كتاب الحج (للشيخ الأنصاري)

- الشيخ مرتضى الأنصاري المزيد...
148 /
1

[المدخل]

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على خير خلقه محمّد و آله الطيّبين الطاهرين.

لم تكن الثورة الإسلاميّة بقيادة الإمام الخميني (رضوان اللّه عليه) حدثا سياسيّا تتحدّد آثاره التغييريّة بحدود الأوضاع السياسيّة إقليميّة أو عالميّة، بل كانت و بفعل التغييرات الجذريّة التي أعقبتها في القيم و البنى الحضاريّة التي شيّد عليها صرح الحياة الإنسانيّة في عصرها الجديد حدثا حضاريّا إنسانيّا شاملا حمل إلى الإنسان المعاصر رسالة الحياة الحرّة الكريمة التي بشّر بها الأنبياء (عليهم الصلاة و السلام) على مدى التأريخ و فتح أمام تطلّعات الإنسان الحاضر افقا باسما بالنور و الحياة، و الخير و العطاء.

و كان من اولى نتائج هذا التحوّل الحضاري الثورة الثقافيّة الشاملة التي شهدها مهد الثورة الإسلاميّة إيران و التي دفعت بالمسلم الإيراني إلى اقتحام ميادين الثقافة و العلوم بشتّى فروعها، و جعلت من إيران، و من قم المقدّسة بوجه خاصّ عاصمة للفكر الإسلامي و قلبا نابضا بثقافة القرآن و علوم الإسلام.

2

و لقد كانت تعاليم الإمام الراحل (رضوان اللّه تعالى عليه) و وصاياه و كذا توجيهات قائد الثورة الإسلاميّة و وليّ أمر المسلمين آية اللّه الخامنئي المصدر الأوّل الذي تستلهم الثورة الثقافيّة منه دستورها و منهجها، و لقد كانت الثقافة الإسلاميّة بالذات على رأس اهتمامات الإمام الراحل (رضوان اللّه عليه) و قد أولاها سماحة آية اللّه الخامنئي حفظه اللّه تعالى رعايته الخاصّة، فكان من نتائج ذاك التوجيه و هذه الرعاية ظهور آفاق جديدة من التطوّر في مناهج الدراسات الإسلاميّة بل و مضامينها، و انبثاق مشاريع و طروح تغييريّة تتّجه إلى تنمية و تطوير العلوم الإسلاميّة و مناهجها بما يناسب مرحلة الثورة الإسلاميّة و حاجات الإنسان الحاضر و تطلّعاته.

و بما أنّ العلوم الإسلاميّة حصيلة الجهود التي بذلها عباقرة الفكر الإسلاميّ في مجال فهم القرآن الكريم و السنّة الشريفة فقد كان من أهمّ ما تتطلّبه عمليّة التطوير العلمي في الدراسات الإسلاميّة تسليط الأضواء على حصائل آراء العباقرة و النوابغ الأوّلين الذين تصدّروا حركة البناء العلمي لصرح الثقافة الإسلاميّة، و القيام بمحاولة جادّة و جديدة لعرض آرائهم و أفكارهم على طاولة البحث العلمي و النقد الموضوعي، و دعوة أصحاب الرأي و الفكر المعاصرين إلى دراسة جديدة و شاملة لتراث السلف الصالح من بناة الصرح الشامخ للعلوم و الدراسات الإسلاميّة و روّاد الفكر الإسلاميّ و عباقرته.

و بما أنّ الإمام المجدّد الشيخ الأعظم الأنصاري (قدّس اللّه نفسه) يعتبر الرائد الأوّل للتجديد العلمي في العصر الأخير في مجالي الفقه و الاصول- و هما من أهمّ فروع الدراسات الإسلاميّة- فقد اضطلعت الأمانة العامّة لمؤتمر الشيخ الأعظم الأنصاري- بتوجيه من سماحة قائد الثورة الإسلاميّة

3

آية اللّه الخامنئي و رعايته- بمشروع إحياء الذكرى المئويّة الثانية لميلاد الشيخ الأعظم الأنصاري (قدّس سرّه) و ليتمّ من خلال هذا المشروع عرض مدرسة الشيخ الأنصاري الفكريّة في شتّى أبعادها و على الخصوص إبداعات هذه المدرسة و إنتاجاتها المتميّزة التي جعلت منها المدرسة الامّ لما تلتها من مدارس فكريّة كمدرسة الميرزا الشيرازي و الآخوند الخراساني و المحقّق النائيني و المحقّق العراقي و المحقّق الأصفهاني و غيرهم من زعماء المدارس الفكريّة الحديثة على صعيد الفقه الإسلامي و اصوله.

و تمهيدا لهذا المشروع فقد ارتأت الأمانة العامّة أن تقوم لجنة مختصّة من فضلاء الحوزة العلميّة بقم المقدّسة بمهمّة إحياء تراث الشيخ الأنصاري و تحقيق تركته العلميّة و إخراجها بالاسلوب العلمي اللائق و عرضها لروّاد الفكر الإسلاميّ و المكتبة الإسلاميّة بالطريقة التي تسهّل للباحثين الاطّلاع على فكر الشيخ الأنصاري و نتاجه العلمي العظيم.

و الأمانة العامّة لمؤتمر الشيخ الأنصاري إذ تشكر اللّه سبحانه و تعالى على هذا التوفيق تبتهل إليه في أن يديم ظلّ قائد الثورة الإسلاميّة و يحفظه للإسلام ناصرا و للمسلمين رائدا و قائدا و أن يتقبّل من العاملين في لجنة التحقيق جهدهم العظيم في سبيل إحياء تراث الشيخ الأعظم الأنصاري و أن يمنّ عليهم بأضعاف من الأجر و الثواب.

أمين عام مؤتمر الشيخ الأعظم الأنصاري الشيخ محسن العراقي

4

[المقدمة]

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه رب العالمين و أفضل الصلاة على أفضل بريّته محمد و آله المطهّرين.

و بعد: بين ايدينا حلقة أخرى من تراث الشيخ الأعظم الأنصاري (قدّس سرّه)، و هي تشتمل على كتابين في موضوع الحج:

الأول- يتضمّن تعليقات للشيخ الأنصاري على بعض مباحث الحج من كتاب إرشاد الأذهان للعلّامة الحلّي (قدّس سرّه). و مبحث الحج من كتاب الارشاد يحتوي على فصول أربعة: الأول: في أنواعه. الثاني: في الشرائط، و الثالث: في الأفعال، و الرابع: في اللواحق. غير أن الموجود من تعليقات الشيخ الأعظم على الكتاب يتعلق بالفصل الأول و الثاني فقط.

و قد قامت مؤسسة آل البيت (عليهم السّلام) بتحقيق هذا الكتاب و إعداده للطبع، و لكنها ارتأت تقديمه إلى المجمع مساهمة منها في إكمال تراث الشيخ الأعظم (قدّس سرّه).

فجزى اللّه العاملين فيها خير الجزاء. و قد بادرنا إلى طبع الكتاب على الطريقة التي تمّ انجازها في المؤسسة و إن كان تحقيقنا لتراث الشيخ الأعظم يختلف في بعض الجهات عما أجري في هذا الكتاب.

نعم أجرينا بعض التعديلات الضرورية سواء كان يتعلق بتصحيح الأغلاط أو الأمور الفنية الأخرى.

الثاني- مناسك حج بالفارسية، حرّره الشيخ الأعظم استجابة لطلب بعض المؤمنين و إعانة لسائر الحجّاج و المعتمرين، فانه سلك فيه مسلك الاحتياط غالبا، ليتمّ الانتفاع به لغير مقلّديه أيضا.

كما و هناك تعليقات على مسائل الكتاب لبعض الفحول من الفقهاء، كالميرزا محمد حسن الشيرازي، و الشيخ محمد كاظم الخراساني، و السيد محمد كاظم اليزدي(قدّس اللّه أسرارهم) أضفناها تتميما للفائدة.

هذا و آخر دعوانا أن الحمد للّه رب العالمين.

مسئول لجنة التحقيق محمد علي الأنصاري

5

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على محمّد و آله الطاهرين. و لعن اللّه على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

كتاب الحجّ و هو- بفتح الحاء و تكسر- لغة: القصد، أو كثرة الاختلاف و التردّد مطلقا. كما عن القاموس (1) أو إلى من يعظّمه كما عن الخليل (2).

و شرعا: أفعال مخصوصة في مشاعر مخصوصة، أو القصد إلى بيت اللّه و أداء مناسك مخصوصة هناك.

و يمكن ترجيح الأوّل؛ للتبادر، و قوله تعالى وَ أَتِمُّوا الْحَجَّ وَ الْعُمْرَةَ لِلّهِ

____________

(1) القاموس المحيط 1: 182.

(2) العين 3: 9.

6

(1) و نحوها (2).

و الثاني؛ لكونه أنسب بالمعنى اللغويّ. و يؤيّده إضافة الحجّ كثيرا في الكتاب (3) و السنّة (4).

(و النظر فيه في امور أربعة):

[النظر الأوّل في أنواع الحج]

(الأوّل: في أنواعه، و هو) بالذات نوعان: (واجب و ندب)؛ لأنّ الراجح لا يخلو عنهما.

(فالواجب) ابتداء من قبل اللّه تعالى (بأصل الشرع) الإتيان به (مرّة واحدة) بلا خلاف بين المسلمين، كما في التهذيب (5) و لذا حمل أخبار الوجوب على أهل الجدّة في كلّ عام، على وجوبه في الأعوام على البدل، لا عينا (6). مضافا إلى الأصل و الأخبار.

منها: ما في علل الفضل بن شاذان، عن مولانا أبي الحسن الرضا (عليه السّلام):

«و إنّما امروا بحجّة واحدة لا أكثر؛ لأنّ اللّه تعالى وضع الفرائض على أدنى القوم» (7).

رواه الصدوق في العيون، بسنده الحسن عن الفضل (8).

____________

(1) البقرة: 196.

(2) البقرة: 197.

(3) آل عمران: 97.

(4) راجع نهج البلاغة: 45 الخطبة 1، و 163 الخطبة 110، و الوسائل 11: 22، الباب 4 من أبواب وجوب الحجّ، الحديث 7 و 9. و الصفحة 35، الباب 8، الحديث 6.

(5) التهذيب 5: 16 ذيل الحديث 45.

(6) التهذيب 5: 16 ذيل الحديث 48.

(7) الوسائل 11: 19 أبواب وجوب الحج ب 3 ح 1- 3.

(8) عيون أخبار الرضا (عليه السّلام) 2: 120/ 1 بتفاوت يسير.

7

و منه يظهر أنّ المحكيّ عنه في علل الشرائع: من القول بوجوبه على المستطيع كلّ عام (1) محمول على الاستحباب المؤكّد، و إن كان يأبى عن ذلك الاحتجاج له بما في مرفوعة الميثمي من: أنّ في كتاب اللّه عزّ و جلّ فيما انزل: وَ لِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ في كلّ عام مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (2) (3).

و وجوبه (على الفور) اتّفاقا ظاهرا، كما عن الناصريّات و الخلاف و شرح الجمل للقاضي و التذكرة و صريح المدارك و ظاهر كشف اللثام (4).

و استدلّ عليه في المعتبر بأنّ التأخير تعريض لنزول العقاب لو اتّفق الموت، فتجب المبادرة صونا للذمّة عن الاشتغال، و بقول النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم):

«من مات و لم يحجّ فلا عليه أن يموت يهوديّا أو نصرانيّا» (5). قال:

و الوعيد مطلقا دليل التضييق (6).

أقول: و بمضمون النبويّ أخبار مستفيضة أوضح.

منها: ما رواه الشيخ في الصحيح، عن ذريح المحاربي، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «من مات و لم يحجّ حجّة الإسلام، و لم يمنعه عن ذلك حاجة تجحفه، و لا مرض لا يطيق فيه الحجّ، و لا سلطان يمنعه، فليمت

____________

(1) علل الشرائع: 405 ذيل الحديث 5، و حكاه عنه الاصفهاني في كشف اللثام 5: 9.

(2) آل عمران: 97.

(3) علل الشرائع: 405 ذيل الحديث 5.

(4) الناصريّات: 305، الخلاف 2: 257، المسألة 22، شرح جمل العلم و العمل:

207، التذكرة 7: 17 المسألة 8، المدارك 7: 17، كشف اللثام 5: 9.

(5) الوسائل 11: 32 أبواب وجوب الحجّ ب 7 ح 5 (فيه عن المعتبر).

(6) المعتبر 2: 746.

8

يهوديّا أو نصرانيّا» (1).

و موثّقة أبان بن عثمان، عن أبي بصير، إنّ: «من مات و هو صحيح موسر لم يحجّ، فهو ممّن قال اللّه عزّ و جلّ: وَ نَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى (2) قلت: سبحان اللّه أعمى؟ قال: «نعم، أعماه اللّه عن طريق الجنّة» (3).

و في رواية زيد الشحّام قلت: لأبي عبد اللّه (عليه السّلام) التاجر يسوّف الحجّ؟ قال: «ليس له عذر، فإن مات فقد ترك شريعة من شرائع الإسلام» (4).

و في صحيحة معاوية بن عمّار: «و إن كان سوّفه للتجارة فلا يسعه، و إن مات على ذلك فقد ترك شريعة من شرائع الإسلام، إذا هو يجد ما يحجّ به، و ان كان دعاه قوم أن يحجّوه، فاستحيى فلم يفعل فإنّه لا يسعه إلّا الخروج و لو على حمار أجدع أبتر. و سألته عن قول اللّه تعالى: وَ مَنْ كَفَرَ (5) قال: و من ترك» (6).

و صحيحته الاخرى، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن رجل له مال و لم

____________

(1) التهذيب 5: 17/ 49 (بتفاوت يسير).

(2) طه: 124.

(3) الكافي 4: 269/ 6، التهذيب 5: 18/ 51، الوسائل 11: 27 أبواب وجوب الحجّ ب 6 ح 7 (في المصادر بتفاوت يسير).

(4) الكافي 4: 269/ 3، التهذيب 5: 17- 18/ 50، الوسائل 11: 27 أبواب وجوب الحج ب 6 ح 6.

(5) آل عمران: 97.

(6) التهذيب 5: 18/ 52، الوسائل 11: 25 أبواب وجوب الحجّ ب 6 ح 1 و ب 10 ح 3 و ب 7 ح 2، (وردت فيها مقطّعة بالترتيب المذكور).

9

يحجّ قطّ؟ قال: «هو ممّن قال اللّه: وَ نَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى (1)» (2).

و في صحيحة الحلبيّ عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام): «إذا قدر الرجل على ما يحجّ به، ثمّ دفع ذلك، و ليس له شغل يعذر به فقد ترك شريعة من شرائع الإسلام» (3).

و في رواية الصدوق، عن محمّد بن الفضيل، قال: سألت أبا الحسن (عليه السّلام) عن قول اللّه تعالى؟: وَ مَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى (4) قال: «نزلت فيمن سوّف الحجّ، حجّة الإسلام و عنده ما يحجّ به، فقال: العام أحجّ، العام أحجّ، حتى يموت قبل أن يحجّ» (5).

و نحوها رواية أبي بصير في الكافي (6).

و عن عليّ بن أبي حمزة، عن الصادق (عليه السّلام)، إنّه قال: «من قدر على ما يحجّ به و جعل يدفع ذلك، و ليس له عنه شغل يعذره اللّه حتّى جاء الموت، فقد ضيّع شريعة من شرائع الإسلام» (7).

ظاهر هذه الأخبار بعد ضمّ بعضها إلى بعض، بل صريح بعضها، هو مفاد ما ذكره المحقّق من الاستدلال العقليّ، و حاصله وجوب المبادرة؛ لئلّا يحصل الإخلال به من غير عذر فيستحقّ العقاب (8).

____________

(1) طه: 124.

(2) التهذيب 5: 18/ 53، الوسائل 11: 25 أبواب وجوب الحج ب 6 ح 2.

(3) التهذيب 5: 18/ 54، الوسائل 11: 26 أبواب وجوب الحج ب 6 ح 3.

(4) الإسراء: 72.

(5) الفقيه 2: 273/ 1331.

(6) الكافي 4: 268- 269/ 2.

(7) الفقيه 2: 273- 274/ 1334، الوسائل 11: 28 أبواب وجوب الحجّ ب 6 ح 9.

(8) المعتبر 2: 746.

10

و هذا المقدار لا يدلّ إلّا على الفور من باب الاحتياط، فلو وثق بل علم بعدم حصول الترك منه في السنة المستقبلة فلا إثم.

و هذا غير الفوريّة بمعنى وجوب التعجيل بالذات، نظير ردّ الحقوق، ليترتّب عليه ما ذكروه من استحقاق العقاب بالتأخير و لو لم يترك. بل صرّح في الشرائع و غيره، بكون التأخير كبيرة موبقة (1).

و كيف كان فإثبات وجوب التعجيل بذاته بالأخبار مشكل. و المتيقّن وجوب التعجيل احتياطا. فلو أخّر و اتّفق أنّه حجّ في المستقبل فقد عصى بالتجرّي. و لا يبعد أن يكون التجرّي على مثل هذه المعصية أيضا كبيرة؛ لأنّ قبحه تابع لقبح أصل الفعل.

أمّا لو علم أو وثق بحصول الحجّ منه في المستقبل فلا معصية، بناء على ما ذكرنا، حتى لو اتّفق الموت؛ لعدم حصول التجرّي.

نعم، ظاهر الإجماعات المتقدّمة (2) هو القول بالفوريّة الشرعيّة، مع احتمال تنزيل كلماتهم على ما ذكره المحقّق من الفوريّة العقليّة (3)؛ لأنّ المآل عدم الوثوق.

و ربّما يستدلّ على الفوريّة بما دلّ من الأخبار على انّ المستطيع لا يجوز أن يحجّ عن غيره نيابة (4).

و فيه: أنّه يجوز أن يكون ذلك لمجرّد الحكم الوضعيّ، لا لأجل التكليف بالحجّ فورا، و لذا حكي عن الحلّي عدم جواز النيابة و لو لم يجب

____________

(1) شرائع الإسلام 1: 223، المسالك 2: 122، الروضة 2: 161.

(2) المتقدّمة في ص 7.

(3) تقدّم في ص 7.

(4) كشف اللثام 5: 9.

11

عليه الحجّ في تلك السنة لعذر (1)، مع قوّة احتمال حمل تلك الأخبار على الغالب: من عدم الوثوق بعدم طروّ العذر، فيجب البدار حينئذ بحكم العقل.

هذا بالنسبة إلى أصل الحجّ.

و امّا الخروج له في السنة الاولى كما صرّح به في الروضة (2)، فهل يجب مع الرفقة الاولى مطلقا؟ أو بشرط عدم الوثوق بخروج رفقة اخرى؟

- كما في الدروس- (3) أو لا يجب مطلقا إلّا إذا قطع بعدم خروج رفقة اخرى؟- كما قوّاه في المدارك- (4) وجوه: خيرها أوسطها؛ لأنّ محصّل ما دلّ على عقاب من تركها لغير عذر هو وجوب الاحتياط عند عدم الوثوق بالتمكّن في الزمان الثاني، و لا دليل على فوريّة الخروج شرعا، حتّى يجب المبادرة و لو مع الوثوق، بل عرفت الإشكال في فوريّة أصل الحجّ شرعا.

____________

(1) حكاه الاصفهاني في كشف اللثام 5: 153 فانظر السرائر 1: 626.

(2) الروضة 2: 161.

(3) الدروس 1: 314.

(4) المدارك 7: 18.

12

[النظر الثاني في الشرائط]

النظر الثاني في الشرائط (يشترط في حجّة الإسلام):

(التكليف): بالبلوغ و العقل و الحريّة.

(و الاستطاعة: و هي الزاد و الراحلة و مؤنة عياله).

(و إمكان المسير: و هو الصحّة و تخلية السرب و القدرة على الركوب وسعة الوقت).

(فلا يجب على الصبيّ و المجنون، و لو حجّا أو حجّ عنهما لم يجزأ عن حجّة الإسلام).

أمّا الأوّل فلعدم أهليّتهما للتكليف؛ لحديث رفع القلم (1) المجمع عليه بين المسلمين.

و أمّا الثاني: فلإطلاقات الوجوب على المكلّفين، و خصوص الأخبار، المعتضدة بعدم الخلاف.

ففي رواية عبد الملك: «لو أنّ غلاما حجّ عشر حجج، ثمّ احتلم كانت عليه فريضة الإسلام» (2).

____________

(1) الخصال: 93- 94/ 40 و 175/ 233، الوسائل 1: 45 أبواب مقدّمة العبادات ب 4 ح 11، سنن ابن ماجة 1: 658/ 2041 و 2042، الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان 1: 178/ 142، مسند أحمد 6: 100- 101، سنن النسائي 6: 156، سنن الترمذي 4: 32/ 1423، سنن أبي داود 4: 141/ 4403، المعجم الكبير للطبراني 11: 89/ 11141، المنتقى لابن الجارود: 67/ 148.

(2) الكافي 4: 278/ 18، التهذيب 5: 6/ 15، الاستبصار 2: 141/ 459، الوسائل 11: 46 أبواب وجوب الحجّ ب 13 ح 2 (في المصادر مسمع بن عبد الملك بدل عبد الملك).

13

و ما رواه الصدوق في الصحيح عن صفوان، عن إسحاق بن عمّار، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن ابن عشر سنين يحجّ؟ قال: «عليه حجّة الإسلام إذا احتلم، و كذلك الجارية إذا طمثت» (1).

و نحوها رواية شهاب (2).

(و لو حجّا ندبا، ثمّ كملا قبل) اختياريّ (المشعر) بل اضطراريّه- على قول من [يكتفي به (3)] للمعذور- (أجزأ) لهما عن حجّة الإسلام، وفاقا للمحكيّ عن الشيخ و أكثر الأصحاب (4). بل عن التذكرة و الخلاف دعوى الإجماع عليه (5).

و استدلّ عليه في المعتبر و المنتهى: بأنّه زمان يصحّ فيه إنشاء الحجّ فكان مجزيا (6). و المراد: بقاء معظم ركن الحجّ، فلا يقدح وقوع ما قبلها على غير الوجوب. لا أنّه يجزي عنه إنشاء الحجّ و استينافه حينئذ.

و لكنّ في هذا الاستدلال نظر؛ لأنّ هذه الأخبار يدلّ بظاهرها على أنّ إنشاء الحجّ و استينافه حينئذ صحيح للمضطّر، بأن ينشئ الإحرام للحجّ.

و هذا ليس ممّا نحن فيه في شيء. فإنّ المقصود المصرّح به في عنوانهم و فروعهم هو إجزاء المركّب الملفّق من الإحرام و الأفعال السابقة

____________

(1) الفقيه 2: 266/ 1296 (فيه أبا الحسن (عليه السّلام) بدل أبا عبد اللّه (عليه السّلام)).

(2) الكافي 4: 276/ 8، التهذيب 5: 6/ 14، الاستبصار 2: 149/ 476، الوسائل 11: 45 أبواب وجوب الحجّ ب 12 ح 2.

(3) في الأصل: تكفي.

(4) الشيخ في المبسوط 1: 297، الشهيد الثاني في المسالك 2: 123- 124، الشهيد الأوّل في الدروس 1: 308، و تردّد المحقّق في شرائع الإسلام 1: 225.

(5) التذكرة 7: 38، الخلاف 2: 379- 380 المسألة 227، (و الإجماع في كلا المصدرين في الصبيّ فقط. كما حكاه الاصفهاني في كشف اللثام 5: 74 و النراقي في مستند الشيعة 11: 21).

(6) المعتبر 2: 749، منتهى المطلب 2: 649 (الحجري).

14

و اللاحقة. اللّهم إلّا أن يراد بهذا تأييد المطلب، حيث: إنّ معظم أركان الحجّ ما فيه الكمال، لا يضرّ المكلف فوات ما عداها، فلا يضرّ الصبيّ وقوع ذلك على غير صفة الوجوب.

و يدلّ عليه قوله (عليه السّلام) في صحيحة معاوية بن وهب، الواردة في مملوك اعتق يوم عرفة، قال: «إذا أدرك أحد الموقفين فقد أدرك الحجّ» (1) فانّ ضمير أدرك- بناء على كونه مبنيّا للفاعل- و إن كان راجعا إلى خصوص العبد، إلّا أنّ المستفاد منه علّية الشرط للجزاء كما لا يخفى على المنصف.

مضافا إلى ما سيأتي من الأخبار الدالّة على أنّ من أدرك المشعر فقد أدرك الحجّ (2).

و قد اشتهر عن ابن مسكان: إنّه لم يرو عن الصادق (عليه السّلام) رواية بلا واسطة إلّا حديث: «من أدرك المشعر فقد أدرك الحجّ» (3). و حمل الإدراك في هذه الأخبار على الإدراك من حيث الوجود و القدرة.

و هل يكفي مجرّد الكمال أم يعتبر استطاعة الصبيّ و المجنون بالزاد و الراحلة؟ ظاهر إطلاق الأكثر الأوّل (4)، نظرا إلى أنّ الكمال- أحد شرائط الوجوب- يتوقّف تحقّقه على غيره أيضا.

و هل الاستطاعة من البلد؟- لو كانا نائيين- أو من الميقات؟ أو من

____________

(1) الفقيه 2: 265/ 1290، التهذيب 5: 5/ 13، الاستبصار 2: 148/ 485، الوسائل 11: 52 أبواب وجوب الحجّ ب 17 ح 2 (في المصادر «عمّار» بدل «وهب»).

(2) الوسائل 14: 40 أبواب الوقوف بالمشعر ب 23 ح 9- 11.

(3) رجال الكشّي: 383 الرقم 716 و عنه في الوسائل 14: 41- 42 أبواب الوقوف بالمشعر ب 23 ح 13.

(4) كما في الحدائق 14: 61- 62 و المسالك 2: 125 و المدارك 7: 22- 23.

15

حين التكليف؟ وجوه.

و ظاهر الأكثر الأوّل (1). و ظاهر الشهيدين الثاني (2) و نسبه ثانيهما في المسالك إلى جماعة (3). إلّا أنّ الثالث لا يخلو عن قوّة. لأنّ الظاهر ممّا دلّ على اعتبار الاستطاعة الشرعيّة هو اعتبارها بالنسبة إلى ما يجب عليه إيجاده من الأفعال و المقدّمات.

لكنّ الظاهر عدم تقسيط الاستطاعة لمثل ما بقي من الأفعال من زمان الوقوف بالمشعر. بل الظاهر اعتبار الشارع للزاد و الراحلة لأجل المسافرة الشرعيّة إلى الحجّ.

نعم، لو حدث الكمال في مكّة قبل الذهاب إلى عرفات اعتبر الزاد و الراحلة للمسير إلى عرفات إلى الرجوع إلى مكّة.

قال في التذكرة على ما حكي عنه: لو بلغ الصبيّ أو اعتق العبد قبل الوقوف أو في وقته و أمكنهما الإتيان بالحجّ، وجب عليهما ذلك. لأنّ الحجّ واجب على الفور، و لا يجوز لهما تأخيره مع إمكانه كالبالغ الحرّ. خلافا للشافعي (4). و متى لم يفعلا الحجّ مع إمكانه فقد استقرّ الوجوب عليهما-

____________

(1) انظر ذخيرة المعاد للسبزواري: 558 و مستند الشيعة للنراقي 11: 22 ذكرا فيهما اعتبار الاستطاعة من البلد قولا من الأقوال الثلاثة، من دون نسبته إلى الأكثر. و في الحدائق 14: 62: ظاهر الشهيدان اشتراط الاستطاعة من البلد. و نشير إلى نصّ كلامهما في هامش 2.

(2) قال الشهيد الاوّل في الدروس 1: 308: أجزأهما عن حجّة الإسلام بشرط تقدّم الاستطاعة و بقائها.

و قال الشهيد الثاني في المسالك 2: 125: صرّح جماعة من المتأخّرين باشتراط الاستطاعة سابقا و لاحقا و هو ظاهر اختيار الدروس و هو الأقوى.

(3) أشرنا إلى نصّ ما في المسالك آنفا في هامش 2.

(4) الحاوي الكبير 4: 24، المجموع 7: 102 و 103، حلية العلماء 3: 243 (يوجد في المصادر: بأنّ وجوب الحجّ ليس على الفور بل على التراخي).

16

سواء كانا موسرين أو معسرين-؛ لأنّ ذلك وجب عليهما بإمكانه في موضعه فلم يسقط بفوات القدرة بعده (1). انتهى.

ثمّ: إنّه لو كان الحجّ قرانا أو إفرادا فلا إشكال في وجوب العمرة عليهما بعد الحجّ.

و أمّا لو كان تمتّعا فهل يعتدّ بالعمرة المتقدّمة أم لا؟ صرّح في الدروس بالأوّل و جعله- كما في المسالك (2)- ظاهر الفتوى (3). و هو كذلك. فإنّ ظاهر قولهم: «أجزأ عنهما» (4) هو إجزاء مجموع ما فعل سابقا و لاحقا. يعني أنّ هذا الحجّ الملفّق يجزي عن حجّة الإسلام.

نعم، لو قلنا: إنّ كمالهما موجب لاستيناف وجوب الحجّ عليهما لبقاء وقت إدراكه بإدراك المشعر- كما هو مقتضى الاستدلال بالأخبار المشار إليها سابقا- فلا إشكال في وجوب العمرة عليهما. فينتقل فرضهما من التمتّع إلى الإفراد. لكنّه خلاف ظاهر كلمات القوم، بل صريحها. فلاحظ.

و لذا ذكرنا سابقا عدم صحّة الاستدلال بتلك الأخبار- على استفاضتها- إلّا على وجه التأييد.

و كيف كان فظاهر كلام العلماء كون حجّ الصبيّ الملفّق من الواقع منه حال الصبا و البلوغ بمنزلة الواقع بتمامه حال البلوغ، بل في محكيّ التذكرة: و إن بلغ الصبيّ أو اعتق العبد قبل الوقوف بالمشعر فوقف به أو بعرفة بالغا أو معتقا و فعل باقي الأركان، أجزأ عن حجّة الإسلام. و كذا لو

____________

(1) التذكرة 7: 40 المسألة 27، و حكاه الاصفهاني في كشف اللثام 5: 75.

(2) المسالك 2: 125.

(3) الدروس 1: 308.

(4) كقول الشيخ في الخلاف 2: 379 المسألة 227 و الاصفهاني في كشف اللثام 5:

73- 74 و العلّامة في قواعد الأحكام 1: 402.

17

بلغ أو اعتق و هو واقف، عند علمائنا أجمع (1). انتهى.

و منه يعلم أنّه لو قدّم الطواف و السعي للحجّ على الوقوفين،- حيث يجوز له- فلا تجب على الصبيّ إعادتهما، كما حكي القطع به عن التذكرة (2).

و لو تبيّن بعد الوقوفين بلوغه قبلهما، ففي الإجزاء و جهان: من الإخلال بصرف الفعل إلى حجّة الإسلام (3).

ثمّ: إنّه صرّح جماعة: بأنّ النفقة للحجّ الزائدة للصبيّ على نفقة الحضر لازمة على الوليّ (4)، بل الظاهر عدم الخلاف في ذلك، و نسبه في الحدائق إلى الأصحاب (5) و لم يحك كاشف اللثام الخلاف إلّا عن بعض العلماء، قياسا لها على اجرة التعليم (6) و وجه الحكم واضح، و هو أنّ الإنفاق عليه من ماله، إتلافه فيما لا يحتاج إليه، فكان عليه. مضافا إلى فحوى وجوب جزاء الصيد على وليّه.

ففي صحيحة زرارة: «فإن أصاب صيدا فعلى أبيه» (7) و هي العمدة

____________

(1) التذكرة 7: 38 المسألة 25.

(2) حكاه الاصفهاني في كشف اللثام 5: 74 فانظر التذكرة 7: 39 المسألة 25.

(3) كذا، و لم يتعقّب الكلام بوجه الإجزاء، و هو كما في كشف اللثام (5: 75): و من الأصل و انعقاد الإحرام و انصراف الفعل إلى ما في الذمّة إذا نوى عينه و إن غفل عن خصوصيّته.

(4) منهم الشيخ في المبسوط 1: 329 و المحقّق في شرائع الإسلام 1: 225، و العاملي في المدارك 7: 27، و الحلّي في السرائر 1: 636، و ابن البرّاج في جواهر الفقه: 44 المسألة 156، و العلّامة في التذكرة 7: 31 المسألة 19 و قواعد الأحكام 1: 403.

(5) الحدائق 14: 69.

(6) كشف اللثام 5: 85 و انظر حلية العلماء 3: 235، و الحاوي الكبير 4: 210 و المجموع 7: 30، و المغني 3: 210- 211، و الشرح الكبير 3: 172.

(7) الفقيه 2: 265/ 1291، الكافي 4: 303/ 1، التهذيب 5: 409- 410/ 1424، الوسائل 11: 288 أبواب أقسام الحجّ ب 17 ح 5 (في المصادر «قتل» بدل أصاب).

18

فيما في المعتبر و القواعد و الكافي و النهاية من وجوب ما يلزمه من الكفّارة اللازمة (1)، لا ما في المعتبر (2) و غيره (3) من أنّها غرم أدخلها عليه الإذن له في الحجّ، أو الإذن في الحجّ الّذي هو من شرائطه ليس سببا لوجوب الكفّارة على الصّبي، بل السبب له هو ما يفعله الصبيّ من الجنايات. نعم، جعل الوليّ بالإذن جناياته أسبابا إلّا أنّ مجرّد ذلك لا يوجب التسبيب، إلّا أنّ المباشر هنا لذات الفعل ضعيف، فإنّ الصبيّ في فعل ما يحرم على المحرم كالغافل في حركاته، و لذا ورد أنّ «عمده خطأ» (4) بل كالبهائم في حركاتها.

و الظاهر أنّه لا كلام في وجوب الغرم فيما لو فعل في أفعال هؤلاء ما يوجب سببيّة الإتلاف.

و عن الحلّي: عدم وجوب شيء، لا فيما يوجب عمده و خطاؤه، و لا فيما يوجب عمده فقط. أمّا الثاني فلأنّ عمده خطأ، و أمّا الأوّل فلاختصاص الحكم بالمكلّفين، و الوجوب على الناسي في البالغ بالنصّ (5) و الإجماع (6) (7).

و عن التذكرة الوجوب في القسم الأوّل على نفس الصّبي دون الوليّ؛ لأنّه السبب كإتلافاته (8).

____________

(1) المعتبر 2: 748، قواعد الأحكام 1: 402، الكافي في الفقه: 205، النهاية: 216.

(2) انظر المعتبر 2: 748.

(3) المدارك 7: 27 و كشف اللثام 5: 80.

(4) التهذيب 10: 233/ 921، الوسائل 29: 400 أبواب العاقلة ب 11 ح 3 فيهما:

«عمد الصبيان خطأ».

(5) راجع الوسائل 13: 68- 71 أحاديث ب 31.

(6) كما في الخلاف 2: 396 المسألة 258.

(7) السرائر 1: 636- 637.

(8) التذكرة 7: 32- 33.

19

و ظاهر المحكيّ عنه، التردّد في القسم الثاني بين الوجوب على الوليّ و عدم الوجوب على أحد (1).

و في ظاهر المعتبر: وجوب الكفّارة في القسم الأوّل على الوليّ، و التردّد في الثاني (2).

و أمّا مؤنة القضاء لو أفسد الصبيّ الحجّ، ففي الدروس: إنّ في وجوبها على الوليّ نظر، أقربه الوجوب (3).

(و يحرم المميّز) بنفسه بلا خلاف ظاهرا، لكن مع إذن الوليّ. وفاقا للمحكيّ عن ظاهر الخلاف و المبسوط و المعتبر و المنتهى و الدروس (4).

و استدلّ له الفاضلان بتضمّن الإحرام غرامة مال، و لا يجوز له التصرّف في مال بدون إذن الوليّ (5).

و في كشف اللثام: إنّ ورود المنع عليه ظاهر (6).

(و) يحرم (الوليّ عن غير المميّز و المجنون)، فينوي: احرم بهذا بالعمرة أو الحجّ ... إلى آخر النيّة، لا أن ينوب عنه و ينوي إحرام نفسه نيابة عنه.

و يأمره بالتلفّظ بالتلبية إن أحسنها، و إلّا لبّى عنه.

و يجنّبه ما يحرم على المحرم، فلو ارتكبها كان الحكم ما سلف.

و المعنيّ من الوليّ: الأب و الجدّ.

____________

(1) التذكرة 7: 33 و حكاه الاصفهاني في كشف اللثام 5: 81.

(2) راجع المعتبر 2: 748.

(3) الدروس 1: 307.

(4) الخلاف 2: 359 المسألة 192، المبسوط 1: 328، المعتبر 2: 747، المنتهى 2: 648، الدروس 1: 306، و حكاه عنهم الاصفهاني في كشف اللثام 5: 77.

(5) المعتبر 2: 747، المنتهى 2: 648.

(6) كشف اللثام 5: 77.

20

و الظاهر إلحاق الوصيّ، بل الحاكم؛ لأنّ الوجه- الحوج إلى الإذن- يحصل بإذنهما، و عمومات الترغيب في الحجّ و الإحجاج موجودة.

و أمّا الامّ فيظهر من صحيحة ابن سنان صحّة إحجاجها لولدها (1).

و في إلحاق الصبيّة بالصبيّ وجه مقطوع به في كلام الأصحاب.

نعم، ألحق المحقّق و المصنّف الجنون، نظرا إلى أنّه ليس أخفض حالا من الغير المميّز (2). و ظاهر نظرهما إلى ثبوت عموم الترغيب في الحجّ و الإحجاج. فتأمّل.

(و لو حجّ المملوك) بدون إذن مولاه فحجّه فاسد؛ لعدم انعقاد الإحرام له.

و لو كان (بإذن مولاه) صحّ.

و لا يتّصف بالوجوب أصالة؛ لعدم تحقّق الاستطاعة بناء على عدم ملك العبد، بل و إن قلنا بالملك؛ لأنّ للمولى انتزاعه منه في كلّ وقت.

فلا يصدق عليه الاستطاعة عرفا، لكن يمكن أن يقال: إنّ تمكين المولى له من الزاد و الراحلة- بالتمليك أو بالإباحة- ليس بأدون من بذلهما للفقير.

فالعمدة النصّ (3) و الإجماع على أنّه (لم يجزأ عن حجّة الإسلام) (4) بل تجب عليه إذا استطاع بعد العتق، (إلّا أن يدرك المشعر معتقا) فإنّه

____________

(1) التهذيب 5: 6- 7/ 16، الاستبصار 2: 146- 147/ 478، الوسائل 11: 54- 55 أبواب وجوب الحجّ ب 20 ح 1.

(2) المعتبر 2: 748، إرشاد الأذهان 1: 310 و أيضا في المنتهى 2: 649.

(3) الوسائل 11: 49- 51 أبواب وجوب الحجّ أحاديث ب 16.

(4) كما في مستند الشيعة 11: 22 و كشف اللثام 5: 85 و في المنتهى 2: 650 «و هو قول كلّ من يحفظ عنه العلم».

21

يجزيه عنها بلا خلاف ظاهرا، كما عن الخلاف و المنتهى (1).

و يدلّ عليه جملة من الأخبار، مثل صحيحة معاوية بن عمّار، في مملوك اعتق يوم عرفة، قال: «إذا أدرك أحد الموقفين فقد أدرك الحجّ» (2).

و ظاهر الرواية اختياريّ أحدهما- و ان قلنا بإجزاء اضطراريّ المشعر- قصرا في مخالفة الأصل على ما هو الظاهر من النصّ، إلّا أن يقال بدلالة أخبار إجزاء الاضطراريّ على بدليّته عن الاختياريّ.

و مقتضى إطلاق الرواية عدم اعتبار الاستطاعة الشرعيّة لما بقي من الأفعال.

و اعتبر في الدروس تقدّم الاستطاعة و بقاءها (3).

و تعجّب في المدارك من هذا القول مع إحالة ملك العبد (4). و لعلّ مراده تقدّم الاستطاعة بالبذل من المولى.

و كذا الكلام في وجوب إتيان العمرة المفردة لو تمتّع بها إلى الحجّ، أو قدّم طواف الحجّ و سعيه على الوقوفين.

و لو تبيّن عتقه قبل الوقوفين بعدهما، الوجهان المتقدّمان في الصّبي:

من حيث الإخلال بصرف الفعل إلى حجّة الإسلام، لكنّ ظاهر الإطلاق الصحّة.

ثمّ: انّ للمولى الرجوع في إذنه قبل التلبّس بالإحرام، و ليس له ذلك بعده؛ لوجوب إتمام الحجّ للّه.

____________

(1) الخلاف 3: 379- 380 المسألة 227، المنتهى 2: 650.

(2) الفقيه 2: 265/ 1290، التهذيب 5: 5/ 13، الاستبصار 2: 148/ 485، الوسائل 11: 52 أبواب وجوب الحجّ ب 17 ح 2.

(3) الدروس 1: 308.

(4) المدارك 7: 31.

22

و لو ادّعى عدم الإذن، ففي ترجيحه، أو ترجيح دعوى العبد صحّة التلبّس و جهان: من تقديم مدّعي الصحّة على الأصل (1).

و لو رجع و لم يعلم به العبد ففي انعقاد إحرامه تردّد، كما في المعتبر (2) و عن المختلف (3).

و على الصحّة، فهل يجوز للمولى انّ يحلّله متى شاء كما عن المبسوط (4). أم لا؟ كما عن الخلاف و المسالك و المدارك (5).

استشكل فيه في القواعد (6). و لعلّه كما في كشف اللّثام ينشأ: من أنّ الإذن بنفسه شرط كالوضوء للصلاة، أو اعتقاده شرط كطهارة الثوب لها (7).

أقول: (و يتمّ) العبد المأذون في الحجّ حجّه (لو أفسده و يقضيه)، بمقتضى سببيّة الإفساد.

و يجب على السيّد تمكينه من القضاء، قيل: لأنّ الإذن في الحجّ إذن في لوازمه (8).

و فيه: منع كونه من لوازمه لو لم نقل بأنّ في الإفساد مخالفة و لذا قيل: بالعدم (9).

و الأولى، التمسّك بعمومات وجوب القضاء بالإفساد، نظير إفساد صلاة الفريضة، المستلزم لوجوب قضائها بعد الوقت. لكنّ الإنصاف أنّ

____________

(1) لم يتعقّب الكلام بعدله، و لعلّه اكتفى بلفظ «الأصل» المذكور في الوجه الأول.

(2) المعتبر 2: 750.

(3) المختلف 4: 343 المسألة 286.

(4) المبسوط 1: 327.

(5) الخلاف 2: 383 المسألة 234، المسالك 2: 127، المدارك 7: 31.

(6) قواعد الأحكام 1: 403.

(7) كشف اللثام 5: 87.

(8) كشف اللثام 5: 89- 90، إيضاح الفوائد 1: 266.

(9) احتمله في إيضاح الفوائد 1: 266.

23

اللازم من ذلك عدم جواز منعه.

و أمّا وجوب الإنفاق عليه ليقضي، فلا يلزم ممّا ذكر؛ لمنع وجوب القضاء عليه ما دام رقّا.

نعم، ربّما يتمسّك له بصحيحة حريز الآتية «كلّ ما أصاب العبد و هو محرم في إحرامه فهو على السيّد» (1) فإنّ القضاء ممّا أصاب العبد، و معنى كونه على السيّد وجوب تمكينه من القضاء.

و ربّما يبنى المسألة على أنّ الفرض الإتمام و القضاء عقوبة، أم الأمر بالعكس؟ فعلى الأوّل لا يجب التمكين؛ لاختصاص الإذن بالفرض، و على الثاني يجب؛ لأنّ الإذن في الفرض بمقتضى الإفساد انصرفت إلى القضاء، و قد لزم بالشروع فوجب التمكين.

و استشكله في المدارك: بانّ الإذن لم تتناول الحجّ ثانيا- و ان قلنا إنّه الفرض- لأنّ الإذن تعلّقت بالأوّل خاصة (2).

(و) كيف كان فلا إشكال في أنّه (يجزئه) عن حجّة الإسلام، ما فعل من الفاسد الّذي أتمّه، و (القضاء) على الوجهين في تعيين الفرض بهما (إن كان عتقه قبل المشعر، و إلّا فلا) بل يجب القضاء و حجّة الإسلام مع اجتماع شروطها عليه.

و في وجوب تقديم أيّهما قولان (3):

____________

(1) الفقيه 2: 264/ 1284، الكافي 4: 304/ 7، التهذيب 5: 382/ 1334 و مثله في الاستبصار 2: 216/ 741، الوسائل 13: 104 أبواب كفّارات الصيد ب 56 ح 1.

(2) المدارك 7: 33.

(3) من الّذين قالوا بوجوب تقديم حجّة الإسلام على القضاء، الشيخ في الخلاف 2:

382 المسألة 232 و المبسوط 1: 327 و العلّامة في قواعد الأحكام 1: 403 و العاملي في المدارك 7: 34 و الشهيد الثاني في المسالك 2: 128.

24

من تقدّم سبب القضاء.

و فوريّة حجّة الإسلام بالنّص (1)، و الإجماع (2).

و قوّى في كشف اللثام تقديم القضاء؛ لتقدّم سببه، و منع حصول الاستطاعة في سنة القضاء (3).

و لو جنى العبد في إحرامه فهل يلزم العبد الدم؟ لأنّه فعل ذلك بغير إذن مولاه، و ينتقل إلى الصوم لعجزه عن المال، كما عن الشيخ بزيادة أنّ للسيّد منعه عن الصوم؛ لأنّه فعل موجبه بدون إذن مولاه (4).

أو يلزم السيّد؟ كما في المعتبر، قائلا: إنّ جنايات العبد كلّها على السيّد؛ لأنّ جنايته من توابع إذنه في الحجّ فتلزمه، و لصحيحة حريز «كلّ ما أصاب العبد، و هو محرم في إحرامه، فهو على السيّد إذا أذن له في الإحرام» (5) قال: فأمّا رواية عبد الرحمن بن أبي نجران عن أبي الحسن (عليه السّلام)، عن عبد أصاب صيدا و هو محرم قال: «لا شيء على المولى» (6) فهي محمولة على من أحرم بدون إذن مولاه (7). و هو بعيد و إن سبقه إليه الشيخ في التهذيب (8).

____________

(1) الوسائل 11: 25: أبواب وجوب الحجّ أحاديث ب 6.

(2) كما في المدارك 7: 34 و كشف اللثام 5: 86 و الحدائق 14: 79.

(3) كشف اللثام 5: 86.

(4) المبسوط 1: 328.

(5) الفقيه 2: 264/ 1284، الكافي 4: 304/ 7، التهذيب 5: 382/ 1334، الاستبصار 2: 216/ 741، الوسائل 13: 104 أبواب كفّارات الصيد ب 56 ح 1.

(6) التهذيب 5: 383/ 1335، الاستبصار 2: 216/ 742، الوسائل 13: 105 أبواب كفّارات الصيد ب 56 ح 3 (في المصادر: مولاه بدل المولى).

(7) المعتبر 2: 751.

(8) التهذيب 5: 383 ذيل الحديث 1335.

25

و الأولى حملها على نفي شيء عليه تعيينا، بل له أمره بالصوم.

و يحتمل حملها على نفي الإثم على المولى بفعل العبد، و إن كان هذا أمرا ظاهرا لا يحتاج إلى البيان، فإنّه ربّما يقتضيه المقام.

و قد تحمل الرواية على ما إذا لم يأذن المولى في خصوص الإحرام، بل عموما على وجه فيه الإحرام (1). و هي ضعيف.

و عن المنتهى: إنّه استوجه سقوط الدم و لزوم الصوم، إلّا أن تكون الجناية بإذن السيّد، فعليه الصوم (2).

و عن المفيد إنّ على المولى الفداء عنه للصيد (3).

____________

(1) انظر مستند الشيعة 11: 24.

(2) المنتهى 2: 651.

(3) المقنعة: 439.

26

[الاستطاعة]

لا خلاف عندنا و أكثر العامّة على اشتراط وجوب الحجّ بالزاد و الراحلة (1)؛ لأنّ وجدانهما هو المتبادر عرفا من الاستطاعة في الآية الشريفة، (2) لا مجرّد التمكّن العقليّ. فتأمّل.

مضافا إلى الأخبار المستفيضة المفسّرة لها بالزاد و الراحلة (3). إلّا انّ ظاهر بعض الأخبار عدم اعتبار الراحلة، مثل صحيحة معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام)، عن رجل عليه دين أ عليه أن يحجّ؟ قال: «نعم إنّ حجّة الإسلام واجبة على من أطاق المشي من المسلمين (4)» و رواية أبي بصير، حيث سأل الإمام (عليه السّلام)، عن تفسير الآية، فقال: «يخرج و يمشي إن لم يكن عنده مال» قال: لا يقدر على المشي؟ قال: «يمشي و يركب» قال:

لا يقدر؟ قال: «يخدم القوم و يخرج معهم» (5) و غير ذلك (6).

لكنّها محمولة على الاستحباب أو التقيّة من مثل مالك، و إن لم يكن مالك موجودا ... (7) أو على من استقرّ عليه الوجوب.

و هذه المحامل و ان كانت بعيدة، إلّا انّه لا بأس بها بالنسبة إلى الطرح

____________

(1) المغني لابن قدامة 3: 165 و 168، الشرح الكبير 3: 178.

(2) آل عمران: 97.

(3) الوسائل 11: 34- 36 أبواب وجوب الحج ب 8 ح 4- 7 و 9 و 10.

(4) الفقيه 2: 193/ 882، التهذيب 5: 11/ 27، الاستبصار 2: 140/ 458.

الوسائل 11: 43 أبواب وجوب الحج ب 11 ح 1.

(5) الفقيه 2: 194/ 883، التهذيب 5: 10/ 26 و 459/ 1594، الاستبصار 2:

140/ 457، الوسائل 11: 43- 44 أبواب وجوب الحج ب 11 ح 2.

(6) بحار الأنوار 99: 359- 360/ 38.

(7) هنا كلمتان غير مقروءتين.

27

لوجوب العمل ... (1) من الأخبار المستفيضة المعتضدة بالإجماع.

ثمّ: إنّ المتبادر من اعتبار الراحلة و المتيقّن من معقد الإجماع، اعتبارها بالنسبة إلى البعيد، و أن لا يسهل عليه المشي- كالبريد المتعوّد للمشي- و هو ظاهر محكيّ الفتاوى، فانّ المحقّق في المعتبر، و المصنّف في المنتهى جعلا في مقابل قول علمائنا أجمع- باشتراط الراحلة- قول الشافعي بوجوبه على القادر على المشي (2).

و معلوم انّ مراد الشافعي ليس مطلق المشي- و ان كان فيه حرج لا يتحمّل عادة- بل المشي المتحمّل عادة، فغيره ينفي الوجوب على هذا أيضا. و لذا ذكر في المدارك: أنّه لا يعلم قائلا بعدم اعتبار الراحلة في حقّ البعيد إذا لم يكن له في المشي مشقّة شديدة (3).

و كيف كان فلو كان قريبا، بحيث يسهل عليه المشي عادة، فلا يعتبر الراحلة في حقّه. و لذا ذكر في المبسوط على ما حكي: انّ أهل مكّة و من قرب عنها لا راحلة في حقّه (4). و نحوه في المعتبر (5)، كما عن التذكرة (6).

لكن ينبغي اعتبارها لأجل الذهاب إلى أدنى الحلّ و العود، و إلى

____________

(1) هنا كلمة غير مقروءة.

(2) انظر المعتبر 2: 752 و المنتهى 2: 652، و لا يوجد في المعتبر إجماع العلماء، و في كلا المصدرين جعل قول المخالف هو قول المالك، لا قول الشافعي. بل جعل قول الشافعي فيهما من الموافقين لنا. فانظر المغني لابن قدامة 3: 168 و الشرح الكبير 3: 178 و بداية المجتهد 1: 319 و المجموع 7: 78. و روضة الطالبين 2: 278.

(3) مدارك الأحكام 7: 36.

(4) المبسوط 1: 298 و حكاه الاصفهاني في كشف اللثام 5: 95.

(5) المعتبر 2: 752.

(6) التذكرة 7: 51 المسألة 37 و حكاه الاصفهاني في كشف اللثام 5: 95.

28

عرفات. إلّا أن يقال: إنّ ظاهر الآية هو اعتبار الاستطاعة بالنسبة إلى البعيد عن مكّة؛ لأنّ الضمير في قوله تعالى: «إِلَيْهِ» (1) راجع إلى البيت، و من المعلوم أنّ المكّيّ لا يقال: إنّه يستطيع إليه سبيلا، فالاستطاعة الشرعيّة لا يعتبر بالنسبة إليه، حتّى بالنسبة إلى عرفات و الذهاب إلى محلّ الإحرام، فبقي المعتبر بالنسبة إليه الاستطاعة العرفيّة مع ملاحظة أدلّة نفي العسر.

و اعلم: أنّ قول المصنّف (قدّس سرّه): (و من وجد الزاد و الراحلة على نسبة حاله) يحتمل ان يكون أراد به حال الشخص بحسب القوّة و الضعف.

و يحتمل أن يراد به حاله بحسب الشرف و الضعة. و هذا هو الأقوى؛ لأنّ في مخالفة هذا الحال و الخروج منها حرجا منفيّا (2).

مضافا إلى صدق عدم الاستطاعة عرفا مع التمكّن من راحلة غير مناسبة لحاله.

مضافا إلى صريح [رواية] ذريح المتقدّمة «من مات و لم يحجّ حجّة الإسلام و لم يمنعه من ذلك حاجة تجحف به» (3) إلى آخر الحديث.

و من المعلوم أنّ فقد الراحلة المناسبة حاجة تجحف به.

و كذا ما دلّ من الأخبار على ذمّ من دفع عن نفسه الحجّ من غير عذر، أو من غير شغل يعذره اللّه فيه. مثل رواية ابن الحجّاج: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام): الحجّ على الفقير و الغنيّ؟ قال: «الحجّ على الناس جميعا

____________

(1) آل عمران: 97.

(2) الحجّ: 78.

(3) الكافي 4: 268/ 1، التهذيب 5: 17/ 49، المقنعة: 386، المحاسن:

88/ 31، الوسائل 11: 29- 30 أبواب وجوب الحجّ ب 7 ح 1 و قد تقدّمت بتمامها عن الشيخ: في ص 7.

29

كبارهم و صغارهم. فمن كان له عذر عذره اللّه» (1).

و من المعلوم أنّ فقد ما يناسب حاله عذر عرفا و شرعا، و لذا يلاحظ في كثير من الموارد.

و يؤيّده ما دلّ من الأخبار على اعتبار الإيسار في الحجّ (2). فإنّ فاقد الراحلة المناسبة معسر جدّا، و لهذا يستحقّ الزكاة من كان بعض ما يحتاج إليه غير مناسب لشرف حاله. و لا يجوز مطالبة من كان دار سكناه و خادمه أضعاف مقدار الدين إذا كان من أهلهما.

و نحوه رواية أبي الربيع الشاميّ المفسّرة لاستطاعة السبيل بالسعة في المال (3) فإنّ المراد من السعة في المال إنّما هو باعتبار الحال في مقابل الضيق.

و يؤيّده استقراء الموارد الكثيرة في مراعاة الشارع حال الشرف، و ما دلّ على منع المؤمن من إذلال نفسه (4)، و ما اتّفق عليه الأصحاب: من عدم بيع الخادم (5) مع أنّه غالبا ليس لعجز الشخص بدنا عن القيام بحوائجه، بل لعدم مناسبة حاله لمباشرتها.

خلافا لجماعة من متأخّري المتأخّرين فحكموا بعدم اعتبار ذلك (6).

____________

(1) الكافي 4: 265/ 3، الوسائل 11: 17 أبواب وجوب الحجّ ب 2 ح 3.

(2) انظر الوسائل 11: 37 أبواب وجوب الحجّ أحاديث ب 9.

(3) التهذيب 5: 2- 3/ 1، الاستبصار 2: 139/ 453، الفقيه 2: 258- 259/ 1255، المقنعة: 284- 285، الوسائل 11: 27 أبواب وجوب الحجّ ب 9 ح 1.

(4) الوسائل 16: 156- 157 أبواب الأمر و النهي أحاديث ب 12.

(5) كما في المنتهى 2: 653 و المعتبر 2: 753 و المدارك 7: 38.

(6) منهم العاملي في المدارك 7: 40 و النراقي في مستند الشيعة 11: 32 و السبزواري في ذخيرة المعاد: 559.

30

تبعا لظاهر الدروس، حيث قال: و المعتبر في الراحلة ما يناسبه و لو محملا إن عجز عن القتب، و لا يكفي علوّ منصبه في اعتبار المحمل أو الكنيسة، فإنّ النبيّ و الأئمّة (صلوات اللّه عليهم و عليهم أجمعين) حجّوا على الزوامل (1). انتهى.

و الظاهر: أنّ مراد الشهيد (رحمه اللّه) هو ما إذا اقتضى المحمل بنفس علوّ المنصب، بأن استنكف الركوب على الأقتاب من دون أن يكون ذلك نقصا في رتبته عند الناس، كما هو الغالب، من أنّ ارتكاب خلاف الزيّ في أسفار الطاعة ليس نقصا للشخص.

و مستند الجماعة: ما تقدّم من قوله (عليه السّلام) في رواية أبي بصير، فيمن لا يقدر على المشي: «إنّه يخدم القوم و يخرج معهم» (2).

و صحيحة محمّد بن مسلم قال: سألته عن قول اللّه عزّ و جلّ وَ لِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (3) قال: «يكون له ما يحجّ به» قلت: فإن عرض عليه الحجّ فاستحيى، قال: «هو ممّن يستطيع لم يستحيي؟ و لو على حمار أجدع، فان كان يستطيع أن يمشي بعضا و يركب بعضا فليفعل» (4).

و نحوها قوله (عليه السّلام) في صحيحة معاوية بن عمّار، المتقدّمة في مؤنة الحجّ «فإن دعاه قوم أن يحجّوه فاستحيى فلم يفعل فإنّه لا يسعه إلّا الخروج و لو على حمار أجدع، أبتر» (5).

____________

(1) الدروس 1: 312.

(2) تقدّمت: في ص 26.

(3) آل عمران: 97.

(4) التهذيب 5: 3- 4/ 4، الاستبصار 2: 140/ 456، الوسائل 11: 33 أبواب وجوب الحجّ ب 8 ح 1 و 40 ب 10 ح 1 (وردت فيهما مقطّعة بالترتيب المذكور).

(5) تقدّمت: في ص 8.

31

و المرويّ عن المحاسن، بسنده الصحيح، عن أبي بصير، عن الصادق (عليه السّلام) «من عرض عليه الحجّ فاستحيى و لو على حمار أجدع مقطوع الذنب فهو ممّن يستطيع الحجّ» (1).

و الجواب أمّا عن روايتي أبي بصير و ابن مسلم: فمخالفتهما لما تقدّم من الإجماع على اعتبار الراحلة. حيث دلّتا على وجوب الحجّ بمجرّد إطاقة المشي.

و أمّا صحيحة ابن عمّار [و رواية أبي بصير عن المحاسن]، فيمكن حمل الاستحياء فيهما على الاستنكاف لا على الاستحياء من جهة كون ذلك مذلّة عند الناس، و يؤيّده أنّ مورد الصحيحة فيمن دعاه قوم أن يحجّوه، و معناه: أن ينفقوا عليه في الطريق، و من هذا شأنه لا ينافي حاله الركوب على حمار أجدع أبتر، سيّما مع ما عرفت من أنّ الغالب مسامحة الناس في أسفار الطاعة المبتنية على التذلّل، و كسر النفس ما لا يتسامحون في غيرها.

مع أنّ قوله: «لا يسعه إلّا الخروج» يحتمل قريبا أن يكون إشارة إلى استقرار الحجّ عليه، و أنّه يستقر عليه الحجّ بعد الفرض و الامتناع، فيجب حينئذ من غير اعتبار زاد و راحلة. فقوله: «و لو على حمار» إشارة إلى عدم اعتبار الاستطاعة الشرعيّة بعد الاستقرار.

و بالجملة: فالخروج عمّا تقدّم من الأدلّة و المؤيّدات مشكل جدّا.

(و) كيف كان فيعتبر مضافا إلى تملّك الزاد و الراحلة ذهابا و إيابا- على ما هو المجمع عليه محقّقا و محكيّا في المسالك (2)- أن يملك (ما يموّن) به عياله ذاهبا، و عائدا بلا خلاف كما عن المنتهى (3).

____________

(1) المحاسن: 296/ 467.

(2) المسالك 2: 149.

(3) المنتهى 2: 653.

32

و عن الغنية الإجماع عليه (1).

و يدلّ عليه مضافا إلى ما استدلّ عليه- بأنّ نفقة العيال واجب سابق (2) فلا يندفع بوجوب الحجّ و لزوم الحرج- رواية أبي الربيع الشاميّ،- و قبله ابن محبوب- قال: سئل أبو عبد اللّه (عليه السّلام) عن قول اللّه عزّ و جلّ وَ لِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (3)؟ فقال «ما يقول الناس؟» قال: فقلت: له الزاد و الراحلة فقال (عليه السّلام): «قد سئل أبو جعفر (عليه السّلام) عن هذا» فقال: «هلك الناس إذا لئن كان من كان له زاد و راحلة بقدر ما يقوت عياله، و يستغنون به عن الناس، ينطلق إليه. فيسلبهم إيّاه لقد هلكوا إذا» فقيل له:

فما السبيل؟ فقال: «السعة في المال إذا كان يحجّ ببعض و يبقى بعض لقوت عياله، أ ليس قد فرض إليه الزكاة؟ فلم يجعلها اللّه إلّا على من ملك مأتي درهم» (4).

و نحوها ما عن الخصال في رواية الأعمش عن الصادق (عليه السّلام) قال:

«و حجّ البيت واجب على من استطاع إليه سبيلا، و هو الزاد و الراحلة مع صحّة البدن و أن يكون للإنسان ما يخلفه على عياله و ما يرجع إليه من حجّه» (5).

و لا إشكال في ذلك و لا خلاف. و إنّما الخلاف في أنّ من كان كذلك (فهو مستطيع و إن لم يرجع إلى كفاية على) ما هو (رأي)

____________

(1) انظر الغنية: 152- 153.

(2) كما في المنتهى: 653 و المدارك 7: 51.

(3) آل عمران: 97.

(4) الكافي 4: 267/ 3، التهذيب 5: 2- 3/ 1، الاستبصار 2: 139/ 453، الوسائل 11: 37 أبواب وجوب الحجّ ب 9 ح 1.

(5) الخصال: 606/ 9، الوسائل 11: 38 أبواب وجوب الحجّ ب 9 ح 4.

33

المصنّف و جمهور من تأخّر عنهم (1) تبعا للقديمين و السيّد و الحلّي و المحقّق (2)؛ لعمومات الاستطاعة و تفسيرها بصحّة البدن و تخلية السرب و وجدان الزاد و الراحلة (3).

أو يعتبر الرجوع إلى كفاية؟ من صناعة أو حرفة أو بضاعة كما هو المحكيّ عن الشيخين و القاضي و الحلبيّ و ابن حمزة و ابن زهرة و ابن سعيد و جماعة (4). بل المشهور بين المتقدّمين كما في الروضة (5). و عن الخلاف و الغنية الإجماع عليه (6)؛ للأصل و لزوم الحرج- لو كلّف بيع عقاره أو بضاعته الّتي يتكفّف به عن الناس- و صدق العذر و الحاجة المجحفة.

مضافا إلى روايتي أبي الربيع و الأعمش المتقدّمتين، فإنّ ظاهر عطف قوله: «ما يرجع إليه من حجّه» على قوله: «ما يخلفه للعيال» في رواية الأعمش تقارنهما. فإنّ اعتبار السعة في المال في رواية أبي الربيع

____________

(1) منهم السيوري في تنقيح الرائع 1: 417 و الشهيد الثاني في المسالك 2: 149 و العاملي في المدارك 7: 77 و الاصفهاني في كشف اللثام 5: 105 و السيّد علي في رياض المسائل 6: 55.

(2) المختلف 4: 33 المسألة 1 (فيه: ابن أبي عقيل و ابن الجنيد) و ظاهر كلام السيّد المرتضى في جمل العلم و العمل: 103 و ابن ادريس في السرائر 1: 507- 508 و المحقّق في شرائع الإسلام 1: 228 و المعتبر 2: 756.

(3) آل عمران: 97، الوسائل 11: 34- 36 أبواب وجوب الحجّ أحاديث ب 8.

(4) المقنعة: 384، المبسوط 1: 297، شرح جمل العلم و العمل: 205، الكافي في الفقه: 192، الوسيلة: 155، الغنية: 153، الجامع للشرائع: 173 و منهم النراقي في مستند الشيعة 11: 35 و الكيدري في إصباح الشيعة: 181.

(5) الروضة 2: 168.

(6) الخلاف 2: 245- 246 المسألة 2، الغنية: 153 و حكاه عنهما السيّد علي في رياض المسائل 6: 56.

34

لا يجامع وجوب بيع عقاره و بضاعته اللّتين لا تقدحان في استحقاقه الزكاة إذا لم تف حاصلهما بمئونة السنة.

و أيضا قوله: «من كان له زاد و راحلة بقدر ما يستغنون به عن الناس» ظاهر في استغنائهم به، و إنّما بحسب العادة لا في مدّة الذهاب و الإياب، أو في سنة.

و كذا قوله: «يبقى بعض لقوت عياله» لا يبعد ظهوره في قوتهم دائما، لا في مدّة السفر وحدها. و لقد أومأ (عليه السّلام) في اعتبار جميع ما يندفع به الضرورة العاجلة و الآجلة، بالاستدلال- على بطلان قول الناس في الاستطاعة- بلزوم الهلاكة و الحرج على قولهم.

مضافا إلى أنّ المحكيّ عن شيخنا المفيد: إنّه روى رواية أبي الربيع بمتن أوضح في المطلوب، و زيادة مؤيّدة له. و هي أنّه قد قيل: لأبي جعفر (عليه السّلام) في ذلك- أي الاستطاعة- فقال: «هلك الناس إذا كان من له زاد و راحلة لا يملك غيرهما و مقدار ذلك ما يقوت به عياله و يستغني به عن الناس. فقد وجب عليه أن يحجّ، ثمّ يرجع فليسأل الناس بكفّه، لقد هلك إذا» فقيل له: ما السبيل عندك؟، قال: «السعة في المال، و هو أن يكون معه ما يحجّ ببعضه، و يبقى بعض يقوت به نفسه و عياله» (1).

و احتمل في المدارك: أن يكون المراد بالبعض الباقي في الرواية، قوت نفسه و عياله سنة (2). و فيه: أنّه لم يعتبر أحد مؤنة السنة.

و عن مجمع البيان مرسلا، عن أئمّتنا (عليهم السّلام) في تفسير الاستطاعة: إنّها

____________

(1) المقنعة: 384- 385 و حكاه الاصفهاني في كشف اللثام 5: 106 (في كلا المصدرين بتفاوت يسير).

(2) المدارك 7: 79.

35

وجود الزاد و الراحلة و نفقة من يلزم نفقته و الرجوع إلى كفاية، من مال أو ضياع أو حرفة، مع صحّة النفس و تخلية السرب من الموانع و إمكان المسير (1).

و الحاصل: أنّ الحكم بعدم الاعتبار مشكل و إن كان مخالفا للعمومات (2)، إلّا أنّه موافق لعمومات نفي الحرج (3) و عموم كفاية العذر و الحاجة المجحفة في ترك الحجّ (4) و إشعار استثناء المسكن و العبيد و أثاث البيت و كتب العلم و نحو ذلك، مع عدم اختصاص الحاجة إليها بسنة الذهاب.

مضافا إلى الروايتين مع مرسلة اخرى- محكيّة، المنجبرة سندا و دلالة بالشهرة بين المتقدّمين- و الإجماع المحكيّ عن الخلاف، و السنّة المعتضدة بدعوى الشهرة و بالسيرة المستمرّة.

ثمّ: إنّ ظاهر ما ذكرنا من الأدلّة: اعتبار الرجوع إلى الكفاية فيمن يحتاج إليها بحسب عادته، فلو اتّفق لفقير معيشته من الأخماس و الزكوات، أنّه اعطي الزكاة فاغني دفعة واحدة فاستطاع، فالظاهر أنّه لا يستثنى في حقّه مقدار من المال يكون له بضاعة ليرجع و يعمل بها لمعيشته، بخلاف التاجر الذي بيده مثل هذا المال، فإنّه لا يكلّف إنفاقه في الحجّ.

و الحاصل: أنّ في الرجوع إلى كفاية: عدم لزوم صرف ما به الكفاية في الحجّ لو كان للإنسان شيء يكفي به في تعيّشه، كضيعة أو دار غلّة أو

____________

(1) مجمع البيان 1: 478- 479.

(2) آل عمران: 97، الوسائل 11: 33- 36 أبواب وجوب الحجّ أحاديث ب 8.

(3) الحجّ: 78.

(4) انظر الوسائل 11: 26 أبواب وجوب الحجّ ب 6 ح 3 و 9 و ب 7 ح 1.

36

رأس مال، لا أنّه يستثنى للفاقد أيضا مقداره، حتّى أنّ من وهب له ألف و كانت معيشته من الهبات أو الزكوات، يصح له أن يستبقيها و يجعلها بضاعة أو يعطيها فيشتري بها ضيعة، لتقوم بحاجته طول دهره. و لم أجد من نبّه على هذا سوى ما حكاه في الحدائق، عن شيخه علي بن سليمان البحراني (1).

و قال في الغنائم- في مقام منع دلالة بعض كلماتهم و معاقد إجماعاتهم على عدم اعتبار الكفاية، مثل اتّفاقهم على أنّ من بذل له الزاد و الراحلة يجب عليه الحجّ-: و العبد إذا اعتق قبل الموقفين يجزيه، من غير تعرّض لاعتبار الكفاية قال: إنّ من المعلوم، أنّ من يشترط الرجوع إلى كفاية، إنّما يريد أنّه لا يجب عليه صرف كفايته في الحجّ، لا انّه لا يجب الحجّ أبدا على من ليس له كفاية. و المفروض أنّ المبذول له لم يصرف مؤنته في الحجّ.

ثمّ: إنّ ظاهر اعتبار الكفاية في النصّ و الفتوى، اعتبار ما فيه الكفاية عادة، بحيث لا يحوجه صرف المال إلى سؤال الناس.

و احتمل في المسالك الكفاية سنة، قوّة أو فعلا؛ لأنّه الكفاية و الغنى شرعا (2). و هو ضعيف مخالف لظاهر النصّ و الفتوى.

(و لا تباع) للحجّ (ثيابه و لا داره و لا خادمه) بلا خلاف كما يظهر من المعتبر و المنتهى و الحدائق و المسالك، بزيادة فرس الركوب و كتب العلم (3).

و ظاهر الشرائع اختصاص الثياب بثياب المهنة. فيباع ثياب

____________

(1) الحدائق 14: 124.

(2) المسالك 2: 150.

(3) المعتبر 2: 753، المنتهى 2: 653، الحدائق 14: 93، المسالك 2: 130.

37

التجمّل (1). و الأقوى العموم.

ظاهر الأكثر ما تقدّم في مسألة وجوب مراعاة الحال في الراحلة (2).

و من ذلك يعلم استثناء سائر ما يضطرّ إليه و لو لاقتضاء حاله، من أثاث البيت و كتب العلم و غير ذلك ممّا يكون الصبر على فقده حرجا و ضيقا.

نعم، لو زادت أعيان المستثنيات عن قدر الحاجة وجب صرف الزائد.

و لو أمكنه بيعها و شراء ما يليق بحاله، و شراء الأدون، فلا يبعد وجوب البيع. و من لم يكن عنده هذه استثني له أثمانها إن لم يستغن بغير الشراء.

(و لو وجد) ا لزاد و الراحلة (بالثمن وجب الشراء) مقدّمة لوجوب الواجب المطلق (و إن كان بأكثر من ثمن المثل على رأي) محكيّ عن الأكثر (3)؛ لإطلاق الأدلّة (4) و فحوى ما ورد في شراء ماء الوضوء: من أنّ «ما اشترى به كثير» (5). خلافا للمحكيّ عن المبسوط، إلحاقا بمن خاف على ماله التلف (6). و فيه نظر؛ لأنّ عنوان الخوف عذر شرعيّ بخلاف كثرة الثمن.

____________

(1) شرائع الإسلام 1: 225.

(2) تقدم: في ص 28.

(3) منهم الاصفهاني في كشف اللثام 5: 97 و المحقّق في شرائع الإسلام 1: 226.

و العاملي في المدارك 7: 41- 42 و العلّامة في المنتهى 2: 654 و السبزواري في كفاية الأحكام: 56 و ذخيرة المعاد: 560 و البحراني في الحدائق 14: 87 (نسبه في الأخيرين إلى الأكثر).

(4) آل عمران: 97، الوسائل 11: 33- 36 أبواب وجوب الحج أحاديث ب 8.

(5) التهذيب 1: 406/ 1276 (فيه: ما يشتري بذلك مال كثير).

(6) المبسوط 1: 300 و حكاه فخر المحقّقين في إيضاح الفوائد 1: 268.

38

(و المديون)- في حقّ اللّه تعالى و حقّ الناس- (لا يجب عليه) الحجّ (إلّا أن يفضل عن دينه قدر الاستطاعة).

أمّا الدين الحالّ المطالب به، فهو واضح؛ لوجوب صرفه في الأداء.

و أمّا الحالّ الغير المطالب به، فالظاهر أنّه كذلك. بل هو ممّا لا خلاف فيه، لكثير ممّا مرّ: من اعتبار الإيسار و السعة في المال و عدم حاجة تجحف به، مضافا إلى لزوم الحرج.

نعم، يشكل الأمر فيما لو لم يرد الأداء و كان الغريم لا يطالبه، كما في صداق غالب الزوجات و غيره ممّا يقطع بعدم مطالبة صاحبه.

و بالجملة: فالّذي يستفاد من الأدلّة، هو عدم منع الشارع عن وفاء الدين و إبراء الذمّة. بل ترغيبه فيه و إن لم يطالب الغريم. لا استثناء ما يقابل الدين مطلقا.

و مثل هذا، الكلام في الدين المؤجّل.

و استدلّ على مانعيّته؛ بوجوب (1) الأداء قبل وجوب الحجّ (2). و فيه نظر. و لذا قوّى في كشف اللثام عدم المنع (3). و لا يبعد أن يقال: بأنّ لصاحب المال في هذه الصور، أن يقضي دينه فيصير غير مستطيع أو يبقيه اتّكالا على مسامحة الغريم، فيكون مستطيعا.

و بالجملة: فله رفع الاستطاعة فيسقط عنه، و إبقائها فيتعيّن عليه.

و هي كذلك إلى أن يدخل في الإحرام فيجب عليه، بل إلى أن لا يتمكّن من الأداء فيتعيّن عليه الحجّ.

____________

(1) في الأصل: لوجوب.

(2) كشف اللثام 5: 98.

(3) كشف اللثام 5: 98.

39

و قد حكي ما ذكرنا عن ظاهر المحقّق الأردبيلي (1) (قدّس سرّه). و يدلّ عليه مضافا إلى عموم ما تقدّم- من الوعيد على من ترك الحجّ لا لعذر- خصوص بعض الأخبار، مثل رواية عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام): «الحجّ واجب على الرجل و إن كان عليه دين» (2).

و قد تقدّم في صدر مسألة اعتبار الاستطاعة صحيحة معاوية بن عمّار، في الرجل عليه دين، أ عليه الحجّ؟ قال: «نعم» (3) و حسنة معاوية بن وهب، عن غير واحد، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السّلام) يكون عليّ الدين فتقع في يدي الدراهم، فإن وزّعتها بينهم لم يبق. أ فأحجّ بها أو اوزّعها بين الغرّام؟ قال: «تحجّ بها و ادع اللّه أن يقضي دينك» (4).

و نحوها رواية الصدوق عن الحسن بن زياد العطّار (5).

(و لا يجوز صرف المال في النكاح و إن شقّ) تركه؛ لصدق الاستطاعة الموجبة للحجّ. نعم لو خاف التضرّر بالترك أو كان فيه مشقّة شديدة لا يتحمّل، قدّم النكاح.

(و لو بذل له) على وجه الإباحة الملحقة بالإيقاعات (زاد و راحلة و مؤنة عياله) اللازمين له ذهابا و إيابا (وجب) الحجّ عليه، بلا خلاف ظاهرا. بل عن الخلاف و الغنية و المنتهى و التذكرة الإجماع

____________

(1) مجمع الفائدة و البرهان 6: 73 و حكاه النراقي في مستند الشيعة 11: 44.

(2) التهذيب 5: 462/ 1611، الوسائل 11: 140- 141 أبواب وجوب الحجّ ب 50 ح 4.

(3) تقدّم: في ص 26.

(4) الكافي 4: 279/ 5، الوسائل 11: 142 أبواب وجوب الحجّ ب 50 ح 1.

(5) الفقيه 2: 268/ 1304.

40

عليه (1)؛ لتحقّق الاستطاعة بذلك، و لخصوص الأخبار المستفيضة المتقدّم بعضها مثل صحيحتي معاوية بن عمّار و محمّد بن مسلم و رواية المحاسن (2).

و في مرسلة المفيد عن الصادق (عليه السّلام): «من عرض عليه نفقة الحجّ فاستحيى فهو ممّن ترك الحجّ مستطيعا إليه السبيل» (3).

و حسنة الحلبيّ- بابن هاشم- في تفسير الاستطاعة، قال: «يكون له ما يحجّ به» قلت له: من عرض عليه ما يحجّ به فاستحيى أ هو ممّن يستطيع إليه سبيلا؟ قال: «نعم، ما شأنه يستحيي، و لو يحجّ على حمار أبتر، فإن كان يستطيع أن يمشي بعضا و يركب بعضا فليحجّ» (4). الحديث.

قوله: «فان كان يستطيع» إلى آخره إشارة إلى استقرار الحجّ عليه بالعرض و البذل، فلا يعتبر بعده الاستطاعة الشرعيّة، بل يكفي العقليّة و لو بالمشي إذا استطاعه و سهل عليه.

و مقتضى هذه الأخبار- بعد ضمّ بعضها إلى بعض- عدم الفرق بين تمليك ما يحجّ به أو إباحته. و لا بين الوثوق بالباذل و عدمه. و لا بين وجوب البذل على الباذل للمبذول معيّنا أو مخيّرا- كنذر بذل مال للحجّ أو

____________

(1) الخلاف 2: 251 المسألة 9، انظر الغنية: 152- 153 (عدّ فيه: من شرائط الوجوب، وجود الزاد و الراحلة. و لعلّه يستفاد من إطلاقه). المنتهى 2: 652، التذكرة 7: 60 و حكاه عنهم السيد علي في رياض المسائل 6: 44 و النراقي في مستند الشيعة 11: 48 و الاصفهاني في كشف اللثام 5: 100.

(2) تقدم: في ص 30- 31.

(3) المقنعة: 448.

(4) الكافي 4: 266- 267/ 1، التهذيب 5: 3/ 3، الاستبصار 2: 140/ 455 الوسائل 11: 34 أبواب وجوب الحجّ ب 8 ح 3 و 41 ب 10 ح 5.

41

الإيصاء له- و لا بين بذل عين الزاد و الراحلة و أثمانهما.

خلافا للمحكيّ عن الحلّي، فاعتبر التمليك (1). و تنظّر فيه في المختلف بإطلاق الأخبار و الفتاوى (2). مع أنّ ظاهر بعض كلامه المحكيّ في التذكرة موافقة الحلّي (3). و لذا نسب إليه في الدروس أنّه جنح إلى قول الحلّي (4).

و للدروس، فاعتبره أو الوثوق بالبذل (5). و ليس ببعيد؛ لعدم صدق الاستطاعة بدون الوثوق، مع انصراف الأخبار إلى صورة الوثوق.

و للمحكيّ فيه عن بعض، فاعتبر التمليك أو وجوب البذل (6). و هو ضعيف؛ لأنّه تقييد النصّ من غير دليل.

بقي الكلام فيما ذكره في الروضة و المسالك- تبعا للمصنّف في التذكرة في أحد كلاميه- من عدم الوجوب ببذل ثمن الزاد و الراحلة (7).

و زاد في المسالك فقال: و كذا لو نذر لمن يحجّ و أطلق ثمّ بذله لمعيّن أو أوصى بمال لمن يحجّ فبذله كذلك؛ لأنّ ذلك يتوقّف على القبول، و هو شرط للواجب المشروط (8).

أقول: لعلّ وجه عدم الوجوب ببذل الثمن، هو اشتمال بذل الثمن

____________

(1) السرائر 1: 517 و حكاه الاصفهاني في كشف اللثام 5: 101.

(2) المختلف 4: 38.

(3) التذكرة 7: 61- 62 و حكاه الاصفهاني في كشف اللثام 5: 101.

(4) الدروس 1: 310.

(5) الدروس 1: 310.

(6) كما في الحدائق 14: 100 و الروضة 2: 166.

(7) الروضة 2: 166، المسالك 2: 133، و انظر التذكرة 7: 62.

(8) المسالك 2: 133.

42

على ما لا يشتمل عليه بذل العين من المنّة. و لهذا فرّق بين هبة الماء للمتيمّم و إعارة الآلة له، و بين هبة ثمنه و نفس الآلة.

و أمّا الأخبار فأكثرها في عرض الحجّ، و انصراف قوله «ما يحجّ به» في حسنة الحلبيّ إلى نفس الزاد و الراحلة، فيقتصر فيما خالف الأصل- و هو وجوب تحمّل المنّة (1)- على المورد المتيقّن.

نعم، في مرسلة المفيد «من عرض عليه نفقة الحجّ» قاصرة عن إثبات المدّعى به.

أو (2) لأنّ بذل الثمن إن رجع إلى تمليكه، فيحتاج إلى القبول أو القبض أو كليهما؛ لبعد القول بالملك القهري في إباحة الأعيان، بمجرّد الإباحة من دون قبول و قبض.

و إن رجع إلى إباحة التصرّف فيه و المعاوضة عليه بالزاد و الراحلة- مع بقائه على ملك مالكه- فهو في معنى النيابة عنه في شرائهما، و هي غير واجبة.

و دعوى حصول الاستطاعة بإباحة الثمن فيجب الشراء من باب المقدمّة، يمكن دفعها بأنّ إباحة الثمن بمعنى إباحة صرفه في الزاد و الراحلة على أن يكون الزاد و الراحلة في ملك المبيح ينتفع بهما المباح له.

نعم، لو ثبت أنّ مفاد إباحة الصرف هو انتقال المبيع في ملك المباح له بأن يشتريه لنفسه، بأن تكون معنى قوله: «اصرف هذا في الحجّ»، اشتر به لنفسك الزاد و الراحلة. أمكن وجوب الشراء من باب المقدّمة، إلّا أنّ إثبات عدم توقّف هذا النحو من الإباحة- الّتي هي في حكم التمليك في ترتّب آثار الملك عليه- على القبول و إلحاقه بإباحة الانتفاع مشكل.

____________

(1) في الأصل: تحمّل المشي. و الظاهر أن الصواب ما أثبتناه.

(2) عطف على قوله: هو اشتمال بذل الثمن.

43

ثمّ: إنّ في المحكيّ عن المصنّف (قدّس سرّه) في التذكرة إشارة بل تصريحا بما ذكرنا لشيخنا الشهيد من الوجهين، فانّه قال- بعد ذكر وجوب الحجّ ببذل الزاد و الراحلة-: فروع، الأوّل لو بذل له مال يتمكّن به من الحجّ و يكفيه مؤنته و مؤنة عياله، لم يجب عليه القبول؛ لاشتماله على المنّة، و لأنّ في قبول المال و تملّكه إيجاد سبب يلزم به الفرض و هو القبول، و ربّما حدثت عليه حقوق كانت ساقطة، فيلزمه صرف المال إليها، من وجوب نفقة و قضاء دين، و لأنّ تحصيل شرط الوجوب غير واجب، كما في تحصيل مال الزكاة (1). انتهى.

و أمّا ردّ ما ذكره شيخنا المتقدّم بإطلاق الأخبار، كما في المدارك و غيره (2)، فهو حسن سيّما بملاحظة أنّ الغالب في البذل للحجّ بذل الأثمان- لا أقلّ بعض ما يحتاج إليه الحاجّ- لكنّ لازم ذلك عدم الفرق بين هذا و بين الهبة، كما اعترفوا به (3)؛ لأنّ المفروض حينئذ احتياج كليهما إلى القبول.

و كلام شيخنا المتقدّم مبنيّ على ما اشتهر بين المحقّق و من تأخّر عنه، من الفرق بين البذل و الهبة، باحتياج الثاني إلى القبول الغير الواجب، دون الأوّل (4).

____________

(1) التذكرة 7: 61.

(2) المدارك 7: 47، الحدائق 14: 103.

(3) منهم العلّامة في التذكرة 7: 62 و المحقّق الأردبيلي في مجمع الفائدة و البرهان 6: 74 و العاملي في المدارك 7: 47 و البحراني في الحدائق 14: 104.

(4) المحقّق في شرائع الإسلام 1: 226 و السيّد علي في رياض المسائل 6: 45 و السيوري في التنقيح الرائع 1: 414 (فيه: نسبة القول إلى أكثر الأصحاب) و النجفي في الجواهر 17: 268 و الحائري في الشرح الصغير 1: 316.

44

و بالجملة: فبناؤهم على عدم جعل الأخبار مخصّصة للقاعدة، من عدم وجوب تحصيل الاستطاعة، فلا يشمل الاحتياج (1) إلى القبول، أو إلى القبض، بل لا يعقل الخروج عن قاعدة عدم وجوب تحصيل الشرط للواجب المشروط. و كيف يعقل توقّف الوجوب على تملّك الزاد و الراحلة أو الانتفاع بهما، و مع ذلك يكون تحصيل تملّك عينهما أو منفعتهما واجبة؟ إلّا أن يقال: بعدم توقّف وجوب الحجّ على هذه الاستطاعة، بل يجب الحجّ على الموهوب وجوبا مطلقا، فيجب عليه إمّا قبول الهبة و إمّا الحجّ متكلّفا؛ لاستقراره كما في الغنيّ، فإنّه يجب عليه إمّا صرف المال و إمّا الحجّ متكلّفا، لكنّه خلاف ظاهر الكتاب و السنّة: من اشتراط الاستطاعة.

و إن جعل الاستطاعة عبارة عن القدرة على تحصيل الزاد و الراحلة لم يختصّ بوجوب قبول الهبة، بل وجب كلّ اكتساب له، سيّما ما هو نظير قبول الهبة، من حيازة المباحات و الأخذ بالشفعات و الخيارات و سؤال من لا منّة في سؤاله و نحو ذلك، ممّا يكون وجوبه خلاف الإجماع.

و إن فرّق بين هذه الأمثلة و بين قبول الهبة و البذل المحتاج إلى القبول- لورود النصّ هنا (2)- لزم الفرق بين الاستطاعة هاهنا و غيره، بجعل الاستطاعة هنا عبارة عن القدرة على تحصيل الزاد و الراحلة لا وجدانهما فعلا، و في غيره عبارة عن وجدانهما فعلا. و هو خلاف المعلوم. مع أنّه يستلزم استعمال لفظ الاستطاعة في الكتاب و السنّة، في معنيين في إطلاق واحد، حيث إنّ الوارد في أخبار ما نحن فيه: «إنّ من عرض عليه الحجّ

____________

(1) في الأصل: احتياج.

(2) راجع الوسائل 11: 40- 42 أبواب وجوب الحجّ أحاديث ب 10.

45

فهو ممّن يستطيع إليه سبيلا» (1) و هذا إشارة إلى دخوله تحت الآية الشريفة (2).

و بالجملة: فالقول بوجوب الحجّ بعرض الزاد و الراحلة و لو بعنوان يحتاج التملّك أو التصرّف إلى القبول- كما يظهر من المحقّق الأردبيلي، و تبعه أصحاب المدارك و الذخيرة و الحدائق تمسّكا بعموم الأخبار- (3) ضعيف جدّا.

فعلم ممّا ذكرنا أنّ مسألة وجوب الحجّ بالبذل ليست خارجة عن مقتضى قاعدة اعتبار الاستطاعة لأجل النصّ و الإجماع، فتعليل شيخنا المتقدّم ما اختاره من عدم الوجوب ببذل ثمن الزاد و الراحلة؛ لوجوب الوقوف فيما خالف الأصل على موضع اليقين، محل نظر؛ لأنّ الوجوب ببذل عين الزاد و الراحلة ليس مخالفا لعمومات وجوب الحجّ على المستطيع و عدم وجوبه على غيره، فإنّ من ابيح له أكل الزاد و لبس الثياب و الركوب على الراحلة فهو مستطيع عرفا، و لذا حكم الإمام (عليه السّلام) بدخوله تحت المستطيع في غير واحد من الأخبار المتقدّمة.

نعم، وجوب الإقدام على الحجّ بإباحة الزاد و الراحلة و مؤنة العيال و عدم جواز الترك فرارا عن تحمّل المنّة، ربّما يوهم المخالفة للقاعدة، من حيث عدم وجوب تحمّل المنّة لتحصيل مقدّمات الواجب المطلق فضلا عن المشروط.

____________

(1) راجع الوسائل 11: 40- 42 أبواب وجوب الحجّ ب 10 ح 5 و 10 (بتفاوت يسير).

(2) آل عمران: 97.

(3) مجمع الفائدة و البرهان 6: 74، المدارك 7: 47 و 48، ذخيرة المعاد: 560 الحدائق 14: 104 و 105.

46

و فيه: أنّ الواجب بعد الإباحة الغير المحتاجة إلى القبول مطلق، لا مشروط. و المنّة منتفية، بأنّ المقصود من بذل الزاد و الراحلة هو القربة، لا حمل المنّة، فلا منّة في القبول.

لكنّ الإنصاف أنّ الإقدام لا يخلو عن المنّة، فالمسألة مخالفة للقاعدة من هذه الجهة، كما نبّهنا عليه في صدر هذه المسألة. بل ربّما يصير ذلك منشأ لما أشار إليه في الدروس، من النظر في الفرق بين البذل و الهبة (1)، حيث ذكروا- بعد القطع بوجوب الحجّ إذا بذل ما يحجّ به- إنّه (لو وهب) له (مالا يستطيع به، لم يجب القبول) بناء على تعليل عدم الوجوب بأنّه يتوقّف على القبول، و فيه منّة.

لكن لا دفع لهذا الإشكال بناء على ما ذكرنا، من تعليل عدم الوجوب في الهبة، بأنّ تحقّق الاستطاعة في الهبة موقوف على القبول فلا يجب، بخلاف الاستطاعة في البذل فإنّها تتحقّق بنفس الإيقاع.

و ممّا ذكر يظهر حال الوجه فيما ذكره شيخنا المتقدّم تبعا لمحشّي الإرشاد، من أنّه لو دفع إليه ما نذر للحجّ أو أوصى به له- من دون تعيين المنذور له و الموصى له- لم يجب عليه؛ لأنّ تملّكه له فرع القبض، فلا يجب.

ثمّ: إنّ وجوب الحجّ بالبذل لا يتوقّف على عدم الدين، أو على وجود ما يحتاج إليه من الدار و الخادم و نحوهما، و وجهه ظاهر. نعم لو بذل له ما يكمل الاستطاعة، اعتبر جميع ذلك.

و لو بذل له ما يصلح للزاد و للراحلة كفرس، و ما يصلح للزاد

____________

(1) الدروس 1: 310.

47

و اللباس، و لم يبيّن أنّهما للحجّ، فان كان بذلهما على وجه إباحة الانتفاع بهما، تعيّن للحجّ إن لم يمكن الانتفاع بهما فيما يحتاج إليه كقوت العيال.

و ان كان بذلهما على وجه إباحة التصرّفات حتّى الناقلة و المعاوضة، اعتبر في وجوب الحجّ عليه وفاؤها بجميع ما يعتبر في الاستطاعة، سواء أوقفنا هذا النحو من الإباحة على القبول أم لا. إلّا أن يقال- بالنظر إلى ما ذكرنا سابقا-: إنّ وجوب الحجّ بالبذل مخالف لما علم من طريقة الشارع، من عدم إيجابه تحمّل المنّة. فيقتصر فيه على المتيقّن من مورد الأخبار، و هو البذل للحجّ.

و قد ظهر ممّا ذكرنا- من عدم وجوب تحصيل القبول و إن وجب الحجّ بعده- إنّه (لو استؤجر لعمل في السفر بقدر الكفاية وجب) الحجّ، (و) لكن (لا يجب القبول)؛ لأنّه اكتساب. نعم في رواية أبي بصير المتقدّمة في صدر مسألة الاستطاعة «إنّه يخدم القوم و يخرج» (1).

لكن قد عرفت اشتمالها من هذه الجهة و من جهة الحكم فيها بوجوب المشي على ما يخالف الإجماع، فليحمل على أحد المحامل المتقدّمة.

و ذكر في المسالك هنا إشكالا و هو: أنّ القصد إلى مكّة و المشاعر حينئذ يجب لأجل العمل المستاجر عليه، و وجوب الحجّ يقتضي إيقاعه عن نفسه و إنشاء السفر لأجله، و هما متنافيان. لكنّ وجوبه للمعونة سابق على الاستطاعة فينبغي أن يقدّم السفر لها على الحجّ الواجب، كما لو نذر الحجّ في سنة معيّنة ثمّ استطاع لحجّة الإسلام.

____________

(1) تقدّمت: في ص 26.

48

و أجاب عنه بمنع أنّ السفر لحجّة الإسلام يجب بمحض قصده لها، بل الواجب تحصيل السير الّذي يتوقّف عليه الحجّ سواء كان لأجله أو لأجل غيره أم لهما.

و من ثمّ جاز له قصد التجارة في حجّة الإسلام، و إجارة نفسه للمعونة بعد وجوب الحجّ عليه، و غيرهما من الامور الجائزة، و لم يناف الواجب إجماعا. و الفرق بين وجوب السفر لغير الحجّ و بين نذر الحجّ في السنة المعيّنة واضح (1).

و في الذخيرة و الغنائم: أنّ مقتضى هذا الجواب عدم كون المشي من الميقات إلى مكّة من أجزاء الحجّ (2).

____________

(1) المسالك 2: 135- 136.

(2) ذخيرة المعاد: 561.

49

[إمكان المسير]

و اعلم أنّ من جملة الشروط إمكان المسير، بمعنى عدم تعسّره لا بمعنى امتناعه، (و) يترتّب عليه أنّ (المريض إن قدر على الركوب) و لو بمن يركب معه فيمسكه أو بالقعود في المحمل و شبهه (وجب عليه) الحجّ (و إلّا فلا). و الحكمان ممّا لا خلاف فيهما فتوى و نصّا.

(و لو افتقر إلى الرفيق مع عدمه أو إلى الأوعية و الآلات مع العدم أو إلى الحركة القويّة مع ضعفه أو إلى مال للعدوّ في الطريق مع تمكّنه على رأي) الشيخ و جماعة؛- لكون دفع المال على هذا الوجه ظلما فلا يجوز الإعانة عليه؛ و لأنّه كالخوف على المال؛ و لصدق العذر و السلطان المانع؛ و عدم تخلية السرب، كلّها الّتي دلّت الأخبار على السقوط بها (سقط) وجوب الحجّ (1) بلا خلاف في شيء من ذلك عدا الأخير، فإنّ ظاهر المحقّق و بعض الأصحاب عدم سقوط الوجوب (2)؛ لصدق الاستطاعة و صدق تخلية السرب و عدم صدق تحقّق السلطان المانع مع عدم إرادة العدوّ إلّا للمال.

و أمّا دعوى: أنّ الدفع إعانة على الظلم. ففيه ما لا يخفى؛ إذ عليه

____________

(1) الشيخ في المبسوط 1: 301 و فخر المحقّقين في إيضاح الفوائد 1: 271 و نسبه في الحدائق 14: 140 و في الجواهر 17: 292 و في المدارك 7: 62 إلى الشيخ و جماعة.

(2) المحقّق في شرائع الإسلام 1: 227- 228 و العاملي في المدارك 7: 63 و السبزواري في ذخيرة المعاد 561 و البحراني في الحدائق 14: 140- 142 و المحقّق الكركي في جامع المقاصد 3: 134 (فيه: و الأصحّ الوجوب إلّا أن يجحف بما له).

50

تكون التجارة إعانة على ظلم العاشر مثلا.

و أمّا إلحاقه بالخوف فقياس مع الفارق؛ إذ لا يخفى الفرق بين الدفع اختيارا و الدفع على وجه النهب.

لكنّ الأقوى: أنّ العدوّ لو كان مانعا بنفسه لكن يمكن رفع يده بالمال لم يجب الدفع؛ لأنّ رفع المانع كإيجاد الشرط.

(و لو منعه عدوّ) و لا يقدر على رفع منعه بالمال او مع القدرة عليه بناء على ما قوّيناه (أو كان معضوبا لا يستمسك على الراحلة) بجميع أنواعه (سقط). و وجهه واضح.

(و لا يجب على الممنوع بمرض أو عدوّ الاستنابة على رأي) محكيّ عن السرائر و الجامع و ظاهر المقنعة و المصنّف- في المختلف و القواعد- و غيرهم (1)؛ للأصل و عدم حصول الاستطاعة الّتي يعتبر فيها الصحّة و الأمان باتّفاق النصوص و الفتاوى. و يخصّص ذلك بالوجوب البدنيّ دون الماليّ.

خلافا للمحكيّ عن جماعة فأوجبوها كالإسكافي و الشيخ و القاضي و الحلبيّ و ظاهر ابن أبي عقيل و المحقّق في المعتبر و المصنّف في التحرير (2)- قيل: و جنح إليه في المنتهى (3) أيضا- و الشهيدين في الدروس

____________

(1) السرائر 1: 516، الجامع للشرائع: 173، المقنعة: 442، المختلف 4: 38- 39 المسألة 4، قواعد الأحكام 1: 405 و المحقّق الأردبيلي في مجمع الفائدة و البرهان 6: 78 و حكاه عنهم الاصفهاني في كشف اللثام 6: 112.

(2) المدارك 7: 55 نقلا عن ابن الجنيد الإسكافي، النهاية: 203، الكافي في الفقه:

219، المهذّب لابن البرّاج 1: 267؛ المختلف 4: 39 نقلا عن ابن أبي عقيل، المعتبر 2: 756، التحرير 1: 92 و حكاه عنهم الاصفهاني في كشف اللثام 5: 113.

(3) المنتهى 2: 655 و قاله الاصفهاني في كشف اللثام 5: 113.