مختلف الشيعة في أحكام الشريعة - ج4

- العلامة الحلي المزيد...
464 /
3

كتاب الحجّ

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

كتاب الحجّ و فيه مقاصد:

الأوّل في أنواعه و شرائطه

و فيه فصلان:

الأوّل في الشرائط

مسألة: ذهب الشيخان (1) الى أنّ الرجوع الى كفاية شرط في وجوب الحج

، و رواه أبو جعفر ابن بابويه في كتاب من لا يحضره الفقيه (2)، و به قال أبو الصلاح (3)، و ابن البراج (4)، و ابن حمزة (5).

و قال السيد المرتضى في المسائل الناصرية: الاستطاعة هي الزاد و الراحلة و صحة الجسم و ارتفاع الموانع، قال: و زاد كثير من أصحابنا أن يكون له نفقة يحج ببعضها و يبقي بعضها لقوت عياله (6). و لم يجعل الرجوع الى كفاية شرطا في

____________

(1) المقنعة: ص 384، المبسوط: ج 1 ص 296.

(2) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 418 ح 2858، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب وجوب الحج ح 1 و 2 ج 8 ص 24.

(3) الكافي في الفقه: ص 192.

(4) شرح جمل العلم و العمل: ص 205.

(5) الوسيلة: ص 155.

(6) الناصريات (الجوامع الفقهية): ص 243 المسألة 136.

6

كتاب جمل العلم و العمل، و كذا ابن أبي عقيل، و ابن الجنيد، و هو اختيار ابن إدريس (1). و نقل عن الشيخ الرجوع عمّا ذهب إليه في كتاب الاستبصار و الخلاف، قال: فإنّه روى في أوّل باب الاستطاعة ما اخترناه، و عادة الشيخ في هذا الكتاب أن يصدّر الباب بما يعتقده و أخّر حديث أبي الربيع الشامي (2).

و هذا من الغرائب، فإنّ الشيخ صدّر الباب (3) بحديث أبي الربيع الشامي الذي هو عمدته على ما ذهب إليه في نهايته (4) و غيرها من كتبه (5). و أمّا نقله عن الشيخ أنّه رجع عمّا أفتى به في الخلاف فغلط، فانّ الشيخ قال في الخلاف، في ثاني مسألة من كتاب الحج: من شرط وجوب الحج الرجوع الى كفاية زائدة على الزاد و الراحلة، ثمَّ استدلّ عليه بإجماع الفرقة (6).

ثمَّ نقل ابن إدريس انّ هذا المذهب لم يذهب إليه أحد من أصحابنا سوى الشيخ في النهاية و الجمل (7)، و هذا يدلّ على عدم تطلّعه لأقوال الفقهاء، مع أنّ الشيخ نقل الإجماع عليه، و هو أعرف منه.

و السيد المرتضى نقل أنّ كثيرا من أصحابنا ذهبوا إليه. و الأقرب عندي ما اختاره السيد المرتضى.

لنا: عموم قوله تعالى «مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا» (8) و هذا مستطيع.

____________

(1) السرائر: ج 1 ص 507- 508.

(2) السرائر: ج 1 ص 410 و 411.

(3) الاستبصار: ج 2 ص 139 ح 453، تهذيب الأحكام: ج 5 ص 2 ح 1.

(4) النهاية و نكتها: ج 1 ص 457.

(5) الجمل و العقود: ص 127.

(6) الخلاف: ج 2 ص 245 المسألة 2.

(7) راجع السرائر: ج 2 ص 509- 510.

(8) آل عمران: 97.

7

و ما رواه محمد بن يحيى الخثعمي في الصحيح قال: سأل حفص الكناسي أبا عبد اللّه(عليه السلام) و أنا عنده عن قول اللّه عز و جلّ «وَ لِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا» ما يعني بذلك؟ قال: من كان صحيحا في بدنه مخلّى سربه له زاد و راحلة فهو ممن يستطيع الحج، [فقال له حفص الكناسي:

فإذا كان صحيحا في بدنه مخلّى سربه و له زاد و راحلة فلم يحج فهو ممّن يستطيع الحج؟ (1) قال: نعم (2).

و في الحسن عن الحلبي، عن الصادق(عليه السلام) في قول اللّه عز و جل:

«وَ لِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا»، قال: ان يكون له ما يحج به، قال: قلت: من عرض عليه ما يحج به فاستحيا من ذلك أ هو ممّن يستطيع إليه سبيلا؟ قال: نعم ما شأنه يستحي و لو يحجّ على حمار أبتر، فإن كان يطيق أن يمشي بعضا و يركب بعضا فليحج (3).

و مثله رواه محمد بن مسلم في الصحيح، عن الباقر- (عليه السلام) (4).

احتج الشيخ بأصالة البراءة و بالإجماع.

و بما رواه أبو الربيع الشامي قال: سئل أبو عبد اللّه(عليه السلام) عن قول اللّه عز و جل «وَ لِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا» فقال:

ما يقول الناس؟ قال: قلت له: الزاد و الراحلة، قال: فقال أبو عبد اللّه(عليه السلام): قد سئل أبو جعفر(عليه السلام) عمّا عن هذا، فقال: هلك الناس إذن، لأن كان كلّ من كان له زاد و راحلة قدر ما يقوت به عياله، و يستغني به عن الناس ينطلق إليه فيسلبهم إياه لقد هلكوا إذن، فقيل له: فما السبيل؟

____________

(1) ما بين المعقوفتين غير موجودة في جميع النسخ و أثبتناه من المصدر لاقتضاء السياق.

(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 3 ح 2، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب وجوب الحج ح 4 ج 8 ص 22.

(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 3 ح 3، وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب وجوب الحج ح 5 ج 8 ص 27.

(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 3 ح 4، وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب وجوب الحج ح 1 ج 8 ص 26.

8

قال: فقال: السعة في المال إذا كان يحج ببعض و يبقي بعض لقوت عياله، أ ليس قد فرض اللّه الزكاة فلم يجعلها إلّا على من ملك مائتي درهم (1).

و الجواب عن الأوّل: المعارضة بالاحتياط.

و لأنّ الأصل انّما يصار إليه إذا لم يقم دليل على مخالفته، و قد بيّنا الدليل على خلافه.

و أمّا الإجماع فممنوع، فإنّ جماعة من أصحابنا خالفوا ذلك.

و أمّا الحديث فلم يعرف صحة سنده، و ان كان مشهورا و مع ذلك فهو غير مخالف لما ذهبنا إليه، لأنّا نوجب بقاء النفقة لعياله مدة ذهابه و عوده.

و الامام(عليه السلام) إنّما أنكر إسقاط ذلك، و ليس في الحديث دلالة على الرجوع الى الكفاية.

نعم قد روى شيخنا المفيد(رحمه اللّه) في المقنعة هذا الحديث بزيادة مرجّحة لما ذهبنا إليه، و هو قد قيل لأبي جعفر(عليه السلام) ذلك، فقال:

هلك الناس إذا كان من له زاد و راحلة لا يملك غيرهما، و مقدار ذلك ممّا يقوت به عياله، و يستغني به عن الناس فقد وجب عليه أن يحج، ثمَّ يرجع فيسأل الناس بكفّه لقد هلك إذن، فقيل له: فما السبيل عندك؟ قال: السعة في المال، و هو أن يكون معه ما يحج ببعضه و يبقي البعض يقوت به نفسه و عياله (2).

فقوله(عليه السلام): «ثمَّ يرجع فيسأل الناس بكفّه» فيه تنبيه على اشتراط الكفاية من مال أو صنعة، كما ذهب إليه الشيخان (3).

ثمَّ قوله: «و يبقي البعض يقوت به نفسه و عياله» يعني وقت رجوعه، و إلّا

____________

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ح 1 ص 2، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب وجوب الحج ح 1 و 2 ج 8 ص 24.

(2) المقنعة: ص 384- 385.

(3) المقنعة: ص 384، المبسوط: ج 1 ص 296.

9

فكيف يقوت نفسه بذلك البعض مع أنّه قد خرج الى الحج. و بعد هذا كلّه فالرواية غير ناهضة بالمطلوب، فالأولى اعتماد ما ذهب إليه السيد المرتضى، للأحاديث و عموم القرآن.

مسألة: قال الشيخ في النهاية: من لم يملك الاستطاعة و كان له ولد له مال

وجب عليه أن يأخذ من مال ولده قدر ما يحج به على الاقتصاد و يحج (1)، و به قال ابن البراج (2).

و قال في المبسوط (3) و الخلاف (4): روى أصحابنا انّه إذا كان له ولد له مال وجب أن يأخذ من ماله ما يحج به و يجب عليه إعطاؤه، و منع ابن إدريس (5) من ذلك، و كان والدي- (رحمه اللّه) (6)- يختار ما ذهب إليه ابن إدريس، و هو الحق.

لنا: انّ الاستطاعة شرط إجماعا، و هي مفسرة بملك الزاد و الراحلة، و ملك الولد ليس ملكا للوالد، فقد عدم شرط الوجوب فلم يثبت.

و لأنّ الأصل براءة الذمة.

احتج الشيخ بما رواه سعيد بن يسار في الصحيح، عن الصادق(عليه السلام) قال: قلت له: الرجل يحج من مال ابنه و هو صغير؟ قال: نعم يحج منه حجة الإسلام، قلت: و ينفق منه؟ قال: نعم، ثمَّ قال: انّ مال الولد للوالد، انّ رجلا اختصم هو و والده إلى النبي(صلّى اللّه عليه و آله) فقضى انّ الولد

____________

(1) النهاية و نكتها: ج 1 ص 458.

(2) المهذب: ج 1 ص 267.

(3) المبسوط: ج 1 ص 299.

(4) الخلاف: ج 2 ص 250 المسألة 8.

(5) السرائر: ج 1 ص 517.

(6) لم نعثر على كتابه.

10

و المال للوالد (1).

و الجواب: انّ الرواية محمولة على من له مال غير مال ولده، فإنّه يجوز له أن يقترض من مال ولده و يحج. أو على من وجب عليه الحج أوّلا و استقر في ذمته و فرّط فيه ثمَّ تمكّن من الاقتراض من مال الولد فإنّه يلزمه ذلك، و على كلا التقديرين يسقط الاحتجاج بالرواية.

مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا لم يكن له ولد و عرض عليه بعض اخوانه ما يحتاج إليه من مئونة الطريق

وجب عليه الحج أيضا، و من ليس معه مال و حج به بعض اخوانه فقد أجزأه ذلك عن حجة الإسلام و ان أيسر بعد ذلك (2).

و قال ابن إدريس: الذي عندي في ذلك انّ من يعرض عليه بعض اخوانه ما يحتاج إليه من مئونة الطريق فحسب لا يجب عليه الحج إذا كان له عائلة يجب عليه نفقتهم و لم يكن له ما يخلفه لهم، بل هذا يصح فيمن لا يجب عليه نفقة غيره بشرط أن يملكه ما يبذل له و يعرض عليه لا وعدا بالقول دون الفعل، و كذا أقول فيمن حج به بعض اخوانه بشرط أن يخلف لمن يجب عليه نفقته ان كان ممّن يجب عليه نفقته (3).

أمّا قوله: في اشتراط عدم العائلة، أو يكون له ما يخلفه لهم، أو يتبرّع به المتبرّع فصحيح لا حاجة الى ذكره، لأنّه معلوم ممّا سبق، مع أنّ الشيخ ذكر ذلك في المبسوط فإنّه قال: إذا بذل له الاستطاعة قدر ما يكفيه ذاهبا و جائيا و يخلف لمن يجب عليه نفقته لزمه فرض الحج (4).

____________

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 15 ح 44، وسائل الشيعة: ب 36 من أبواب وجوب الحج ح 1 ج 8 ص 63.

(2) النهاية و نكتها: ج 1 ص 458- 459.

(3) السرائر: ج 2 ص 517.

(4) المبسوط: ج 1 ص 298.

11

و أمّا اشتراط التمليك ففيه نظر، فانّ فتاوى أصحابنا خالية عنه، و كذا الروايات، بل لو وهب المال لم يجب عليه القبول.

مسألة: قال الشيخ في النهاية: فإن حصلت الاستطاعة و منعه من الخروج مانع

من سلطان أو عدوّ أو مرض و لم يتمكّن من الخروج بنفسه كان عليه أن يخرج رجلا يحج عنه، فاذا زالت عنه بعد ذلك الموانع كان عليه اعادة الحج، لأنّ الذي أخرجه انّما كان يجب عليه في ماله، و هذا يلزمه على بدنه و ماله، و ان لم يزل الموانع عنه و أدركه الموت كان ذلك مجزئا عنه، فان لم يخرج أحدا، عنه و الحال هذه أو يكون متمكّنا من الخروج فلا يخرج و أدركه الموت وجب أن يخرج عنه من صلب ماله، و ما بقي بعد ذلك يكون ميراثا (1)، و نحوه قال في الخلاف (2) و المبسوط (3)، و به قال أبو الصلاح (4)، و ابن البراج (5).

و قال ابن الجنيد (6): الاستطاعة للحج هي القوة في البدن و القدرة على النفقة، و متى وجد الإنسان أحدهما و منع الآخر لزمه، فإن أدّاه بأحدهما ثمَّ استجمعا له أعاد ليكون مؤدّيا بهما فريضة الحج عليه بهما.

و قال ابن أبي عقيل (7): و من كان كبيرا لا طاقة له بالركوب جهّز عن نفسه من يحج عنه، و منع ابن إدريس (8) من ذلك، و هو الأقرب.

لنا: الأصل براءة الذمة.

____________

(1) النهاية و نكتها: ج 1 ص 457.

(2) الخلاف: ج 1 ص 253 المسألة 16.

(3) المبسوط: ج 1 ص 303.

(4) الكافي في الفقه: ص 218.

(5) المهذب: ج 1 ص 267.

(6) لم نعثر على كتابه.

(7) لم نعثر على كتابه.

(8) السرائر: ج 1 ص 516.

12

و لأنّ الاستطاعة شرط و هي مفقودة هنا، فيسقط الوجوب قضية للشرط.

و لما رواه محمد بن يحيى الخثعمي في الصحيح قال: سأل حفص الكناسي أبا عبد اللّه(عليه السلام) و أنا عنده عن قول اللّه عز و جل «وَ لِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا» ما يعني بذلك؟ قال: من كان صحيحا في بدنه مخلّى سربه له زاد و راحلة فهو ممّن يستطيع الحج (1)، دلّ بمفهومه على انّ فاقد الصحة ليس بمستطيع.

احتج الشيخ بما رواه معاوية بن عمار في الصحيح، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: إنّ عليا(عليه السلام) رأي شيخا لم يحج قط و لم يطق الحج من كبره، فأمره أن يجهّز رجلا فيحج عنه (2).

و عن علي بن حمزة قال: سألته عن رجل مسلم حال بينه و بين الحج مرض أو أمر يعذره اللّه فيه، قال: عليه أن يحج عنه من ماله صرورة لا مال له (3).

و في الصحيح عن محمد بن مسلم، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال:

كان علي(عليه السلام) يقول: إنّ رجلا أراد الحج فعرض له مرض أو خالطه سقم فلم يستطع الخروج فليجهّز رجلا من ماله، ثمَّ ليبعثه مكانه (4).

و الجواب عن الرواية الأولى: أنّها حكاية حال لا عموم لها، فلعلّ الشيخ الذي رآه(عليه السلام) و أمره بالتجهيز كان قد وجب عليه الحج.

____________

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 3 ح 2، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب وجوب الحج ح 4 ج 8 ص 22.

(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 14 ح 38، وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب وجوب الحج ح 1 ج 8 ص 44.

(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 14 ح 39، وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب وجوب الحج ح 7 ج 8 ص 45.

(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 14 ح 40، وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب وجوب الحج ح 5 ج 8 ص 44.

13

سلّمنا، لكن لا نسلّم انّ أمره كان على الوجوب. و بالجملة فحكاية الحال قد عرفت انّها غير عامة.

و عن الحديث الثاني: بمنع صحة سنده، فانّ علي بن أبي حمزة واقفي، و لعنه ابن الغضائري (1) قال: و كان أشد الخلق عداوة للولي من بعد أبي إبراهيم(عليه السلام) و نسبه علي بن فضال (2) الى الكذب و التهمة، و لعنه أيضا. و مع هذه الأقاويل كيف يكون نقله حجة خصوصا و لم يسند قوله الى امام؟! و أيضا فانّ في الطريق إليه القاسم بن محمد، و هو اسم لجماعة منهم جماعة مطعون فيهم.

و أيضا فيحتمل الوجهين الذين ذكرناهما في الحديث الأوّل.

و عن الثالث بالوجهين المذكورين أوّلا.

مسألة: قال في المبسوط: إذا لم يجد المأكول بحال أو وجده بثمن يضرّ به

و هو أن يكون في الرخص بأكثر من ثمن مثله و في الغلاء مثل ذلك لم يجب عليه، و كذا حكم المشروب (3).

و هذا التفسير يشعر بأنّه إذا زاد الثمن عن ثمن المثل في المأكول و المشروب لا يجب شراؤهما. و الوجه وجوب ذلك مع القدرة.

لنا: انّه مستطيع فوجب عليه الحج.

احتج بأنّه قد زاد الثمن عن ثمن المثل فلا يجب، لاشتماله على الضرر.

و الجواب: المنع من الضرر مع القدرة.

____________

(1) لم نعثر على كتابه و نقله عن في مجمع الرجال: ج 4 ص 157.

(2) رجال الكشي: ص 403 الرقم 755.

(3) المبسوط: ج 1 ص 300.

14

مسألة: لو مات المستطيع و لم يحج مع تمكّنه منه

وجب أن يخرج من تركته من يحج عنه من صلب المال من أقرب الأماكن إلى الميقات، سواء كان هناك سعة للحج من بلده أولا.

و للشيخ قولان: هذا أحدهما، ذكره في المبسوط (1) و الخلاف (2)، و الثاني: يجب من بلد الميت مع السعة، اختاره في النهاية (3)، و هو قول ابن إدريس (4)، و ابن البراج (5).

و الأقرب عندي التفصيل، و هو أنّ الحج ان كان منذورا من بلد معيّن وجب الاستئجار عنه من ذلك البلد، و ان كان مطلقا أو حجة الإسلام فمن أقرب الأماكن.

لنا: الأصل براءة الذمة من الاستئجار من البلد.

و لأنّ الواجب هو الحج، و قطع المسافة ليس مرادا للشارع بالذات، فانّ المسافر لو اتفق قربه من الميقات فحصلت له الشرائط وجب أن يحج من ذلك الموضع. و كذا لو استطاع في غير بلده لم يجب عليه قصد بلده، و إنشاء الحج منه بلا خلاف، فعلم انّ قطع المسافة ليس واجبا، فلا يجب الاستئجار عنه.

احتج ابن إدريس بأنّه كان يجب عليه نفقة الطريق من بلده فلمّا مات سقط عنه الحج عن بدنه، و بقي في ماله بقدر ما كان يجب عليه لو كان حيّا من نفقة الطريق من بلده، و به تواترت أخبارنا و روايات أصحابنا (6).

____________

(1) المبسوط: ج 1 ص 301.

(2) الخلاف: ج 2 ص 255 المسألة 18.

(3) النهاية و نكتها: ج 1 ص 457.

(4) السرائر: ج 1 ص 516.

(5) المهذب: ج 1 ص 267.

(6) السرائر: ج 1 ص 516.

15

و الجواب: المنع من وجوب نفقة الطريق، فإنّه لو خرج متسكعا أو في ضيافة غيره لم يجب عليه بذل مال و لا نفقة، و تواتر الأخبار دعوى باطلة، فإنّا لم نقف في ذلك على خبر واحد فكيف على متواتر. و قول الشيخ في النهاية ليس حجة و ان كان فيه احتمال.

مسألة: المشهور انّ للام ولاية الإحرام بالصبي

، اختاره الشيخ (1)- (رحمه اللّه).

و قال ابن إدريس: يجوز أن يحرم عنه الولي، و الولي الذي يصح إحرامه عنه الأب و الجد و ان علا، فان كان غيرهما، فان كان وصيا أو له عليه ولاية وليّها فهو بمنزلة الأب (2)، و هو يشعر بمنع ولاية الأم.

لنا: انّه طاعة و فعل مرغوب إليه شرعا، فساغ للام فعله.

و ما رواه عبد اللّه بن سنان في الصحيح، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سمعته يقول: مرّ رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله) برويثة و هو حاج فقامت إليه امرأة و معها صبي لها فقالت: يا رسول اللّه أ يحج عن مثل هذا؟

فقال: نعم و لك أجره (3).

و احتج بانتفاء الولاية عنها في المال و النكاح فينتفي هنا.

و الجواب: المنع من الملازمة، و الفرق ثبوت الطاعة هنا بخلاف المال و النكاح، و لأنّ ولاية المال و النكاح تفتقر إلى تمامية النظر و التطلّع على المصالح، و المرأة بمعزل من ذلك.

مسألة: من وجب عليه الحج و خرج لأدائه فمات في الطريق

فان لم

____________

(1) المبسوط: ج 1 ص 329.

(2) السرائر: ج 1 ص 636.

(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 6 ح 16، وسائل الشيعة: ب 20 من أبواب وجوب الحج ح 1 ج 8 ص 37.

16

يكن قد سبق الوجوب عليه سقط الفرض بموته، و ان كان قد سبق و استقر في ذمته قبل ذلك ثمَّ خرج في عام آخر لأدائه فمات في الطريق، قال الشيخ في النهاية (1) و المبسوط (2): ان مات بعد دخول الحرم أجزأه، و ان لم يكن قد دخل الحرم كان على وليّه أن يقضي عنه حجة الإسلام من تركته.

و قال ابن إدريس: لو مات بعد الإحرام أجزأت عنه، و ان كان قبله لم يجز (3). و المعتمد الأوّل.

لنا: الأصل ثبوت الحج في ذمته و عدم سقوطه عنه، إلّا بالإتيان به حرج عنه ما لو أحرم و دخل الحرم، فيبقى الباقي على الأصل.

و ما رواه بريد بن معاوية العجلي قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن رجل خرج حاجا و معه جمل و نفقة و زاد فمات في الطريق فقال: ان كان صرورة فمات في الحرم فقد أجزأت عنه حجة الإسلام، و ان كان مات قبل أن يحرم و هو صرورة جعل جمله و زاده و نفقته في حجة الإسلام، فإن فضل من ذلك شيء فهو لورثته، قلت: أ رأيت ان كانت الحجة تطوعا فمات في الطريق قبل أن يحرم لمن يكون جمله و نفقته و ما ترك؟ قال: للورثة، إلّا أن يكون عليه دين فيقضي عنه دينه، أو يكون أوصى بوصية فينفذ ذلك لمن أوصى و يجعل ذلك من الثلث (4).

و قال المفيد في المقنعة: قال الصادق(عليه السلام): من خرج حاجا فمات في الطريق فإنّه ان كان مات في الحرم فقد سقطت عنه الحجة، و ان

____________

(1) النهاية و نكتها: ج 1 ص 557.

(2) المبسوط: ج 1 ص 323.

(3) السرائر: ج 1 ص 628.

(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 407 ح 1416، وسائل الشيعة: ب 26 من أبواب وجوب الحج ح 2 ج 8 ص 47.

17

مات قبل دخوله الحرم لم يسقط عنه الحج فليقض عنه وليّه (1). و هذا الشيخ ثقة تقبل مراسيله كما تقبل مسنده.

احتج بانّ القصد التلبس و قد حصل بالإحرام.

و الجواب: المنع، بل المطلوب (2) قصد البيت الحرام، و انّما يحصل بالدخول في الحرم.

مسألة: و لو مات النائب بعد الإحرام و دخول الحرم أجزأ الحج عن المنوب و سقطت عن النائب الحجة

، و ان مات قبل ذلك وجب على الورثة أداء ما تخلف من صلب ماله و لم يجزئ عن المنوب، كما قلنا في الأصل، و به قال الشيخان (3)، و أبو الصلاح (4)، و ابن الجنيد (5).

و قال ابن إدريس: يكفي الإحرام (6)، كما قال في الأصل.

لنا: ما تقدم.

احتج ابن إدريس بما تقدم، و بما رواه إسحاق بن عمار في الصحيح قال: سألته عن الرجل فيوصي بحجته فيعطى رجل دراهم يحج بها عنه فيموت قبل أن يحج ثمَّ أعطى الدراهم غيره، قال: ان مات في الطريق أو بمكة قبل أن يقضي مناسكه فإنّه يجزئ عن الأوّل (7).

و عن ابن أبي حمزة و الحسين بن يحيى، عمّن ذكره، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) في رجل أعطى رجلا ما لا يحج به فمات، قال: ان كان في

____________

(1) المقنعة: ص 445.

(2) ن: الظاهر من.

(3) المقنعة: ص 443، النهاية و نكتها: ج 1 ص 552.

(4) الكافي في الفقه: ص 220.

(5) لم نعثر على كتابه.

(6) السرائر: ج 1 ص 628.

(7) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 417 ح 1450، وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب النيابة في الحج ح 2 ج 8 ص 130.

18

منزله قبل أن يخرج فلا يجزئ عنه، و ان مات في الطريق فقد أجزأ عنه (1).

و الجواب: انّ في طريق الأوّل إسحاق بن عمار، و فيه قول. و الثاني طريقه ضعيف، مع انّهما متروكا العمل لو حملناهما على ظاهرهما فلا بدّ من تخصيصهما، و ليس تخصيصهما بالإحرام أولى بتخصيصهما بدخوله الحرم.

مسألة: لو حج المسلم ثمَّ ارتد بعد إكمال مناسكه لم يجب عليه الإعادة و صح حجه.

و قال الشيخ في المبسوط: المرتد إذا حج حجة الإسلام في حال إسلامه ثمَّ عاد إلى الإسلام لم يجب عليه الحج، و ان قلنا إنّ عليه الحج كان قويا، لأنّ إسلامه الأوّل لم يكن إسلاما عندنا، لأنّه لو كان كذلك لما جاز أن يكفر، و إذا لم يكن إسلاما لم يصح حجه، و إذا لم يصح فالحجة باقية في ذمته، فأمّا سائر العبادات التي تفوته في حال الارتداد من الصلاة و الزكاة و غيرهما فإنّه يجب عليه القضاء في جميع ذلك، و كذلك ما كان فاته في حال إسلامه ثمَّ ارتد ثمَّ رجع الى الإسلام يلزمه قضاؤه، و متى أحرم المرتد في حال ارتداده ثمَّ أسلم استأنف الإحرام، فإن أحرم ثمَّ ارتد ثمَّ عاد إلى الإسلام جاز أن يبني عليه، لأنّه لا دليل على فساده إلّا على ما استخرجناه في المسألة المتقدمة في قضاء الحج، فانّ على ذلك التعليل لم ينعقد إحرامه الأوّل أيضا، غير انّه يلزم عليه إسقاط العبادات التي فاتته في حال الارتداد عنه لمثل (2) ذلك، لأنّا إذا لم نحكم بإسلامه الأوّل فكأنّه كان كافرا في الأصل، و كافر الأصل لا يلزمه قضاء ما فاته في الكفر. فاذا قلنا بذلك كان خلاف المعهود من المذهب، و في المسألة نظر، و لا نص فيها (3)

____________

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 461 ح 1604، وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب النيابة في الحج ح 4 ج 8 ص 130.

(2) ق و م (2): بمثل.

(3) ق: لنا.

19

على المسألة عن الأئمة(عليهم السلام) (1).

لنا: انّه فعل المأمور به على وجهه، فوجب أن يخرج عن العهدة، أمّا المقدمة الأولى: فلأنّه فعل الحج حالة إسلامه، و أمّا المقدمة الثانية: فلأنّ الأمر لا يقتضي التكرار. و ما احتج به الشيخ «من أنّ الإسلام لا يتعقّبه الكفر» ضعيف، لقوله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا.

الآية» (2).

لا يقال: لو كان مسلما لاستحق الثواب الدائم بما فاته، فاذا كفر استحق العقاب الدائم، و هما متضادان.

لأنّا نقول: الاستحقاق للثواب و العقاب الدائمين يتوقّف على الموافاة، فلا يلزم اجتماع الضدين.

مسألة: المخالف إذا حج ثمَّ استبصر فان كان قد أخلّ بشيء من أركان الحج وجب عليه الإعادة

، و ان لم يكن قد أخلّ بشيء من واجباته لم تجب عليه الإعادة لكن يستحب، ذهب إليه الشيخ (3)(رحمه اللّه) و ابن إدريس (4).

و قال ابن الجنيد (5)، و ابن البراج (6): تجب عليه الإعادة و ان لم يخل بشيء.

لنا: انّه فعل المأمور به فيخرج عن العهدة، و المقدمتان ظاهرتان. أمّا الأولى ففرضية، و أمّا الثانية فإجماعية.

____________

(1) المبسوط: ج 1 ص 305.

(2) النساء: 137.

(3) المبسوط: ج 1 ص 303.

(4) السرائر: ج 1 ص 518- 519.

(5) لم نعثر على كتابه.

(6) المهذب: ج 1 ص 268.

20

و ما رواه بريد بن معاوية العجلي في الصحيح قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن رجل حجّ و هو لا يعرف هذا الأمر ثمَّ منّ اللّه عليه بمعرفته و الدينونة به، عليه حجة الإسلام أو قد قضى فريضة؟ قال: قد قضى فريضته، و لو حج لكان أحبّ إليّ. قال: و سألته عن رجل و هو في بعض هذه الأصناف من أهل القبلة ناصب متدين ثمَّ منّ اللّه عليه فعرف هذا الأمر يقضي حجة الإسلام؟

فقال: يقضي أحب إليّ، و قال: كلّ عمل عمله و هو في حال نصبه و ضلالته ثمَّ منّ اللّه عليه و عرّفه الولاية فإنّه يؤجر عليه، إلّا الزكاة فإنّه يعيدها، لأنّه قد وضعها في غير مواضعها، لأنّها لأهل الولاية، و أمّا الصلاة و الحج و الصيام فليس عليه قضاء (1).

و في الحسن عن عمر بن أذينة قال: كتبت الى أبي عبد اللّه(عليه السلام) أسأله عن رجل حج و لا يدري و لا يعرف هذا الأمر ثمَّ منّ اللّه عليه بمعرفته و الدينونة به أ عليه حجة الإسلام أو قد قضى فريضة اللّه؟ قال: قد قضى فريضة اللّه، و الحج أحبّ إليّ. و عن رجل هو في بعض هذه الأصناف من أهل القبلة ناصب متديّن ثمَّ منّ اللّه عليه فعرف هذا الأمر أ يقضي عنه حجة الإسلام أو عليه أن يحج من قابل؟ قال: يحج أحبّ إلي (2).

احتج المخالف بأنّ الايمان شرط العبادة و لم يحصل.

و ما رواه أبو بصير، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: و كذلك الناصب إذا عرف فعليه الحج و ان كان قد حج (3).

و عن علي بن مهزيار قال: كتب إبراهيم بن محمد بن عمران الهمداني إلى

____________

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 9 ح 23، وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب وجوب الحج ح 1 ج 8 ص 42.

(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 10 ح 25، وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب وجوب الحج ح 2 ج 8 ص 42.

(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 9 ح 22، وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب وجوب الحج ح 5 ج 8 ص 43.

21

أبي جعفر(عليه السلام) انّي حججت و أنا مخالف و كنت صرورة فدخلت متمتعا بالعمرة إلى الحج، فكتب إليه: أعد حجك (1).

و الجواب: المنع من كون الايمان شرطا في العبادة.

و عن الرواية الأولى: يمنع صحة سندها، فانّ في طريقها علي بن أبي حمزة و هو ضعيف، مع انّا نقول بموجبها. امّا لأنّ الناصب كافر بخلاف المخالف، أو انّ قوله(عليه السلام): «عليه الحج» على سبيل الاستحباب جمعا بين الأخبار.

و كذا الجواب عن الثاني، مع انّ في طريقه سهل بن زياد و هو ضعيف.

مسألة: قال الشيخ: من استقر عليه وجوب الحج فلم يفعل و مات وجب أن يحج عنه من صلب ماله

، فان لم يخلف شيئا كان وليّه بالخيار في القضاء عنه (2).

و قال ابن الجنيد (3): و انّما يجب أن يحج و يعتمر عمّن كان مستطيعا للحج ببدنه و ماله فقط، و ببدنه إذا لم يكونوا ممنوعين من ذلك في وقت يصح لهم أن يأتوا بهما لو خرجوا من أوطانهم، لذلك في الوقت الذي يخرج فيه أهل بلدهم و هم بالغون حدّ التكليف مستطيعون للحج، سواء كانوا في طريق الحج أو غير طريقه ما لم يبلغوا الحرم، فان كان أوّل ما وجب عليه خرج و لم يبلغ الحرم و كان ذا مال دفع من ماله الى من يحج عنه من حيث بلغ، و ان لم يكن ذا مال قضى عنه وليه. و الكلام يقع معه في مقامين:

الأوّل: إيجاب الاستئجار عن المتمكن إذا مات في أوّل ما وجب عليه بعد خروجه. و المعتمد عدمه.

____________

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 10 ح 24، وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب وجوب الحج ح 6 ج 8 ص 43.

(2) الخلاف: ج 2 ص 253 المسألة 16.

(3) لم نعثر على كتابه.

22

لنا: انّه قد امتثل ما أمر به، فلم يجب القضاء عنه (1)، و الفرق سقط بالموت.

الثاني: انّه يجب أن يقضي عنه وليّه لو لم يخلف مالا، و هو أشدّ اشكالا من الأوّل، فإن الأصل براءة الذمة، و لأنّ الأصل لم يجب عليه الحج، فالأولى أن لا يجب على الولي. و على هذا لو استقر في ذمته كان الإيجاب على الولي عنده أولى، و نحن نمنع ذلك أيضا، فإنّ الأصل براءة ذمة الولي، و لا يجب من تحمل الولي الصلاة و الصوم تحمله للحج.

احتج بما رواه ضريس في الصحيح، عن الباقر(عليه السلام) في رجل خرج حاجّا حجة الإسلام فمات في الطريق، قال: ان مات في الحرم فقد أجزأت عنه حجة الإسلام، و ان مات دون الحرم فليقض عنه وليّه حجة الإسلام (2).

و الجواب: نقول بموجب الرواية في حق من وجب عليه الحج و استقر أوّلا، و إذا خلّف شيئا يستأجر به النائب من يحج عنه، امّا وجوب المباشرة على الولي، أو ان يستأجر عنه من مال نفسه فلا.

مسألة: قال الشيخ في مسائل الخلاف: من قدر على الحج عن نفسه لا يجوز له أن يحج عن غيره

، و ان كان عاجزا عن الحج عن نفسه لفقد الاستطاعة جاز له أن يحج عن غيره، و به قال الثوري. و قال مالك و أبو حنيفة: يجوز له أن يحج عن غيره على كلّ حال قدر عليه أو لم يقدر، و كذلك يجوز له أن يتطوع به و عليه فرض نفسه، و به نقول. و قال الشافعي: كلّ من لم يحج حجة الإسلام لا يصح له أن يحج عن غيره، فان حج عن غيره أو تطوع انعقد إحرامه عمّا يجب عليه،

____________

(1) ن: فلم يجب عليه القضاء.

(2) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 440 ح 2915، وسائل الشيعة: ب 26 من أبواب وجوب الحج ح 1 ج 8 ص 47.

23

سواء كانت حجة الإسلام أو واجبا عليه بالنذر، و ان كان عليه حجة الإسلام و نذر حجة فأحرم بالنذر انعقد عن حجة الإسلام، و به قال ابن عباس، و الأوزاعي، و أحمد و إسحاق. دليلنا: إجماع الفرقة، و أيضا الأصل جوازه، و المنع يحتاج الى دليل، و كذلك اجازته مطلقا يحتاج الى دليل، و ليس في الشرع ما يدلّ عليه. و امّا الدليل على انّه إذا نوى التطوع وقع عنه لا عن حجة الإسلام قوله(عليه السلام): «الاعمال بالنيات و لكلّ امرئ ما نوى» و هذا نوى التطوع، فوجب أن يقع عمّا نوى عنه (1).

و قال ابن إدريس: هذا كلام غير واضح، لأنّ الحج يجب على الفور، فلا يجوز التطوع قبل الإتيان به (2)، و هو المعتمد، مع انّ الشيخ قال في المبسوط: من وجب عليه حجة الإسلام لا يجوز أن يحج عن غيره و لا أن يتطوع، فان حج تطوعا وقعت عن حجة الإسلام (3)، و هو أشد اشكالا من الأوّل.

____________

(1) الخلاف: ج 2 ص 255 المسألة 19.

(2) السرائر: ج 1 ص 519.

(3) المبسوط: ج 1 ص 302.

24

الفصل الثاني في أنواع الحج

مسألة: القارن هو الذي يسوق إلى إحرامه الهدي

، و ليس قارنا باعتبار القران بين الحج و العمرة في إحرام واحد، فإنّه لو فعل ذلك بطل، ذهب الى ذلك أكثر علمائنا.

و قال ابن أبي عقيل (1): القارن يلزمه اقران الحج مع العمرة، لا يحل من عمرته حتى يحل من حجة، و لا يجوز قران العمرة مع الحج إلّا لمن ساق الهدي.

لنا: انّ أحد النسكين لا يدخل في الآخر.

و ما رواه حفص بن البختري في الصحيح، عن منصور بن حازم، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: لا يكون القارن إلّا بسياق الهدي، و عليه طوافان بالبيت، و يسعى بين الصفا و المروة كما يفعل المفرد، و ليس بأفضل من المفرد إلّا بسياق الهدي (2).

احتج بما روي انّ عليا(عليه السلام) حيث أنكر على عثمان القران بين الحج و العمرة فقال: لبيك بحجة و عمرة معا (3).

____________

(1) لم نعثر على كتابه.

(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 42 ح 123، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب أقسام الحج ح 10 ج 8 ص 156.

(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 85 ح 282، وسائل الشيعة: ب 21 من أبواب الإحرام ح 7 ج 9 ص 30.

25

و بما روى الحلبي في الصحيح، عن الصادق(عليه السلام) قال: انّما نسك الذي يقرن بين الصفا و المروة مثل نسك المفرد ليس بأفضل منه إلّا بسياق الهدي، و عليه طواف بالبيت، و صلاة ركعتين خلف المقام، و سعي بين الصفا و المروة واحد، و طواف بالبيت بعد الحج. و قال: أيّما رجل قرن بين الحج و العمرة فلا يصح إلّا أن يسوق الهدي، و قد أشعره و قلّده، و الاشعار أن يطعن في سنامها بحديدة حتى يدميها و ان لم يسق الهدي فليجعلها متعة (1).

و الجواب عن الأوّل: انّه من طرق الجمهور فلا يكون حجة علينا، و انّما ذكره ابن أبي عقيل حجة عليهم من طرقهم.

و عن الثاني: قال الشيخ: إنّ قوله: «أيّما رجل قرن بين الحج و العمرة» يريد به في تلبية الإحرام، لأنّه يحتاج أن يقول: ان لم يكن حجة فعمرة، و يكون الفرق بينه و بين التمتع انّ المتمتع يقول هذا القول و ينوي العمرة قبل الحج ثمَّ يحل بعد ذلك و يحرم بالحج فيكون متمتعا، و السائق يقول هذا القول و ينوي الحج، فان لم يتم له الحج فليجعله عمرة مبتولة (2).

مسألة: قال الشيخ في النهاية: التمتع فرض من ليس من أهل مكة و حاضريها

، و هو ممّن يكون بمكة أو يكون بينه و بينها ثمانية و أربعون ميلا (3)، و كذا قال ابنا بابويه (4).

و قال في المبسوط (5) و الاقتصاد (6) و الجمل (7): القران و الافراد فرض من

____________

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 42 ح 124، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب أقسام الحج- ح 6 ج 8 ص 154.

(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 42- 43 ذيل الحديث 124.

(3) النهاية و نكتها: ج 1 ص 461- 462.

(4) المقنع: ص 67 و لم نعثر على رسالة علي بن بابويه.

(5) المبسوط: ج 1 ص 306.

(6) الاقتصاد: ص 298.

(7) الجمل و العقود: ص 129.

26

كان من حاضري المسجد الحرام، هو كلّ من كان بينه و بين المسجد الحرام من أربع جوانبه اثنا عشر ميلا، و هو قول أبي الصلاح (1)، و ابن إدريس (2).

و الأقرب الأوّل.

لنا: انّ المراد في الظاهر من قوله تعالى «ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ» (3) الحرم، و حاضر الحرم ليس هو الحرم عرفا، و حدّ الحرم أربعة فراسخ هي اثنا عشر ميلا.

و ما رواه زرارة في الصحيح، عن أبي جعفر(عليه السلام) قال: قلت لأبي جعفر(عليه السلام): قال اللّه تعالى في كتابه «ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ»، قال: يعني أهل مكة ليس عليهم متعة، كلّ من كان أهله دون ثمانية و أربعين ميلا ذات عرق و عسفان كما يدور حول مكة فهو ممّن دخل في هذه الآية، و كلّ من كان أهله وراء ذلك فعليه المتعة (4).

و عن الحلبي، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: في حاضري المسجد الحرام، قال: ما دون المواقيت إلى مكة فهو حاضري المسجد الحرام، و ليس لهم متعة (5).

و في الصحيح عن أبي بصير و الحلبي و سليمان بن خالد، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: ليس لأهل مكة، و لا لأهل مرو و لا لأهل سرف متعة، و ذلك لقول اللّه عز و جل «ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ» (6).

و الشيخ(رحمه اللّه) كأنّه نظر الى توزيع الثمانية و الأربعين من أربع جوانب،

____________

(1) الكافي في الفقه: ص 191- 192.

(2) السرائر: ج 1 ص 520.

(3) البقرة: 196.

(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 33 ح 98، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب أقسام الحج ح 3 ج 8 ص 187.

(5) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 33 ح 99، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب أقسام الحج ح 4 ج 8 ص 187.

(6) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 32 ح 96، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب أقسام الحج ح 1 ج 8 ص 186.

27

و كان قسط كلّ جانب ما ذكره في المبسوط (1)، و ليس بجيد.

مسألة: أشهر الحج: شوال و ذو القعدة و ذو الحجة

، قال الشيخ في النهاية (2).

و به قال ابن الجنيد (3)، و رواه الصدوق في كتاب من لا يحضره الفقيه (4).

و قال الشيخ في الجمل (5) و الاقتصاد (6): شوال و ذو القعدة و تسعة من ذي الحجة، و هو قول ابن البراج (7).

و قال في المبسوط (8) و الخلاف (9): شوال و ذو القعدة إلى يوم النحر قبل طلوع الفجر، فاذا طلع فقد مضى أشهر الحج، و به قال ابن حمزة (10).

و قال ابن أبي عقيل (11): شوال و ذو القعدة و عشر من ذي الحجة، و هو مذهب السيد المرتضى (12)، و سلّار (13).

و قال أبو الصلاح: شوال و ذو القعدة و ثمان من ذي الحجة (14).

____________

(1) راجع المبسوط: ج 1 ص 306.

(2) النهاية و نكتها: ج 1 ص 464 و 559.

(3) لم نعثر على كتابه.

(4) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 456 ح 2959، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب أقسام الحج ح 8 ج 8 ص 197.

(5) الجمل و العقود: ص 131.

(6) الاقتصاد: ص 300.

(7) المهذب: ج 1 ص 213.

(8) المبسوط: ج 1 ص 308.

(9) الخلاف: ج 2 ص 258 المسألة 33.

(10) الوسيلة: ص 158.

(11) لم نعثر على كتابه.

(12) جمل العلم و العمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 62.

(13) المراسم: ص 104.

(14) الكافي في الفقه: ص 201.

28

و قال ابن إدريس: شوال و ذو القعدة و الى طلوع الشمس من اليوم العاشر (1).

لنا: قوله تعالى «الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ» (2)، و الأشهر صيغة جمع لا يطلق في الحقيقة إلّا على الثلاثة فما زاد.

و ما رواه معاوية بن عمار في الصحيحة، عن الصادق(عليه السلام) قال:

الحج أشهر معلومات: شوال و ذو القعدة و ذو الحجة (3).

و رواه الشيخ في الحسن، و عن زرارة، عن الباقر(عليه السلام) قال: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ: شوال و ذو القعدة و ذو الحجة (4).

و التحقيق: انّ هذا النزاع لفظي، فإنّهم إن أرادوا بأشهر الحج ما يفوت الحج بفواته فليس كمال ذي الحجة من أشهره، لما يأتي من فوات الحج دونه على ما يأتي تحقيقه، و ان أرادوا بها ما يقع فيه أفعال الحج فهي الثلاثة كملا، لأنّ باقي المناسك تقع في كمال ذي الحجة، فقد ظهر انّ النزاع لفظي.

مسألة: قال الشيخ(رحمه اللّه) في الخلاف: فرض المكي و من كان من حاضري المسجد الحرام القران و الافراد

، فإن تمتع سقط عنه الفرض، و لم يلزمه دم (5).

و قال في المبسوط: القران و الافراد فرض من كان حاضري المسجد الحرام، فان تمتع من أصحابنا من قال: إنّه لا يجزئه، و منهم من قال: يجزئه، و هو

____________

(1) السرائر: ج 1 ص 524.

(2) البقرة: 197.

(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 46 ح 139، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب أقسام الحج ح 3 ج 8 ص 196.

(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 51 ح 155، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب أقسام الحج ح 5 ج 8 ص 197.

(5) الخلاف: ج 2 ص 272 المسألة 42.

29

الصحيح (1).

و قال ابنا بابويه: لا يجوز لهم التمتع (2)، و كذا قال ابن إدريس (3).

و قال ابن أبي عقيل (4): لا متعة لأهل مكة.

لنا: قوله تعالى «ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ» (5) دلّ بمفهومه على أنّ من لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام لم يكن لهم ذلك.

و ما رواه عبيد اللّه الحلبي و سليمان بن خالد و أبو بصير، عن الصادق(عليه السلام) قال: ليس لأهل مكة و لا لأهل مرو و لا لأهل سرف متعة، و ذلك لقول اللّه تعالى «ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ» (6).

و في الصحيح عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى(عليه السلام) قال:

قلت: لأهل مكة أن يتمتعوا بالعمرة إلى الحج؟ فقال: لا يصلح أن يتمتعوا، لقول اللّه عز و جل «ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ» (7).

احتج الشيخ بما رواه عبد الرحمن بن الحجاج و عبد الرحمن بن أعين في الصحيح قالا: سألنا أبا الحسن موسى(عليه السلام) عن رجل من أهل مكة خرج الى بعض الأمصار ثمَّ رجع فمرّ ببعض المواقيت التي وقّت رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله) له أن يتمتع؟ فقال: ما أزعم انّ ذلك ليس له، و الإهلال بالحج أحبّ إليّ (8).

____________

(1) المبسوط: ج 1 ص 306.

(2) المقنع: ص 67، و لم نعثر على رسالة علي بن بابويه.

(3) السرائر: ج 1 ص 520.

(4) لم نعثر على كتابه.

(5) البقرة: 196.

(6) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 32 ح 96، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب أقسام الحج ح 1 ج 8 ص 186.

(7) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 32 ح 97، وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب أقسام الحج ح 2 ج 8 ص 186.

(8) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 33 ح 100، وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب أقسام الحج ح 1 ج 8 ص 189.

30

و لأنّه قد أجمع علماؤنا على أنّ التمتع أفضل، و انّما يتحقّق ذلك مع تسويغه و تسويغ غيره، و ذلك انّما يكون في حق أهل مكة. روى زرارة في الصحيح، عن الصادق(عليه السلام) قال: المتعة و اللّه أفضل، و بها نزل القرآن و جرت السنّة (1).

و في الصحيح عن أبي أيوب إبراهيم بن عيسى قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) أيّ أنواع الحج أفضل؟ فقال: المتعة، و كيف يكون شيء أفضل منها؟! و رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله) يقول: لو استقبلت من أمري ما استدبرت فعلت كما فعل الناس (2).

و لأنّ المتمتع يأتي بالحج و بجميع أفعاله، و انّما يضيف إليه أفعال العمرة مثل ذلك، و لا ينافي ذلك ما يأتي به من أفعال الحج في المستقبل.

و الجواب عن الأوّل: انّه لا دلالة فيه، لاحتمال أن يكون له منزل غير مكة فله أن يتمتع، أو أنّه من أهل مكة لكنّه حج متطوعا، فإنّ الأفضل له التمتع.

و عن الثاني: انّه لا يلزم من كون الفعل أفضل من غيره تسويغ ذلك الفعل لكلّ أحد، فإنّه لا استبعاد في أن يكون التمتع فرض قوم و القران و الافراد فرض آخرين، و يكون التمتع في نفسه أفضل من القران و الافراد في نفسه.

سلّمنا، لكن لم لا يجوز أن يكون ذلك في التطوع.

و عن الثالث: يمنع انّه أتى بجميع أفعال المفرد و القارن، فإنّه قد أخلّ بالإحرام للحج من ميقاته من انّه المتعيّن عليه، و أوقع بدله الإحرام بالعمرة، و ليس ذلك فرضه.

____________

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 29 ح 88، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب أقسام الحج ح 15 ج 8 ص 180.

(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 29 ح 89، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب أقسام الحج ح 16 ج 8 ص 280.

31

مسألة: قال الشيخ في المبسوط (1) و الخلاف (2): المكي إذا تمتع لم يكن عليه هدي

، و فيه نظر.

لنا: عموم قوله تعالى «فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ» (3).

احتج الشيخ بقوله تعالى «ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ» معناه: أن الهدي لا يلزم إلّا لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام، و يجب أن يكون قوله: «ذلك» راجعا إلى الهدي لا الى التمتع، لأنّه يجري مجرى قول القائل: من دخل داري فله درهم، ذلك لمن لم يكن غاصبا، في أنّ «ذلك» يرجع الى الجزء دون الشرط. ثمَّ قال: و لو قلنا انّه راجع إليهما و قلنا إنّه لا يصح منهم التمتع أصلا لكان قويا (4).

و الجواب: رجوع الضمير إلى الأبعد أولى، لما عرف من أنّ النحاة فصّلوا بين الرجوع الى القريب و البعيد، و الأبعد في الإشارة، فقالوا: في الأوّل ذا، و في الثاني ذاك، و في الثالث ذلك، مع أن الأئمة(عليهم السلام) استدلّوا على انّ أهل مكة ليس لهم متعة، لقوله تعالى «ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ» (5) و الحجة في قولهم- (عليهم السلام).

مسألة: المجاور بمكة فرضه التمتع، و متى يخرج عن ذلك للشيخ قولان:

أحدهما: انّه يخرج عن فرض التمتع و يصير فرضه فرض أهل مكة بإقامة سنتين، ذكره في كتابي الأخبار (6)، و هو الأقوى عندي.

____________

(1) المبسوط: ج 1 ص 308.

(2) الخلاف: ج 2 ص 272 المسألة 42.

(3) البقرة: 196.

(4) الخلاف: ج 2 ص 272 ذيل المسألة 42.

(5) البقرة: 196.

(6) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 34 ذيل الحديث 100، الاستبصار: ج 2 ص 159 ذيل الحديث 518.

32

و قال في النهاية (1) و المبسوط (2): ان أقام سنة أو سنتين جاز له أن يتمتع، فان جاوز ثلاث سنين لم يكن له ذلك، و به قال ابن الجنيد (3)، و ابن إدريس (4).

لنا: الأصل انّه من أهل المسجد، إذ يطلق عرفا للمقيم به، إذ الحضور في المكان يطلق عرفا عليه.

و ما رواه زرارة في الصحيح، عن الباقر(عليه السلام) قال: من أقام بمكة سنتين فهو من أهل مكة لا متعة له، فقلت لأبي جعفر(عليه السلام): أ رأيت ان كان له أهل بالعراق و أهل بمكة، قال: فلينظر أيهما الغالب عليه فهو من أهله (5).

و في الصحيح عن عمر بن يزيد قال: قال أبو عبد اللّه(عليه السلام): المجاور بمكة يتمتع بالعمرة إلى الحج سنتين، فاذا جاوز سنتين كان قاطنا، و ليس له أن يتمتع (6).

و في الصحيح عن الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) لأهل مكة أن يتمتعوا؟ فقال: لا، ليس لأهل مكة أن يتمتعوا، قال: قلت: فالقاطنين بها؟

قال: إذا أقاموا سنة أو سنتين صنعوا كما يصنع أهل مكة، فإذا أقاموا شهرا فانّ لهم أن يتمتعوا (7).

____________

(1) النهاية و نكتها: ج 1 ص 463.

(2) المبسوط: ج 1 ص 308.

(3) لم نعثر على كتابه.

(4) السرائر: ج 1 ص 522.

(5) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 34 ح 101، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب أقسام الحج ح 1 ج 8 ص 191.

(6) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 34 ح 102، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب أقسام الحج ح 2 ج 8 ص 192.

(7) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 35 ح 103، وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب أقسام الحج ح 3 ج 8 ص 192.

33

لا يقال: هذا الحديث يدلّ على خلاف مطلوبكم، لأنّه(عليه السلام) نقل حكمهم الى أهل مكة بإقامة سنة أو سنتين و أنتم أوجبتم السنتين.

لأنّا نقول: السؤال وقع عن القاطنين، و انّما يتحقق الاستيطان بإقامة سنة كاملة لتأتي عليه الفصول الأربعة، و حينئذ إذا أقام هؤلاء الذين أقاموا سنة سنة أخرى انتقل فرضهم، و لا منافاة بينه و بين ما قلناه نحن أوّلا.

احتج الشيخ بأنّ الأصل عدم النقل صرنا إليه إذا أقام ثلاث سنين للإجماع، فيبقى الباقي على الأصل.

و الجواب: انّ النقل و التقدير بالمدة ليس بمجرد التشهي، بل هو أمر شرعي و تقدير نقلي لا مدخل للعقل فيه، و قد بيّنا أنّ النقل انّما ورد بالسنتين.

مسألة: قال الشيخ في النهاية (1) و المبسوط (2): من كان من أهل مكة و حاضريها ثمَّ نأى عن منزله

إلى مثل المدينة أو غيرها من البلاد ثمَّ أراد الرجوع الى مكة و أراد أن يحج متمتعا جاز له ذلك.

و قال ابن أبي عقيل (3): لو أنّ رجلا من أهل مكة خرج الى سفر من الأسفار ثمَّ رجع الى أهله بمكة في أشهر الحج فدخل بعمرة من الميقات و هو يريد الحج في عامه و أحلّ من عمرته ثمَّ أهلّ بالحج يوم التروية لم يكن متمتعا، و ليس عليه هدي و لا صيام، لأنّه لا متعة لأهل مكة، و ذلك انّ اللّه عز و جل يقول «ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ» (4).

و الشيخ(رحمه اللّه) عوّل على رواية عبد الرحمن بن الحجاج و عبد الرحمن بن أعين الصحيحة قالا: سألنا أبا الحسن موسى(عليه السلام) عن رجل من أهل

____________

(1) النهاية و نكتها: ج 1 ص 463.

(2) المبسوط: ج 1 ص 308.

(3) لم نعثر على كتابه.

(4) البقرة: 196.

34

مكة خرج الى بعض الأمصار ثمَّ رجع فمر ببعض المواقيت التي وقّت رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله) أن يتمتع، فقال: ما أزعم أنّ ذلك ليس له، و الإهلال بالحج أحبّ إليّ. و رأيت من سأل أبا جعفر(عليه السلام) و ذلك أوّل ليلة من شهر رمضان، فقال له: جعلت فداك أنّي قد نويت أن أصوم بالمدينة، قال:

تصوم إن شاء اللّه، قال له: و أرجو أن يكون خروجي في عشر من شوال، فقال:

تخرج ان شاء اللّه، فقال له: إنّي قد نويت أن أحج عنك أو عن أبيك فكيف أصنع؟ فقال له: تمتع، فقال له: إنّ اللّه ربما منّ عليّ بزيارة رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله) و زيارتك و السلام عليك، و ربما حججت عنك، و ربما حججت عن أبيك، و ربما حججت عن بعض إخواني أو عن نفسي فكيف أصنع؟ فقال له:

تمتع، فردّ عليه القول ثلاث مرّات يقول له: إنّي مقيم بمكة و أهلي بها، فيقول:

تمتع (1).

و يمكن الجمع بين القولين: بأن يصرف قول ابن أبي عقيل الى المقيم بمكة إذا عرض له سفر و لم يقطع نيّته عن المقام بمكة، بل عاد للاستيطان بها. و قول الشيخ الى من طلب المقام بغيرها، لكن هذا الجمع يحتاج الى دليل.

مسألة: قال الشيخ في المبسوط: شروط التمتع ستة، ثمَّ قال: السادس: النية

، و هي شرط في التمتع، و الأفضل أن يكون مقارنة للإحرام، فإن فاتت جاز تجديدها الى وقت التحليل (2). و فيه نظر، فإنّ الأولى إبطال ما لم يقع نيته لفوات الشرط.

مسألة: قال الشيخ في الخلاف: إذا قرن بين الحج و العمرة في إحرامه

لم

____________

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 33 ح 100، وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب أقسام الحج ح 1 ج 8 ص 189.

(2) المبسوط: ج 1 ص 307.

35

ينعقد إحرامه إلّا بالحج (1). و الأقرب بطلان الإحرام.

لنا: انّه عقده على وجه منهيّ عنه، و النهي يدلّ على الفساد في العبادات.

مسألة: المشهور انّ القارن انّما يكون قارنا لأنّه ساق الهدي و قرن الإحرام بالسياق

و يتعيّن ذلك من الميقات، فان لم يسق من الميقات لم يكن قارنا، و ذكره الشيخ المفيد(رحمه اللّه) في المقنعة (2)، و سلّار (3).

و قال في كتاب الأركان: فمتى لم يسق الهدي من الميقات أو قبل دخول الحرم ان لم يقدر على ذلك من الميقات لم يكن قارنا (4). و هذا الكلام انّما يشعر بتجويز تأخير السياق عن الإحرام. و المعتمد الأوّل، لأنّه أشهر بين الأصحاب.

مسألة: قال الشيخ في النهاية (5) و المبسوط (6): القارن إذا دخل مكة و أراد الطواف تطوعا فعل

، إلّا أنّه كلّما طاف بالبيت لبّى عند فراغه من الطواف ليعقد إحرامه بالتلبية، لأنّه لو لم يفعل ذلك دخل في كونه محلا، و بطلت حجته و صارت عمرة.

و قال في موضع آخر من المبسوط: يستحب لهما تجديد التلبية عند كلّ طواف (7).

و قال المفيد: و على القارن طوافان و سعي واحد و تجديد التلبية عند وقت كلّ طواف، و أمّا المفرد فليس عليه تجديد التلبية عند وقت كلّ طواف (8). و كذا

____________

(1) الخلاف: ج 2 ص 264 المسألة 30.

(2) المقنعة: ص 390- 391.

(3) المراسم: ص 103.

(4) لم نعثر على كتابه و نقله عنه ابن إدريس في السرائر: ج 1 ص 524.

(5) النهاية و نكتها: ج 1 ص 464.

(6) المبسوط: ج 1 ص 311.

(7) المبسوط: ج 1 ص 308.

(8) المقنعة: ص 391.

36

قال السيد المرتضى (1)، و سلّار (2).

و قال الشيخ في الجمل: يستحب للقارن و المفرد تجديد التلبية عند كلّ طواف (3).

و قال ابن إدريس: ليس تجديد التلبية بواجب، و لا يبطل الحج، و لا ينقلب إلى العمرة باعتبار تركها (4). و الأقرب انّه لا يحلّ إلّا بنية التحليل.

لنا: قوله(عليه السلام): «الأعمال بالنيات» (5).

و لأنّه دخل في الحج دخولا مشروعا، فلا يخرج عنه إلّا بدليل شرعي و لم يثبت.

احتج الآخرون بما رواه معاوية بن عمار في الحسن، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: المفرد عليه طواف بالبيت و ركعتان عند مقام إبراهيم(عليه السلام) و سعي بين الصفا و المروة و طواف الزيارة- و هو طواف النساء- و ليس عليه هدي و لا أضحية، قال: سألته عن المفرد للحج هل يطوف بالبيت بعد طواف الفريضة؟ قال: نعم ما شاء، و يجدّد التلبية بعد الركعتين، و القارن بتلك المنزلة يقعدان ما أحلّا من الطواف بالتلبية (6).

قال الشيخ: و فقه هذا الحديث انّه قد رخّص للقارن و المفرد أن يقدّما

____________

(1) جمل العلم و العمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 64.

(2) المراسم: ص 103.

(3) الجمل و العقود: ص 131.

(4) السرائر: ج 1 ص 524- 525.

(5) صحيح البخاري: ج 1 ص 2، مسند أحمد بن حنبل: ج 1 ص 25، سنن ابن ماجه: ج 2 ص 1413 ح 4227.

(6) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 44 ح 131، وسائل الشيعة: ب 2، من أبواب أقسام الحج ح 13 ج 8 ص 156.

37

طواف الزيارة قبل الوقوف بالموقفين، فمتى فعلا ذلك فان لم يجددا التلبية يصيرا محلّين و لا يجوز ذلك، فلأجله أمر السائق و المفرد بتجديد التلبية عند الطواف، مع انّ السائق لا يحلّ و ان كان قد طاف لسياقه الهدي (1).

قال: و روى ذلك زرارة قال: سمعت أبا جعفر(عليه السلام) يقول: من طاف بالبيت و بالصفا و المروة أحلّ، أحب أو كره (2).

و عن يونس بن يعقوب، عمّن أخبره، عن أبي الحسن(عليه السلام) قال:

ما طاف بين هذين الحجرين الصفا و المروة أحد إلّا أحلّ، إلّا سائق هدي (3).

و الجواب عن الأوّل: انّه ليس في الحديث دلالة على انتفاء نية التحلّل (4)، فلعلّه طاف بنيّة التحليل.

و الحديث الثاني: في طريقه ابن فضال و ابن بكير، و هما ضعيفان، و ليس فيه دلالة على مطلوبه قاطعة.

و عن الثالث: انّه مرسل و لا دلالة قاطعة أيضا فيه، لاحتمال ارادة التمتع، فإنّه يحل بعد السعي.

و روى الشيخ في الصحيح عن عبد الرحمن بن الحجاج قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): إنّي أريد الجواز فكيف أصنع؟ قال: إذا رأيت الهلال هلال ذي الحجة فاخرج الى الجعرانة فأحرم منها بالحج، فقلت له: كيف أصنع إذا دخلت مكة أقيم إلى يوم التروية لا أطوف بالبيت؟ قال: تقيم عشرا لا تأتي

____________

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 44 ذيل الحديث 131.

(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 44 ح 132، وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب أقسام الحج ح 5 ج 8 ص 184.

(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 44 ح 133، وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب أقسام الحج ح 6 ج 8 ص 184.

(4) في متن المطبوع و ن: على انتفائه التحليل.

38

الكعبة، انّ عشرا لكثير، انّ البيت ليس بمهجور، و لكن إذا دخلت فطف بالبيت واسع بين الصفا و المروة، فقلت له: أ ليس كلّ من طاف بالبيت و سعى بين الصفا و المروة فقد أحلّ؟ فقال: إنّك تعقد بالتلبية، ثمَّ قال: كلّما طفت طوافا و صليت ركعتين فاعقد بالتلبية (1).

مسألة: قال الشيخ: يجوز للقارن و المفرد تقديم طوافهما و سعيهما على المضي الى عرفات

لضرورة و غير ضرورة (2)، و هو المشهور بين الأصحاب.

و قال ابن إدريس: لا يجوز ذلك (3).

لنا: الأصل دالّ على جواز ذلك.

و لأنّ قصد البيت و الطواف به أهمّ نسك الحج، فجاز تقديمه.

لا يقال: ينتقض بالمتمتع، فإنّه لا يجوز له تقديم طوافه و لا سعيه في حجّه على الوقوف.

لأنّا نقول: إنّ إحرامه بالحج انّما يقع عقيب قصد البيت و الطواف به و السعي لعمرته، فلا فائدة حينئذ للتقديم هناك، فوجب أن لا يجوز بخلاف صورة النزاع.

و ما رواه زرارة في الموثق قال: سألت أبا جعفر(عليه السلام) عن المفرد للحج يدخل مكة أ يقدّم طوافه أو يؤخّره؟ قال: سواء (4).

و في الصحيح عن حماد بن عثمان قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام)

____________

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 45 ح 137، وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب أقسام الحج ح 1 ج 8 ص 206.

(2) النهاية و نكتها: ج 1 ص 507.

(3) السرائر: ج 1 ص 575.

(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 45 ح 134، وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب أقسام الحج ح 2 ج 8 ص 204.

39

عن مفرد الحج أ يعجّل طوافه أو يؤخّره؟ قال: هو و اللّه سواء عجّله أو أخّره (1).

لا يقال: يحتمل أن يكون دخولهما مكة بعد عودهما من منى لا قبل الوقوف بعرفة، و يكون السؤال عن التعجيل قبل انقضاء أيام التشريق أو بعدها.

لأنّا نقول: قد روى أبو بصير، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: إن كنت أحرمت بالمتعة فقدمت يوم التروية فلا متعة لك، فاجعلها حجة مفردة تطوف بالبيت و تسعى بين الصفا و المروة، ثمَّ تخرج إلى منى و لا هدي عليك (2).

و عن إسحاق بن عمار قال: سألت أبا الحسن(عليه السلام) عن المفرد للحج إذا طاف بالبيت و بالصفا و المروة أ يعجّل طواف النساء؟ قال: لا، انّما طواف النساء بعد أن يأتي من منى (3).

احتج ابن إدريس بأنّ الإجماع قد دلّ على وجوب ترتيب المناسك.

و الجواب: المنع من دلالة الإجماع، و كيف يدّعي ذلك و الخلاف ظاهر؟! و الشيخ قد استدلّ بالإجماع على تسويغه.

____________

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 45 ح 135، وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب أقسام الحج ح 1 ج 8 ص 204.

(2) لم نعثر عليها في المصادر المتوفرة لدينا من كتب الحديث، و نقلها المحقق في المعتبر: ج 2 ص 794.

(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 132 ح 435، وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب أقسام الحج ح 4 ج 8 ص 205.

40

المقصد الثاني في أفعال عمرة التمتع

و فيه فصول:

الفصل الأوّل في الإحرام

و فيه مطالب:

الأوّل في المواقيت

مسألة: المشهور انّ الإحرام من ذات عرق مختارا سابق لكن الأفضل المسلخ، و أدون منه غمرة

، و كلام الشيخ علي بن بابويه (1)(رحمه اللّه) يشعر بأنّه لا يجوز التأخير إلى ذات عرق، إلّا لعليل أو لتقيّة.

لنا: ما رواه أبو بصير قال: سمعت أبا عبد اللّه(عليه السلام) يقول: حدّ العقيق أوّله المسلخ و آخره ذات عرق (2).

مسألة: جوّز الشيخ (3)(رحمه اللّه) الإحرام قبل الميقات للناذر

، و هو

____________

(1) لم نعثر على رسالته.

(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 56 ح 171، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب المواقيت ح 7 ج 8 ص 226.

(3) المبسوط: ج 1 ص 311.

41

مذهب (1) سلّار (2)، و ابن حمزة (3)، و منع ابن إدريس (4) من ذلك، و نقل عن الشيخ انّه رجع عن ذلك في مسائل الخلاف و هو خطأ، فإنّ الشيخ قال في الخلاف: فإن أحرم قبل الميقات لم ينعقد، إلّا أن يكون نذر ذلك (5). و السيد المرتضى (6)، و ابن أبي عقيل (7) منعا من الإحرام قبل الميقات مطلقا، و لم يستثنيا النذر، و كذا ابن الجنيد (8)، و ابن بابويه (9).

احتج المجوّزون بالأصل، و بما رواه علي بن أبي حمزة قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن رجل جعل للّه عليه شكرا أن يحرم من الكوفة، قال: فليحرم من الكوفة، و ليف للّه بما قال (10).

و عن أبي بصير، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: سمعته يقول: لو أنّ عبدا أنعم اللّه عليه نعمة أو ابتلاه ببلية فعافاه من تلك البلية، فجعل على نفسه أن يحرم بخراسان، كان عليه أن يتم (11).

و الجواب: المنع من بقاء حكم الأصل بعد تواتر (12) النقل عن رسول اللّه

____________

(1) ن: قول.

(2) المراسم: ص 108.

(3) الوسيلة: ص 159.

(4) السرائر: ج 1 ص 526- 527.

(5) الخلاف: ج 2 ص 286 المسألة 62.

(6) جمل العلم و العمل (رسائل الشريف المرتضى المجموعة الثالثة): ص 65.

(7) لم نعثر على كتابه و نقله عنه الحلبي في السرائر: ج 1 ص 527.

(8) لم نعثر على كتابه.

(9) من لا يحضره الفقيه: ج 2 ص 305 ذيل الحديث 2526.

(10) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 53 ح 163، وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب المواقيت ح 2 ج 8 ص 237، و ليس فيهما: و ليف للّه بما قال.

(11) تهذيب الاحكام: ج 5 ص 54 ح 164، وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب المواقيت ح 3 ج 8 ص 237.

(12) راجع تهذيب الاحكام: ج 5 ص 51 باب المواقيت، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب المواقيت ج 8 ص 221.

42

(صلّى اللّه عليه و آله) انّه وقّت المواقيت المعينة، و عن الحديثين بضعف سندهما، فانّ علي بن أبي حمزة واقفي و سماعة أيضا.

و احتج المانعون بأنّها عبادة شرعية فيقف فعلها على أمر الشارع بها، و بما رواه ابن مسكان في الصحيح قال: حدثني ميسر قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): رجل أحرم من العقيق و آخر من الكوفة أيّهما أفضل؟ قال: يا ميسر تصلّي العصر أربعا أفضل أو تصلّيها ستا؟ فقلت: أصلّيها أربعا أفضل، قال:

فكذلك سنّة رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله) أفضل من غيره (1).

و التشبيه يقتضي المساواة في الأحكام، فكما كانت الزيادة محرمة لا يصح نذرها في باب الصلاة فكذا في الميقات.

و عن زرارة، عن الباقر(عليه السلام) قال: و ليس لأحد أن يحرم قبل الوقت الذي وقّت رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله)، و انّما مثل ذلك مثل من صلّى في السفر أربعا و ترك الثنتين (2).

و كما كانت الزيادة مبطلة لا ينعقد نذرها فكذا صورة الحمل. و لأنّه نذر عبادة غير مشروعة، فكان بدعة، فكان معصية، فلا ينعقد نذره، و هذا عندي أقرب.

مسألة: قال الشيخ(رحمه اللّه): لو عرض له عارض جاز له تأخير الإحرام عن الميقات

، فاذا زال أحرم عند زواله من الموضع الذي انتهى إليه (3).

و قال ابن إدريس: قوله: «جاز له أن يؤخره» مقصوده كيفية الإحرام الظاهرة، و هو التعرّي و كشف الرأس و الارتداء و التوشح و الاتزار، فأمّا النية

____________

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 52 ح 156، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب المواقيت ح 6 ج 8 ص 235.

(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 51 ذيل ح 155، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب المواقيت ح 3 ج 8 ص 234.

(3) النهاية و نكتها: ج 1 ص 466.

43

و التلبية مع القدرة عليهما، فلا يجوز له ذلك، لأنّه لا مانع يمنع من ذلك و لا ضرورة فيه و لا تقية، و ان أراد غير ذلك فهذا يكون قد ترك الإحرام متعمدا فيبطل حجه (1).

و هذه مؤاخذة لفظية، فانّ الإحرام ماهية مركّبة من النية و التلبية و لبس الثوبين، و لا شكّ في عدم المركب بعدم أحد أجزائه. و نحن نسلّم إيجاب ما يتمكّن منه، لكن لا يكون قد أتى بماهية الإحرام، فإذا زال المانع وجب عليه الإتيان بباقي الأفعال.

نعم يبقى في كلام الشيخ شيء، و هو انّه يمكن أن يقال: إذا زال المانع وجب عليه الرجوع الى الميقات و الإحرام منه، فان تعذر أحرم من موضعه.

لنا: انّه متمكّن من الإحرام من الميقات، فلا يجوز من غيره.

مسألة: قال ابن إدريس: ميقات أهل مصر و من صعد من البحر جدة

(2). قال ابن الجنيد (3): و من سلك البحر أو أخذ طريقا لا يمرّ فيه على هذه المواقيت كان إحرامه من مكة بقدر أقرب المواقيت إليها [فيحرم] (4) منه.

و قال الشيخ في المبسوط: فان قطع الطريق بين الميقاتين أو على طريق البحر نظر الى ما يغلب في ظنه أنّه يحاذي أقرب المواقيت إليه فيحرم منه (5).

فان كان الموضع الذي ذكره ابن إدريس يحاذي أحد المواقيت صح و إلّا فلا، فإنّه ليس في شيء من الأحاديث ذلك، و الذي ورد في ميقات أهل مصر الجحفة، و أهل السند من ميقات أهل البصرة.

____________

(1) السرائر: ج 1 ص 527.

(2) السرائر: ج 1 ص 529.

(3) لم نعثر على كتابه.

(4) ما بين المعقوفتين ليس في جميع النسخ، أثبتناه و ذلك لاقتضاء السياق.

(5) المبسوط: ج 1 ص 313.

44

روى علي بن جعفر في الصحيح، عن أخيه موسى(عليه السلام) قال:

سألته عن إحرام أهل الكوفة و خراسان و ما يليهم من أهل الشام و مصر من أين هو؟ فقال: أمّا أهل الكوفة و خراسان و ما يليهم فمن العقيق، و أهل المدينة من ذي الحليفة و الجحفة، و أهل الشام و مصر من الجحفة، و أهل اليمن من يلملم، و أهل السند من البصرة- يعني من ميقات أهل البصرة (1).

مسألة: المشهور انّه لا يجوز لأهل المدينة العدول عن الإحرام من ميقاتهم الى ميقات أهل العراق

، قاله الشيخ (2) و اتباعه، لما رواه إبراهيم بن عبد الحميد، عن أبي الحسن موسى(عليه السلام) قال: سألته عن قوم قدموا المدينة فخافوا كثرة البرد و كثرة الأيام- يعني الإحرام من الشجرة- فأرادوا أن يأخذوا منها الى ذات عرق يحرموا منها؟ فقال: لا- و هو مغضب- من دخل المدينة فليس له أن يحرم إلّا من المدينة (3).

و الأقرب عندي انّه ان خرج من المدينة حتى وصل ميقاتها لم يجز له العدول منه بعد تجاوزه إلّا محرما، و ان لم يصل ميقاتها جاز له العدول الى أيّ ميقات شاء، و كذا غير المدينة.

لنا: انّه قبل الوصول الى الميقات مخيّر في السلوك إلى مكة بأيّ مكان شاء، و ان لم يتلبّس بالوصول الى موضع يجب عليه فيه العبادة المخصوصة، فلا حجر عليه في الإحرام من أيّ المواقيت شاء.

و في المبسوط: و من خرج على طريق المدينة كره له أن يرجع الى طريق العراق ليحرم من العقيق (4).

____________

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 55 ح 169، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب المواقيت ح 5 ج 8 ص 223.

(2) النهاية و نكتها: ج 1 ص 467.

(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 57 ح 179، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب المواقيت ح 1 ج 8 ص 230.

(4) المبسوط: ج 1 ص 312.

45

مسألة: قال الشيخ في النهاية (1) و المبسوط (2): و من جاء الى الميقات و لم يقدر على الإحرام

لمرض أو غيره فليحرم عنه وليّه، و يجنّبه ما يجتنب المحرم، و قد تمَّ إحرامه.

و قال ابن الجنيد (3): و من كان مغلوبا عليه في وقت الإحرام أحرم به، و يمنع ممّا يمنع منه المحرم، و كذلك الطفل.

قال ابن إدريس: قول الشيخ غير واضح، بل ان كان عقله ثابتا عليه فالواجب عليه أن ينوي هو و يلبي هو، فان لم يقدر فلا شيء عليه و انعقد إحرامه بالنية و صار بمنزلة الأخرس و لا يجزئه نية غيره عنه، و ان كان زائل العقل فقد سقط عنه الحج مندوبا كان أو واجبا، فإن أريد بذلك انّ وليّه لا يقربه شيئا ممّا يحرم على المحرم استعماله فحسن، و ان أريد بأنّه ينوي عنه و يحرم عنه فقد قلنا ما عندنا في ذلك (4).

و الوجه أن نقول: لا نزاع في أنّ العاقل يحرم بنفسه و يعقد الإحرام بقلبه و يلبي، إنّما النزاع في المغمى عليه و المغلوب على عقله، فانّا نقول: يجوز للولي أن يحرم عنه، فاذا بلغ أحد الموقفين كاملا لزمه الحج و صح منه و أجزأه، و ان فاته الموقفان سقط عنه فرض الحج.

لنا: انّ الإحرام عبادة يصح فيها النيابة فأجزأ إحرام الولي عنه.

و ما رواه جميل، عن بعض أصحابنا، عن أحدهما(عليهما السلام) في مريض أغمي عليه فلم يعقل حتى أتى الموقف، فقال: يحرم عنه رجل (5).

____________

(1) النهاية و نكتها: ج 1 ص 467.

(2) المبسوط: ج 1 ص 313.

(3) لم نعثر على كتابه.

(4) السرائر: ج 1 ص 529.

(5) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 60 ح 191، وسائل الشيعة: ب 20 من أبواب المواقيت ح 4 ج 8 ص 245.

46

مسألة: ميقات حج التمتع مكة

، فلو أحرم من خارجها وجب عليه الرجوع الى مكة و استئناف الإحرام منها، فان تعذر قال الشيخ في المبسوط (1) و الخلاف (2): أجزأه و صح حجه و لا دم عليه، سواء أحرم من الحل أو الحرم.

و الأقرب عندي استيناف الإحرام من موضعه الذي يتمكّن من الإحرام فيه و لو بعرفة ان لم يتعمّد ذلك، و في سقوط الدم اشكال.

لنا: انّه إحرام من غير وقته فكان باطلا.

مسألة: لو ترك الإحرام ناسيا حتى أكمل مناسكه قال الشيخ: صح

حجه (3).

و قال ابن إدريس: يجب القضاء (4).

احتج الشيخ بأنّه ناس، فوجب أن يرتفع عنه القلم.

و ما رواه جميل، عن بعض أصحابنا، عن أحدهما(عليهما السلام) في رجل نسي أن يحرم أو جهل و قد شهد المناسك كلّها و طاف و سعى، قال: تجزئه نيته إذا كان قد نوى ذلك، فقد تمَّ حجه و ان لم يهلّ (5).

و لأنّ الإنسان في معرض السهو و النسيان، و تكليف اعادة الحج مشقّة عظيمة، فلو أوجبناه لزم التكليف بالحرج غالبا، و هو منفي بالأصل.

احتج ابن إدريس بأنّه لم يأت بالعبادة على وجهها، فيبقى في العهدة، و النسيان مسقط للإثم لا للفعل، و الرواية مرسلة.

و الأقرب عندي الأوّل لما تقدّم.

____________

(1) المبسوط: ج 1 ص 309.

(2) الخلاف: ج 2 ص 265 المسألة 31.

(3) النهاية و نكتها: ج 1 ص 467.

(4) السرائر: ج 1 ص 529- 530.

(5) تهذيب الاحكام: ج 5 ص 61 ح 192، وسائل الشيعة: ب 20 من أبواب المواقيت ح 1 ج 8 ص 245.

47

قال ابن إدريس: انّما تجب عليه الإعادة لقوله(عليه السلام): «الأعمال بالنيات» و هذا عمل بلا نية، فلا يرجع عن الأدلة بأخبار الآحاد، و لم يقل بذلك أحد من أصحابنا سوى الشيخ أبي جعفر، و الرجوع الى الأدلّة أولى من تقليد الرجال (1).

و هذا دليله الذي أوجب الرجوع إليه دون تقليد الرجال غير ناهض، فإنّه لا عمل هنا بغير نية، و هذا الدليل غير مناسب للدعوى فيه.

المطلب الثاني في كيفية الإحرام

مسألة: قال المفيد: إذا أراد الحج فليوفّر شعر رأسه في مستهل ذي القعدة

، فإن حلقه في ذي القعدة كان عليه دم يهريقه (2).

و قال في النهاية: عليه أن يوفّر شعر رأسه (3)، و هو يعطي الوجوب، و كذا في الاستبصار (4).

و قال في الجمل: انّه مستحب (5)، و هو قول ابن إدريس (6)، و هو الأقوى.

لنا: الأصل براءة الذمة.

و ما رواه سماعة، عن الصادق(عليه السلام) قال: سألته عن الحجامة و حلق القفا في أشهر الحج، فقال: لا بأس به، و السواك و النورة (7).

____________

(1) السرائر: ج 1 ص 530.

(2) المقنعة: ص 391.

(3) النهاية و نكتها: ج 1 ص 463.

(4) الاستبصار: ج 2 ص 161 ذيل الحديث 524.

(5) الجمل و العقود: ص 133.

(6) السرائر: ج 1 ص 522.

(7) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 47 ح 145، وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب الإحرام ح 3 ج 9 ص 7.

48

احتج الشيخ بما رواه معاوية بن عمار في الحسن، عن الصادق(عليه السلام) قال: الحج أشهر معلومات: شوال و ذو القعدة و ذو الحجة، فمن أراد الحج وفّر شعر رأسه إذا نظر الى هلال ذي القعدة، و من أراد العمرة وفّر شعره شهرا (1).

و الجواب: نقول بموجب الحديث، فانّ المستحب مأمور به كالواجب.

مسألة: لو اغتسل للإحرام ثمَّ نام قبله استحب له اعادته

، قاله الشيخ (2)- (رحمه اللّه).

و قال ابن إدريس: لا يستحب (3).

لنا: انّه بنومه خرج عن الطهارة الحقيقية، فعن الوهمية أولى.

و لأنّه أبلغ في التنظيف.

و ما رواه النضر بن سويد في الصحيح، عن أبي الحسن(عليه السلام) قال:

سألته عن الرجل يغتسل للإحرام ثمَّ ينام قبل أن يحرم، قال: عليه اعادة الغسل (4).

و عن ابن أبي حمزة قال: سألت أبا الحسن(عليه السلام) عن رجل اغتسل للإحرام ثمَّ نام قبل أن يحرم، قال: عليه اعادة الغسل (5).

احتج ابن إدريس بأنّه قد ورد انّه من اغتسل نهارا كفاه غسله، و كذا من اغتسل ليلا (6).

____________

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 46 ح 139، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب الإحرام ح 4 ج 9 ص 4.

(2) النهاية و نكتها: ج 1 ص 468.

(3) السرائر: ج 1 ص 530.

(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 65 ح 206، وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب الإحرام ح 1 ج 9 ص 14.

(5) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 65 ح 207، وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب الإحرام ح 2 ج 9 ص 14- 15.

(6) السرائر: ج 1 ص 530.

49

و الجواب: لا نزاع في ذلك، انّما النزاع في انّ النوم إذا تعقّب الغسل هل يبطله أم لا؟

نعم قد روى عيص في الصحيح قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن الرجل يغتسل للإحرام بالمدينة و يلبس ثوبين ثمَّ ينام قبل أن يحرم، قال:

ليس عليه غسل (1).

و أجاب عنه الشيخ بأنّه نفي وجوب الغسل لا استحبابه (2)، و هو جيد.

مسألة: قال الشيخ(رحمه اللّه) في النهاية: من أحرم من غير صلاة و غير غسل

كان عليه إعادة الإحرام بصلاة و غسل (3).

و في المبسوط: كان إحرامه منعقدا، غير أنّه يستحب له إعادة الإحرام بصلاة و غسل (4).

و قال ابن إدريس: ان أراد أنّه نوى الإحرام و أحرم و لبّى من دون صلاة و غسل فقد انعقد إحرامه، فأيّ اعادة تكون عليه و كيف يتقدّر ذلك؟ و ان أراد أنّه أحرم بالكيفية الظاهرة من دون النية و التلبية فيصح ذلك، و يكون لقوله وجه (5).

و هذا ليس بجيد، و انّما قصد الشيخ(رحمه اللّه) انّه إذا عقد إحرامه بالتلبية و النية و لبس الثوبين التي هي أركان الإحرام و اجزاؤه من غير غسل و لا صلاة استحب له إعادة التلبية و لبس الثوبين و النية، عملا برواية الحسين بن سعيد الصحيحة، عن أخيه الحسن قال: كتبت الى العبد الصالح أبي الحسن- عليه

____________

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 65 ح 208، وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب الإحرام ح 3 ج 9 ص 15.

(2) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 65 ذيل الحديث 208.

(3) النهاية و نكتها: ج 1 ص 469.

(4) المبسوط: ج 1 ص 315.

(5) السرائر: ج 1 ص 532.

50

السلام-: رجل أحرم بغير صلاة أو بغير غسل جاهلا أو عالما ما عليه في ذلك و كيف ينبغي له أن يصنع؟ فكتب: يعيده (1).

و لا استبعاد في استحباب اعادة الفرض لأجل النفل، كما في الصلاة المكتوبة إذا دخل المصلي فيها بغير أذان و لا إقامة فإنّه يستحب له إعادتها.

مسألة: قال ابن أبي عقيل (2): غسل الإحرام فرض واجب، و المشهور الاستحباب.

لنا: الأصل براءة الذمة، و قد سبق البحث في ذلك.

مسألة: قال ابن أبي عقيل (3): ثمَّ يحرم من دبر صلاة مكتوبة أو نافلة

، فإن كان وقت صلاة مكتوبة صلى ركعتين ثمَّ أحرم بعد التسليم، و هو يشعر بتقديم الفريضة على نافلة الإحرام، و إيقاع الإحرام تبعا لها.

و المفيد (4)(رحمه اللّه) قدّم نافلة الإحرام، ثمَّ أتبعها بالفريضة، ثمَّ أتبعها بالإحرام.

مسألة: قال الشيخ في المبسوط: إذا أحرم مبهما و لم ينو لا حجا و لا عمرة

كان مخيّرا بين الحج و العمرة أيّهما شاء فعل إذا كان في أشهر الحج، و ان كان في غيرها لم ينعقد إحرامه إلّا بالعمرة، و ان أحرم و قال: إحراما كإحرام فلان فان علم بما ذا أحرم فلان من حج أو عمرة قران أو افراد أو تمتع عمل عليه، فان لم يعلم ذلك بأن يهلك فلان فليتمتع احتياطا للحج و العمرة، و انّما قلنا:

بجوازه، لإحرام أمير المؤمنين(عليه السلام) حين جاء من اليمن و قال: إهلالا كإهلال نبيّك، و اجازه النبي(صلّى اللّه عليه و آله) ان بان له أنّ فلانا ما أحرم

____________

(1) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 78 ح 260، وسائل الشيعة: ب 20 من أبواب الإحرام ح 1 ج 8 ص 28.

(2) لم نعثر على كتابه.

(3) لم نعثر على كتابه.

(4) المقنعة: ص 396.

51

أصلا كان إحرامه موقوفا إن شاء حج و إن شاء اعتمر (1).

و هذا الكلام كلّه عندي مشكل، لأنّ الواجب عليه تعيين أحد النسكين، و انّما يتميّز أحدهما عن الآخر بالنية، و نمنع كون علي(عليه السلام) لم يعلم بإهلال رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله) حين أهلّ.

مسألة: ظاهر كلام ابن الجنيد (2) يعطي وجوب الغسل و صلاة الإحرام

، فإنّه قال: ثمَّ اغتسل و لبس ثوبي إحرامه و يصلي لإحرامه، لا يجزئه غير ذلك إلّا الحائض، فإنّها تحرم بغير صلاة. ثمَّ قال بعد كلام طويل: و ليس ينعقد الإحرام إلّا من الميقات بعد الغسل و التجرد و الصلاة. و الأشهر الاستحباب.

لنا: الأصل براءة الذمة.

احتج بما تقدّم من إعادة الإحرام إذا لم يقع عقيبهما.

و الجواب: انّه محمول على الاستحباب.

مسألة: قال الشيخ(رحمه اللّه): الإحرام ينعقد بالتلبية للمتمتع و المفرد.

و أمّا القارن فإنّه ينعقد بها أو بإشعار هدي السياق أو تقليده (3)، و إليه ذهب ابن الجنيد (4)، و سلار (5)، و أبو الصلاح (6)، و ابن البراج، إلّا أنّ ابن البراج قال قولا غريبا و هو: انّ عقد الإحرام بالتلبية أو ما قام مقامها من الإيماء لمن لا يستطيع الكلام، و التقليد و الاشعار من القارن و المفرد (7).

و قال السيد المرتضى: لا ينعقد إلّا بالتلبية (8) دون الاشعار و التقليد، و به قال ابن إدريس (9). و الأصح الأوّل.

____________

(1) المبسوط: ج 1 ص 316- 317.

(2) لم نعثر على كتابه.

(3) الاقتصاد: ص 301.

(4) لم نعثر على كتابه.

(5) المراسم: ص 108.

(6) الكافي في الفقه: ص 208.

(7) المهذب: ج 1 ص 214- 215.

(8) الانتصار: ص 102.

(9) السرائر: ج 1 ص 532.

52

لنا: أصالة براءة الذمة من وجوب التلبية بعد الإشعار أو التقليد.

و ما رواه معاوية في الصحيح، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) انّه قال: في القارن لا يكون قران إلّا بسياق الهدي (1)، و هو يدلّ بمفهومه (2) على تحقيق القران عند السياق، لأنّ الاستثناء من النفي إثبات.

و في الصحيح عن حريز، عن الصادق(عليه السلام) قال: و لا يشعرها أبدا حتى يتهيّأ للإحرام، فإنّه إذا أشعر و قلد وجب عليه الإحرام، و هو بمنزلة التلبية (3).

و في الصحيح عن معاوية بن عمار، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام): قال:

يوجب الإحرام ثلاثة أشياء: التلبية و الاشعار و التقليد، فاذا فعل شيئا من هذه الثلاثة فقد أحرم (4).

و في الصحيح عن عمر بن يزيد، عن الصادق(عليه السلام) قال: من أشعر بدنة فقد أحرم و ان لم يتكلّم بقليل و لا كثير (5).

احتج السيد المرتضى بالإجماع، و بأنّه إذا لبّى دخل في الإحرام و انعقد بالإجماع، بخلاف ما إذا لم يلبّ، و بأنّ فرض الحج مجمل، و النبي(عليه السلام) إذا فعل بيانه كان واجبا. و قد روى الناس كلّهم انّه(عليه السلام)

____________

(1) تهذيب الاحكام: ج 5 ص 41 ح 122، وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب أقسام الحج ح 1 و 2 ج 8 ص 149.

(2) في متن المطبوع و م (2): بمنطوقه.

(3) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 43 ح 128، وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب أقسام الحج 19 ج 8.

ص 202.

(4) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 43 ح 129، وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب أقسام الحج ح 20 ج 8 ص 202.

(5) تهذيب الأحكام: ج 5 ص 44 ح 130، وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب أقسام الحج ح 21 ج 8 ص 202.