مصباح الفقاهة - ج6

- الشيخ محمد علي التوحيدي المزيد...
422 /
3

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

[كتاب الخيارات]

الحمد للّه رب العالمين و الصلاة و السّلام على محمّد و آله الطاهرين و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين.

و بعد فيقع الكلام في الخيارات و أحكامها.

[مقدمتان]

[الأولى في معنى الخيار]

قوله الخيار لغة اسم مصدر من الاختيار.

أقول: الاختيار مصدر و الاسم منه الخيار و معنى الاختيار لغة هو طلب الخير من أي شيء فيصحّ تعلّقه بالأمور التكوينية و الاعتبارية نظير الكسب و الاكتساب و ح يكون وصفا لنفس الأفعال الخارجية و الأمور الاعتبارية حسب اختلاف متعلقة من الافعال و الأعيان و الاعتباريات و يقال اختار أحدهما لمصاحبته أى طلبه خيرا لنفسه و اختار بيع أمواله أي جعله خيرا لشخصه فالاختيار صفة لنفس ما أخذه خيرا و عنوان له من دون أن يكون من الأوصاف النفسانية المعبّر عنه بالإرادة تارة و بالاختيار أخرى و لا من الأفعال الخارجية و الاختيار كالانتفاع و الاصطفاء و الانتقاء و منه أيضا استخارة المنزل.

و الظاهر أنه بهذا المعنى اللغوي استعمل في الخيارات المختصة بالمعاملات من خياري المجلس و الحيوان و غيرهما فان من

4

له الخيار يتّخذ ما يختاره من الإمضاء أو الفسخ خيرا لنفسه و طلب كونه خيرا له و اتصف كل منهما بالاختيار و أصبح خيرا على سبيل البدلية و معنى البيّعان بالخيار أى لكل منهما أن يأخذ ما يختاره خيرا لنفسه و ليس المراد من الخيار هنا هو القدرة على الفسخ التي من الأوصاف النفسانية و لا السلطنة و المالكية على الفسخ و لا غيرهما من المعاني التي ذكروها في المقام.

نعم تستفاد السلطنة و المالكية من موارد أخذ الخير لنفسه و اتخاذه لشخصه مثلا إذا قيل له الخيار فتدل اللام على الاختصاص و الملكية، و كل أن القدرة ليست من معنى الخيار في شيء و انما هي من مقدمات اتخاذ الخير فان من ليست له هذه القدرة لا يتمكّن من جعل شيء خيرا لنفسه.

و على هذا فلا نحتاج في استعمال كلمة الخيار في الخيارات المصطلحة في أبواب المعاملات إلى عناية زائدة غير ملاحظة المعنى اللغوي الّا أن يكون هنا اصطلاح خاص فلا مشاحة فيه و بهذا اللحاظ أيضا استعمل في مقابل الالتجاء و الاضطرار فان المضطر لا يتمكّن من الاستخارة لنفسه و اتخاذ الخير لشخصه كالأعرج و الأشل و الأصم فإنهم لا يقدرون أن يتخذوا المشي أو الحركات الصادرة من اليد أو الكلام خيرا لأنفسهم، فجعل الاختيار بمعنى القدرة في مقابل الاختيار انما هو بحسب الاصطلاح فقط و الا فهو خارج عن القدرة كما عرفت و الا فنفس الاختيار يقع في مقابل الاضطرار و يعدّ قسيما له.

ثمّ ان موارد استعملات كلمة الخيار و ما اشتق منها و ان كانت كلها بحسب لحاظ المعنى اللغوي و لكن الذي في أبواب المعاملات

5

تمتاز بخصوصية ليست في غيرها من موارد الاستعمالات بداهة أنه فرق واضح بين الاختيار المتعلق بالأكل و الشرب و النوم و بين تعلقه بالفسخ و الإمضاء فإن المراد بالأوّل هو جعل الفعل الخارجى أو العين الخارجية خيرا لنفسه من غير أن يكون في البين ما يتصل بالمختار بصيغة الفاعل بخلاف ما إذا تعلق بالعقود باعتبار الفسخ و عدمه فان معناه أن هنا شيء ثابت قابل لان يتعلق به الفسخ أو الإبقاء في حاله و الاستمرار عليه، و نظير ذلك ما قلناه في أدلة الاستصحاب من أن مفهوم النقض انما يتحقق إذا كان هناك أمر مبرم و الا فلا يقال للحجر أنه نقض الحجر فبهذه الخصوصية ينهاض الخيار المتعلقة بالعقود عن غيره من موارد استعمالاته، و أيضا خرج بهذه الخصوصية الخيار الثابت للعمة و الخالة في العقد على بنت الأخت و بنت الأخ فإنه لم يثبت فيها شيء للعمة و الخالة حتى ترفعه العمة أو الخالة بالفسخ بل هي تدفع ما يتصل إليها بالرضا و كك الحال في العقود الفضولية في البيع و غيره و لكن بقيت العقود الجائزة بحسب الطبع واردة عليه أيضا فإن فيها أيضا شيء ثابت لذي الخيار له الفسخ و له الإبقاء.

الّا أن في الخيارات المصطلحة خصوصية ليست موجودة في العقود الجائزة بحسب الطبع فهي أن ذي الخيار في موارد الخيارات المصطلحة إنما ملك الفسخ و الإمضاء أي له اتخاذ الفسخ خيرا لنفسه و له إبقاء العقد على حاله أو إمضائه و أيضا فله مالكية على أصل الاختيار و الخيار بحيث له السلطنة على إعدام اختياره و رفع موضوعه بحيث لا يبقى هنا موضوع للفسخ و الإمضاء و لإعمال الخيار بان يسقط سلطنته على اتخاذ كلّ من طرفي الاختيار خيرا لنفسه.

6

و بعبارة اخرى أن لذي الخيار في موارد الخيارات المصطلحة سلطنتان إحداهما السلطنة المتعلقة بإعمال الخيار أى اتخاذ الفسخ أو الإبقاء خيرا لنفسه و ثانيتها السلطنة على إعدام السلطنة على اعمال الخيار و اتخاذ شيء منهما خيرا لنفسه فإنها من الحقوق فهي قابلة للإسقاط.

و هذا بخلاف العقود الجائزة فإن فيها لكل من المتعاملين فسخ العقد أو إبقائه على حاله و لكن ليس لهما السلطنة على إعدام سلطنتهما على الفسخ أو الإبقاء فإن الجواز فيها من الأحكام فهي غير قابلة للإسقاط و لو أسقطه المتعاملان ألف مرة و قد عرفت أن الجواز و التزلزل في موارد الخيارات المصطلحة من الحقوق فهي قابلة للإسقاط، و بهذه الخصوصية لا يدخل شيء من غير الخيارات المصطلحة في حدودها كما لا يخفي و أيضا صح القول بأن الخيارات المصطلحة هو اتخاذ الفسخ أو الإمضاء خيرا لنفسه في العقود اللازمة بالطبع كالبيع و الإجارة و النكاح و غيرها.

و الحاصل أن المراد من الخيار هو المعنى اللغوي في جميع موارد الاستعمالات حتى في باب العقود و هو اتخاذ الخير لنفسه و الانتفاء و الاصطفاء كما صرّح بذلك في اللغة و ليس بمعنى الملك في المقام بل انما يستفاد الملكية من موارد الاستعمال بحسب اقتران مادة الخيار بكلمة اللام أو ذو أو صاحب أو الباء أو بالهيئة المفيدة لهذا المعنى كهيئة المختار كما سنشير اليه.

و عليه فيكون الاختيار و الخيار في مقابل الاضطرار و الالتجاء بحسب الحقيقة في جميع الموارد فان المضطر لا يقدر على اتخاذ الخير

7

لنفسه فيما اضطر اليه.

ثم لا يبعد أن يكون المراد من كون المكلف مختارا في الفعل أو الترك في مقابل التكاليف الإلزامية الملجإ إلى الفعل شرعا هو هذا المعنى أيضا غاية الأمر أن الاختيار و الا لجاء هنا شرعي و ما ذكرناه فيما سبق تكويني و من هنا يتضح ان إطلاق المختار على الفاعل المختار على هذا المنهج أيضا و من هنا ظهر أن استعمال المتكلّمين الخيار في مقابل الاضطرار ليس اصطلاحا آخر كما ذهب اليه شيخنا المحقق بل باعتبار المعنى اللغوي كما عرفت.

ثمّ ان المشتقّات قد استعمل في الاتّصالات الفعلي كما هو الغالب و قد تستعمل في الشأنيّة و الاقتضاء و هذا أيضا كثير في نفسه كما يتضح ذلك لمن سيروا استقرأ موارد استعمالها و منه يقال سمّ قاتل و سيف سيار و أدوية مسهلة و أشربة مبردة و أغذية مسخنة أو قابضة فان اتصاف الذات بالمبدء في أشباه هذه الموارد ليس فعليّا و انّما هو بحسب الشأنية و الاقتضاء.

و من هنا يمكن توجيه كلمات القائلين بأن الخيار بمعنى القدرة على الفسخ بدعوى المختار بصيغة الفاعل له فسخ العقد مع ثبوت الخيار له و له إبقائه على حاله و له إسقاط أصل سلطنة أيضا فتكون القدرة و السلطنة على الفسخ و الإبقاء مستفادة من هيئة المختار.

إذا كان اتصاف الذات فيه بالمبدء بحسب الشأن و الاقتضاء فان في موارد ثبوت الخيار فصاحب الخيار مختار في أمر العقد من حيث الفسخ و الإبقاء شأنا بأن يأخذ الفسخ خيرا لنفسه أو الإبقاء فإن له الانتقاء و الاصطفاء في ذلك و الهيئة المستفادة من الهيئة عبارة

8

أخرى عن القدرة بل الأمر كذلك في جميع الموارد التي يتمكن الإنسان من إيجاد فعلى بحسب طول الزّمان فإنه يقال أنه مختار في ذلك اى له القدرة على أن يأخذ هذا الفعل خيرا لنفسه أو يتركه و يأخذ تركه خيرا لنفسه فلا يكون تعريف الخيار بأنه القدرة على فسخ العقد و إبقائه منافيا لما ذكرناه.

ثم انّك قد عرفت أن الخيار في اللغة هو اتّخاذ الخير و الاصطفاء و الانتقاء و بهذا اللحاظ قد استعمل في جميع الموارد غاية الأمر أنه تختلف متعلّقاته فإنه قد يتعلّق بالأكل و قد يتعلّق بالشّرب و قد يتعلّق بالأعيان الخارجية كاختيار الدار و الرفيق و المركوب و قد يتعلّق بالأمور بالاعتبارية و قد يتعلّق بفسخ العقد و إبقائه و قد يتعلّق برفع سلطنة على الفسخ و يسقط خياره، و عليه فلا خصوصية لمادة الخيار في شيء من موارد الاستعمال.

و لكن المراد من الخيار المصطلحة هو اختيار فسخ العقد أو إبقائه أو اختيار إقرار العقد فخرج بتعلّقه بالفسخ جميع ما يتعلّق بغير العقود من الافعال و الأعيان الخارجية و كل خرج به عقد بنت الأخ و بنت الأخت على العمة و الخالة و كك جميع العقود الفضولية فان في جميع تلك الموارد لم ينتسب الى المختار شيء حتى يتعلّق به الفسخ و يكون الفسخ فيه متعلقا للخيار اما في غير العقود المذكورة فواضح فان الخيار فيه ليس الا اختيار أحد الأمرين الذين هما طرفا الخيار من الأكل و تركه و الشرب و تركه و هكذا و أما في العقود المذكورة فلانّه و ان ثبت هنا شيء و لكنه لم ينتسب إلى العمة و الخالة و الى المالك بل مع الإجازة و الإمضاء ينتسب العقد إليهم و لكن و إذا اختاروا الردّ

9

يرفعون ما ثبت بإنشاء الغير لا أنهم يفسخونه فإنه ليس هنا عقد حتى يتعلّق به الفسخ بل ثبت لهم بعد الانتساب إليهم و الفرض انه لم ينتسب إليهم بعد فبالردّ يرتفع و لا يبقى شيء حتى يفسخ.

و خرج بكون ذي الخيار مختارا في إقرار العقد و تثبيته العقود الجائزة بحسب الطبع و توضيح ذلك أن ذا الخيار في موارد الخيارات المصطلحة كما له اختيار فسخ العقد و إبقائه على حاله و كك له ازالة مالكيته على اختيار الفسخ و الإبقاء و على الانتقاء و الاصطفاء بان يقر العقد بإسقاط الخيار و بجعله لازما و غير قابل الفسخ ففي الحقيقة له خيار ان أحدهما يتعلّق بالفسخ و الإبقاء و الأخر يتعلّق بالسلطنة على الفسخ و الإبقاء بخلاف العقود الجائزة فإن فيها خيار واحد لكل من له الخيار و ليس له خيار آخر يتعلق بأصل السلطنة على اختيار الفسخ أو الإبقاء و لو أسقطه ألف مرة لم يسقط كما تقدم فإنه من الأحكام فهي غير قابلة للإسقاط.

و من هنا ظهر أن ما ذهب اليه بعضهم من أن الخيار المصطلحة ملك إقرار العقد و ازالته هو الصحيح فان المراد من إقرار العقد هو إسقاط الخيار و جعل العقد لازما و غير قابل للانفساخ من ناحية الخيار و هو ما ذكرناه من تعلّق الخيار بإزالة السلطنة على الفسخ و الإبقاء، و المراد من ازالته هو ازالة العقد بالفسخ و إعدامه نعم التعبير بملك فسخ العقد مسامحة فإن الخيار كما عرفت ليس ملك فسخ العقد و انما الملكيّة مستفادة من اللام و كلمة الصاحب و الذو أو من الهيئة كما عرفت فإن هيئة كلمة المختار تدل على ذلك لما عرفت أن المشتق انما هو باعتبار الشأنية و لاقتضاء و أن ذي الخيار بما أن له مقتضى

10

للفسخ و قادر عليه بان يأخذه خيرا لنفسه و له شأنية الاختيار و الانتقاء فينتزع من ذلك عنوان المالكية كما لا يخفي.

و قد أشكل المصنف على هذا التعريف بوجهين

الأول أنه ان أريد من إقرار العقد إبقائه على حالته الأولية بترك الفسخ فذكره مستدرك لأنّ القدرة على الفسخ عين القدرة على الترك فإنها لا تتعلق بأحد الطّرفين فقط و الا فلا تكون قدرة.

و فيه أنه ظهر جوابه ممّا تقدّم فان المراد من ملك إقرار العقد ليس هو تركه على حاله و عدم فسخه مع جواز ان يفسخه كيف ما يشاء بل المراد منه هو إقرار العقد و إثباته و جعله لازما بحيث لا يقبل- الفسخ بالخيار فهو إشارة الى احد الاختيارين الذين تقدمت الإشارة إليهما و قوله و ازالته فالمراد منه ازالة العقد بالفسخ فهو إشارة إلى الاختيار الثاني.

و على الإجمال أن الخيارات المصطلحة منحلّة إلى خيارين و مركب منهما أحدهما ما يكون متعلقا بالفسخ و الآخر ما يتعلق بأصل إعدام الخيار اى اتخاذ إعدامه الذي عبارة أخرى عن إقرار العقد خيرا لنفسه (ما شئت فعبّر) فكل واحد من خيار الحيوان و المجلس و العيب و الشرط و غيرها مركب من خيارين المذكورين فقد أشير إليهما في التعريف المذكور فذى الخيار مختار فيهما نعم أخذ الملكية في التعريف ليس من جهة اعتباره في مفهوم الخيار و تعريفه بل هي مستفادة من الهيئة أو من كلمة اخرى كما عرفت.

الثاني أن أريد منه إلزام العقد و جعله غير قابل لان يفسخ ففيه أن مرجعه إلى إسقاط حق الخيار فلا يؤخذ في تعريف نفس

11

الخيار لكونه مستلزما للدور فإنه ح يكون مفاد التعريف أن الخيار هو ملك إلزام العقد بإسقاط الخيار فهذا أخذ بالخيار في تعريف نفسه فهو دوري.

و فيه قد ظهر جوابه مما مر و توضيح الاندفاع أن الخيار و أن أخذ في التعريف و لكن المأخوذ فيه ليس نفس المعرف بل هو غيره اعنى الخيار الثاني لما عرفت من كون الخيار المصطلح مركبا من خيارين فقول القائل الخيار ملك إقرار العقد أي الخيار المتعلق بإعدام السلطنة على الفسخ هو إقرار العقد إسقاط فالمراد من الخيار الساقط هو المتعلق بالفسخ فالمعرّف غير المعرف فلا يلزم الدور و بقوله و إزالته أشار الى الخيار الثاني.

ثم أورد المصنف نقضا على التعريف المذكور بأنه ينتقض بالخيار المشترك فان لكل منهما إلزامه من طرفه لا مطلقا فلا يكون العقد لازما بإسقاط أحد الشركاء خيارهم.

و فيه أنه أيضا ظهر جوابه مما تقدّم فان المراد من الإقرار هو إقرار العقد من قبله لا من قبل غيره و لا يقاس ذلك بالفسخ فان فيه خصوصية لا يعقل بها أن يفسخ احد المتعاملين دون الأخر فإنه بالفسخ ينتقل مال كل شخص الى ملكه و لا معنى لان يفسخ العقد من طرف واحد فقط دون الأخر و لكن الإقرار و الإثبات ليس كذلك فإنه قابل لان يكون العقد لازما من طرف و جائزا من طرف آخر و إذا كان ممكنا ثبوتا فلا نحتاج في مقام الإثبات إلى شيء آخر غير ما يصدر من الشركاء في الخيار حيث أن أحدهم يسقط خياره و الآخر لا يسقطه.

12

و ما نحن فيه نظير رفع الحجر الثقيل بعشرة رجال حيث ان ترك الرفع يستند الى ترك واحد منهم و لكن رفعه مستند الى جميعهم ففي المقام أيضا رفع العقد يحصل بفسخ واحد و لكن الإقرار التام يحصل بالمجموع و مع ذلك فكل واحد يجعله من قبله لازما و ان شئت فمثل بترك كل واحد من عشرة رجال قتل شخص فإنه يصدق ح ان كل واحد منهم ترك قتله من قبله و قد مثل الأستاذ بهذا المثال دون الأوّل.

و على الإجمال فالأحسن أن يقال في تعريف مطلق الخيار هو ما يرجح به أحد طرفي الممكن على الآخر سواء كان هناك مرجح آخر أم لم يكن و يكون في مقابل الاضطرار فان الفاعل المضطر مجبور الى اختيار أحد طرفي الممكن الذي اضطرار اليه و لا يبقى معه اختيار في الترك و الانتقاء و الاصطفاء و بهذا المعنى الواحد يستعمل في جميع الموارد و ان كان هنا اختلاف فإنما هو من ناحية المتعلّق و بيان ذلك أن الخيار قد يتعلّق بالأفعال الخارجية كالأكل و الشرب و غيرهما فيختار الفاعل اما الترك أو الفعل فيرجح باختياره احد الطرفين على الطرف الآخر.

و قد يتعلّق بالأعيان الخارجية فيرجح المختار أحد الشيئين أو الأشياء على الأخر فيأخذه خيرا لنفسه.

و قد يتعلّق بدفع العقود عن الانتساب الى نفسه و ردّه عن الاتصال اليه من غير ان ينضم اليه قبل ذلك شيء و هذا كاختيار المالك ردّ عقد الفضولي و اختيار العمة و الخالة عقد بنت الأخ و بنت الأخت.

13

و قد يتعلّق بفسخ العقد و إبقائه و هو على قسمين فإنه تارة يجتمع مع الخيار الآخر المتعلّق بإقرار العقد و عدمه و أخرى لا يجتمع معه بل لا يمكن ان يقترنه لحكم الشارع بعدم لزوم العقد إلى الأبد.

و الثاني هو الخيار في العقود الجائزة التي كانت جائزة بحسب الطبع و الأول هو المراد من الخيارات المصطلحة فان في مواردها قد ثبت لذي الخيار خيار ان أحدهما ملك فسخ العقد و إبقائه على حاله و الثاني ملك إقرار العقد بإسقاط الخيار و عدم إقراره فيسمى مجمع هذين الخيارين خيارا اصطلاحيّا و لهذا لا تسمى العقود الجائزة عقودا خيارية مع تحقق الخيار فيه أيضا و لكنه ليس مركبا من خيارين نعم التعبير بالملك ليس من جهة أخذ الملك في مفهوم الخيار و لعل النكات في تعبير ملك فسخ العقد في تعريف الخيار هو ان معنى الخيار هنا هو ترجح أحد الطرفين من الفسخ أو عدمه و ترجيح احد طرفين ازالة العقد و إبقائه لما عرفت أن الخيار المصطلح مجمع الخيارين.

و من الواضح أن الترجيح انما يكون مع القدرة على الترجيح فالخيار عبارة عن القدرة على الترجيح و القدرة ليست إلا عبارة عن السلطنة فيصح أن يقال أن الخيار ملك ازالة العقد و لكن هذا المعنى منتف في غير خيار المصطلح فان في الهبة مثلا و ان كان الواهب قادرا على الفسخ أو الإبقاء و لكن كون الجواز فيه ضروري فليس له ازالته عنها و كك إذا كان متعلق الخيار الأمور الخارجية كالأكل و الشرب فإن أحد طرفي الفعل و ان كان في اختياره و لكن أصل كونه مختارا في ذلك ضروري و لا يقدر ان يسلب اختياره عن نفسه بل هو مستفاد

14

من شيء آخر و منه الهيئة فان هيئة المختار أيضا تدل على الملكية فإنه قد أخذ فيها الهيئة و هذه الهيئة و ان كانت ظاهرة في الهيئة الفعلية و منه ما في قضية الصديقة الطاهرة و هو المختار لها لسرعة الإلحاق.

و لكن قد يكون المراد منهما الهيئة الشأنية و لكن بواسطة القرائن فيكون المشتق ح مستعملة في الشأنية كسيف قاطع و سمّ قاتل و مسهل نافع و أشربه مبردة أو مسخنة فان القرينة قائمة في أمثالها على أن الاستعمال بلحاظ التلبس الشأني دون الفعلية كما لا يخفى.

و من هنا ظهر ما في كلام شيخنا الأستاذ حيث قال أن الخيار المتعلق بإقرار العقد و إلزامه انّما هو أيضا اعمال الخيار فإنه أحد طرفي ما تعلق به الخيار و ليس مرجعه إلى إسقاط الحق الذي فوق اعمال الخيار و وجه الاندفاع هو ما تقدم من أن ما تعلق بإقرار العقد خيار آخر غير ما تعلق بالفسخ و الإبقاء.

و تحصّل من جميع ما ذكرناه أن ما ذكره بعض الأصحاب من أن الخيار ملك إقرار العقد و ازالته هو المتعين و أحسن منه ما تقدمت الإشارة إليه من أن الخيار المصطلح اختيار فسخ العقد و إبقائه و اختيار إقرار العقد و عدمه (ما شئت فعبّر).

و قد عرفت أنه لا يرد عليه ما أورده المصنف من الإيراد الأوّل و الثاني و كك نقضه بالخيارات المشتركة كما عرفت.

لا يتوهم أن المراد من الخيار المشترك هو الخيار الثابت للمجموع كما في توارث الخيار عن المورث بناء على عدم ثبوته لكل واحد من الورثة و على عدم ثبوته على الطبيعي من حيث هو على ما هو أقوال المسألة.

15

و الوجه في ذلك هو ان أحد الشركاء لو اعمل خياره بان يفسخ العقد أو ألزم العقد بأن أسقط خياره لا يضرّ بخيار الشريك الآخر بوجه مع أن المصنف فرض أن الفسخ يوجب انهدام العقد من طرف الشريك الآخر و يؤثر تأثيره بخلاف الإقرار فإنه من احد الشركاء لا يوجب إقرار العقد من الشريك الآخر فيعلم من ذلك أن المراد من الخيار المشترك في كلام المصنف هو الخيار الثابت لكل من البائع و المشتري حين الثبوت كخيار المجلس مثلا كما هو الحق فإن الظّاهر من قوله (ع) البيّعان بالخيار ما لم يفترقا هو ذلك و ان لكل منهما خيار و إذا أراد أحدهما أن يفسخ العقد فنفسخ من الطرف الآخر أيضا لخصوصية في الفسخ و هي أنه لا يعقل انفساخ العقد من طرف واحد و هذا بخلاف الإقرار فإنه يعقل إلزام العقد من طرف واحد كما عرفت هذه هي المقدمة الأولى

المقدمة الثانية وقع الكلام في تأسيس الأصل في المقام ليرجع اليه عند الشك، في الجواز أو الزوم

و قد وقع الكلام في أن الأصل في العقود هو اللزوم الا ما خرج بالدليل أو الأصل فيها هو الجواز الا ما خرج بالدليل فإذا علم من الخارج أن العقد الفلاني لازم أو جائز فلا كلام لنا فيه فان كل واحد منهما يترتّب عليه حكمه و انما الكلام في الموارد المشكوكة بالشبهة الحكمية كما إذا شككنا في ان العقد الفلاني (كالسّبق و الرّماية جائز أو لازم أو بالشبهة الموضوعيّة كما إذا وقع عقد في الخارج و شككنا في كونه من القسم الجائز أو من القسم اللازم فان في جميع ذلك يرجع الى ما أسس من الأصل.

فنقول ذكر غير واحد تبعا للعلامة في كتبه الأصل في البيع اللزوم

و قد وقع الكلام في بيان المراد من هذا الأصل

فذكر المصنف وجوها

16

أربعة في بيان ذلك.

الأول أخذه بمعنى الغلبة

فإن أغلب أفراد العقد هو اللزوم و الجائز منه قليل فإذا شككنا في عقد أنه جائز أو لازم فالظن يلحق الشيء بالأعم الأغلب.

و فيه أنه مخدوش صغره و كبرى و المصنف لم يتعرض لفساد الكبرى لوضوحه أما الوجه في فساد الكبرى فلان قاعدة إلحاق المشكوك بالأعم الأغلب أدون من الاستقراء الناقص فحيث أن الاستقراء الناقص ليس بحجة فالقاعدة المذكورة أولى بان لا تكون حجّة بيان ذلك أن الاستقراء الناقص عبارة عن تتبع أفراد الطبيعة بقدر الطاقة و التمكن بحيث يحصل الظن من ذلك أن بقية الأفراد أيضا على هذا النسق ثمّ يتشكّل من ذلك القياس فيوصل بالنتيجة و يقال أن ما صادفنا من افراد هذه الطبيعة كالحيوان مثلا يتحرك فكه الأسفل عند المضغ و كل حيوان كك فالحيوانات المشكوكة أيضا كك ظنا و هذا القياس بما أنه يفيد الظن فقط لا يكون حجة فان الظن لا يغني من الحق شيئا.

و القاعدة المذكورة أدون من ذلك فان جميع ما صودف به من افراد الطبيعة ليس على نسق واحد لان الفرض أنها على قسمين غاية الأمر أن قسم منهما أقل من القسم الآخر فلا يمكن هنا تشكيل القياس بان كل أفراد الطبيعة كل حتى و هما فضلا عن الظن به للعلم بان قسم منها على غير النسق الذي عليه القسم الأخر، كما لا يخفى.

و بالجملة أن كبرى هذه القاعدة باطلة لعدم الدليل على صدقها و أما الوجه في بطلان الصغرى ما ذكره المصنف ان أريد غلبة

17

الافراد فغالبها ينعقد جائزا لأجل خيار المجلس أو الحيوان أو الشرط و ان أراد غلبة الأزمان فهي لا تنفع في الافراد المشكوكة و ذلك فإن مده اللزوم و ان كانت طويلة و زائدة و لكن لا يوجب إلحاق المشكوك إليه الذي لا ندري أنه تحقق لازما أو جائزا فإن الأغلبية من حيث الأزمان لا يرتبط بالأغلب من حيث الافراد.

و بعبارة اخرى أن بناء على تسليم الكبرى أن الظن انما يلحق الشيء بالأعم الأغلب من صنف نفس هذه الطبيعة لا من الأعم الأغلب من طبيعة أخرى مثلا أن الغلبة في سادات الكاظمية هي الطوال فلو شككنا في فرد منهم أنه طويل أو قصير فالظن يلحقه بالأغلب من هذه الطائفة لا بالأغلب من جميع البشر و كك أن الأغلب في المسلم أو في أهل العلم التقى و إذا شك و في فرد منهم فالظن يلحقه بالأغلب من المسلمين أو من أهل العلم لا بالأغلب من جماهير العالم و لو من غير المسلمين و في المقام إذا شك في عقد أنه جائز أو لازم فالظن يلحقه بالأعم الأغلب من صنفه و هو غلبة الأفراد بحيث يتصف حين الوجود بوصف من اللزوم أو الجواز لا بالأغلب من صنف آخر اعنى غلبة الازمان و من الواضح أن الغلبة في الافراد هو الجواز فإن أغلب أفراد العقد يوجد جائزا لخيار المجلس أو الحيوان أو الشرط الا ان يشترط اللزوم في ضمن العقد و من هنا ظهر أن ما ذكره غير واحد من الاعلام من عدم الفرق في إلحاق المشكوك بالأعم الأغلب بين غلبة الافراد و غلبة الزمان لا يرجع الى محصّل و انما هو ناشئ من عدم الوصول الى مراد المصنف.

و أما الأصل بمعنى القاعدة

فسيأتي التكلم فيه من أَوْفُوا بِالْعُقُودِ

18

و أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ و تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ و كك سيأتي التكلم في الأصل بمعنى الاستصحاب و ان تكلمنا فيهما في المعاطاة و لكن إذا تمّ الاستصحاب و قلنا بجريانه في الشبهات الحكمية و الأحكام الكلية يجري في موارد الشبهات الحكمية و الموضوعيّة و اما العمومات فلا تجري في الشبهات الموضوعيّة كما إذا شك في أن هذا العقد وجد لازما أو- جائزا لكونه تمسكا بالعمومات في الشبهات المصداقية كما لا يخفى.

و أما الأصل بالمعنى اللغوي

بأن يكون وضع البيع و بنائه عرفا و شرعا على اللزوم فهو الظّاهر من كلام العلّامة (ره) حيث قال و الفرض تمكن كل من المتعاقدين إلخ فإن هذا وجه آخر غير الاستصحاب و انه هو الوجه الرابع ظاهرا بل هذا هو الصّحيح لقيام بناء العقلاء من المتدينين و غيرهم على ذلك، و عليه فالشرط الضمني في كل عقد البيع موجود على بقاء المعاقدة على حالها و لا ينفسخ العقد بفسخ كل منهما كيف شاء و في أيّ وقت أراد و ليس لأحد من المتبايعين أن يرجع الى الأخر بعد مدة و يسترجع العوض منه بفسخ العقد و إلا لما استقرّ نظام المعاملات و لا أظنّ أحد ببقاء أمواله تحت يده و ان مضى على بيعه و شرائه سنين متمادية و قرون متوالية فإن العقد الجائز قابل الانهدام و لو بعد سنين و ح لا يستقر تملك الملاك في مستملكاتهم المبتاعة من الغير و اختلف تجارة التجار و نظام الاكتساب كما هو واضح نعم هذا يتم في البيع فقط و أما في غيره كعقد السبق و الرماية مثلا فلا يتم فيه ذلك مع الشك في جوازه و لزومه إذ لم نحرز كونه بناء العقلاء في غير البيع و نحوه كالنكاح مثلا على اللزوم حتى يعتبر اللزام بالشرط الضمني كما لا يخفى.

19

و لذا ذكر المصنف أن الأصل بهذا المعنى انما ينفع مع الشك في ثبوت خيار في خصوص البيع لان الخيار حق خارجي يحتاج ثبوته الى الدليل أما لو شك في عقد آخر من حيث اللزوم و الجواز فلا يقتضي ذلك الأصل لزومه.

ثم ذكر المصنف (ره) و من هنا ظهر أن ثبوت خيار المجلس في أوّل أزمنة انعقاد البيع لا ينافي كونه في حدّ ذاته مبيّنا على اللزوم لان الخيار حق خارجي قابل للانفكاك نعم لو كان في أول انعقاده محكوما شرعا بجواز الرجوع بحيث يكون حكما فيه لا حقا مجعولا قابلا للسقوط كان منافيا لبنائه على اللزوم.

و فيه أنه بعد ما تمّ بناء العقلاء على عدم جواز رجوع كل من المتبايعين على الآخر و صار بنائهم على صيرورة كل منهما أجنبيّا عن ما له بعد تمامية العقد فكما لا ينافي ذلك ثبوت خيار المجلس أو الحيوان في أوّل البيع لكونه تخصيصا للقاعدة الثانية ببناء العقلاء فكذلك لا ينافيه ثبوت الجواز الحكمي لعقد الهبة فإنّه أيضا يكون تخصيصا للقاعدة و لا يفرق في ذلك بين كون الجواز من الحقوق أو من الاحكام و انما يظهر الفرق بينهما من حيث إمكان الإسقاط و عدمه فان الجواز في الهبة لا ينفكّ عنها و لو أسقطه الواهب ألف مرّة فإنّه بعد ذلك أيضا بالخيار و هذا بخلاف الجواز الحقي فإنه يسقط بالإسقاط كما عرفته في أول البيع

و أما الأصل بمعنى الاستصحاب

فهو انما يتم إذا شك في لزوم عقد و جوازه بعد إحراز أنه تحقق لازما و ثبت اللزوم له و لو في ان قبل الشك فإنّه حينئذ لا بأس بالتمسّك للاستصحاب لإثبات اللزوم و أما إذا كان العقد حين التحقيق جائزا و لم يطرء عليه اللزوم بعده

20

ثمّ شككنا في جوازه و لزومه فحينئذ نستصحب الجواز فيثبت عكس المقصود.

على أن الاستصحاب انما يتم في الشبهات الموضوعية و امّا الشبهات الحكمية فقد حققنا في محله أنه لا يجرى فيها الاستصحاب لكونه مبتلا بالمعارضة دائما، و عليه فإذا شككنا في أن عقد السبق و الرّماية جائز أو لازم فلا يمكن إحراز اللزوم فيه بالاستصحاب كما هو واضح

قوله بقي الكلام في معنى قول العلامة في القواعد و التذكرة

أقول: اختلف الكلمات في بيان مراد العلامة (ره) حيث قال انه لا يخرج من هذا الأصل إلا بأمرين ثبوت خيار أو ظهور عيب مع ان العيب من أسباب الخيار فعن جامع المقاصد أنه من قبيل عطف الخاص على العام و هو كثير في كلمات الفصحاء و في الكتاب العزيز (و فيها فاكهة و نخل و رمان مع ان الفاكهة شاملة لما ذكر بعدها.

و فيه أنه انما يتم إذا ذكر في المعطوف عليه أسباب الخيار فان العيب منها دون نفس الخيار و هما متباينان لا أن المعطوف عليه أخص من المعطوف.

و وجّهه المصنف بتوجيه آخر و حاصله: أن العيب سبب مستقل لتزلزل العقد في مقابل الخيار، لان الخيار انما يتعلق بتمام العقد بحيث إذا اختار ذو الخيار الفسخ فينعدم العقد من أصله فيصير كأن لم يكن، و أما إذا ظهر نقص في أحد العوضين فان نفس ظهوره موجب لثبوت الأرش و ثبوت الخيار و لمالك العوض الناقص في استرداد جزء من الثمن أو المثمن فالعقد بالنسبة إلى الجزء الناقص متزلزل قابل لإبقائه في ملك المالك الأول و إبقائه فيه فهذا خيار متعلق

21

بالمجموع من حيث المجموع لا بالجميع.

و فيه أولا ما ذكره المصنف (ره) من أنه مبنى على كون الأرش جزء حقيقيا من الثمن كما عن بعض العامة ليتحقق انفساخ العقد بالنسبة إليه عند استرداده و قد صرّح العلامة في كتبه بأنه لا يعتبر في الأرش كونه جزء من الثمن بل له ابدا له لأن الأرش غرامة و ح فثبوت الأرش لا يوجب تزلزلا في العقد.

و ثانيا ما ذكره السيد (ره) في حاشية من أنه لا يعقل الفسخ بالنسبة إلى الجزء الا برد ما يقابله من العوض إذ مقتضى مقابلة المجموع بالمجموع كون بعض المبيع في مقابلة هذا الجزء من الثمن فإذا رجع الى المشتري يرجع ما يقابله إلى البائع فلا بد من التزام أن هذا الفسخ و الاسترداد ابطال و ازالة للعقد بتمامه و جعله واقعا على مجموع المبيع و ما بقي من الثمن و على هذا فالتزلزل انّما هو بالنسبة إلى الكل لا خصوص جزء الثمن.

و وجهه شيخنا الأستاد بوجه ثالث و حاصله أن ما ثبت ببناء العقلاء أو غيره من اللزوم انما ينحل إلى أمرين الأول انه ثبت بناء العقلاء مثلا على لزوم العقد بحيث ليس لكل واحد من المتعاملين أن يرجع الى الآخر بعد العقد بان يفسخ المعاملة و يرجع الى ماله.

الثاني أنه ثبت بناء العقلاء على عدم مجواز مطالبة كل من المتعاملين من الأخر زائدا عن حقه الذي جرى عليه العقد و لكن يخرج من الأصل الأول بالخيار و من الأصل الثاني بظهور العيب فإنه يوجب مطالبة الأرش فقول العلامة إنما يخرج من هذا الأصل بالخيار ناظرا الى الأصل الأول و قوله أو بظهور العيب ناظر الى الأصل الثاني و هذا الذي ذكره شيخنا الأستاد توجيه وجيه لا بأس به.

22

قوله فمنها قوله تعالى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ

أقول

قد استدل المصنف على اللزوم بوجوه

منها قوله تعالى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ

فذكر أن الآية دلت على وجوب الوفاء بكل عقد و ادعى ان المراد بالعقد مطلق العهد كما فسّر به في صحيحة ابن سنان المروية في تفسير على بن إبراهيم أو المراد منه ما يسمّى عقدا لغة و المراد بالوفاء بالعقد هو العمل بمقتضاه و الجري العملي على طبقه نظير الوفاء بالنذر فإذا باع احد ماله من شخص فبمقتضى الآية وجب العمل بما يقتضيه التمليك من ترتيب آثار الملكيّة عليه و عدم جواز التصرف فيه و يحرم العمل بجميع ما يكون نقضا للعقد

و منها التصرّفات بعد الفسخ

فحرمة التصرف لازم مساو للزوم العقد و عدم انفساخه بمجرّد فسخ احد المتعاملين فيستدل بالحكم التكليفي أعني حرمة التصرف في المبيع على الحكم الوضعي أعني عدم نفوذ الفسخ و تأثره في العقد فيكون العقد باقيا بعد الفسخ أيضا في كل زمان و لا ينعدم بأي زماني و قد تحقق في الأصول ان الحكم الوضعي منتزع من الحكم التكليفي على مذهبه.

و أشكل عليه بأن وجوب الوفاء فرع وجود العقد و بعد الفسخ نشك في بقائه فلا يتم الا بالاستصحاب الى أن قال نعم لو كان الموضوع صدور العقد و لو لم يكن باقيا كان كما ذكر لكنه مقطوع العدم إذ مع فرض زوال العقد لا يجب الوفاء قطعا.

و فيه أن موضوع وجوب الوفاء إلى الأبد انما هو العقد حدوثا فإنه به مجرّد حدوثه يثبت له وجوب الوفاء إلى الأبد فيكون العقد حدوثا موضوعا لوجوب الوفاء المستمر بقاء فلا يكون مشكوكا في نفسه لكونه مقطوعا في ظرفه فيتمسك بالإطلاق بعد الفسخ أيضا فإن مقتضى ما ذكره المصنف

23

من جرى العمل على طبق ذلك العقد الحادث لا يؤثر الفسخ في شيء و لا يوجب كون العقد مشكوكا حتى تصل النوبة إلى الاستصحاب من جهة الشك في بقاء الموضوع و عدمه.

نعم الملكية تكون مشكوكة بعد الفسخ و لكنها أجنبية عما ذكرناه و دعوا أن العقد بعد الفسخ يكون مشكوكا في نفسه فلا يكون العقد محرزا حتى نتمسّك بالإطلاق واضح الدفع بما ذكرناه و يدفع ما ذكرناه بملاحظة الوقف و نحوه من كون العقد حدوثا موضوعا لوجوب الوفاء بقاء و على الإجمال أن العقد حدوثا يكون موضوعا لوجوب الوفاء بقاء و هو ليس بمشكوك أصلا حتى لا يفيد التمسك بالإطلاق و يلتجأ الى الاستصحاب بل هو مقطوع بعد الفسخ و قبله نعم بعد تحقيق الفسخ تكون الملكية مشكوكة و لكنها لا ترتبط لما نحن فيه و على هذا فكلما نشك في ارتفاع ذلك اى وجوب الجري على طبق العقد السابق فيتمسك بالإطلاق فكلام المصنف سليم عن هذا الاشكال.

نعم يرد على ما ذكره المصنف وجهان: الأول أن حرمة التصرف انما هي من الأحكام الشرعية المترتبة على الملكيّة فلا ربط لها بالعقد الذي هو عبارة عن الالتزام النفساني فلا دلالة في الآية بناء على ما ذكره المصنف على لزوم العقد.

و توضيح ذلك أن الالتزام على شيء قد يكون متعلّقا بالأمور الخارجية كالنذر و العهد بأن يتعهد بالالتزام النذري أو العهدي على فعل شيء في الخارج أو على تركه فيه و قد يكون متعلقا بأمر اعتباري نفساني أما الأول فيكون نقضه بالفعل الخارجي لكونه التزاما خارجيا بأن يترك ما التزام بفعله أو يفعل ما التزم بتركه و على هذا

24

فيكون التصرّف الخارجي نقضا للالتزام و العقد فتدل حرمة التصرّف على حرمة الفسخ كما ذكره المصنف.

و أما الثاني فرفعه بنقضه في عالم الاعتبار و رفع المعاقدة النفسانية فلا ربط له بالتصرّف الخارجي حتى لو التزم بشيء و تعاهد عليه في عالم الاعتبار و أوجد المعاقدة الاعتبارية في ذهنه و مع ذلك التزم و بنا على التصرّف الخارجي و عدم ترتب الحكم عليه فلا يكون ذلك مخلا بالتزامه العقد أصلا، مثلا لو باع داره من زيد و بنى أن يأخذها منه بعد الإقباض أو تزوج امرأة و بنى أن لا يعطى لها نفقتها فإن بنائه هذا لا يضرّ بالالتزام العقدي بوجه و عليه فالآية الشريفة ناظرة إلى الوفاء بالمعاقدة الاعتبارية التي نقضها برفع تلك الاعتبار النفساني لا بالتّصرّف الخارجي فلا تدل الآية على حرمة التّصرّف أصلا حتّى لو لم يكن دليل على حرمة التصرّف في مال غيره لم يظهر ذلك من الآية و لجاز أن يبيع أحد أمواله ثمّ يتصرّف فيها تصرفا خارجيّا و هذا واضح جدا.

و ثانيا لو سلمنا كون التصرف نقضا للعقد فلما ذا يحرم التصرّف بعد ذلك التّصرّف الأولى فإن لازمة جواز التصرّف الثاني و الوجه فيه هو الموجود في مقام البيع و النكاح و الإجارة و غيرها من العقود هو الأمر الوجداني المستمر فإذا انقطع ذلك في آن فيرتفع العقد بارتفاع الاستمرار و بعده لا يبقى موضوع لوجوب الوفاء أصلا.

نعم لو كان هنا أمور متعددة و التزامات و عقود متكثرة حسب تعدد الآنات و الساعات و الأيام كان هنا أيضا وجوب متعدد منحل إلى الأزمنة المتعددة فلا يكون عدم الوفاء بواحد موجبا لرفع الحكم

25

عن الآخر و لكنه بديهي البطلان فان ما نحن فيه نظير النذر أو العهد أو اليمين على القعود في مكان من أول الصبح الى المغرب فإذا تخلف أنا واحدا و لم يجلس فيه فيرتفع وجوب النذر و لا يجب بعده- الجلوس في ذلك المكان و يترتب عليه حكم مخالفة النذر و العهد و اليمين.

و ليس المقام من قبيل النذر على إيجاد أمور عديدة بحيث لا يستلزم الخلف في واحد الخلف في الآخر كأن ينذر أن يزور الحسين (عليه السلام) في كل ليلة الجمعة و لكن تخلف و لم يزر ليلة واحدة فإنه لا يوجب الحنث في الليالي الأخر أيضا بل النذر في مثل هذا ينحل الى نذور متعددة و يترتب على كل واحد منها حكمه.

و التحقيق هو ما ذكرناه في بحث المعاطاة من أن الوفاء عبارة عن انتهاء الشيء و إتمامه و منه الدّرهم الوافي أي التمام فالمراد من الأمر بالوفاء عبارة عن الأمر بالتمام العقد الذي عبارة عن المعاقدة و المعاهدة فتدلّ الآية على وجوب إتمام العقد و عدم جواز فسخه و لكن حيث أنّه ليس الفسخ من المحرّمات قطعا فان رفع الالتزام النفساني و الاعتبار النفسي و عدم الوقوف على الالتزام الاولىّ ليس من المحرّمات قطعا الا بعنوان التشريع و النسبة إلى الشارع فيكون الأمر للإرشاد الى عدم تأثير الفسخ في رفع الالتزام نظير عدم صحة الصلاة عن الحائض و كون الأمر بتركها إرشادا الى ذلك فتدل الآية بالمطابقة على اللزوم.

و بعبارة أخرى الظهور الأولى للأمر هو الوجوب المولوي كما حقق في محلّه و لكن نرفع اليد عنه بالقرائن الخارجية و يحمل على

26

الإرشاد و في المقام أن الأمر بالوفاء على العقد و أن كان ظاهرا في المولوية في نفسه و لكن بما أن الفسخ المتعلق به ليس من المحرّمات بحيث يحرم لأحد المتعاملين ان يفسخ التزامه و ينقضه و لا ينهاه الى الآخر فيكشف من ذلك عدم كونه ظاهرا في الوجوب المولوي و يحمل على الإرشاد فتكون الآية ابتداء دالة على اللزوم بالمطابقة و ان العقد لا ينقض و ينفسخ بالنقض و الفسخ فلا نحتاج في استفادة اللزوم الى الالتجاء بكون الحكم الوضعي منتزعا من الحكم التكليفي كما صنعه المصنف على أنه لا يمكن المساعدة عليه في نفسه كما حققناه في علم الأصول و قلنا أن الاحكام الوضعية بنفسها مجعولة للشارع.

و قد أشكل على الاستدلال بآية أَوْفُوا بِالْعُقُودِ على اللزوم بناء على ما ذكرناه من دلالتها على اللزوم بالمطابقة بأن مبنى الاستدلال بهذه الآية على اللزوم هو أن الأمر في الآية انما هو إرشاد إلى اللزوم لان رفع العقد و فسخه و هدم كل من المتبايعين التزامه بدون رضا الآخر ليس حراما في الشريعة غاية الأمر أنه لا يؤثر في رفع العقد و لا يوجب نقضه و رفعه إلا مع رضا الآخر ليكون اقالة فيكون الأمر بهذه القرينة إرشادا الى أن العقد لا ينحل و لا ينفسخ بالفسخ و لا ينقض بالنقض فتدل الآية بالمطابقة على اللزوم.

و أشكل عليه بأن الأمر في المقام يدور بين رفع اليد عن ظهور الأمر في المولوية و حمله على الإرشاد كما ذكرتم و بين رفع اليد عن ظهور أَوْفُوا بِالْعُقُودِ في جميع العقود حتى الالتزامات الخارجية من النذر و العهد و غيرهما و الالتزامات النفسية كالعقود من البيع و نحوه فتخصيصها بالالتزامية الخارجية فقط حتى لا يقال أن الفسخ ليس

27

من المحرمات بل تختص الحكم بالوفاء في الآية بالنذر و العهد و نحو هما من الالتزامات الخارجية فلا مرجع لرفع اليد عن ظهور الأمر في المولوية و حمله على الإرشاد دون الثاني فتكون الآية مجملة فلا يمكن الاستدلال بها على اللزوم. و فيه أن هذا الدوران ممنوع جدا فان معنى رفع اليد عن ظهور الأمر و حمله على الإرشاد ليس هو ذلك بل معناه انا نرفع اليد عن ظهور الأمر في الوجوب التكليفي و نحمله على الإرشاد و هذا لا ينافي المولوية فالأمر على كل حال باق على مولويته سواء حملناه على الإرشاد به أم لا و لكن بمقتضى القرينة المتقدمة نحمله على- الإرشادي المولوي و الوجه في ذلك هو أن المعنى الإرشادي غير ما ذكروه من حمل الأمر على الإرشاد مقابل المولوي فإنه إرشاد إلى حكم العقل كما في أطيعوا اللّه و أطيعوا الرسول فإنه في موارد حكم العقل لا مجال للمولوية فلا بدّ من حمل الأوامر الواردة في تلك المقامات على الإرشادية و كونها إرشادا إلى حكم العقل فقط و هذا بخلاف حمل الأمر على الإرشاد مقابل الوجوب و التكليف فإنه مع كون الأمر إرشاديا فهو باق على مولويته أيضا فإن إمضاء العقد و جعله لازما بحيث لم ينفسخ بالفسخ هذا أيضا حكم مولوي و ثابت بجعل الشارع كما أن الأمر بالوضوء عقيب الأحداث الناقضة للوضوء إرشاد إلى بطلان الوضوء بها و الأوامر و النواهي المتعلقة بأجزاء الصلاة إرشاده إلى المانعية أو الجزئية و مع ذلك كلها أحكام مولوية فإن أجزاء الصّلوة و موانعها كلها مجعولة للشارع فالأمر بها مولوي محض غاية الأمر ليس تكليفيّا و على هذا فإذا حملنا الأمر بالوفاء بالعقود على الإرشاد فلا يكون رفعا لليد عن ظهور الأمر في المولوية بل رفع اليد عن ظهوره

28

في الوجوب.

و على هذا فتدل الآية على لزوم الوفاء بكل عقد حتى العقود و الالتزامات الخارجية و ليس دائرا بين رفع اليد عن ظهور الأمر في المولوية أو عن ظهور المعقود في الأعم من الالتزامات النفسية و الالتزامات الخارجية بل أريد من الأمر المولوية و هو عبارة عن إظهار ما في النفس من اعتبار الفعل على ذمة المكلف سواء كان على سبيل التكليف أو لا فهذا المعنى يختلف بحسب الموارد ففي مورد يكون إمضاء محضا فقط كما في البيع و نحوه فإنّه إمضاء لما عقده المتعاملان بعنوان المولوية و في العهد و النذر على نحو التكليف و على هذا فمعنى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أي أوفوا بجميع عهودكم و عقودكم و التزاماتكم النفسية و الخارجية فيشمل ذلك عهد اللّه على العباد الذي عهد عليهم في عالم الذر بقوله جل و على أَ لَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يٰا بَنِي آدَمَ أَنْ لٰا تَعْبُدُوا الشَّيْطٰانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ.

و أيضا يشمل عهد العباد على اللّه تعالى كالنذر و العهد و اليمين و يشمل عهد العباد بعضهم بعضا كما في موارد العقود.

و على الاجمال فالآية وافية الدلالة على اللزوم دلالة مطابقية كما عرفت.

قوله و من ذلك يظهر لك الوجه في دلالة قوله تعالى أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ على اللزوم.

أقول حاصل كلامه أن المراد من حلية البيع هو حلية جميع التصرفات التي تترتب على البيع و يجوز لكل من المتبايعين أن يتصرّف فيما انتقل اليه جوازا تكليفيا مطلقا فهو يشمل ما بعد الفسخ أيضا

29

فيدل على عدم تأثير الفسخ في العقد و كونه لغوا و الا لكان التصرف بعد الفسخ تصرّفا محرما لكونه في مال الغير فهذا المعنى يستلزم اللزوم فتدل الآية على أن الأصل في العقود هو اللزوم بالالتزام و قد حقق في محلّه أن الدلالات الالتزامية حجّة في باب الألفاظ و منه يظهر وجه الاستدلال على اللزوم بإطلاق حلية أكل المال بالتجارة عن تراض فإنه يدل على أن التجارة سبب لحلية التصرّف بقول مطلق حتى بعد الفسخ فتدل هذه الآية أيضا على أصالة اللزوم بالالتزام فان لازم جواز التصرف حتى بعد فسخ أحد المتعاملين هو لزوم العقد و عدم انحلاله بالفسخ و الا لكان التصرف بعد الفسخ حراما كما لا يخفى.

و قد أشكل المصنف (ره) على الاستدلال بالآيتين على أصالة اللزوم و أوضحه شيخنا الأستاذ و حاصله أن التمسك بالإطلاق إنما يفيد إذا كان الشك في قيود الموضوع و حالته و أنحائه مثلا إذا قال المولى جئني بالماء فتمسك بإطلاق كلامه بالنسبة إلى حالات الماء و نحكم بجواز إتيان أيّ ماء بحيث صدق عليه الماء كما يمكن أن يكون الحكم بالنسبة إلى حالات الموضوع مقيدا أيضا فالمقصود أن الإطلاق و التقييد في الحكم انما هو بالنسبة إلى حالات الموضوع فقط.

و أما بالنسبة إلى حالات الحكم أو رافعه فلا يمكن أن يكون الحكم مطلقا أو مقيدا كما أن الاحكام الثابتة على الأشياء بعناوينها الأولية لا إطلاق لها بالنسبة إلى العناوين الثانوية.

و السر في ذلك أن المحكوم عليه ليس ناظرا الى نفسه فضلا عن أن يكون مطلقا بالنسبة إلى حاكمه.

30

و في المقام إذا كان الفسخ مؤثرا فإنّما هو يؤثر في رفع نفس الحلية و عليه فلا إطلاق في الحلية إلى رافعها فان الحكم ليس له إطلاق إلى حالات نفسه فضلا عن أن يكون له إطلاق إلى رافعه و حينئذ فلا يمكن التمسك بالآيتين لإثبات أصالة اللزوم و عدم تأثير الفسخ في رفعه نعم لا بأس بجريان الاستصحاب في صورة الشك ثمّ وجه شيخنا الأستاذ جهة تخصيص المصنف هذا الاشكال بالآيتين و عدم جريانه في الآية السابقة عليهما أي آية أوفوا.

و حاصله أن موضوع وجوب الوفاء كما ذكرناه هو المعنى المصدري من العقد الذي يعبر عنه في لغة الفرس بلفظ (گره زدن) دون الاسم المصدري أعني العقدة الحاصلة من المعنى المصدري الذي يعبر عنه في لغة الفارس بلفظ (گره) فإذا تحقق الفسخ فلا يكون مانعا عن التمسك بالإطلاق فنتمسك بإطلاق أوفوا و نحكم بعدم تأثيره في رفع العقد فإنه لا يكون ما هو موضوع وجوب الوفاء أعنى العقد بمعنى المصدري مشكوكا بالفسخ كما تقدم و انما يكون المشكوك هو العقدة أي العقد بمعنى الاسم المصدري فيجوز التمسك بالإطلاق كما لا يخفى.

أقول الظاهر أنه لا يتم الاستدلال بالآيتين على أصالة اللزوم و على تقدير تماميته لا يرد عليه الاشكال المذكور و على تقدير وروده فلا فارق بين الآيتين و بين آية أَوْفُوا بِالْعُقُودِ.

قلنا في المقام ثلاث دعاوي الدعوى الاولى أنه لا يتم الاستدلال بالآيتين على أصالة اللزوم و الوجه في ذلك هو أن المراد من الحلية إما الحلية الوضعية أو الحلية التكليفية أو الأعم منهما و على كل حال لا دلالة في الآية على أصالة اللزوم بوجه.

31

أما إذا كان المراد من الحلية هي الوضعية فلان معنى ذلك ليس الا نفوذ البيع في مقابل استناد الحرمة و عدم النفوذ الى الربا فلا تعرض فيها لارتفاعه أو عدم ارتفاعه بالفسخ أصلا كما أن قوله تعالى وَ حَرَّمَ الرِّبٰا لا يدل على أزيد من حرمة المعاملة الربوية فبقرينة المقابلة تكون الحلية واردة على أصل البيع من حيث الحدوث أى أن البيع جائز و نافذ في الشريعة المقدسة و ليس مثل الربا كما زعمه أهل الجاهلية فلا دلالة فيها إلى حلية التّصرّفات المرتبة على البيع.

و على الاجمال ليست الآية متعرضة لبقاء البيع و عدم بقائه بعد التحقق و أن الفسخ يؤثر فيه أم لا و انما هي ناظرة إلى أصل ثبوت البيع و نفوذه في الشريعة المقدسة.

و أما إذا كان المراد من الحلية هي الحلية التكليفية فلان الآية أيضا ناظرة إلى استناد الجواز و الإباحة إلى البيع و كونه غير محرم في الشريعة بقرينة مقابلة بحرمة الربا فان غرضه تعالى استناد الحرمة فقط الى الربا و بيان كونه حراما في الشريعة كشرب الخمر بل بعاقب كاتبه و شاهده و البائع و المشتري فليست الآية ناظرة إلى جواز التصرف أصلا أي التصرفات المترتبة على البيع بل ناظرة إلى حلية نفس البيع كما أن قوله تعالى وَ حَرَّمَ الرِّبٰا ناظر إلى حرمة نفسي فإنه من المحرمات الشرعية حتى يقتل منكر حرمته و تبان زوجته و تقسم أمواله و ليس البيع و الربوي مثل بيع الغرري أو بيع أو ما ليس عندك أو بيع ما لا يقدر على تسليمه و غير ذلك من البيوع الفاسدة فإنها فاسدة فقط و ليس بحرام تكليفا الا بالتشريع فلو باع احد بالبيع الفاسد لا يكون فاسقا بخلاف البيع الربوي و مقابل هذا اى البيع

32

الربوي الحرام تكليفا هو البيع الحلال الذي رخص فيه الشارع تكليفا و أما التصرفات المترتبة عليه فاجنبية عنه فلا دلالة في آية حلية البيع على اللزوم.

و من هنا ظهر الحال لو أريد من الحلية الحلية الوضعية و التكليفية معا كما لا يبعد ان يكون هو المراد من الآية فان معنى الحلّ في اللغة هو الإطلاق و يعبر عنه في الفارسية بكلمة (گرده زدن و باز نمودن) و هو أعم من الحلية الوضعية و التكليفية لأنه لم يكن استعمال الحلية تارة في الوضعية و أخرى في التكليفية مرسوما في اللغة و زمان النبي (ص) و الأئمة (عليهم السلام) و انما هو اصطلاح جديد في السنة الفقهاء (رضوان اللّه عليهم) فلا يلزم من استعمال كلمة الحل فيهما استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحده.

و على الجملة فالحلية عبارة عن الإطلاق فهو يختلف بحسب المصداق لأنه تارة تكون وضعية بمعنى نفوذ المعاملة و أخرى تكليفية بمعنى الجواز و عدم المنع عنه شرعا.

و على كل حال فالآية ناظرة و الى ثبوتها للبيع و كونه حلالا في الشريعة المقدسة وضعا و تكليفا و أما انه لا يرفع بالفسخ أو يرفع به فالآية أجنبية عن ذلك بالمرة فتحصل أن الآية لا تعرض فيها عن حلية التصرفات المترتبة على البيع فضلا عن استفادة اللزوم من ذلك بالالتزام.

و من هنا ظهر الحال في قوله تعالى إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ بل الأمر فيه أوضح فإن المراد من قوله تعالى في المستثنى منه لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ ليس هو الأكل بمعنى الازدراد لأنه

33

إنما أضيف إلى الأموال و من الواضح أن المأكولات بالنسبة إلى غيرها كقطرة من البحر فبمناسبة الحكم و الموضوع فلا بدّ و أن يراد منه التملك بأخذ الأكل كناية عنه كما هو المستعمل في ذلك كثيرا حتى في العرف الحاضر و قد استعمل الأكل بمعنى التملك في الكتاب الكريم في غير هذا المورد أيضا كقوله تعالى وَ تُدْلُوا بِهٰا إِلَى الْحُكّٰامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوٰالِ النّٰاسِ بِالْإِثْمِ.

و على هذا فمعنى الآية أن تملك أموال الناس بأي سبب من الأسباب حرام و غير جائز شرعا الا ان يكون التملك بسبب و هو التجارة عن تراض فإنه جائز و حلال في الآية ناظرة إلى أصل جواز التملك و أما التصرّفات المترتبة على التملك فخارجة عن حدود الآية بالكلية فضلا عن دلالتها على أصالة اللزوم.

و الحاصل أنه استدل المصنف بأية حلّ البيع على لزوم العقد بدعوى أنها تدل بالمطابقة على حلية مطلق التّصرّفات حتى التّصرّفات الواقعة بعد الفسخ و من الواضح أنه لو كان الفسخ مؤثرا في حلّ العقد و إعدامه لكانت التصرفات الواقعة بعد الفسخ محرّمة فتدل الآية بالملازمة على لزوم البيع و عدم انفساخه بالفسخ و بهذا يظهر دلالة آية النجارة عن تراض اعنى قطعة المستثنى فإنها تدل بالمطابقة على حلية الأكل بالتجارة عن تراض مطلقا.

و بعبارة اخرى انها ظاهرة في أن التجارة عن تراض سبب لحلية التصرف بقول مطلق حتى بعد الفسخ من أحدهما من دون رضى الآخر. ثمّ أشكل على الآيتين بان الفسخ رافع للحلية فلا يكون الحكم شاملا بإطلاقه لرفع نفسه و أوضحه شيخنا الأستاذ بأن

34

الحكم انما له إطلاق بالنسبة إلى حالات الموضوع و قيوداته و اما حالات نفس الحكم فضلا عن رافعه فلا إطلاق له بالنسبة إليها فإنه لا يعقل أن يؤخذ الحكم مطلقا بالنسبة الى حالة نفسه و روافعه ثم فرق بين هاتين الآيتين و بين آية أوفوا بدعوى أن موضوع الوفاء في آية أوفوا هو العقد بمعنى المصدري فهو قطعي الوقوع فلا يكون مشكوكا بالفسخ و انما المشكوك بعد تحقق الفسخ هو العقد بمعنى الاسم المصدري فتدل الآية على حلية التصرفات المترتبة على العقد بمعنى المصدري مطلقا حتى بعد الفسخ كما هو مبنى استدلال المصنف فشك في رافعية الفسخ العقدة لئلا يجوز التصرّفات بعد الفسخ فنتمسك بإطلاق الآية و نحكم بعدم تأثير الفسخ بوجه فليس الفسخ رافعا لنفس الحلية حتى لا يمكن التمسك بإطلاق فتدل الآية على اللزوم بالالتزام كما هو واضح و هذا بخلاف الآيتين كما عرفت الحال فيهما.

و لكن قلنا أنه لا يمكن التمسك بالآيتين على إثبات اللزوم في العقود و على تقدير تمامية الاستدلال بهما على اللزوم فلا يرد عليه ما أورده المصنف و لو تم الاشكال فهو مشترك المورود للآيتين و آية أَوْفُوا بِالْعُقُودِ كما ذكره السيد و لكن ببيان آخر و لنا في المقام ثلث دعاوي الاولى في عدم صحة الاستدلال بالآيتين على أصالة اللزوم فنقول ان المراد من الحلية إما وضعية أو تكليفية أو الأعم منهما و على كل حال لا دلالة في الآيتين على المقصود أما إذا كان المراد منها الحلية الوضعية فلان معناه نفوذ البيع و صحته في الشريعة الإسلامية و قد تدل آية حل البيع على كونها مستندة الى البيع فلا دلالة فيها على أزيد من استناد الحلية الوضعية إلى البيع و تدل على ذلك مقابلته

35

باستناد الحرمة إلى الرّبا فان معنى حرمة الرّبا بناء على أخذ الحرمة أيضا وضعية بقرينة المقابلة هو عدم نفوذ الرّبا و أنه فاسد في الشريعة من غير تعرض إلى حرمة التصرفات و على الإجمال فالآية ناظرة إلى استناد الحلية إلى البيع و استناد الحرمة إلى الربا فقط فلا دلالة فيها على حلية التصرّفات المترتبة على العقد حتى بعد الفسخ ليستفاد منه اللزوم فان مقابلة حلية البيع مع حرمة الرّبا تقتضي استنادهما إليها فقط فان الغرض من قوله تعالى وَ حَرَّمَ الرِّبٰا هو ذلك فيكون هذا قرينة لا يراد من حلية البيع أيضا هذا المعنى.

و أما إذا كان المراد من الحلية هي التكليفية فالآية ناظرة أيضا الى استناد الحلية التكليفية فقط الى البيع بقرينة مقابلته مع حرمة الرّبا فإنها ناظرة إلى استناد الحرمة التكليفية فقط الى الرّبا و امّا جواز التصرّفات المترتبة على العقد حتى بعد التصرف فلا يستفاد من الآية لخروجها عن مفادها بالكلية فيكون الغرض إثبات إباحة البيع في الشريعة المقدسة حتى البيع الفاسد لعدم كونه حراما كما ان حرمة الربا ناظرة إلى إثبات حرمته في الشريعة و هكذا الكلام إذا كان المراد من الحلية أعم من الوضعية و التكليفية كما هو الظاهر بحسب لحاظ المعنى اللغوي كما عرفت.

و من هنا ظهر الجواب عن الاستدلال باية التجارة عن تراض أيضا فإنها جملة استثنيت عن حرمة أكل المال بالباطل و من الواضح أن المراد من حرمة الأكل بالباطل انما هو حرمة التملك كما هو المستعمل بهذا المعنى في القرآن و في محاورة اليوم فيقال ان فلانا أكل دار فلان مثلا.

36

فتكون الآية ناظرة الى عدم جواز تملك مال الغير بغير التجارة عن تراض أو عدم نفوذه و أما حرمة التصرفات أو جوازها المترتبة على الأكل بالباطل أو التجارة عن تراض فخارجة عن الآية.

و بعبارة اخرى أن الآيتين ناظرتان الى حكم البيع و التملك من حيث الوضع أو التكليف حدوثا فقط لا بقاء حتى يتمسك بالإطلاق حتى لو لم يكن عندنا ما دل على حرمة التصرف في مال الغير لقلنا بحرمة التملك بهذه الآية و بجواز التصرف بالأصل و كان لأحد أن يبيع ماله ثمّ لا يسلمه بل يتصرف فيه كيف يشاء فإن الآية لا تدل على ذلك كما ذكره السيّد (ره) أيضا فراجع.

و أما الإشكال الذي ذكره المصنف و قربه و أوضحه شيخنا الأستاذ فلا يرد عليها بوجه و ذلك فلانه و ان لم يكن للحكم إطلاق بالنسبة إلى حالات نفسه و رافعه فإنه حكم مسلم و قاعدة مبرمة فان ملاحظة الإطلاق فرع ورود الحكم على الشيء فلا يعقل أن يلحظ الإطلاق أو التقييد إلا بالنسبة إلى موضوع الحكم أو متعلقة كما هو واضح.

و لكن المقام ليس كك فان رافع الحلية ليس من حالات الحكم و توضيح ذلك أنا ذكرنا في محله مرارا أن الإطلاق ليس الا ما يمكن للمتكلّم أن يصرح به كما أن التقييد كك مثلا إذا قال المولى أعتق رقبة فمعناه أعتق رقبة سواء كانت مؤمنة أم غير مؤمنة كما أن معنى أعتق رقبة مؤمنة معناه أعتق رقبة ان كانت مؤمنة فما للمولى أن يصرح به من الإطلاق و التقييد يطويه في كلامه على سبيل الإطلاق أو التقييد ففي المقام له أن يأخذ الحلية مطلقة بالنسبة إلى رافعها و يقول أحل اللّه البيع سواء فسخ أحد المتبايعين أم لا و له أن يصرح بالتقييد

37

و يقول أحل اللّه البيع ان لم يفسخ أحدهما و لكن لم يصرح بالإطلاق و انما سكت عنه و لكن اكتفى منه بعدم التقييد فبمقدمات الحكمة نستفيد الإطلاق و نحكم بحلية البيع و التصرّفات المترتبة عليه حتى بعد الفسخ.

و السّر في ذلك أن للجاعل أن يأخذ حكمه مطلقا أو مقيدا بالنسبة إلى رفع شخص آخر لذلك الحكم فيقول أمضيت البيع أن لم يرفعه فلان أو أمضيته سواء رفعه فلان أم لا أو يقول أكرم العلماء ان رضى فلان أو يقول أكرمهم سواء رضى فلان أم لا فرفع شخص آخر الحكم ليس من قبيل حالات الحكم حتى لا يمكن تكفل الحكم بالطلاقة شموله لما بعد تحقق الرفع كما هو واضح.

و على تقدير ورود الاشكال على الآيتين فلا تختص الاشكال بهما بل يجري في آية أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أيضا فإنه بناء على مسلك المصنف انها تدل على حلية التصرّفات المترتبة على العقد على وجه الإطلاق حتى بعد التصرّف و من الواضح أن الفسخ رافع لها فكيف يؤخذ الحكم مطلقا بالنسبة إلى رافعه فالمقصود أن ميزان الاستدلال بالآيات الثلثة واحدة عند المصنف فما ذكره من الإشكال أيضا مشترك الورود بالنسبة إليها.

و قد عرفت دلالة آية الوفاء على اللزوم بالمطابقة و عرفت أيضا عدم دلالة آية أحل الله البيع عليه و قلنا أن الآية ناظرة إلى استناد الحلية إلى البيع و انها مستندة إليه في الشريعة سواء كانت وضعية أو تكليفية أو كليهما بقرينة قوله تعالى وَ حَرَّمَ الرِّبٰا فإنه ناظر الى استناد الحرمة إلى الرّبا و أما حلية التصرّفات فضلا عن كونها مطلقة

38

حتى بعد الفسخ فليست الآية متعرضة لها بوجه كما لا يخفى.

و كذلك قوله تعالى تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ فإنه ناظر الى جواز التملك بالتجارة عن تراض لكونه استثناء عن حرمة أكل المال بالباطل و هو التملك بالباطل فليس فيه أيضا التعرض بحلية التصرّف بوجه و ان كان التملك يترتب عليه جواز التصرّفات و لكنه بدليل آخر و ليس مستفادا من الآية كما لا يخفى فافهم.

نعم قد الاستدلال بالآيتين بوجه آخر و حاصله أن معنى الخيار في البيع و نحوه هو كون التمليك مقيّدا بجهة خاصة لا من حيث الأمد و المدّة بأن يكون الى زمان خاص بل من حيث خاص و هو أن ذي الخيار مالك لإرجاع العين بحلّ العقد و فسخه فإذا باع شيئا مع الخيار فمعناه انّه مالك لإرجاعه الى ملكه ثانيا و هذا بخلاف ما لم يكن له الخيار فإنّه يملك ماله من المشتري على نحو الإطلاق و غير مقيّد بجهة خاصة و هذا القيد الذي نسميه خيارا لا يجعل الملك مقيدا كما عرفت بأن يكون التمليك الى وقت و لا أنه يقوم بالملكيّة فإنّه باق على حاله مع التّلف أيضا فلو كان قائما بالملكّية لما بقي بعد تلف العين مع انّه غير باق كما قلنا فإن لذي الخيار أيضا إعمال خياره بعد تلف العين و يترتّب عليه حكمه بل متعلقة هو العقد فقط ليس الّا.

و لا ينافي هذا الخيار بالملكّية الأبدية أصلا فإن شأنه شأن رافع العقود و الإيقاعات فكما أن إطلاق رافع للنكاح و الإقالة رافع للعقد فكك الخيار فمالكية ذي الخيار على رفع العقد و إرجاع المبيع على ملكه ليس تناقضا بوجه و ليس معنى بعت مع الخيار أن الملكيّة

39

باقية بعد اعمال الخيار فلو كان معنى جعل الخيار و القدرة و المالكية على إرجاع المال إلى الحالة الأوليّة هو أن الملكية باقية بعد اعمال الخيار أيضا لكان هذا تناقضا فتحصّل ان مرجع جعل الخيار هو إبقاء المالكية على ذي الخيار فيما انتقل عنه في جهة خاصة و هي إرجاع العين الى ملكه ثانيا و ثبوت القدرة له على رفع العقد و هدمه كما أن الطلاق أو الإقالة يرفع العقد.

و على هذا فقوله تعالى أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ هو جعل البيع ثابتا في محله فانّ معنى أحلّ هو إقرار الشيء في محلّه أحلّه اى أمره في محلّه و كونه ممضى في نظرا الشّارع و أن المتبايعين في حل في ذلك و مرخصون في فعله و إيجاده و ليس لهم منع عن ذلك و ليس البيع ممنوعا عنه في نظره و خارجا عن مقره في نظر الشّارع بل واقع في محلّه و مقرّه فان الشّارع أحله و أقره في مقرّه.

و لا شبهة أن هذا الكلام من الشّارع المقدّس إمضاء لما أنشأه المتبايعين و من الواضح أن المنشأ في البيوع المطلقة أي فيما باع المالك ماله مطلقا و يبقى لنفسه جهة خاصة هو مطلق التمليك الغير المقيد بشيء خاصّ و هو إبقاء المالكية لنفسه في جهة خاصة فإمضاء هذا يكون إمضاء مطلقا فلو كان الإمضاء مقيدا لحصل التناقض ح فقوله تعالى أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ هو إقراره في مقره و محلّه و الموضوع في مقره هو هذا العقد المطلق بحيث ليس للمالك السابق فيه مالكية على جهة خاصة كما لا يخفى و هكذا تجارة عن تراض فتدل الآيتين على اللزوم بهذا البيان.

قوله و منها قوله تعالى وَ لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ

أقول

40

حاصل كلامه أن الآية دلّت على حرمة الأكل و التّملّك بكل وجه باطل عرفا الا موارد ترخيص الشّارع فإنّه ليس باطلا عرفا و من الواضح جدا ان أخذ مال الغير و تملّكه بالفسخ من دون اذن صاحبه باطل عرفا و فيه منع الكبرى فإنّه من أين علم أن المراد من الباطل هو الباطل العرفي و من أخبر بذلك بل الباطل هو مقابل الحق فما سوى اللّه باطل في مقابل الحقّ جلّ و علا و من هنا قيل أن أصدق شعر صدر في الجاهلية هو قول الشاعر (ألا كل شيء ما خلا اللّه باطل) و البيع حق و مقابله الرّبا باطل و هكذا فالمقصود أن الألفاظ موضوعة للمعاني الواقعية و المفاهيم العامّة فلا وجه لتخصيصه بجهة خاصّة بل ينطبق ذلك الكلّى على المصاديق و كذلك الباطل فإنّه موضوع لمقابل الحقّ و هذا يختلف باختلاف الموارد فلا وجه لتخصيصه بالباطل العرفي و عليه فالتمسّك به لكون الفسخ من الباطل من قبيل التّمسّك بالعام في الشّبهة المصداقية و أيضا نمنع الصغرى فإنّه من أين علم أن الفسخ باطل عرفي بل نشك في ذلك فلا يمكن التمسّك بالمطلق في الفرد المشكوك و إثبات كونه فردا للمطلق.

نعم يمكن التمسّك بالآية لإثبات اللزوم بمجموع المستثنى و المستثنى منه فإن الآية الشّريفة في مقام حصر التملّك الشرعي بالتّجارة عن تراض و من الواضح جدا أن التملك بالفسخ مع عدم رض الآخر ليس منها فتدل على اللزوم.

استدل المصنف (ره) أيضا بهذه الآية على اللزوم بدعوى أن المراد من الباطل هو الباطل العرفي و أن الفسخ من ذلك.

أقول أن المراد من الباطل ما هو مقابل الحق فإن الألفاظ

41

موضوعة للمفاهيم العامّة فينطبق ذلك على موارده فلا وجه لتخصيص الموضوع له بالباطل العرفي و من هنا أطلق الباطل على مقابل الحق في تعدد جنود العقل و الجهل في رواية الكافي، و عليه فالتمسك بالآية من قبيل التمسّك بالعام في الشبهة المصداقيّة لأنا نشك في أن الفسخ مصداق للباطل أم لا.

و لو سلمنا أن المراد من الباطل الباطل العرفي و لكن يصحّ الاستدلال بالآية إذا كان خروج الموارد الّتي رخص الشّارع في التصرّف فيها كالشفعة و حق المارة و نحوهما بالتخصيص فإنّه ح يمكن أن يقال أن الفسخ ليس من الموارد الّتي خرجت عن الآية بالتخصيص فيكون التّملّك به أكلا للمال بالباطل لكونه باقيا تحت الآية.

و ان قلنا انّ خروجها بالتخصص كما ذكره المصنف فحينئذ لا ندري أن الفسخ من افراد الخارج أو من افراد الباقي فيكون التمسّك بالآية من قبيل التمسّك بالعام في الشبهات المصداقية فهو لا يجوز، نعم يجوز التمسّك بالاستصحاب و لكنّه خروج عن الفرض نعم يجوز التّمسّك بمجموع المستثنى و المستثنى منه الإثبات اللزوم كما تقدّم.

قوله (ره) و مما ذكر يظهر وجه الاستدلال بقوله (عليه السلام) لا- يحلّ مال امرء إلخ.

أقول: ان كان المراد من الحلية هي الحليّة التكليفيّة فلا تدل الرواية على اللزوم لأن التقدير أنه لا يحلّ التصرّفات في مال امرء مسلم الا بطيب نفسه و نشك في أن التصرّف بعد الفسخ من التصرّف في مال امرء مسلم بدون إذنه أم لا لأنا نحتمل أن يكون ذلك تصرّفا في مال نفسه فيكون حلالا فلا يمكن التمسّك بإطلاق الرواية في إثبات

42

أن هذا الفرد المشكوك مصداق للتصرّف المحرّم.

و ان كان المراد من الحلية هي الوضعية فيكون المعنى أنه لا ينفذ التصرّف في مال امرء مسلم الّا بطيب نفسه فتدل الرواية على اللزوم بدعوى أن نفوذ التصرّف في مال الغير منحصر بكونه عن طيب نفسه و من الواضح أن التصرّفات الواقعة بعد الفسخ ليس عن طيب نفس من المالك فلا تكون نافذة.

و أما الجامع من الحليّة التكليفيّة و الحليّة الوضعيّة و ان ذكرنا إمكان إرادة الجامع في قوله تعالى أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ بل قلنا أنه الظاهر فان الحل بمعنى الترخيص و في لغة الفارس (باز كردن و رها كردن) و من الواضح أنه أعم من الوضع و التّكليف و لم يكن التفكيك بينهما مرسوما في السابق بل جرى عليه الاصطلاح بين الفقهاء كما ذكرناه في أَوْفُوا بِالْعُقُودِ.

و لكن لا يمكن ارادة الجامع في الرّواية فإنه لو أريد من الحلية التكليفية فمعنى الرّواية كما عرفت أن التصرّفات الواقعة على مال امرء مسلم حرام بدون اذنه فهذا يتوقف على أن يكون التصرف التصرّف في حال كون المال لامرء مسلم و الا فلا وجه للحرمة لأن كون المال لشخص آخر في زمان سابق لا يدلّ على حرمة التصرّف في زمان المتأخر و لو مع كونه ملكا لشخص آخر أى منتقلا اليه.

و بعبارة أخرى لو أريد من الحلية التكليفية فظهور الرواية أن التصرّف حين كون المال لامرء مسلم حرام بدون اذنه و أما التصرّف في ماله كان لامرء مسلم سابقا فلا دلالة في الرواية على حرمته فح لا دلالة فيها على حرمة التصرف بعد الفسخ لاحتمال كونه تصرّفا في مال نفسه

43

لا في مال امرء مسلم نعم كان مالا لامرء مسلم قبل الفسخ و التمسّك بالاستصحاب خروج عن الفرض فان كلامنا في التمسّك بالدليل الفقاهى و أما إذا أريد من الحليّة الوضعيّة فمعناه كما عرفت أنه لا ينفذ التصرّف في مال امرء مسلم الا بطيب نفسه فارادة هذا المعنى لا يتوقف ارادته على إحراز كون المال لامرء مسلم و لذا يشمل بعد الفسخ أيضا فهذا ان المعينان لا يجتمعان في الرواية أي لا يمكن إرادتهما من الرواية معا.

و بعبارة اخرى أن ارادة الحلية التكليفية في الرواية متوقفة على إحراز كون المال للغير لكي يحرم التصرّف فيه و هذا لا يشمل بعد الفسخ لاحتمال خروج المال عن كونه مال امرء مسلم بالفسخ و ارادة الحلية الوضعيّة لا تتوقف عليه بل هي تعم بعد الفسخ أيضا كما عرفت و من الواضح أن شموله بعدد الفسخ يعدم موضوع حلية التكليفية فكيف يمكن ارادتها كما لا يخفى.

قوله و منها قوله النّاس مسلّطون على أموالهم

أقول ذكر المصنّف أن مقتض السلطنة التي أمضاها الشّارع أن لا يجوز أخذه من يده و تملّكه عليه من دون رضاه و من هنا استدل المحقّق في الشرائع و العلامة في بعض كتبه على عدم جواز رجوع المقرض فيما أقرضه بأن فائدة الملك التسلّط.

و بالجملة رجوع الفاسخ الى ما انتقل عنه الى غيره بالعقد تملّك لمال غيره و مناف لسلطنته فتدل الرواية على اللزوم.

و فيه أولا أنها ضعيفة السند كما تقدم و ثانيا أنها ناظرة إلى ثبوت السلطنة للمالك في جميع تصرّفاته في ماله من الأكل و البيع

44

و البذل و غيرها و أنه ليس لأحد أن يمنع من هذه التصرفات و هذا لا ينافي ثبوت جواز التصرّف لغيره أيضا بالفسخ كما وقع نظيره في الشريعة المقدسة فإن لكل من الأب و الجد سلطنة على التصرّف في مال الصغير سلطنة مطلقة و ليس لكل منهما أن يمنع الآخر من التصرّفات و كك في المقام فلا دلالة في النبوي على اللزوم بوجه كما هو واضح على أن الرواية ناظرة إلى إثبات السلطنة لكل أحد على ماله كما هو مقتض اضافة المال الى الملاك فتفيد الرواية ثبوت السلطنة لكل أحد على ماله و هذا لا يعارض ما يرفع موضوع تلك السلطنة أي ما يكون رافعا لها كالفسخ و بعبارة اخرى أن دليل السلطنة يثبتها في فرض تحقق المالية و كون الشيء مالا للشخص و هذا لا ينافي بما يكون رافعا لموضوعها فان الحكم لا يثبت موضوعا لنفسه نعم لو كان النظر في الحديث الى مفهوم القلب بان يكون المفهوم من قوله النّاس مسلّطون على أموالهم يعني غير المالك ليس مسلّطا على أموال غيره لصحّ به الاستدلال و لكن مفهوم اللقب ليس بحجة كما حقق في محله.

و منها قوله (عليه السلام) لا يحلّ مال امرء مسلم الا بطيب نفسه

و فيه أولا أن كان المراد من الحلية هي التكليفيّة فلا تشمل الرواية التصرّفات بعد الفسخ للشك في أنها محرمة أم لا لاحتمال كون الفسخ مملكا فلا يجوز التمسّك به في الفرد المشكوك و ان كان المراد بها الحلية الوضعية كما هو الظاهر من كلام المصنف حيث جعل سبيل الرواية سبيل الآية و من الواضح أنه أراد من الآية الحلية الوضعيّة حيث أخذ الأكل بمعنى التملّك لجاز التمسّك بها لإثبات اللزوم فإنها تقيد حصر نفوذ التصرّف بما إذا كان بطيب النفس من المالك و من الواضح

45

أن الفسخ ليس منه و أما الجامع فلا يمكن ارادته كما تقدم و بالجملة لو أريد من الحلية الحلية التكليفية لا يمكن الاستدلال بالآية على اللزوم.

و ثانيا: أن المراد من عدم حلّ مال امرء مسلم الا باذنه و بطيب نفسه هو عدم حلية التصرّفات المتعلّقة به و جميع التقلّبات الخارجية فإن الحل أو الحرمة إذا تعلّقا بالعين الخارجية فحيث لا معنى لحرمتها و حليتها فلا بدّ و ان يقدر في أمثال ذلك ما يناسب الحلية أو الحرمة و المناسب لها بمناسبة الحكم و الموضوع أما جميع الآثار أو الآثار المناسبة فالمناسب للحرمة المتعلّقة على الخمر و على المسكر هو تقدير الشرب فلا يتوهم أحد من قوله (عليه السلام) ما أسكر كثيره فقليله حرام أو غيره من الأدلة الدالة على حرمة الخمر هو البيع حتى لو لم يكن هنا دليل على حرمة بيع الخمر لما أمكن استفادتها منها، و المناسب لحرمة الأمهات في قوله تعالى تقدير التزويج فإنه لا يحتمل أن نظره أو خدمته أو شيء آخر يتعلّق بها حرام و على هذا فلا بدّ هنا أيضا من تقدير ما يصحّ تعلّق عدم الحل به و المناسب للمقام هو تقدير جميع التصرّفات الخارجية و التقلبات في الخارج و ح فمعنى الآية لا يحل جميع التصرّفات و التقلّبات الخارجية في مال امرء مسلم الا بطيب نفسه و عليه فلا تشمل التصرّفات الاعتباريّة كاعتبار ملكية مال الغير لنفسه و هكذا بالفسخ و نحوه فلا تدل الرّواية على عدم تأثير الفسخ في حل العقد كما هو واضح.

و توهم أن الرواية شاملة على التصرّفات بعد الفسخ و تدل على حرمتها أيضا بإطلاقها فتفيد اللزوم بالدلالة الالتزامية توهم فاسد لما عرفت من عدم شمولها التصرّفات بعد الفسخ لاحتمال كون

46

الفسخ مملكا كما تقدّم فيكون التمسك بها في التصرّفات بعد الفسخ من قبيل التصرف بالمطلق في الفرد المشكوك و الحاصل إن كان نظر المصنف في الاستدلال بالرّواية بأنّه لا يحل تملّك مال الغير إلا بإذنه بأن يقدر التملّك فقط بعد الحل اى لا يحل تملّك مال غيره بالبيع و نحوه إلا بإذنه فالرواية و ان كانت تدل على اللزوم و لكنه خلاف الظاهر من الرواية فلا يمكن ان يراد من الحليّة الحليّة الوضعيّة لمكان خلاف الظهور و ان كان النظر بتقدير جميع التّصرفات كما هو الظاهر و المناسب بان يراد من الحليّة الحليّة التكليفيّة أي يحرم جميع التصرّفات في مال غيره الّا بإذنه.

قوله و منها قوله المؤمنون عند شروطهم

أقول قد استدل به على اللزوم غير واحد من المحققين بدعوى أن المراد من الشرط مطلق الالتزام فيشمل الشروط الابتدائية أيضا كالبيع و نحوه.

و فيه أن الاستدلال به على اللزوم ممنوع صغرى و كبرى أما الوجه في منع الصغرى فلانا لو سلمنا إطلاق الشرط على الشروط الابتدائية في كلمات البلغاء و الفصحاء كما أطلق في قوله (عليه السلام) ما الشرط في الحيوان قال (ع) ثلثة أيام مع أنه يمكن إرجاعه إلى الشرط في ضمن الالتزام الآخر بان يقال أن إمضاء البيع مشروط بكون صاحب الحيوان ذي الخيار الى ثلثة أيام و لكن إطلاق الشرط على البيع و نحوه من الالتزامات يعد في العرف من الأغلاط فإنّه لا يقال لمن باع داره أنه شرط داره و كك لا يقال لمن باع ماله أنه شرط ماله و هكذا بل لو أطلقه أحد على أمثال ذلك فيضحك منه و إن كان الإطلاق صحيحا في الواقع و عليه فالرّواية منصرفة عن البيع و نحوه

47

من الالتزامات الابتدائية و قد ناقش المصنف أيضا في صدق الصغرى و أما الوجه في منع الكبرى فلانا لو سلمنا أن الشرط يطلق على الالتزامات الابتدائية أيضا و لكن نمنع وجوب الوفاء بكل شرط فإن الرّواية لا دلالة فيها على ذلك لان الظاهر من قوله (عليه السلام) المؤمنون عند شروطهم هو الدلالة على الحكم التكليفي بدعوى أنه و ان كان في مقام الإنشاء و جعل الحكم و لكن النكتة في إتيان الجملة الخبرية لبيان ذلك هي بيان أن مقتضى الايمان هو كون المؤمن عند شرطه و عدم تخلفه عنه نظير قوله (ع) المؤمن عند عدته أى أن مقتضى الايمان هو أن يفي المؤمن بوعده كما أن مقتضى الايمان أن لا يكذب و قد ورد في باب الكذب أن المؤمن قد يزني و قد يسرق و لكنه لا يكذب و إِنَّمٰا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لٰا يُؤْمِنُونَ باللّه و على الإجمال فالرّواية الشريفة اخبار عن كون المؤمن عند شرطه و انه لا يتخلف منه و عن وعده لان ايمانه مانع عن التخلف و عليه فتكون راجعة إلى الحكم التكليفي أي يجب لكل مؤمن أن يفي بشرطه و يحرم التخلف عنه فتكون غريبة عن الدلالة على اللزوم كما هو واضح.

و توهم أن الحال كك في أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أيضا لأنه خطاب إلى المؤمنين بقوله عز من قائل يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ فيكون دالا على الحكم التكليفي توهم فاسد فإنه إنشاء من الأوّل فليس إنشاء بالجملة الخبرية لتكون النكتة هي الإشارة إلى علة الحكم نعم مقتض الخطاب إلى المؤمن يقتضي خروج غير المؤمن عن الآية كما هو كك في بقية الخطابات و لكن مقتض الاشتراك في التكليف يقتضي التعميم فلا وجه للاختصاص هنا و في بقية الخطابات كما لا يخفى.

48

و منها الأخبار المستفيضة في أنّ البيّعان بالخيار ما لم يفترقا و أنّه إذا افترقا وجب البيع

أقول استدل بها المصنف على اللزوم في البيع و قد أشكل عليه المحقق الخراساني و تبعه غير واحد ممّن تأخر عنه بأنّ المستفيضة ناظرة إلى لزوم البيع في نفسه و ليست ناظرة إلى لزومه من جميع الجهات كالغبن و العيب فلا تفيد اللزوم و من هنا أن أدلة سائر الخيارات لا تكون مخصصة لها.

و قد أجاب شيخنا الأستاذ عن ذلك و نعم ما أجاب و حاصله بتوضيح منا أن الرّوايات المذكورة انما تدل بإطلاقها على اللزوم بلا شبهة و ان البيّعان انما لهما الخيار في المجلس فقط و إذا افترقا وجب البيع بل نفس تعرض الامام (عليه السلام) لثبوت خيار الحيوان مع تعرضه لثبوت خيار المجلس كالصريح في دلالة المستفيضة على اللزوم فإنه (ع) بعد ما بيّن حكم خيار الحيوان قال في جواب السائل عن الشرط في غير الحيوان بانّ البيّعان بالخيار ما لم يفترقا و أنّه إذا افترقا وجب البيع و أنها لا خيار لهما بعد الرضا فهو كالصريح في دلالة المستفيضة بإطلاقها على اللزوم في خصوص البيع.

و على هذا فتكون أدلة سائر الخيارات مخصصة لها و من الغرائب ما افاده المحقق الخراساني من عدم كون أدلة سائر الخيارات مخصّصة لها.

فتحصل من جميع ما تلوناه عليك أن الأصل في جميع العقود معاوضة كانت أم لا و سواء كانت الملكية حاصلة من الأوّل أم لا أما إذا كانت الملكية حاصلة من حين العقد و كان فيه تمليك و تملّك من الأوّل بأن حصل شيء لأحد المتعاملين من الأول أم غير معاوضية

49

مثل الهبة و نحوها هو اللزوم فتدلّ على لزومها آية حرمة أكل المال بالباطل الا أن تكون تجارة عن تراض فإنه لو ملك أحد ماله لغيره و لو بعنوان الهبة المجانية بحيث حصل التمليك و التّملّك فلا يجوز الرجوع إليه فإنه تملّك لمال الغير بدون التجارة عن تراض فهو حرام فلو لم يثبت من الخارج ما يدلّ على جواز الرجوع في الهبة المجانية لقلنا بعدم جواز الرجوع فيها أيضا بمقتضى الآية و كك يدل على اللزوم هنا آية أَوْفُوا بِالْعُقُودِ كما هو واضح.

و أما العقود التي لم تحصل الملكيّة فيها من الأوّل كعقد السبق و الرّماية و المضاربة و المساقاة فإنّه لم يحصل النقل و الانتقال فيها من الأوّل و لا يحصل لأحد المتعاملين فيها من الأوّل مال فلا تدلّ آية التجارة فيها على اللزوم من الأوّل لعدم حصول المعاوضة و النقل و الانتقال و التمليك و التملّك من الأوّل حتى يكون إرجاعه تملّكا لمال الغير بدون الرّضا و لا يكون تجارة عن تراض و انما يحصل النقل و الانتقال بعد تحقق الشرائط كما هو واضح نعم يدلّ على اللزوم هنا أيضا آية أَوْفُوا بِالْعُقُودِ لتحقق العقد كما هو واضح.

[في عدم جريان الاستصحاب في المقام]

قوله و قد عرفت أن ذلك مقتض الاستصحاب أيضا

أقول قد عرفت أن الاستصحاب لا تجري في المقام لكونه من الشبهات الحكميّة و قد منعنا جريانه فيها في علم الأصول.

قوله و ربما يقال ان مقتض الاستصحاب عدم انقطاع علاقة المالك عن العين

أقول حاصل كلامه أن الظّاهر من كلمات بعضهم أنا نشك في انّ المالك هل انقطع علاقته من ملكه أم لا فنستصحب بقاء علاقته فيكون هذا الاستصحاب حاكما على استصحاب اللزوم و ردّ بأنّه ان

50

أريد من تلك العلاقة علاقة الملكية أو ما يتفرّع على الملكية فهي انقطعت جزما و ان أريد منها سلطنة إعادة العين فما دام لم ينتقل المال من ملكه الى غيره فتلك السلطنة مقطوعة العدم فإنّه لا معنى لسلطنة الإنسان على اعادة ماله الى ملكه و انما تحصل تلك السلطنة بعد خروجه عن ملكه و من الواضح جدا أنها مشكوكة بعد ذلك فالأصل عدمه.

قوله و ان أريد بها العلاقة التي كانت في مجلس البيع فإنها تستصحب عند الشك

أقول غرضه ان أريد بها العلاقة التي كانت تحدث في مجلس البيع فإنها تستصحب عند الشك فيصير الأصل في البيع بقاء الخيار كما يقول الأصل في الهبة بقاء جوازها بعد التصرّف في مقابل من جعلها لازمة بالتّصرّف.

ثمّ أجاب عنه أولا بأن الدليل أخص من المدّعي فإنّه انما يتم في موارد ثبوت خيار المجلس و كلامنا أعم

و ثالثا أن الاخبار قد تواتر بانقطاع السلطنة و الخيار بعد الافتراق فلا مجال مع ذلك للرجوع الى الاستصحاب ثمّ أمر بالتأمّل.

أقول قد عرفت بالكلام في دلالة الأخبار المستفيضة البيّعان بالخيار ما لم يفترقا على اللزوم بناء على تماميّة إطلاقها كما هو كك كما اختاره المصنف و عليه فلا وجه للتّمسك بها لبيان ارتفاع خيار المجلس فإنّه مع تماميّة دلالتها على اللزوم كما لا مجال للتمسّك باستصحاب الخيار و كك لا وجه للتمسّك باستصحاب اللزوم فإنّه مع وجود الأصل اللفظي لا تصل النّوبة الى الأصل العملي الا أن يكون غرضه من

51

التمسّك بالاخبار مع الإغماض عن دلالتها على اللزوم من جميع الجهات كما عليه صاحب الكفاية فإنّه حينئذ يتم نفى خيار المجلس بها و ثبوت اللزوم في البيع من جهة خيار المجلس و يبقى العقد مشكوكا من الجهات الأخر فح نتمسّك في إثبات اللزوم للعقد من سائر الجهات باستصحاب اللزوم كما لا يخفى.

و من هنا ظهرت المناقشة في تمسّكه بآية أَوْفُوا بِالْعُقُودِ فإنّه مع وجود العموم لا مجال للاستصحاب لا استصحاب اللزوم و لا استصحاب الخيار، و لعلّه الى ما ذكرناه أشار المصنف بالأمر بالتأمل.

قوله ثم انّه يظهر من المختلف في مسألة أن المسابقة لازمة أو جائزة

أقول ذكر المصنف أن العلامة ذكر في المختلف أن المسابقة لازمة أو جائزة بأن الأصل عدم اللزوم و لم يرده من تأخر عنه الا بعموم قوله تعالى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و لم يكن وجه صحيح لتقرير هذا الأصل نعم هو حسن في خصوص المسابقة و شبهة ممّا لا يتضمن تمليكا أو تسليطا ليكون الأصل بقاء ذلك الأثر و عدم زواله بدون رضا الطرفين و محصل مراده أن استصحاب الملكية إنّما تجري فيما إذا كانت الملكية فعلية أي ثابتة حين العقد أى تثبت الملكية فيما ينشأ العقد و حينئذ كلما شككنا في جواز العقد و لزومه نستصحب الملكية و نحكم باللزوم بواسطة الاستصحاب الحكمي فلا مجال ح لدعوى أن الأصل عدم اللزوم بل لا بدّ و أن يقال أن الأصل هو اللزوم لمكان استصحاب الملكية.

نعم لا بأس بهذا الأصل في مثل عقد المسابقة حيث لم تثبت فيها الملكيّة الفعليّة و انّما الملكيّة فيها تقديريّة أي تحصل الملكيّة لأحد

52

المتسابقين على تقدير سبقه في المسابقة فحينئذ يقال أن الأصل عدم اللزوم هنا و ذلك لعدم حصول الملكيّة الفعليّة حتى نستصحبه في مورد الشك في أن العقد جائز أو لازم و نحكم باللزوم بل نتمسك بأصالة عدم اللزوم و نحكم بكون العقد جائزا هذا كله مع قطع النظر عن أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و الا فمقتضاه هو اللزوم.

أقول كأن المصنف لم يبن المسألة على ما حرره في الأصول من جريان الاستصحاب التعليقي مع أن المقام ليس منه بل من قبيل الاستصحاب التنجيزي و ذلك لان ما نحن فيه يشبه القضية الحقيقية فإن الحكم فيها ثبت على الموضوعات المقدرة فعلا و لكن يتنجز الحكم فيها بفعلية الموضوع أى كلما وجد الموضوع ثبت عليه الحكم بحيث أن الحكم فيها فعلى و لكن الموضوع تقديري و كك في المقام أن الالتزام فعلى و الملتزم به تقديري فان المتعاملين التزما فعلا على أن كل من سبق فله كذا و ليس الحكم هنا تعليقا كما في العصير العنبي فإن الحكم بالنجاسة أو الحرمة فيه تعليقي أن إذا غلى ينجس لا مطلقا فلو كان ينعكس المطلب لكان أحسن بأن يقول بجريان الاستصحاب هنا و لم يقل بجريانه في التعليقيات فان الحكم هنا كما عرفت فعلى و الملتزم به تقديري.

نعم لا نقول بجريان الاستصحاب هنا من جهة عدم جريانه في الشبهات الحكمية لكونه دائما معارضا بأصالة عدم الجعل أو باستصحاب الحكميّة لكونه دائما معارضا بأصالة عدم الجعل أو باستصحاب المجعول و لكن مع قطع النظر عن هذا الإشكال فلا محذور فيه كما لا يخفى.

فتحصل أن استصحاب الملكيّة جارية في عقد المسابقة أيضا