مصباح الفقاهة - ج2

- الشيخ محمد علي التوحيدي المزيد...
225 /
3

[كتاب البيع]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

المعاملات و حكمة البحث عن حقيقتها

لا شبهة في ان الإنسان مدني بالطبع لا يمكنه الاستقلال بحوائجه كلها.

و إذن فيتوقف حفظ نظام النوع، و صيانة كيانه على الاجتماع و تشريع المبادلة بين الأموال، بداهة أنه لو لم يشرع ذلك لاحتاج كل واحد في حاجاته إلى التغالب، و التكالب، و المقاهرة، كما هو الحال في سائر الحيوانات، و عليه فلا بد في حفظ النظام من تشريع المعاملات. و على هذا الضوء فلا مناص من معرفة أحكام المعاملات و تنقيح قواعدها و تبويب أبوابها. و بما أن اشتغال جميع أفراد المكلفين بذلك يوجب اختلال النظام. وجب التصدي لها عليهم كفاية.

المال و حقيقته

ما هو حقيقة المال؟ و ما هو الفارق بينه و بين الملك؟ المال في اللغة [1] ما ملكه الإنسان من الأشياء، و في العرف أن المالية إنما تنتزع من الشيء بملاحظة كونه في حد ذاته مما يميل إليه النوع، و يدخرونه للانتفاع به وقت الحاجة،

____________

[1] في أقرب الموارد: المال ما ملكته من جميع الأشياء، و عند أهل البادية: النعم، يذكر و يؤنث، يقال: هو المال، و هي المال. ج أموال. و المال عند الفقهاء ما يجري فيه البذل و المنع، فيخرج الرماد، و التراب، و الميتة التي ماتت حتف أنفها.

4

و يتنافسون فيه، و يبذلون بإزائه شيئا مما يرغب فيه من النقود و غيرها، ضرورة أن منا من الحنطة ليس كالمن من التراب، فإن الأول ينتزع منه عنوان المالية دون الثاني.

و أما عند الشرع فمالية كل شيء باعتبار وجود المنافع المخللة فيه، فعدم المنفعة المحلّلة (كالخمر و الخنزير) ليس بمال.

ثم إن النسبة بين المال و الملك هي العموم من وجه، بديهة أنه قد يوجد الملك و لا يوجد المال، كالحبة من الحنطة المملوكة، فإنها ملك و ليست بمال، و قد يتحقق المال، و لا يتحقق الملك. كالمباحات الأصلية قبل حيازتها، فإنها أموال، و ليست بمملوكة لأحد، و قد يجتمعان، و هو كثير.

ثم إنه لا وجه لتخصيص المال بالأعيان، كما يظهر من الطريحي في مجمع البحرين [1] بل المال في اللغة و العرف يعم المنافع أيضا، و لعل غرضه من التخصيص هو بيان الفرد الغالب.

الإضافة الحاصلة بين المال و مالكه و حقيقة هذه الإضافة و أقسامها

ما هو حقيقة الإضافة بين المال و مالكه؟ لا ريب في أن الإضافة الموجودة بين المال و مالكه المسماة بالإضافة المالكية على أقسام، لأنها في الواقع و نفس الأمر إما إضافة ذاتية تكوينية، أو إضافة عرضية حاصلة بالأمور الخارجية.

أما الأولى فكالاضافات الكائنة بين الأشخاص، و أعمالهم، و أنفسهم، و ذممهم، فإن إعمال كل شخص، و نفسه، و ذمته مملوكة له ملكية ذاتية،

____________

[1] قال: المال في الأصل: الملك من الذهب و الفضة. ثم أطلق على كل ما يقتني و يتملك من الأعيان، و أكثر ما يطلق عند العرب على الإبل، لأنها كانت أكثر أموالهم.

5

و هو واجد لها فوق مرتبة الواجدية الاعتبارية، و دون مرتبة الواجدية الحقيقة التي هي للّه جل و علا.

و المراد من الذاتي هنا ما لا يحتاج تحققه إلى أمر خارجي تكويني، أو اعتباري، و ليس المراد به الذاتي في باب البرهان: أي ما ينتزع من مقام الذات، و لا الذاتي في باب الكليات الخمس: أعني به الجنس، و الفصل. و هذا واضح لا ريب فيه.

و المراد من الملكية الذاتية ليس إلا سلطنة الشخص على التصرف في نفسه، و شؤونها، بداهة أن الوجدان، و الضرورة، و السيرة العقلائية كلها حاكمة بأن كل أحد مسلط على عمله، و نفسه، و ما في ذمته: بأن يؤجر نفسه لغيره، أو يبيع ما في ذمته، و من البين الذي لا ستار عليه: أن الشارع المقدس قد أمضى هذه السلطنة، و لم يمنع الناس عن التصرفات الراجعة إلى أنفسهم.

و ليس المراد من الملكية هنا: الملكية الاعتبارية، لكي يتوهم أن عمل الإنسان، أو نفسه ليس مملوكا له بالملكية الاعتبارية.

و من هنا يتجلى لك: أنه لا شبهة في صدق المال على عمل الحر. و عليه فاستيفاؤه قهرا عليه موجب للضمان جزما. و كذلك الحال في ضمان نفسه. غاية الأمر أن الشارع المقدس قد سلك في ضمان النفس المحترمة، و ما يرجع إليها من الأعضاء و الأطراف غير ما سلكه في ضمان الأموال، و جعل في ذلك حدا خاصا و دية مخصوصة.

و أما الثانية (أعني بها الإضافة العرضية) فهي إما أن تكون إضافة أولية و إما أن تكون إضافة ثانوية و الأولوية إما أصلية استقلالية، أو تبعية غيرية.

فالأولية الأصلية، كالإضافة المالية الحاصلة بالعمل، أو بالحيازة، أو بهما معا، فالأول كالأعمال التي يعملها الإنسان فيحصّل منها المال، كحيازة المباحات، بناء على عدم اعتبار قصد التملك فيها، كما هو الحق، و أما بناء على اعتبار القصد في ذلك فحصول الملكية فيها يحتاج إلى العمل القلبي.

6

و قد حكم العقلاء بحصول المالية بمجرد الحيازة. بل اشتهر بين الفقهاء مرسلا أن (من حاز ملك [1].

و قد روى عن النبي ص من طرق العامة [2] و من طرق الخاصة [3] أن (من سبق إلى ما لم يسبقه اليه مسلم فهو أحق به) و لكنه ضعيف السند، و غير منجبر بشيء.

و المهم في المقام هو بناء العقلاء، فإنه قائم على حصول الإضافة المالكية بين المحيز، و المحاز.

و الثالث: كمن يحوز أشجارا، فيجعلها سريرا، أو يجوز ترابا، فيجعله كوزا، أو يجوز نباتا، فيجعله ثوبا أو حصيرا، أو غيرهما، فإن الصورة السريرية، و الكوزية، و الثوبية و الحصيرية توجب تحقق إضافة مالية أخرى في تلك الموارد وراء المالية المتقومة بها، فتلك المالية القائمة بها إنما حصلت من العمل و الحيازة معا.

ثم إن الوجه في إطلاق الأول على هذه الإضافة هو أنه لم تسبق إضافة ذلك المال الى غيره. و الوجه في إطلاق الأصلية عليها إنما هو بلحاظ عدم تبعيتها لغيرها.

و أما الإضافة الأولوية التبعية فهي ما تكون بين المالك، و بين نتاج أمواله،

____________

[1] لم نجده في أصول الحديث من كتب الخاصة و العامة، و نحتمل قريبا أنه قاعدة فقهية متصيدة من الروايات الواردة في الأبواب المختلفة، و الفصول المتفرقة، كإحياء الموات، و التحجير و غيرهما، كبقية القواعد الفقهية المضروبة لبيان الأحكام الجزئية.

[2] عن ابن مضرس قال: أتيت النبي ص فبايعته فقال: من سبق إلى ما لم يسبقه اليه مسلم فهو له قال: فخرج الناس يتعادون، يتخاطون. سنن البيهقي ج 6 ص 142.

[3] قال النبي ص: من سبق الى ما لم يسبقه اليه مسلم فهو أحق به. راجع مبسوط الشيخ الطوسي أول كتاب إحياء الموات. و مستدرك الوسائل ج 3 باب 1 من أبواب إحياء الموات ص 149.

7

فان هذا النتاج يضاف الى مالك الأصول إضافة أولية تبعية. أما إطلاق التبعية فلكونها ثابتة لما تحصل منه. و أما إطلاق الأولية فلعدم سبق إضافة أخرى إليها.

و أما الإضافة الثانوية فالمراد بها ما قابل الإضافة الأولية و إن طرأت على الأموال مرارا عديدة، نظير المعقولات الثانوية من جهة مقابلتها للمعقولات الأولية.

و هي على قسمين: لأنها تارة تكون قهرية، و اخرى اختيارية.

أما الأولى فكالاضافة التي تحصل بسبب الإرث، أو الوقف، أو الوصية بناء على كونها: (أي الوصية) من الإيقاعات، و قد اخترناه في محله. و وجه كونها قهرية هو حصول الملكية للوارث، و الموقوف عليه. و الموصى له بالقهر، لا بالفعل الاختياري.

و أما الثانية فكالاضافة الحاصلة من المعاملات. و من ذلك ما يحصل بالبيوع التي نحن في صدد بحثها.

و لا يخفى على الفطن العارف أن ما ذكرناه من أقسام الإضافات المالكية من الأمور البديهية التي قياساتها معها.

الثمن و وجه اختصاصه بالنقود

قوله: (البيع و هو في الأصل كما في المصباح [1] مبادلة مال بمال).

أقول قد كان ديدن الناس من لدن آدم ع أبي البشر الى زمان خاص، بل الى زماننا هذا في بعض النقاط و الأصقاع (كالقرى و أشباهها) قد كان ديدنهم على تبديل المتاع

____________

[1] البيع من الأضداد، مثل الشراء، و يطلق على كل واحد من المتعاقدين أنه بائع، لكن إذا أطلق البائع فالمتبادر إلى الذهن باذل السلعة و يطلق البيع على المبيع، فيقال: بيع جيد- الى أن قال-: و الأصل في البيع مبادلة مال بمال، لقولهم: بيع رابح، و بيع خاسر. و ذلك حقيقة في وصف الأعيان، لكنه أطلق على العقد مجازا، لأنه سبب التمليك و التملك.

8

بالمتاع عند المعاملة و المعاوضة، و كان ذلك من الأمور الصعبة جدا، خصوصا في تعيين الأروش و قيم المتلفات. و لهذا بنى العقلاء على تخصيص الثمن بالنقود، و تخصيص المثمن بالامتعة. و إلا فإنه لا محذور قطعا في صحة تحقق المبادلة بين المتاعين عند المعاملة و المعاوضة. و عليه فقد تقع المبادلة بين المتاعين و قد تقع بين النقدين، و قد تقع بين عرض و نقد.

ثم إنه هل يشمل مفهوم البيع لجميع هذه الأقسام المذكورة، أم هو مختص ببعض دون بعض؟ لا شبهة في أن مفهوم البيع في الجملة من المفاهيم الواضحة البديهية الارتكازية- التي يعرفها كل احد- كمفاهيم سائر العقود و الإيقاعات، إلا أنه لا يوجد مفهوم في العالم إلا و يعرضه الاشتباه في بعض مصاديقه. و من هنا ذكر المصنف (ره) في أول كتاب الطهارة: أن مفهوم الماء المطلق من أوضح المفاهيم العرفية. و مع ذلك ذكر: أنه قد يقع الشك في صدقه على بعض الموارد، لعدم ضبط المفهوم تحقيقا فيرجع الى الأصول العملية. و على هذا الضوء فلا بد من بيان حقيقة البيع على وجه يمتاز عن جميع ما عداه لكي تترتب عليه أحكامه الخاصة من شرائط المتعاقدين، و شرائط العوضين و الخيارات و غيرها.

و تحقيق ذلك: ان مفهوم البيع لا يساوق مفهوم المبادلة بين شيئين، بل يطلق البيع على قسم خاص من المبادلة. و ضابطه: ان امتياز البيع عن بقية أقسام المبادلة بأحد وجهين:

الوجه الأول: أن يكون أحد العوضين متاعا، و العوض الآخر نقدا.

فالذي يعطي المتاع يسمى بائعا، و الذي يعطي النقد يسمى مشتريا. سواء أ كان نظر كل من المتعاملين في مبادلتهم هذه الى تحصيل الربح، و حفظ مالية ماله معا، أم كان نظر كل منهما الى رفع حاجته فقط، كأن يشترى المأكولات للأكل، و يشتري المشروبات للشرب، و يشتري الملبوسات للبس، و هكذا. أم كان نظر أحدهما إلى حفظ مالية ماله و تحصيل الربح معا، و نظر الآخر الى دفع الضرورة و الاحتياج فقط.

الوجه الثاني: أن يكون كلا العوضين نقدا أو من العرض، و لكن كان نظر

9

أحد المتعاملين من المبادلة إلى حفظ مالية ماله في ضمن أي متاع كان، مع تحصيل الربح- كأهل التجارة- و نظر الآخر الى رفع حاجته فقط، فالأول يسمى بائعا. و الثاني يسمى مشتريا. و على هذا النهج يكون الملحوظ فيما يعطيه المشتري هو المالية الخالصة، لكي يكون ذلك قائما مقام النقود، و يعنون بعنوان الثمنية.

و لا ريب في أن هذا المعنى هو المتبادر من مفهوم البيع عند أهل العرف. بل هو أمر ارتكازي في ذهن كل بشر من أهل أية لغة كان. و يعرف ذلك كل منهم و لو من غير العارف باللغة العربية، بديهة أن الغرض الأقصى و الغاية القصوى إنما هو معرفة مفهوم البيع، لا لفظه، و مادته. لكي يختص البحث بلفظ دون لفظ.

و إذا كان كلا العوضين عرضا، أو نقدا، و كان الغرض لكل من المتعاملين هو تحصيل الربح، و المنافع، مع حفظ مالية ماله في ضمن أي متاع كان، أو كان نظر كليهما الى رفع الاحتياج، و دفع الضرورة فقط. و إذا كان كذلك فان ذلك لا يسمى بيعا جزما. بل هو معاملة خاصة و يدل على صحة ذلك عموم آية التجارة عن تراض [1].

نعم يظهر من بعض كتب العامة [2] جواز إطلاق البيع على مطلق المبادلة، و المعاوضة، و لكن قد عرفت قريبا أن هذا الإطلاق على خلاف المرتكزات العرفية.

____________

[1] يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ مِنْكُمْ. النساء 4: 33.

[2] في الفقه على المذاهب الأربعة ج 2 ص 148 عن الحنفية: أن من أقسام البيع مبادلة سلعة بسلعة. و يسمونها مقايضة.

و في ص 152 عن المالكية: أن من أقسام البيع بيع العرض بالعرض. و عن الحنابلة: أن مفهوم البيع يشمل المقايضة، و هي مبادلة سلعة بسلعة.

و في ص 154 عن الشافعية: الثامن من أقسام البيع: بيع الحيوان بالحيوان و يسميه غيرهم مقايضة، و هو صحيح.

10

و على هذا الضوء فإذا أراد أحد تبديل كتابه بكتاب شخص آخر، أو تبديل ثوبه بثوب غيره لمجرد دفع الاحتياج فإنه لا يتوهم أحد أن أيا منهما باع كتابه بكتاب غيره، أو باع ثوبه بثوب غيره. كما أنه لا يتوهم أحد أيضا أن باذل النقد هو البائع، و باذل العرض هو المشتري. و من هنا ذكر الفيومي في المصباح: أنه (إذا أطلق البائع فالمتبادر الى الذهن باذل السلعة).

و أما ما ذكره في المصباح من أن (الأصل في البيع مبادلة مال بمال) فهو و إن كان شاملا لجميع أقسام المبادلة، و لكنه ليس تعريفا حقيقيا، لقضاء الضرورة بأن البيع ليس هو مطلق المبادلة بين شيئين، بل هو تعريف لفظي، و تبديل لفظ بلفظ آخر أوضح منه، كقول أهل اللغة: السعدان نبت. و كذلك الحال فيما ذكره بعض العامة من أن البيع في اللغة مقابلة شيء بشيء.

ثم إنه يمكن أن يراد من لفظة الأصل في تعريف المصباح ما كان هو المتعارف في الأيام السالفة من كون البيع عبارة عن مطلق المبادلة بين الأموال، بديهة أنه لو كان غرض الفيومي من هذه الكلمة هو اللغة لوجب عليه أن يصدر كلامه بلفظة الأصل عند شرح كل مادة ترد عليه. و قد وقع التصريح بما ذكرناه في لسان العرب. و مجمع البحرين: في مادة المال و ذكرا أن المال في الأصل الملك من الذهب، و الفضة، ثم أطلق على كل ما يقتني و يتملك من الأعيان.

المبيع و اختصاصه بالأعيان

هل يجوز أن يكون المبيع من المنافع أم لا بدّ و أن يكون من الأعيان؟

الظاهر أنه لا ريب في اشتراط كونه من الأعيان، بداهة اختصاص مفهوم البيع عند أهل العرف بتمليك الأعيان، فلا يعم تمليك المنافع و إذن فتختص الأدلة الواردة في إمضاء البيع بنقل الأعيان. و تبعد عن تمليك المنافع رأسا.

11

نعم يظهر من المحكي عن المالكية و الحنابلة [1] جواز إطلاق البيع على تمليك المنافع و لكنه على خلاف المرتكزات العرفية.

و مع الإغضاء عما ذكرناه ان مجرد الشك في صدق مفهوم البيع على تمليك المنافع يكفينا في المنع عن شمول أدلة إمضاء البيع له.

و حينئذ فدعوى أن المتبادر من مفهوم البيع تمليك العين فقط، و أن هذا المفهوم يصح سلبه عن تمليك المنفعة دعوى صحيحة. و لا ريب في أن التبادر و صحة السلب من علائم الحقيقة. و عليه فيكون البيع حقيقة في تمليك العين و مجازا في غيره.

و إذا ثبتت هذه الدعوى في العصر الحاضر ثبتت في محاورات أبناء الأزمنة السالفة أيضا بأصالة عدم النقل المعبر عنها بالاستصحاب القهقرى و قد ذكرنا في مبحث الاستصحاب من علم الأصول، أنه لا دليل على حجية هذا الاستصحاب إلا في مورد واحد، و هو أن يكون المتبادر الفعلي من اللفظ معنى خاصا، و شك في كونه كذلك في العهود البائدة، و الأيام السالفة، فإن الاستصحاب القهقرى يقتضي بقاء اللفظ على معناه الأولي، و عدم انتقاله منه إلى معنى آخر يغايره.

و الدليل على حجية الاستصحاب المزبور في هذا المورد إنما هو بناء العقلاء، و سيرة العلماء، و ديدن الفقهاء، لأنه لو لا ذلك لا نسد عليهم باب الاجتهاد، و طريق الاستنباط، إذ من المحتمل القريب أن تكون الروايات في عرف الأئمة (عليهم السلام) ظاهرة في معاني مغايرة لما هي ظاهرة فيه فعلا. و من البين الذي لا ريب فيه أنه لا سبيل إلى دفع هذا الاحتمال إلا الاستصحاب المذكور.

____________

[1] في الفقه على المذاهب الأربعة ج 2 ص 111 عن المالكية: أنه يصح إطلاق البيع على نقل المنافع.

و في ص 152 عن الحنابلة أن معنى البيع في الشرع مبادلة مال بمال، أو مبادلة منفعة مباحة بمنفعة مباحة على التأبيد.

12

و يؤيد ما ذكرناه من اختصاص المبيع بالأعيان أمران:

الأول: ما استقرت عليه آراء الفقهاء من تخصيص المعوض- في البيع- بالأعيان، الثاني: ما ذكره بعض العامة (1) من أن البيع في اللغة إخراج ذات عن الملك بعوض. فتمليك المنفعة بالإجارة لا يسمى بيعا. قيل:

إن ما ذكره الفيومي في المصباح من أن البيع في الأصل مبادلة مال بمال يشمل نقل المنافع، كشموله لنقل الأعيان، و عليه فلا وجه لتخصيص مفهوم البيع بتمليك الأعيان. و الجواب عن ذلك:

أنك قد عرفت قريبا أن هذا التعريف ليس بتعريف حقيقي لكي يلزم الأخذ بإطلاقه، و الحكم بشمول مفهوم البيع لتمليك العين و المنفعة. بل هو تعريف لفظي مبني على المسامحة و المساهلة.

و بما أوضحناه ظهر لك الفارق بين البيع و الإجارة: و هو أن صيغة الإجارة و إن كانت تتعلق بالعين المستأجرة. كقولك: آجرتك المتاع الفلاني إلخ إلا أن أثرها تمليك المنفعة. و هذا بخلاف البيع، فإن الأثر المترتب عليه إنما هو تمليك العين كما أن صيغته أيضا تتعلق بالعين. و هذا المعنى هو السر فيما استظهره المصنف ره من اختصاص المعوض- في البيع- بالأعيان و قال:

(و الظاهر اختصاص المعوض بالعين، و عليه استقر اصطلاح الفقهاء في البيع)

. و المتحصل من جميع ذلك: أن إطلاق كلمة البيع على تمليك المنافع مبني على العناية، و المجاز و قد ورد هذا الإطلاق في كلمات الفقهاء. و في الروايات العديدة

____________

(1) راجع الفقه على المذاهب الأربعة ج 2 ص 147.

13

الواردة في مواضيع شتى: منها الأخبار [1] الدالة على بيع خدمة المدبر. و منها الرواية الواردة في بيع سكنى الدار [2] و منها الأخبار الواردة في بيع الأراضي الخراجية

____________

[1] المروية عن السكوني عن جعفر عن أبيه عن علي ع قال: باع رسول اللّه ص خدمة المدبر، و لم يبع رقبته. ضعيفة بالنوفلي و عن أبي مريم عن أبي عبد اللّه ع قال: سئل عن الرجل يعتق جاريته عن دبر أ يطأها ان شاء، أو ينكحها، أو يبيع خدمتها في حياته فقال: نعم أي ذلك شاء فعل. مجهولة بأبي مريم.

و عن علي بن أبي حمزة سالم البطائني قال: سألت أبا عبد اللّه ع عن رجل أعتق جارية له عن دبر في حياته؟ قال: ان أراد بيعها باع خدمتها في حياته، فإذا مات أعتقت الجارية، و ان ولدت أولادا فهم بمنزلتها. ضعيفة بابن أبي حمزة. و مجهولة بقاسم بن محمد الجوهري. التهذيب ج 2 ص 321، 322. و الوافي ج 6 ص 89.

و الوسائل ج 3 باب 3 من أبواب التدبير.

[2] المروية عن إسحاق بن عمار عن عبد صالح قال: سألته عن رجل في يده دار ليست له، و لم تزل في يده، و يد آبائه من قبله، قد أعلمه من مضى من آبائه أنها ليست لهم، و لا يدرون لمن هي، فيبيعها، و يأخذ ثمنها؟ قال ما أحب أن يبيع ما ليس له. قلت: فإنه ليس يعرف صاحبها، و لا يدري لمن هي، و لا أظنه يجيء لها رب أبدا؟ قال: ما أحب أن يبيع ما ليس له. قلت: فيبيع سكناها، أو مكانها في يده فيقول لصاحبه: أبيعك سكناي، و تكون في يدك كما هي في يدي؟ قال: نعم يبيعها على هذا. موثقة بابن عمار و غيره. التهذيب ج 2، باب الغرر و المجازفة ص 153، و الوافي ج 10 ص 13. و الوسائل ج 2 باب 1 من أبواب عقد البيع.

14

و شرائها [1] و قد ورد في جملة من الأحاديث [2] إطلاق لفظ الشراء على غير نقل الأعيان.

و قد ظهر لك مما أسلفناه الفارق بين البيع، و الهبة المعوضة، بداهة أن البيع- على ما عرفته آنفا- عبارة عن تبديل عين بشيء آخر، بخلاف الهبة المعوضة، فإن حقيقتها، و قوامها بالمجانية المحضة، و إنما اعتبر فيها العوض بالاشتراط. و الشاهد على ذلك أنها لا تبطل بامتناع الموهوب له عن العوض، بل إنما يثبت له خيار تخلف الشرط، و سيأتي لك توضيح ذلك عند التعرض لتعريف البيع، و دفع النقوض عنه.

____________

[1] المروية في الكافي ج 1 باب 140 اشتراء أرض الخراج من السلطان ص 410. و باب 131 قبالة أرض أهل الذمة، و جزية رؤوسهم، و من يتقبل الأرض من السلطان ص 406. و باب 133 الرجل يستأجر الأرض ص 407. و التهذيب ج 2 باب أحكام الأرضين ص 158 و الوسائل ج 2، باب 71 و باب 72 من أبواب الجهاد، و باب 133 ص 47.

[2] المروية عن محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر ع عن رجل يريد أن يتزوج المرأة ينظر إليها؟ قال: نعم إنما يشتريها بأغلى الثمن. حسنة بإبراهيم بن هاشم الكافي ج 2 ص 16. و الوافي ج 12 ص 58. و الوسائل ج 3 باب 39 ص 11.

و عن عبد اللّه بن سنان قال: قلت لأبي عبد اللّه ع: الرجل يريد أن يتزوج المرأة فينظر الى شعرها؟ فقال: نعم إنما يريد أن يشتريها بأغلى الثمن. مجهولة بهيثم بن أبي مسروق النهدي و الحكم بن مسكين التهذيب ج 2 ص 235 و الوافي ج 12 ص 58. و الوسائل ج 3 باب 36 من أبواب مقدمات النكاح ص 11.

و عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر ع قال: سألته عن رجل له امرأتان قالت إحداهما ليلتي و يومي لك يوما، أو شهرا، أو ما كان، أ يجوز ذلك؟

قال: إذا طابت نفسها، و اشترى ذلك منها لا بأس. صحيحة. الوافي ج 12 ص 118، و الوسائل ج 3 باب 6 من أبواب.

15

بحث استطرادي في تعريف الإجارة و مناقشته و جوابها

قد اشتهر بين الأصحاب تعريف الإجارة بأنها تمليك المنفعة بعوض. و نوقش فيه بوجهين:

1 أن المنفعة معدومة حال الإجارة، و من البين الذي لا ريب فيه أن المعدوم غير قابل للتمليك. و الجواب عن ذلك:

أن الملكية الشرعية ليست من المقولات الحقيقة التكوينية، لكي يستحيل تعلقها بالأمور المعدومة، بل قوامها بالاعتبار الساذج. و من المعلوم أن الأمور الاعتبارية بما أنها خفيفة المؤنة جاز تعلقها بالأمور المعدومة إذا كانت مقدورة التسليم. و بديهي أن المنفعة و إن كانت معدومة، و لكنها مقدورة بتبع العين الخارجية. و إذن فلا محذور في تعلق الملكية الاعتبارية في الإجارة بالمنفعة المعدومة الملحوظة مع العين المستأجرة. كما يصح تعلقها بالذمة. و من هنا حكم الفقهاء (رضوان اللّه عليهم) بصحة بيع الكلي في الذمة.

2 أن منفعة الدار مثلا إنما هي سكناها، و لا ريب أن السكنى من اعراض الساكن دون الدار. و عليه فإذا صح تملك السكنى كان مالكها هو الساكن، لأنه موضوعها، لا صاحب الدار. و من البين أن ما لم يملكه المؤجر- و هو المالك- كيف يملكه للمستأجر. و قد ثبت في محله أنّ فاقد الشيء لا يكون معطيا له هذا ملخص ما أفاده بعض المدققين و لذا التجأ إلى تعريف الإجارة بأنها تمليك العين المستأجرة في جهة خاصة.

و يقابلها البيع، فإنه تمليك العين من جميع الجهات. و الجواب عن ذلك بوجهين:

1 أن لسكنى الدار إضافتين: و هما إضافتها إلى نفس الدار، و إضافتها إلى ساكنها، و من البين أن تلك الدار مملوكة لمالكها بجميع شؤونها، و جهاتها، و ما يضاف إليها، و إذن فمالك الدار مسلط على تمليك الدار نفسها، و تمليك جهاتها التي منها سكناها

16

و على الجملة إن المستأجر إنما يتملك من المؤجر الجهة المتعلقة بالعين المستأجرة.

و تلك الجهة تختلف حسب اختلاف الأعيان، و الأغراض. و عليه فلا محذور في تعريف الإجارة بأنها تمليك المنفعة بعوض.

2 ما ذكره بعض مشايخنا المحققين في كتاب الإجارة من أنه لا يمكن جعل الإجارة تمليكا للعين في جهة خاصة. و الوجه في ذلك: (أن معروض الملكية إن كان نفس تلك الجهة عاد محذور تعلق الملكية بالمنفعة. و إن كان هي العين المخصصة بجهة، و العين المتحيثة بحيثية مخصوصة بما هي مقيدة بها لزم اجتماع ملكين استقلاليين على عين واحدة.

و تقييدها بالجهة تارة، و إطلاقها أخرى لا يوجب تعدد الموضوع).

نظرة في بيع الكلي في الذمة

ما هو المراد من العين التي نعتبرها في المثمن؟

المراد من العين ما إذا وجد في الخارج كان جسما مشتملا على الأبعاد الثلاثة:

العرض، و الطول، و العمق. و لا شك في أن هذا المعنى للعين يقابل المنفعة، و الحق، و جميع الاعراض المقولية. و إذن فلا يصدق مفهوم البيع على تبديل منفعة بمنفعة، و لا على تبديل حق بحق. و قد عرفت ذلك آنفا.

و ليس المراد من العين ما يتعلق البيع بشخصه، بداهة شمولها للأعيان الشخصية، و للكلي المشاع- كثلث الدار- و للكلي في المعين- كصاع من الصبرة المعينة- و للكلي في الذمة- كبيع منّ من الحنطة سلما، أو حالّا- و للكلي الثابت في ذمة غيره، فان هذه الأمور يصدق عليها عنوان العين، و يتعلق بها البيع مع أنها أمور قابلة للانطباق على أفراد كثيرة بل على أفراد غير متناهية، فالصاع من الصبرة يمكن انطباقه على يمين الصبرة و يسارها و وسطها، و ناحية أخرى غير تلك النواحي.

و هذا بين لا ريب فيه.

17

و على هذا فشأن الملكية شأن الوجوب و الحرمة. فكما انهما يتعلقان بكلي الصلاة و الزناء من غير لحاظ خصوصية في متعلقهما- بحيث يكون متعلق الأمر و النهي هو الكلي، و يكون الموجود الخارجي مصداقا له- كذلك الملكية، فإنها قد تتعلق بالكلي و إن كانت قد تتعلق بالجزئي الحقيقي أيضا. كما عرفته قريبا.

ثم إن بيع الكلي في الذمة على قسمين:

لأنه قد يتعلق بالكلي الثابت في الذمة قبل البيع- كبيع الدين ممن هو عليه، أو من غيره- و قد يتعلق بالكلي الثابت في الذمة بنفس البيع، من غير أن يكون فيها شيء قبله. كما هو المتعارف في بيع السلم و غيره من البيوع الكلية.

و قد نوقش فيه بوجهين:

1 أن البيع مبادلة مال بمال، و لا تتحقق هذه المبادلة إلا بعد تحقق العوض و المعوض في الوعاء المناسب لهما من الخارج، أو الذمة، و بما أنه لا وجود للكلي في أي وعاء من الأوعية قبل البيع، فلا يصح بيعه بوجه و قد يتوهم:

أن الكلي و إن لم يكن موجودا في الذمة قبل البيع، إلا أنه يوجد فيها بنفس البيع، و لكن هذا التوهم فاسد.

بداهة أن نسبة البيع إلى متعلقة كنسبة الحكم إلى موضوعه، فكما يستحيل تكفل الحكم بموضوعه، و كذلك يستحيل تكفل البيع بإيجاد متعلقة. و الجواب عن ذلك:

أن البيع ليس إلا مبادلة في التمليك. و قد عرفت قريبا و ستعرف أيضا: أن الملكية من الأمور الاعتبارية التي لا تتوقف على وجود موضوع لها في الخارج، أو في الذمة. نعم لا بد و أن يكون متعلق الملكية قابلا لتعلق الاعتبار به في نظر العقلاء.

و عليه فالكلي قبل إضافته إلى الذمة و إن كان من المفاهيم الخيالية، و غير قابل لتعلق

18

البيع به رأسا. إلا أنه بعد إضافته إلى الذمة بعد من الأموال و يصير موردا لرغبات العقلاء، و محطا لتنافسهم.

و إذن فلا فرق في صحة بيع ما في الذمة بين أن يكون الكلي مملوكا قبل البيع- كبيع الدين ممن هو عليه، أو من غيره- و بين أن يكون مملوكا بالملكية الاعتبارية بنفس البيع.

و في الحقيقة أنه يحصل بالبيع هنا أمران:

1- اتصاف الكلي بالملكية.

2- صيرورته ملكا للمشتري. و قد يجاب عن المناقشة المذكورة:

بأن البائع قبل تصديه للبيع يعتبر الكلي في ذمة نفسه، ثم يبيعه من المشتري، و حينئذ فلا يكون الكلي غير قابل لتعلق البيع به. و الجواب عن ذلك:

أن الاعتبار المزبور لا يغير الكلي عن واقعه، و لا يزيد فيه على حقيقته. بل هو بعد باق على حالته الأولية، من دون أن يتصف بصفة الملكية، و من هنا لا يطلق ذو أملاك على من اعتبر أمتعة كلية في ذمة نفسه، نعم يتصف ذلك بصفة الملكية بعد البيع، و قد عرفته قريبا. و هذا واضح لا خفاء فيه.

2 أن الملكية من مقولة الأعراض، و من البديهي أن مقولة الأعراض لا توجد إلا في المحل الموجود، و الكلي الذمي لا وجود له قبل البيع لكي يكون محلا للملكية، و معروضا لها. و الجواب عن هذه المناقشة بوجوه شتى:

1 ما ذكره العلامة الطباطبائي في حاشيته، و حاصل كلامه: أن الملكية و إن كانت من قبيل الأعراض الخارجية، إلا أن حقيقتها متقومة باعتبار الشارع، أو العقلاء، و عليه فيمكن أن يكون موضوع هذه الملكية موجودا أيضا باعتبار الشارع، أو العقلاء. كما أن الوجوب و الحرمة عرضان خارجيان، مع أنهما لا يتعلقان إلا بالأمور الكلية الاعتبارية. كالصلاة و الزناء قبل أن يوجدا في الخارج، و على هذا

19

النهج فللشارع، أو للعقلاء أن يعتبروا الكلي الذمي شيئا موجودا في الذمة لكي يكون موضوعا للملكية و معروضا لها. و الجواب عنه:

أنه قد يراد من العرض المذكور في كلامه العرض المقولي. و عليه فلا يسوغ له أن يجمع بين كون الملكية من الأعراض، و بين كونها من الأمور الاعتبارية المتقومة بالاعتبار الساذج، ضرورة أن الأعراض المقولية من الأمور الواقعية المتأصلة، و هذا بخلاف الأمور الاعتبارية، إذ لا واقع لها سوى الاعتبار المحض. و سيتضح لك أن الأمور الاعتبارية لا تدخل تحت أية مقولة من المقولات المتأصلة.

و قد يراد من العرض المزبور في كلامه المفهوم العام الصادق على المقولات التسع العرضية، و على الأمور الاعتبارية الخالصة، بداهة أن لفظ العرض من العروض، و هو بمعنى اللحوق. و عليه فلا تكون الملكية عنده من المقولات المتأصلة بل تكون زائدة على الماهية. كما أن الوجود زائد عليها. و إذن فيرجع ما أفاده السيد من الجواب المتقدم إلى ما سيأتي من كون الملكية أمرا اعتباريا لا تأصليا و من هنا ظهرت الحال في الوجوب و الحرمة أيضا.

2- ما حكي عن الفاضل النراقي في عوائده. و ملخصه: أن البيع عبارة عن نقل المالك ملكه إلى غيره نقلا فعليا. سواء أ كان مالكا له بالفعل، أم كان مالكا له في المستقبل كما إذا قال: بعتك منا من الحنطة بكذا مع أن الحنطة لم توجد الآن لديه، فيكون معناه أني نقلت إليك المنّ الذي سأملكه من الحنطة بعد مدّة- و إذن فالنقل و إن كان فعليا، إلا أنه ليس بعرض لكي يحتاج إلى موضوع و ما هو عرض- و هو الملك- ليس بفعلي حتى يناقش فيه بعدم وجود الموضوع له، و يتوجه عليه:

أولا: أن البيع ليس عبارة عن نقل الملك. و سيأتي. و لا أن الملك من الأعراض المصطلحة. و قد تقدمت الإشارة إليه و سنتعرض له تفصيلا.

و ثانيا: أن نقل الملك بنفسه ليس من العناوين الاستقلالية، و إنما هو بلحاظ

20

الإضافة أو المكان. و من البين الذي لا ريب فيه أنه إذا استحالت إضافة الملكية إلى المعدوم فان النقل الحاصل بلحاظ تلك الملكية أولى بالاستحالة.

3- أن الملكية أمر اعتباري صرف، فلا يحتاج إلى محل موجود.

و توضيح ذلك:

أن الملكية لها أربع مراتب:

1- الملكية الحقيقية، و هي السلطنة التامة، بحيث يكون اختيار المملوك تحت سلطنة المالك حدوثا و بقاء، و هي مخصوصة باللّه تعالى، لأنه سبحانه مالك لجميع الموجودات- بالإضافة الإشراقية- ملكية تامة، و محيط بها إحاطة قيوميّة.

و هذه المرتبة من الملكية هي عليا مراتب الملكية و لأجل ذلك لا تدخل تحت مقولة من المقولات. و نظير ذلك في الممكنات إحاطة النفس بصورها. بداهة أن النفس مالكة لصورها- بالإضافة الإشراقية- ملكية حقيقية.

2- مالكية الإنسان لنفسه و أعضائه و أفعاله و ذمته، فان هذه الأمور مملوكة له بالإضافة الذاتية الأولية- و قد عرفت ذلك في أول الكتاب- و من هذا القبيل قوله تعالى حاكيا عن نبيه الأكرم موسى (ع) إِنِّي لٰا أَمْلِكُ إِلّٰا نَفْسِي (1).

و لا شبهة أن هذه المرتبة من الملكية أيضا غير داخلة تحت المقولات العرضية و إنما هي عبارة عن سلطنة الشخص على أفعاله سلطنة تكوينية.

3- الملكية المقولية الخارجية: و هي عبارة عن الهيئة الحاصلة من إحاطة جسم بجسم آخر- كالهيئة الحاصلة من التعمم و التقمص و التنعل و نحوها- و هذه المرتبة تسمى بمقولة الجدة، و هي من الأعراض الخارجية القائمة بالموجود الخارجي.

4- الملكية الاعتبارية التي يعتبرها العقلاء لشخص خاص لمصالح تدعوهم إلى

____________

(1) المائدة 5: 25.

21

ذلك، و ربما يمضي الشارع اعتبارهم هذا لأجل تلك المصلحة. بل قد يعتبر الشارع ملكية شيء لشخص و إن لم يعتبرها العقلاء. كما يتفق ذلك في بعض أقسام الإرث.

و من البين الذي لا ريب فيه أن هذا النحو من الملكية ليست من الأعراض لكي تحتاج الى وجود الموضوع في الخارج.

و مثال ذلك: أن الزكاة و الخمس يملكهما طبيعي الفقير و السيد، مع أنه لم يعتبر وجودهما في الخارج.

و أيضا قام الإجماع على صحة تمليك الكلي الذمي في بيع السلف و نحوه، مع أن الأعراض لا بد لها من موضوع خارجي.

و على الجملة إن الملكية الاعتبارية لا مانع من كون طرفها من المملوك أو المالك كليا. فيستكشف منه أنها ليست من الأعراض المقولية [1] بل تمام قوامها باعتبار من بيده الأمر.

____________

[1] ذكر بعض المحققين من المشايخ وجهين آخرين لاستحالة دخول الملكية المصطلحة تحت الأعراض المقولية:

1- (أن المقولة ما يقال على الشيء، و يصدق عليه في الخارج. فلا بد من أن يكون لها مطابق و صورة في الأعيان- كالسواد و البياض و ما شابههما من الأعراض- أو يكون من حيثيات ماله مطابق، و من شؤونه الوجودية. فيكون وجودها بوجوده. كمقولة الإضافة. و من الواضح أنه بعد وجود العقد مثلا لم يوجد ماله مطابق في الخارج. و لم يتحيث ذات المالك و المملوك بحيثية وجودية.

بل على حالهما قبل العقد. و صدق المقولة بلا وجود مطابق، أو تحيثه بحيثية واقعية أمر غير معقول).

و يتوجه عليه: أن هذا الوجه ليس إلا مصادرة واضحة، بداهة أن ذات المالك و المملوك، يتحيثان بعد عقد البيع بحيثية واقعية: و هي حيثية المالكية،-

22

و إذا عرفت ما تلوناه عليك فاعلم أن مورد البحث إنما هو المرتبة الرابعة من الملكية القائمة بالاعتبار الساذج بلا احتياج الى محلّ موجود أصلا و رأسا.

و عليه فلا وجه للمناقشة في جواز بيع الكلي الذمي بما عرفته قريبا من أن الملكية من مقولة الأعراض التي لا توجد إلا في محل موجود، و الكلي في الذمة ليس بموجود لكي يكون محلا للملكية.

البيع مبادلة شيء من الأعيان بعوض في جهة الإضافة

ما هو المراد من كلمة المبادلة المأخوذة في تعريف البيع؟

قد عرفت آنفا: أن التعاريف اللغوية إنما هي تعاريف لفظية. و قد سيقت لشرح الاسم، و الإشارة إلى المعرف- بالفتح- بوجه من الوجوه، لا بتمام الوجوه

____________

- و حيثية المملوكية. و إنما الكلام في أن تلك الحيثية أ هي من سنخ المقولات العرضية أم هي من الأمور الاعتبارية.

2- (أن المقولات لمكان واقعيتها لا تختلف باختلاف الأنظار، و لا تتفاوت بتفاوت الاعتبارات، فان السقف الملحوظ إلى ما دونه فوق في جميع الأنظار، و بالإضافة إلى السماء تحت بجميع الاعتبارات مع أن المعاطاة مفيدة للملك عرفا، و غير مفيدة له شرعا).

و فيه أن اختلاف الأنظار في جملة من الأشياء أمر ضروري لا سبيل إلى إنكاره، إذ من البين الذي لا ريب فيه أن الفلاسفة قد اختلفوا في عامه تعالى أنه يتعلق بجميع الأشياء تفصيلا جزئية كانت أم كلية- كما ذهب اليه جلّ المحققين- أو لا يتعلق إلا بالكليات- كما ذهب إليه الشيخ الرئيس في كتابيه الشفاء و الإشارات- و قد يختلف الطبيبان في صحة شخص و مرضه أو أن الأمر الفلاني ينفع المزاج، أو يضره الى غير ذلك بل ربما يختلف أهل العرف في ثبوت شيء و عدمه، كالعلم، و العدالة، و الشجاعة، و السخاء، و غيرها من الأوصاف

23

لكي يمتاز عن جميع ما عداه. و على هذا فغرض الفيومي من ذكر كلمة المبادلة في تعريف البيع- أنه في الأصل مبادلة مال بمال- ليس إلا الإشارة الى أن البيع من سنخ المبادلة.

إلا أن تلك المبادلة ليست مبادلة في المكان. كرفع شيء من مكانه، و وضعه في مكان آخر.

و لا مبادلة في اللبس، كتبديل عباءة بعباءة اخرى.

و لا مبادلة في الركوب كتبديل فرس بفرس آخر.

و لا غير ذلك من أقسام المبادلة الخارجية التكوينية.

بل المراد من تلك المبادلة هي المبادلة في الإضافة المالية، بديهة أن كلّ من المتبايعين يبدل ماله في الإضافة المالية- عند المبايعة- بمال آخر. و للإشارة الى هذه النكتة القيمة الدقيقة قد أخذ الفيومي- في مصباحه- قيد المال في تعريف البيع.

و التحقيق أن مفهوم البيع في الجملة من المفاهيم البديهية الارتكازية التي يعرفها كل أحد: و هو التبديل بين شيئين في جهة الإضافة أية اضافة كانت: أي سواء أ كانت إضافة ملكية، أم كانت إضافة مالية، أم إضافة حقية، أم غيرها من أنحاء الإضافات.

و لا تختص هذه الإضافة بالإضافة الملكية، و لا بالإضافة المالية:

أما الوجه في عدم اختصاصها بالإضافة الملكية فلأن سهم سبيل اللّه من الزكاة ليس ملكا لشخص خاص. و لا لجهة معينة. و لذا صدر في آية الصدقات [1] بلفظة (في) الظاهرة في بيان المصرف. و مع ذلك كله يجوز بيع السهم المزبور، و صرف ثمنه في سبيل اللّه. كما يجوز بيع نماء العين الموقوفة في سبيل اللّه و صرف ثمن ذلك في

____________

[1] قال اللّه تعالى إِنَّمَا الصَّدَقٰاتُ لِلْفُقَرٰاءِ وَ الْمَسٰاكِينِ وَ الْعٰامِلِينَ عَلَيْهٰا وَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَ فِي الرِّقٰابِ وَ الْغٰارِمِينَ وَ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ. التوبة 9: 60.

24

قربات اللّه. مع أن تلك العين ليست بملك لأحد، و لا لجهة. و كذا نماؤها.

فيستوضح من جميع ذلك أن مفهوم البيع ليس تبديل شيئين في الإضافة الملكية.

و لو سلمنا مالكية الجهة في المثالين المذكورين فرضنا الكلام فيمن أوصى بصرف ماله في سبيل اللّه، و نص على عدم صيرورته ملكا لأحد، فإنه إذا بيع المال المزبور لكي يصرف ثمنه في قربات اللّه لم يقع التبديل بين العوضين في الإضافة الملكية، بل في إضافة أخرى غيرها.

أما الوجه في عدم اختصاص الإضافة المذكورة بالإضافة المالية فلأنه لا دليل على اعتبار المالية في البيع. و إنما المناط في تحقق مفهومه هو صدق عنوان المعاوضة عليه. و أما ما ذكره صاحب المصباح- من أن (الأصل في البيع مبادلة مال بمال)- فلا يكون دليلا على ذلك لعدم حجية قوله.

و على هذا فإذا كان المبيع موردا لغرض المشتري- سواء أ كان مالا عند العقلاء أم لا كالحشرات- و اشتراه بأغلى الثمن صدق عليه مفهوم البيع. و هذا بين لا ريب فيه.

غاية ما يلزم كون المعاملة على ما ليس بمال عرفا سفهية. و لا دليل على بطلانها بعد ما شملته أدلة صحة البيع. و الفاسد شرعا إنما هو معاملة السفيه و الدليل على الفساد فيها أن السفيه محجور شرعا عن المعاملات و إذن فلا وجه لأخذ قيد المال في تعريف البيع. قيل:

إذا تعلق غرض المشتري باشتراء ما لا يعد مالا في نظر أهل العرف كان ذلك الغرض موجبا لعروض المالية له. لما عرفته آنفا من أن مالية الأشياء متقومة بنظر العقلاء، و رغبتهم فيها. و من البديهي أن المشتري من أفرادهم. و الجواب عن ذلك:

أن مالية الأشياء و إن كانت متقومة برغبة العقلاء و تنافسهم فيها إلا أن المراد من العقلاء نوعهم، دون الشخص الواحد. و لأجل ذلك أن من اعتبر المالية في البيع فقد رتب على اعتباره هذا فساد بيع الحيات و العقارب و الديدان و الخنافس، و أشباهها

25

من هوام الأرض و صغار دوابها، و غير ذلك مما لا يعد مالا في نظر نوع العقلاء و إن كان ذا رغبة لدى بعضهم لغرض ما.

و يضاف الى ذلك أنا لو سلمنا وجود الدليل على اعتبار المالية في البيع. إلا أن ذلك حكم شرعي غير مربوط بمفهوم البيع حتى يؤخذ في تعريفه. و لو صح أخذ ذلك في تعريف البيع لحسن بنا أن نأخذ أحكام البيع برمتها في تعريفه. مع أنه واضح الفساد.

ثم لا يخفى على الفطن العارف أن مفهوم البيع لا يتحقق إلا بدخول العوض في ملك من خرج المعوض عن ملكه: بان يفكّ البائع إضافته القائمة بالمتاع، و يجعلها قائمة بالثمن. و يفكّ المشتري إضافته القائمة بالثمن، و يجعلها قائمة بالمتاع.

و مثال ذلك أنه إذا باع زيد طعامه من عمرو بدينار صار الدينار ملكا لزيد. و لو صار الدينار ملكا لبكر لما صدق عليه مفهوم البيع بوجه.

و يستوضح هذا المعنى من الكتاب العزيز [1] و من كلمات الفصحاء و أهل

____________

[1] قال الله تعالى وَ شَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرٰاهِمَ مَعْدُودَةٍ. يوسف 12: 20.

قال الله تعالى وَ لَبِئْسَ مٰا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كٰانُوا يَعْلَمُونَ. البقرة 2: 96.

قال الله تعالى فَلْيُقٰاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيٰاةَ الدُّنْيٰا بِالْآخِرَةِ.

النساء 4: 76.

قال الله تعالى إِنَّ اللّٰهَ اشْتَرىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوٰالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ.

التوبة 9: 113.

قال الله تعالى أُولٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلٰالَةَ بِالْهُدىٰ. البقرة 2: 16.

قال الله تعالى إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيْمٰانِ. آل عمران 3: 171.

قال الله تعالى وَ لٰا تَشْتَرُوا بِآيٰاتِي ثَمَناً قَلِيلًا. المائدة 5: 48.

الى غير ذلك من الآيات الكثيرة الظاهرة في أن دخول العوض مكان المعوض معتبر في مفهوم البيع، و الشراء.

26

العرف و اللغة [1]. قيل:

قد تعارف بين الناس إعطاء الدراهم للخباز أو للبزاز. و الأمر بإعطاء مقابلها من الخبز و الثوب للفقير، و لا شبهة في كون ذلك بيعا بالحمل الشائع. مع أن المثمن لم يدخل في ملك من خرج الثمن عن ملكه. و الجواب عنه:

أن المثمن- في أشباه ما ذكر- قد دخل في ملك من خرج الثمن عن ملكه.

نهاية الأمر أن المشتري قد و كلّ البائع في إعطاء المبيع لشخص آخر. و ان أبيت عن هذا التوجيه فانّا لا نبالي في المنع عن صدق مفهوم البيع على ذلك، و حمله على الصلح، أو على الهبة المعوضة.

مفهوم المفاعلة و عدم صدقه على البيع

ما هو مفهوم المفاعلة، و هل يصدق ذلك على البيع الذي هو تبديل شيء بشيء؟

الظاهر أن وزن (فاعل) للدلالة على المشاركة في الغالب: و المشاركة هي أن يفعل الواحد بالآخر ما يفعله الآخر به حتى يكون كل منهما فاعلا و مفعولا: نحو ضارب زيد عمروا و عليه فذكر المبادلة في تعريف البيع يقتضي أن يكون البيع عبارة عن مجموع فعل البائع و المشتري.

و لكن هذا واضح البطلان، ضرورة أن البيع ليس إلا عبارة عن فعل البائع فقط: و هو تبديل ماله بمال صاحبه، و من البديهي أن هذا المعنى غريب عن معنى المفاعلة. و لا صلة بينهما بوجه بل لو فرضنا صدق مفهوم البيع على كل من فعل البائع و المشتري لكان الصادر

____________

[1] في القاموس كل من ترك شيئا و تمسك بغيره فقد اشتراه، و منه اشتروا الضلالة بالهدي.

27

من كل منهما بيعا بنفسه. و إذن فلا وجه لذكر كلمة المبادلة في تعريف البيع- كما صنعه صاحب المصباح، و تلقاه جماعة بالقبول- بل لا بد من تبديل لفظ المبادلة في تعريف البيع بكلمة التبديل، فان التبديل هو الذي يتحقق بفعل البائع.

نعم يشترط رضا المشتري بفعل البائع، و تحقق عنوان التبديل. و لكنه أجنبي عن قيامه بالمشتري، كقيامه بالبائع، و هذا بخلاف مفهوم المبادلة، فإنه معنى قائم بشخصين، كما هو الشأن في باب المفاعلة على ما عرفته في طليعة البحث.

رأي بعض مشايخنا المحققين في معنى المفاعلة و الجواب عنه

قد سلك بعض مشايخنا المحققين مسلكا آخر في معنى المفاعلة. و حاصله: أنه قد اشتهر بين الأدباء و غيرهم أن الفارق بين الهيئات المجردة، و بين هيئة المفاعلة إنما هو تقوم المعنى في باب المفاعلة بطرفين.

إلا أن المستوضح من الكتاب الكريم. و من الاستعمالات الصحيحة خلاف ذلك. كقوله تعالى يُخٰادِعُونَ اللّٰهَ وَ الَّذِينَ آمَنُوا (1) فان الغرض من الآية الشريفة تصدي المنافقين لخديعة اللّه و خديعة المؤمنين فقط. و غير ذلك من الآيات الكثيرة الظاهرة في خلاف ما اشتهر بين الناس من معنى المفاعلة.

و يقال في الاستعمالات العرفية الصحيحة: عاجلة بالعقوبة. و خالع المرأة. و بارزه بالحرب. و ساعده التوفيق. و واراه في الأرض. و غير ذلك، فان جميع ذلك بين ما لا تصح نسبة المادة فيه الى الاثنين، و بين ما لم يقصد فيه ذلك و ان صحت النسبة المزبورة.

و عليه فلا بد من بيان الفارق بين هيئة الفعل المجرّد، و بين هيئة المفاعلة.

و توضيح ذلك: أن الهيئات المجردة لم يلحظ فيها تجاوز المادة عن الفاعل الى غيره بحسب وضع الواضع. بل التجاوز فيها إما ذاتي- كجملة من الأفعال المتعدية: نظير ضرب،

____________

(1) البقرة 2: 9.

28

و خدع، و نصر، و نحوها- أو بواسطة الأداة: كما في الأفعال اللازمة- مثل جلس، و ذهب، و أمثالهما- و قسم من الأفعال المتعدية- كلفظ كتب و نظائره- بديهة أن تجاوز المادة في القسمين الأخيرين الى غير الفاعل إنما هو بواسطة الأداة. فيقال:

جلس إليه. و كتب إليه.

نعم لا شبهة في أن كلمة (كتب) تدل على تجاوز المادة- و هي الكتابة- إلى المكتوب فقط، دون المكتوب إليه- الذي هو مورد بحثنا- و إذا أريد تجاوز تلك المادة إلى المكتوب اليه فلا بد من الاستعانة بكلمة إلى و أما هيئة المفاعلة- كخادع و ضارب و قامر و نحوها- فإن حيثية تعدية المادة عنها الى غيرها ملحوظة فيها مطابقة في مقام افادة النسبة، و هذا بخلاف الأفعال المجرّدة المتعدية- كضرب و نصر و خدع و نحوها- فإن التعدية فيها من ذاتيات مفادها.

و عليه فإذا صدر فعل من أحد كان أثره خداع غيره صدق عليه أنه خدعه.

و لا يصدق عليه أنه خادعه إلا إذا تصدى لخديعة غيره و كذلك الحال في ضرب و ضارب و نصر و ناصر و أشباهها من الأفعال المتعدية.

و من هنا يفرق بين ضار، و مضار، فان سمرة بن جندب لما أبى عن الاستئذان من الأنصاري- عند الدخول على عذقه من منزل الأنصاري- قال له النبي ص:

انك رجل مضار (1): أي متصد لإضرار الأنصاري. و الجواب عن ذلك:

أن هيئة المفاعلة لا تتقوم إلا بصدور الفعل من الاثنين، لما عرفته آنفا من دلالة المفاعلة على المشاركة في الغالب: و هي أن يفعل الواحد بالآخر مثلما يفعله الآخر به لكي يكون كل منهما فاعلا و مفعولا: نحو ضارب زيد عمرا.

و من الواضح أن هذا المعنى لا يتحقق بمجرد تصدي أحدهما لإيجاد المادة دون صاحبه. فلا يقال: ضارب زيد عمروا، أو صارعه، أو جادله، فيما إذا تصدى زيد

____________

(1) راجع فروع الكافي ج 1 ص 414.

29

لضرب عمرو، أو حربه، أو صراعه، أو جداله، من دون أن يصدر منه أحد هذه الأمور، بل لو لم يصدر الفعل منه و من صاحبه معا لعدّ مثل هذا الاستعمال من الأغلاط الواضحة.

نعم قد تكون هيئة المفاعلة بمعنى الفعل المجرد: نحو سافر زيد. و قاتله اللّه.

و واراه في الأرض. و بارك في أمره. و أشباه ذلك من الأمثلة.

و قد تكون بمعنى الكثرة و المبالغة. و لعل من القبيل الثاني قول النبي (ص) لسمرة بن جندب: إنك رجل مضّار، و لا ضرر، و لا ضرار على مؤمن.

الإجارة و عدم استعمالها في نقل العين

قوله: (كما أن لفظ الإجارة يستعمل عرفا في نقل بعض الأعيان، كالثمرة على الشجرة).

أقول: إن كان مراده من الثمرة على الشجرة وجودها عليها فعلا- كما هو الظاهر من كلمة على- فلا شبهة أن الثمرة ليست موردا للإجارة. بل استعمال لفظ الإجارة في نقل الثمرة غلط فاحش.

و إن كان مراده من الثمرة على الشجرة شأنية ظهورها عليها فلا ريب حينئذ في صحة تعلق الإجارة بالشجرة، و تكون الثمرة منفعتها المقصودة من إجارتها. و على هذا فيجوز استعمال لفظ الإجارة في نقل الثمرة استعمالا حقيقيا.

نعم قد يتوهم في بعض الروايات [1] إسناد الإجارة إلى نفس الثمرة قبل ظهورها على الشجرة. و لعله الى هذا نظر المصنف في كلامه [2] قبل:

____________

[1] في الصحيح عن الحلبي عن أبي عبد اللّه (ع) قال تقبّل الثمار إذا تبين لك بعض حملها سنة. و إن شئت أكثر. و إن لم يتبين لك ثمرها فلا تستأجرها.

التهذيب ج 2 ص 173. و الوافي ج 10 ص 139. و الوسائل ج 2 باب 19 من أبواب المزارعة.

[2] لكن المراد من الاستئجار في الرواية الاشتراء، بداهة ان ظهور الثمرة-

30

إن ظهور الثمرة على الشجرة فعلا لا يمنع عن صحة تعلق الإجارة بالشجرة، فإن الثمرة الموجودة على الشجرة هي منفعتها المقصودة منها، كما أن منفعة الدابة ركوبها، و منفعة الدار سكناها. و الجواب عن ذلك:

أن الإجارة و إن كانت تمليكا للمنفعة إلا أن تلك المنفعة لا بد و أن تكون معلومة بوجه. و من البين الذي لا ريب فيه أن الثمرة الموجودة على الشجرة مجهولة المقدار. و إذن فتبطل الإجارة من ناحية الجهالة. قيل:

إذا اقتضت الجهالة بطلان إجارة الشجرة بعد ظهور ثمرتها اقتضت بطلان إجارتها قبل ظهور ثمرتها بالأولوية القطعية، لشدة الجهالة هنا. و الجواب عنه:

أن جهالة الثمرة قبل ظهورها على الشجرة لا تضر بإجارة الشجرة. بديهة أن المناط في ارتفاع الجهالة عن المنفعة- التي هي مورد للإجارة في العين المستأجرة- العلم باشتمال العين المستأجرة على حيثية الانتفاع بها: بأن تكون معدّة لذلك.

و من المعلوم أن اشتمال الأشجار المثمرة على حيثية الاثمار أمر معلوم، و إذن فلا تبطل الإجارة من ناحية الجهالة. و هذا بخلاف الثمرة الموجودة على الشجرة فإنها مجهولة المقدار. و عليه فتبطل الإجارة من ناحية الجهالة.

و يضاف إلى ذلك أن إجارة الشجرة لثمرتها الموجودة خارجة عن مفهوم الإجارة جزما. إذ لا نحتمل أن يتوهم أحد صدق مفهومها على استئجار عين لأجل عين أخرى موجودة. كاستئجار الشاة للبنها المحلوب. و استئجار الأشجار لأغصانها الفعلية.

و استئجار المزرعة لزرعها الموجود. و هكذا في نظائرها.

نعم قد تكون منفعة العين المستأجرة ما يوجد من الأعيان و لكنها غير موجودة

____________

- على الشجرة ليس بشرط في استئجار الشجرة. و إنما هو شرط في بيع الثمرة. و عليه فالمراد من لفظ التقبل- المذكور في صدر الرواية- الشراء دون الاستئجار.

31

حال الإجارة. كاستئجار المنائح و البقرات و الشياة للبنها غير المحلوب. و استئجار المرضع ليرتضع الطفل من لبنها. و استئجار الشجرة لثمرتها المعدومة. و السر في ذلك ما أشرنا إليه من كون المنفعة في أمثال هذه الموارد معلومة بوجه.

الثمن و جواز كونه من المنافع

قوله: (و أما العوض فلا إشكال في جواز كونه منفعة).

أقول: لا ريب في جواز كون الثمن من المنافع. سواء أقلنا باعتبار المالية في العوضين، أم لم نقل به، ضرورة أن المنافع من أظهر مصاديق الأموال، لرغبة العقلاء إليها، و تنافسهم فيها.

نعم حكي عن بعض الأعيان: أن شأن العوض شأن المعوض. فكما يعتبر كون الثاني من الأعيان. و كذلك الأول.

و يمكن الاستدلال على هذا الرأي بوجوه:

1- ما اشتهر بين الفقهاء من أن البيع نقل الأعيان. و يرد عليه:

أن غرض الفقهاء (رضوان اللّه عليهم) من هذه العبارة هو المبيع، لأنهم ذكروها في مقابل الإجارة التي هي لنقل المنافع. مع أن الأجرة فيها تكون من الأعيان غالبا.

و لعل النكتة في عبارتهم هذه هي ملاحظة ناحية الإيجاب، بداهة أن العقد إنما يتم بفعل الموجب. و أما القابل فليس له إلا الارتضاء بذلك الفعل، و نسبته الى نفسه.

2- أن الأدلة الدالة على صحة البيع و نفوذه إنما هي منصرفة إلى البيوع المتعارفة. و من البديهي أنه لم يتعارف جعل العوض في البيع من المنافع. و على فرض وجوده في مورد فهو من الأفراد النادرة التي تنصرف عنه الإطلاقات. و الجواب عن ذلك

32

أن مفهوم البيع- على ما عرفته آنفا- تبديل شيء بعوض في جهة الإضافة.

و لا يفرق في تحقق هذا المفهوم بين أن يكون كلا العوضين عينا، أو كلاهما منفعة، أو أحدهما عينا و الآخر منفعة.

و لكنا قد ذكرنا فيما سبق: أن المتبادر من الاستعمالات العرفية عدم صدق البيع على تمليك المنفعة. بل يعتبر في تحقق مفهومه أن يكون المبيع عينا. و أما العوض فلم يدل دليل على اعتبار كونه من الأعيان. فيبقى تحت مفهوم البيع: و هو تبديل شيء بشيء في جهة الإضافة. فتشمله العمومات الدالة على صحة العقود.

و يضاف الى ذلك أن غلبة الأفراد الخارجية لا تمنع عن شمول أدلة الإمضاء للفرد النادر.

3- أن المنافع أمور معدومة، فلا يقع عليها البيع، ضرورة أن الملكية من مقولة الأعراض، و هي لا تتقوم إلا بالمحل الموجود. و من المفروض أن المنافع أمور معدومة. فيستحيل أن تكون موضوعا للملكية. و يرد عليه:

أن الملكية من الأمور الاعتبارية التي لا تتوقف على وجود موضوع لها في الخارج. بل لا بد و أن يكون متعلقها قابلا لتعلق الاعتبار به في نظر العقلاء، و قد عرفت ذلك فيما تقدم.

4- ما ذكره الطريحي في مجمع البحرين، من أن المال في الأصل الملك من الذهب و الفضة. ثم أطلق على كل ما يقتني، و يتملك من الأعيان. و عليه فلا تكون المنفعة ثمنا في البيع، لأنه مبادلة مال بمال. و المفروض أن المنفعة ليست من الأموال.

و يرد عليه:

أن المال ما يبذل بإزائه شيء حسب رغبة العقلاء و تنافسهم، و من الواضح أن هذا المعنى أعم من العين و المنفعة. بداهة أن المنفعة من مهمات ما يرغب فيه العقلاء.

33

عمل الحر و جواز وقوعه ثمنا في البيع

قوله: (و أما عمل الحر فان قلنا إنه قبل المعاوضة عليه من الأموال فلا إشكال و إلا ففيه إشكال).

أقول: هذا الكلام استدراك عما تقدم منه (ره): و هو قوله:

(و أما العوض فلا إشكال في جواز كونه منفعة).

و توضيح ذلك: أن عمل الحر تارة يلاحظ بعد وقوع المعاوضة عليه- كما إذا استأجره لبنائه داره، أو لنجارة بابه، أو لخياطة ثوبه، أو لغير ذلك من الأغراض العقلائية- و أخرى يلاحظ قبل وقوع المعاوضة عليه.

و على الأول فلا إشكال في جعل العمل المزبور ثمنا في البيع، بداهة كونه مالا مملوكا للمستأجر. و له أن يتصرف فيه أي تصرف، لأن الناس مسلطون على أموالهم.

كما أن عمل العبد و الدابة مال مملوك لصاحبها.

و الدليل على مالية عمل الحر في هذه الصورة أمور:

1- أنه يصح إطلاق ذي المال على المستأجر الذي ملك عمل الحر بالإجارة أو الصلح.

2- أنه يجب على المستأجر المزبور حجّ البيت، لأنه قد استطاع اليه سبيلا، إذا كان عمل أجيره وافيا بزاده و راحلته.

3- أنه يخرج المستأجر بعمل أجيره عن عنوان الفقراء، و يعامل معه معاملة الأغنياء، إذا كفى ذلك العمل مئونة سنته. و إذن فيحرم عليه أخذ الزكاة. و سائر الوجوه الشرعية المقررة للفقراء و المساكين.

4- أنه إذا أتلف أحد عمل أجير ضمنه لمستأجره، لقاعدة الضمان بالإتلاف.

و لأجل هذه الأمور كلها نستكشف صدق مفهوم المال على عمل الحر بعد وقوع المعاوضة عليه. و السر في ذلك كله: أن عمله حينئذ مورد لرغبة العقلاء و ميلهم.

34

و على الثاني فإن قلنا باعتبار المالية في الثمن و المثمن فلا يقع عمل الحر عوضا في البيع، لأنه لا يعد مالا عرفا. و إن لم نقل بهذا الاعتبار فلا بأس بجعله ثمنا فيه.

و الشاهد على عدم كونه مالا في هذه الصورة: أن الحر لا يكون مستطيعا بلحاظ عمله لكي يجب عليه الاكتساب، و تحصيل الزاد و الراحلة. ثم السير الى بيت اللّه الحرام.

و أيضا لو حبسه أحد لم يضمن عمله. مع أن تفويت منافع العبد أو الدابة أو سائر الحمولة موجب للضمان.

هذا كله فيما إذا جعل عمل الحر ثمنا في البيع. و أما جعله مثمنا فيه فليس بجائز قطعا، لأنه من المنافع. و قد عرفت فيما سبق أن المبيع لا بد و أن يكون من الأعيان، إذ لا يصدق مفهوم البيع على تمليك المنفعة بعوض.

و الحق: أنه لا يفرق في صدق مفهوم المال على عمل الحر بين وقوع المعاوضة عليه و عدمه. و الوجه في ذلك ما ذكرناه سابقا من أن مالية الأشياء متقومة برغبة الناس فيها رغبة عقلائية. و لا يعتبر في ذلك صدق الملك عليها، لأن النسبة بينهما هي العموم من وجه. إذ قد يوجد المال و لا يتحقق الملك. كالمباحات الأصلية قبل حيازتها، فإنها مال و ليست بمملوكة لأحد. و قد يوجد الملك، و لا يصدق عليه مفهوم المال. كحبة من الحنطة، فإنها ملك لصاحبه، و ليست بمال، إذ لا يبذل بإزائها شيء. و قد يجتمعان.

و هو كثير. و من المعلوم أن عمل الحر- قبل وقوع المعاوضة عليه- من مهمات الأموال العرفية و إن لم يكن مملوكا لأحد بالملكية الاعتبارية. بل هو مملوك لصاحبه بالملكية الذاتية الأولية على ما عرفته في أول الكتاب.

نعم ربما يناقش في ذلك بأن البيع- كما سبق- تبديل شيء من الأعيان بعوض في الإضافة الاعتبارية. و من الواضح أن عمل الحر فاقد لهذه الإضافة. و إذن فلا يصلح لأن يكون طرفا للتبديل الاعتباري في جهة الإضافة.

و فيه أن عمل الحر و إن لم يكن مملوكا لصاحبه بالإضافة الاعتبارية قبل البيع،

35

و لكنها تعرض عليه بنفس البيع. و قد تقدم نظير ذلك في البحث عن إمكان بيع الكلي في الذمة.

و دعوى أن كلا من العوض و المعوض لا بد و أن يكون مالا مملوكا قبل البيع دعوى جزافية، إذ لم يدل على ذلك دليل من النقل و الاعتبار.

و أما الوجه في عدم وجوب الحج على الحر- بلحاظ استطاعته من ناحية عمله- فلأن الاستطاعة إنما تتحقق بمالكية المكلف- بالفعل- لما يحج به من الزاد و الراحلة.

و بمالكيته لمئونة عياله بالفعل أو بالقوة. و قد فسرت الاستطاعة بهذا المعنى. و بأمن الطريق في بعض الأخبار [1].

و عليه فعمل الحر قبل وقوع المعاوضة عليه و إن كان مملوكا له بالملكية الفعلية التكوينية. و كذا بالملكية الشأنية الاعتبارية. إلا أنه لا يترتب عليهما ما هو أثر للملكية الفعلية الاعتبارية.

نعم إذا آجر نفسه بنقد مقبوض بعد العقد، بحيث يكفي ذلك مئونة حجه و عياله، كان مستطيعا. و السر فيه هو ما ذكرناه من كون المدار في الاستطاعة على الملكية الفعلية الاعتبارية، دون الاقتضائية.

و قد اتضح لك مما بيناه أنه لا يصح إطلاق ذي المال على الحر باعتبار عمله،

____________

[1] المروي عن محمد بن يحيى الخثعمي قال: سأل حفص الكناسي أبا عبد اللّه (ع) و أنا عنده عن قول اللّه عز و جل وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ما يعني بذلك؟ قال: من كان صحيحا في بدنه. مخلى سربه. له زاد و راحلة. فهو ممن يستطيع الحج. الخبر. فروع الكافي ج 1 ص 240، و الوافي ج 8 ص 49. و الوسائل ج 2 باب 8 من أبواب الحج. في أقرب الموارد: السرب بالفتح الطريق. يقال: خل له سربه: أي طريقه. فلان مخلى السرب: أي موسع عليه غير مضيق عليه.

36

إذ المناط في صحة هذا الإطلاق كون الإنسان مالكا لأمواله بالملكية الفعلية الاعتبارية.

و قد عرفت قريبا: أن عمل الحر- قبل وقوع المعاوضة عليه- غير مملوك له كذلك، لأن ثبوت شيء لشيء بالإضافة الاعتبارية إنما يصح في غير موارد الثبوت الحقيقي.

و إلا كان الاعتبار لغوا محضا، و تحصيلا للحاصل. و من المفروض أن عمل الحر مملوك له بالإضافة الذاتية. كما أن اللّه تعالى مالك لمخلوقاته بالإضافة الذاتية الإشراقية.

و أما الوجه في أن إتلاف عمل الحر لا يوجب ضمانه على المتلف فهو أن قاعدة الضمان بالإتلاف ليست برواية لكي يتمسك بإطلاقها في الموارد المشكوكة. بل هي قاعدة متصيدة من الموارد الخاصة. و إذن فلا بد من الاقتصار فيها على المواضع المسلمة المتيقنة.

و مع الإغضاء عن ذلك، و تسليم كونها رواية أنها غريبة عن عمل الحر. إذ المستفاد منها أن إتلاف مال غيره موجب للضمان. و من الواضح أن الظاهر من كلمة (المال) هو المال المضاف الى مالكه بالإضافة الاعتبارية. و قد عرفت: أن عمل الحر- قبل وقوع المعاوضة عليه- ليس كذلك. و عليه فلا يكون مشمولا لقاعدة الضمان بالإتلاف.

نعم إذا كان الحر كسوبا: و له عمل خاص يشتغل به كل يوم- كالبناية و التجارة و الخياطة و غيرها- فان منعه عن ذلك موجب للضمان، للسيرة القطعية العقلائية.

نظره في الحقوق

قوله: (و أما الحقوق الأخر).

أقول: لا وجه لتوصيف كلمة (الحقوق) بلفظ (الأخر) إذ لم تتقدم طائفة من الحقوق ليكون المذكور هنا طائفة أخرى منها.

و عليه فالوصف المزبور مستدرك جزما. و قد ضرب عليه في بعض النسخ الصحيحة.

و يحتمل قريبا وقوع التصحيف في عبارة المصنف بالتقديم و التأخير. و صحيحها هكذا

37

و أما الحقوق فان لم تقبل المعاوضة بالمال فلا إشكال. و كذا لو لم يقبل النقل. و أما الحقوق الآخر القابلة للانتقال إلخ.

و قد ذكر السيد في حاشيته وجها آخر لتصحيح العبارة. و إليك نصه بلفظه:

(يمكن أن يكون الوصف توضيحيا، و يمكن أن يكون تقييديا بعد اعتبار كون العين و المنفعة أيضا من الحقوق بالمعنى الأعم). و يرد عليه:

أن الحق المبحوث عن جواز جعله ثمنا ليس من سنخ العين، و لا من سنخ المنفعة لكي يحتاج تمييزه عنهما الى قيد احترازي. بل هو أمر يباين العين و المنفعة، فإنه عبارة عن الإضافة الخاصة المتعلقة بالعين تارة، و بالمنفعة أخرى. و من هنا قد ناقش المصنف في جعل حق التحجير ثمنا في البيع بدعوى أنه ليس بمال- و سيأتي ذلك قريبا- مع أن الأرض المحجرة مال بالحمل الشائع قطعا.

نعم لو كان مورد البحث في العين أو المنفعة هو نفس الإضافة بين المالك و المملوك، أو كان مورد البحث في الحقوق هو متعلقها، لكان الحق شبيها بالعين و المنفعة، و احتاج تخصيص البحث بالحقوق الى قيد احترازي. و لكن قد اتضح لك خلاف ذلك مما ذكرناه.

قوله: (كحق الشفعة و حق الخيار)

. أقول: الظاهر وقوع التحريف في هذه العبارة، ضرورة أن حق الشفعة و حق الخيار من أمثلة القسم الثاني للحق الذي أشار إليه المصنف

بقوله: (و كذا لو لم يقبل النقل)

. و الوجه في ذلك أن القسم الثاني من الحق هو ما لا يقبل النقل الاختياري و ان كان مما يقبل الانتقال بالسبب القهري كالإرث- أو كان يقبل الاسقاط مجانا، أو مع العوض و من الظاهر أن حق الشفعة و حق الخيار يقبلان الانتقال و الاسقاط مجانا أو مع العوض، فيكونان من مصاديق القسم الثاني.

38

أقسام الحقوق و أحكامها

قد قسم المصنف (ره) الحقوق إلى ثلاثة أقسام:

1- ما لا يقبل المعاوضة بالمال و حكم فيه بأنه لا يجوز جعله ثمنا في البيع.

2- ما لا يقبل النقل- و إن قبل الانتقال بغير اختيار مع وجود سببه كالإرث- كحق الشفعة و حق الخيار. و حكم فيه أيضا بأنه لا يجوز جعله ثمنا في البيع.

و استدل على أن هذا القسم من الحق لا يقبل النقل بما ذكره بعض الأصحاب من أن البيع تمليك من الطرفين (البائع و المشتري) فما لا يقبل النقل لا يقبل التمليك لا محالة، و إن قبل السقوط و الاسقاط.

و ناقش في هذا الرأي صاحب الجواهر، و إليك نص عبارته: (و فيه أن من البيع بيع الدين على من هو عليه. و لا ريب في اقتضائه حينئذ الإسقاط و لو باعتبار أن الإنسان لا يملك على نفسه ما يملكه غيره عليه الذي بعينه يقرر في نحو حق الخيار و الشفعة و اللّه اعلم). و قد أجاب المصنف عن النقض المذكور بوجود الفارق بين بيع الدين ممن هو عليه، و بين ما نحن فيه بتقريب أن الملكية علاقة خاصة بين المالك و المملوك. و لا حاجة لها إلى وجود المملوك عليه. و عليه فلا مانع من تملك الإنسان لما في ذمته، و يترتب عليه سقوطه. و لذلك جعل الشهيد في قواعده الإبراء مرددا بين التمليك و الاسقاط. مع أنه لو كان تملك الإنسان لما في ذمته محالا لما جعل أمر الإبراء مرددا بينهما. و هذا بخلاف حق الشفعة و حق الخيار و أشباههما من الحقوق التي تتقوم بطرفين (المسلط و المسلط عليه) فان ذلك سلطنة فعلية محتاجة إلى المسلط عليه. و على هذا النهج فلو نقلت هذه السلطنة ممن له الحق إلى من عليه الحق لزم منه اجتماع عنوانين متقابلين: (المسلط و المسلط عليه) في شخص واحد و هو محال.

3- ما يقبل النقل و الانتقال و يقابل بالمال في الصلح كحق التحجير. و مع ذلك

39

ناقش المصنف في وقوعه ثمنا في البيع، لأنه- لغة و عرفا- مبادلة مال بمال. و من البين أن الحق ليس بمال لكي يقع عوضا في البيع. نعم إذا قلنا بعدم اعتبار المالية في كل من الثمن و المثمن أمكن جعل الحق ثمنا في البيع. هذا تفصيل ما ذكره المصنف في المقام.

أقول: أما القسم الأول (ما لا يقبل المعاوضة بالمال) فقد يراد منه ما يقبل النقل و الانتقال، و السقوط و الاسقاط قبولا مجانيا من دون أن يقابل بالمال- كحق القسم للضرة على ما قيل- و عليه فما ذكره (قدس سره) و إن كان وجيها من حيث الكبرى:

و هي أن مثل هذا الحق لا يجوز جعله ثمنا في البيع. و لكن لم يدلنا دليل على وجود صغرى لهذه الكبرى في الخارج. و أما حق القسم فلا دليل على كونه من هذا القبيل.

و قد يراد من ذلك ما لا يقبل النقل و الانتقال، و لا السقوط و الاسقاط- كحق الولاية و الحضانة و أشباههما- و هو أيضا متين من حيث الكبرى المزبورة، لأنه لا تصح مقابلة الحقوق بالمال إلا بلحاظ الجهات المذكورة. فإذا استحال عروض تلك الجهات على الحقوق لم تجز المعاوضة عليها.

و لكن مثل هذا لا يسمى حقا مصطلحا، إذ المعروف بين الفقهاء (رضوان اللّه عليهم): أن الفرق بين الحق و الحكم أن الحق نوع من السلطنة التي يكون أمرها بيد ذي الحق بخلاف الحكم، فإنه لا يقبل شيئا من ذلك. و إذن فالأمثلة المذكورة غريبة عن حدود الحق. و إنما هي من مصاديق الحكم المصطلح.

و أما القسم الثاني (ما لا يقبل النقل) فيقع البحث عنه في جهات شتى:

1- مالكية الإنسان لما في ذمته.

ذكر المصنف (ره): أن جواز ملك الإنسان لما في ذمته معقول عقلا، و جائز شرعا.

و هذا موافق للتحقيق، لما ذكرناه في أول الكتاب من مالكية الإنسان لنفسه و فعله و ذمته بالإضافة التكوينية الذاتية الأولية.

40

نعم لا يتصف ذلك بالملكية الاعتبارية. لا من جهة استحالة اتحاد المالك و المملوك عليه. بل لأن الثبوت الاعتباري إنما يصح فيما لم يكن هناك ثبوت تكويني حقيقي.

و إلا لكان الاعتبار لغوا محضا، و تحصيلا للحاصل. و قد مرّ فيما سبق أن مالكية الإنسان لذمته أمر تكويني حقيقي، فلا يحتاج إلى الثبوت الاعتباري. و هذا واضح لا ريب فيه.

و قد يتوهم أن المالك و المملوك عليه من المتضائفين، و هما متقابلان. و إذن فيستحيل اتحاد المالك و المملوك عليه.

و لكن هذا التوهم فاسد، بديهة أن النسبة بين المالك و المملوك عليه و إن كانت هي التضايف. و لكن المتضائفين لا يستحيل اجتماعهما في محل واحد دائما فاللّه تبارك و تعالى عالم بذاته، و هو معلوم له و كل شاعر يحبّ نفسه. و إنما الاستحالة فيما كان بين المتضائفين تغاير وجودي كالعلية و المعلولية. و من البديهي أن المالك و المملوك عليه لم يعتبر بينهما التغاير الوجودي. فلا مانع من صدقهما على شيء واحد.

2- الفارق بين الملكية و السلطنة:

ذكر المصنف: أن الملكية لا تتوقف على المملوك عليه. و السلطنة تتوقف على المسلط عليه.

و التحقيق: أن هذا المعنى و إن كان صحيحا بالإضافة إلى الملكية المضافة إلى الأعيان الخارجية. إلا انها لا تصح في الملكية المضافة إلى الذمم. فإن الكلي ما لم يضف إلى ذمة شخص خاص لا يبذل بإزائه شيء. و لا يرغب فيه العقلاء.

3- اتحاد المسلط و المسلط عليه:

ذكر المصنف: أن مثل حق الشفعة و حق الخيار سلطنة فعلية، فلا يعقل قيام طرفيها بشخص واحد.

و التحقيق: أن حق الشفعة لا تجوز المعاوضة عليه. لا من ناحية المحذور الذي

41

ذكره المصنف، فإنه واضح الاندفاع، (و سيأتي قريبا) بل من جهة أن حق الشفعة إما أن يباع من المشتري، أو من غيره. و على الأول فيكون البيع لغوا محضا، إذ المشتري مالك للحصة المبيعة قبل انتقال حق الشفعة إليه و عليه فلا معنى لاستحقاقه تملك تلك الحصة ثانيا بحق الشفعة. و على الثاني فلأن حق الشفعة استحقاق الشريك للحصة المبيعة في شركته لكي يضمها الى حقه. فالشريك قد أخذ موضوعا لهذا الحق. و من البين الذي لا ريب فيه أنه لا يعقل ثبوت الحكم لغير موضوعه، بديهة أن نسبة الحكم الى موضوعه كنسبة المعلول الى علته، فكما يستحيل انفكاك المعلول عن علته كذلك يستحيل انفكاك الحكم عن موضوعه.

و بتعبير آخر: أنا إذا لاحظنا آثار حق الشفعة وجدنا خصوصية في مورده.

و تلك الخصوصية هي العلة التامة لثبوته للشريك فقط، دون غيره.

نعم تجوز المعاوضة على حق الشفعة من حيث الإسقاط بأن يجعل إسقاطه ثمنا في البيع، أو اجرة في الإجارة، أو عوضا في الصلح و الهبة، أو صداقا في النكاح، و لكن هذا أجنبي عما نحن فيه، فان مورد بحثنا إنما هو جواز المعاوضة على حق الشفعة، و جعله عوضا في العقود المعاوضية، لا المعاوضة على إسقاطه، فإن الإسقاط بنفسه عمل. و قد عرفت سابقا: أن عمل الحر يجعل عوضا في البيع و غيره من العقود المعاوضية.

و أما حق الخيار فجواز المعاوضة عليه من حيث الاسقاط خارج عن موضوع بحثنا- و قد عرفته قريبا- و أما نقله الى غيره بالعقود المعاوضية، و جعله عوضا فيها فقد منعه المصنف من ناحية استلزامه اتحاد المسلط و المسلط عليه.

و الجواب عن ذلك:

أولا: أن هذا إنما يتم فيما إذا نقل حق الخيار الى من عليه الخيار. و أما إذا نقل الى غيره فلا يلزم منه المحذور المذكور. و إذن فالدليل أخص من المدعى.

ثانيا: أن هذا إنما يلزم فيما إذا كان متعلق السلطنة في الخيار هو البائع. دون

42

العقد. و لكن سيأتي في مبحث الخيارات أن الخيار إنما يتعلق بالعقد لا بالمتبايعين و إلا لسقط خيار كل منهما بموت صاحبه.

و على هذا الضوء فثبوت حق الخيار لا يحتاج الى وجود المسلط عليه لكي يلزم من نقله اليه اتحاد المسلط و المسلط عليه. بل شأنه شأن حق التحجير المتعلق بالأرض المحجرة.

ثالثا: أنه لو استحال بيع حق الخيار ممن عليه الخيار- لاستحالة اتحاد المسلط و المسلط عليه- لاستحال ملك الإنسان لما في ذمته بالأولوية القطعية، لاستحالة تملك الكلي بدون المملوك عليه. و حيث عرفت إمكان الثاني فكان الأول أولى بالإمكان.

رابعا: أن مفهوم السلطنة و إن كان من المفاهيم الإضافية. إلا أن عنوان التضايف لا يقتضي استحالة صدق المتضايفين على شيء واحد. كما عرفته قريبا.

و صفوة ما ذكرناه: أنه لا مانع من نقل حق الخيار الى شخص آخر من الناحية التي ذكرها المصنف (قدس سره).

نعم ان الخيار المجعول بجعل المتبايعين، أو بجعل شرعي ترجع حقيقته- على ما حققناه في مبحث الخيارات- الى تحديد الملكية في البيع الى زمان فسخ من له الخيار. و من الظاهر أن هذا غير قابل للنقل إلى غير من له الخيار. نعم هو قابل للإسقاط، و الانتقال إلى الوارث بأدلة الإرث. و تمام الكلام موكول الى مبحث الخيارات. و يأتي الكلام فيه إن شاء اللّه.

و أما القسم الثالث: فهو ما يقبل النقل و الانتقال- كحق التحجير و نحوه- و قد عرفت اعتراض المصنف على وقوعه ثمنا في البيع، لعدم صدق المال عليه.

و يرد عليه ما ذكرناه في أول الكتاب من أن المال ما يرغب فيه العقلاء، و يبذلون بإزائه شيئا. و من البين أن حق التحجير مورد لرغبة العقلاء و تنافسهم.

فيكون مالا بالحمل الشائع. و إذن فلا محذور في جواز المعاوضة عليه من هذه الناحية.

43

نعم يتوجه عليه أن الحق و إن كان قابلا للنقل و الانتقال، أو السقوط و الاسقاط، مجانا، أو بعوض. إلا أنه لا يمكن جعله ثمنا في البيع، بداهة أن الحق حكم شرعي غير قابل لأن تتعلق به إضافة ملكية أو غيرها.

و قد عرفت سابقا (1): أن البيع لا بد فيه من التبديل: بأن يقوم أحد العوضين مقام الآخر. نعم نقل الحق أو إسقاطه فعل من أفعال المكلف. فيصح جعله ثمنا. و إذن فيملك البائع على المشتري هذا الفعل. و يلزم عليه تسليمه الى البائع بعد البيع. كما هو الحال في بقية الأفعال المجعولة ثمنا.

و قد نوقش في جعل الحق ثمنا في البيع بمناقشة اخرى. و حاصلها: أن البيع- في الواقع و نفس الأمر- ليس إلا إزالة الإضافة المالكية عن كل من العوضين، و إيجاد إضافة أخرى مالكية فيه. و عليه فلا يمكن جعل الحق ثمنا في البيع.

و السر في ذلك أن الملكية من المفاهيم الإضافية. فأحد طرفيها قائم بالمالك، و طرفها الآخر قائم بالمملوك. و من آثار هذه الإضافة أن يفكّ المالك- عند التبديل- إضافته القائمة بالمتاع، و يجعلها قائمة بالثمن، و يفكّ مالك الثمن إضافته القائمة بالثمن، و يجعلها قائمة بالمتاع. و هذا هو البيع بالحمل الشائع. و يقابله باب الإرث، فإن فيه يتبدل المالك مع بقاء المملوك على حاله.

و من الظاهر أن التبديل في باب الحقوق من القبيل الثاني. ضرورة أنه إذا جعل الحق عوضا في معاملة كان معناه زوال الحق من ذي الحق و ثبوته لشخص آخر، كما أن مال المورث ينتقل منه الى وارثه.

و ليس معناه وقوع التبديل بين المعوض و بين متعلق الحق كالأرض المحجرة مثلا.

و لا أن معناه وقوع المعاوضة بين المعوض و نفس الحق ضرورة أن الحق ليس إلا إضافة خالصة و من البديهي أن مقابلة هذه الإضافة بشيء تحتاج إلى إضافة أخرى

____________

(1) ص 25

44

لكي يقع التبديل في تلك الإضافة. و يلزم منه التسلسل.

و على هذا فلا يصدق مفهوم البيع على تبديل حق بحق. و لا على تبديله بغيره.

كما أنه لا يصدق على قيام النائب مقام المنوب عنه في الجهات الراجعة إليه- كالامامة، و القضاوة. و الوزارة، و السلطنة، و أشباهها- و لأجل هذه المناقشة يلزمنا أن نمنع عن جواز تبديل حق بحق. أو تبديله بغيره، منعا مطلقا: أي سواء أصدق عليه مفهوم المال أم لم يصدق عليه ذلك. و أنت خبير بأن المانع من تبديل الحقوق، و جعله ثمنا هو ما ذكرناه من استحالة تعلق الملكية بالحكم الشرعي. و إلا فلو أمكن تعلقها به لم يكن مانع من تبديله، و جعله ثمنا. و بذلك تنقطع السلسلة كما في مبادلة الأعيان و المنافع.

الملك و الحق و بيان الفارق بينهما

ما هي حقيقة الملك، و حقيقة الحق، و ما هو الفارق بينهما؟

أن الثابت في نظام الوجود لا يخلو عن أربعة أقسام: لأنه إما واجب، أو ممكن. و الثاني: إما جوهر، أو عرض، أو أمر اعتباري قائم بنفس الاعتبار.

و لا ريب في أن الأحكام كلها من قبيل الأمور الاعتبارية. سواء فيها الأحكام الشرعية، و العقلائية، و الوضعية، و التكليفية، و الإلزامية و الترخيصية.

فمعنى الوجوب اعتبار الفعل على ذمة المكلف.

و معنى الزوجية اعتبار كل من الزوجين عدلا للآخر.

و معنى الملكية اعتبار إحاطة المالك بالمملوك. و على هذا النمط كلما ورد عليك حكم من الأحكام.

و عليه فحقيقة الملكية إنما هي السلطنة و الإحاطة: و هي مقولة بالتشكيك على مراتبها الأربع المتقدمة (1) و لا ريب في أن هذه السلطنة إنما تتعلق بالأعيان الخارجية

____________

(1) ص 2.

45

تارة، و بالأفعال اخرى. فيقال: له السلطنة على المملكة. و هو سلطان الرعية، و الناس مسلطون على أموالهم. و زيد مسلط على الخياطة و البناية و التكلم و الكتابة و نحو ذلك من الأفعال.

و هذا بخلاف الحق و الحكم، فإنهما لا يتعلقان إلا بالافعال. فيقال: يباح للإنسان أكل الخبز و شرب الماء. و يستحب له أكل الرمان و يجب على المكلف الإتيان بالصلاة الواجبة، و ترك المحرمات. و يحرم عليه شرب المسكر و أكل الربا، و استماع الغناء. و يكره له أكل لحم الحمير و البغال.

و أيضا يقال: إن صاحب الخيار له حق فسخ العقد. و المرتهن له حق بيع العين المرهونة، و استيفاء حقه من ثمنها إذا امتنع الراهن من أدائه. و الزوجة لها حق المطالبة للمسكن و النفقة و المضاجعة من زوجها. و الأولياء لهم حق القيام بأمور المولى عليهم.

و حق المؤمن على المؤمن أن يدفع غيبته و يقضي حاجته. و يحضر جنازته. و يكشف كربته.

و على الجملة: إن الفارق بين الحق و الحكم، و بين الملك: أن الأولين لا يتعلقان إلا بالأفعال. بخلاف الملك فإنه يتعلق بالأعيان تارة و بالأفعال اخرى. و إليك ملاحظة الاستعمالات الصحيحة الفصيحة.

الحق و الحكم و عدم وجود الفارق بينهما

ما هو الفارق بين الحق و الحكم؟

لا ينبغي الريب في أن الحكم و الحق متحدان حقيقة، لأن قوامها بالاعتبار الصرف.

و توضيح ذلك: أن المجعولات الشرعية على ستة أقسام:

1- التكليفي الإلزامي، كالواجبات و المحرمات.

2- التكليفي غير الإلزامي. كالمستحبات و المكروهات و المباحات.

3- الوضعي اللزومي الذي يقبل الانفساخ. كالبيع و الإجارة و الصلح و نحوها،

46

فإنها و إن كانت لازمة في نفسها. و لكنها تنفسخ بالإقالة و نحوها.

4- الوضعي اللزومي الذي لا يقبل الانفساخ، كالزواج، فإنه لا ينفسخ إلا في موارد خاصة.

5- الوضعي الترخيصي الذي يقبل الاسقاط، كحق الشفعة و حق الخيار، فلصاحب الحق أن يرفع يده عن حقه و يسقطه.

6- الوضعي الترخيصي الذي لا يقبل الاسقاط، كالجواز في الهبة، فإنه حكم مجعول للشارع. و لا يرتفع بالإسقاط.

و هذه الأمور الاعتبارية و إن اختلفت من حيث الآثار اختلافا واضحا، و لكنها تشترك في أن قوامها بالاعتبار المحض و إذن فلا وجه لتقسيم المجعول الشرعي أو العقلائي إلى الحق و الحكم لكي نحتاج إلى بيان الفارق بينهما. بل كلها حكم شرعي، أو عقلائي قد اعتبر لمصالح خاصة. بناء على مسلك العدلية من تبعية الأحكام للملاكات الواقعية.

نعم تختلف هذه الأحكام في الأثر- كما أشرنا إليه قريبا- اختلافا ظاهرا.

فبعضها يقبل الاسقاط. و بعضها لا يقبله و السر في هذا الاختلاف هو أن زمام تلك الأمور بيد الشارع حدوثا و بقاء فقد يحكم ببقائه، كما حكم بحدوثه، و قد يحكم بارتفاعه و لو كان ذلك باختيار أحد المتعاملين أو كليهما. نعم المتبع في ذلك- في مقام الإثبات- هو الأدلة الشرعية.

و على الجملة: إن الجواز و اللزوم الوضعيين. كالجواز و اللزوم التكليفيين، فان جميعها من الأحكام الشرعية و لا تفاوت في ماهيتها و ذواتها و إن اختلفت آثارها.

فاعطف نظرك هل ترى فارقا بين جواز قتل المشرك- الذي يسمى حكما شرعيا- و بين سلطنة ولي الدم على قتل القاتل الذي يسمى حقا شرعيا، لقبوله الاسقاط.

ثم أرجع البصر كرتين هل ترى فارقا بين حق الحضانة و الأبوة، و الولاية و أشباهها مما لا يقبل الاسقاط، و بين حق الشفعة و حق الخيار القابلين للإسقاط، فافهم و اغتنم.

47

و من الغريب أن جمعا من الفقهاء تصدوا لبيان الفارق بين الحق و الحكم، حتى أن بعضهم قد ألحقه بالبديهيات، زعما منه أن الاختلاف بينهما أظهر من الشمس، و أبين من الأمس، و ذكر جماعة: أن الحق مرتبة ضعيفة من الملكية، و صاحبه مالك لشيء يرجع أمره إليه، بخلاف الحكم، فإنه مجرد جعل الرخصة في فعل شيء أو تركه، أو الحكم بترتب أثر على فعل أو ترك.

و ذكر طائفة: أن الحق ما يقبل السقوط و الإسقاط، أو النقل و الانتقال، بخلاف الحكم، فإنه لا يقبل شيئا من هذه الأمور. إلى غير ذلك مما ذكروه في هذا المقام. و لكنك قد عرفت: أنه لا يرجع شيء من ذلك إلى محصل.

نعم لا مانع من تخصيص إطلاق الحق اصطلاحا بطائفة من الأحكام: و هي التي تقبل الإسقاط، إذ لا مشاحة في الاصطلاح. و أظن- و إن كان الظن لا يغني من الحق شيئا- أن هذا الإطلاق صار سببا لاختلاف العلماء في حقيقة الحق و الحكم.

و بيان الفارق بينهما. و اللّه العالم.

و مما يدل على اتحاد الحق و الحكم أن لفظ (الحق) في اللغة بمعنى الثبوت. و لذا يصح إطلاقه على كل أمر متقرر في وعائه المناسب له، سواء أ كان تقررا تكوينيا أم كان اعتباريا. و هو بهذا المعنى قد استعمل في عدة موارد من الكتاب العزيز [1]

____________

[1] قال الله تعالى لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلىٰ أَكْثَرِهِمْ (أي ثبت) يس 36: 6.

قال الله تعالى فَحَقَّ عَلَيْنٰا قَوْلُ رَبِّنٰا (أي ثبت) الصافات 37: 30.

قال الله تعالى أَ فَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذٰابِ (أي ثبت) الزمر 39: 20.

قال الله تعالى إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ (أي ثبتت) يونس 10: 96.

قال الله تعالى وَ يُحِقُّ اللّٰهُ الْحَقَّ بِكَلِمٰاتِهِ (أي يثبته) يونس 10: 82.

قال الله تعالى لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَ يُبْطِلَ الْبٰاطِلَ (أي يثبت) الأنفال 8: 8.

48

و من هنا يصح إطلاق كلمة (الحق) على الخبر الصادق، لثبوت مضمونه في الواقع.

و لهذا أيضا يطلق الحق- بقول مطلق- على اللّه تعالى، لبطلان غيره في جنبه سبحانه.

و من هنا قيل: إن أصدق شعر أنشئ في الجاهلية هو قوله

ألا كل شيء ما خلا اللّه باطل

. و إذن فمفهوم الحق يعم جميع المجعولات الشرعية. بل جميع الأمور الثابتة في أي صقع من الأصقاع، فلا وجه لتخصيصه بالأحكام فضلا عن تخصيصه بحصة خاصة منها.

المجعول الشرعي و الشك في أنه حق أو حكم

إذا شك في أن المجعول الشرعي حق اصطلاحي يقبل الإسقاط، أو أنه حكم اصطلاحي لا يقبله، فان كان هنا ما يدل على تعيين أحدهما بالخصوص أخذ به. و إلا فإن كان لدليل المشكوك فيه عموم أو إطلاق أخذ بذلك، و يثبت به كونه حكما.

و مثال ذلك: أنه إذا شك في أن جواز أكل المارة من الشجرة التي تمر عليها، أو جواز الفسخ في الهبة حق أو حكم فإنه يتمسك بإطلاق ما دل على جوازهما.

و يثبت بذلك كونه حكما، فلا يسقط بالإسقاط.

و أنه إذا شككنا في بقاء حق التحجير بعد إسقاطه رجعنا إلى إطلاق قوله (ص):

(من سبق إلى ما لم يسبقه اليه مسلم فهو له) (1) و أنه إذا شككنا في بقاء حق القصاص بعد إسقاطه رجعنا إلى إطلاق قوله تعالى (وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنٰا لِوَلِيِّهِ سُلْطٰاناً) (2). و مع عدم الإطلاق في ذلك

____________

- قال اللّه تعالى كَذٰلِكَ حَقًّا عَلَيْنٰا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (أي ثابتا) يونس 10: 103.

قال الله تعالى وَ كٰانَ حَقًّا عَلَيْنٰا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (أي ثابتا) الروم 30: 46.

إلى غير ذلك من الآيات المتظافرة.

____________

(1) قد أشرنا إلى مصادر الحديث في ص 6.

(2) الاسراء 17: 35.

49

رجعنا إلى الآيات [1] و الروايات [2] الدالة على حرمة قتل النفس المحترمة.

و إن لم يكن هناك عموم أو إطلاق فإن قلنا بجريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية استصحابنا الجواز المشكوك فيه بعد إسقاطه. و نحرز بذلك كونه حكما. و إلا فيرجع إلى ما يقتضيه سائر الأصول اللفظية أو العملية. فقد تكون نتيجة ذلك السقوط بالإسقاط. فيكون حقا.

و عليه فإذا شك في أن حق الشفعة و حق الخيار من قبيل الحقوق، أو من قبيل الأحكام لم يجز إعمالهما بعد الاسقاط، لعدم الإطلاق فيما دل على ثبوتها لذي الخيار و الشفيع.

و إذن فإن قلنا بجريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية رجعنا إليه. و إلا فإن العمومات الدالة على حرمة أكل مال الناس من دون رضاه محكمة.

و إذا شك في حق أنه يقبل الانتقال إلى الوارث أولا- كحق الحضانة و الولاية و أمثالهما- فإن كان هنا دليل على قبوله النقل فإنه يحكم بقبوله الانتقال أيضا، إذ يستكشف من ذلك عدم وجود الخصوصية لمورد المشكوك فيه. و إلا فإنه يحكم بعدم انتقاله. و يأتي تفصيل ذلك في مبحث أحكام الخيار.

و إذا شككنا فيما يطلق عليه الحق اصطلاحا أنه يقبل النقل أولا فإن الأصل عدم قبوله إياه، إذ الظاهر من الأدلة المثبتة لذلك هو اختصاصه بذي الحق فقط. فثبوته لغيره يحتاج إلى دليل.

و دعوى أن الأصل جواز نقله تمسكا بالعمومات الدالة على صحة العقود و نفوذها

____________

[1] قال اللّه سبحانه وَ مٰا كٰانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلّٰا خَطَأً. النساء 4: 94.

قال اللّه سبحانه وَ مَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزٰاؤُهُ جَهَنَّمُ خٰالِداً فِيهٰا. النساء 4: 95.

قال اللّه سبحانه وَ لٰا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّٰهُ إِلّٰا بِالْحَقِّ. الانعام 6: 152.

[2] المروية في فروع الكافي ج 2 ص 315، 316، و التهذيب ج 2 ص 491، و الوافي ج 9 ص 82.

50

دعوى جزافية، فإن تلك العمومات ناظرة إلى بيان الحكم الوضعي: و هو إمضاء المعاملات العرفية: أعني بها ما يكون مورد المعاملة فيها قابلا للانتقال إلى غيره. و مع الشك في ذلك كان التمسك بتلك العمومات تمسكا بها في الشبهة المصداقية. و قد ثبت في محله عدم جواز التمسك بالعام في الشبهات المصداقية.

و إلى هنا وقف القلم في مبحث الحق و الحكم. و اللّه ولي التوفيق، و عليه التوكل، و به الاعتصام.

مفهوم الإنشاء و تعريفه

قوله: (فالأولى تعريفه بأنه إنشاء تمليك عين بمال).

أقول: إن واقع الإنشاء المقابل للاخبار و إن كان من الأمور الواضحة التي يعرفها الصبيان و المجانين حسب مرتكزاتهم فضلا عن البالغين، إلا أنه وقع الكلام في حقيقته و فيما به يمتاز عن الأخبار، فالمعروف بين العلماء: أن الإنشاء إيجاد المعنى باللفظ.

و لكن هذا التعريف مزيف، لأنا ذكرنا في مبحث المشتقات من مدخل علم الأصول: أن المراد من إيجاد المعنى باللفظ إما إيجاد خارجي، أو إيجاد اعتباري:

أما الإيجاد الخارجي فهو ضروري البطلان، بداهة أن الموجودات الخارجية برمتها مستندة إلى عللها الخاصة، و أسبابها المعينة، و مقدماتها الإعدادية، و من الواضح الذي لا ريب فيه أن اللفظ أجنبي عنها.

نعم قد يكون بعض الألفاظ من مبادئ الوجود الخارجي، كالكلام العنيف المؤثر في اصفرار وجه الوجل. إلا أن هذا غريب عن إيجاد المعنى باللفظ في نظام الوجود. كما يبعد عن إيجاد المعنى باللفظ ما هو المعروف بين أهل المعقول من أن اللفظ وجود للمعنى في عالم اللفظ. و وجه البعد: أن ذلك لا يختص بالجمل الإنشائية. بل يعم الجمل الخبرية و المفردات أيضا.

51

و أما الإيجاد الاعتباري فإن كان المراد به وجوده في نفس المتكلم فهو واضح الفساد، فان الاعتبار النفساني من أفعال النفس، و من المعلوم أن أفعال النفس توجد فيها بفاعليتها بلا احتياج الى عالم الألفاظ أصلا و رأسا.

و إن كان المراد من الإيجاد الاعتباري وجود المعنى في اعتبار العقلاء فيتوجه عليه أن الإنشاء و إن كان موضوعا لاعتبار العقلاء. إلا أن هذا الاعتبار مترتب على تحقق الإنشاء في الخارج. و كلامنا في تصوير حقيقته، سواء أ كان ذلك موردا لاعتبار العقلاء أو الشرع، أم لم يكن.

و على الجملة: إنا لا نعقل معنى محصلا لتعريف الإنشاء بإيجاد المعنى باللفظ، سواء في ذلك الإيجاد الاعتباري و الإيجاد الخارجي.

و التحقيق: أن الإنشاء إبراز الاعتبار النفساني بمبرز خارجي. كما أن الخبر إبراز قصد الحكاية عن الثبوت أو السلب بالمظهر الخارجي.

و السر في ذلك أنا ذكرنا في مبحث الوضع من مدخل علم الأصول: أن حقيقة الوضع هي التعهد و الالتزام النفسي بجعل لفظ خاص، أو هيئة خاصة مبرزا لقصد تفهيم أمر تعلق غرض المتكلم بتفهيمه. و من البديهي أن هذا المعنى أمر اختياري لكل من التزم بذلك و تعهد به. و الارتباط الحاصل بين الدال و المدلول أمر قهري و منتزع من الالتزام المذكور.

و لا يخفى على الفطن العارف أن هذا المعنى للوضع موافق للوجدان و الذوق السليم، و الارتكاز العقلائي، و الفهم العرفي، و المعنى اللغوي، بديهة أن الوضع في اللغة بمعنى الجعل و الإقرار و الإثبات و ما يراد منها من ألفاظ أية لغة كانت. و عليه فالتزام المتكلم بابراز مقاصده- عند التفهيم- بالألفاظ الخاصة نوع من الوضع. و من هنا يطلق الواضع على مقنن القوانين في المحاكم العرفية.

و على هذا النهج فكل من تعهد بابراز مقاصده بالألفاظ المتداولة بين أهل اللسان

52

لتفهيم أمر تعلق به غرضه- فهو واضع حقيقة. نهاية الأمر أن إطلاق الواضع على الجاعل الأول إنما هو لسبق زمانه، و قدم عهده. و لا فارق فيما ذكرناه بين الجمل الخبرية و الجمل الإنشائية، و غيرهما من الألفاظ المفردة و المركبة التي هي من الامارات الجعلية.

نعم تفترق الجمل الإنشائية عن الجمل الخبرية بأن الجمل الإنشائية إنما وضعت بهيئاتها الإنشائية لابراز أمر ما من الأمور النفسانية: و هذا الأمر النفساني قد يكون اعتبارا من الاعتبارات، كما في الأمر و النهي و العقود و الإيقاعات. و قد يكون صفة من الصفات، كما في التمني و الترجي. و لأجل ذلك أن الجمل الإنشائية لا تتصف بالصدق تارة و بالكذب أخرى. إذ ليس في مواردها خارج تطابقه النسبة الكلامية، أو لا تطابقه.

و هذا بخلاف الجمل الخبرية، فإنها موضوعة لابراز قصد الحكاية عن الثبوت أو السلب. و عليه فالهيئات التركيبية للجمل الخبرية أمارة على قصد المتكلم للحكاية عن النسبة، و هذه الحكاية قد تطابق الواقع فتكون الجملة صادقة، و قد تخالفه فتكون كاذبة. و قد اتضح لك مما ذكرناه أن المتصف بدء بالصدق و الكذب- في الجمل الخبرية- إنما هو الحكاية عن الواقع. و أما اتصاف الجملة الخبرية بهما إنما هو من قبيل وصف الشيء بحال متعلقة.

و المتحصل مما بيناه أن استعمال اللفظ في المعنى ليس إلا إظهار المقاصد النفسانية بمبرز خارجي سواء في ذلك الجمل و غيرها. و إذن فالإنشاء من مصاديق استعمال اللفظ في المعنى بلا ارتباط له بإيجاد المعنى باللفظ.

حقيقة البيع و تعريفه

لا يخفى على الناقد البصير أن البيع ليس إنشاء ساذجا- و إن علم عدم تحقق الاعتبار النفساني- و إلا لصدق مفهوم البيع على بيع الهازل و الساهي و النائم و السكران و أمثالهم، و لا أنه صرف الاعتبار النفساني- و إن لم يقترن به المظهر الخارجي-