حاشية كتاب المكاسب (للأصفهاني) - ج4

- الشيخ محمد حسين الأصفهاني المزيد...
530 /
1

مقدمة التحقيق

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّٰه رب العالمين و الصلاة و السلام على خير خلقه و أشرف بريته محمد و آله الطيبين الطاهرين.

و بعد: الحمد للّٰه الذي منّ عليّ بان مكنني من تقديم هذه الخدمة لفقه آل محمد صلّى اللّٰه عليه و آله، فقد تمّ من هذا السفر العظيم ثلاثة أجزاء و هذا هو الجزء الرابع منه، أورد في هذه المقدمة إن أنبه على أمر، و هو انه قد أشرت في مقدمة الجزء الأول إلى انه قد عثرنا في النجف الأشرف على مقدار بسيط من الجزء الثاني بحسب الطبعة الحجرية، و لكن بعد المقابلة تبيّن انه مقدار بسيط من حاشية كتبها المحقق الأصفهاني (قدّس سرّه) قبل هذه الحاشية، فإنه قد كتبها في حياة أستاذه المحقق الآخوند الخراساني (قدّس سرّه) كما يستفاد من بعض كلماته حيث يعبّر عنه (دام ظله) و حيث ان ذلك المقدار مغاير لما في هذه الحاشية المتداولة إتماما للفائدة ألحقناه بالجزء الخامس من هذه الحاشية.

أما هذان الجزءان الرابع و الخامس فلم يكن لدينا من نسخة المؤلف شيء، و لكن اعتمدنا في المقابلة على نسختين النسخة المتداولة و هي المطبوعة على الحجر سنة 1396 هو هي نسخة “ب”، و نسخة أخرى كذلك مطبوعة على الحجر و لكن بعد وفاة المؤلف (قدّس سرّه) بثلاث سنوات كتبت و بالحدود سنة 1364 ه، هذه النسخة في أكثر صفحاتها مطابقة للنسخة المتداولة و كأنه اختير منها ما كان خطه حسن و جعل في النسخة المتداولة، و لكن تغايرها في بعض الصفحات من حيث الخط و التصحيح،

2

فقد استفدنا منها كثيرا في تصحيح بعض الكلمات و العبارات و بعض ما كان ساقطا في النسخة المتداولة، و هذه ما نعبّر عنها بالنسخة “أ”.

بقي شيء لا بد من الإشارة اليه و الاعتذار عنه و هو انه كانت التخريجات و الارجاعات أرجعناها على أرقام الحواشي التي وضعناها، تسهيلا للمراجعة، و بعد ترقيم الجزء الرابع و الخامس و تخريج بعض الارجاعات التي في الجزء الأول عليه و بعد طبعه تبيّن خطأ في الترقيم، فإذا كان الإرجاع غير تام تراجع حاشية قبل أو بعد رقم الحاشية المذكور.

و أخيرا أرجو أن يكون هذا العمل خالصا لوجهه تعالى، كما أرجو من مولاي صاحب الزمان (عجل اللّٰه فرجه الشريف) ان يتقبل مني هذا القليل.

عباس محمد آل سباع 18- 4- 1419

3

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

الخيارات

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

بسم اللّٰه الرّحمن الرّحيم

الحمد للّه رب العالمين و أفضل الصلاة و السلام على سيد المرسلين محمد و آله الطاهرين.

المقدمة الاولى: في تعريف الخيار

1- قوله (قدّس سرّه): (الخيار لغة اسم مصدر من الاختيار .. إلخ) (1).

الخيار: بمعنى الخيرة، و هو إمّا ترجيح أحد الأمرين، و إمّا طلب الترجيح و إرادة الترجيح و مشيئة الترجيح- كما عن بعضهم (2)- باختلاف التعبيرات.

بل ربما يقال: بأنّه القدرة على ذلك، بتوهم أنّه في قبال الاضطرار المقابل للاختيار بفقدان القدرة على الطرفين، و الظاهر أنّه مساوق للانتقاء و الاصطفاء، و منه استخار المنزل بمعنى استنظفه فإنّه بمعنى جعله نقيا، لا للترجيح الذي لا يناسب جميع موارد استعمالاته، و الخير بالمعنى الوصفي أيضا باعتبار كونه نقيا و منتقى.

كما أنّ الظاهر خروج الطلب و الإرادة و المشيئة عن حد مفهومه، و إن كان من المبادئ التي لا تقبل الانتساب إلّا مع اعتبار القصد و انضمامه اليه، و أوضح منه

____________

(1) كتاب المكاسب، ص 214، سطر 2.

(2) حاشية الاشكوري: 261.

10

خروج القدرة، فإنّ جعله في قبال الاضطرار اصطلاح من المتكلم و الحكيم.

نعم الترجيح حيث إنّه قصدي لا يكاد يتحسن بدون القدرة، فإنّ نسبة الإرادة إلى القدرة نسبة التمام إلى النقص و الفعلية إلى القوة، و حيث إنّه ليس من الاختيار المقابل للاضطرار بالخصوص فلا موجب لاختصاصه بطرفي الفعل و الترك، بل يعم ما إذا كان طرفاه فعلين، كما أنّه لا موجب لاختصاصه بما إذا كان طرفه فعلا، بل يعم الأعيان الخارجية أيضا، و منه قوله تعالى وَ أَنَا اخْتَرْتُكَ (1) و قوله تعالى وَ اخْتٰارَ مُوسىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا (2) إلى غير ذلك.

و يمكن أن يقال: إنّ الترجيح و إن لم يكن بلحاظ الرجحان المنبعث عن ميل النفس إلى طرف حتى يختص بالافعال و لا يعم الأعيان بما هي، إلّا أنّ الترجيح و الانتقاء و الاصطفاء ليس بنفسه فعلا من الأفعال المتعلقة بالأعيان، بل عنوان لفعل من الأفعال التي تارة يتعلّق بالأعيان، و أخرى لا يتعلّق بها، فترجيح الضرب مثلا بعين إيجاده.

و عليه فلا معنى لتعلق الترجيح و شبهه بالأعيان بما هي، بل اختيار زيد من بين جماعة للأمارة مثلا بعين جعله أميرا، و اختيار موسى (عليه السلام) للوحي اليه و تبليغ ما أوحي إليه بعين اتخاذه رسولا، فالترجيح ليس قابلا للتعلق بعين موجودة، بل باعتبار فعل متعلق بها، و عليه فتعلق حق الخيار بالعقد أو بالعين على حد سواء في أنّه متعلق في الأول بفسخ العقد و حله، و في الثاني برد العين و استردادها.

2- قوله (قدّس سرّه): (و غلب في كلمات جماعة من المتأخرين في ملك .. إلخ) (3).

هذه العبارة تومئ إلى أنّ مفهومه اللغوي أعم من المعنى الشرعي، و هو مبني على أخذ القدرة و نحوها في مفهومه اللغوي، و ليس كذلك كما عرفت (4)، و أمّا توهم أنّهما متباينان- لأنّ الإرادة و المشيئة من الأفعال و الملك في الأوصاف- فهو فاسد، لأنّ الإرادة و المشيئة من الكيفيات النفسانية، لا من الأفعال النفسانية، بل الأعمية

____________

(1) طه، الآية: 13.

(2) الأعراف، الآية: 155.

(3) كتاب المكاسب، ص 214، سطر 2.

(4) في التعليقة السابقة.

11

و المتباينة تدور مدار أخذ القدرة و السلطنة في مفهومه و عدمه، غاية الأمر أنّ القدرة المأخوذة في اللغوي حقيقية، و في الشرعي اعتبارية، و هو لا يوجب اختلافا في المفهوم بما هو، و إنّما الاختلاف من حيث العموم و الخصوص، فإنّ الخيار بمعناه الشرعي عبارة عن السلطنة على خصوص الفسخ دون معناه اللغوي، و الظاهر أنّ الخيار في لسان الاخبار أيضا بمعناه اللغوي، و إنّما تستفاد السلطنة عليه و ما يساوقها من جعله للبيّعين أو للمشتري، فإنّ الأخبار غير متكفلة لثبوت المبدأ خارجا كسائر المبادئ، بل متكفلة لجعله، و لا معنى لجعل المبدأ تكوينا، و ليس جعله تشريعا إلّا إعطاء السلطنة عليه.

3- قوله (قدّس سرّه): (فيدخل ملك الفسخ في العقود الجائزة .. إلخ) (1).

حيث إنّ المراد بملك الفسخ عنده (قدّس سرّه)- كما سيأتي (2) التصريح به منه (قدّس سرّه)- هي السلطنة على الفسخ، و هي متحققة في موارد النقض، فلا محالة يعم هذا التفسير لسائر موارد السلطنة، مع أنّها ليست من حق الخيار، فيكشف عن خلل في تفسيره بالسلطنة على الفسخ، و يمكن دفعه بأنّ الحق إذا كان بمعنى السلطنة فالثابت في مورد الحق اعتبار السلطنة، فيستتبع جواز الفسخ تكليفا لمن له الحق إذا لم يكن له مانع، و إلّا فربّما يكون الحق للصغير و جواز الفسخ لوليه، كما أنّ الملك الاعتباري للصغير و جواز التصرفات شرعا تكليفا و وضعا للولي.

بخلاف الموارد المذكورة فإنّه ليس فيها إلّا مجرد جواز الفسخ من دون اعتبار الملك أو السلطنة، و إن كان بلحاظ جواز الفسخ شرعا يتحقق السلطنة الحقيقية على الفسخ، حيث إنّه لا مانع شرعا لا تكليفا و لا وضعا، فهو غير مصدود عن تصرفاته و لم يسلب عنه القدرة عليها حقيقة، و صدق عنوان السلطنة المشتركة بين الاعتبارية المجعولة و الحقيقية المتحققة بسبب التكليف و الوضع أوجب توهم النقض بتلك الموارد.

____________

(1) كتاب المكاسب، ص 214، سطر 3.

(2) كتاب المكاسب، ص 214، سطر 5.

12

مع أنّه يمكن الجواب عن بعض تلك النقوض بأنّ مثل الرد في الفضولي ليس حلا للعقد الحقيقي، فإنّه لا ينعقد العقد اللبي المعنوي بإنشاء كل أحد، بل بتسبيب من له الولاية على المال، فليست الإجازة لمجرد الانتساب، إذ يستحيل تحقق العقد المعنوي مع عدم قيامه بمن له العقد، فليس هناك إلّا الإنشاء القابل لأن يتحقق به العقد المعنوي و الارتباط اللبي باتخاذ من له الولاية على المال لنفسه، فالإجازة محققة للعقد المعنوي، و الرد دفع له.

و أمّا مثل الرجوع في الموهوب فالظاهر- كما يشهد له أدلته- أنّه رجوع في المال بعينه باسترداد الملك، و إن كان يلزمه انحلال العقد حيث يستحيل عود الربط الملكي و بقاء الربط العقدي، فالفسخ له تعلّق أولا و بالذات بالعقد و بالتبع بالملك، و الرجوع له تعلّق أولا و بالذات بالملك و بالتبع بالعقد.

و أمّا مثل رد الوارث لما زاد على الثلث فيمكن دعوى أنّه كالرد في الفضولي، بتقريب: أنّ ظرف الوصية التمليكية و إن كان ظرف الملكية إلّا أنّه حيث لا يترقب منها نفوذها فعلا فلا عقد و لا تمليك فعلا، بل ظرف حصول الملكية للموصى له ظرف ملكية الوارث، و مقتضاه التصرف في مال الغير، فلذا يتوقف على أجازته فيكون رده دفعا للتأثير لا رفعا للأثر و حلا للعقد المعنوي المحقق.

4- قوله (قدّس سرّه): (و لعل التعبير بالملك للتنبيه على أنّ الخيار .. إلخ) (1).

لا يقال: ملاك ورود النقض بتلك الموارد صدق ملك الفسخ على السلطنة على الفسخ الثابتة في تلك الموارد بناء على أنّ المراد بالملك هي السلطنة، فكيف يكون ما هو ملاك ورود النقض ملاكا لدفعه- كما هو مقتضى العبارة-؟!.

لأنا نقول: الملك و إن كان بمعنى السلطنة عنده (قدّس سرّه) و اشتراك السلطنة عنوانا بين السلطنة التكليفية و السلطنة الاعتبارية هو الموهم لورود النقض، لكن حيث إنّ الملك بحسب الاصطلاح في قبال التكليف فالظاهر منه هي السلطنة الاعتبارية دون

____________

(1) كتاب المكاسب، ص 214، سطر 4.

13

التكليفية، فلذا صح بهذه الملاحظة دفع النقض المتوهم بملاحظة التعبير بما تعارف مقابلته مع التكليف، و أمّا الفرق بين الحق و الحكم فقد تعرّضنا له تفصيلا في أوائل التعليقة على البيع، كالفرق بين الحق و الملك، و قد بيّنا هناك أنّ مفهوم الملك، غير مفهوم السلطنة، و أنّ الحق ليس مرتبة ضعيفة من الملك و إن توهمه غير واحد من الأعيان، فراجع (1).

و أمّا تخيّل أنّ الحق أمر يتعلق به الملكية، فلذا يقال إنّ المراد بملك الفسخ إن كان السلطنة على الفسخ فهي متحققة في جميع موارد السلطنة على الرجوع و الرد و الفسخ بالعيوب و أشباهها، و إن كان المراد ملك أمر هو الفسخ فالفسخ لا يكون ملكا، حيث لا يتعلق الملك إلّا بالأعيان الخارجية و منافعها.

فمندفع: بأنّ الحق في قبال الملكية و أنّ المورد متعلق للحق ككونه متعلقا للملكية، نعم المورد بواسطة تعلّق اعتبار الملكية به ملك بالمعنى الوصفي لا بما هو مبدأ له، و كذلك المورد متعلق لاعتبار الحق فهو حق بالمعنى الوصفي لا بما هو مبدأ له، و الملك سواء كان بمعنى السلطنة أو بمعنى آخر من الواجدية و الاحتواء يكون الفسخ مملوكا من دون ورود النقض، أو استحالة كونه كالأعيان الخارجية و منافعها ملكا بمعنى الواجدية و الاحتواء.

أمّا الأول: فبما مرّ (2) من الفرق بين السلطنة الاعتبارية المتعلقة بالأعيان و منافعها و أمثال الفسخ و الأخذ بالشفعة و نحوهما، و السلطنة المتحققة بسبب جواز الرجوع و نحوه.

و أمّا الثاني: فبأنّه لا موجب لقصر الواجدية و الاحتواء الاعتباريين على الأعيان و منافعها إلّا توهم أنّ عمل الحر ليس مملوكا للحر، فإنّ الإنسان لا يملك إعراضه القائمة به بالاعتبار، و إن كان له السلطنة على جعلها ملكا لأحد.

و يندفع: بأنّ عمل الحر و إن كان عرضا قائما به لكنه ربما يمكن تحققه منه من دون اعتبار واجديته له و احتوائه إيّاه، كاعماله المباشرية التي لا يترقب منها تأثير و نفوذ

____________

(1) ح 1، رسالة الحق و الحكم، 43.

(2) في نفس هذه التعليقة.

14

كخياطته و كتابته، و أمّا الأعمال التي ليست تحت اختياره إلّا باعتبار واجديته لها و احتوائه إيّاها شرعا فلا مانع من تعلق اعتبار الملك بها و إنشاء الفسخ كذلك، فإنّ مجرد الإنشاء لا يتوقف على اعتبار الملك، فإنّه يتحقق منه سواء اعتبر ملكا له أم لا، بخلاف صيرورته بالحمل الشائع فسخا فإنّه لا يكاد يكون كذلك إلّا باعتبار كونه بيده و احتوائه له شرعا بالاعتبار، فمثله لا مانع من اعتباره ملكا له و جعل زمامه بيده، فتدبر جيدا.

5- قوله (قدّس سرّه): (و يمكن الخدشة فيه بأنّه إن أريد .. إلخ) (1).

توضيحه: أنّ المراد من إقرار العقد تارة مجرد إبقائه بترك الفسخ في قبال حلّه، و أخرى إبقاؤه بحيث لا يقبل الحل، فيكون المراد من الإقرار تارة جعله قارا، و أخرى جعله مستقرا، فإن أريد من الإقرار مجرد إبقائه على حاله بعدم انحلاله فمرجعه إلى أنّ الخيار هي السلطنة على الفسخ و على تركه، مع أنّ السلطنة على الفسخ و القدرة عليه لا تكون إلّا بالقدرة على تركه، فذكر القدرة على تركه مستدرك لا فائدة في ذكرها، خصوصا في مقام التحديد المطلوب فيه الاحتراز.

و إن أريد من الإقرار إبقاؤه بحيث لا يقبل الحل فصيرورته كذلك ليس إلّا بإسقاط الخيار، و تعريف الخيار بالقدرة على الفسخ و على إسقاط حق الفسخ دوري، لتوقف معرفة حق الخيار على معرفة نفسه المضاف إليه الإسقاط، مع أنّ إعدام الحق و إزالته يستحيل أن يكون مقوّما لنفس الحق، إذ الشيء لا يعقل أن يتقوّم بنقيضه.

أقول: لنا اختيار الشق الأول، لكنا نقول إنّ المراد من ترك الفسخ ليس مجرد الترك الذي هو نقيض الفسخ حتى يكون ذكره مستدركا، بل المراد ترك خاص أثره لزوم العقد، و هو ترك الفسخ عن رضا بالعقد و إمضائه، فيتفاوت هذا الحق مع سائر الحقوق، فإنّ ترك الأخذ بالشفعة- مثلا- ترك الأخذ بالحق من دون ترتب أثر عليه، بخلاف ترك الفسخ عن رضا بالعقد إمضاء له فإنّه يترتب عليه لزومه، فإنّ مثله مقوّم

____________

(1) كتاب المكاسب، ص 214، سطر 6.

15

للحق و أحد طرفيه فلا يكون ذكره مستدركا كما أفيد.

و لنا اختيار الشق الثاني، لكنا نقول إنّ جعل العقد مستقرا بحيث لا يقبل الحل لا يدور مدار إسقاط الحق إنشاء أو بنحو شرط السقوط، بل يكون جعله لازما بالالتزام به بقاء، فالخيار متقوّم بأمرين ثبوتيين، أحدهما حله و فسخه بإنشائه، و ثانيهما إبرامه و إحكامه بالالتزام به بعد السلطنة على حله زيادة على الالتزام المقوّم لأصل العقد، و سقوط الحق لازم إبرام العقد، لا أنّه بنفسه مأخوذ في حد الخيار، و هل هو إلّا نظير سقوطه باعمال الخيار بحله و فسخه، فإنّه يسقط الحق أيضا إلّا أنّه لازم اعمال الخيار لا عينه.

و منه تبيّن أنّ اعمال الخيار و استيفاء هذا الحق بأحد وجهين، إمّا بحل العقد، و إمّا بإقراره و إبرامه.

نعم يبقى الكلام في أنّ حق الخيار متقوّم بالفسخ و تركه فقط، أو بالفسخ و إبرامه، و بعبارة أخرى هل الحق متقوّم بأمر وجودي و عدمي أو بأمرين وجوديين؟

ربما يقال:- كما عن بعض أجلّة العصر (رحمه اللّٰه) تبعا لظاهر المشهور- بالأول، و ظاهر شيخنا العلّامة الأستاذ (قدّس سرّه): كما في تعليقته الأنيقة (1) هو الثاني، كما لا يأبى عنه التعريف الثاني.

و استدل القائل بالأول: بأنّ العقد مقتض للّزوم، فإنّ الأصل في البيع (2) هو اللزوم، و الخيار جهة مانعة، فابرام العقد بعدم اعمال جهة مخالفة لمقتضاه من دون حاجة إلى إعمال جهة وجودية، فليس لابرام العقد معنى إلّا عدم نقضه و هدمه، و هو معنى الالتزام به، إذ الرضا باستمرار الأمور الواقعة في الخارج المقتضية للدوام ليس إلّا بعدم إرادة نقضها و هدمها، هذا ملخص ما أفيد.

و فيه: أنّ مقتضى تطبيق المقام على المقتضي و المانع أنّ العقد لا يكون مقتضاه- و هو اللزوم- فعليا إلّا بزوال حق الخيار المجعول مانعا، لا مجرد عدم اعمال جهة مخالفة لمقتضاه، و لا يزول حق الخيار إلّا بإسقاطه أو انتهاء أمده أو أعماله فسخا أو

____________

(1) حاشية الآخوند، 143.

(2) هذا هو الصحيح و في الأصل (المبيع).

16

إمضاء، فينتهي الكلام- حينئذ- إلى أنّ مجرّد ترك الفسخ يوجب زوال الحق حتى يكون اللزوم فعليا أو لا بد من أمر آخر في زوال الحق و فعلية مقتضي العقد.

و التحقيق:- بناء على هذا المبنى أنّ عدم المانع هنا يتصور على وجوه:

أحدها: عدمه بانتهاء أمده.

ثانيها: عدمه بإسقاطه.

ثالثها: عدمه باعمال الفسخ.

رابعها: عدمه بترك الفسخ فقط.

خامسها: عدمه بالالتزام به و إمضائه.

أمّا الأول و الثاني: فيمكن أن يكون عدم المانع بأحد الوجهين شرطا لفعلية اللزوم، لوجود المقتضي المقرون بعدم المانع.

و أمّا الثالث: فيستحيل أن يكون شرطا، لأنّه مساوق لعدم المقتضي، فلا جواز حيث لا عقد، لا أنّه حيث لا حق.

و أمّا الرابع: فمن الواضح أنّ مجرّد ترك الفسخ المقابل لعين الفسخ لا يوجب إلّا بقاء العقد على حاله، لا أنّه يوجب لزومه، فإنّ اختيارية ترك الفسخ بمجرد الترك عن شعور و بعدم الداعي إلى الفسخ، فإنّ نقيض الفسخ يكفي فيه عدم العلة الباعثة على الفسخ، فلا يعقل أن يكون الترك الاختياري فقط موجبا للزوم، و أمّا الترك عن رضا بالعقد بقاء فهذا الرضا ليس من مبادئ الترك الاختياري، بل من المقارنات، فلا يتقوّم به الترك الاختياري.

و منه علم أنّ ما ذكر من أنّ الالتزام بالعقد مجرد عدم هدمه، و أنّ الرضا به ليس إلّا عدم إرادة نقضه و هدمه، كلاهما فاسد.

و أمّا الخامس: و هو الالتزام بالعقد المعبّر عنه في لسان الأخبار (بأنّه رضى منه) (1) (و أنّه يستحلفه بالله ما رضيه) (2) فهو أمر آخر وراء الترك المقابل للفسخ، و لازمه و إن كان عدم الحق لمكان استيفائه فلا معنى لبقائه، إلّا أنّ الصالح لأن يكون شرطا

____________

(1) وسائل الشيعة باب 5 من أبواب الخيار ح 4.

(2) وسائل الشيعة باب 4 من أبواب الخيار ح 1.

17

لفعلية المقتضي هو نفس هذا الأمر الوجودي دون لازمه العدمي، إذ لو لم يكن الالتزام بالعقد المناسب للزومه و تأكده شرطا لفعلية اللزوم و لم يكن له أثر لا موجب لعدم الحق، حتى يكون العقد مؤثرا فعليا في اللزوم، فتدبره فإنه حقيق به.

و أمّا حديث المقتضي و المانع و هو مبنى المسألة فمختصر القول فيه: أنّ المراد تارة هو المقتضي في مقام الإثبات، و أخرى المقتضي في مقام الثبوت.

أمّا المقتضي إثباتا فهو أجنبي عن المقام، إذ لا ريب في أنّ مقتضى إطلاقات أدلة البيع مثلا لزومه، و مقتضى أدلة الخيار جوازه، و لا ريب في تقييد الإطلاقات المقتضية للزوم، أمّا أنّ حق الخيار متقوّم بالفسخ و تركه أو بالفسخ و الالتزام بالعقد فلا دلالة لشيء من الأدلة في الطرفين على ذلك، حتى تكون فعلية الحجية على اللزوم منوطة بعدم فعلية الحجية على الجواز.

و أمّا المقتضي ثبوتا فنقول: لا ريب في أنّ العقد اللبي المعنوي لا يقتضي لزوم نفسه، بل المراد العقد الإنشائي الذي يتسبب به إلى العقد اللبي و القرار المعاملي، و من البيّن أنّ شيئا من الأمور الخارجية أو الأمور الاعتبارية لا يكون مقتضيا و سببا فاعليا لأمر اعتباري آخر، بل السبب الفاعلي للاعتبارات هو المعتبر لها.

نعم مصلحة ذلك الاعتبار القائمة به داعية إلى إيجاده، و لا بأس بإطلاق المقتضي على المصالح الباعثة على الاعتبارات، فمرجع الأمر إلى أنّ اعتبار العقد المتأكد ذو مصلحة عند إيجاد العقد الإنشائي من المتعاملين، كما أنّ اعتبار السلطنة على حلّه أو إبرامه ذو مصلحة أيضا، و حيث إنّها أقوى فلذا كان اعتبار الحق فعليا دون اعتبار القرار المتأكد إلّا بعد زوال الحق بزوال مصلحته، إمّا لانتهاء أمده أو بأعماله و استيفائه أو بإسقاطه، حيث إنّه جعل مراعاة له فأمر اعماله و إسقاطه بيده.

و منه يعرف أنّه ما دامت مصلحة اعتبار الحق باقية لا تؤثر مصلحة اعتبار العقد المتأكد فعلا، و لا تزول مصلحة اعتبار الحق إلّا باستيفائه بإعمال الحق أو بالإعراض عن الحق المساوق لإسقاطه، لا بمجرد ترك استيفاء الحق، فإنّه في قوة إبقاء العقد

18

على حاله، و بقية الكلام فيما سيأتي (1) إن شاء اللّٰه تعالى.

6- قوله (قدّس سرّه): (مع أنّ ظاهر الإلزام في مقابل الفسخ .. إلخ) (2).

هذا الإيراد- بعد تسليم الظهور- مبني على أنّ حق الخيار مجرّد السلطنة على الفسخ، و أنّ تركه- كترك سائر الحقوق- ترك الأخذ بالحق، لا أنّه مما يتقوّم به الحق، و أنّه اعمال للحق و أثره لزوم العقد، و إلّا فينحصر اللزوم في إسقاط الحق استقلالا أو اشتراطا، و لا أظن أن يقول هو به أو غيره.

و أمّا مع كون ترك الفسخ عن رضا بالعقد مقوّما للحق و مؤثرا في اللزوم فالإشكال مشترك الورود، فإنّ إعمال الحق بترك الفسخ عن رضا بالعقد لا يوجب اللزوم بقول مطلق في الخيار المشترك، بل يوجب اللزوم من قبله.

و أمّا منع الظهور فبملاحظة أنّ الحق إذا كان متعددا- من حيث السبب أو من حيث الشخص الذي له الحق- فظاهره السلطنة للشخص فيما يرجع اليه أو من جهة خاصة، و إلّا فليس في الواقع خيار مطلق حتى يكون التحديد للخيار المطلق، ليكون متقوّما بالفسخ المطلق و الإلزام المطلق.

نعم بين الفسخ و الإلزام في نفسهما فرق، و هو أنّ الفسخ هو الحل المقابل للعقد، فلا يعقل أن يكون الفسخ إضافيا، و اللزوم في قبال الجواز، فيعقل أن يكون كل منهما إضافيا من حيث السبب أو من حيث الشخص، فتدبر جيدا.

____________

(1) التعليقة الآتية.

(2) كتاب المكاسب، ص 214، سطر 8.

19

المقدمة الثانية: أصالة لزوم البيع

7- قوله (قدّس سرّه): (و إن أراد غلبة الأزمان .. إلخ) (1).

و الوجه واضح، و توهم تلازم الحيثيتين إنّما هو في الفرد الذي شك في لزومه و جوازه في زمان خاص، و أمّا الفرد الذي يشك في لزومه و جوازه مطلقا من دون خصوصية زمان فلا تلازم كما لا يخفى.

8- قوله (قدّس سرّه): (بمعنى أنّ وضع البيع و بنائه عرفا و شرعا على اللزوم .. إلخ) (2).

توضيح المقام: أنّ لزوم البيع بذاته و جواز الهبة بذاتها لا يراد منه كون اللزوم و الجواز ذاتيين بالمعنى المستعمل في كتاب الكليات، كيف؟! و هما من الأحكام الشرعية و العرفية لموردهما، و ليس شيء من الأحكام اللاحقة لموضوعاتها مقومة لها و مأخوذة فيما يأتلف منه موضوعاتها.

و توهم: أنّ الملكية في البيع ملكية دائمة مرسلة، و إمضاؤها محقق للزومها- كما عن بعض الأجلّة (رحمه اللّٰه).

فاسد: فإنّ إرسال الملكية و دوامها و عدم توقيتها بحسب مرحلة الإنشاء و الإمضاء

____________

(1) كتاب المكاسب، ص 214، سطر 14.

(2) كتاب المكاسب، ص 214، سطر 17.

20

لا ينافي قبولها للعود إلى ما كان، فإنّ الفسخ حلّ للعقد على ما هو عليه من الإرسال، لا أنّه محدد لأثره كما هو واضح، كيف و الملكية في الهبة أيضا كذلك مع أنّ الهبة الممضاة شرعا جائزة.

و حيث عرفت أنّ اللزوم و الجواز من العوارض اللاحقة لموضوعاتها فليسا ذاتيين في كتاب البرهان أيضا، فإنّ العقد أو أثره ليس بحيث يكفي وضع ذاته في انتزاعهما كما هو واضح.

و كذا لا يراد من ثبوتهما بالذات لموردهما كونهما ثابتين له بلا واسطة في الثبوت، أو بلا واسطة في العروض، لوضوح أنّهما حكمان مجعولان بواسطة علة مقتضية لأحد الأمرين، و لبداهة أنّ الموصوف باللزوم و الجواز دائما نفس العقد، لا أنّ الموصوف بهما تارة نفس العقد، و أخرى أمر آخر متحد معه ليكون واسطة في العروض، فالموصوف بالجواز عند أحد أسباب الخيار نفس عقد البيع دون غيره، كالموصوف باللزوم.

بل المراد من كونهما تارة بالذات و أخرى لا بالذات أنّ عقد البيع- بما هو عقد البيع- محكوم باللزوم شرعا و عرفا، و بانضمام حيثية اليه- ككون المبيع معيبا أو حيوانا- محكوم بالجواز، و عقد الهبة بالعكس، فإنّه- بما هو عقد الهبة- محكوم بالجواز، و بما هو هبة لذي رحم محكوم باللزوم.

و هنا تقريب آخر لأصالة اللزوم في البيع و أصالة الجواز في الهبة مثلا و ملخصه:

أنّ طبيعة البيع بما هي مقتضية ثبوتا للّزوم، و لا يتخلّف إلّا لعروض خصوصية مقتضية للجواز، و في الهبة بالعكس، و من البيّن عند الخبير أنّ طبيعة العقد ليس لها اقتضاء طبعي كسائر المقتضيات الطبيعية، كيف و قد عرفت أنّ اللزوم و الجواز حكمان مجعولان لا يترشحان من مقام ذات عقد من العقود، بل لو كان هناك اقتضاء لكان بنحو اقتضاء الغاية لذيها، فالمقتضي عبارة عن المصلحة الداعية إلى الجعل، و من الواضح أنّ المصلحة قائمة بالافعال لا بالعقود و الأعيان الخارجية، فالمرجع حينئذ إلى أنّ الوفاء بعقد البيع- بما هو- فيه مصلحة باعثة إلى إيجابه، كما أنّ الوفاء

21

بالهبة ليس كذلك، بل الرجوع فيها- بما هي- فيه مصلحة باعثة إلى جوازه، و الفسخ في البيع- بما هو متخصص بخصوصية زائدة على طبعه- فيه مصلحة داعية إلى الترخيص فيه، و الوفاء بالهبة- بما هو متخصص بخصوصية زائدة على طبعها- فيه مصلحة داعية إلى إيجابه، فبملاحظة سريان المصلحة تارة في جميع أفراد الوفاء بالبيع و في جميع أفراد الرجوع في الهبة- دون المصلحة المقصورة على لحوق بعض الخصوصيات- جعل اللزوم و الجواز تارة أصلا و ذاتيا، و أخرى بالعرض و التبع، هذه غاية التقريب للأصالة على الوجهين.

أقول أمّا التقريب الأول: فهو إمّا لا يجدي في مورد الشك، و إمّا لا يكون لأصالته بهذا المعنى الرابع دخل في إحداثه في مورد الشك.

بيانه: أنّ اللزوم في البيع إن كان ببناء العرف عملا على المعاملة معه معاملة ما لا يقبل الفسخ، فمن البيّن أنّ العرف ليس لهم بنائان عموما و خصوصا مطلقا و مقيدا، ليكون مقتضى بنائهم العام أو المطلق لزومه و مقتضى بنائهم الخاص و المقيد جوازه، فإنّ العمل ليس فيه عموم و إطلاق، بل مرجع الأمر إلى أنّ بناء العرف فيما عدا الموارد الخاصة على الالتزام بالبيع، و في الموارد الخاصة على عدمه، و إذا كان المورد مشكوكا من حيث اندراجه في مورد العمل باللزوم أو العمل بغيره لم يكن هناك أصل من حيث البناء العملي ليرجع اليه.

و لا يمكن دعوى: أنّ بناء العرف عملا في جميع الموارد على اللزوم، و أنّ الجواز ببناء الشارع، فإنّا لا نظن بالعرف أنّ بناءهم على اللزوم في المعيب و في المغبون و شبههما.

و إن كان اللزوم و الجواز ببناء الشارع. فنقول: إنّ بناء الشارع تارة بنحو الإمضاء لبناء العرف بعدم الردع عما جرت عليه سيرة العرف، و أخرى بالإمضاء بنحو الأدلة اللفظية ذات العموم و الإطلاق، أمّا الأول فحاله حال البناء العرفي، فإذا لم يحرز بناء في المورد المشكوك لا إمضاء بعدم الردع حتى يجدي في صورة الشك و هو واضح.

و أمّا الثاني: فمقتضى العموم و الإطلاق و إن كان لزوم الفرد المشكوك إلّا أنّه من

22

حيث كونه أصلا بمعنى القاعدة، لا من حيث كونه أصلا بمعنى ثبوته لذات البيع، و الكلام في الأصالة بالمعنى الثاني، فتدبره فإنّه حقيق به.

و أمّا التقريب الثاني فيرد (1) عليه أولا: أنّه لا دليل على ثبوت المقتضي بهذا المعنى في جميع أفراد البيع حتى يجدي في مورد الشك، إذ من المحتمل اختصاص المصلحة الباعثة على إيجاب الوفاء بالعقد بشرط عدم الافتراق و عدم كون المبيع معيبا أو حيوانا و غير ذلك.

و دعوى: أنّ عموم وجوب الوفاء أو إطلاقه كاشف عن العلة التامة لإيجاب الوفاء من المقتضي و عدم المانع، و المخصص و المقيد لا يدل على أزيد من وجود المانع عن الحكم الفعلي، فلا حجة على خلاف الحجة على وجود المقتضي.

مدفوعة: بأنّ الدلالة الالتزامية على وجود العلة ليس لها أثر شرعي حتى يتعقل الحجية، فإنّ ترتب المقتضى على المقتضي عقلي لا شرعي، و إن كان ذات الترتب شرعيا- كما بيناه في الأصول.

و ثانيا: أنّ الأصالة بهذا المعنى لا يجدي إلّا فيما إذا كان الشك في أنّ هذا الفرد له الاقتضاء كسائر الافراد أم لا، و أمّا إذا كان الشك من حيث مانعية خصوصية عن تأثير مقتضي اللزوم فلا يجدي، لمجامعة وجود المقتضي مع عدم فعلية مقتضاه، و ضم أصل آخر إن كان بمعنى أصالة عدم حدوث خصوصية مقتضية للجواز- كما يتخيل-، فهو مما ليس له حالة سابقة، إذ كون الفسخ ذا مصلحة أو غير ذي مصلحة لا يدور مدار وجود شيء في الخارج، فإنّ قيام المصالح و المفاسد بالافعال في مقام الدعوة ماهوي لا خارجي، و هو في حد ذاته و ماهيته إمّا يكون ذا مصلحة أو لا يكون.

و الأصل بمعنى عدم الجواز معارض بأصالة عدم اللزوم، فإنّ كلا منهما مجعول مسبوق بالعدم، و بمعنى عدم حق الخيار جار مطلقا سواء أحرز المقتضي للّزوم أم لا، مع أنّه لا ينفي به إلّا أثر الحق لا أثر اللزوم إذا كان له بنفسه أثر خاص.

ثم إنّه قد عرفت مما بينا- في تقريب المقتضي للّزوم و المقتضي للجواز- أنّه لا

____________

(1) في الأصل (فرد) و ما أثبتناه هو الصحيح.

23

فرق بين كون الجواز حكما تكليفيا أو اعتبارا وضعيا يعبّر عنه بالحق، فإنّ تقريب الأصالة لا يتوقف على كون الفسخ و الرجوع بعنوان الحكم أو بعنوان الحق، نعم بينهما فرق ثبوتا على نحو لا يضر بالمقصود و هو أنّ الجواز إن كان حكما كان منبعثا عن مصلحة في الحل و الفسخ أو في الرجوع في المبيع أو الموهوب، و إن كان حقا كان اعتبار السلطنة أو الملكية لمصلحة في نفس الاعتبار تدعو إلى إيجاده من المعتبر له، و ليس جعل حق الخيار في البيع في الجملة كاشفا عن لزومه الذاتي و مستتبعا لجوازه الفعلي، بتوهم أنّه مع جوازه بالذات لا موجب لجعل حق الخيار، فإنّه لا منافاة بين الحقيّة و الجواز الذاتي، فيصح أن يكون الرجوع في الهبة بعنوان الحق و بعنوان الحكم، كما أنّ الحكم على البيع بالجواز ابتداء لا ينافي لزومه الذاتي، و إنّما ينافيه إذا كان كل منهما بملاحظة البيع بما هو بيع، حيث لا يعقل أن يكون للشيء الواحد مقتضيان متقابلان، و أمّا إذا كان في البيع بما هو مقتضي اللزوم و بما هو في المجلس مقتضي الجواز فلا تنافي بينهما، و منه تبيّن ما في جملة من فقرات المتن في هذا المقام و باللّه الاعتصام.

9- قوله (قدّس سرّه): (بقي الكلام في معنى قول العلّامة .. إلخ) (1).

لا يخفى أنّ عطف ظهور العيب على ثبوت الخيار حيث إنّه ليس من عطف سبب خاص على مطلق السبب، و لا من عطف خيار خاص على مطلق الخيار، فليس من قبيل عطف الخاص على العام، بل من عطف المبائن على المبائن، و حيث إنّه لا تقابل بين السبب و المسبب، فلا معنى لجعل تزلزل العقد دائرا مدار أحدهما.

كما أن توجيه المصنف (قدّس سرّه) مدفوع بما ذكره من عدم كون الأرش جزءا حقيقيا من الثمن.

و يمكن أن توجه العبارة: بأنّ تزلزل العقد تارة لثبوت حق حلّ العقد ابتداء، و أخرى لثبوت حق رد العين ابتداء، فإنّ خيار العيب مختص بصورة بقاء العين

____________

(1) كتاب المكاسب، ص 214، سطر 23.

24

و عنوانه الابتدائي حق رد العين، و إن استلزم رد العين انحلال العقد، و مع ذلك فهو تكلّف في العبارة أيضا، فإنّ المقابلة إنّما هو بين حق حلّ العقد ابتداء و حق رد العين ابتداء، لا بين الأول و سبب الثاني، إلّا أنّه أهون من التقابل بين المسبب و سببه، فتدبر جيدا.

ما استدل به على لزوم البيع

[قوله تعالى (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ)]

10- قوله (قدّس سرّه): (دل على وجوب الوفاء بكل عقد .. إلخ) (1).

تقريب دلالة الآية على اللزوم يتصور على وجوه:

منها: ما هو المختار، و يتوقف على مقدمة هي: أنّ العهد عبارة عن الجعل و القرار مطلقا، سواء كان جعلا و قرارا معامليا أم لا، و سواء كان قرارا و جعلا قلبيا أم لا، فيندرج في العهد مطلق جعله و قراره تعالى تشريعيا كان كالتكاليف الإلهية و اعتباراته الوضعية أو لا، فمن الأول قوله تعالى وَ عَهِدْنٰا إِلىٰ إِبْرٰاهِيمَ وَ إِسْمٰاعِيلَ أَنْ طَهِّرٰا بَيْتِيَ (2) و من الثاني قوله تعالى إِنِّي جٰاعِلُكَ لِلنّٰاسِ إِمٰاماً (3) إلى قوله تعالى لٰا يَنٰالُ عَهْدِي الظّٰالِمِينَ و العقد مطلق الربط و الشد- و منه عقد الخيط- في قوله تعالى وَ مِنْ شَرِّ النَّفّٰاثٰاتِ فِي الْعُقَدِ (4) و هو جمع العقدة، و عقد الإزار ربطه و شده، و يعم الأمور القلبية، و منه الاعتقاد و هو عقد القلب على شيء، و يعم الأمور الاعتبارية و منه العقد المقابل للإيقاع، و هو ربط أحد القرارين بالآخر.

و مما ذكرنا يعرف أنّ حيثية العقدية غير حيثية العهدية، فتوهم أنّ العقد هو العهد أو العهد المشدد الموثق فاسد، كما أنّه يعرف منه أنّ القول و الفعل كلاهما كاشف عن العهد و العقد، لا أنّ عقدية العهد باعتبار كاشفة، حتى يتوهم أنّ العهد المكشوف بالقول مشدد موثق و أنّ المكشوف بالفعل عهد غير موثق، حتى يشكل في صدق العقد على العهد المكشوف بالفعل كالمعاطاة، و قد فصلنا القول في كل

____________

(1) كتاب المكاسب، ص 215، سطر 12.

(2) البقرة، الآية: 125.

(3) البقرة، الآية: 124.

(4) الفلق، الآية: 4.

25

ذلك في مباحث البيع (1).

ثم إنّ عقدية المعاملة البيعية مثلا باعتبار ارتباط القرار من البائع بالقرار من المشتري بعنوان التسبب و مطاوعته، و ليس باعتبار احداث الربط الملكي، و إلّا لصدق في مورد الملك بالحيازة و الإرث، لأنّ الملك مضاف بذاته و مرتبط بنفسه بذات المالك و المملوك، و الفسخ حلّ أحد القرارين من الأخر لا رد الربط الملكي، و إن استلزمه.

ثم إنّ الوفاء على إجماله لا ينسب إلّا إلى مثل العهد و الالتزام و النذر، لا إلى الربط و الشد، و لذا يستهجن أن يقال “أوف بربطك”، فالأمر بالوفاء بالعقود باعتبار تضمنها للعهود، و لعله لأجل التنبيه على هذه النكتة فسرت العقود بالعهود في الصحيحة [1]، و لذا لم يرد تعلق الوفاء بالعقد في القرآن إلّا في هذا المورد، و الوفاء لغة ضد الغدر من غادر المكان إذا جاوزه و تركه، و منه قوله تعالى وَ حَشَرْنٰاهُمْ فَلَمْ نُغٰادِرْ مِنْهُمْ أَحَداً (2) أي أتينا بهم جميعا و لم نترك أحدا منهم و لم نتجاوزه، و منه قوله تعالى لٰا يُغٰادِرُ صَغِيرَةً وَ لٰا كَبِيرَةً (3) أي لم يتركهما و لم يجاوزهما في مقام الإحصاء، فالوفاء حينئذ إتمام الشيء بالقيام معه و عدم التجاوز عنه، و الدرهم الوافي أي التام، و إيفاء الكيل إعطائه تاما، و الموافاة إنهاء الوفاء، و في الدعاء عند الحجر الأسود (اشهد لي بالموافاة) (4) أي بإنهاء الوفاء بالميثاق إليك، نظرا إلى التقامه العهد المأخوذ على العباد كما في الخبر (5)، و لذا ورد (أنّه يمين اللّه في الأرض) [2] و يقال وافى عنه أي حج عنه، لهذه النكتة، لأنّه قصد خاص بعنوان الوفاء بالميثاق، و لذا جعل الحج و نبذ

____________

[1] وسائل الشيعة، باب 25 من أبواب النذر و العهود، ح 3، عن ابن سنان قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن قول اللّٰه عز و جل يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ قال: العهود.

[2] وسائل الشيعة، باب 22، من أبواب الطواف، ح 9، و فيه (يمين اللّٰه في أرضه).

____________

(1) ح 1، تعليقة 83.

(2) الكهف، الآية: 47.

(3) الكهف، الآية: 49.

(4) وسائل الشيعة، باب 13، من أبواب الطواف، ح 6، و فيه (لتشهد ..).

(5) وسائل الشيعة، باب 13، من أبواب الطواف، ح 9، 10، 11، 18.

26

الميثاق متضادين في الخبر المتكفل لجنود العقل و الجهل حيث قال (عليه السلام): (و الحج و ضده نبذ الميثاق) (1).

و مما ذكرنا يعلم أنّ الوفاء في جميع موارد إطلاقه بمعنى واحد، و هو إتمام الشيء بالقيام معه و عدم التجاوز عنه، فإذا كان العهد و القرار متعلقا بعمل من الأعمال فإتمامه و عدم التجاوز عنه بإيجاد العمل الذي تعهده و التزم به، و إذا كان متعلقا بنتيجة عمل كما في البيع- حيث لا يترقب من القرار المعاملي على ملكية شيء بعوض إيجاد عمل بمقتضى قراره- فلا محالة يكون إتمامه و القيام معه إبقائه و عدم التجاوز عنه بحله و فسخه و نقضه، و حيث إنّه لم يتعلق العهد و القرار بعمل من الأعمال فلا يعقل أن يكون وفائه بعمل من الأعمال، إذ ما لا عهد به لا وفاء له.

إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم أنّ الأمر بالوفاء بهذا المعنى إمّا أن يكون إرشاديا أو مولويا، و على تقدير الإرشادية هل هو إرشاد إلى الصحة أو اللزوم أو هما معا، لا معنى لأن يكون إرشادا إلى الصحة، لأنّ الأمر بأي شيء لا يكون إرشادا إلى أي شيء كان، بل الأمر يمكن أن يكون إرشادا إلى ما في متعلقة من الفائدة، لا إلى ما في غيره، فالأمر بالبيع و النهي عنه يمكن أن يكون إرشادا إلى ما فيه من الأثر، أو إلى عدم ترتب ما للبيع من الأثر مثل قوله (عليه السلام) (إذا تماثل الجنسان فلا تبيعوا، و إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم) (2)، بخلاف الأمر بالوفاء و النهي عن النقض، فإنّه إرشاد إلى ما في الوفاء من الأثر و الى ما في النقض من عدمه، لا إلى ما في البيع وجودا و عدما، فانحلال العقد و زواله نتيجة إنشاء الفسخ، و بقائه على حاله نتيجة إبقائه بعدم إنشاء الفسخ.

نعم حيث إنّ الوفاء فرع الصحة فيكون الأمر بالوفاء بالعقد دالا على صحته بالدلالة الالتزامية العقلية، لا بالدلالة الكلامية ليكون إرشادا إلى الصحة و اللزوم معا، و عليه فيتمحض الأمر في المولوية أو الإرشاد إلى اللزوم، إلّا أنّ الإرشاد خلاف الظاهر من الأمر و النهي، لظهورهما في البعث الحقيقي و الزجر الحقيقي اللذين هما

____________

(1) الكافي 1: 22، حديث 14.

(2) عوالي اللآلئ 2: 253، حديث 26.

27

شأن المولى و السيد دون الناصح و المرشد، و أمّا المولوية فلا يوجب إلّا اللزوم التكليفي دون الوضعي، لأنّ الأمر و النهي المولوي المترقب منهما الفعل أو الترك لا يتعلقان إلّا بالمقدور في موقع الامتثال، و فرض مقدورية الوفاء- بالحمل الشائع و النقض- بالحمل الشائع- فرض نفوذ إنشاء الفسخ، و إلّا لم يكن متمكنا من ترك الوفاء- في الأمر- و من النقض- في النهي.

و دعوى: أنّ السلطنة على الفعل التسبيبي دخيلة في تحققه، و مع النهي لا سلطنة، فإنّه يوجب خروج زمام الأمر من يده.

مدفوعة: بأنّ السلطنة التكليفية المتحققة بمجرد الرخصة هي المسلوبة بورود النهي، لمضادة التحريم و الإباحة، و أمّا السلطنة الوضعية الدخيلة في النفوذ فلا تقابل بالنهي حتى يرتفع به، بل قد عرفت استحالة ارتفاعها به، و إلّا لزم من وجوده عدمه، نعم هذه السلطنة تكون مسلوبة بالنهي الإرشادي عن النقض و المفروض مولويته.

و بتقريب آخر: النقض الحقيقي لا يكون إلّا عن حق الفسخ شرعا ابتداء أو إمضاء، و معه لا موجب لحرمته، و مع عدم حق الحل و الفسخ لا يتحقق النقض حتى يحرم، و إنشاء الفسخ مع عدم تأثيره لا موجب لحرمته بعد ما كان وجوده كعدمه، فالنهي المولوي عن النقض غير صحيح على أي تقدير.

و أمّا النقض تشريعا بالبناء على انحلال العقد فهو و إن كان معذورا و يستكشف منه عدم الانحلال شرعا، و إلّا لكان خارجا عن التشريع، لكنه خلاف الظاهر، فإنّ الظاهر تعلق النهي بالنقض بعنوانه لا بعنوان كونه تشريعا.

و حمل النهي على الإرشاد بملاحظة الظهور الثانوي في باب المعاملات بعيد أيضا، فإنّ المسلّم منه ما إذا تعلّق بنفس المعاملة لا بمثل الوفاء المحبوب عقلا و شرعا، خصوصا مع شمول العقود لمطلق العهود المتعلقة بالأعمال، فإنّ الوفاء بها بإيجاد تلك الأعمال الملتزم بها، فلا يناسبها إلّا الأمر و النهي المولويين، و سيجيء (1)

____________

(1) نفس التعليقة.

28

إن شاء اللّٰه تعالى بقية الكلام.

و منها: ما عن المصنف العلّامة (رفع اللّٰه مقامه) و محصله: أنّ الوفاء هو العمل بمقتضى العقد و حيث إنّ مقتضى العقد تمليك الغير وجب العمل بما يقتضيه تمليك الغير، من ترتيب آثار الملكية له بعدم أخذه من يده و عدم التصرف فيه، فإذا وجب هذا المعنى مطلقا- حتى بعد إنشاء الفسخ- دل على اللزوم بأحد الوجهين، إمّا من باب الملازمة، لأنّ حرمة التصرف بعد الرجوع المشكوك التأثير ملازمة لعدم تأثير إنشاء الرجوع، و إلّا لكان محجورا عن ملكه بلا موجب من موجبات الحجر، و إمّا من باب استفادة الحكم الوضعي من الحكم التكليفي، نظرا إلى انتزاعه منه، و أنّه لا ثبوت له إلّا بثبوت منشأه و هو الحكم التكليفي على ما بنى عليه في أصوله.

و فيه أولا: أنّ التقريب المبني على انتزاعية الحكم الوضعي عن الحكم التكليفي غير صحيح لفساد المبنى، بل استحالته كما حقق في مبحث الأحكام الوضعية في فن الأصول (1)، و ملخصه: أنّ غاية تقريبة أنّه ليس الملك مثلا إلّا كون زمام أمر شيء بيد الشخص و كونه تحت اختياره، و هو مساوق لإباحة التصرفات و الترخيص في أنحاء التقليبات و التقلبات، و أمّا فيما نحن فيه فليس معنى اللزوم و عدم تأثير الرجوع إلّا بقاء الملك على حاله من إضافته إلى مالكه، و هو عبارة أخرى عن كونه بحيث لا يجوز التصرف فيه لغير مالكه، كما أنّ بقائه على ملكه هو كونه بحيث يجوز له التصرف فيه بقاء، و أنّه تحت اختياره.

و يندفع: بأنّ المراد من رجوع الوضع إلى التكليف إن كان مساوقة التكليف و الوضع معنى، فإنّه لا معنى للملكية إلّا جواز التصرفات، فهذا غير انتزاعية الوضع من التكليف، بل معناه أنّ مفهوم الملك عين مفهوم جواز التصرف، مع أنّ الملك- بأي معنى كان من الاحتواء و الإحاطة و الواجدية- غير مفهوم الجواز و الإباحة و الترخيص، و إن كان مساوقته له وجودا و أنّ وجود الملك بوجود جواز التصرف، كما أنّ وجود كل أمر انتزاعي بوجود منشأ انتزاعه، في قبال ما كان وجوده بوجود ما

____________

(1) نهاية الدراية 5: 101- مؤسسة آل البيت

29

بحذائه.

ففيه: أنّ قيام شيء بشيء تارة بقيام انضمامي، و أخرى بقيام انتزاعي.

و الأول لا يتصور إلّا فيما له مطابق بالذات في الخارج، و الملك الموضوع للآثار شرعا و عرفا لا مطابق له في الخارج كالسواد و البياض و ما شابههما من الاعراض.

و الثاني و إن كان وجوده بوجود منشأ انتزاعه نظير المقبول بوجود القابل، لاستحالة أن يكون وجود واحد وجودا لمقولتين بالذات كما حقق في محله، إلّا أنّ قيام شيء بشيء انضماميا كان أو انتزاعيا يصحح صدق عنوانه على ما يقوم به كالأبيض على ما يقوم به البياض، و كالفوق على ما يقوم به الفوقية، مع أنّه من البيّن أنّه لا يصدق عنوان المالك أو المملوك على نفس جواز التصرف.

و منه يتضح أنّ العقد أيضا ليس منشأ لانتزاعه- كما عن شيخنا الأستاذ العلّامة (1) (رفع اللّٰه مقامه)-، و إلّا لصدق عليه أحد العنوانين، بل العقد بمنزلة السبب للملك، و السبب و المسبب متغايران وجودا، و قد حقق في محله أنّ القيام به يصحح الصدق لا القيام عنه، فتدبر.

و ثانيا: أنّ الوفاء كما أشار (قدّس سرّه) اليه هو العمل بمقتضى العقد، لا العمل بمقتضى مقتضاه، و من الواضح أنّ مقتضى عقد البيع كون المال ملكا للمشتري بالعوض، و القيام بهذا المقتضي- الذي هو مورد العقد- التحفظ عليه بإبقائه و عدم إزالته، و أمّا مقتضى الملك فهو أجنبي عن مورد العهد و العقد، حيث لا تعهّد له بعدم التصرف حتى يجب أنّ لا يتصرف.

و التحقيق: أنّ الوفاء- كما مرّ سابقا (2)- و إن كان إتمام الشيء بعدم تركه و التجاوز عنه، و خلافه تركه و التجاوز عنه، لكنه ليس شيء منهما مقدورا للمكلف بنفسه، فإنّك قد عرفت أنّ حلّ العقد إذا كان عن حق ليس منافيا للوفاء لا عقلا و لا عرفا و لا شرعا، و مع عدم الحق لا يكاد يتحقق حتى يكون ممنوعا عنه، فبقائه على حاله و عدمه

____________

(1) حاشية الآخوند، 146.

(2) في نفس هذه التعليقة، عند قوله (و مما ذكرنا يعلم ان الوفاء ..).

30

ليس مع قطع النظر عن الاستحقاق عرفا أو شرعا مقدورا للمكلف، حتى يجب أو يحرم باعتبار العرف أو الشرع، فلا محالة لا يراد من الوفاء و خلافه إلّا إبقاء العقد و إتمامه أو التجاوز عنه و تركه عملا لا حقيقة، و كما أنّ عدم التمليك مع تعهده خلاف الوفاء عملا، فكذلك المعاملة مع ما تعهد بكونه ملكا للغير بعوض معاملة ما لم يتعهد به بالتصرف فيه من دون رضاه خلاف الوفاء عملا، و هكذا الأمر في نقض العهد و العقد لا يراد منه إلّا النقض العملي دون الحقيقي المساوق لحلّه و فسخه.

بل يمكن أن يقال: إنّ حلّ العقد و فسخه المساوق لاعدامه ليس مساوقا لنقضه، فإنّ النقض مقابل للإبرام لا لأصل العقد، فإنّ مقابلة الحلّ، و ليس إبرام العقد الذي هو مبرم في نفسه إلّا بملاحظة اقتضائه لمقتضاه، فمقابله التفكيك بين العقد و مقتضاه لا إزالة المقتضي و إعدامه، و لا تفكيك مع بقاء العقد إلّا عدم الجري على وفقه و عدم الحركة على طبقه.

و منه يعلم أنّ الفسخ و الرجوع في موارد جوازهما ليس نقضا جائزا ليكون تخصيصا في دليل اللزوم، فإنّ طبع النقض و النكث و خلاف الوفاء آب عن الترخيص كما لا يخفى.

و ثالثا: أنّ الموضوع و هو العقد و إن كان محفوظا على التقريب الأول- حيث إنّ إنشاء الحل و الفسخ متعلق بالعقد- إلّا أنّه غير محفوظ على التقريب الثاني، فإنه بعد إنشاء الفسخ يشك في بقاء العقد، فلا معنى للتمسك بإطلاق الآية لحرمة التصرف بعد إنشاء الحل المشكوك تأثيره بعنوان الوفاء بالعقد و الجري على وفقه عملا.

و أجيب عنه بوجوه:

أحدها: ما عن بعض أعاظم العصر (قدّس سرّه) (1)، و هو أنّ المراد بالعقد هو الإنشاء، و هو آني الحصول، و الآنيات لا بقاء لها و لا ارتفاع، إذ البقاء هو الوجود بعد الوجود، و الارتفاع هو العدم بعد الوجود، و ما ليس من شأنه الوجود بعد الوجود حيث إنّه آني فليس له العدم بعد الوجود، بل له الوجود و العدم البديل له، فإذا كان مثله موضوع وجوب

____________

(1) حاشية الميرزا محمد تقي الشيرازي 2: 71.

31

الوفاء فلا مجال للشك في بقائه و ارتفاعه.

ثانيها: ما عنه (قدّس سرّه) (1) أيضا، و هو أنّ المراد بالعقد هو العقد اللفظي دون الإنشائي، و هو زماني تدريجي الحصول، و بقاؤه بعين حدوثه، و ارتفاعه بانقطاعه، فهذا الموجود التدريجي المنقطع موضوع وجوب الوفاء إلى آخر الدهر، و ما هو قابل للبقاء و الارتفاع- الذي يتفاوت به العقد اللازم و الجائز- إمّا أثره التكليفي- و هو وجوب ترتيب الآثار-، و إمّا أثره الوضعي- و هي الملكية-، و مع كون ذلك الأمر الآني الحصول أو التدريجي الحصول موضوعا- و المفروض حصوله- فلا شك إلّا في بقاء أثره التكليفي أو الوضعي و ارتفاعه، فيستمسك بإطلاق دليله لبقائه، هذا ملخص الجوابين بتوضيح منّي.

و الجواب: أنّ اعتبار النقض و النكث و النبذ بالإضافة إلى العقد و العهد و الميثاق يقتضي اعتبار أمر موجود فعلا، لا اعتبار أمر معدوم بالفعل، و إن كان موجودا قبلا، و صيغة “فسخت” لا يتسبب بها إلى رفع وجوب الوفاء، بل يتسبب بها إلى حلّ العقد باعتبار الربط و الشد، و هما متقابلان لا يعقل أحدهما بدون الآخر، و المعدوم لا يحلّ و لا ينتقض، كما أنّ المعدوم لا إبرام له بالفعل، كي يتبادل معه ضده، و هو نقضه، و في خبر بيعة العقبة عن ابن التيهان قال: لرسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و آله (إنّ بيننا و بين القوم حبالا و نحن قاطعوها .. الخبر) [1] حيث عبّر عن عهودهم بالحبال، و عن رفع اليد عنها بقطعها، فللعهد اعتبار البقاء و لأجله يصح اعتبار القطع و الحلّ.

و ثالثها: ما عنه (قدّس سرّه) أيضا (2)، و هو أنّه يكفي في بقاء العقد- المتقوّم بالتزامين من الطرفين- بقاء أحد الالتزامين، فإنّه يكفي في بقاء الالتزامين وحدة المتعلق، و صدق الارتباط بين الالتزام الباقي و الالتزام الحادث، مؤيدا له بالوصية التي يجوز تأخير القبول فيها إلى ما بعد موت الموصي، فإنّه لا ارتباط بين الالتزامين إلّا باعتبار

____________

[1] بحار الأنوار 19: 26، و فيه (فقال أبو الهيثم: إنّ بيننا و بين الرجال حبالا، و انا إن قطعناها أو قطعوها ..).

____________

(1) حاشية الميرزا محمد تقي الشيرازي 2: 72.

(2) حاشية الميرزا محمد تقي الشيرازي 2: 71.

32

ورودهما أولا و آخرا على شيء واحد، و ما نحن فيه أولى به، لارتباط أحدهما بالاخر حدوثا و بقاء، لا أحدهما في زمان و الآخر في زمان آخر كما في الوصية.

و الجواب: أنّ المعاهدة و المعاقدة- إذا سلم أنّها متقوّمة بالالتزام من الطرفين- فمن البين أنّ الارتباط أمر يقوم بطرفين محققين في ظرف الارتباط، فإن اكتفى المجيب بالارتباط الحاصل بين الالتزامين حدوثا فهو كالجوابين المتقدمين في عدم لزوم بقاء الموضوع، و قد مرّ دفعه، و إن التزم ببقاء الارتباط- كما هو ظاهره- فمن البيّن أنّ ارتباط موجود بمعدوم محال، و وحدة المتعلق توجب ورود التزامين عليه حدوثا و بقاء، لا ارتباط أحد الالتزامين بالآخر، فلا بد في تحقق الارتباط من تحقق الالتزامين في وعاء الارتباط، سواء كانا متقارنين حدوثا أو متفاوتين بالتقدّم و التأخّر من حيث الحدوث.

و أمّا النقض بالوصية فيمكن دفعه بكونها إيقاعا، و للموصى له رده، لا أنّه من القبول المحقق للمعاقدة، كما يمكن أن يقال بالفرق بين الالتزام السابق الذي رجع عنه و الالتزام الذي لم يرجع عنه و إن مات الملتزم، لما سيجيء (1) إن شاء اللّه تعالى من اعتبار البقاء في مثله عرفا و شرعا.

و رابعها: ما عن غير واحد من الاعلام (2) من أنّ المعتبر في بقاء الموضوع الدليلي نظر العرف، و العقد باق بنظرهم، و لا ينحل بمجرد رجوع أحدهما عن التزامه من دون حق، و إنّما الشك هنا في تأثير الرجوع شرعا، و حيث يجب ترتيب الآثار على هذا الموضوع الباقي بنظر العرف يستكشف منه عدم تأثير الرجوع شرعا، و إلّا لكان محجورا عن ملكه بلا سبب من أسباب الحجر.

توضيحه: أنّ المراد بالعقد الباقي بنظر العرف ليس هو العقد اللفظي و لا العقد الإنشائي بما هو مدلول الكلام، و لا التزام البائع و المشتري قلبا، لزوال كل ذلك قطعا على الفرض، فلا معنى لبقائه بنظر العرف، بل المراد بالعقد هو الأمر اللبي المعنوي

____________

(1) تعليقة 37.

(2) حاشية الميرزا محمد تقي الشيرازي 2: 72.

33

الذي نحو وجوده اعتباري باعتبار من له الاعتبار من العرف و الشرع، لما مرّ مرارا (1) و حققناه في محله (2) أنّ أمثال هذه المعاني- من الملكية و الزوجية و المعاهدة و المعاقدة و الحلّ و الفسخ- لها نحو من الوجود الحقيقي الذي يوجد بأسبابه الطبعية، و لا يكون موضوعا للأحكام الشرعية و الآثار العرفية، و لها نحو آخر من الوجود يتحقق بمجرد اعتبار العرف و الشرع المنوط بتحقق المسمى بالسبب عندهم جعلا، بملاحظة ما يرونه من المصلحة الداعية إلى الاعتبار، و مثل هذا الأمر الاعتباري معاقدة كانت أو ملكية أو زوجية يبقى ببقاء المصلحة إلى أنّ يتحقق ما ينقطع به الاعتبار، كما في موارد حق الفسخ في الأول، و السبب الناقل في الثاني، و الطلاق في الثالث.

و منه يعرف أنّ موضوع الحكم ليس أمرا واقعيا بحيث يكون نظر العرف أو الشرع طريقا اليه، حتى يكون موارد الاستثناء من قبيل التخطئة لنظر العرف، لا من قبيل التخصيص، بل المراد بالنظر هو اعتبار العرف مثلا، و المتقوّم بالاعتبار لا واقعية له إلّا في أفق الاعتبار بنفس الاعتبار المتشخص به.

نعم يبقي الكلام في كون تمام موضوع الحكم هو الشيء باعتبار العرف أو باعتبار الشرع، و بعبارة أخرى: هل المعتبر باعتبار العرف أخذ بنحو الموضوعية للحكم أو بنحو المعرّفية لما هو كذلك باعتبار الشرع؟

و الصحيح هو الثاني، إذ لو كان الموضوع هو ما يعتبره العرف- بما هو- فيتمحض موارد الاستثناء في التخصيص الحكمي لا تقييد الموضوع، و إلّا لزم الخلف من فرض كون الموضوع ما يعتبره العرف بما هو، خصوصا مع مثل العهد الذي لا يناسبه عدم الوفاء مع بقائه بحده، بخلاف ما إذا كان الموضوع الواقعي ما يعتبره الشرع عهدا و عقدا فإنّه لا يتخلّف عنه وجوب الوفاء، و إنّما أخذ الموضوع العرفي في مقام الإثبات بنحو المعرّفية للموضوع الشرعي للتلازم الذي يراه الشارع بين العهد العرفي و الشرعي، فيكون الاستثناء تخصيصا في هذه الملازمة لا تخطئة لنظر العرف، و لا

____________

(1) ح 1: 144.

(2) نهاية الدراية 5: 116- مؤسسة آل البيت.

34

تضييقا لدائرة الموضوع الحقيقي، و لا تخصيصا حكميا، و قد فصلنا القول فيه في محله فراجع (1)، هذا تمام الكلام في الوجه الثاني من وجوه الاستدلال بالآية.

و منها: ما عن بعض أعاظم العصر (قدّس سرّه) (2) و هو أنّ وجوب الوفاء بالعقد باعتبار أنّ تركه ظلم و عدوان، و لازم ذلك عدم ثبوت حق في الفسخ لأحد الطرفين بالاستقلال، فنفس حرمة الفسخ كاشفة عن فساده و عدم تأثيره، حيث إنّه بلا حق، و لا يتوقف هذا التقريب على الإطلاق لما بعد إنشاء الفسخ، حتى يرد عليه اشكال الشك في الموضوع، بل نفس الرجوع حيث إنّه ظلم حرام، و لا يكون ظلما، إلّا مع عدم الحق و عدم السلطنة على الرجوع و الفسخ، و لا نفوذ إلّا مع الحق و السلطنة، فتدبر.

و فيه أولا: بالنقض، فإنّ العقد على مال الغير ليس بظلم، و الحل كالعقد، فكما أنّ عقد الفضول- مع أنّه لا ولاية له على مال الغير- لا يكون ظلما، فكذلك حلّ العقد لا عن استحقاق ليس بظلم و لا بمحرم من هذه الجهة.

و ثانيا: بالحل، و توضيحه: أنّ الأفعال التي لا مساس لها خارجا بمال الغير و لا تأثير لها في نقله و انتقاله قهرا ليس داخلا فيما تطابقت عليه اراء العقلاء حفظا للنظام و إبقاء للنوع، و هو ملاك التحسين و التقبيح العقلائيين، كما نبهنا عليه في محله (3)، و من البيّن أنّ الأفعال التسببية- التي لا مساس لها خارجا بمال الغير و لا تأثير لها في نقله و انتقاله قهرا- لا يختل بنوعه النظام، ليكون مذموما عليه عقلا و محرما شرعا، و لا يلزم منه سد باب وجوب الوفاء و حرمة النقض، لما بيّنا في محله (4) أنّ التكاليف الشرعية منبعثة عن أغراض مولوية و مصالح خاصة، لا عن المصالح الراجعة إلى انحفاظ النظام و بقاء النوع، فعدم كون النقض ذا مفسدة مولوية في نظر الشارع موجبة لتحريمه.

و ثالثا: أنّ دعوى أنّ وجوب الوفاء باعتبار أنّ تركه ظلم ليترتب عليه ما قيل تحكّم و رجم بالغيب.

____________

(1) ح 1، تعليقة 47، نهاية الدراية 1: 136.

(2) حاشية الميرزا محمد تقي الشيرازي 2: 73.

(3) نهاية الدراية 3: 28، 332- مؤسسة آل البيت.

(4) نهاية الدراية 3: 352- مؤسسة آل البيت.

35

و منها: ما عنه (قدّس سرّه) (1) أيضا، و هو أنّ حرمة الفسخ ملازمة شرعا مع عدم التأثير، للإجماع القطعي على أنّ كل عقد ينفسخ بالفسخ فالفسخ فيه جائز، فيستدل بهذه الملازمة- الثابتة بالإجماع بين جواز الفسخ و النفوذ المستلزم للتلازم بين حرمة الفسخ و عدم النفوذ- على لزوم العقد مطلقا إلّا ما خرج.

و فيه: إن أريد بالفسخ ما هو بالحمل الشائع فسخ و حل للعقد فحرمته مولويا ملازمة لتحققه من المكلف، و إلّا لكان تكليفا بغير المقدور، و إن أريد بالفسخ ما هو فسخ إنشائي مؤثر فكذلك، إذ لا يعقل حرمة التسبب المؤثر مع عدم تأثير السبب، و إن أريد مجرد الإنشاء الغير المؤثر فهو أمر مقدور مع عدم التأثير أيضا، إلّا أنّه حيث لم يكن منافيا لمقتضى العقد لم يكن نكثا للعهد، و لا خلاف الوفاء بالعقد، فلما ذا يكون حراما؟!! فهذا كاشف عن أنّ وجوب الوفاء بالمعاملة و حرمة نقضها إرشادي، و لذا ترى الملازمة بين حرمة الفسخ و عدم التأثير، و بين جوازه و التأثير، و إلّا فلا إجماع قطعي بناء على المولوية، بل العقل حاكم بأنّ الترخيص تكليفا مستلزم لمقدورية المرخص فيه و لا ينعكس، بل التحريم تكليفا أيضا دليل على المقدورية بملاك واحد.

و منه يتضح أنّ اشكال الشك في الموضوع جار بوجه آخر، و هو أنّ المحرم هو النقض بالحمل الشائع، و مع الشك في التأثير يشك في أنّه نقض بالحمل الشائع حتى يحرم أو لا حتى لا يحرم، فتدبر جيدا.

11- قوله (قدّس سرّه): (توضيحه: أنّ اللزوم و الجواز .. إلخ) (2).

لا يخفى عليك أنّ اللزوم و الجواز- بالمعنى الذي يكون حكما تكليفيا أو وضعيا شرعا أو عرفا- من لواحق العقد و أحكامه، و لا يعقل أن يكون الحكم- من أي حاكم كان- مأخوذا في موضوعه و مقوّما له كما أشرنا إليه سابقا (3)، نعم الكلام في انه هل

____________

(1) حاشية الميرزا محمد تقي الشيرازي 2: 73.

(2) كتاب المكاسب، ص 215، سطر 19، و فيه (توضيح الضعف ..).

(3) التعليقة السابقة.

36

يمكن أن يكون بمعنى آخر من خصوصيات العقد أو من خصوصيات أثره و مقتضاه أم لا، حتى يتفاوت به حكمه التكليفي أو الوضعي فنقول:

اللزوم بمعنى آخر يناسب مقام العقد ليس إلّا تأكده المناسب لعدم قبوله للانحلال بإنشاء الفسخ، و الحكم عليه بحرمة نقضه مثلا، و عدم التأكد المناسب لخلاف ما ذكر، و المعنى المناسب لمقام مقتضاه- و هي الملكية- كونها مرتبة شديدة غير قابلة للرجوع و الرد، أو مرتبة ضعيفة قابلة لما ذكر، و اللزوم و الجواز بهذا المعنى ليس من أحكام العقد و لا الملك، حتى لا يعقل كونهما من خصوصيات السبب أو المسبب، و لا بد لمن يقول باختلاف العقد أو اختلاف أثره و مقتضاه- حتى يكون الأمر بالوفاء إرشادا إلى ترتيب مقتضاه عليه لزوما أو جوازا- أن يقول بالاختلاف من هذه الجهة، و ليس في كلام المصنف (قدّس سرّه) ما يقتضي منعه و نفيه هنا، و إن تقدّم منه (قدّس سرّه) بعض الكلام في مبحث المعاطاة (1).

و التحقيق: أنّ العقد و العهد المعاملي و الملكية و أشباهها حيث إنّها من الاعتبارات ليس فيها حركة و اشتداد، و ليست من المقولات حتى يجري في بعضها الحركة و الاشتداد، و قد مرّ (2) في غير مقام أنّ الملكية لو كانت من مقولة الجدة أيضا لم يجر فيها الاشتداد من حيث الشدة و الضعف، و إن جرى فيها التشكيك من حيث الزيادة و النقص، و النافع هنا هو التشكيك من حيث القوة و الضعف لا من حيث الزيادة و النقص.

و منه تعرف أنّ اعتبار ملكية قوية أو ضعيفة أيضا لا معنى له، إذ ليس لحقيقته قوة و ضعف، حتى يمكن اعتبار الشديد منها و الضعيف منها، فلم تبق إلّا خصوصيات خارجة عن مرحلة العقد و الملك، بحيث يكون باعتبار تلك الخصوصيات يحكم على العقد باللزوم تارة و الجواز أخرى كخصوصية المجلس أو كون المبيع حيوانا أو كون الهبة لذي رحم و أشباه ذلك، و مع خروج تلك الخصوصيات عن العقد و مقتضاه لا معنى لأن يتفاوت الوفاء بالعقد في نفسه كما توهم، و قد تعرّضنا لبقية الكلام في

____________

(1) كتاب المكاسب، ص 85، سطر 27.

(2) ح 1، رسالة الحق و الحكم. 43.

37

مباحث المعاطاة فراجع (1).

[قوله تعالى (أحلّ اللّه البيع)]

12- قوله (قدّس سرّه): (فإنّ حلية البيع التي لا يراد منها .. إلخ) (2).

توضيح المقام: أنّ الحلية إمّا أن تكون مضافة إلى نفس البيع أو إلى التصرفات المترتبة عليه.

فإن أريد الأول: فإمّا أن يكون المراد من الحلّ معناه اللغوي المناسب للوضع و التكليف، و إمّا أن يكون المراد خصوص الحلية التكليفية، فعلى الأول يراد من إحلال البيع جعله في محله و إقراره في مقره في قبال جعله كالعدم، فيكون دليلا على إمضاء هذه المعاملة المتداولة من دون دلالة على لزومها بوجه.

و على الثاني يراد من إحلاله إطلاق العنان فيه، و الترخيص في التسبب إلى ملكية شيء بعوض، و مقتضى تعلّق التكليف مطلقا بشيء مقدوريته، فيدل بالالتزام على أنّ التسبب إلى الملكية أمر قابل للوقوع شرعا، و إلّا لكان الترخيص لغوا، فدلالة الحلية على النفوذ بالمطابقة على الأول و بالالتزام على الثاني.

و إن أريد الثاني: أعني تعلّق الحلية بالتصرفات، فإن أريد الترخيص في التصرفات بما هي تصرفات فالآية أجنبية عن إنفاذ البيع، بل عن إفادة الملكية إلّا بدعوى الملازمة بين الإباحة المطلقة و الملكية، مع ما يتوجه عليه كما مر في مبحث المعاطاة (3).

و إن أريد الترخيص في التصرفات المترتبة على البيع بما هي مترتبة عليه، بأن يكون البيع ما به يتوصل إلى تلك التصرفات، فتدل بالالتزام عرفا على نفوذ البيع، و إلّا لما كانت التصرفات حلالا بهذا المعنى، بل بالمعنى الأول الأجنبي عن صحة البيع، بل عن تحقق الملكية رأسا، فعلى هذا التقدير تدل الآية على صحة البيع المتوصل به بنفس حلية تلك التصرفات، و على لزومه بإطلاقها لما بعد إنشاء الفسخ كما هو مرامه (رفع مقامه).

____________

(1) ح 1، تعليقة 77.

(2) كتاب المكاسب، ص 215، سطر 12.

(3) ح 1، تعلية 58.

38

ثم إنّ صرف الحلية المتعلقة بالبيع إلى التصرفات لعله بملاحظة أنّه لا موجب لحرمته بما هو عمل من الأعمال، و لا بما هو فعل تسبيبي معاملي، بل إباحته بملاحظة أنّه وسيلة إلى التقليبات و التقلبات، فهي المباحة دون ما يتوسل به إليها، إلّا أنّه فرق بين اباحة البيع من حيث التوصل به إلى التصرفات و اباحة التصرفات، فإنّ ترخيص الشارع للتقليب في المال بالبيع لا إطلاق له لما بعد إنشاء الفسخ، حيث إنّ نفوذ إنشاء الفسخ و عدمه أجنبي عن جواز التوصل بالبيع لجميع التصرفات، بخلاف الترخيص في نفس التصرفات فإنّها قابلة للإطلاق من حيث وقوعها قبل إنشاء الفسخ و بعده، و لا يخفى أنّ المسلّم من الترخيص هو الترخيص في البيع الذي يتوصل به إلى التصرفات، لا الترخيص في نفس التصرفات، إذ لا موجب له، و حينئذ فلا مجال لدعوى الإطلاق، حيث لا منافاة بين جواز التوصل بالبيع لجميع التصرفات و انحلال البيع بإنشاء الفسخ.

[قوله تعالى (تجارة عن تراض)]

13- قوله (قدّس سرّه): (بإطلاق حلّية أكل المال بالتجارة .. إلخ) (1).

بيانه: أنّ أكل المال إمّا عنوان للتصرفات المعاملية بنفسها، و إمّا عنوان للتصرفات المترتبة على المعاملة.

فإن أريد منه الأول فغايته حلية التجارة عن تراض، و هي مستلزمة لنفوذها كما تقدم نظيره، و لا موقع لإطلاقها لما بعد إنشاء الفسخ، إذ ليس إنشاء الفسخ و عدمه من شؤون التجارة و أحوالها كما عرفت (2).

و إن أريد منه الثاني كما هو الظاهر، لظهور الأكل عرفا في التصرفات الغير المعاملية، لكن حيث قيد الأكل بكونه بينهم فلا محالة يراد منه التصرفات المترتبة على المعاملة بينهم، لأكل تصرف في مال الغير، فحينئذ يدل جواز التصرفات مطلقا على عدم تأثير إنشاء الفسخ، إلّا أنّه فرق أيضا بين جواز التصرفات المترتبة على التجارة و جواز التصرف بالتجارة، فإنّ الأول قابل للإطلاق، بخلاف الثاني فإنّه ظاهر

____________

(1) كتاب المكاسب، ص 215، سطر 24.

(2) تعليقة 11.

39

في أنّ السبب المجوّز لها هي التجارة، و ليس عدم إنشاء الفسخ قيدا للسبب المجوّز و لا للتصرف الجائز به حتى ينفى بالإطلاق، و من الواضح أنّ ظاهر الآية هو الثاني كما يقتضيه الاستثناء من الأكل بسبب باطل.

14- قوله (قدّس سرّه): (لكن يمكن أن يقال: إنّه إذا كان .. إلخ) (1).

ليس الغرض الاشكال من حيث عدم إحراز الموضوع، حتى يورد (2) عليه بعدم اختصاصه بالآيتين، بل يعم الآيات الثلاث بل الأدلة الآتية (3)، و لا الغرض منع الإطلاق على الوجه الذي أشرنا إليه، فإنّ ظاهره تحقق الإطلاق لكنه لا ينفع.

بل التحقيق: اختصاص الآيتين بخصوصية افادة الحلية و الإباحة دون غيرهما، حتى المستثنى منه في آية التجارة عن تراض، و الإباحة غالبا من باب الاقتضاء، دون الأحكام الطلبية حتمية كانت أو غير حتمية فإنّها عن اقتضاء لزومي أو غير لزومي، و كما أنّ لا اقتضائية الموضوع بذاته لا تنافي وجود المقتضي لخلافه و لا تزاحمه ثبوتا، فكذا الإطلاق المنبعث عن لا اقتضائية الموضوع بذاته لا يندفع الشك في المقتضي لضده مثلا، بل لا اقتضائية الموضوع المستتبعة للحلية محفوظة مع وجود المقتضي المستدعي للحرمة، و لأجل تكفّل الآيتين للإباحة دون سائر الآيات و الروايات فلذا خصّ الاشكال بهما، فتدبره فإنّه حقيق به.

لا يقال: إذا لم يكن الإطلاق مجديا فكذا استصحاب الإباحة الناشئة عن لا اقتضائية الموضوع، مع أنّه (قدّس سرّه) صرّح في المقام بكفاية الاستصحاب في رفع الشك.

لأنا نقول: الاستصحاب و ان كان متكفلا للحكم المماثل، إلّا أنّ المماثلة باعتبار مسانخة المتيقن مع طبيعي الحكم المجعول، و إلّا فالحكم المماثل المجعول على طبق المتيقن ناش عن مقتضي جديد.

و التحقيق: أنّ فعلية الحلية لا يجامع أدنى مقتضي لضدها، فالدليل إن كان متكفلا للحكم الملاكي الاقتضائي بحسب ذات الموضوع فهو محفوظ مع وجود المقتضي

____________

(1) كتاب المكاسب، ص 215، سطر 25.

(2) المورد السيد اليزدي راجع حاشيته 2: 4 سطر 14.

(3) هذا هو الصحيح، و في الأصل (الآنيّة).

40

لخلافه، إلّا أنّه خلاف الظاهر، و إن كان متكفلا للحكم الفعلي فلا محالة يستحيل إطلاقه مع فرض وجود المقتضي للخلاف، فلا محالة إمّا لا إطلاق أولا مقتضي للخلاف، فافهم و استقم.

15- قوله (قدّس سرّه): (دلّ على حرمة الأكل بكل وجه .. إلخ) (1).

قد مرّ (2) أنّ أكل المال إمّا عنوان للتصرف المعاملي و هو التملّك بالرجوع و نحوه، و إمّا عنوان للتصرفات المترتبة على المعاملة.

فإن كان الأول- كما هو ظاهر المصنف (قدّس سرّه)، حيث قال: (فإنّ أخذ مال الغير و تملّكه من دون إذن صاحبه باطل عرفا .. إلخ)- فغايته حرمة تملّك مال الغير بالرجوع، و ملازمته للفساد مشكلة كما مرّ (3).

و إن كان الثاني- على سياق استدلاله بسائر الأدلة من حرمة التصرفات بعد إنشاء الفسخ- فدلالته على عدم رجوع المال إلى ملكه- و إلّا لكان محجورا عن ملكه- واضحة، و موافقته لظاهر عنوان الأكل أوضح، غاية الأمر لا بد من صدق الباطل عليه عرفا لئلا يلزم محذور التمسك بالعام مع عدم إحراز موضوعه، و قد تقدم الكلام في نظير المقام من كون العقد و الملك أو الباطل أمرا واقعيا أو اعتباريا، و أنّ الموضوع العرفي أخذ بنحو الموضوعية أو بنحو المعرّفية للموضوع الذي اعتبره الشارع، فراجع (4).

[قوله (صلّى اللّه عليه و آله) (لا يحل مال إمرئ ..)]

16- قوله (قدّس سرّه): (و مما ذكرنا يظهر وجه الاستدلال بقوله (عليه السلام) (لا يحلّ) (5) .. إلخ) (6).

لا يخفى عليك أنّ الظاهر كون رضا المالك مبيحا للتصرف في ماله، فيراد منه التصرف في مال الغير بما هو ملكه، لا بما هو ملك لنفسه، فلا يعم التملك بالرجوع، و عليه فكون الموضوع محفوظا بعد إنشاء الفسخ غير معلوم إلّا بالتصحيح المتقدم

____________

(1) كتاب المكاسب، ص 215، سطر 27.

(2) تعليقة 13.

(3) تعليقة 10.

(4) تعليقة 10- عند قوله (توضيحه ان المراد بالعقد ..).

(5) عوالي اللآلئ 1: 113، حديث 309.

(6) كتاب المكاسب، ص 215، سطر 30.

41

مرارا (1) من كون الموضوع عرفيا، و الفراغ عن عدم تأثير الرجوع عرفا، و أمّا بناء على ارادة التصرف في المال بما هو ملك نفسه بإرادة التملّك بالرجوع، فالموضوع حال التملّك محرزا، لا أنّ حرمة- التملّك كما مرّ (2)- لا تلازم الفساد.

و أمّا حمل الحلّ على المعنى اللغوي المناسب للوضع، حتى يدل على عدم نفوذ التملك بالرجوع.

ففيه: أنّ مفهوم الحلّ و إن كان قابلا، إلّا أنّه إذا نسب إلى الأفعال التسبيبية و المعاملية، بل مطلق ما له أثر كالصلاة بالنسبة إلى أثرها، و أمّا إذا نسب إلى الأعيان- كما في هذا الخبر حيث أضيف إلى المال- فلا يراد منه إلّا التكليف كما في نظائره، فلا يراد من حرمة الميتة و الدم إلّا حرمة أكلها و شربها لا عدم نفوذ بيعهما، و لذا ترى استهجان “التمر نافذ” مع صحة “التمر حلال”، فافهم و تدبر.

[قوله (صلّى اللّه عليه و آله) (الناس مسلطون على ..)]

17- قوله (قدّس سرّه): (فإنّ مقتضى السلطنة أن لا يجوز .. إلخ) (3).

بيانه: أنّ الاستدلال تارة بمدلوله المطابقي و هو ثبوت السلطنة- للفاسخ و المفسوخ عليه- على ما بيدهما حتى بعد إنشاء الفسخ، فيعلم منه عدم تأثير الفسخ و إلّا لم يكن من السلطنة على ماله، بل على مال غيره، و حينئذ يرد عليه اشكال عدم إحراز الموضوع، و لا بد من تصحيحه بما مرّ مرارا (4)، و أخرى بمدلوله الالتزامي، و هو أنّ مقتضى سلطان المالك على ماله بالسلطنة المطلقة التي لازمها عدم سلطنة الغير بنحو يزاحم تلك السلطنة- عدم نفوذ الرجوع، إذ لا ينفذ إلّا ممن له السلطنة عليه، و حينئذ فلا يرد محذور عدم إحراز الموضوع، إذ الرجوع يتعلّق بمال الغير في وعاء تعلّقه به و هو محفوظ فيه.

نعم يرد عليه: عدم ثبوت السلطنة المطلقة هكذا، و تقريبه: أنّ السلطنة على قسمين:

____________

(1) تعليقة 10.

(2) التعليقة السابقة.

(3) كتاب المكاسب، ص 215، سطر 31، و فيه (فان مقتضى السلطنة التي أمضاها الشارع أن ..).

(4) تعليقة 10.

42

أحدهما: ما يتفرّع على الملكية و يترتب عليها، و هو مدلول قوله (عليه السلام) (الناس مسلطون على أموالهم) (1) أي الأموال المضافة إليهم بإضافة الملكية أو الحقيّة.

و ثانيهما: سلطنة ابتدائية كسلطنة الشفيع على تملّك مال شريكه ببذل مثل الثمن.

و من البيّن أنّ المدلول الالتزامي لدليل السلطنة المتفرّعة على الملك عدم السلطنة لغير المالك، [و] (2) حيث لا ملك فلا سلطنة، لا لمزاحمتها لسلطان الغير على ماله بل لعدم المقتضي لمثل هذه السلطنة.

و أمّا سلطنته الابتدائية على رد ملك الغير فهي إنّما تكون مزاحمة لسلطنة المالك إذا كان سلطنة المالك مقتضية لنفيها، و من الواضح أنّ المالك- و إن كان له السلطنة على إبقاء ملكه و إزالته- إلّا أنّ المراد إبقائه بعدم نقله، حيث إنّه طرف إعدامه و إزالته، و أمّا السلطنة على الإبقاء بمعنى إسقاط الرجوع عن التأثير فهي من السلطنة على الحكم، لا من السلطنة على المال.

و مما ذكرنا يتضح فساد دعوى أنّ مقتضى سلطنة المالك دخل إذنه و رضاه في نفوذ تصرف الغير، فتملّك المال من دون إذنه و رضاه مناف لسلطانه، وجه وضوح الفساد:

أنّ لازم سلطنة المالك على المال نفوذ تصرفاته باعمال قدرته و رضاه، و أمّا عدم تأثير القدرة و الرضا من غيره فلعدم السلطنة لعدم الملكية لا لدخالة إذن المالك، و إن كان إذنه و رضاه دخيلا بمثل قوله (عليه السلام) (لا يحل مال امرء مسلم إلّا عن طيب نفسه) (3) فدخل إذن المالك و رضاه في تصرفات الغير ليس مدلولا مطابقيا لدليل “الناس مسلطون”، و لا مدلولا التزاميا له، نعم عدم السلطنة للغير مدلول التزامي، فيتبعه عدم تأثير قدرته و رضاه في رجوعه، لكنه لعدم الملك لا لمنافاته لسلطان المالك، فتدبر جيدا.

[قوله (صلّى اللّه عليه و آله) (المؤمنون عند شروطهم ..)]

18- قوله (قدّس سرّه): (و منها قوله صلّى اللّٰه عليه و آله: (المؤمنون عند شروطهم) (4) .. إلخ) (5).

يتوقف الاستدلال بهذه الرواية على تحقيق أمرين:

____________

(1) غوالي اللآلئ 2: 138، حديث 383.

(2) اضافة يقتضيها السياق.

(3) عوالي اللآلئ 1: 113، حديث 309.

(4) عوالي اللآلئ 2: 257، حديث 7.

(5) كتاب المكاسب، ص 215، سطر 33.

43

أحدهما: أنّ الشرط مطلق الالتزام و الإلزام، أو خصوص الضمني منهما.

ثانيهما: أنّ الرواية متكفلة للصحة و النفوذ، أو اللزوم التكليفي أو الوضعي.

أمّا الأول فنقول: مقتضى الاستعمالات الصحيحة الفصيحة صدق الشرط على مطلق الجعل و القرار، كما في قوله (عليه السلام) (الشرط في الحيوان ثلاثة أيام) (1) و نظائره التي سيجيء إن شاء الله تعالى الكلام فيها في (2) محله، نعم قوله (شرط الله قبل شرطكم) (3) لعله من المجاز للمشاكلة بقرينة المقابلة، فتدبر.

و أمّا موارد الاستعمالات التي نقلها المصنف (قدّس سرّه) و جعلها من الالتزام الضمني.

فمدفوعة: بأنّ من يقول بأنّ الشرط التزام ضمني فيريد كونه التزاما في ضمن الالتزام المعاملي، لا في ضمن أي شيء و لو في ضمن الكلام مثلا، و منه يعلم أنّ قوله (عليه السلام) (الشرط في الحيوان) أجنبي عن الالتزام في ضمن بيع الحيوان، إذ لا يعقل أن يكون ضمنيا إلّا من المتبايعين، و إمّا (4) من جاعل الخيار، فالبيع مورد له لا مشتمل عليه.

و التحقيق: كما سيجيء إن شاء الله تعالى في محله (5)- أنّ حقيقة الشرط الذي هو مبدأ لمشتقاته في جميع موارد إطلاقاته بمعنى واحد، و هو مجرّد ربط شيء بشيء، سواء كان واقعا كذلك- كالأمور التي يتوقف عليها شيء كالشرط الأصولي و كالشرط النحوي الذي يكون الجزاء معلقا عليه- أو كان ظهورا و كشفا كالشرط بمعنى العلامة، فالالتزام بشيء من حيث جعله في عهدته و ربطه بنفسه شرط، كما أنّه إذا جعله في ضمن المعاملة من حيث ربط المعاملة بنفس الالتزام لا بالملتزم به شرط فقهي، بل الأمر في ما يرادفه في الفارسية المعبر عنه ب”پيمان” أيضا كذلك، فإنّهم و إن ذكروا أنّ له معنيين أحدهما العهد و الشرط، و الآخر المنسوب إلى الشخص ممن له اتصال

____________

(1) قريب منه، وسائل الشيعة، باب 3، من أبواب الخيارات، ح 1، 4.

(2) في خيار الحيوان، تعليقة 88.

(3) وسائل الشيعة، باب 20 من أبواب النكاح، ح 6، باب 38، ح 1.

(4) لو قال (أو) لكان أوضح.

(5) تعليقة 56.

44

نسبي يعبر عنه ب”خويش و پيوند”، إلّا أنّ الظاهر رجوعهما إلى مجرّد الوصل و الربط، غاية الأمر أنّه تارة وصل حقيقي بشيء، و أخرى وصل و ربط جعلي و بقية الكلام في محله.

و أمّا الثاني فنقول: كون القضية الخبرية كناية عن الوقوع و النفوذ بعيد جدا، فإنّ اللزوم و إن كان متفرعا على الصحة إلّا أنّ دلالته على الصحة فرع دلالته (1) حقيقة على اللزوم.

و أمّا دلالته على الصحة بنحو الكناية فإنّما يصح مع التلازم خارجا بين الصحة و ملازمة المؤمن لشرطه، حتى يكون الاخبار عن ملازمته لشرطه اخبارا عن وقوع شرطه، مع أنّ الشرط المحقق ربّما ينفك عنه المؤمن و لا يلازمه، و ربّما لا ينفك عنه و يلازمه، فالوجه هو الدلالة على اللزوم إمّا تكليفا أو وضعا، و حيث إنّ اللزوم صفة في الشرط لا صفة للمؤمن الشارط، و مفاد القضية عدم انفكاك المؤمن عن شرطه لا عدم انفكاك الشرط عن المؤمن، فالأوجه كون القضية كناية عن وجوب الوفاء، فإنّ المؤمن حيث يجب عليه الوفاء فهو عند شرطه يقوم بمقتضاه، فإنّ البعث حيث إنّه من أجزاء علّة وجود المبعوث إليه فالإخبار عن تحقق المبعوث اليه اخبار (2) عن تحقق البعث صحيح، و أمّا جعله إرشادا إلى اللزوم فبعيد أيضا، لأنّه يتكفّل توصيف المؤمن بالوفاء لا إظهار ما في الوفاء من الفائدة، فتدبره فإنّه حقيق به.

[قوله (عليه السلام) (البيعان بالخيار)]

19- قوله (قدّس سرّه): (و منها الأخبار المستفيضة في أنّ البيّعين بالخيار .. إلخ) (3).

لا ريب في أنّ الافتراق غاية لهذا الخيار الخاص الذي يقابل خيار الحيوان و سائر أقسام الخيار، و بمناسبة المقام يكون الحكم بالوجوب، و بأنّه لا خيار لهما بالنظر إلى استقرار البيع و لزومه من ناحية هذا الخيار، لا أنّ دليل خيار الحيوان مخصص لهذا الدليل، و حينئذ فمع الشك في ثبوت خيار آخر لخصوصية أخرى لا يمكن الاستدلال لنفيه بهذه الاخبار، فلا يثبت بهذه الاخبار حتى اللزوم بقول مطلق بعد

____________

(1) في المخطوط (دلالة)، و ما أثبتناه هو الصحيح.

(2) هذا هو الصحيح و في الأصل (اخبارا).

(3) كتاب المكاسب، ص 216، سطر 3.

45

الافتراق، كما هو المرام في المقام.

[الاستصحاب]

20- قوله (قدّس سرّه): (و ربما يقال: بأنّ مقتضى الاستصحاب عدم انقطاع علاقة المالك .. إلخ) (1).

المراد بعلاقة المالك: تارة علاقة الملكية، و أخرى علاقة مترتبة على علاقة الملكية- أي السلطنة على التصرفات.

ثم علاقة الملكية تارة هي العلاقة المتعلقة بنفس العين، و أخرى أعم من ذلك كملك المنفعة و ملك الانتفاع و نحوهما فنقول:

العلاقة المتعلقة بنفس العين إن كانت قابلة للاشتداد حتى تكون المرتبة الشديدة زائلة و ذات العلاقة بمرتبتها الضعيفة- التي من آثارها جواز الرجوع في العين- باقية، فاستصحاب ذات العلاقة أمر معقول، و إن لم يكن قابلة للاشتداد إمّا لعدم كون الملك الشرعي و العرفي أمرا مقوليا، بل أمر اعتباري ليس فيه حركة و اشتداد، و إمّا لعدم كونها من المقولات التي تجري فيها الحركة و الاشتداد، لأنّها إمّا من مقولة الإضافة أو من مقولة الجدة، و لا يجري الاشتداد من حيث القوة و الضعف في شيء منهما، و إن كانت مقولة الجدة قابلة للزيادة و النقص، لكنه لا يجدي فيما هو المهم في مقامنا كما مرّ (2) مرارا.

و أمّا اعتبار أمر مقولي أكيدا و غير أكيد فهو و إن كان في نفسه معقولا إلّا أنّ المعتبر ليس من المقولات التي في نفسها قابلة للتأكّد حتى يعتبر الأكيد منها، مع أنّ اعتبار غير الأكيد بعد زوال اعتبار الأكيد اعتبار حادث مغاير للاعتبار الزائل، و هو مشكوك الحدوث، فلا مجال لاستصحابه، فتدبره فإنه حقيق به.

و أمّا العلاقة المتعلقة بأعم من العين و المنفعة و الانتفاع فالملكية و إن كانت كذلك و لكن لا مساس له بما نحن فيه، لزوال الملكية بجميع أفرادها المتعلقة بالعين و منافعها و الانتفاع بها، لتبعية ملك المنفعة و الانتفاع لملك العين مع عدم المانع.

و أمّا ملك رد العين فهو على فرض ثبوته ملك جديد، و لا يعقل اعتباره إلّا لغير

____________

(1) كتاب المكاسب، ص 216، سطر 5.

(2) ح 1، رسالة الحق و الحكم. 43.

46

المالك للعين، فليس هو من أنحاء الملكية الثابتة لذات المالك حتى يشك في بقاء بعض أنحائها.

و منه تعرف حال السلطنة فإنّ السلطنة على التصرفات المترتبة على ملكية العين تزول بزوالها، لتبعيتها لها تبعية المعلول لعلته، و السلطنة على تملكها بالرجوع سلطنة جديدة لا يعقل انبعاثها عن الملكية، كيف و هي سلطنة على تملكها بعد زوال الملكية، و في ظرف عدمها و وجود هذه السلطنة مشكوك الحدوث لا مشكوك البقاء.

21- قوله (قدّس سرّه): (و إن أريد العلاقة التي كانت في مجلس .. إلخ) (1).

لا ريب في أنّ محل الكلام ثبوت اللزوم من غير ناحية خيار المجلس المغيّا بالافتراق، فحينئذ إن كان تعدد أسباب الخيار موجبا لتعدد الخيار فلا محالة يستصحب كلي الخيار، و إن لم يتعدد بتعدد أسبابه فيستصحب شخص الخيار، و حيث إنّ البناء على تعدده بتعدد أسبابه، و لذا لا يلزم العقد بإسقاط خصوص خيار من الخيارات المجتمعة في البيع، فلا بد من استصحاب الكلي، و هو من القسم الثالث من أقسام استصحاب الكلي، و هو احتمال بقائه باحتمال مقارنة الفرد المتيقن لفرد آخر من الأول، و هو على التحقيق المحقق في محله غير صحيح، لتعدد وجود الكلي بتعدد أفراده، لعدم معقولية الكلي بين الكليين، فلا تصل النوبة إلى سائر الأجوبة، مع أنّ الأقوى عنده في تلك المسألة عدم جريان الاستصحاب في مثله، فعدم التعرّض له إمّا مبني على وحدة الخيار مع فرض تعدد أسبابه، و إمّا مبني على فرض جريان الاستصحاب في مثله، و الكل بعيد.

ثم إنّه أجاب (قدّس سرّه) عنه بوجوه:

أحدها: أخصية الدليل عن المدعى، إذ الكلام في لزوم العقد و جوازه مطلقا، لا خصوص البيع الذي يختص به خيار المجلس.

____________

(1) كتاب المكاسب، ص 216، سطر 8.

47

ثانيها: أنّ المقام مما يجب فيه الرجوع إلى العام لا إلى الاستصحاب، و هو و إن كان صحيحا عندنا- كما مرّ مرارا (1) و سيأتي (2) إن شاء الله تعالى- إلّا أنّه خلاف مبناه في مثل (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) المتكفّل لحكم وحداني (3) مستمر، مع أنّ فرض التمسك بالاستصحاب في قبال استصحاب الملك عدم العموم المثبت للزوم.

ثالثها: أنّه لا مجال لاستصحاب الخيار مع وجود الأخبار الدالة على انقطاعه بالافتراق.

و فيه أولا: أنّ الكلام مع قطع النظر عن مثل تلك الأخبار المثبتة للزوم من غير ناحية خيار المجلس.

و ثانيا: أنّ دلالة الاخبار على انقطاع مطلق الخيار محل اشكال، لما مرّ (4) من أنّ المراد بوجوب البيع بالافتراق- و أنّه لا خيار- وجوبه من ناحية هذا الخيار الخاص و عدم ذلك الخيار لا مطلقا.

و ثالثا: لو فرض دلالة تلك الاخبار على اللزوم بقول مطلق بعد الافتراق كما لم يكن مجال لاستصحاب الخيار كذلك لم يكن مجال لاستصحاب الملك المساوق للزوم، فلا معنى لكونه سليما عن الحاكم.

و رابعا: لا حكومة لاستصحاب الخيار على استصحاب الملك مع فرض جريانهما، إذ لا ترتب شرعا لأحد المستصحبين على الآخر، بل مجرد التلازم بين بقاء الملك و عدم الخيار و بين الخيار و عدم بقاء الملك، فتدبر.

22- قوله (قدّس سرّه): (ثم إنّه يظهر من المختلف (5) في مسألة أنّ المسابقة .. إلخ) (6).

ظاهره (رحمه اللّٰه) من الأصل هو الأصل العملي، و لذا رد بعموم (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (7)، و إن كان

____________

(1) ح 1: 193، تعليقة 105.

(2) تعليقة 87.

(3) هذا هو الصحيح و في الأصل (وجذاني).

(4) تعليقة 19.

(5) مختلف الشيعة 6: 219- مركز الأبحاث للدراسات الإسلامية.

(6) كتاب المكاسب، ص 216، سطر 11.

(7) المائدة، الآية: 1.

48

ظاهر الجواهر (1) بنائه على عدم دلالة (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) على اللزوم، نظرا إلى أنّ الوفاء هو الالتزام بمقتضى العقد من لزوم أو جواز، فلا دلالة حينئذ للأمر به على اللزوم، إلّا أنّ عدم الدليل على اللزوم لا يناسبه التعبير بأصالة عدم اللزوم إلّا بتوهم أنّ الجواز ليس إلّا عدم اللزوم، و هو مطابق للأصل.

23- قوله (قدّس سرّه): (نعم هو حسن في خصوص المسابقة .. إلخ) (2).

و فيه: أنّ صحة العقد ليست إلّا بلحاظ ترتب أثره عليه أيا ما كان، سواء كان ملكا أو سلطنة أو غيرهما، و الأصل بقاء ذلك الأثر، نعم عموم (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) لا يعم خصوص المسابقة و شبهها بناء على تقريب المصنف (قدّس سرّه) في إثبات اللزوم، إذ ليس في المسابقة بمجرد العقد انتقال مال حتى تكون حرمة التصرف فيما انتقل عن الشخص بعد الرجوع بالإطلاق دليلا على عدم تأثير الرجوع، إلّا أنّك قد عرفت (3) أنّ عدم دلالة العموم عموما أو خصوصا على اللزوم أمر و أصالة عدم اللزوم أمر آخر، فتدبر.

24- قوله (قدّس سرّه): (بناء على أنّ المرجع في الفرد المردد .. إلخ) (4).

لا يخفى عليك أنّ في العام المخصص مسألتين، إحديهما في الشبهة الحكمية، و أنّ المرجع في حكم الفرد المشكوك هل هو العام أو استصحاب حكم المخصص، ثانيتهما في الشبهة المصداقية، و أنّ المرجع هل هو العام أو الأصل العملي، و المبنى نفيا و إثباتا في كل منهما مختلف، و نظره (قدّس سرّه) هنا إلى المسألة الثانية دون الأولى، لأنّ الكلام في الشبهة المصداقية، فما استدركه شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه): في تعليقته الانيقة (5) مبني على استفادة إرادة المسألة الاولى من كلامه (قدّس سرّه) مع أنّه بلا موجب.

____________

(1) جواهر الكلام 22: 219.

(2) كتاب المكاسب، ص 216، سطر 12.

(3) التعليقة السابقة.

(4) كتاب المكاسب، ص 216، سطر 14.

(5) حاشية الآخوند، 150.

49

25- قوله (قدّس سرّه): (كما إذا شك في أنّ الواقع هبة أو صدقة فإنّ الأصل .. إلخ) (1).

توضيحه: انا إن قلنا بأنّ الصدقة و الهبة حقيقتان متباينتان- كما يميل إليه في الجواهر (2)-، بحيث لو وهب بقصد القربة لم يكن صدقة و لم يترتب عليها آثار الصدقة، فلا أصل حينئذ يعين إحدى الحقيقتين، و أصالة عدم القربة لا يعين كون الواقع هبة.

و إن قلنا بأنّ تباين الصدقة و الهبة من باب تباين الماهية بشرط لا و الماهية بشرط شيء فالتمليك المجاني الذي قصد به القربة صدقة، و التمليك المجاني المجرد عن قصد القربة هبة محضة مقابلة للصدقة، و حينئذ فلأصالة عدم قصد القربة- الموجبة للتعبّد بعدم القيد الذي يكون التمليك به صدقة- مجال، و ينفي بها اللزوم المرتب على الصدقة.

و لا مجال لتوهم تبائنهما بنحو الماهية بشرط شيء من الطرفين، بأنّ تكون الصدقة تمليكا بقصد القربة و الهبة تمليكا بقصد غير القربة، ليتعارض الأصلان، فإنّه لا تكون الهبة متقومة إلّا بالتمليك المحض من دون دخل لخصوص قصد فيها، و إن كان الفعل الاختياري لا يخلو عن غرض يدعو اليه.

و الصحيح من المبنائين (3) المتقدمين هو الثاني، فإنّ الصدقة و الهبة و إن كانتا مفهومين متغايرين إلّا أنّ حقيقتهما التي يتسبب إلى حصولها بالقول واحدة، و هو التمليك، و ليس مفهوم الصدقة من الاعتبارات التي يتسبب إلى حصولها باللفظ، بل كل أمر يقع موقعه صدقة، غاية الأمر أنّ خصوص التمليك الذي يتقرّب به اليه تعالى اختص بهذا العنوان في قبال الهبة في كلام الفقهاء.

26- قوله (قدّس سرّه): (فإذا شك في اشتغال الذمة بالعوض .. إلخ) (4).

لا يخفى عليك أنّه بعد صدور العقد لا شك فعلا إلّا في اشتغال الذمة بالعوض،

____________

(1) كتاب المكاسب، ص 216، سطر 16.

(2) جواهر الكلام 28: 126.

(3) هذا هو الصحيح و في الأصل (المتباينين).

(4) كتاب المكاسب، ص 216، سطر 19.

50

فلا معارض لأصالة البراءة عن العوض، و بعد إنشاء الفسخ المشكوك تأثيره لا شك فعلا إلّا في بقاء أثر العقد، و في حرمة التصرف فيما انتقل اليه، و في حرمة منع الفاسخ عن التصرف فيما انتقل عنه، و الأصل حينئذ بقاء الأثر و عدم حرمة التصرف و المنع، إذ لا سبب جديد لاشتغال الذمة بالعوض حتى يكون هناك مجال للأصل حتى يكون معارضا للأصول السابقة، لكنه إذا لم يتفاوت التقدم و التأخر في الأصلين مع تقارنهما في المعارضة و مخالفتهما للعلم الإجمالي فلا فرق بين صورتي إنشاء الفسخ و عدمه في منافاة الأصلين للعلم الإجمالي، سواء اكتفينا بمجرد منافاة مفادهما للواقع أو اعتبرنا المخالفة العملية، لتحققها في الامتناع عن دفع العوض و المنع عن تصرف الفاسخ فيما انتقل عنه، فتدبر جيدا.

27- قوله (قدّس سرّه): (و إذا شك في الضمان مع فساد العقد .. إلخ) (1).

لا يخفى عليك أنّ مدرك الضمان في العقد الفاسد إمّا قاعدة اليد أو قاعدة الإقدام، فإن كانت قاعدة اليد فهي في نفسها مقتضية إثباتا للضمان مطلقا، إلّا أنّها مخصصة بما إذا كانت اليد بعنوان استئمان المالك أو بعنوان تسليط المالك مجانا، فالتمسك بها لما نحن فيه مبني على التمسك بالعام في الشبهة المصداقية كما يظهر من كلامه (رحمه اللّٰه) أخيرا.

و إن كانت قاعدة الإقدام فالمقتضي غير محرز، حيث لم يعلم أنّه أقدم بعنوان البيع حتى يكون إقداما معاوضيا أو بعنوان الهبة حتى يكون إقداما مجانيا، و حيث إنّ التمسك بالعام في الشبهة المصداقية خلاف التحقيق، و الاقدام المعاوضي غير محرز فالأصل البراءة عن الضمان.

نعم إن قلنا بأنّ قاعدة الاقدام لا مدرك لها إلّا قاعدة الاحترام و أنّ مال المسلم في نفسه محترم لا يذهب هدرا و أنّ اقدامه على المجانية مسقط لاحترام المال، فهذا مال محترم في نفسه و إقدامه المجاني غير محرز فسقوط الاحترام غير معلوم، إلّا

____________

(1) كتاب المكاسب، ص 216، سطر 19.