كتاب المكاسب (للشيخ الأنصاري) - ج1

- الشيخ مرتضى الأنصاري المزيد...
386 /
3

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على محمّد خاتم النبيّين و أهل بيته الطيّبين الطاهرين.

و أمّا بعد: فقد حظي كتابا المكاسب و فرائد الأُصول تحقيق و طبع مجمع الفكر الإسلامي باستقبال وافر من قبل الأساتذة و طلّاب الحوزة العلميّة في قم المقدّسة و سائر الحوزات في المدن الأُخرى؛ لما امتازا به من الدقّة في التحقيق، و الإناقة في الترتيب، و الحسن في الطباعة؛ و لذلك حاز الكتابان الرتبة الاولى في مسابقة الكتاب السنويّة التي تقيمها الحوزة العلميّة في قم.

كلّ ذلك جعل الطلّاب و الأساتذة يقبلون على هذه الطبعة من الكتابين إقبالًا كثيراً، و لذلك جُدّدت طباعتهما في كلّ سنة تقريباً منذ انتهاء الطبعة الاولى.

و لمّا كانت كثرة عدد الأجزاء توجب كلفة زائدة على الطلبة، فلذلك قامت أُسره المجمع بتقليل عدد الأجزاء تسهيلًا عليهم. و ذلك بحذف ما لا يهمّ الطلبة كثيراً في دراساتهم، مثل مقدّمة التحقيق و الفهارس الفنّيّة و نحوها، و دمجت كلّ مجلّدين في مجلّد واحد، فصارت

4

الأجزاء الستّة للمكاسب ثلاثة أجزاء، و الأجزاء الأربعة للفرائد ثلاثة أيضاً بدمج الثالث و الرابع و صيرورتهما مجلّداً واحداً، و صار مجموع مجلّدات المكاسب و الفرائد ستّة مجلّدات بعد أن كانت عشرة، كلّ ذلك كما قلنا تسهيلًا على الطلبة الأعزّاء.

و لا بدّ من التنبيه على أنّ من أراد الاطّلاع على النسخ المعتمدة في تحقيق الكتاب و معرفة رموزها و كيفيّة تحقيق الكتاب فليراجع الطبعات المتقدّمة بما فيها الطبعة الاولى الموجودة في ضمن مجموعة تراث الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه).

و ختاماً نرجو من اللّه تعالى أن يوفّق الجميع لخدمة مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، إنّه وليّ التوفيق.

مجمع الفكر الإسلامي

5

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على محمد و آله الطاهرين و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين.

في المكاسب [المحرمة]

و ينبغي أوّلًا التيمّن بذكر بعض الأخبار الواردة على سبيل الضابطة للمكاسب،

من حيث الحلّ و الحرمة، فنقول مستعيناً باللّه تعالى-:

روي في الوسائل (1) و الحدائق (2) عن الحسن بن عليّ بن شعبة في كتاب تحف العقول (3) عن مولانا الصادق (صلوات اللّه و سلامه عليه) حيث سُئل عن

____________

(1) الوسائل 12: 54، الباب 2 من أبواب ما يكتسب به، و أورد قسماً منه في الحديث الأوّل من الباب الأوّل من أبواب الإجارة، و قسماً آخر في الحديث الأوّل من الباب 4 من أبواب النفقات، و قسماً ثالثاً في الحديث الأوّل من الباب 66 من أبواب الأطعمة المحرّمة.

(2) الحدائق 18: 67.

(3) تحف العقول: 331، و لمّا كان الاختلاف بين المصادر التي نقلت الرواية كثيراً، فلذلك لم نتعرّض له إلّا إذا كان مهمّاً، نعم سوف نذكر الاختلاف الموجود بين نسخ الكتاب.

و سنتّبع هذه الطريقة في سائر الروايات المنقولة في الكتاب إن شاء اللّه تعالى.

6

معايش العباد، فقال: «جميع المعايش كلّها من وجوه المعاملات فيما بينهم ممّا يكون لهم فيه المكاسب أربع جهات، و يكون فيها حلال من جهة و حرام من جهة:

فأوّل هذه الجهات الأربع (1) الولاية، ثمّ التجارة، ثمّ الصناعات، ثمّ الإجارات.

و الفرض من اللّه تعالى على العباد في هذه المعاملات الدخول في جهات الحلال، و العمل بذلك، و اجتناب جهات الحرام منها.

فإحدى الجهتين من الولاية: ولاية ولاة العدل الذين أمر اللّه بولايتهم على الناس، و الجهة الأُخرى: ولاية ولاة الجور.

فوجه الحلال من الولاية، ولاية الوالي العادل، و ولاية ولاته بجهة ما أمر به الوالي العادل بلا زيادة و نقيصة، فالولاية له، و العمل معه، و معونته، و تقويته، حلال محلّل.

و أمّا وجه الحرام من الولاية: فولاية الوالي الجائر، و ولاية ولاته، فالعمل (2) لهم، و الكسب لهم بجهة الولاية معهم (3) حرام محرّم معذّب فاعل ذلك على قليل من فعله أو كثير؛ لأنّ كلّ شيءٍ من جهة المعونة له، معصية كبيرة من الكبائر.

و ذلك أنّ في ولاية الوالي الجائر دروس الحقّ كلِّه، و إحياء الباطل كلِّه، و إظهار الظلم و الجور و الفساد، و إبطال الكتب، و قتل الأنبياء،

____________

(1) الأربع: لم تَرِد في «ف»، «ن»، «م».

(2) في «ف»، «خ»، «ع»، «ص»: و العمل لهم.

(3) في «خ» و الوسائل: و الكسب معهم بجهة الولاية لهم.

7

و هدم المساجد، و تبديل سنّة اللّه و شرائعه، فلذلك حرم العمل معهم و معونتهم، و الكسب معهم إلّا بجهة الضرورة نظير الضرورة إلى الدم و الميتة.

و أمّا تفسير التجارات في جميع البيوع و وجوه الحلال من وجه التجارات التي يجوز للبائع أن يبيع ممّا لا يجوز له، و كذلك المشتري الذي يجوز له شراؤه ممّا لا يجوز:

فكلّ مأمور به ممّا هو غذاء للعباد و قوامهم به في أُمورهم في وجوه الصلاح الذي لا يقيمهم غيره ممّا يأكلون و يشربون و يلبسون و ينكحون و يملكون و يستعملون من جميع المنافع التي لا يقيمهم غيرها، و كلّ شيءٍ يكون لهم فيه الصلاح من جهة من الجهات، فهذا كلّه حلال بيعه و شراؤه و إمساكه و استعماله وهبته و عاريته.

و أمّا وجوه الحرام من البيع و الشراء: فكلّ أمرٍ يكون فيه الفساد ممّا هو منهيّ عنه من جهة أكله و شربه (1) أو كسبه (2) أو نكاحه أو مِلكه أو إمساكه أو هبته أو عاريته أو شيءٍ يكون فيه وجه من وجوه الفساد نظير البيع بالربا أو بيع الميتة أو الدم أو لحم الخنزير أو لحوم السباع من صنوف سباع الوحش أو الطير أو جلودها أو الخمر أو شيءٍ من وجوه النجس فهذا كلّه حرام محرّم؛ لأنّ ذلك كلّه منهيٌّ عن أكله و شربه و لبسه و ملكه و إمساكه و التقلّب فيه، فجميع تقلّبه في

____________

(1) في «ف»: أو شربه.

(2) كذا في النسخ و المصادر، و لعلّ في الأصل «لبسه» كما استظهره الشهيدي (رحمه اللّه) أيضاً.

8

ذلك حرام.

و كذلك كلّ مبيعٍ ملهوٍّ به، و كلّ منهيٍّ عنه ممّا يتقرّب به لغير اللّه عزّ و جلّ، أو يقوى به الكفر و الشرك في جميع وجوه المعاصي، أو باب يوهن به الحقّ فهو حرام محرَّم بيعه و شراؤه و إمساكه و ملكه وهبته و عاريته و جميع التقلّب فيه، إلّا في حالٍ تدعو الضرورة فيه إلى ذلك.

و أمّا تفسير الإجارات:

فإجارة الإنسان نفسه أو ما يملك أو يلي أمره من قرابته أو دابّته أو ثوبه بوجه (1) الحلال من جهات الإجارات أو (2) يؤجر نفسه أو داره أو أرضه أو شيئاً يملكه فيما ينتفع به من وجوه المنافع أو العمل بنفسه و ولده و مملوكه و أجيره من غير أن يكون وكيلًا للوالي أو والياً للوالي، فلا بأس أن يكون أجيراً يؤجر نفسه أو ولده أو قرابته أو ملكه أو وكيله في إجارته، لأنّهم وكلاء الأجير من عنده، ليس هم بولاة الوالي، نظير الحمّال الذي يحمل شيئاً معلوماً بشيءٍ معلوم، فيحمل (3) ذلك الشيء الذي يجوز له حمله بنفسه أو بملكه أو دابّته، أو يؤجر نفسه في عمل، يعمل ذلك العمل [بنفسه أو بمملوكه أو قرابته أو بأجير من قِبَله، فهذه وجوه من وجوه الإجارات] (4)

____________

(1) في مصحّحة «م»: فوجه.

(2) في «م»، «ع»، «ص»، «ش» و نسخة بدل «خ»: أن.

(3) كذا في «خ» و تحف العقول، و في سائر النسخ و الحدائق و الوسائل: فيجعل.

(4) أثبتناه من «ش» و هامش «خ» و المصدر.

9

حلال (1) لمن كان من الناس مَلِكاً أو سُوقَة أو كافراً أو مؤمناً فحلال إجارته، و حلال كسبه من هذه الوجوه.

فأمّا وجوه الحرام من وجوه الإجارة: نظير أن يؤاجر نفسه على حمل ما يحرم أكله أو شربه، أو يؤاجر نفسه في صنعة ذلك الشيء أو حفظه، أو يؤاجر نفسه في هدم المساجد ضراراً، أو قتل النفس بغير حقٍّ (2)، أو عمل (3) التصاوير و الأصنام و المزامير و البَرابِط و الخمر و الخنازير و الميتة و الدم، أو شيء من وجوه الفساد الذي كان محرّماً عليه من غير جهة الإجارة فيه.

و كلّ أمرٍ منهيّ عنه من جهة من الجهات، فمحرّم على الإنسان إجارة نفسه فيه أو له أو شيء منه أو له، إلّا لمنفعة من استأجره (4) كالذي يستأجر له الأجير ليحمل الميتة ينحّيها (5) عن أذاه أو أذى غيره و ما أشبه ذلك إلى أن قال-:

و كلّ من آجر نفسه أو ما يملك، أو يلي أمره من كافر أو مؤمن أو مَلِكٍ أو سُوقَةٍ على ما فسّرنا ممّا تجوز الإجارة فيه فحلال محلّل فعله و كسبه.

____________

(1) في جميع النسخ الفاقدة للعبارة: «حلالًا»، إلّا في «ف».

(2) في المصادر: بغير حلٍّ.

(3) في تحف العقول: أو حمل.

(4) كذا في «ن» و الحدائق، و في سائر النسخ و المصادر: استأجرته.

(5) في «خ» و تحف العقول: ينجيها.

10

و أمّا تفسير الصناعات:

فكلُّ ما يتعلّم العباد أو يعلِّمون غيرهم من أصناف الصناعات مثل الكتابة و الحساب و النجارة (1) و الصياغة و البناء و الحياكة و السراجة و القصارة و الخياطة و صنعة صنوف التصاوير ما لم يكن مثل الروحاني، و أنواع صنوف الآلات التي يحتاج إليها العباد، منها منافعهم، و بها قوامهم، و فيها بلغة جميع (2) حوائجهم فحلال فعله (3) و تعليمه و العمل به و فيه (4) لنفسه أو لغيره.

و إن كانت تلك الصناعة و تلك الآلة قد يستعان بها على وجوه الفساد و وجوه المعاصي، و تكون معونة على الحقّ و الباطل، فلا بأس بصناعته و تعليمه (5) نظير الكتابة التي هي (6) على وجه من وجوه الفساد تقوية و معونة لولاة الجور. و كذلك السكّين و السيف و الرمح و القوس و غير ذلك من وجوه الآلات التي تصرف (7) إلى وجوه (8) الصلاح

____________

(1) كذا في «ف» و «ش»، و في سائر النسخ و تحف العقول و الحدائق: التجارة.

(2) جميع: ساقطة من «ف»، «م»، «ع»، «ص».

(3) في «ش»: تعلّمه.

(4) و فيه: ساقطة من «ف».

(5) كذا في «ن» و مصححة «خ» و تحف العقول و الحدائق، و في سائر النسخ: تقلّبه.

(6) هي: ساقطة من «ف»، «م»، «ع».

(7) كذا في «خ» و «ش» و «ف»: ينصرف، و في «ن»، «ع»، «ص»: تتصرف، و في «م»: تنصرف.

(8) في مصححة «خ» و تحف العقول: جهات.

11

و جهات الفساد، و تكون آلة و معونة عليهما (1) فلا بأس بتعليمه و تعلّمه و أخذ الأجر عليه و العمل به و فيه لمن كان له فيه جهات الصلاح من جميع الخلائق، و محرّم عليهم تصريفه إلى جهات الفساد و المضارّ، فليس على العالم و لا المتعلّم إثم و لا وزر؛ لما فيه من الرجحان في منافع جهات صلاحهم و قوامهم و بقائهم، و إنّما الإثم و الوزر على المتصرّف فيه (2) في جهات الفساد و الحرام؛ و ذلك إنّما حرّم الله الصناعة التي هي حرام كلّها التي يجيء منها الفساد محضاً، نظير البَرابِط و المزامير و الشطرنج و كلّ ملهوٍّ به و الصلبان و الأصنام و ما أشبه ذلك من صناعات الأشربة الحرام (3).

و ما يكون منه و فيه الفساد محضاً و لا يكون منه و لا فيه شيء من وجوه الصلاح، فحرام تعليمه و تعلّمه و العمل به و أخذ الأُجرة عليه و جميع التقلّب فيه من جميع وجوه الحركات (4) إلّا أن تكون صناعة قد تصرف إلى جهة المنافع (5)، و إن كان قد يتصرّف فيها و يتناول بها وجه من وجوه المعاصي؛ فلعلّة ما فيه (6) من الصلاح حلّ تعلّمه و تعليمه و العمل به، و يحرم على من صرفه إلى غير وجه الحقّ و الصلاح.

____________

(1) كذا في «ش» و المصادر، و في سائر النسخ: عليها.

(2) في «ن» و «خ»: بها (خ ل).

(3) كذا في النسخ و المصادر، إلّا أنّ في «ن»، «خ»، «م»، «ع» و «ش» زيادة: المحرّمة (ظ)، و في «ص»: المحرّمة (خ ل).

(4) كذا في مصححة «خ»، و في «ش» و الوسائل و تحف العقول: الحركات كلّها.

(5) في مصححتي «خ» و «ف»: جهة المباح.

(6) في «ف»، «خ»، «م» و «ع» و تحف العقول: فلعلّه لما فيه.

12

فهذا تفسير بيان وجوه اكتساب معايش العباد، و تعليمهم (1) في وجوه اكتسابهم .. الحديث».

و حكاه غير واحد (2) عن رسالة المحكم و المتشابه (3) للسيّد (قدّس سرّه).

و في الفقه المنسوب إلى مولانا الرضا (صلوات اللّه و سلامه عليه): «اعلم رحمك (4) اللّه أنّ كلّ (5) مأمور به على العباد (6) و قوام لهم في أُمورهم من وجوه الصلاح الذي لا يقيمهم غيره ممّا يأكلون و يشربون و يلبسون و ينكحون و يملكون و يستعملون فهذا كلّه حلال بيعه و شراؤه وهبته و عاريته.

و كلّ أمر يكون فيه الفساد ممّا قد نهي عنه من جهة أكله و شربه و لبسه و نكاحه و إمساكه بوجه الفساد، مثل الميتة و الدم و لحم الخنزير و الربا و جميع الفواحش و لحوم السباع و الخمر، و ما أشبه ذلك فحرام ضارٍّ للجسم (7)» (8)، انتهى.

و عن دعائم الإسلام للقاضي نعمان المصري عن مولانا

____________

(1) كذا في «ش» و المصادر، و في سائر النسخ: تعلّمهم.

(2) منهم صاحب الوسائل في الوسائل 12: 57، و صاحب الحدائق في الحدائق 18: 70.

(3) رسالة المحكم و المتشابه: 46.

(4) في «ف»، و المصدر: يرحمك.

(5) في «ش»: كلّ ما هو.

(6) كذا في النسخ، و في المصدر: «أنّ كلّ مأمور به ممّا هو صلاح للعباد»، و في المستدرك (13: 65): «أنّ كلّ مأمور به ممّا هو منّ على العباد».

(7) في «ش»: «للجسم، و فساد للنفس»، و في المصدر: «للجسم، و فاسد للنفس».

(8) الفقه المنسوب إلى الإمام الرضا (عليه السلام): 250.

13

الصادق (عليه السلام): «إنّ الحلال من البيوع كلّ ما كان حلالًا من المأكول و المشروب و غير ذلك ممّا هو قوام للناس و يباح لهم الانتفاع، و ما كان محرّماً أصله منهيّاً عنه لم يجز بيعه و لا شراؤه» (1)، انتهى.

و في النبويّ المشهور: «إنّ اللّه إذا حرّم شيئاً حرّم ثمنه» (2).

إذا عرفت ما تلوناه و جعلته في بالك متدبّراً لمدلولاته، فنقول: قد جرت عادة غير واحد على تقسيم المكاسب إلى محرّم و مكروه و مباح، مُهمِلين للمستحبّ و الواجب؛ بناءً على عدم وجودهما في المكاسب، مع إمكان التمثيل للمستحبّ بمثل الزراعة و الرعي ممّا ندب إليه الشرع، و للواجب بالصناعة الواجبة كفاية، خصوصاً إذا تعذّر قيام الغير به، فتأمّل.

و معنى حرمة الاكتساب حرمة النقل و الانتقال بقصد ترتّب الأثر (3).

و أمّا حرمة أكل المال في مقابلها، فهو متفرّع على فساد البيع؛ لأنّه مال الغير وقع في يده بلا سبب شرعيّ و إن قلنا بعدم التحريم؛ لأنّ ظاهر أدلّة تحريم بيع مثل الخمر منصرف إلى ما لو أراد ترتيب الآثار المحرّمة، أمّا لو قصد الأثر المحلّل فلا دليل على تحريم المعاملة

____________

(1) دعائم الإسلام 2: 18، الحديث 23، مع اختلافٍ يسير.

(2) عوالي اللآلي 2: 110، الحديث 301. سنن الدارقطني 3: 7، الحديث 20.

(3) في «ش»: الأثر المحرّم.

14

إلّا من حيث التشريع (1).

و كيف كان، فالاكتساب المحرّم أنواع، نذكر كلّا منها في طيّ مسائل

____________

(1) في «ف»: إلّا من حيث التشريع، فيتفرّع على إرادة الشرعيّة.

15

النوع الأوّل الاكتساب بالأعيان النجسة عدا ما استثني

و فيه مسائل ثمان:

16

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

17

المسألة الأُولى يحرم المعاوضة على بول غير مأكول اللحم

(1) بلا خلافٍ ظاهر؛ لحرمته، و نجاسته، و عدم الانتفاع به منفعة محلّلة مقصودة فيما عدا بعض أفراده، ك«بول الإبل الجلّالة أو الموطوءَة».

«فرعان»

الأوّل: ما عدا بول الإبل من أبوال ما يؤكل لحمه المحكوم بطهارتها

عند المشهور، إن قلنا بجواز شربها اختياراً كما عليه جماعة من القدماء

____________

(1) في «ف»: غير المأكول اللحم.

18

و المتأخّرين (1)، بل عن المرتضى دعوى الإجماع عليه (2) فالظاهر جواز بيعها. و إن قلنا بحرمة شربها كما هو مذهب جماعة أُخرى (3) لاستخباثها ففي جواز بيعها قولان:

من عدم المنفعة المحلّلة المقصودة فيها، و المنفعة النادرة لو جوّزت المعاوضة لزم منه جواز معاوضة كلّ شيء، و التداوي بها لبعض الأوجاع لا يوجب قياسها (4) على الأدوية و العقاقير؛ لأنّه يوجب قياس كلّ شيء عليها، للانتفاع به في بعض الأوقات.

و من أنّ المنفعة الظاهرة و لو عند الضرورة المسوّغة للشرب كافية في جواز البيع.

و الفرق بينها و بين ذي المنفعة الغير المقصودة حكم العرف بأنّه لا منفعة فيه.

و سيجيء الكلام في ضابطة المنفعة المسوّغة للبيع.

____________

(1) من القدماء: ابن الجنيد على ما في الدروس 3: 17، و السيّد المرتضى في الانتصار: 201، و من المتأخّرين: ابن إدريس في السرائر 3: 125، و المحقّق في النافع (254)، حيث قال: و التحليل أشبه، و الفاضل الآبي في كشف الرموز 1: 436، و المحقّق السبزواري في كفاية الأحكام: 252.

(2) الانتصار: 201.

(3) كالمحقّق في الشرائع 3: 227، و العلّامة في المختلف: 686، و الشهيد في الدروس 3: 17.

(4) في أكثر النسخ: قياسه.

19

نعم، يمكن أن يقال: إنّ قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «إنّ اللّه إذا حرّم شيئاً حرّم ثمنه» (1) و كذلك الخبر المتقدّم عن دعائم الإسلام يدلّ على أنّ ضابطة المنع تحريم الشيء اختياراً، و إلّا فلا حرام إلّا و هو محلّل عند الضرورة، و المفروض حرمة شرب الأبوال اختياراً، و المنافع الأُخر غير الشرب لا يعبأ بها جدّاً، فلا ينتقض بالطين المحرّم أكله؛ فإنّ المنافع الأُخر للطين أهمّ و أعمّ من منفعة الأكل المحرّم، بل لا يُعدّ الأكل من منافع الطين.

فالنبويّ دالّ على أنّه إذا حرّم اللّه شيئاً بقولٍ مطلق بأن قال: يحرم الشيء الفلاني حَرُمَ بيعه؛ لأنّ تحريم عينه إمّا راجع إلى تحريم جميع منافعه، أو إلى تحريم أهمّ منافعه الذي (2) يتبادر عند الإطلاق، بحيث يكون غيره غير مقصود منه.

و على التقديرين، يدخل الشيء لأجل ذلك في ما لا ينتفع به منفعةً محلّلة مقصودة، و الطين لم يحرم كذلك، بل لم يحرم إلّا بعض منافعه الغير المقصودة منه و هو الأكل بخلاف الأبوال فإنّها حرمت كذلك، فيكون التحريم راجعاً إلى شربها، و غيره من المنافع في حكم العدم.

و بالجملة، فالانتفاع بالشيء حال الضرورة منفعة محرّمة في حال الاختيار لا يوجب جواز بيعه.

و لا ينتقض أيضاً بالأدوية المحرّمة في غير حال المرض لأجل الإضرار؛ لأنّ حلّيّة هذه في حال المرض ليست لأجل الضرورة،

____________

(1) عوالي اللآلي 2: 110، الحديث 301.

(2) كذا في «ش» و مصححة «خ»، و في غيرهما: التي.

20

بل لأجل تبدّل عنوان الإضرار بعنوان النفع.

و ممّا ذكرنا يظهر أنّ قوله (عليه السلام) في رواية تحف العقول المتقدّمة: «و كلّ شيء يكون لهم (1) فيه الصلاح من جهة من الجهات» يراد به جهة الصلاح الثابتة حال الاختيار دون الضرورة.

و ممّا ذكرنا يظهر حرمة بيع لحوم السباع دون شحومها؛ فإنّ الأوّل من قبيل الأبوال، و الثاني من قبيل الطين في عدم حرمة جميع منافعها المقصودة منها.

و لا ينافيه النبويّ: «لعن اللّه اليهود، حُرّمت عليهم الشحوم فباعوها و أكلوا ثمنها» (2)؛ لأنّ الظاهر أنّ الشحوم كانت محرّمة الانتفاع على اليهود بجميع الانتفاعات، لا كتحريم شحوم غير مأكول اللحم علينا.

هذا، و لكن الموجود من النبويّ في باب الأطعمة من الخلاف (3): «إنّ اللّه إذا حرّم أكل شيء حرّم ثمنه» (4).

و الجواب عنه مع (5) ضعفه، و عدم الجابر له سنداً و دلالة؛

____________

(1) لهم: ساقطة من «ن»، «م»، «ع»، «ص».

(2) عوالي اللآلي 1: 181، الحديث 240.

(3) كذا في «ف» و «خ»، و في غيرهما: عن الخلاف.

(4) الخلاف: كتاب الأطعمة، المسألة 19.

(5) في «ف» و مصححة «خ»: «ح» [أي: حينئذ] و كلمة «مع» مشطوب عليها في «ن».

21

لقصورها-: بلزوم (1) تخصيص الأكثر (2).

الثاني: بول الإبل يجوز بيعه

إجماعاً على ما في جامع المقاصد (3) و عن إيضاح النافع (4) أمّا لجواز شربه اختياراً، كما يدلّ عليه قوله (عليه السلام) في رواية الجعفري: «أبوال الإبل خيرٌ من ألبانها» (5) و إمّا لأجل الإجماع المنقول، لو قلنا بعدم جواز شربها إلّا لضرورة الاستشفاء، كما يدلّ عليه رواية سماعة، قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن بول الإبل و البقر و الغنم ينتفع به من الوجع، هل يجوز أن يشرب؟ قال: نعم،

____________

(1) في «ش»: لزوم.

(2) جاء في شرح الشهيدي (19) ما يلي: إنّ قوله: «بلزوم تخصيص الأكثر» في محلّ الرفع على الخبريّة ل«الجواب»، يعني: و الجواب عنه مضافاً إلى ما ذكر من الضعف-: أنّ فيه لزوم تخصيص الأكثر، فلا بدّ من الطرح أو التأويل بما ذكرنا.

هذا بناءً على صحّة وجود كلمة «مع» في قوله: «مع ضعفه»، و أمّا بناءً على ما في بعض النسخ المصحّحة من الضرب [أي: الشطب] عليها، و على ما في الآخر من «ح» [أي: حينئذٍ] بدل «مع»، فالخبر له قوله: «ضعفه»، و يكون «بلزوم» متعلّقاً للقصور، فتأمّل؛ فإنّ في العبارة ما لا يخفى على التقديرين.

(3) جامع المقاصد 4: 14.

(4) نقله عنه في مفتاح الكرامة 4: 23.

(5) الوسائل 17: 87، الباب 59 من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث 3.

22

لا بأس» (1). و موثّقة عمّار، عن بول البقر يشربه الرجل، قال: «إن كان محتاجاً إليه يتداوى بشربه فلا بأس، و كذلك بول الإبل و الغنم» (2).

لكنّ الإنصاف، أنّه لو قلنا بحرمة شربه اختياراً أشكل الحكم بالجواز إن لم يكن إجماعياً (3)، كما يظهر من مخالفة العلّامة في النهاية و ابن سعيد في النزهة (4).

قال في النهاية: و كذلك البول يعني يحرم بيعه و إن كان طاهراً؛ للاستخباث، كأبوال البقر و الإبل و إن انتفع به في شربه للدواء؛ لأنّه منفعة جزئية نادرة فلا يعتد به (5)، انتهى.

أقول: بل لأنّ المنفعة المحلّلة للاضطرار و إن كانت كلّية لا تسوّغ البيع، كما عرفت.

____________

(1) الوسائل 17: 88، الباب 59 من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث 7.

(2) الوسائل 17: 87، الباب 59 من أبواب الأطعمة المباحة، الحديث الأوّل.

(3) كذا في «ع» و «ش»، و في غيرهما: إجماعاً.

(4) نزهة الناظر: 78.

(5) نهاية الإحكام 2: 463.

23

[المسألة] الثانية يحرم بيع العذرة النجسة

(1) من كلّ حيوان على المشهور، بل في التذكرة كما عن الخلاف-: الإجماع على تحريم بيع السرجين النجس (2).

و يدلّ عليه مضافاً إلى ما تقدم من الأخبار رواية يعقوب ابن شعيب: «ثمن العذرة من السحت (3)» (4).

نعم، في رواية محمد بن المضارب (5): «لا بأس ببيع العذرة» (6).

و جمع الشيخ بينهما بحمل الأوّل على عذرة الإنسان، و الثاني على عذرة البهائم (7).

____________

(1) النجسة: ساقطة من «ش».

(2) التذكرة 1: 464، الخلاف 3: 185، كتاب البيوع، المسألة 310.

(3) كذا في «ش» و المصدر، و في سائر النسخ: ثمن العذرة سحت.

(4) الوسائل 12: 126، الباب 40 من أبواب ما يكتسب به، الحديث الأوّل.

(5) كذا في «ف»، «ش» و المصدر، و في سائر النسخ: المصادف.

(6) الوسائل 12: 126، الباب 40 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 3.

(7) الاستبصار 3: 56، ذيل الحديث 182.

24

و لعلّه لأنّ الأوّل نصّ في عذرة الإنسان ظاهر في غيرها، بعكس الخبر الثاني، فيطرح ظاهر كلّ منهما بنصّ الآخر.

و يقرّب هذا الجمع رواية سماعة، قال: «سأل رجل أبا عبد اللّه (عليه السلام) و أنا حاضر عن بيع العذرة، فقال: إنّي رجل أبيع العذرة، فما تقول؟ قال: حرام بيعها و ثمنها، و قال: لا بأس ببيع العذرة» (1).

فإنّ الجمع بين الحكمَين في كلام واحد لمخاطب واحد يدلّ على أنّ تعارض الأوّلين ليس إلّا من حيث الدلالة، فلا يرجع فيه إلى المرجّحات السنديّة أو الخارجيّة.

و به يدفع ما يقال: من أنّ العلاج في الخبرين المتنافيين على وجه التباين الكلّي هو الرجوع إلى المرجّحات الخارجية، ثمّ التخيير أو التوقّف، لا إلغاء ظهور كلّ منهما، و لهذا طعن على من جمع بين الأمر و النهي بحمل الأمر على الإباحة و النهي على الكراهة.

و احتمل السبزواري حمل خبر المنع على الكراهة (2). و فيه ما لا يخفى من البُعد.

و أبعد منه ما عن المجلسي من احتمال حمل خبر المنع على بلاد لا ينتفع به، و الجواز على غيرها (3).

____________

(1) الوسائل 12: 126، الباب 40 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 2. و في النسخ عدا «ش»: سُئل أبو عبد اللّه.

(2) كفاية الأحكام: 84.

(3) حكاه العلّامة المجلسي في ملاذ الأخيار 10: 379، ذيل الحديث 202، عن والده العلّامة المجلسي الأوّل (قدّس سرّهما).

25

و نحوه حمل خبر المنع (1) على التقيّة؛ لكونه مذهب أكثر العامّة (2).

و الأظهر ما ذكره الشيخ (رحمه اللّه) (3) لو أُريد التبرّع بالحمل لكونه أولى من الطرح، و إلّا فرواية الجواز لا يجوز الأخذ بها من وجوه لا تخفى.

ثمّ إنّ لفظ «العذرة» في الروايات، إن قلنا: إنّه ظاهر في «عذرة الإنسان» كما حكي التصريح به عن بعض أهل اللغة (4) فثبوت الحكم في غيرها بالأخبار العامّة المتقدّمة، و بالإجماع المتقدّم (5) على السرجين النجس.

و استشكل في الكفاية (6) في الحكم تبعاً للمقدّس الأردبيلي (رحمه اللّه) (7) إن لم يثبت الإجماع، و هو حسن، إلّا أنّ الإجماع المنقول هو الجابر لضعف سند الأخبار العامّة السابقة.

و ربّما يستظهر من عبارة الإستبصار القول بجواز بيع عذرة ما عدا الإنسان، لحملة أخبار المنع على عذرة الإنسان (8). و فيه نظر.

____________

(1) في بعض النسخ: النهي.

(2) هذا الحمل من المجلسي الأوّل أيضاً، حسبما حكاه عنه في ملاذ الأخيار 10: 379.

(3) تقدّم عنه آنفاً.

(4) حكاه السيد العاملي في مفتاح الكرامة 4: 21.

(5) تقدّم عن التذكرة و الخلاف في أوّل المسألة.

(6) لا يخفى أنّ المحقق السبزواري (قدّس سرّه) استشكل في ثبوت الاتفاق و استوجه الجواز فيما ينتفع به، (انظر كفاية الأحكام: 84).

(7) مجمع الفائدة 8: 40.

(8) الاستبصار 3: 56، ذيل الحديث 182.

26

«فرع» الأقوى جواز بيع الأرواث الطاهرة التي ينتفع بها منفعة محلّلة مقصودة،

و عن الخلاف: نفي الخلاف فيه (1)، و حكي أيضاً عن المرتضى (رحمه اللّه) الإجماع عليه (2).

و عن المفيد: حرمة بيع العذرة و الأبوال كلّها إلّا بول الإبل (3)، و حكي عن سلّار أيضاً (4).

و لا أعرف مستنداً لذلك إلّا دعوى أنّ تحريم الخبائث في قوله تعالى وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ (5) يشمل تحريم بيعها، و قوله (عليه الصلاة و السلام): «إنّ اللّه إذا حرّم شيئاً حرّم ثمنه» (6)، و ما تقدّم من رواية دعائم الإسلام (7)، و غيرها.

و يرد على الأوّل: أنّ المراد بقرينة مقابلته لقوله تعالى يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ الأكل، لا مطلق الانتفاع.

و في النبويّ و غيره ما عرفت من أنّ الموجب لحرمة الثمن حرمة عين الشيء، بحيث يدلّ على تحريم جميع منافعه أو المنافع المقصودة الغالبة، و منفعة الروث ليست هي الأكل المحرّم فهو كالطين المحرّم، كما عرفت سابقاً.

____________

(1) الخلاف 3: 185، كتاب البيوع، المسألة 310.

(2) لم نقف عليه في كتب السيّد، لكن حكاه عنه العلّامة في المنتهي 2: 1008.

(3) المقنعة: 587.

(4) المراسم: 170.

(5) الأعراف: 157.

(6) عوالي اللآلي 2: 110، الحديث 301.

(7) دعائم الإسلام 2: 18، الحديث 23.

27

[المسألة] الثالثة يحرم المعاوضة على الدم بلا خلاف،

بل عن النهاية و شرح الإرشاد لفخر الدين و التنقيح: الإجماع عليه (1)، و يدلّ عليه الأخبار السابقة (2).

«فرع» و أمّا الدم الطاهر إذا فرضت له منفعة محلّلة كالصبغ لو قلنا بجوازه

ففي جواز بيعه وجهان، أقواهما الجواز؛ لأنّها عين طاهرة ينتفع بها منفعة محلّلة.

و أمّا مرفوعة الواسطي (3) المتضمّنة لمرور أمير المؤمنين (عليه السلام)

____________

(1) نهاية الإحكام 2: 463، التنقيح 2: 5، و أمّا شرح الإرشاد فلا يوجد لدينا.

(2) مثل قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «إنّ اللّه إذا حرّم شيئاً حرّم ثمنه» المتقدّم آنفاً، و ما تقدّم من رواية تحف العقول و دعائم الإسلام في أوّل الكتاب.

(3) الوسائل 16: 359، الباب 31 من أبواب ما يحرم من الذبيحة، الحديث 2.

28

بالقصّابين و نهيهم عن بيع سبعة: بيع الدم، و الغدد، و آذان الفؤاد، و الطحال .. إلى آخرها، فالظاهر إرادة حرمة البيع للأكل، و لا شكّ في تحريمه؛ لما سيجيء من أنّ قصد المنفعة المحرّمة في المبيع موجب لحرمة البيع، بل بطلانه.

و صرّح في التذكرة بعدم جواز بيع الدم الطاهر؛ لاستخباثه (1)، و لعلّه لعدم المنفعة الظاهرة فيه غير الأكل المحرّم.

____________

(1) التذكرة 1: 464.

29

[المسألة] الرابعة لا إشكال في حرمة بيع المني؛ لنجاسته،

و عدم الانتفاع به إذا وقع في خارج الرحم، و لو وقع فيه فكذلك لا ينتفع به المشتري؛ لأنّ الولد نماء الأُمّ في الحيوانات عرفاً، و للأب في الإنسان شرعاً.

لكنّ الظاهر أنّ حكمهم بتبعيّة (1) الامّ متفرّع على عدم تملّك المني، و إلّا لكان بمنزلة البذر المملوك يتبعه الزرع.

فالمتعيّن التعليل بالنجاسة، لكن قد منع بعض (2) من نجاسته إذا دخل من (3) الباطن إلى الباطن.

و قد ذكر العلّامة من المحرّمات بيع «عسيب الفحل» (4)، و هو ماؤه قبل الاستقرار في الرحم، كما أنّ الملاقيح هو ماؤه بعد الاستقرار،

____________

(1) ظاهر «ف»: بتبعيته.

(2) لم نقف عليه.

(3) في «ع»، «ص»: عن.

(4) التحرير 1: 160.

30

كما في جامع المقاصد (1) و عن غيره (2).

و علّل في الغنية بطلان بيع ما في أصلاب الفحول بالجهالة و عدم القدرة على التسليم (3).

____________

(1) حكاه في جامع المقاصد 4: 53، عن الفائق.

(2) و نقله السيد العاملي في مفتاح الكرامة 4: 144 عن جامع المقاصد و حواشي الشهيد (قدّس سرّه).

(3) الغنية (الجوامع الفقهيّة): 524.

31

[المسألة] الخامسة تحرم المعاوضة على الميتة و أجزائها التي تحلّها الحياة من ذي النفس السائلة

على المعروف من مذهب الأصحاب.

و في التذكرة كما عن المنتهي و التنقيح-: الإجماع عليه (1)، و عن رهن الخلاف: الإجماع على عدم ملكيتها (2).

و يدلّ عليه مضافاً إلى ما تقدم من الأخبار (3) ما دلّ على أنّ الميتة لا ينتفع بها (4) منضماً إلى اشتراط وجود المنفعة المباحة في المبيع لئلّا يدخل في عموم النهي عن أكل المال بالباطل، و خصوص عدّ ثمن

____________

(1) التذكرة 1: 464، المنتهي 2: 1009، التنقيح 2: 5.

(2) الخلاف 3: 240، كتاب الرهن، المسألة 34.

(3) مثل روايتي تحف العقول و دعائم الإسلام، المتقدّمتين في أوّل الكتاب، و قوله (عليه السلام): «إنّ اللّه إذا حرّم شيئاً حرّم ثمنه» المتقدّم عن عوالي اللآلي آنفاً.

(4) الوسائل 16: 368، الباب 34 من أبواب الأطعمة المحرّمة.

32

الميتة من السحت في رواية السكوني (1).

نعم، قد ورد بعض ما يظهر منه الجواز، مثل رواية الصيقل، قال: «كتبوا إلى الرجل: جعلنا اللّه فداك، إنّا نعمل السيوف، و ليست لنا معيشة و لا تجارة غيرها، و نحن مضطرّون إليها، و إنّما غلافها (2) من جلود الميتة من البغال و الحمير الأهلية، لا يجوز في أعمالنا غيرها، فيحلّ لنا عملها و شراؤها و بيعها و مسّها بأيدينا و ثيابنا، و نحن نصلّي في ثيابنا؟ و نحن محتاجون إلى جوابك في المسألة يا سيّدنا لضرورتنا إليها، فكتب (عليه السلام): اجعلوا ثوباً للصلاة ..» (3).

و نحوها رواية أُخرى بهذا المضمون (4).

و لذا قال في الكفاية و الحدائق: إنّ الحكم لا يخلو عن إشكال (5).

و يمكن أن يقال: إنّ مورد السؤال عمل السيوف و بيعها و شراؤها، لا خصوص الغلاف مستقلا، و لا في ضمن السيف على أن يكون جزء من الثمن في مقابل عين الجلد، فغاية ما يدلّ عليه جواز الانتفاع بجلد الميتة بجعله غمداً للسيف، و هو لا ينافي عدم جواز معاوضته بالمال؛ و لذا جوّز جماعة، منهم الفاضلان في النافع و الإرشاد على ما حكي

____________

(1) الوسائل 12: 62، الباب 5 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 5.

(2) في التهذيب و الوسائل: علاجنا.

(3) الوسائل 12: 125، الباب 38 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 4، مع تفاوتٍ يسير.

(4) نفس المصدر: الحديث 3.

(5) كفاية الأحكام: 84، الحدائق 18: 73.

33

عنهما الاستقاء بجلد الميتة لغير الصلاة و الشرب مع عدم قولهم بجواز بيعه (1).

مع أنّ الجواب لا ظهور فيه في الجواز، إلّا من حيث التقرير الغير الظاهر في الرضى، خصوصاً في المكاتبات المحتملة للتقيّة.

هذا، و لكنّ الإنصاف: أنّه إذا قلنا بجواز الانتفاع بجلد الميتة منفعة مقصودة كالاستقاء بها للبساتين و الزرع إذا فرض عدّه مالًا عرفاً فمجرّد النجاسة لا يصلح (2) علّة لمنع البيع، لولا الإجماع على حرمة بيع الميتة بقول مطلق (3)؛ لأنّ المانع حرمة الانتفاع في المنافع المقصودة، لا مجرّد النجاسة.

و إن قلنا: إنّ مقتضى الأدلّة حرمة الانتفاع بكلّ نجس، فإنّ هذا كلام آخر سيجيء بما فيه (4) بعد ذكر حكم النجاسات.

لكنّا نقول: إذا قام الدليل الخاص على جواز الانتفاع منفعة مقصودة بشيء من النجاسات فلا مانع من صحة بيعه؛ لأنّ ما دلّ على المنع عن بيع النجس من النصّ و الإجماع ظاهر في كون المانع حرمة الانتفاع؛ فإنّ رواية تحف العقول المتقدمة (5) قد عُلِّل فيها المنع عن بيع

____________

(1) المختصر النافع: 254، الإرشاد 2: 113.

(2) كذا في «ص»، و في غيره: لا تصلح.

(3) ادّعاه العلّامة في التذكرة 1: 464، و المنتهى 2: 1009، و الفاضل المقداد في التنقيح 2: 5.

(4) في «ع»، «ص»، «ش»: ما فيه.

(5) تقدّمت في أوّل الكتاب.

34

شيء من وجوه النجس بكونه منهيّاً عن أكله و شربه .. إلى آخر ما ذكر فيها.

و مقتضى رواية دعائم الإسلام المتقدّمة أيضاً (1) إناطة جواز البيع و عدمه بجواز الانتفاع و عدمه.

و أدخل ابن زهرة في الغنية النجاسات في ما لا يجوز بيعه من جهة عدم حِلِّ الانتفاع بها، و استدلّ أيضاً على جواز بيع الزيت النجس: بأنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أذِنَ في الاستصباح به تحت السماء (2)، قال: و هذا يدلُّ على جواز بيعه لذلك (3)، انتهى.

فقد ظهر من أوّل كلامه و آخره أنّ المانع من البيع منحصر في حرمة الانتفاع، و أنّه يجوز مع عدمها.

و مثل ما ذكرناه عن الغنية من الاستدلال، كلام الشيخ في الخلاف في باب البيع حيث ذكر النبوي الدالّ على إذن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في الاستصباح، ثم قال: و هذا يدلّ على جواز بيعه (4)، انتهى.

و عن فخر الدين في شرح الإرشاد (5)-، و الفاضل المقداد في

____________

(1) تقدّمت في أوّل الكتاب.

(2) نقله عن كتاب «الأوضاح» لأبي عليّ بن أبي هريرة، و في الخلاف عن «الإفصاح»، و الظاهر أنّ أحدهما محرّف عن الآخر.

(3) الغنية (الجوامع الفقهيّة): 524.

(4) الخلاف 3: 187، كتاب البيوع، المسألة 312.

(5) لا يوجد لدينا، لكن حكاه عنه السيد العاملي في مفتاح الكرامة 4: 13.

35

التنقيح (1) الاستدلال على المنع عن بيع النجس بأنّه محرّم الانتفاع، و كلّ ما كان كذلك لا يجوز بيعه.

نعم، ذكر في التذكرة شرط الانتفاع و حلّيته (2) بعد اشتراط الطهارة، و استدلّ للطهارة بما دلّ على وجوب الاجتناب عن النجاسات و حرمة الميتة (3).

و الإنصاف، إمكان إرجاعه إلى ما ذكرنا (4)، فتأمّل.

و يؤيّده (5) أنّهم أطبقوا على بيع العبد الكافر و كلب الصيد؛ و علّله في التذكرة بحلّ الانتفاع به، و ردّ من منع (6) عن بيعه لنجاسته بأنّ النجاسة غير مانعة، و تعدّى إلى كلب الحائط و الماشية و الزرع؛ لأنّ المقتضي و هو النفع موجود فيها (7).

و ممّا ذكرنا من قوّة جواز بيع جلد الميتة لولا الإجماع إذا جوّزنا الانتفاع به في الاستقاء، يظهر حكم جواز المعاوضة على لبن اليهودية المرضعة، بأن يجعل تمام الأُجرة أو بعضها في مقابل اللبن، فإنّ نجاسته لا تمنع عن جواز المعاوضة عليه.

____________

(1) التنقيح 2: 5.

(2) التذكرة 1: 465.

(3) التذكرة 1: 464.

(4) في «ف»: ما ذكره الجماعة.

(5) في «ف»: و يؤيد الإرجاع.

(6) و هم جماعة من العامّة كالشافعي و أحمد و الأوزاعي و غيرهم و بعض منّا، على ما في التذكرة.

(7) التذكرة 1: 464.

36

«فرعان»

الأوّل: أنّه كما لا يجوز بيع الميتة منفردة، كذلك لا يجوز بيعها منضمّة إلى مذكّى.

و لو باعهما (1)، فإن كان المذكّى ممتازاً صحّ البيع فيه و بطل في الميتة، كما سيجيء في محلّه، و إن كان مشتبهاً بالميتة لم يجز بيعه أيضاً؛ لأنّه لا ينتفع به منفعة محلّلة؛ بناءً على وجوب الاجتناب عن كلا المشتبهين، فهو في حكم الميتة من حيث الانتفاع، فأكل المال بإزائه أكل للمال (2) بالباطل، كما أنّ أكل كلٍّ من المشتبهين في حكم أكل الميتة.

و من هنا يعلم أنّه لا فرق في المشتري بين الكافر المستحلّ للميتة و غيره.

لكن في صحيحة الحلبي و حسنته: «إذا اختلط المذكّى بالميتة بيع ممّن يستحلّ الميتة» (3)، و حكي نحوهما عن كتاب عليّ بن جعفر (4).

____________

(1) كذا في «ف»، و في سائر النسخ: باعها.

(2) كذا في «ف»، و في سائر النسخ: أكل المال.

(3) الوسائل 12: 67، الباب 7 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1 و 2، مع اختلاف في اللفظ.

(4) مسائل عليّ بن جعفر: 109، الحديث 20.

37

و استوجه العمل بهذه الأخبار في الكفاية (1)، و هو مشكل، مع أنّ المرويّ عن أمير المؤمنين (عليه السلام): أنّه يرمى بها (2).

و جوّز بعضهم البيع بقصد بيع المذكّى (3).

و فيه: أنّ القصد لا ينفع بعد فرض عدم جواز الانتفاع بالمذكّى لأجل الاشتباه.

نعم، لو قلنا بعدم وجوب الاجتناب في الشبهة المحصورة و جواز ارتكاب أحدهما، جاز البيع بالقصد المذكور.

لكن لا ينبغي القول به في المقام؛ لأنّ الأصل في كلّ واحد من المشتبهين عدم التذكية، غاية الأمر العلم الإجمالي بتذكية أحدهما، و هو غير قادح في العمل بالأصلين.

و إنّما يصحّ القول بجواز ارتكاب أحدهما في المشتبهين إذا كان الأصل في كلٍّ منهما الحِلُّ و علم إجمالًا بوجود الحرام، فقد يقال هنا بجواز ارتكاب أحدهما اتّكالًا على أصالة الحِلّ، و عدم جواز ارتكاب الآخر بعد ذلك حذراً عن ارتكاب الحرام الواقعي، و إن كان هذا الكلام مخدوشاً في هذا المقام أيضاً، لكنّ القول به ممكن هنا، بخلاف ما نحن فيه؛ لما ذكرنا، فافهم.

____________

(1) كفاية الأحكام: 85.

(2) في «ش»: بهما، و ما أثبتناه مطابق لسائر النسخ، و لما ورد في الحديث، راجع: مستدرك الوسائل 13: 73، الباب 7 من أبواب ما يكتسب به، الحديث الأوّل.

(3) المحقّق في الشرائع 3: 223، و العلّامة في الإرشاد 2: 113.

38

و عن العلّامة حمل الخبرين على جواز استنقاذ مال المستحلّ للميتة بذلك برضاه (1).

و فيه: أنّ المستحلّ قد يكون ممّن لا يجوز الاستنقاذ منه إلّا بالأسباب الشرعيّة، كالذمّي.

و يمكن حملهما على صورة قصد البائع المسلم أجزاءها التي لا تحلّها الحياة: من الصوف و الشعر و العظم (2) و نحوها، و تخصيص المشتري بالمستحلّ؛ لأنّ الداعي له على الاشتراء اللحم أيضاً، و لا يوجب ذلك فساد البيع ما لم يقع العقد عليه.

و في مستطرفات السرائر، عن جامع البزنطي صاحب الرضا (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يكون له الغنم يقطع من ألياتها و هي أحياء، أ يصلح أن ينتفع بها (3)؟ قال: نعم، يذيبها و يسرج بها، و لا يأكلها و لا يبيعها» (4).

و استوجه في الكفاية العمل بها (5) تبعاً لما حكاه الشهيد عن العلّامة

____________

(1) المختلف: 683.

(2) كذا في «ف»، و في سائر النسخ: من الصوف و العظم و الشعر.

(3) في المصدر بدل «بها»: بما قطع.

(4) السرائر 3: 573.

(5) ظاهر العبارة: أنّ السبزواري استوجه العمل برواية البزنطي، لكن الموجود في كفاية الأحكام بعد الحكم باستثناء الأدهان؛ مستدلا بصحيحة الحلبي و صحيحة زرارة و صحيحة سعيد الأعرج و غيرها، و أنّ ذكر الإسراج و الاستصباح في الروايات غير دالّ على الحصر ما يلي: «و القول بالجواز مطلقاً متّجه»، انظر كفاية الأحكام: 85.

39

في بعض أقواله (1).

و الرواية شاذّة، ذكر الحلّي بعد إيرادها أنّها من نوادر الأخبار، و الإجماع منعقد على تحريم الميتة و التصرّف فيها على كلّ حال إلّا أكلها للمضطرّ (2).

أقول: مع أنّها معارضة بما دلّ على المنع من موردها، معلّلًا بقوله (عليه السلام): «أما علمت أنّه يصيب الثوب و اليد و هو حرام؟» (3) و مع الإغماض عن المرجّحات، يرجع إلى عموم ما دلّ على المنع عن الانتفاع بالميتة مطلقاً، مع أنّ الصحيحة صريحة في المنع عن البيع، إلّا أن تحمل على إرادة البيع من غير الإعلام بالنجاسة.

____________

(1) حكى السيد العاملي في مفتاح الكرامة (4: 19) عن حواشي الشهيد على القواعد أنّه نُقل عن العلّامة في حلقة الدرس أنّه جوّز الاستصباح بأليات الغنم المقطوعة، تحت السماء.

(2) السرائر 3: 574.

(3) الوسائل 16: 364، الباب 32 من أبواب الأطعمة المحرّمة، الحديث الأوّل، و فيه: أما تعلم.

40

الثاني: أنّ الميتة من غير ذي النفس السائلة يجوز المعاوضة عليها

إذا كانت ممّا ينتفع بها أو ببعض أجزائها كدهن السمك الميتة للإسراج و التدهين لوجود المقتضي و عدم المانع؛ لأنّ أدلّة عدم الانتفاع بالميتة مختصّة بالنجسة، و صرّح بما ذكرنا جماعة (1)، و الظاهر أنّه ممّا لا خلاف فيه.

____________

(1) منهم: المحدّث البحراني في الحدائق 18: 77، و السيّد العاملي في مفتاح الكرامة 4: 19، و صاحب الجواهر في الجواهر 22: 17.

41

[المسألة] السادسة يحرم التكسّب بالكلب الهراش و الخنزير البرّيّين

إجماعاً على الظاهر المصرّح به في المحكيّ عن جماعة (1) و كذلك أجزاؤهما.

نعم، لو قلنا بجواز استعمال شعر الخنزير و جلده جاء فيه ما تقدّم في جلد الميتة.

____________

(1) منهم: الشيخ في المبسوط 2: 165 166. و ابن زهرة في الغنية (الجوامع الفقهيّة): 524. و العلّامة في المنتهي 2: 1009 و غيره، و الشهيدان في الدروس: 3: 168، و المسالك 3: 135 في مورد الكلب خاصّة.

42

[المسألة] السابعة يحرم التكسّب بالخمر و كلّ مسكر مائع و الفقّاع

إجماعاً، نصّاً و فتوى.

و في بعض الأخبار: «يكون لي على الرجل دراهم فيعطيني خمراً؟ قال: خذها و أفسدها، قال ابن أبي عمير: يعني اجعلها خَلّا (1)» (2).

و المراد به إمّا أخذ الخمر مجّاناً ثمّ تخليلها، أو أخذها و تخليلها لصاحبها، ثمّ أخذ الخلّ وفاءً عن الدراهم.

____________

(1) كذا في النسخ، و في الوسائل: «قال عليّ: و اجعلها خَلّا» و المراد به: عليّ ابن حديد، الواقع في سند الرواية.

(2) الوسائل 17: 297، الباب 31 من أبواب الأشربة المحرّمة، الحديث 6.

43

[المسألة] الثامنة يحرم المعاوضة على الأعيان المتنجّسة الغير القابلة للطهارة إذا توقّف منافعها المحلّلة المعتدّ بها على الطهارة؛

لما تقدّم من النبويّ: «إنّ اللّه إذا حرّم شيئاً حرّم ثمنه» (1) و نحوه المتقدّم عن دعائم الإسلام (2).

و أمّا التمسّك بعموم قوله (عليه السلام) في رواية تحف العقول: «أو شيء من وجوه النجس» ففيه نظر؛ لأنّ الظاهر من «وجوه النجس» العنوانات النجسة؛ لأنّ ظاهر «الوجه» هو العنوان.

نعم، يمكن الاستدلال على ذلك بالتعليل المذكور بعد ذلك و هو قوله (عليه السلام): «لأنّ ذلك كلّه محرّم أكله (3) و شربه و لبسه .. إلى آخر ما ذكر».

ثم اعلم أنّه قيل بعدم جواز بيع المُسوخ من أجل نجاستها (4)،

____________

(1) عوالي اللآلي 2: 110، الحديث 301، سنن الدارقطني 3: 7، الحديث 20.

(2) دعائم الإسلام 2: 18، الحديث 23، و قد تقدّم مع سابقه في الصفحة: 13.

(3) في المصدر: منهيّ عن أكله.

(4) راجع المبسوط 2: 165 166 حيث جعل المسوخ من الأعيان النجسة و ادّعى الإجماع على عدم جواز بيعها.

44

و لمّا كان الأقوى طهارتها لم يحتج إلى التكلّم في جواز بيعها هنا.

نعم، لو قيل بحرمة البيع لا من حيث النجاسة كان محلّ التعرّض له ما سيجيء من أنّ كلّ طاهر له منفعة محلّلة مقصودة يجوز بيعه.

و سيجيء ذلك في ذيل القسم الثاني (1) ممّا لا يجوز الاكتساب به لأجل عدم المنفعة فيه.

____________

(1) كذا في النسخ، و الصحيح: القسم الثالث.

45

[المستثنيات من حرمة بيع الأعيان النجسة] (1)

____________

(1) العنوان زيادة منّا.

46

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

47

و أمّا المستثنى من الأعيان المتقدّمة فهي أربعة

تذكر في مسائل أربع:

الأُولى يجوز بيع المملوك الكافر، أصليّاً كان أم مرتدّاً مِلّيّاً،

بلا خلافٍ ظاهر، بل ادّعي عليه الإجماع (1)، و ليس ببعيد، كما يظهر للمتتبّع في المواضع المناسبة لهذه المسألة، كاسترقاق الكفّار و شراء بعضهم من بعض، و بيع العبد الكافر إذا أسلم على مولاه الكافر، و عتق الكافرة، و بيع المرتد، و ظهور كفر العبد المشترى على ظاهر الإسلام، و غير ذلك.

و كذا الفطري على الأقوى، بل الظاهر أنّه لا خلاف فيه من هذه الجهة، و إن كان فيه كلام من حيث كونه في معرض التلف؛ لوجوب قتله.

____________

(1) الجواهر 22: 23.

48

و لم نجد من تأمّل فيه من جهة نجاسته، عدا ما يظهر من بعض الأساطين في شرحه على القواعد حيث احترز بقول العلّامة: «ما لا يقبل التطهير من النجاسات»، عمّا يقبله و لو بالإسلام، كالمرتدّ و لو عن فطرة على أصحّ القولين (1)، فبنى جواز بيع المرتدّ على قبول توبته، بل بنى جواز بيع مطلق الكافر على قبوله للطهر بالإسلام.

و أنت خبير بأنّ حكم الأصحاب بجواز بيع الكافر نظير حكمهم بجواز بيع الكلب لا من حيث قابليته للتطهير نظير الماء المتنجّس و أنّ اشتراطهم قبول التطهير إنّما هو فيما يتوقّف الانتفاع به على طهارته ليتصف بالملكية، لا مثل الكلب و الكافر المملوكين مع النجاسة إجماعاً.

و بالغ تلميذه في مفتاح الكرامة، فقال: أمّا المرتدّ عن فطرة فالقول بجواز بيعه ضعيف جدّاً؛ لعدم قبول توبته فلا يقبل التطهير، ثمّ ذكر جماعة ممّن جوّز بيعه إلى أن قال-: و لعلّ من جوّز بيعه بنى على قبول توبته (2)، انتهى. و تبعه على ذلك شيخنا المعاصر (3).

أقول: لا إشكال و لا خلاف في كون المملوك المرتدّ عن فطرة مِلكاً و مالًا لمالكه، و يجوز له الانتفاع به بالاستخدام (4) ما لم يقتل، و إنّما استشكل من استشكل في جواز بيعه من حيث كونه في معرض

____________

(1) شرح القواعد (مخطوط): الورقة 4.

(2) مفتاح الكرامة 4: 12.

(3) أي صاحب الجواهر (قدّس سرّه)، انظر الجواهر 22: 8.

(4) كذا في «ش»، و في «ف»: الانتفاع و الاستخدام، و في سائر النسخ: الانتفاع به و الاستخدام.

49

القتل، بل واجب الإتلاف شرعاً، فكأنّ الإجماع منعقد على عدم المنع من بيعه من جهة عدم قابليّة طهارته بالتوبة.

قال في الشرائع: و يصحّ رهن المرتدّ و إن كان عن فطرة (1).

و استشكل في المسالك من جهة وجوب إتلافه و كونه في معرض التلف، ثمّ اختار الجواز؛ لبقاء ماليّته إلى زمان القتل (2).

و قال في القواعد: و يصحّ رهن المرتدّ و إن كان عن فطرة، على إشكال (3).

و ذكر في جامع المقاصد: أنّ منشأ الإشكال أنّه يجوز بيعه فيجوز رهنه بطريق أولى، و من أنّ مقصود البيع حاصل، و أمّا مقصود الرهن فقد لا يحصل؛ لقتل (4) الفطري حتماً، و الآخر قد لا يتوب (5)، ثمّ اختار الجواز.

و قال في التذكرة: المرتدّ إن كان عن فطرة ففي جواز بيعه نظر، ينشأ من تضادّ الحكمين، و من بقاء الملك؛ فإنّ كسبه لمولاه، أمّا عن غير فطرة فالوجه صحّة بيعه؛ لعدم تحتّم قتله (6) ثمّ ذكر المحارب الذي لا تقبل توبته؛ لوقوعها بعد القدرة عليه.

____________

(1) الشرائع 2: 77.

(2) المسالك 4: 25.

(3) القواعد 1: 159.

(4) كذا في «ن» و المصدر، و في سائر النسخ: بقتل.

(5) جامع المقاصد 5: 57.

(6) التذكرة 1: 466.

50

و استدلّ على جواز بيعه بما يظهر منه جواز بيع المرتدّ عن فطرة، و جعله نظير المريض المأيوس عن بُرئه.

نعم، منع في التحرير و الدروس عن بيع المرتدّ عن فطرة، و المحارب إذا وجب قتله (1)؛ للوجه المتقدّم عن (2) التذكرة، بل في الدروس: أنّ بيع المرتدّ عن ملّة أيضاً مراعى بالتوبة (3).

و كيف كان، فالمتتبّع يقطع بأنّ اشتراط قابلية الطهارة إنّما هو في ما يتوقّف الانتفاع المعتدّ به على طهارته؛ و لذا قسّم في المبسوط المبيع إلى آدمي و غيره، ثمّ اشترط الطهارة في غير الآدمي، ثمّ استثنى الكلب الصيود (4).

____________

(1) التحرير 1: 165، الدروس 3: 200.

(2) كذا في «ف» و «ش»، و في سائر النسخ: و عن.

(3) انظر التخريج السابق.

(4) المبسوط 2: 165 166.

51

[المسألة] الثانية يجوز المعاوضة على غير كلب الهراش في الجملة

بلا خلافٍ ظاهر، إلّا ما عن ظاهر إطلاق العماني (1)؛ و لعلّه كإطلاق كثيرٍ من الأخبار: بأنّ «ثمن الكلب سحتٌ» (2) محمول على الهراش؛ لتواتر الأخبار (3) و استفاضة نقل الإجماع (4) على جواز بيع ما عدا كلب الهراش في الجملة.

ثمّ إنّ ما عدا كلب الهراش على أقسام:

أحدها- كلب الصيد السلوقي، و هو المتيقّن من (5) الأخبار (6) و معاقد

____________

(1) قال السيد العاملي في مفتاح الكرامة (4: 28): و لا مخالف سوى الحسن العماني، على ما حكي.

(2) الوسائل 12: 62، الباب 5 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 5 و 9، و الصفحة: 83، الباب 14 من نفس الأبواب، الحديث 2 و 8.

(3) الوسائل 12: 63، الباب 5 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 7 و 8، و الصفحة: 83، الباب 14 من نفس الأبواب، الأحاديث 1 و 3 و 5 و 6 و 7.

(4) سيأتي نقله عن الخلاف و المنتهى و إيضاح الفوائد و غيرها.

(5) في «ن»، «م»، «ع»، «ص»: عن.

(6) المشار إليها في الهامش (3).

52

الإجماعات الدالّة على الجواز.

الثاني كلب الصيد غير السلوقي، و بيعه جائز على المعروف من غير ظاهر إطلاق المقنعة و النهاية (1).

و يدلّ عليه قبل الإجماع المحكيّ عن الخلاف و المنتهى و الإيضاح (2) و غيرها (3) الأخبار المستفيضة:

منها: قوله (عليه السلام) في رواية القاسم بن الوليد، قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن ثمن الكلب الذي لا يصيد، قال: سحت، و أمّا الصيود فلا بأس به» (4).

و منها: الصحيح عن ابن فضّال عن أبي جميلة، عن ليث، قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الكلب الصيود يباع؟ قال (عليه السلام): نعم، و يؤكل ثمنه» (5).

و منها: رواية أبي بصير، قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن ثمن كلب الصيد، قال: لا بأس به، و أمّا الآخر فلا يحلّ ثمنه» (6).

____________

(1) المقنعة: 589، النهاية: 364.

(2) الخلاف 3: 182، كتاب البيوع، المسألة 302، المنتهي 2: 1009، إيضاح الفوائد 1: 402.

(3) مثل الغنية (الجوامع الفقهية): 524، و الدروس 3: 168.

(4) الوسائل 12: 83، الباب 14 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1 و 7.

(5) التهذيب 9: 80، الحديث 343، و لم نقف عليه في الوسائل.

(6) الوسائل 12: 83، الباب 14 من أبواب ما يكتسب به، الحديث 5، مع اختلاف يسير.