشرائط الوجوديّة، فلا يفرّق فيه بين الناسي و الغافل و النائم و الجاهل.

و تتحقّق بصحّة إسناد الفعل إليه و لو على فرض انفراده. و لو أسند الفعل إلى الغير مستقِلا أو إليه بشرط الاجتماع فلا مباشرة.

و لا فرق حينئذٍ بين استعمال عضو و غيره منه أو من غيره فيما لا تعتبر فيه مباشرة الأعضاء، و أمّا فيه فلا بدّ من مباشرة أعضائه.

و لا يجزي مجرّد حدوث الفعل عن قوّته، بل المدار على حصول الاسم، فلو غسل غيره عضواً أو بعضه و لو قليلًا مع القصد منهما أو من العامل فقط بطل ما غسله و عاد عليه إن لم تفت الموالاة و لو اختصّ القصد لفعل الفاعل بالفاعل دون العامل فإشكال.

و لو صبّ الغير و تولّى هو الإجراء قاصداً به الغسل، أو صبّ هو و كان الصبّ

____________

(1) في «ح»: سننه.

42

مستغرقاً و تولّى غيره الإجراء لم يخرج عن المباشرة، و حكم الأبعاض إذا اختلف يعلم ممّا ذكر.

و لا ينافي المباشرة وضع العضو تحت المطر أو الميزاب أو إنية مكفوءة أو غيرها من المياه المنصبّة و لو من يد إنسان خالٍ عن القصد لغسل عضوه أو مع قصده له دون عضو المنوب عنه، و مع القصد منه دون المنوب عنه أو فعل الحيوان المعلّم إشكال، و غير المعلّم أقلّ إشكالًا كما مرّ.

و لا ينبغي التأمّل في اعتبار المباشرة في الغسلات المستحبّة و القراءة و الأذكار و الأدعية الموظّفة، عملًا بالأصل في الأعمال.

و أمّا غسل الكفّين و السواك و المضمضة، و الاستنشاق فالظاهر أنّه إذا كان المقصد منها رفع القذارة لا مجرّد التعبّد فهي حاصلة بفعل الغير، لكن يتوقّف حصول الأجر بفعلها على النيّة كما في التكفين و التحنيط و نحوهما و الغصب في أعضاء النائب و آلاته مع إمكان حصول النيّة من المنوب عنه لجهله مثلًا لا يترتّب عليه فساد.

و لو اختصّ إمكان المباشرة ببعض دون بعض يتخيّر في التخصيص، و الأقوى تقديم المقدّم و يحتمل ترجيح الممسوح. و لو قدر على مباشرة الأعضاء بفعل غيره قدّم النائب مع مباشرته بأعضاء المنوب عنه، و لو فعل فعل العاجز، ثمّ قدر في الأثناء باشر، و لم يعد على ما فعل على نحو العكس، و يلزم ملاحظة المنوب عنه فعل النائب للاطمئنان و إن كان بصيراً و في ظلمة اكتفى بعدالة النائب. و يجوز توزيع الأعضاء أو الأبعاض على النوّاب.

و مباشرة المقدّمات حتّى وضع الماء بالكفّ أو على المغسول مع تلقّي العامل- لا مانع منها، غير أنّها مكروهة، و تختلف كراهتها شدّةً و ضعفاً بالقرب من الغاية و البعد عنها، و المُعِدّات البعيدة ليست بحكمها.

و لو باشر متكلّفاً على وجه يترتّب عليه ضرر كلّي أو مشقّة لا تتحمّل بطل عمله.

و يتولّى النيّة المنوب عنه دون النائب فمع الاطمئنان تصحّ نيابة المخالف و الصبيّ فضلًا عن غيرهما.

43

ثالثها: الموالاة (1)

و هي أن يدخل في العضو اللاحق قبل جفاف تمام ما تقدّمه بما يسمّى جفافاً، حتّى لو بقي من الرطوبة شيء يسير بيسير من أحد الأعضاء التي يدخل عملها في الأجزاء في الظاهر دون الباطن، في وجوب أو ندب، أو ما عُلّق منها بالعضو المباشر، دون ما لا يدخل فيها، فتكفي رطوبة الكفّ الحاصلة من غسل السنّة الداخلة أو المباشرة.، فلو حصل الجفاف بعد الأخذ في عمل العضو (2) لم تفت الموالاة، سواء كان البقاء لذاتها، أو لرطوبة الهواء، أو لوضع الماء على الماء، أو لغير ذلك من الأشياء.

أمّا ما بقي (3) في محلّ السنن الخارجة، كباطن الفم أو الأنف من المضمضة و الاستنشاق، أو الكفّين (4) حيث يعرض لهما حرج (5) يمنع من وصول ماء غسل اليدين (6) ففيه إشكال، و الأوّلان أشد إشكالًا (7)، و لا بأس بالأخذ من ظاهر الشعر.

(حيث يدخل في الحدود، فلا يخرج عن محلّ الوضوء و يكفي أن يأخذ من مسترسل اللحية مع الخروج على النحو المعتاد، دون مسترسل الرأس و نحوه) (8).

و من الباطن تحت الشعر حيث يدخل في حدود الوجه و إن لم يجب غسله على الأقوى.

و لو احتفظ بالرطوبة في محلّ آخر (ثمّ نقلها إلى المحلّ لم يجز الأخذ منها) (9).

____________

(1) في «ح» زيادة: في الأجزاء في الظاهر دون الباطن في وجه في محل وجوب أو ندب.

(2) في «ح»: في العمل بعضو.

(3) في «ح» زيادة: في نفس الحدود أو.

(4) في «ح» زيادة: في غسل السنّة أو الفرض.

(5) في «س»، «م»: جرح.

(6) في «ح» زيادة: إلى الممسوح.

(7) في «ح» زيادة: و الأخير أقلّ إشكالًا.

(8) بدل ما بين القوسين في «س»، «م» كذا: و أنه خرج عن محلّ الوضوء حيث هو، و من مسترسل اللحية، حيث يدخل في الحدود فلا يخرج عن محل الوضوء، و يكفي أن يأخذ من مسترسل اللحية مع الخروج على النحو المعتاد.

(9) بدل ما بين القوسين في «ح»: و ليس من محالّ الوضوء و لم يجر عليها حكم الباقية في محالّها و لو نقلها إلى المحل لم يجز الأخذ منها في وجه.

44

و الأحوط تقديم محالّ الوضوء على مسترسل اللحية، ثمّ يلزم تقديم الجميع على الأخذ من خارج، و الأخذ من خارج مقدّم على التيمّم.

(و في تقديم رطوبة ظاهر اليد اليمنى على باطن اليسرى، و هو على ظاهرها ثمّ ظاهرها على ما في اليد اليمنى الأقرب فالأقرب، ثمّ اليسرى كذلك، ثمّ الوجه وجه) (1).

و لو تعذّر الأخذ إلا بعد العلوق بواسطة قدّم على الماء الجديد، و مع الجفاف عن جميع الأعضاء و إمكان الإتيان بوضوء جامع يبطل الوضوء، و مع عدم الإمكان لحرّ شديد أو هواء عالٍ و لا علاج يمسح من ماء جديد، و الجفاف مفسد، و لو قارن الموالاة العرفيّة، و لا مدار على التقدير.

(و في الاكتفاء بالرطوبة بعد جمودها أو نجاستها، و الاعتماد على الأصل في بقائها إشكال، و إن كان الأقوى في الأخير ذلك) (2).

و لو سقط على الرطوبة تراب فصار طيناً و اعتصمت الرطوبة لم يجر عليه حكم الجفاف على إشكال، بخلاف ما إذا صبّ عليها عسل و نحوه فالتحقت به.

و ما في الشعر الداخل (3) في حدود المغسول و إن لم يجر عليه حكم الغسل بحكم ما في الأعضاء. بخلاف المسترسل عنه الخارج عن العادة كاللحية إذا تجاوز طولها العادة فإنّه لا يجزئ الأخذ من الزائد منها، لأنّه كالخارج و إن عاد بعد خروجه على المحلّ المغسول و باطن ما يجري عليه الحكم بمنزلة الظاهر.

و يجزئ فيها بقاء الرطوبة على الرأس العالقة من المسح ليأخذ منها، بل بقاؤها على باطن الكفّين الماسحين.

و لا يجب التتابع مع بقاء الرطوبة على الأقوى، و لا يفسد الوضوء بتركه من غير

____________

(1) بدل ما بين القوسين في «س»، «م»: و الأحوط و هو تقديم رطوبة اليد اليمنى على يد اليسرى و باطن اليسرى على ظاهرها على ما في اليد الأقرب فالأقرب ثمّ الوجه و إن كان الأقوى عدم الوجوب.

(2) ما بين القوسين ليس في «م»، «س».

(3) في «ح» زيادة: الداخل.

45

شكّ ما لم يؤدّ إلى محو الصورة، فإن أدّى إلى ذلك ترتّبت عليه المعصية مع الوجوب و الضيق و الفساد مطلقاً عملًا بظاهر (1) الإطلاق.

كما في سائر المركّبات من الأعمال و المقدّمات الشرعيّة اللازمة و المسنونة، من تسمية و مضمضة و استنشاق و نحوها في وضوء أو غسل؛ بعضها مع بعض، أو مع الغايات، أو المبادي، كغسل إحرام أو زيارة؛ إلا في مقدار الرخصة، أو تعقيبات أو أذان أو إقامة أو تكبيرات أو دعوات و نحوها إلا ما قام الدليل على خلافه و بمقتضى فاء الجزاء و لفظ المتابعة.

و دعوى الإجماع على الصحّة في خصوص هذا المقام (2) محلّ منع.

و يجري الكلام في الفصل الطويل في مركبّات المقدّمات كما بين أفراد غسل الكفّين و المضمضة و الاستنشاق، و أبعاض الدعوات، و التعقيبات و الأذان و الإقامة و التكبيرات و نحوها.

و المدار في الجفاف و عدمه على أعضاء المنوب دون النائب إلا فيما قامت رطوبته مقام رطوبته، كما إذا تعذّر وصول كفّه فناب عنه بالمسح برطوبة كفّه في وجه قويّ.

و لو نذر (3) الموالاة بمعنى المتابعة في الوضوء أو غيره أو غيرها من الصفات الراجحة في الوضوء أو غيره أو بعض منهما و أتى به غير جامع للصفة، فإن قصد به الوفاء بالنذر غير معذور في قصده بطل، و إلا صحّ مع سعة الوقت و لا معصية، و مع الضيق يتحقّق العصيان به و تلزم الكفّارة و لا فساد ان لم يقصد التقرّب بل قصد العصيان و إلا بطل و في وجوب الاستنابة وجه قويّ.

و كذا لو نذر عدم الإتيان بالصفة مع عدم رجحانها لنفسها أو لعارض كالموالاة، و الإسباغ و الترتيب في غير محلّ اللزوم، و المكان، و الزمان، و الوضع، و هكذا. و لو نذرها فيه فلا فساد مطلقاً.

____________

(1) في «ح» زيادة: الأمر وفاء الجزاء و المتابعة في الأخبار.

(2) في «ح» زيادة: دون غيره.

(3) في ( «ح» زيادة: وضوء.

46

و يلزم عليه الاجتهاد في تحصيل الموالاة بالكون في مكان رطب كالحمّام و إسباغ الماء أو وضع ماء جديد و نحو ذلك، فإن ترك ثمّ آل إلى الاستحالة عصى و صحّ عمله على تأمّل، و إلا بطل.

و لو عجز عن الموالاة في الجميع قدّم الموالاة في المقدّم.

و لو دار الأمر بين الموالاة و المباشرة، قدّمت المباشرة، و بينها و بين الترتيب كذلك، على الأقوى، و غير العالم بالجفاف يحكم ببقاء الرطوبة، و لا يجب عليه التجسّس على الأقوى.

رابعها: تقديم (1) الأعلى في غسل الوجه و اليدين.

و يكفي تقديمه من وجه واحد و إن وجد أعلى منه في جهة أُخرى فلا يجب طلب أعلى الأعلى و لا يلزم الاستمرار إلى طرف العضو بأن يغسل الأعلى فالأعلى كما يرشد إليه استحباب ابتداء الرجال بظاهر الذراعين و النساء بباطنهما و قضية اللمعة (2) لا في مسامته، و لا في غيره، فلو قدّم الأسفل بعد الابتداء ببعض الأعلى ثمّ عاد إلى الأعلى منه مسامتاً أو غير مسامت فلا بأس. و لو بدأ بالأسفل غافلًا أو جاهلًا أو عامداً مشرّعاً بالدين فجرّ الماء إلى الأعلى ثمّ أجراه إلى الأسفل و نوى الغسل منه فلا بأس.

(و هل يرتفع حكم الغسل و الابتداء بالكسر و وضوح العظم أو بقطع العظم أولا، وجهان و في انجرار حكم الأعلى للأسفل حينئذٍ وجه. و في ضمّه الحكم مع التدلّي من الأعلى أو البقاء على [أحدهما] باعتبار الأصل أو الفرع إشكال، و لا كلام في انتقال الحكم إلى الباطن في غير الوجه) (3).

و لو تعمّد ردّ الماء من أسفل إلى أعلى بعد غسل الأعلى أشكل و إن كان الجواز أقوى.

____________

(1) في «ح» تقديم ما هو الأعلى في حقّ مسامته.

(2) الوسائل 1: 524 أبواب الجنابة ب 41 ح 1 و ج 2 ص 1069 أبواب النجاسات ب 47 ح 2.

(3) ما بين القوسين ليس في «س»، «م».

47

و لو غسل بالرمس قاصداً له بالإدخال أو الإخراج أو المكث مع القول به أو التلفيق من تلك الأحوال أو بعضها لزمه قصد البدأة بالأعلى كما يؤذن به وضوء المطر. و ربّما يقال بأنّه لا يعقل الترتيب بغير النيّة فيما عدا الإجراء و الإخراج و يعتبر ذلك في الغسلة الثانية على الأقوى.

و هو على القاعدة شرط وجوديّ في غير التقيّة، فلو بدأ بالأسفل مع العذر لغفلة أو وجود حاجب لا يعلمه و نحو ذلك بطل فعله، و لا يكفي عدم البدأة بالأسفل، فلو غسل العضو دفعة من غير نيّة تقديم الأعلى بطل.

و ذو الوجهين و الأيدي مع وحدته و أصالة الجميع أو الاشتباه يبدأ بأعلى كلّ واحد منها بالنسبة إلى أسفله، و في وجوب الابتداء بالأعلى من آحادها على غيره أو الجمع و التخيير كالتساوي وجوه، الأقوى الأخير.

(و إذا انكشط شيء أو تقلّص من الأعلى أو الأسفل فانقلب وصفه بقي على الحكم الأوّل ما لم يخرج عن الاسم، و لو قدّم الأسفل و أخّر الأعلى معذوراً صحّ الأعلى و أعاد الأسفل، و مع العمد يُبطل، و يبطل ما لا دخل معه في النّيّة و إلا بطل و لم يُبطل) (1).

و في الممسوح من الرأس و القدمين يستوي الأعلى و الأسفل، فيجوز المسح مُقبلًا و مدبراً بطول الكفّ أو عرضه على طول الرأس و القدمين أو عرضهما، مع الابتداء بأعلاها أو أسفلها أو وسطها. و ليس كمسح التيمّم فإنّه يعتبر فيه البدأة بالأعلى كما سيجيء في محلّه، و الأحوط العمل على الطور المألوف.

(و اندراج أقسام الأعلى بتمامها تحت إطلاقه شرعاً لا كلام فيه، و في اللغة و العرف بحث تبتني عليه مسألة الالتزام بنذر و شبهه) (2). و يرجع في معرفة الأعلى و الأسفل بالنسبة إلى الأصلع و الأغمّ إلى مستوي الخلقة على نحو ما تقرّر سابقاً. و يلزم إدخال شيء ممّا فوق الأعلى تحصيلًا ليقين الفراغ، و لو كانت جبيرة على الأعلى بدأ بمسحها قبل غسل الأسفل.

____________

(1) ما بين القوسين ليس في «س»، «م».

(2) ما بين القوسين ليس في «س»، «م».

48

خامسها (1): جمع ما يتطهّر به لعدّة صفات:

أحدها: الطهارة

و هي مستتبعة للطهوريّة، سواء كان الماء ممّا أُزيل به الخبث كماء الاستنجاء و الإجماع على العدم في محلّ المنع أو كان الحدث أصغر أو أكبر، جنابة أو غيرها على الأقوى. فلو كان مقهوراً بالتغيّر أو مصاباً بالنجاسة قليلة أو كثيرة، دماً أو غيره، مستبيناً أو لا فيما لم يكن من المعتصم أو الكثير لم تجز الطهارة به.

و الظنّ عن غير مأخذ شرعيّ و الشكّ و الوهم في عروض التنجيس لا عبرة به، في غسالة ماء الحمّام و غيرها.

ثانيها (2): الإطلاق؛

بأن لا يحتاج إلى قرينة في الدخول تحت الإطلاق، و أن يحصل الامتثال به مع الإطلاق في طلبه، و أن يحسن الإطلاق عليه من غير قيد، و لا قرينة فيما لم يدخل تحت الإطلاق؛ لحصوله بالاعتصار أو بالتساقط من أجزاء البخار الناشئ من غليان بعض الثمار أو أوراق بعض الأشجار، أو الخلط بما يخرجه عن إطلاق الماء، أو لغير ذلك من الأشياء، فلا يصحّ الوضوء به.

و المرجع في المخلوط بالنسبة في أحد القسمين أو الخروج عن كلا الضربين اللغة و العرف.

و ما كان متّصفاً بالإطلاق لا يفرّق فيه بين العذب و المرّ و المالح من بحر أو غيره، و لا بين المذاب من الثلج أو الملح أو غيرهما، حتّى لو قصر فأكمل بوضع شيء من الملح فيه أجزأ، إذ ندرة الفرد غير ندرة الإطلاق.

و هذا الشرط و ما قبله وجوديّان يستوي فيهما العالم و الجاهل بقسميه، و الناسي و الذاكر، و المتفطّن و الغافل، و المجبور و المختار.

و يجريان في الطهارات المائيّة بأقسامها: حدثيّة أو خبثيّة، و لا يختلف الحال في

____________

(1) و في «ح» كذا: خامسها طهارة الماء شرعاً و عليها مدار الاسم أو الحكم و يجيء مثل ذلك في الإباحة، جمع ما يتطهّر به لعدّة صفات أحدها: الطهارة حين الاتّصال إلى حين الانفصال و هي.

(2) و في «ح» سادسها، و كذا الترتيب الآتي و لكن ترتيب المتن على حسب «س»، «م»

49

البعض إلا في اشتراط بقاء الطهارة إلى حين الانفصال بل يجري في الطهارة الترابيّة.

و يستوي فيهما الأجزاء و الآداب و السنن، فيشترطان في غسل الكفّين و المضمضة و الاستنشاق.

و لو قيل بالاستحباب لتحصيل التنظيف من الرطوبات و القذارات (1)، ثمّ التطهير لقلّة (2) الماء لم يكن بعيداً.

و أمّا الغسلة الثانية فلا ينبغي الشك في اشتراطهما فيها (و الخالي عن الحكم كالمشتبه بالمحصور لا يحكم بتنجيسه و لا بتطهيره في حدث و لا خبث، و الاتّحاد بعد التعدّد و الحصر بعد العدم لا يغيّر الحكم.

و لو كان متنجّساً بإصابة بدن الكافر ثمّ أسلم، و حكمنا بطهارة الباقي تبعاً و أمكن إجراؤه أجزأ.

و المشكوك بإضافة أصليّة بحكم المضاف، دون العارضيّة، و يجري فيه خاصّة دون المشكوك بنجاسته احتمال لزوم الجمع بين المائيّة و الترابيّة.

و المشتبه بالمحصور من القسمين فاقد لقسمي الطهوريّة، و يقوي وجوب الجمع بينهما في صورة الإضافة، و إضافة التيمّم مع بقاء الواحد دون النجاسة، و ما شكّ في محصوريّته من المحصور.

و تتحقّق الواسطة بين المضاف و المطلق ظاهراً و واقعاً، و في النجس و الطاهر ظاهراً، و يحتمل إلحاقه بالمضاف) (3).

ثالثها: جواز استعماله في نفسه و في آلاته و بعض أقسام متعلّقاته،

فلا يصحّ الوضوء بل جميع الطهارات الحدثيّة، و سننها و آدابها، و غير الحدثيّة من أقسام العبادات (4) بما حرم استعماله لحرمته في نفسه، أو من جهة ظرفه لغصبيّته أو ميّتيّته أو

____________

(1) في «س»، «م»: الندوات.

(2) في «ح» زيادة: في غير المياه المتسعة.

(3) كلّ ذلك ليس في «م»، «س».

(4) في «ح» زيادة: في غير المياه المتسعة.

50

احترامه أو ذهبيّته أو فضّيّته أو مزجه أو جمعه منهما أو مع غيرهما مع بقاء اسمها، أو من جهة مصبّه و موضع تقاطره، أو من جهة ما يمسّه كالجريان تحت العصائب و الجبائر المغصوبة فإنّه كالمسح تحت الشراك أو القلنسوه أو العمّامة المغصوبة مع المماسة.

و أمّا ما يحصل من الغسل بمجرّد النفوذ، و الاتّصال فيحتمل فيه عدم المنع، لكنّه خلاف الأحوط (1).

و يجري مثل ذلك في الغسل و الوضوء و إن توجّه النهي إلى خارج، لانبعاثه عنه، و الشكّ في دخول مثله تحت الإرادة و الخطاب، بخلاف المقارن، (أو مع قصد التفريغ، و قصد الانتقال إلى ظرف آخر، و وجود ماء آخر و لو كانت الصفة فيما يجب الظروف المستعملة.

و حصول الإذن في الابتداء، و المنع في الأثناء، و وجود المانع في بعض الحوض مع الوضوء من الجانب الأخر، و استعمال الشريك مع مغصوبيّة حصّة شريكه إشكال.

و مسألة المحصور و خلافه جارية في النقدين، و الأخذ من يد المسلم مسوّغ فيهما، و تبنى المسألة على أنّ امتناع الردّ بمنزلة التلف، فيرجع إلى المثل أو القيمة مع التموّل، و لا رجوع مع عدمه، فلا يكون عاصياً أوّلًا و هو الأقوى لأنّ المستند إلى الاختيار اختياريّ) (2).

و لا شك في تمشية هذا الشرط بالنسبة إلى الاداب و السنن، و احتمال السقوط لترتّب الغرض مع الإتيان و العصيان لا يخلو من وجه. و الأوجه خلافه (3).

و بقاء غير المتموّل من الماء على بعض الأعضاء لا يرفع حكم الغصب. و مع النسيان (4) ثمّ التذكّر أو توجّه المنع بعد الخروج عن التموّل مثلًا يحتمل الصحّة، و الأقوى العدم، و يجري الإشكال فيما لو نوى الغسل في الوضوء أو الغسل في الإخراج أو حال

____________

(1) بدلها في «ح»: الأقوى.

(2) ما بين القوسين ليس في «س»، «م».

(3) و في هامش «ح» زيادة: و هو من الشرائط العلميّة دون الوجوديّة.

(4) في «س»، «م»: العذر.

51

المكث الاضطراري.

و لو مزج الحلال من الماء بالحرام فاستهلكه و لم يكن له قابليّة القسمة و لا التقويم لقلّته، أو عدم ثمرته نزّل منزلة التالف، و جاز استعماله، و الأحوط استرضاء صاحبه.

أمّا لو لم يستهلكه و أمكن قسمته عن إذن المالك أو الحاكم مع تعذّره وجبت، و إن تعذّرا تولاها العدول من المسلمين، فإن تعذّروا تولاها بنفسه على إشكال حيث يكون هو الغاصب.

و لو علم اختلال الغسلة الأُولى، أو دار الأمر بينها و بين الثانية أجزأت الثانية كأجزاء تكرير الذكر المستحبّ إذا علم عدم التكرير أو فساد الأوّل.

رابعها: إباحة المكان

الذي يتوضّأ فيه؛ (و المراد به هنا ما كان فضاء أو جسماً محيطاً أو غير محيط، متّصلًا أو منفصلًا، حاوياً لجميع أعضاء الوضوء أو بعضها، متعدّداً أو متّحداً، كلا أو بعضاً، أو غسلًا أو مسحاً، أو حاملًا ثقلًا كما فصّل في محلّه. و يدخل المحيط بالمحاط مع دخوله عرفاً، و الخيمة و الصهوة (1) و نحوهما، و في دخول الهواء و الغبار و الدخان و البخار و النار بحث و قد يترتّب عليها بعض الثمار) (2).

فلا يصح وضوء، و لا غيره من الطهارات الداخلة في قسم العبادات رافعة أولا مع إيجادها أو إيجاد جزء منها غسل أو مسح في مكان مغصوب العين أو المنفعة، كلّه أو أرضه أو فضائه أو سقفه أو جوانبه، كلا أو بعضاً، قليلًا أو كثيراً مملوكاً خاصّاً أو مشتركاً بين المسلمين، مع الإضرار بهم، أو وقفاً خاصّاً أو عامّاً مع لزوم الإضرار ما لم يترتّب عليه تضيّع حقّ المالك من الغاصب، دخلت محالّ الوضوء في محالّ الغصب أولا؛ على إشكال.

و يلحق بذلك جميع العبادات البدنيّة الفعليّة دون القلبيّة، و في القوليّة احتمالان كادا أن يكونا بالسويّة، و الاستناد إلى حكم التصرّف في البطلان مغنٍ عن التعويل فيه على حكم الأكوان، مع أنّ تمشيته في البعض غنيّة عن البيان.

____________

(1) صهوة كلّ شيء: أعلاه و هي من الفرس موضع اللبد من ظهره. لسان اللسان 2: 44.

(2) ما بين القوسين ليس في «س»، «م».

52

و هذا الشرط و سابقه علميّان لا وجوديّان، فلو جاء المعذور لجهل بالموضوع أو نسيان أو إجبار مع عدم التقصير بالمقدّمات أمّا معه فإشكال بشيء من العمل مع ذلك المحذور صحّ عمله لارتفاع النهي الباعث على الفساد و لم يلزمه سوى قيمة ما لَهُ قيمة، أو مثل ماله مثل (1) أو أُجرة ماله أُجرة.

و لو كان الماء أو مصبّه أو محلّ العبادة متّسعاً يلزم في حجب الناس عنه الحرج، جاز استعماله لغير الغاصب و مقوّميه (2)، مع موافقة المذهب و مخالفته، و دخول الأيتام و المجانين و عدم دخولهم، و صحّ العمل فيه (3) من غير استتباع غرامة.

و لو أذن المغصوب منه للغاصب أو لغيره بالعبادة على وجه العموم أو الخصوص فعملا من غير تعدّ عن محلّ الرخصة صحّ العمل، و لو خصّ المنع بالعبادة عامّة أو خاصّة و أجاز ما عداها فسدت، و لو أجازها مشروطة بكيفيّة وجب الاقتصار عليها، و فسدت بدونها.

و لو كانت في محلّ خالٍ عن التحجير، كبعض الدور الخربة، و النهر الصغير، و جرت عادة المسلمين على التصرّف فيها جاز اتّباعهم في ذلك.

و لا تفيد الإجازة من المالك في إباحة ماء أو ظرف أو مكان بعد العمل شيئاً.

و ليس الحال هنا كحال العبادات الماليّة من وقف أو زكاة أو خمس و نحوها ممّا تجوز فيها النيابة (4) و في نيّتها فإنّه لا يبعد القول بصحّتها من غير الغاصب أو منه للمالك أو له على إشكال معظمٍ في الأخير. و فيمن ينتقل إليه وجوه ثالثها التخيير في القصد.

و لا حال النهي فيهما كحال النهي عن المقارنات، لدخولها تحت التصرّف في الأفعال، و الباعثيّة على فعل الحرام فيما يترتّب عليه فعل الحرام دونها، فيشكّ في شمول أدلّة الخطاب له، فليس حالها (5) كالنظر إلى الأجنبية و الحسد و التكبّر

____________

(1) في «ح» زيادة: أو قيمة.

(2) في «م» و «س» مقويته.

(3) في «ح» زيادة: و إن منع منه فيه.

(4) في «ح»: الوكالة فيها.

(5) في «ح» زيادة: كحال المقارنات الخالية عن الترتّب.

53

و نحو ذلك (1).

و لو حرم شيء منها بسبب نذرٍ أو عهدٍ أو خوف ضررٍ أو نحوها جرى الحكم عليها.

و يحتمل ثبوت حكم الغصب بخبر العادل في حقّ الخارج، و في الداخل يتوقّف على البيّنة، و حكم الحاكم في الحكم عليه به كسائر الأحكام.

و ما ظنّ بغير الوجه الشرعي أو شكّ أو توهّم إذن المالك فيه فحكمه حكم الغصب، و القول بدخوله تحت الآية (2) فيجوز في حقّ المستثنى فيها إلا مع العلم بالمنع غير بعيد، و لا سيّما فيما كان من العبادة أكلًا أو مقدّمة للأكل.

و لو دخل معذوراً فارتفع العذر في الأثناء صحّ ما مضى و تجنّب ما بقي، و تصحيح الوضوء بالماء المغصوب بزعم أنّه بعد التقاطر خارج عن التموّل، فيخرج عن الغصب، فلو غسل به حينئذٍ لم يغسل بالمغصوب ليس بصحيح (3)، و إلا لساغ أخذ الأموال العظيمة بتناولها و إتلافها أوّلًا فأوّلًا، و أكل الحرام و شربه شيئاً فشيئاً. و أن لا يأكل و لا يشرب أحد حراماً، لخروج المطعوم و المشروب بمجرّد الدخول في الفمّ فضلًا عن المضغ عن الماليّة و التقوّم، و الأمر من الواضحات.

و لا فرق في فساد العمل بالأخذ من الظرف مع المنع بين الغرفات المتعدّدة و المتّحدة، الأخيرة و غيرها على الأقوى، و لا بين وجود الحلال السالم من الإشكال و عدمه.

(و أمّا اللباس و نحوه فمن المقارنات ما لم يستتبع تصرّفاً بالأجزاء أو المسح مع المباشرة.

و في ملابس القدمين و فيما يكون من النعلين أو نحوهما تحت القدمين أو غيرهما من أعضاء الوضوء من ملابس أو غيرها في غسل أو مسح إشكال، و في الأخير أشكل، و صغر الحجم لا يغيّر الحكم، و إن كان اختلاف الحال بالنسبة إلى الضلال لا يخلو من وجه. و للفرق بين المسامت و غيره حينئذٍ وجه.

____________

(1) في «ح» زيادة: و لو دخل شيء مشاع و إن قلّ في مملوك و إن عظم و لو بسبب مقابلة جزءٍ ما بين ثمن مغصوب، و منه ما كان من زكاة أو خمس.

(2) انظر الآية: 61 من سورة النور.

(3) في «ح» زيادة: كما أشرنا إليه سابقاً.

54

و كذا مقارنة نظر الأجنبي أعضاء الوضوء حال غسلها أو مسحها مع إمكان التستّر لا بدونه، فإنّه لا ريب في إفساده، ثمّ المنع مع باعثيّته على عمل الوضوء على الكشف.

و لو دخل فيه مأذوناً ثمّ جاءه المنع لم يسمع فيما يحرم فيه القطع، و في غيره يحتمل ذلك مع الدخول؛ لاحتمال الدخول في الفرار المنهيّ عنه في الأخبار، و لو قارن قصد التفريق من المقدور فلا بأس مع المساواة، و في غيره إشكال و يجري مثل ذلك في التيمّم و الغسل.

و لو توقّفت المائيّة دون الترابيّة انتقل إلى التيمّم، و لو توقّف الجميع فلا صلاة، و نحوه حكم فاقد الطهورين، و لو خالف في هاتين الصورتين بطل عمله) (1) و اللّه أعلم.

خامسها: عدم المانع من استعمال الماء (2)؛ لضيق وقت أو لخوف عدوّ،

و لا يندفع بمال غير ضارٍّ، أو لخوف مشقّة لا تتحمّل، أو لخوفٍ من حدوث أو بقاء شيء من بعض الأمراض و الأدواء المؤلمة أو الشائنة، أو من عطش يخاف منه على نفسه، و إن كانت مستحقّة للقتل لكفر أو نحوه و ممّن لم يلزم حفظها لتأليف و نحوه ما لم يجب عليه إتلافها لحفظ غيره، و بإيثاره به أو نفس محترمة، و إن كانت كذلك لاستحقاق حدّ أو قصاص.

و أمّا الكافر (3) حربيّا أصليّاً أو مرتدّاً فطريّاً أو ملّيّاً، معتصماً بأمان أو عهد أو صلح أو جزية أو غير معتصم فلا احترام لنفسه في حقّ غيره ما لم يكن من الإباء أو الأُمّهات، و إن علوا في وجه قويّ أو يدخل ذلك في الشرط. و الظاهر احترام الأطفال دون النساء و يقوى إلحاق غير أهل الإيمان بالكفّار نصّاً (4).

أو يخاف من استعماله على حيوان محترم أو مضطرّ إليه لحاجة أو ماليّة، فلو توضّأ مع وجود المحترم بطل وضوءه.

____________

(1) ما بين القوسين ليس في «م»، «س».

(2) في «ح» زيادة: استعماله في مسح أو غسل و لو في نحو من الأنحاء، فلا يصحّ مع وجوده و لو في بعض الأعضاء و إن لم يكن موجب للتيمّم هنالك كما سنبيّن ذلك بحول اللّه.

(3) في «ح» زيادة: بالأصالة.

(4) بدلها في «ح»: هنا.

55

و لو عصى بقتله أو قتل نفس مؤمنة غير مؤدّ إلى كفره ثم توضّأ صحّ كما لو أجبر أحداً على إحضار الماء مملوكاً له أو مباحاً على إشكال في الأخير ما لم يقرن بقصد التملّك في الحيازة، فيدخل في الغصب.

و لو شرب ماء أو شربه حيوان و أمكن استفراغه قبل استحالته من دون مشقّة، أو كان الحيوان المخوف عليه العطش قابلًا للتذكية مع إمكان بيعه أو ذبحه و الانتفاع بلحمه و جلده أو جلده مطلقاً جاز له الوضوء و تركه.

و مع عدم الإمكان في جواز ذبحه وجهان، و يقوّى مثله فيما يتوقّف استعماله على دفاع غير ضارٍّ، أو بذل مالٍ ضارٍّ في الجملة.

و لو اختصّ خوف الضرر بالسنن فسدت و صحّ الوضوء، و لو جاء الضرر في الأثناء و ارتفع قبل جفاف الماء عن الأعضاء أتمّ، و إلا أعاد المقدّم ثمّ المؤخّر.

و هذا الشرط جارٍ في جميع الطهارات المائيّة من العبادات مع تعمّد أسبابها و عدمه، و تجب الطهارة بالماء على الكافر و إن كان استعمال الماء ممنوعاً منه لنجاسة بدنه؛ لأنّه مأمور بتطهيره بالإسلام ثمّ الاستعمال.

سادسها: عدم التقيّة في الإتيان بالعمل (1)؛

و المراد بها هنا: الخوف من أهل الإسلام عامّتهم أو خاصّتهم، أو غير أهل الإسلام، أو الأُمراء و الحكّام و غيرهم على نفس (2) أو عرض أو مال مضطرّ إليه، للعامل أو لغيره من أهل الإيمان إذا قُضي بوجوب الحفظ عليه.

و أمّا التقيّة في أمر الكيفيّة فإن كانت من غير العامّة أو منهم في خلاف مذهبهم لم يصحّ عملها، و إن كانت منهم في أمر المذهب في موضوع عامّ أو خاصّ أو حكم عامّ أو خاصّ بعثت على صحّة العمل.

ثمّ إن كانت للخوف على ما يجب حفظه وجبت، و إن كانت لرفع عداوتهم و بعثهم على الحكم بأنّه من أهل مذهبهم استحبّت، فهي ثلاثة أقسام: موجبة و مصحّحة

____________

(1) في «ح» عدم منافاة التقيّة في الإتيان بالعمل أو عدد أجزائه.

(2) بدل نفس في «ح» نفسه و زيادة: مطلقاً أو نفس غيره محترمة على نحو ما مرّ.

56

و جامعة بين الصفتين.

و مع التعارض يرجّح بينهم بالكثرة و القلّة، و الضعف و القوّة، و القرب و البعد، و هكذا، و المدار على الميزان.

و لا يجب التخلّص منهم بالبعد عنهم، و لا ببذل المال و نحوه و إن لم يكن مضرّاً بالحال، و خوف بلوغ الخبر منهم لمثلهم يقوم مقام خوف الاطّلاع و النظر.

(و كذا من غيرهم على إشكال، و من كان منهم ضعيفاً مستوطناً في مملكة غيرهم و لا يخشى منه إيصال الخبر ففي جواز التقيّة منه نظر، و لو بَعُد بعد الدخول أو ظهرت منه لمذهب الحقّ دلائل القبول صحّ ما مضى منه، و جاء بوفق الحقّ فيما بقي.

و في صورة احتمال وجود من يخاف، و احتمال الاتّصاف يجري حكمها على الأقوى.

و يجب الهجرة عن محلّها في القسم الأوّل دون الأخيرين، و تقيّة المخالف في بلاد الشيعة منهم لا تسقط القضاء عنه بعد الإيمان في وجه قويّ) (1).

و لو دار الأمر بين التقيّة في طهارة و صلوات أو طهارات مترتّبة أو صلوات كذلك كلا أو بعضاً جعل التقيّة في الأخير كما في سائر الشطور و الشروط، فلو دار أمره بين غسل الأسفل في الوجه أو اليدين، و بين غسل الرجلين، أو المسح على الخفّين؛ جعل التقيّة في الأخيرين.

(و بناء الوجهين في ذي الأجزاء على التوزيع في الخطاب، فيكون بحكم العبادات المترتّبة، و عدمه غير بعيد) (2).

و مع المقارنة يبني على الترجيح، فيجعلها في المفضول دون الفاضل. فلو اندفعت بصلاة النفل أو الفرض و صلاة الآيات، و التحمّل أو الفرائض جعلت في الأوّلين.

و لو دارت بين الأقرب إلى حقيقة المراد و الأبعد فالأقرب وجوب جعلها في الأقرب كما إذا دار الأمر بين غسل الرجلين و المسح على الخفّين فإنّه يقدّم الأوّل منهما

____________

(1) ما بين القوسين ليس في «س»، «م».

(2) ما بين القوسين ليس في «س»، «م».