مختلف الشيعة في أحكام الشريعة - ج5

- العلامة الحلي المزيد...
471 /
3

كتاب المتاجر

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

كتاب المتاجر

و فيه فصول:

الفصل الأوّل في وجوه الاكتساب

مسألة: قال الشيخ في النهاية: جميع النجاسات يحرم التصرّف فيها و التكسّب بها

على اختلاف أجناسها من سائر أنواع العذرة و الأبوال و غيرهما، إلّا أبوال الإبل خاصة فإنّه لا بأس بشربه و الاستشفاء به عند الضرورة (1).

و هذا الكلام يفهم منه باعتبار تفصيل النجاسات، صرف الأبوال التي عدّها في الأقسام الى أبوال ما لا يؤكل لحمه، فانّ غيرها ليس بنجس، و باعتبار استثناء بول الإبل صرفه إلى الأبوال مطلقا، سواء كانت طاهرة أو نجسة.

و بالجملة فكلامه هنا مشتبه.

و قال سلّار: يحرم بيع الأبوال، إلّا أبوال الإبل خاصة (2)، و هو قول المفيد (3).

____________

(1) النهاية و نكتها: ج 2 ص 98.

(2) المراسم: ص 170.

(3) المقنعة: ص 587.

6

و قال ابن إدريس: لا بأس بأبوال و أرواث ما يؤكل لحمه، قال: و قال شيخنا في نهايته: و الأبوال و غيرها، إلّا أبوال الإبل خاصّة فإنّه لا بأس بشربه و الاستشفاء به عند الضرورة، قال: و الصحيح الأوّل، و هو انّ بول الإبل و بول غيرها ممّا يؤكل لحمه سواء لا بأس بذلك، لأنّه طاهر عندنا، سواء كان لضرورة أو غير ضرورة (1).

و قال في المبسوط: الطاهر الذي فيه منفعة يجوز بيعه، لأنّ الذي يمنع من بيعه نجاسته و زوال ملكه و هذا مملوك (2). و الأقرب الجواز.

لنا: عموم قوله تعالى وَ أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ (3) و لأنّه طاهر منتفع به فكان بيعه سائغا كغيره.

احتج المانعون بأنّه من الفضلات التي لا نفع فيها فلم يجز بيعه كالمخاط و البصاق.

و الجواب: المنع من عدم الانتفاع.

مسألة: قال المفيد: بيع العذرة و الأبوال كلّها حرام، إلّا أبوال الإبل خاصة

(4). و هذا يعطي تحريم بيع عذرة الإنسان و غيره، و كذا قال سلّار (5).

و قال الشيخ في الخلاف: يجوز بيع سرجين ما يؤكل لحمه (6)، و هو الأقرب عندي، و به قال ابن إدريس (7).

لنا: إنّه عين طاهرة ينتفع بها فجازت المعاوضة عليها بالبيع كغيرها من الأعيان الطاهرة، لعموم قوله تعالى وَ أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ (8).

و ما رواه محمد بن مضارب، عن الصادق(عليه السلام) قال: لا بأس

____________

(1) السرائر: ج 2 ص 219.

(2) المبسوط: ج 2 ص 167.

(3) البقرة: 275.

(4) المقنعة: ص 587.

(5) المراسم: ص 170.

(6) الخلاف: ج 3 ص 185 المسألة 310.

(7) السرائر: ج 2 ص 221.

(8) البقرة: 275.

7

ببيع العذرة.

احتج المانعون بما رواه يعقوب بن شعيب، عن الصادق(عليه السلام) قال: ثمن العذرة من السحت (1).

و الجواب: إنّه محمول على عذرة الإنسان جمعا بين الأدلة.

و قال الشيخ: المراد بالحديث الأوّل ما عدا عذرة الآدميين، و هذا الحديث محمول على عذرة الإنسان، لما رواه سماعة بن مهران في الموثّق قال: سأل رجل أبا عبد اللّه(عليه السلام) و أنا حاضر و قال: إنّي رجل أبيع العذرة فما تقول؟

قال: حرام بيعها و ثمنها، و قال: لا بأس ببيع العذرة. فلو لا أنّ المراد بقوله:

«حرام بيعها و ثمنها» ما ذكرناه لكان قوله بعد ذلك: «لا بأس ببيع العذرة» مناقضا له، و هو ممتنع في أقوالهم (عليهم السلام) (2).

مسألة: قال الشيخان: يحرم بيع السلاح لأعداء الدين و عمله لمعونتهم

(3)، و به قال أبو الصلاح (4)، و سلّار (5).

و قال ابن إدريس: يحرم عمل السلاح مساعدة و معونة لأعداء الدين و بيعه لهم إذا كانت الحرب قائمة بيننا و بينهم، فاذا لم يكن ذلك و كان زمان هدنة فلا بأس بحمله إليهم و بيعه عليهم على ما روي في الأخبار عن الأئمة الأطهار (6).

____________

(1) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 372 ح 1080، وسائل الشيعة: باب 40 من أبواب ما يكتسب به ح 1 ج 12 ص 126.

(2) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 372 ذيل الحديث 1080 و حديث 1081 و ذيله.

(3) المقنعة: ص 588، النهاية و نكتها: ج 2 ص 99.

(4) الكافي في الفقه: ص 282.

(5) المراسم: ص 170.

(6) السرائر: ج 2 ص 216.

8

احتج الشيخ بما رواه السراد، عن رجل عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: قلت له: إنّي أبيع السلاح، قال: لا تبعه في فتنة (1).

قال: فأمّا ما رواه أحمد بن محمد، ثمَّ أسند الى أبي بكر الحضرمي قال:

دخلنا على أبي عبد اللّه(عليه السلام) فقال له حكم السراج: ما ترى في ما يحمل الى الشام من السروج و أداتها؟ قال: لا بأس، أنتم اليوم بمنزلة أصحاب رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله) إنّكم اليوم في هدنة، فإذا كانت المباينة حرم عليكم أن تحملوا إليهم السلاح و السروج (2).

و الوجه في هذا الخبر أحد شيئين:

أحدهما: أن يكون مختصّا بالسروج و شبهها ممّا لا يمكن استعماله في القتال، لما رواه محمد بن قيس قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن الفئتين تلتقيان من أهل الباطل أبيعهما السلاح؟ قال: بعهما ما يمكنهما الدروع و الخفين (3).

و الآخر: أن يكون بيع السلاح لهم إذا علم أنّهم يستعملونه في قتال الكفار، لما رواه هند السراج قال: قلت لأبي جعفر(عليه السلام): أصلحك اللّه ما تقول إنّي كنت أحمل السلاح الى أهل الشام فأبيعه منهم فلمّا عرّفني اللّه هذا الأمر ضقت بذلك و قلت: لا أحمل إلى أعداء اللّه؟ فقال لي: احمل إليهم، فإنّ اللّه عزّ و جلّ يدفع بهم عدوّنا و عدوّكم- يعني الروم- فاذا كان الحرب بيننا

____________

(1) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 354 ح 1007، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب ما يكتسب به ح 4 ج 12 ص 70.

(2) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 354 ح 1005، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب ما يكتسب به ح 1 ج 12 ص 69.

(3) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 354 ح 1006، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب ما يكتسب به ح 3 ج 12 ص 70.

9

فمن حمل الى عدونا سلاحا يستعينون به علينا فهو مشرك (1).

و دلالة هذه الأحاديث على ما ذهب إليه ابن إدريس أقوى.

مسألة: قال المفيد: التجارة في القردة و السباع و الفيلة و الذئبة و سائر المسوخ حرام

، و أكل أثمانها حرام، و التجارة في الفهود و البزاة و سباع الطير التي يصاد بها حلال (2).

و كذا حرّم الشيخ في النهاية بيع سائر المسوخ و شراءها و التجارة فيها و التكسّب بها مثل: القردة و الفيلة و الدببة و غيرها من أنواع المسوخ، و بيع السباع و التصرّف فيها و التكسّب بها محظور، إلّا الفهود خاصة، لأنّها تصلح للصيد (3).

و قال سلّار: يحرم بيع القردة و السباع و الفيلة و الذئاب (4).

و قال الشيخ في الخلاف: لا يجوز بيع شيء من المسوخ كالقردة و الخنزير و الدب و الثعلب و الأرنب و الذئب و الفيل و غير ذلك (5).

و قال في المبسوط: الحيوان الذي هو نجس العين كالكلب و الخنزير و ما توالد منهما، و جميع المسوخ و ما توالد من ذلك أو من أحدهما فلا يجوز بيعه و لا إجارته و لا الانتفاع به و لا اقتناؤه بحال إجماعا إلّا الكلب، ثمَّ قال: و الطاهر غير المأكول مثل: الفهد و النمر و الفيل و جوارح الطير و الصقور و البزاة و الشواهين و العقبان و الأرنب و الثعلب و ما أشبه ذلك، فهذا كلّه يجوز بيعه، و إن كان ممّا

____________

(1) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 353 ح 1004، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب ما يكتسب به ح 2 ج 12 ص 69.

(2) المقنعة: ص 589.

(3) النهاية و نكتها: ج 2 ص 98.

(4) المراسم: ص 170.

(5) الخلاف: ج 2 ص 184 المسألة 308.

10

لا ينتفع به فلا يجوز بيعه بلا خلاف مثل: الأسد و الذئب (1).

و قال ابن أبي عقيل: جميع ما يحرم بيعه و شراؤه و لبسه عند آل الرسول(عليهم السلام) بجميع ما ذكرناها من الأصناف التي يحرم أكلها من السباع و الطير و السمك و الثمار و النبات و البيض.

و قال ابن الجنيد: لا خير في ما عدا الصيود و الحارس من الكلاب و في سائر المسوخ، و اختار في أثمان ما لا يؤكل لحمه من السباع و المسوخ، ألّا يصرف بائعه ثمنه في مطعم و لا مشرب له و لغيره من المسلمين.

و قال ابن البرّاج: لا يجوز بيع ما كان مسخا من الوحوش، و يجوز بيع جوارح الطير و السباع من الوحوش (2).

و قال ابن إدريس: يجوز بيع الفيلة و الدببة و جميع السباع بيعا للانتفاع بجلدها و عظم الفيل (3). و الأقرب الجواز.

لنا: إنّه عين طاهرة ينتفع بها فجاز بيعها، أمّا أنّها عين طاهرة فلأنّا قد بيّنا فيما سلف طهارة المسوخ، و أمّا الانتفاع بها فإنّها ينتفع بجلودها و عظامها، و أمّا جواز بيعها حينئذ فللمقتضي و هو عموم قوله تعالى وَ أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ (4) و زوال المانع و هو النجاسة.

لا يقال: لا نسلّم عموم قوله تعالى وَ أَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ.

لأنّا نقول: هذه الصيغة و إن لم تدلّ على العموم لكنّ الفقهاء أجمعوا في جميع الأعصار و الأصقاع على عمومية الاستدلال بهذه الآية في كلّ مبيع فيكون للعموم.

____________

(1) المبسوط: ج 2 ص 165- 166.

(2) لم نعثر عليه في المصادر المتوفرة لدينا.

(3) السرائر: ج 2 ص 220.

(4) البقرة: 275.

11

و قد روى عبد الحميد بن سعد قال: سألت أبا إبراهيم(عليه السلام) عن عظام الفيل أ يحلّ بيعه أو شراؤه للذي يجعل منه الأمشاط؟ فقال: لا بأس قد كان لأبي منه مشط أو أمشاط (1).

و في الصحيح عن عيص بن القاسم قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن الفهود و سباع الطير هل يلتمس التجارة فيها؟ قال: نعم (2).

و عن أبي مخلّد السرّاج قال: كنت عند أبي عبد اللّه(عليه السلام) إذ دخل عليه معتب فقال: بالباب رجلان، فقال: أدخلهما فدخلا، فقال أحدهما:

إنّي رجل سرّاج أبيع جلود النمر، فقال: مدبوغة هي؟ قال: نعم، قال: ليس به بأس (3).

احتج المانعون بأنّها نجسة فيحرم بيعها، و بما رواه مسمع، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) أنّ رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله) نهى عن القرد أن يشترى أو يباع (4).

و الجواب: المنع من النجاسة و قد تقدّم، و عن الحديث المنع من صحّة السند و الحمل على الكراهة، فإنّ النهي كما يكون للتحريم يكون للكراهة جمعا بين الأدلّة.

مسألة: قال في النهاية: ثمن الكلب سحت إلّا ما كان سلوقيا للصيد

، فإنّه

____________

(1) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 373 ح 1083، وسائل الشيعة: ب 37 من أبواب ما يكتسب به ح 2 ج 12 ص 123.

(2) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 386 ح 1148، وسائل الشيعة: ب 37 من أبواب ما يكتسب به ح 1 ج 12 ص 123.

(3) تهذيب الاحكام: ج 7 ص 135 ح 595، وسائل الشيعة: ب 38 من أبواب ما يكتسب به ح 1 ج 12 ص 124.

(4) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 374 ح 1086، وسائل الشيعة: ب 37 من أبواب ما يكتسب به ح 4 ج 12 ص 123

12

لا بأس ببيعه و شرائه و أكل ثمنه و التكسّب به (1)، و كذا قال المفيد (2).

و في المبسوط: الكلاب ضربان: أحدهما: لا يجوز بيعه بحال، و الآخر:

يجوز ذلك فيه، فما يجوز بيعه ما كان معلّما للصيد. و روي أنّ كلب الماشية و الحائط مثل ذلك، و ما عدا ذلك كلّه لا يجوز بيعه و لا الانتفاع به (3).

و قال في الخلاف: يجوز بيع كلاب الصيد، و يجب على قاتلها قيمتها إذا كانت معلّمة، و لا يجوز بيع غير الكل المعلّم حال (4).

و قال ابن الجنيد: لا بأس بشراء الكلب الصائد و الحارس للماشية و الزرع.

و قال ابن البرّاج: يجوز بيع كلب الصيد دون غيره من الكلاب (5).

و قال ابن إدريس: يجوز بيع كلب الصيد سواء كان سلوقيا- و هو المنسوب الى سلوق قرية باليمن- أو غير سلوقي و كلب الزرع و كلب الماشية و كلب الحائط (6)، و به قال ابن حمزة (7)، و هو الأقرب عندي.

لنا: الأصل الإباحة.

و لأنّه لو جاز بيع كلب الصيد جاز بيع باقي الكلاب الأربعة، و الأوّل ثابت إجماعا و كذا الثاني.

بيان الشرطية: إنّ المقتضي للجواز هناك كون المبيع ممّا ينتفع به و ثبوت الحاجة الى المعاوضة، و هذان المعنيان ثابتان في صورة النزاع فيثبت الحكم،

____________

(1) النهاية و نكتها: ج 2 ص 98.

(2) المقنعة: ص 589.

(3) المبسوط: ج 2 ص 166.

(4) الخلاف: ج 3 ص 181 المسألة 302.

(5) لم نعثر عليه و الموجود في كتاب الإجارة من المهذب الجواز: ج 1 ص 502.

(6) السرائر: ج 2 ص 220.

(7) الوسيلة: ص 248.

13

عملا بالمقتضي السالم عن المعارض، إذ الأصل انتفاؤه.

و لأنّ لها ديات منصوصة فيجوز المعاوضة عليها.

و لانّه يجوز إجارتها فيجوز بيعها.

احتج بما رواه الوليد العامري قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن ثمن الكلب الذي لا يصيد، فقال: سحت، و أمّا الصيود فلا بأس (1).

و عن السكوني في الموثّق، عن الصادق(عليه السلام) قال: السحت ثمن الميتة، و ثمن الكلب، و ثمن الخمر، و مهر البغي و الرشا في الحكم، و أجر الكاهن (2).

و لأنّها عين نجسة، فيحرم بيعها كالعذرات.

و الجواب عن الحديثين: بمنع صحة سندهما و بالقول بالموجب، فانّ لفظ الكلب ليس من ألفاظ العموم فيحمل على كلب الهراش، و بالفرق بين الأصل و الفرع في الثاني، لعدم الانتفاع في الأصل، مع أنّه قياس لا يجوز العمل به.

مسألة: قال ابن البرّاج: يحرم التماثيل المجسّمة و غير المجسّمة

(3). و قال ابن إدريس: و سائر التماثيل و الصور ذات الأرواح مجسّمة كانت أو غيرها (4).

و أبو الصلاح قال: يحرم التماثيل (5)، و أطلق.

____________

(1) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 367 ح 1060، وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب ما يكتسب به ح 7 ج 12 ص 83.

(2) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 368 ح 1061، وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب ما يكتسب به ح 5 ج 12 ص 62.

(3) المهذب: ج 1 ص 344.

(4) السرائر: ج 2 ص 215.

(5) الكافي في الفقه: ص 281.

14

و قال الشيخان: يحرم عمل التماثيل المجسّمة (1)، و كذا قال سلّار (2).

و هذا لا يعطي اباحة غيرها صريحا بل من طريق المفهوم، و لأنّ الأصل الإباحة و الذي ورد عن أبي بصير في طريق ضعيف، قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): إنّا نبسط عندنا الوسائد فيها التماثيل و نفرشها، قال: لا بأس بما يبسط منها و يفرش و يطأ، و إنّما يكره منها ما نصب على الحائط و على السرير (3). و لا دلالة صريحة في التحريم هنا و الإباحة، بل من حيث المفهوم أيضا.

مسألة: قال ابن البرّاج: من باع هرّة فليتصدق بثمنها

و لا يتصرف فيه في غير ذلك (4). و الوجه عدم وجوب ذلك.

لنا: إنّها مملوكة فكان الثمن ملكه كغيرها.

مسألة: عدّ أبو الصلاح (5)، و ابن البرّاج (6) في المحرّمات خصاء شيء من الحيوان.

و قال ابن الجنيد: يكره إخصاء البهائم و ليس بمحرّم، قال: و هو محرم عندي فعله بالناس.

و قال ابن إدريس: إنّه مكروه (7).

احتجّا بأنّه تعذيب للحيوان غير مأمور به شرعا فيكون محرّما عقلا.

____________

(1) المقنعة: ص 587، النهاية و نكتها: ج 2 ص 97.

(2) المراسم: ص 170.

(3) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 381 ح 1132، وسائل الشيعة: ب 94 من أبواب ما يكتسب به ح 4 ج 12 ص 220.

(4) لم نعثر عليه في المصادر المتوفرة لدينا.

(5) الكافي في الفقه: ص 281.

(6) المهذب: ج 1 ص 345.

(7) السرائر: ج 3 ص 215- 216.

15

احتجّ ابن إدريس بأنّ فيه منفعة للمالك، فجاز إيلام الحيوان تحصيلا لها، كما جاز إيلامه بالذبح. قال: و يحمل ما ورد من النهي في هذا الباب على الكراهة (1)، و قوله جيد.

مسألة: قال ابن إدريس: يحرم بيع ما عدا الكلاب الأربعة

و ثمنه و ثمن جلده، سواء ذكّي أو لم يذكّ و سواء كلب برّ أو بحر، لأنّه لا تحلّه الذكاة، فقد ذكر العلماء أنّه ما من شيء في البر إلّا و مثله في الماء، سواء نسب الى اسم أو أضيف إليه، لأنّ الكلب اسم جنس يتناول الوجوه كلّها و الأحوال (2).

و الأقرب أنّ النجاسة و عدم التذكية لاحقة بالكلب الحقيقي، و هو كلب البر دون كلب البحر.

لنا: الأصل عدم النجاسة، و إطلاق التعليق ينصرف إلى البرّي، لأنّه المتعارف عند الإطلاق، و إذا أطلق الكلب على كلب الماء فبنوع من المجاز، و لهذا افتقر الى التقييد.

مسألة: قال الشيخ في النهاية: يكره أخذ الأجرة على تعليم شيء من القرآن

و نسخ المصاحف و ليس بمحظور، و إنّما يكره إذا كان هناك شرط، فإن لم يكن هناك شرط لم يكن به بأس (3). و كذا قال ابن البرّاج (4).

و المفيد قال: لا بأس بالأجرة على تعليم القرآن و الحكم كلّها، و التنزّه عن التكسّب بذلك أفضل (5).

و قال أبو الصلاح: يحرم أجر تعليم المعارف و الشرائع و كيفية العبادة عن

____________

(1) السرائر: ج 2 ص 215- 216 مع اختلاف.

(2) السرائر: ج 2 ص 220.

(3) النهاية و نكتها: ج 2 ص 102.

(4) المهذب: ج 1 ص 346.

(5) المقنعة: ص 588.

16

النظر فيها و الفتيا بها و تنفيذ الأحكام و تلقين القرآن (1).

و قال الشيخ في الاستبصار: يحرم مع الشرط و يكره بدونه (2).

و قال ابن إدريس: يكره مع الشرط و لا بأس بدونه (3). و الأقرب إباحته على كراهية.

لنا: الأصل الإباحة.

و لأنّ فيه منفعة تعليم القرآن، و تعميم إشاعة معجزة النبي- (صلّى اللّه عليه و آله).

و لأنّه يجوز جعله مهرا فجاز أخذ الأجرة عليه، إذ لو حرمت الأجرة لحرم جعله مهرا.

و ما رواه الفضل بن أبي قرّة قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): إنّ هؤلاء يقولون: ان كسب المعلّم سحت، فقال: كذبوا أعداء اللّه انّما أرادوا لئلّا يعلّموا القرآن، و لو أنّ المعلّم أعطاه رجل دية ولده كان للمعلّم مباحا (4).

احتج الشيخ بما رواه حسان المعلّم قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن التعليم، فقال: لا تأخذ على التعليم أجرا، قلت: الشعر و الرسائل و ما أشبه ذلك أشارطه عليه؟ قال: نعم بعد أن يكون الصبيان عندك سواء في التعليم، لا تفضّل بعضهم على بعض (5).

و عن زيد بن علي، عن أبيه(عليه السلام) عن آبائه(عليهم السلام) عن

____________

(1) الكافي في الفقه: ص 283.

(2) الاستبصار: ج 3 ص 65- 66 ذيل الحديث 216 و 219.

(3) السرائر: ج 2 ص 223.

(4) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 364 ح 1046، وسائل الشيعة: ب 29 من أبواب ما يكتسب به ح 2 ج 12 ص 112.

(5) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 364 ح 1045، وسائل الشيعة: ب 29 من أبواب ما يكتسب به ح 1 ج 12 ص 112.

17

علي(عليه السلام) أنّه أتاه رجل فقال: يا أمير المؤمنين إنّي لأحبّك للّه، فقال:

و لكنّي أبغضك للّه، فقال: و لم؟ قال: لأنّك تبغي في الأذان و تأخذ على تعليم القرآن أجرا (1).

و الجواب عن الأوّل: أنّه محمول على الكراهة، فليس حمله على التحريم أولى. و عن الثاني: أنّ البغض على مجموع الشيئين.

لا يقال: لو كان أحدهما سائغا لقبح ضمّه في علة البغض الى المحرم.

لأنّا نقول: الكراهة كافية في الضم.

مسألة: قال الشيخ في النهاية: لا بأس بأخذ الأجر و الرزق على الحكم

و القضاء بين الناس من جهة السلطان العادل (2).

و قال المفيد: لا بأس بالأجر على الحكم و القضاء بين الناس، و التبرّع بذلك أفضل و أقرب الى اللّه تعالى (3).

و قال أبو الصلاح: يحرم الأجر على تنفيذ الأحكام (4).

و قال ابن البرّاج: يكره الأجر على القضاء و تنفيذ الأحكام من قبل الامام العادل (5).

و قال ابن إدريس: يحرم الأجر على القضاء، و لا بأس بالرزق من جهة السلطان العادل و يكون ذلك من بيت المال دون الأجرة على كراهية فيه (6).

و الأقرب أن نقول: إنّ تعيّن القضاء عليه إمّا بتعيين الامام(عليه السلام)

____________

(1) تهذيب الأحكام: ج 6 ص 376 ح 1099، وسائل الشيعة: ب 30 من أبواب ما يكتسب به ح 1 ج 12 ص 113.

(2) النهاية و نكتها: ج 2 ص 102.

(3) المقنعة: ص 588.

(4) الكافي في الفقه: ص 283.

(5) المهذب: ج 1 ص 346.

(6) السرائر: ج 2 ص 217.

18

أو بفقد غيره أو بكونه الأفضل و كان متمكّنا لم يجز الأجر عليه، و إن لم يتعيّن أو كان محتاجا فالأقرب الكراهة.

لنا: الأصل الإباحة على التقدير الثاني.

و لأنّه فعل لا يجب عليه فجاز أخذ الأجر عليه، امّا مع التعيين فلأنّه يؤدي واجبا فلا يجوز أخذ الأجرة عليه، كغيره من العبادات الواجبة.

مسألة: قال ابن البرّاج في أقسام المحرّمات: و الأذان و الإقامة لا يحل الأجر عليهما

، و كذا الصلاة بالناس و تغسيل الموتى و تكفينهم و حملهم و دفنهم (1).

و الأقرب تحريم الأجر، أمّا الفعل فلا.

و يحتمل أن يقال: الفعل انّما كان طاعة لو وقع على الوجه المأمور به شرعا، و وقوعه على هذا الوجه ليس بشرعي فيكون بدعة فيكون حراما.

مسألة: قال أبو الصلاح: و من المحرّمات الرمي عن قوس الجلاهق

(2). و الإطلاق ليس بجيّد، بل ينبغي التقييد بطلب اللهو و البطر. أمّا لو قصد به الصيد للقوت أو للتجارة أو فعل لدفع الخصم أو لغير ذلك ممّا هو مباح فالوجه الإباحة.

مسألة: قال الشيخ في النهاية: لا بأس بأجر المغنّية في الأعراس

إذا لم يغنّين بالأباطيل، و لا يدخلن على الرجال، و لا يدخل الرجال عليهنّ (3).

و جعله ابن البرّاج مكروها (4).

و قال أبو الصلاح: يحرم الغناء كلّه (5).

____________

(1) المهذب: ج 1 ص 345.

(2) الكافي في الفقه: ص 282.

(3) النهاية و نكتها: ج 2 ص 103.

(4) المهذب: ج 1 ص 346.

(5) الكافي في الفقه: ص 280.

19

و قال المفيد: كسب المغنّيات حرام، و تعلّم ذلك و تعليمه حرام في شرع الإسلام (1)، و أطلق و لم يفصّل. و كذا قال سلّار (2).

و قال ابن إدريس: و لا بأس بأجر المغنّيات في الأعراس إذا لم يغنّين بالأباطيل على ما روي، و الأظهر أنّ الغناء محرّم ممّن كان (3). و الأقرب عندي ما اختاره الشيخ في النهاية.

لنا: الأصل، و ما رواه أبو بصير في الصحيح قال: قال أبو عبد اللّه(عليه السلام): أجر المغنّية التي تزفّ العرائس ليس به بأس، و ليست بالتي يدخل عليها الرجال (4).

و عن أبي بصير، عن الصادق(عليه السلام) قال: المغنّية التي تزف العرائس لا بأس بكسبها (5).

و عن أبي بصير قال: سألت أبا جعفر(عليه السلام) عن كسب المغنّيات، فقال: التي يدخل عليها الرجال حرام، و التي تدعى إلى الأعراس ليس به بأس، و هو قول اللّه عزّ و جلّ «وَ مِنَ النّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ» (6).

احتجّ الآخرون بما رواه سعيد بن محمد الطاطري، عن أبيه، عن الصادق

____________

(1) المقنعة: ص 588.

(2) المراسم: ص 170.

(3) السرائر: ج 2 ص 224.

(4) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 357 ح 1022، وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب ما يكتسب به ح 3 ج 12 ص 85.

(5) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 357 ح 1023، وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب ما يكتسب به ح 2 ج 12 ص 84.

(6) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 358 ح 1024، وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب ما يكتسب به ح 1 ج 12 ص 84.

20

(عليه السلام) قال: سأله رجل عن بيع جواري المغنّيات، فقال: شراؤهن و بيعهنّ حرام، و تعليمهنّ كفر، و استماعهنّ نفاق (1).

و عن الحسن بن علي الوشاء قال: سئل أبو الحسن الرضا(عليه السلام) عن شراء المغنّية، فقال: قد يكون للرجل جارية تلهيه و ما ثمنها إلّا ثمن كلب، و ثمن الكلب سحت، و السحت في النار (2).

و عن نضر بن قابوس قال: سمعت أبا عبد اللّه(عليه السلام) يقول:

المغنّية ملعونة، ملعون من أكل كسبها (3).

و عن إبراهيم بن أبي البلاد قال: أوصى إسحاق بن عمر عند وفاته بجوار له مغنّيات أن يبعن و يحمل ثمنهنّ الى أبي الحسن الرضا(عليه السلام) قال إبراهيم: فبعت الجواري بثلاثمائة ألف درهم و حملت الثمن إليه فقلت له: إنّ مولى لك يقال له: إسحاق بن عمر أوصى عند وفاته ببيع جوار له مغنّيات و حمل الثمن إليك و قد بعتهنّ و هذا الثمن ثلاثمائة ألف درهم، فقال: لا حاجة لي فيه، إنّ هذا سحت، و تعليمهنّ كفر، و الاستماع منهنّ نفاق، و ثمنهنّ سحت (4).

و الجواب: هذه الأحاديث و إن دلّت على التحريم دلالة ظاهرة لا قاطعة إلّا أنّها مطلقة، و ما تلوناه نحن من الأحاديث مقيّدة، فيعمل بها في صورة التقييد

____________

(1) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 356 ح 1018، وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب ما يكتسب به ح 7 ج 12 ص 88.

(2) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 357 ح 1019، وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب ما يكتسب به ح 6 ج 12 ص 88.

(3) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 357 ح 1020، وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب ما يكتسب به ح 4 ج 12 ص 85.

(4) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 357 ح 1021، وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب ما يكتسب به ح 5 ج 12 ص 87.

21

و يبقى الإطلاق في الباقي، لئلّا تتنافى الأدلّة.

مسألة: قال ابن البرّاج: يكره بيع عظام الفيل و عملها

(1). و قال ابن إدريس: الأظهر بين الأصحاب أنّ ذلك ليس بمكروه (2)، و هو الأقرب.

لنا: الأصل انتفاء الكراهة.

مسألة: قال الشيخ في النهاية: ينبغي للمعلّم أن يسوّي بين الصبيان في التعليم و الأخذ عليهم

، و لا يفضّل بعضهم في ذلك على بعض (3).

و قال ابن إدريس: و ينبغي للمعلّم أنّ يسوّي بين الصبيان في التعليم و الأخذ عليهم، و لا يفضّل بعضهم في ذلك على بعض، إلّا أن يؤجر نفسه لهذا على تعليم مخصوص، و هذا يستأجره على تعليم مخصوص، فأمّا إذا استؤجر على التعليم لجميعهم بالإطلاق فلا يجوز له أن يفضّل بعضهم على بعض في التعليم، لأنّه استؤجر عليه، سواء كانت اجرة بعضهم أكثر من اجرة بعض آخر (4).

و الأقرب عندي كراهة ذلك.

لنا: إنّ المأخوذ عليه التعليم، و هو يحصل مع التفضيل.

احتجّ المخالف بما رواه حسان المعلّم قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن التعليم، فقال: لا تأخذ على التعليم أجرا، قلت: الشعر و الرسائل و ما أشبه ذلك أشارطه عليه؟ قال: نعم بعد أن يكون الصبيان عندك سواء في التعليم، لا تفضل بعضهم على بعض (5).

____________

(1) المهذب: ج 2 ص 346.

(2) السرائر: ج 2 ص 220.

(3) النهاية و نكتها: ج 2 ص 102.

(4) السرائر: ج 2 ص 224.

(5) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 364 ح 1045، وسائل الشيعة: ب 29 من أبواب ما يكتسب به ح 1 ج 12 ص 112.

22

و الجواب: القول بالموجب، فإنّه محمول على الاستحباب دون الوجوب.

مسألة: من جمع مالا من حلال و حرام و تميّز له الحرام وجب ردّه على مالكه

، فإن لم يجده ردّه على ورثته، فإن لم يجد له وارثا قال الشيخ في النهاية:

تصدّق به عنه (1).

و قال ابن إدريس: فإن لم يجد له وارثا أمسكه و حفظه و طلب الوارث، فان لم يخلّف وارثا و قطع على ذلك فهو لإمام المسلمين، لانّه ميراث من لا وارث له. قال: و قد روي أنّه يكون بمنزلة اللقطة، قال: و هذا بعيد من الصواب، لأنّ إلحاق ذلك باللقطة يحتاج الى دليل (2). و ليس ذلك عندي بعيد، فإنّه مال وقع في يده لا يعرف مالكه فيكون كاللقطة. و قول ابن إدريس لا بأس به، إلّا أنّه يعارضه الصدقة بالخمس مع جهل المقدار و المالك.

مسألة: قال ابن إدريس: لا بأس ببيع الخشب لمن يعمله صنما أو صليبا أو شيئا من الملاهي

، لأنّ الوزر على من يجعله كذلك لا على الذي باع الآلة على ما رواه أصحابنا، و الأولى عندي اجتناب ذلك (3).

و الشيخ قال: لا بأس ببيع الخشب لمن يعمله صنما أو صليبا أو شيئا من الملاهي، لأنّ الوزر على من يجعله كذلك (4).

و الأقرب عندي أنّه إذا كان البائع يعلم أنّ المشتري يعمله صنما أو صليبا أو شيئا من الملاهي حرم بيعه و إن لم يشترط في العقد ذلك.

لنا: أنّه قد اشتمل على نوع مفسدة فيكون محرّما (5)، لأنّه اعانة على المنكر

____________

(1) النهاية و نكتها: ج 2 ص 104.

(2) السرائر: ج 2 ص 225 و 204.

(3) السرائر: ج 2 ص 225.

(4) النهاية و نكتها: ج 2 ص 105.

(5) م (2): حراما.

23

فيكون قبيحا.

و ما رواه عمر بن أذينة في الحسن قال: كتبت الى أبي عبد اللّه(عليه السلام) أسأله عن رجل له خشب فباعه ممّن يتخذ منه برابط، فقال: لا بأس به، و عن رجل له خشب فباعه ممّن يتخذه صلبانا، فقال: لا (1).

و عن عمرو بن حريث قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن التوت أبيعه ليصنع للصليب و الصنم؟ قال: لا (2).

احتج الشيخ بأنّ الأصل الإباحة.

و لأنّه عقد وقع من أهله في محلّه فكان سائغا.

و لأنّ علم المشتري بعد انتقال الملك إليه لا يؤثر في وجه البيع السابق.

و الجواب: الأصل قد يرجع عنه، لوجود دليل أقوى منه، و صدور العقد من أهله لا يقتضي إباحته، إلّا مع خلوّه عن جهات المفاسد، و المؤثّر في وجه البيع إنّما هو علم البائع بما يفعله المشتري.

مسألة: من دفع مالا الى غيره ليضعه في المحاويج أو في صنف معيّن

و كان المدفوع إليه منهم فإن عيّن له أشخاصا معيّنين لم يجز له التعدّي إلى غيرهم، و إن لم يعيّن قال الشيخ في النهاية: يجوز له أن يأخذ هو مثل ما يعطي غيره (3)، و به قال ابن إدريس في كتاب المكاسب (4).

و قال في كتاب الزكاة: لا يجوز له ذلك، و هو اختيار شيخنا في كتاب

____________

(1) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 373 ح 1082، وسائل الشيعة: ب 41 من أبواب ما يكتسب به ح 1 ج 12 ص 127.

(2) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 373 ح 1084، وسائل الشيعة: ب 41 من أبواب ما يكتسب به ح 2 ج 12 ص 127.

(3) النهاية و نكتها: ج 2 ص 101.

(4) السرائر: ج 2 ص 223.

24

الوكالة من المبسوط فإنّه قال فيه: إذا وكله في إبراء غرمائه لم يدخل هو في الجملة، و كذلك في حبس غرمائه و مخاصمتهم، و كذلك إذا وكّله في تفرقة ثلثه في الفقراء و المساكين لم يجز أن يصرف الى نفسه منه شيئا و إن كان فقيرا مسكينا، لأنّ المذهب الصحيح أنّ المخاطب لا يدخل في أمر المخاطب إيّاه في أمر غيره، فإذا أمر اللّه تعالى نبيه أن يأمر أمّته أن يفعلوا كذا لم يدخل هو في ذلك الأمر (1). و الأقرب ما ذكره في المبسوط.

لنا: ما استدل به الشيخ.

و ما رواه عبد الرحمن بن الحجاج في الصحيح قال: سألته عن رجل أعطاه رجل مالا ليقسّمه في محاويج أو مساكين و هو محتاج أ يأخذ منه لنفسه شيئا و لا يعلمه؟ قال: لا يأخذ منه شيئا حتى يأذن له صاحبه (2).

و تأوّل الشيخ هذه الرواية بوجهين: أحدهما: الحمل على الكراهة، و الثاني: أنّه لا يأخذ أكثر ممّا يعطي منه غيره (3).

مسألة: قال الشيخ في النهاية: من وجد عنده سرقة كان ضامنا لها

، إلّا أن يأتي على شرائها ببينة (4).

و قال ابن إدريس: هو ضامن، سواء أتى على شرائها ببيّنة أو لا بلا خلاف، لكن مقصود شيخنا أنّه ضامن، و هل يرجع على البائع أم لا؟ فإن كان المشتري عالما بالغصب لم يكن له الرجوع، و إلّا رجع عليه (5).

____________

(1) السرائر: ج 1 ص 463.

(2) الاستبصار: ج 3 ص 54 ذيل الحديث 176، وسائل الشيعة: ب 84 من أبواب ما يكتسب به ح 3 ج 12 ص 206.

(3) الاستبصار: ج 3 ص 54 ذيل الحديث 176.

(4) النهاية و نكتها: ج 2 ص 105.

(5) السرائر: ج 2 ص 225.

25

أقول: يحتمل قول الشيخ وجها آخر: و هو أن يأتي ببيّنة أنّه اشتراها من مالكها فتسقط المطالبة عنه. و الشيخ نقل الرواية التي رواها أبو عمّار السرّاج، عن الصادق(عليه السلام) في الرجل يوجد عنده السرقة، قال: هو غارم إذا لم يأت على بائعها بشهود (1).

مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا مرّ الإنسان بالثمرة جاز له أن يأكل منها قدر كفايته و لا يحمل منها شيئا على حال

(2)، و كذا قال علي بن بابويه (3) و ابنه في المقنع (4).

و قال أبو الصلاح: أباح اللّه تعالى عابري السبيل الانتفاع بما ينبته الحرث من الخضر و الثمار و الزرع من غير حمل و لا إفساد ينوب مناب اذن المالك في حسن التصرف (5).

و قال ابن البرّاج: إذا مرّ الإنسان بشجر الفواكه جاز له أن يأكل منها من غير إفساد بشيء من ذلك، و لا يجوز له أن يحمل شيئا إلّا بأمر صاحبها (6).

و قال ابن إدريس: إذا مرّ الإنسان بالثمرة جاز له أن يأكل منها قدر كفايته، و لا يحمل منها شيئا على حال من غير قصد إلى المضي إلى الثمرة للأكل، بل كان الإنسان مجتازا في حاجته ثمَّ مرّ بالثمار، سواء كان أكله منها لأجل الضرورة أو غير ذلك، على ما رواه أصحابنا و أجمعوا عليه، لأنّ الاخبار في ذلك متواترة، و الإجماع منعقد منهم، و لا يعتدّ بخبر شاذ أو خلاف من لا

____________

(1) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 374 ح 1091، وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب عقد البيع و شروطه ح 10 ج 12 ص 251.

(2) النهاية و نكتها: ج 2 ص 106.

(3) نقله عنه في المقنع: ص 124.

(4) المقنع: ص 124.

(5) الكافي في الفقه: ص 322.

(6) لم نعثر عليه في المصادر المتوفرة لدينا.

26

يعرف اسمه و نسبه، لأنّ الحق مع غيره (1). و الأقرب المنع.

لنا: أنّه تصرّف في مال الغير بغير اذنه فيكون قبيحا.

و ما رواه الحسن بن يقطين قال: سألت أبا الحسن(عليه السلام) عن الرجل يمرّ بالثمرة من الزرع و النخل و الكرم و الشجرة و المباطخ و غير ذلك من الثمر أ يحلّ له أن يتناول منه شيئا و يأكل بغير اذن صاحبه؟ و كيف حاله إن نهاه صاحب الثمرة أو أمره المقيم و ليس له؟ و كم الحد الذي يسعه أن يتناول منه؟

قال: لا يحل له أن يأخذ شيئا (2).

احتج الشيخ بما رواه محمد بن مروان قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): أمرّ بالثمرة فآكل منها، قال: كل و لا تحمل، قلت: جعلت فداك إنّ التجّار قد اشتروها و نقدوا أموالهم؟ قال: اشتروا ما ليس لهم (3).

و في الصحيح عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن الصادق(عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يمرّ بالنخل و السنبل و الثمرة فيجوز له أن يأكل منها من غير اذن صاحبها من ضرورة أو غير ضرورة؟ قال: لا بأس (4).

و الجواب: الحمل على ما إذا علم بشاهد الحال اباحة المالك لذلك.

و يؤيّد ما ذكرناه ما رواه مروك بن عبيد، عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه(عليه السلام) قال: قلت له: الرجل يمرّ على قراح الزرع يأخذ منه السنبلة؟ قال: لا، قلت: أي شيء السنبلة؟ قال: لو كان كلّ من يمرّ يأخذ منه سنبلة كان لا يبقى منه شيء (5).

____________

(1) السرائر: ص 226.

(2) تهذيب الاحكام: ج 7 ص 92 ح 392، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب بيع الثمار ح 7 ج 13 ص 15.

(3) تهذيب الاحكام: ج 7 ص 89 ح 380، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب بيع الثمار ح 4 ج 13 ص 14.

(4) تهذيب الاحكام: ج 7 ص 93 ح 393، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب بيع الثمار ح 3 ج 13 ص 14.

(5) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 385 ح 1140، وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب بيع الثمار ح 6 ج 13 ص 15.

27

مسألة: قال الشيخ في كتاب المكاسب من النهاية: من آجر مملوكا له فأفسد المملوك شيئا

لم يكن على مولاه ضمان ما أفسده، لكنّه يستسعي العبد في مقدار ما أفسده (1).

و قال في باب الإجارات: من استأجر مملوك غيره من مولاه فأفسد المملوك شيئا أو أبق قبل أن يفرغ من عمله كان مولاه ضامنا لذلك (2).

قال ابن إدريس: وجه الجمع حمل الأوّل: على أنّ مولاه لا يضمن ما عدا الأجرة، لأنّ السيد لا يضمن جناية المملوك على غير بني آدم و لا يستسعي فيها و لا يباع على الصحيح من أقوال أصحابنا، و قوله (3): «يستسعي العبد» غير واضح، لمخالفته الإجماع، و إنّما ورد بعض أخبار الآحاد فأورده الشيخ إيرادا لا اعتقادا. و حمل الثاني: على أنّه يضمن الأجرة الباقية و هو الصحيح، و أمّا ضمان ما أفسده فلا، لأنّ السيد لا يضمن جناية العبد على بني آدم و لا على أموالهم (4).

و قول الشيخ ليس ببعيد، لأنّ الاذن في الإجارة اذن في توابعها، و من جملة توابعها ضمان العبد إذا أفسد، و لا يمكن تعلّق الضمان بالمولى، لأنّه لا يضمن جناية عبده و لا بما في يد العبد فيتعلّق بكسبه.

و ما رواه أبو بصير في الصحيح، عن الصادق(عليه السلام) في رجل استأجر مملوكا فيستهلك مالا كثيرا، فقال: ليس على مولاه شيء و ليس لهم أن يبيعوه و لكنّه يستسعي، و إن عجز عنه فليس على مولاه شيء و لا على العبد شيء (5).

____________

(1) النهاية و نكتها: ج 2 ص 106.

(2) النهاية و نكتها: ج 2 ص 284.

(3) اي قول الشيخ في النهاية.

(4) السرائر: ج 2 ص 227.

(5) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 385 ح 1144، وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب أحكام الإجارة ح 3 ج 13 ص 252.

28

مسألة: من غصب من غيره مالا أو أخذه على غير جهة الغصب

ثمَّ منعه و وقع للغاصب عنده مال وديعة قال الشيخ في النهاية: يجب عليه ردها عليه و لا يخونه فيها (1).

و قال ابن إدريس: يجوز ذلك على كراهية (2)، و هو قول الشيخ في الاستبصار (3)، و هو الأقوى، و به قال ابن الجنيد.

لنا: قوله تعالى فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ (4).

و ما رواه جميل بن دراج قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن رجل يكون له على الرجل الدين فيجحده فيظفر من ماله بقدر الذي جحده أ يأخذه و إن لم يعلم الجاحد بذلك؟ قال: نعم (5).

و عن ابن مسكان، عن أبي بكر قال: قلت له: رجل لي عليه دراهم فجحدني و حلف عليها أ يجوز لي إن وقع له قبلي دراهم أن آخذ منه بقدر حقّي؟

قال: فقال: نعم و لهذا كلام، قلت: و ما هو؟ قال: يقول: اللهم إنّي لم آخذه ظلما و لا خيانة و إنّما أخذته مكان مالي الذي أخذه منّي لم أزدد عليه شيئا (6).

لا يقال: لا دلالة في هذين الحديثين، أمّا الأوّل فلأنّه لم يذكر الوديعة،

____________

(1) السرائر: ج 2 ص 37.

(2) النهاية و نكتها: ج 2 ص 26.

(3) الاستبصار: ج 3 ص 52 ذيل الحديث 172.

(4) البقرة: 194.

(5) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 349 ح 986، وسائل الشيعة: ب 83 من أبواب ما يكتسب به ح 10 ج 12 ص 205.

(6) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 348 ح 982، وسائل الشيعة: ب 83 من أبواب ما يكتسب به ح 4 ج 12 ص 203.

29

و ليس النزاع في مطلق المال الكائن عند المظلوم، بل النزاع في المال الكائن عنده على سبيل الوديعة. و كذا الحديث الثاني مع انّ فيه ما يمنع التمسّك به و هو اشتماله على الحلف، مع أنّ الحالف تسقط عنه المطالبة، و لا يجوز مقاصّته لا من وديعة و لا من غيرها.

لأنّا نقول: الحديثان وردا عامّين فيعمل بهما في عمومهما، و هو شامل للوديعة و غيرها. و أمّا الحلف فجاز أن يكون قد وقع عند غير الحاكم فلا يعتدّ به، على أنّه قد ورد على غير الوديعة.

روى علي بن سليمان قال: كتب إليه رجل غصب من رجل مالا أو جارية ثمَّ وقع عنده مال بسبب وديعة أو قرض مثل ما خانه به أو غصبه أ يحلّ له حبسه عليه أم لا؟ فكتب: نعم يحلّ له ذلك إن كان بقدر حقّه، و إن كان أكثر فيأخذ منه ما كان عليه و يسلّم الباقي إليه إن شاء اللّه تعالى (1).

و عن أبي العباس البقباق في الصحيح: أنّ شهابا ما رآه في رجل ذهب له ألف درهم و استودعه بعد ذلك ألف درهم، قال أبو العباس: فقلت له:

خذها مكان الألف الذي أخذ منك فأبى شهاب، قال: فدخل شهاب على أبي عبد اللّه(عليه السلام) فذكر له ذلك، فقال: أمّا أنا فأحب إليّ أن تأخذ و تحلف (2).

احتج الشيخ بعموم الأمر بالرد للأمانة، قال اللّه تعالى إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها (3).

____________

(1) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 349 ح 985، وسائل الشيعة: ب 83 من أبواب ما يكتسب به ح 9 ج 12 ص 205.

(2) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 347 ح 979، وسائل الشيعة: ب 83 من أبواب ما يكتسب به ح 2 ج 12 ص 202.

(3) النساء: 58.

30

و ما رواه سليمان بن خالد في الصحيح قال: سألت أبا عبد اللّه(عليه السلام) عن رجل وقع لي عنده مال فكابرني عليه ثمَّ حلف ثمَّ وقع له عندي مال آخذه لمكان مالي الذي أخذه و جحده و أحلف عليه كما صنع؟ قال: إن خانك فلا تخنه و لا تدخل في ما عبته عليه (1).

و في الصحيح عن ابن أخي الفضيل بن يسار قال: كنت عند أبي عبد اللّه(عليه السلام) إذ دخلت امرأة و كنت أقرب القوم إليها فقالت لي: اسأله، فقلت: عمّا ذا؟ فقالت: إنّ ابني مات و ترك مالا في يد أخي فأتلفه ثمَّ أفاد مالا فأودعنيه فلي أن آخذ منه بقدر ما أتلف من شيء؟ فأخبرته بذلك فقال:

لا، قال رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله): أدّ الأمانة الى من ائتمنك و لا تخن من خانك (2).

و الجواب: هذه الأحاديث محمولة على الكراهية.

مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا كان للولد مال و لم يكن لوالده مال جاز له أن يأخذ منه ما يحج به حجة الإسلام

، و أمّا حجة التطوع فلا يجوز له أن يأخذ نفقتها من ماله إلّا بإذنه (3). و تبعه ابن البرّاج (4).

و قال في كتاب الحج من النهاية: و من لم يملك الاستطاعة و كان له ولد له مال وجب عليه أن يأخذ من مال ابنه قدر ما يحج به على الاقتصاد و يحج (5).

____________

(1) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 348 ح 980، وسائل الشيعة: ب 83 من أبواب ما يكتسب به ح 7 ج 12 ص 204.

(2) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 348 ح 981، وسائل الشيعة: ب 83 من أبواب ما يكتسب به ح 3 ج 12 ص 202.

(3) النهاية و نكتها: ج 2 ص 94.

(4) المهذب: ج 1 ص 348- 349.

(5) النهاية و نكتها: ج 1 ص 458.

31

و منع ابن إدريس (1) من ذلك.

احتج الشيخ بما رواه سعيد بن يسار قال: قلت لأبي عبد اللّه(عليه السلام): أ يحج الرجل من مال ابنه و هو صغير؟ قال: نعم، قلت: يحج حجة الإسلام و ينفق منه؟ قال: نعم بالمعروف، ثمَّ قال: نعم يحج منه و ينفق منه، إنّ مال الولد للوالد، و ليس للولد أن ينفق من مال والده إلّا بإذنه (2).

قال الشيخ في الاستبصار: المراد أنّه إذا كان قد وجب عليه حجة الإسلام كان له أن يأخذ بالقرض على نفسه من مال ولده ما يحج به، فأمّا من لم يجب عليه الحج فلا يلزمه أن يأخذ من مال ولده و يحج به، فأمّا ما يضمنه من النفقة فإنّه محمول على حال الحاجة الشديدة الى ذلك و امتناع الولد من الإنفاق عليه (3).

و منع ابن إدريس من الاقتراض للحج أيضا، و إن كانت حجة الإسلام قد وجبت فإنّه لم يرد أنّ للوالد أن يستقرض المال (4).

و قول الشيخ في الاستبصار جيد، و قوله في النهاية و قول ابن إدريس مدخولان، و أمّا ما ذكره في النهاية فقد تقدّم.

و أمّا قول ابن إدريس فإنّه قد ورد الاقتراض من مال الولد، بل قد ورد في الحديث الصحيح عن محمد بن مسلم، عن الباقر(عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يحتاج الى مال ابنه قال: يأكل منه ما شاء من غير سرف، و قال في كتاب علي(عليه السلام): إنّ الولد لا يأخذ من مال والده شيئا إلّا بإذنه،

____________

(1) السرائر: ج 2 ص 208.

(2) الاستبصار: ج 3 ص 50 ح 165، وسائل الشيعة: ب 78 من أبواب ما يكتسب به ح 4 ج 12 ص 195.

(3) الاستبصار: ج 3 ص 50 ذيل الحديث 165 مع تقديم و تأخير في العبارة.

(4) السرائر: ج 2 ص 208.

32

و الوالد يأخذ من مال ابنه ما شاء، و له أن يقع على جارية ابنه إذا لم يكن الابن وقع عليها، و ذكر أنّ رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله) قال لرجل: أنت و مالك لأبيك (1).

و في الصحيح عن أبي حمزة الثمالي، عن الباقر(عليه السلام) قال: قال رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله) لرجل: أنت و مالك لأبيك، ثمَّ قال أبو جعفر(عليه السلام) لا أحب أن يأخذ من مال ابنه إلّا ما احتاج إليه ممّا لا بد منه، لأنّ اللّه تعالى لا يُحِبُّ الْفَسادَ (2). و غير ذلك من الأحاديث (3) الدالّة على تسويغ الأخذ فالاقتراض أولى.

تذنيب: قال الصدوق في المقنع و أبوه في الرسالة: لا بأس للرجل أن يأكل أو يأخذ من مال ولده بغير إذنه، و ليس للولد أن يأخذ من مال والده إلّا بإذنه (4). و الأقرب المنع من الأخذ في الموضعين.

مسألة: قال الشيخ في النهاية: إذا كان للولد جارية و لم يكن قد وطأها و لا مسّها بشهوة جاز للوالد أن يأخذها و يطأها

بعد أن يقوّمها على نفسه قيمة عادلة و يضمن قيمتها في ذمّته (5).

و قال في الاستبصار: يجوز ذلك إذا كان الولد صغيرا و يكون هو القيّم بأمره و الناظر في أمواله فيجري مجرى الوكيل فيجوز له أن يقوّمها على نفسه (6).

____________

(1) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 343 ح 961، وسائل الشيعة: ب 78 من أبواب ما يكتسب به ح 1 ج 12 ص 194.

(2) تهذيب الاحكام: ج 6 ص 343 ح 962، وسائل الشيعة: ب 78 من أبواب ما يكتسب به ج 12 ص 195 ح 2.

(3) راجع تهذيب الاحكام: ج 6 ص 343، وسائل الشيعة: ب 78 من أبواب ما يكتسب به ج 12 ص 194 الى ص 198.

(4) المقنع: ص 124- 125.

(5) النهاية و نكتها: ج 2 ص 94.

(6) الاستبصار: ج 3 ص 50- 51 ذيل الحديث 165.

33

و قال ابن إدريس: هذا هو الصحيح الذي عليه الإجماع (1).

و قال الصدوق في المقنع: ليس له أن يقع على جارية ابنته بغير إذنها، و له أن يقع على جارية ابنه بغير اذنه ما لم يكن مسّها الابن (2).

احتج الشيخ على مذهبه في النهاية بحديث محمد بن مسلم في الصحيح، و قد سبق.

و بما رواه إسحاق بن عمار، عن الصادق(عليه السلام) قال: سألته عن الوالد يحلّ له من مال ولده إذا احتاج إليه؟ قال: نعم، و إن كان له جارية فأراد أن ينكحها قوّمها على نفسه و يضمن و يعلن بذلك، قال: و إذا كان للرجل جارية فأبوه أملك بها أن يقع عليها ما لم يمسّها الابن (3).

قال الشيخ في الاستبصار: إنّه يحتمل شيئين: أحدهما: ما لم يمسّها و إن كان صغيرا مولّى عليه، لأنّه إن مسّها الابن و هو غير بالغ حرمت على الأب.

و الآخر: إذا حملناه على البالغ أن يحمل على أنّ الأولى و الأفضل للولد أن يصير الى ما يريد والده و إن لم يكن واجبا، ثمَّ قال: و أمّا ما رواه الحسن بن محبوب قال: كتبت الى أبي الحسن الرضا(عليه السلام) إنّي كنت وهبت لابنة لي جارية حيث زوّجتها فلم تزل عندها و في بيت زوجها حتى مات زوجها فرجعت اليّ هي و الجارية أ يحلّ لي أن أطأ الجارية؟ قال: قوّمها قيمة عادلة و أشهد على ذلك ثمَّ إن شئت تطأها. قال: فالوجه في هذه الرواية أن يقوّمها برضى منها، لأنّ البنت ليس تجري مجرى الابن في انّه تحرم الجارية على الأب في بعض الأوقات إذا وطأها أو نظر منها الى ما لا يحلّ لغير مالكه النظر إليه، لأنّ

____________

(1) السرائر: ج 2 ص 209.

(2) لم نعثر عليه.

(3) الاستبصار: ج 3 ص 50 ح 164، وسائل الشيعة: ب 79 من أبواب ما يكتسب به ح 2 ج 12 ص 198.

34

ذلك مفقود في البنت، بل متى ما رضيت كان ذلك جائزا (1).

و اعلم أنّ ابن إدريس لا يخلو كلامه من تناقض، لأنّه منع الاقتراض من الولد ثمَّ صوّب قول الشيخ في الاستبصار: أنّه إذا كان الولد صغيرا جاز للأب أن يقوّم الجارية و يضمن قيمتها في ذمّته (2)، و هذا نوع اقتراض، و له أن يفرّق بأنّ البيع نسبة مغاير للقرض. و الحق أنّ هذا الفرق غير واف للمطلوب.

مسألة: قال الشيخ في النهاية: و الوالدة لا يجوز لها أن تأخذ من مال ولدها شيئا

، إلّا على سبيل القرض على نفسها (3). و تبعه ابن البرّاج (4)، و هو قول علي ابن بابويه.

و منع ابن إدريس من ذلك لقوله(عليه السلام): «لا يحل مال امرئ مسلم إلّا عن طيب نفس منه» و لأنّ التصرّف في مال الغير بغير اذنه قبيح عقلا و شرعا (5).

مسألة: قال الشيخ في النهاية: لا يجوز التصّرف في أموال اليتامى إلّا لمن كان وليا لهم أو وصيا

قد اذن له في التصرّف في أموالهم، فمن كان وليّا يقوم بأمرهم و بجمع أموالهم و سدّ خلّاتهم و جمع غلّاتهم و مراعاة مواشيهم جاز له أن يأخذ من أموالهم قدر كفايته و حاجته من غير إسراف و لا تفريط (6).

و قال في الخلاف (7) و التبيان (8): له أقلّ الأمرين إن كانت كفايته أقل

____________

(1) الاستبصار: ج 3 ص 51 ذيل الحديث 165 و ح 166 و ذيله.

(2) السرائر: ج 2 ص 208- 209.

(3) النهاية و نكتها: ج 2 ص 94.

(4) المهذب: ج 1 ص 349.

(5) السرائر: ج 2 ص 209.

(6) النهاية و نكتها: ج 2 ص 95.

(7) الخلاف: ج 3 ص 179 المسألة 295.

(8) التبيان: ج 3 ص 119- 120.

35

من اجرة المثل فله قدر الكفاية دون الأجرة، و إن كانت اجرة المثل أقل من كفايته فله الأجرة دون الكفاية.

و قال في المبسوط: الولي إذا كان فقيرا جاز له أن يأكل من مال اليتيم أقل الأمرين من كفايته أو اجرة مثله، و لا يجب عليه قضاؤه، لقوله تعالى «وَ مَنْ كانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ» (1).

و قال ابن إدريس: الذي يقوى في نفسي أنّ له قدر كفايته كيف ما دارت القضية، لقوله تعالى «فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ» فالملتزم بظاهر التنزيل هو الواجب دون ما سواه، هذا إذا كان القيّم بأمورهم فقيرا، و إن كان غنيا لم يجز له أخذ شيء من أموالهم لا قدر الكفاية و لا اجرة المثل (2).

و الوجه عندي أنّ له اجرة المثل، سواء كان غنيا أو فقيرا. نعم يستحب للغني تركه، و هو قول الشيخ في آخر باب التصرّف في أموال اليتامى (3)، و به قال ابن الجنيد فإنّه قال في كتاب القضاء: و لا يختار أن يكون الوصي إلّا من استكملت فيه خصال العدالة، و الموسر أحبّ إلينا من المحتاج، و يكون للمحتاج من الأجرة على قدر قيامه لا على قدر حاجته.

لنا: إنّه فعل يصحّ المعاوضة عليه فاستحق فاعله الأجرة إذا لم يتبرّع.

و لأنّه لو لا ذلك لزم أحد الأمرين: و هو إمّا الإضرار باليتيم أو بالولي، و كلاهما منتف بالأصل، لأنّا إن أوجبنا على الولي القيام مجانا تضرّر الولي، و إن سوّغنا ترك القيام تضرّر اليتيم، و قوله تعالى وَ مَنْ كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ (4) لا اشعار فيه بالوجوب، بل يدلّ بمفهومه على الأولوية.

____________

(1) المبسوط: ج 2 ص 163.

(2) السرائر: ج 2 ص 211، و فيه: «فالتزم» بدل «فالملتزم».

(3) النهاية و نكتها: ج 2 ص 96- 97.

(4) النساء: 6.

36

مسألة: قال الشيخ: لو اتجر الولي للأيتام نظرا لهم و شفقة عليهم

كان الربح لهم و الخسران عليهم، و استحب أن يخرج من جملته الزكاة (1).

و منع ابن إدريس من إخراج الزكاة، لعدم دليل عليه، و لأنّه لا مصلحة لهم في الإخراج، إذ لا يستحقون به ثوابا و لا يدفعون به عقابا، فلا يجوز للولي فعله (2). و قد سبق البحث في ذلك.

مسألة: قال الشيخ في النهاية: لو اتّجر الولي لنفسه و كان متمكّنا في الحال

من ضمان ذلك المال و غرامته إن حدث به حادث جاز ذلك و كان المال قرضا عليه، فان ربح كان له، و إن خسر كان عليه، و يلزمه في ماله و حصّته الزكاة كما يلزمه لو كان المال له ندبا و استحبابا (3).

و منع ابن إدريس من الاستقراض، سواء تمكّن في الحال من الضمان و الغرامة أو لا، لأنّه أمين، و الأمين لا يتصرّف لنفسه في أمانته بغير خلاف، و لا يجوز له أن يتّجر لنفسه بحال، و إنّما أورد شيخنا ذلك إيرادا لا اعتقادا (4).

و الوجه أنّ الإقراض إن كان مصلحة لليتيم جاز له فعله، لأنّه يجوز له أن يقرض غيره مع المصلحة فجاز أن يقرض معها، لأنّ مناط الجواز حصول المصلحة، و إذا اقترض خرج عن كونه أمينا في ذلك المال، و الإجماع غير مناف لذلك.

مسألة: قال الشيخ: و متى كان لليتامى على إنسان مال جاز لوليهم أن يصالحه

على شيء يراه صلاحا في الحال و يأخذ الباقي، و تبرأ بذلك ذمّة من كان عليه المال (5).

____________

(1) النهاية و نكتها: ج 2 ص 95.

(2) السرائر: ج 2 ص 212.

(3) النهاية و نكتها: ج 2 ص 95- 96.

(4) السرائر: ج 2 ص 212.

(5) النهاية و نكتها: ج 2 ص 96.

37

و قال ابن إدريس: أمّا الوليّ فجائز له مصالحة ذلك الغريم إذا رأى ذلك صلاحا للأيتام، لأنّه ناظر في مصلحتهم، و هذا من ذاك إذا كان لهم فيه صلاح، فأمّا من عليه المال فإنّ ذمّته لا تبرأ إن كان جاحدا مانعا و بذل دون الحق و أنكر الحق ثمَّ صالحه الولي على ما أقرّ له به أو أقرّ بالجميع و صالحه على بعض منه فلا تبرأ بذلك ذمّته، و لا يجوز للولي إسقاط شيء منه بحال، لأنّ الولي لا يجوز له إسقاط شيء من مال اليتيم، لأنّه نصب لمصالحه و استيفاء حقوقه لا لإسقاطها، فيحمل ما ورد من الأخبار و ما ذكره بعض أصحابنا على ما قلناه:

من أنّه إذا رأى الصلاح الوليّ في مصالحة الغريم فيما فيه لليتيم الحظ فجاز له ذلك، و لا يجوز فيما عداه فيما ليس له الحظ و الصلاح فيه (1).

و هذا القول جيد، لكن كلام الشيخ لا ينافي ذلك، لأنّه قال: يجوز للولي أن يصالح على شيء يراه صلاحا (2)، فهو عين ما قاله ابن إدريس.

____________

(1) السرائر: ج 2 ص 213.

(2) النهاية و نكتها: ج 2 ص 96.

38

الفصل الثاني في الاحتكار و التلقي

مسألة: اختلف علماؤنا في الاحتكار هل هو محرم أو مكروه؟

قال الصدوق في مقنعة: إنّه حرام (1)، و به قال ابن البرّاج (2)، و الظاهر من كلام ابن إدريس (3).

و قال الشيخ في المبسوط (4)، و المفيد (5): إنّه مكروه، و به قال أبو الصلاح في المكاسب من كتاب الكافي (6)، و قال في فصل البيع: إنّه حرام (7).

و الأقرب الكراهة.

لنا: الأصل عدم التحريم.

و ما رواه الحلبي في الحسن، عن الصادق(عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يحتكر- الى أن قال:- و إن كان الطعام لا يسع الناس فإنّه يكره أن

____________

(1) المقنع: ص 125.

(2) المهذب: ج 1 ص 346.

(3) السرائر: ج 2 ص 238- 239.

(4) المبسوط: ج 2 ص 195.

(5) المقنعة: ص 616.

(6) الكافي في الفقه: ص 283.

(7) الكافي في الفقه: ص 360.

39

يحتكر الطعام و يترك الناس ليس لهم طعام (1).

و لأنّ الإنسان مسلّط على ماله.

احتج الآخرون بما رواه إسماعيل بن أبي زياد، عن الصادق(عليه السلام) عن الباقر(عليه السلام) قال: قال رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله):

لا يحتكر الطعام إلّا خاطئ (2).

و عن ابن القدّاح، عن الصادق(عليه السلام) قال: قال رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله): الجالب مرزوق و المحتكر ملعون (3).

و عن السكوني، عن الصادق(عليه السلام) قال: الحكرة في الخصب أربعون يوما، و في الشدّة و البلاء ثلاثة أيّام، فما زاد على الأربعين يوما في الخصب فصاحبه ملعون، و ما زاد في العسر على ثلاثة أيام فصاحبه ملعون (4).

و لأنّ الإجبار على البيع يستلزم التحريم.

و الجواب عن الحديث الأوّل: انّه لا يدلّ على التحريم، و الحديثان الآخران ممنوعا السند، و الإجبار في البيع لا يوجب تحريم الاحتكار.

مسألة: قال الشيخ في النهاية: الاحتكار: هو حبس الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب و السمن عن البيع

، و لا يكون الاحتكار في شيء سوى هذه الأجناس (5). و تبعه ابن إدريس (6)، و ابن البرّاج إلّا أنّه قال: و قد ورد ذكر

____________

(1) تهذيب الأحكام: ج 7 ص 160 ح 708، وسائل الشيعة: ب 27 من أبواب آداب التجارة ح 2 ج 12 ص 313.

(2) تهذيب الاحكام: ج 7 ص 159 ح 701، وسائل الشيعة: ب 27 من أبواب آداب التجارة ح 8 ج 12 ص 314.

(3) الاستبصار ج 3 ص 114 ح 404، وسائل الشيعة: ب 27 من أبواب آداب التجارة ح 3 ج 12 ص 313.

(4) تهذيب الاحكام: ج 7 ص 159 ح 703، وسائل الشيعة: ب 27 من أبواب آداب التجارة ح 1 ج 12 ص 312.

(5) النهاية و نكتها: ج 2 ص 114.

(6) السرائر: ج 2 ص 238.

40

الزيت (1).

و قال المفيد: الحكرة احتباس الأطعمة (2).

و قال أبو الصلاح: يكره احتكار الغلّات (3).

و قال الصدوق في المقنع: الحكرة تكون في الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب و السمن و الزيت (4).

و قال الشيخ في المبسوط: الأقوات التي يكون فيها الاحتكار: الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب و الملح و السمن (5)، و به قال ابن حمزة (6).

و أجود ما وصل إلينا في هذا الباب ما رواه غياث بن إبراهيم في الموثّق، عن الصادق(عليه السلام) قال: ليس الحكرة إلّا في الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب و السمن (7). و حينئذ يبقى ما عداه على الأصل.

مسألة: قال الشيخ: حدّ الاحتكار في الغلاء و قلّة الأطعمة ثلاثة أيام

، و في الرخص و حال السعة أربعون يوما (8). و تبعه ابن البرّاج (9).

و قال المفيد: الحكرة احتباس الأطعمة مع حاجة أهل البلد إليها و ضيق الأمر عليهم فيها و ذلك مكروه، فإن كانت الغلّات واسعة و هي موجودة في

____________

(1) لم نعثر عليه في المصادر المتوفرة لدينا.

(2) المقنعة: ص 616.

(3) الكافي في الفقه: ص 283.

(4) لم نعثر عليه في المقنع و ذكرها رواية في من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 265 ح 3954.

(5) المبسوط: ج 2 ص 195.

(6) الوسيلة: ص 260.

(7) تهذيب الاحكام: ج 7 ص 159 ح 704، وسائل الشيعة: ب 27 من أبواب آداب التجارة ح 4 ج 12 ص 313.

(8) النهاية و نكتها: ج 2 ص 115- 116.

(9) لم نعثر عليه في المصادر المتوفرة لدينا.

41

البلد على كفاية أهله لم يكره احتباس الغلّات (1).

و احتج الشيخ بما رواه السكوني، عن الصادق(عليه السلام) قال: الحكرة في الخصب أربعون يوما، و في الشدّة و البلاء ثلاثة أيام، فما زاد على الأربعين يوما في الخصب فصاحبه ملعون، و ما زاد في العسر على ثلاثة أيام فصاحبه ملعون (2).

احتج المفيد بما رواه الحلبي في الحسن، عن الصادق(عليه السلام) قال:

سألته عن الرجل يحتكر الطعام و يتربّص به هل يجوز ذلك؟ فقال: إن كان الطعام كثيرا يسع الناس فلا بأس به، و إن كان الطعام قليلا لا يسع الناس فإنّه يكره أن يحتكر الطعام و يترك الناس ليس لهم طعام (3). و قول المفيد جيد، و روايته أوضح طريقا.

مسألة: اختلف الشيخان في التسعير

، فقال المفيد: و للسلطان أن يسعّرها على ما يراه من المصلحة، و لا يسعّرها بما يخسر أربابها فيها (4).

و قال الشيخ: لا يجوز له أن يجبره على سعر بعينه، بل يبيعه بما يرزقه اللّه تعالى (5)، و به قال ابن البرّاج (6)، و ابن إدريس (7).

و قال ابن حمزة: لا يسعّر إلّا إذا تشدّد، و إن خالف أحد في السوق بزيادة

____________

(1) المقنعة: ص 616.

(2) تهذيب الاحكام: ج 7 ص 159 ح 703، وسائل الشيعة: ب 27 من أبواب آداب التجارة ح 1 ج 12 ص 312.

(3) تهذيب الاحكام: ج 7 ص 160 ح 708، وسائل الشيعة: ب 27 من أبواب آداب التجارة ح 2 ج 12 ص 313.

(4) المقنعة: ص 616.

(5) النهاية و نكتها: ج 2 ص 114- 115.

(6) لم نعثر عليه في المصادر المتوفرة لدينا.

(7) السرائر: ج 2 ص 239.

42

أو نقصان لم يعترض عليه (1)، و هو الأجود.

لنا: على عدم التسعير مع عدم التشدّد أنّه حكم عليه في ماله، فلا يسوغ لما فيه من التسلّط على أكل مال الغير بغير رضاه.

و ما رواه الحسين بن عبد اللّه بن ضمرة، عن أبيه، عن جده، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام) قال: رفع الحديث الى رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله) أنّه مرّ بالمحتكرين فأمر بحكرتهم أن تخرج الى بطون الأسواق و حيث تنظر الأبصار إليها، فقيل لرسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله): لو قوّمت عليهم، فغضب- عليه و آله السلام- حتى بان عرق الغضب في وجهه فقال: أنا أُقوّم عليهم! انّما السعر الى اللّه يرفعه إذا شاء و يخفضه إذا شاء (2).

و أمّا التسعير حالة التشدّد فلأنّه لولاه لانتفت فائدة الجبر، إذ بدونه يمنع المالك من البيع إلّا بأضعاف ثمنه، فلو سوّغناه انتفت الحكمة في إلزامه بالبيع.

مسألة: قال الشيخان: التلقّي مكروه

(3). و قال ابن البرّاج: إنّه محرّم (4)، و تابعه ابن إدريس (5)، و هو قول أبي الصلاح (6).

و نقل (7) عن الشيخ في المبسوط تحريم ذلك، و الشيخ(رحمه اللّه) لم يصرّح فيه

____________

(1) الوسيلة: ص 260.

(2) تهذيب الاحكام: ج 7 ص 161 ح 713، وسائل الشيعة: ب 30 من أبواب آداب التجارة ح 1 ج 12 ص 317.

(3) المقنعة: ص 616، النهاية و نكتها: ج 2 ص 116.

(4) لم نعثر عليه في المصادر المتوفرة لدينا.

(5) السرائر: ج 2 ص 238.

(6) الكافي في الفقه: ص 360. فقد صرح بالكراهة فقال: و يكره تلقي الركبان.

(7) نقله عنه في السرائر: ج 2 ص 238.

43

بالتحريم، بل قال: لا يجوز تلقّي الجلب (1)، و كذا قال في الخلاف (2). و كثيرا ما يستعمل لفظة «لا يجوز» في المكروه، مع أنّه قد صرّح به في النهاية بالكراهة (3). و الوجه الأوّل.

لنا: الأصل الإباحة.

احتج القائلون بالتحريم بما رواه منهال القصّاب، عن الصادق(عليه السلام) قال: قال: لا تلق و لا تشتر ما يتلقى و لا تأكل منه (4).

و عن عروة بن عبد اللّه، عن الباقر(عليه السلام) قال: قال رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله): لا يتلق أحدكم تجارة خارجا من المصر، و لا يبيع حاضر لباد، و المسلمون يرزق اللّه بعضهم من بعض (5).

و الجواب: النهي كما يدلّ على التحريم فكذا يدلّ على الكراهة.

مسألة: المشهور أنّ حدّ التلقي أربعة فراسخ فما دون

، قاله الشيخان (6)، و أبو الصلاح (7)، و ابن البرّاج (8).

و قال ابن حمزة: التلقي استقبال المتاجر و المتاع الى خارج البلد دون أربعة فراسخ (9).

____________

(1) المبسوط: ج 2 ص 160.

(2) الخلاف: ج 3 ص 172 ذيل المسألة 282.

(3) النهاية و نكتها: ج 2 ص 116.

(4) تهذيب الاحكام: ج 7 ص 158 ح 696، وسائل الشيعة: ب 36 من أبواب آداب التجارة ح 2 ج 12 ص 326.

(5) تهذيب الاحكام: ج 7 ص 158 ح 697، وسائل الشيعة: ب 36 من أبواب آداب التجارة ح 5 ج 12 ص 326 و ذيله في ب 37 من أبواب آداب التجارة ح 1 ج 12 ص 327.

(6) المقنعة: ص 616، النهاية و نكتها: ج 2 ص 116 و ليس فيها (فما دون).

(7) الكافي في الفقه: ص 360.

(8) لم نعثر عليه في المصادر المتوفرة لدينا.

(9) الوسيلة: ص 260.

44

لنا: ما رواه منهال القصّاب قال: قلنا له: ما حدّ التلقي؟ قال: روحة (1).

احتج ابن حمزة بما رواه منهال القصّاب قال: قال أبو عبد اللّه(عليه السلام): لا تلق، فإنّ رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله) نهى عن التلقي، قلت:

و ما حدّ التلقي؟ قال: ما دون غدوة أو روحة، قلت: و كم الغدوة و الروحة؟

قال: أربع فراسخ. قال ابن أبي عمير: و ما فوق ذلك ليس بتلقي (2).

و الجواب: لا منافاة بينهما، فإنّ ما دون الغدوة أو الروحة يصدق بجزء ما لا يتجزّأ مع أنّه غير معتبر.

مسألة: قال ابن إدريس: التلقي محرّم، و البيع صحيح، و يتخيّر البائع

(3). و قال ابن الجنيد: لا يمضي بيع من يتلقى الركبان خارجا من المصر بأربع فراسخ، و قد بيّنا نحن أنّه مكروه.

إذا ثبت هذا فنقول: البيع صحيح، و لا يتخيّر البائع مطلقا، بل مع ثبوت الغبن الفاحش، أمّا صحة البيع فللأصل الدالّ عليه السالم عن معارضة كون النهي عن التلقّي الذي هو خارج عن عقد البيع مانعا من البيع، و أمّا ثبوت الخيار مع الغبن فللإجماع عليه، و أمّا انتفاؤه مع عدمه فللعمل بمقتضى أصل البيع و هو اللزوم في ماله ما لم يظهر مناف، و التقدير عدمه.

مسألة: النجش- و هو الزيادة لزيادة من واطأه البائع- حرام

، لكن لا يبطل البيع بمجرّده، نعم يثبت الخيار مع الغبن.

و قال ابن الجنيد: النجش في البيوع يجري مجرى الغش و الخديعة و هو

____________

(1) تهذيب الاحكام: ج 7 ص 158 ح 698، وسائل الشيعة: ب 36 من أبواب آداب التجارة ح 4 ج 12 ص 326.

(2) تهذيب الاحكام: ج 7 ص 158 ح 699، وسائل الشيعة: ب 36 من أبواب آداب التجارة ح 1 ج 12 ص 326.

(3) السرائر: ج 2 ص 237.

45

يبطلها إذا كان من البائع، فإن كان من الواسطة لزم البيع و لزمه الدرك في الضرر إذا دخله على المشتري.

و قال في الخلاف: يصحّ البيع، و للمشتري الخيار، لأنّه عيب، و أطلق، ثمَّ قال: و إن قلنا: إنّه لا خيار له، لأنّ العيب ما يكون بالمبيع و هذا ليس كذلك كان قويّا (1).

و قال في المبسوط: إن كان النجش من غير أمر البائع و مواطاته فلا خيار له، لأنّه لا يفسخ عليه البيع بفعل غيره، و إن كان بأمره [و مواطاته اختلف فيه] فمنهم من قال: لا خيار له، و منهم من قال: له الخيار، لأنّه تدليس، و الأوّل أقوى (2).

و قال ابن البرّاج: له الخيار، لأنّه تدليس لا يجوز، و كان الشيخ أبو جعفر يقول: بأنّه لا خيار له. قال: و ما ذكرناه أظهر (3).

و الأقرب صحة البيع مع ثبوت الخيار مع الغبن، سواء كان من الواسطة أو من البائع.

لنا: الأصل صحة البيع، و عروض النجش له لا يقتضي فسادا في عقد البيع و ثبوت الخيار لما تقدّم.

____________

(1) الخلاف: ج 3 ص 171- 172 المسألة 280.

(2) المبسوط: ج 2 ص 159.

(3) لم نعثر عليه في المصادر المتوفرة لدينا.

46

الفصل الثالث في الآداب

مسألة: قال الشيخ في النهاية: و إذا نادى المنادي على المتاع فلا يزيد في المتاع

، فاذا سكت المنادي زاد حينئذ ان شاء (1).

و قال في المبسوط: و أمّا السوم على سوم أخيه فهو حرام، لقوله(عليه السلام): «لا يسوم الرجل على سوم أخيه» هذا إذا لم يكن المبيع في المزايدة، فإن كان كذلك فلا تحرم المزايدة (2).

و قال ابن إدريس: هذا هو الصحيح دون ما ذكره في النهاية، لأنّ ذلك على ظاهره غير مستقيم، لأنّ الزيادة في حال النداء غير محرّمة و لا مكروهة، و أمّا الزيادة المنهي عنها هي عند الانتهاء، و سكون نفس كلّ واحد من البيّعين على البيع بعد استقرار الثمن و الأخذ و الشروع في الإيجاب و القبول و قطع المزايدة فعند هذه الحالة لا يجوز السوم على سوم أخيه، لأنّ السوم في البيع هو الزيادة في الثمن بعد قطعه و الرضا به بعد حال المزايدة و انتهائها و قبل الإيجاب و القبول، لقوله(عليه السلام): «لا يسوم الرجل على سوم أخيه» (3).

____________

(1) النهاية و نكتها: ج 2 ص 113.

(2) المبسوط: ج 2 ص 160.

(3) السرائر: ج 2 ص 235.

47

أقول: ليس بعيدا من الصواب حمل كلام الشيخ في النهاية على انّ المنادي إذا سكت و لم يرض البائع بالعطيّة يجوز حينئذ الزيادة، و قد روى الشعيري، عن الصادق(عليه السلام) أنّه كان يقول: إذا نادى المنادي فليس لك أن تزيد، فإذا سكت فلك أن تزيد، و إنّما تحرم الزيادة و النداء يسمع و يحلّها السكوت (1).

مسألة: قال الشيخ في النهاية: لا يجوز للرجل أن يدخل في سوم أخيه المؤمن

(2). و قال في المبسوط: و أمّا السوم على سوم أخيه فهو حرام (3)، و تبعه ابن إدريس، لقوله(عليه السلام): «لا يسوم الرجل على سوم أخيه» (4). و الأقرب عندي الكراهة.

لنا: الأصل، و الحديث الذي نقله الشيخ لا يحضرني الآن حال رواته.

قال الشيخ: و كذا يحرم إذا باع إنسان من غيره شيئا و هما في المجلس فلكلّ واحد منهما الخيار في الفسخ، فجاء آخر يعرض على المشتري سلعة مثل سلعته بأقل منها أو خيرا منها ليفسخ ما اشتراه و يشتري منه سلعة فهذا محرّم، غير أنّه متى فسخ الذي اشتراه انفسخ، و إذا اشترى الثاني كان صحيحا. قال: و انّما قلنا: إنّه حرام، لقوله(عليه السلام): «لا يبيعنّ أحدكم على بيع أخيه» قال: و كذا الشراء قبل البيع محرّم، و هو أن يعرض على البائع أكثر من الثمن الذي باعه به فإنّه حرام، لأنّ أحدا لم يفرّق بين المسألتين (5)، و تبعه ابن

____________

(1) تهذيب الاحكام: ج 7 ص 227 ح 994، وسائل الشيعة: ب 49 من أبواب آداب التجارة ح 1 ج 12 ص 337.

(2) النهاية و نكتها: ج 2 ص 113.

(3) المبسوط: ج 2 ص 160.

(4) السرائر: ج 2 ص 235.

(5) المبسوط: ج 2 ص 159- 160.

48

إدريس (1). و في التحريم عندي نظر.

مسألة: قال الشيخ في النهاية: يكره أيضا أن يبيع حاضر لباد

، لقلّة بصيرته بما يباع في البلاد، فإن لم يكن شيء من ذلك محظورا لكن ذلك من المسنونات (2).

و قال في الخلاف: لا يجوز بيع حاضر لباد، سواء كان بالناس حاجة الى ما معه أو لم يكن بهم حاجة، فإن خالف أثم، لعموم الخبر في النهي عن ذلك من قوله(عليه السلام): «لا يبيعنّ حاضر لباد» (3).

و قال في المبسوط: لا يجوز أن يبيع حاضر لباد- و معناه: أن يكون سمسارا له- بل يتركه أن يتولى بنفسه ليرزق اللّه بعضهم من بعض، فإن خالف أثم و كان بيعه صحيحا، و ينبغي أن يتركه في المستقبل. هذا إذا كان ما معهم يحتاج أهل الحضر إليه و في فقده إضرار لهم، و أمّا إذا لم يكن بهم حاجة ماسة إليه فلا بأس أن يبيع له، فأمّا المتاع الذي يحمل من بلد الى بلد ليبيعه السمسار و يستقصي في ثمنه و يتربص فإنّ ذلك جائز، لأنّه لا مانع منه، و ليس كذلك في البادية (4).

و قال ابن حمزة: و للسمسار أن يبيع متاع البدوي في الحضر و يستقصي في بيعه، و ليس له أن يبيع لباد في البلد (5). و قال ابن البرّاج في المهذب (6) كقول الشيخ في المبسوط.

و قال ابن إدريس: هذا هو الصحيح الذي لا خلاف فيه بين العلماء من

____________

(1) السرائر: ج 2 ص 235.

(2) النهاية و نكتها: ج 2 ص 116.

(3) الخلاف: ج 3 ص 172 المسألة 281.

(4) المبسوط: ج 2 ص 160.

(5) الوسيلة: ص 260 و فيه: «البدو».

(6) لم نعثر عليه و نقله عنه في السرائر: ج 2 ص 236.

49

الخاص و العام، و بين مصنّفي غريب الأحاديث من أهل اللغة كالمبرّد و أبي عبيدة و غيرهما، فإنّ المبرّد ذكر ذلك في كامله، فلا يتوهم متوهم أنّ المراد بقوله(عليه السلام): «لا يجوز أن يبيع حاضر لباد» معناه: لا يبيع الحاضر للبادي، أو لا يبيع الحاضر على البادي. قال: و هذا لا يقوله من له أدنى تحصيل، فانّي شاهدت بعض متفقّهة أصحابنا و قد اشتبه عليه ذلك و قال: المراد به ما أوردته أخيرا: من أنّه لا يبيع حاضر شيئا على باد، و هذا غاية الخطأ و من أفحشه، و هل يمنع من أن يبيع حاضر على البادي أحد من المسلمين؟! و لو أراد ذلك(عليه السلام) لما قال: «و لا يجوز أن يبيع حاضر لباد» بل كان يقول:

«و لا يجوز أن يبيع حاضر على باد» فلمّا قال: «لباد» دلّ عليه أنّه لا يكون سمسارا له. قال: و وجدت بعض المصنّفين قد ذكر في كتاب له قال: «نهي أن يبيع حاضر لباد» و معنى هذا النهي- و اللّه أعلم- معلوم من ظاهر الخبر: و هو الحاضر للبادي، يعني: متحكّما عليه في البيع بالكره، أو بالرأي الذي يغلب به عليه- يريد أنّ ذلك نظر له-، أو يكون البادي يوليه عرض سلعته فيبيع دون رأيه، و ما أشبه ذلك. فأمّا إن دقع البادي سلعته الى الحاضر ينشرها للبيع و يعرضها و يستقصي ثمنها ثمَّ يعرّفه مبلغ الثمن فيلي البادي البيع بنفسه أو يأمر من يلي ذلك له بوكالته فذلك جائز، و لي في هذا من ظاهر النهي شيء، لأن ظاهر النهي إنّما هو أن يبيع الحاضر للبادي، فإذا باع البادي بنفسه فليس هذا من ذلك بسبيل كما يتوهمه من قصر فهمه، قال: هذا آخر الكلام أحببت إيراده هنا ليوقف عليه، فإنّه كلام محصّل سديد في موضعه. فأمّا المتاع الذي يحمل من بلد الى بلد ليبيعه السمسار و يستقصي في ثمنه و يتربّص فإنّ ذلك جائز، لأنّه لا مانع منه، و ليس كذلك في البادية (1).

____________

(1) السرائر: ج 2 ص 236- 237.

50

و هذا الكلام على طوله خال عن الفائدة و التحصيل، و انّما البحث في مقامين:

الأوّل: في التحريم و الكراهة، و الأقرب عندنا الكراهة عملا بالأصل.

احتج المحرّمون بالنهي.

و الجواب: المنع من صحة السند، و حمل النهي على الكراهة.

و الثاني: في تفسيره، و المراد ما ذكره الشيخ في مبسوطه لا ما استحسنه ابن إدريس من كلام الفاضل الذي نقله عنه، لما رواه عروة بن عبد اللّه، عن الباقر(عليه السلام) قال: قال رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله): لا يتلقّ أحدكم تجارة خارجا من المصر، و لا يبيع حاضر لباد، و المسلمين يرزق اللّه بعضهم من بعض (1).

مسألة: قال الشيخ في المبسوط: نهى النبي(صلّى اللّه عليه و آله) عن بيعتين في بيعة

، قال: و قيل: إنّه يحتمل أمرين: أحدهما: أن يكون المراد أنّه إذا قال: بعتك هذا الشيء بألف درهم نقدا أو بألفين نسيئة فأيّهما شئت خذه فإنّه لا يجوز، لجهالة الثمن، الثاني: أن يقول: بعتك عبدي هذا بألف على أن تبيعني دارك هذه بألف فهذا أيضا لا يصح، لأنّه لا يلزمه بيع داره، و لا يجوز أن يثبت في ذمّته، لأنّ السلف في بيع الدار لا يصح (2). و تبعه ابن إدريس (3).

و الأقرب عندي الحمل على الأوّل و صحة الثاني، فقول الشيخ ليس بجيد، لأنّ بيع الدار هنا لازم باعتبار اشتراطه في عقد لازم و إن لم يكن لازما في نفس الأمر لولاه.

____________

(1) تهذيب الاحكام: ج 7 ص 158 ح 697، وسائل الشيعة: ب 36 من أبواب آداب التجارة ح 5 ج 12 ص 326 و ب 37 ح 1 ج 12 ص 327.

(2) المبسوط: ج 2 ص 159.

(3) السرائر: ج 2 ص 240.

51

الفصل الرابع في عقد البيع و شرائطه

مسألة: قال الشيخ في المبسوط: البيع هو انتقال عين مملوكة من شخص الى غيره بعوض مقدّر على وجه التراضي

(1)، و تبعه ابن إدريس (2) على ذلك.

و قال ابن حمزة: البيع عقد على انتقال عين مملوكة أو ما هو في حكمها من شخص الى غيره بعوض مقدّر على وجه التراضي (3). و الأقرب قول ابن حمزة.

لنا: إنّه المتبادر الى الفهم عند الإطلاق فيكون حقيقة فيه.

مسألة: لا بدّ في عقد البيع من الإيجاب و القبول، و لا تكفي المعاطاة في العقد

، ذهب إليه أكثر علمائنا.

و للمفيد قول يوهم الجواز فإنّه قال: و البيع ينعقد على تراض بين الاثنين فيما يملكان التبايع له إذا عرفاه جميعا و تراضيا بالبيع و تقابضا و افترقا بالأبدان (4). و ليس في هذا تصريح بصحته، إلّا أنّه موهم.

لنا: الأصل بقاء الملك على مالكه و عدم الانتقال عنه، إلّا بسبب يثبت

____________

(1) المبسوط: ج 2 ص 76.

(2) السرائر: ج 2 ص 240.

(3) الوسيلة: ص 236.

(4) المقنعة: ص 591.

52

اعتباره شرعا، فلم يثبت في المعاطاة.

مسألة: و في اشتراط تقديم الإيجاب على القبول قولان أشهرهما ذلك

، اختاره الشيخ في المبسوط قال: و إن تقدّم القبول فقال: بعينه بألف فقال:

بعتك صحّ، ثمَّ قال: و الأقوى عندي انّه لا يصح حتى يقول المشتري بعد ذلك: اشتريت (1)، و هو قول ابن حمزة (2)، و ابن إدريس (3).

و قال في الخلاف كقوله في المبسوط: من أنّه لا يصح إذا قال: بعنيه فقال: بعتك حتى يقول المشتري بعد ذلك: اشتريت. و نقل عن أبي حنيفة إن كان القبول بلفظ الخبر مثل: اشتريت منك و ابتعت منك صحّ، و إن كان بلفظ الأمر لم يصح، و استدل بالإجماع على صحة ما اعتبره، و عدم دليل على خلافه (4).

و قال ابن البرّاج: يجوز تقديم القبول على الإيجاب (5).

لنا: الأصل بقاء الملك على مالكه (6)، فلا ينتقل عنه إلّا بسبب شرعي، و لم يثبت كون العقد المتقدّم فيه القبول سببا شرعيا فيبقى على الأصل.

احتجّ بأنّه يجوز تقديم القبول في النكاح على الإيجاب فكذا في البيع، لأنّ الأصل اعتبار الرضا من المتبايعين، و الألفاظ دالّة عليها، فلا عبرة بالترتيب.

و الجواب: المنع من المساواة بين النكاح و البيع، و انّما سوّغنا في النكاح، لضرورة لم توجد في البيع و هي الحياء الحاصل للمرأة، فلا تبادر الى تقديم

____________

(1) المبسوط: ج 2 ص 87.

(2) الوسيلة: ص 237.

(3) السرائر: ج 2 ص 250.

(4) الخلاف: ج 3 ص 39 المسألة 56.

(5) لم نعثر عليه في المصادر المتوفرة لدينا.

(6) م (2): بائعه.