مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلامة - ج12

- السيد جواد الحسيني العاملي المزيد...
687 /
5

[كتاب المتاجر]

كتاب المتاجر

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

[المقصد الأول في المقدمات]

كتاب المتاجر و فيه مقاصد:

الأوّل في المقدمات و فيه فصلان:

____________

الحمد للّٰه ربّ العالمين، و صلّى اللّٰه على خير خلقه أجمعين محمّد و آله الطاهرين المعصومين، و رضي اللّٰه عن مشايخنا أجمعين و عن رواتنا المحسنين.

[كتاب المتاجر] [و فيه مقاصد]

هذا أحد أقسام القسم الثاني من الفقه، لأنّهم (1) قد قسّموه إلى أقسام أربعة: عبادات و عقود و إيقاعات و أحكام. و إن شئت قلت: عبادات و عادات و معاملات و سياسات.

و الوجه في الأوّل أنّ المبحوث عنه فيه إمّا أن يشترط فيه النيّة أو لا، «الأوّل» الأول، «و الثاني» إمّا أن يعتبر فيه إيجاب و قبول و هو الثاني أو الأوّل خاصّة و هو

____________

(1) القواعد و الفوائد للشهيد الأوّل: ج 1 ص 30، و الذكرى: ج 1 ص 61، و شرح القواعد لكاشف الغطاء: ص 1 (مخطوط في مكتبة گوهرشاد برقم 741).

8

..........

____________

الثالث، أو لا يعتبر فيه شيء منهما و هو الرابع.

و في الثاني أنّ المقصود إمّا انتظام أحوال النشأة الاولى أو الاخرى أو كليهما، فإن كان الثاني فهو الأوّل أو الأوّل فإمّا أن يتعلّق الغرض ببقاء الشخص أو النوع و هو الثاني أو المصالح المالية و هو الثالث أو الثالث فالرابع.

و المطلوب على التقديرين حفظ المقاصد الخمس الّتي بنيت عليها الشرائع و الأديان و هي الدين و النفس و العقل و النسب و المال، فالدين بالعبادات، و النفس بشرع القصاص و الديات، و العقل بحظر ما يزيله من المسكرات، و النسب بالمناكح و المواليد، و المال بالمعاملات و المداينات، و الكلّ بالسياسات كالحدود و التعزيرات و القضايا و الشهادات.

فكلّ ما كانت النيّة شرطاً في صحّته و كان ممّا يقع على نحوين فهو عبادة، و لا ينتقض في طرده و لا عكسه بشيء كما قيل كما ستعرف. و هو أيضاً كلّما قصد منه انتظام النشأة الاخرى و هي عبارة اخرى، و ذلك لأنّ العبادة لغة الطاعة و الخضوع له سبحانه و لغيره كما جاء في كلام أهل اللغة (1) و أشعار العرب، و قد أطبق العلماء (2) من الخاصّة و العامّة القائلون بالحقيقة الشرعية أنّ العبادة حقيقة شرعية لكنّهم اختلفوا في المعنى المنقولة إليه، فالمعتزلة (3) أنّها هي الدين المعتبر و الدين المعتبر

____________

(1) الصحاح: ج 2 ص 503 مادّة «عبد»، و القاموس المحيط: ج 1 ص 311 مادّة «عبد»، و مجمع البحرين: ج 4 ص 372.

(2) راجع معالم الاصول: ص 34 35، و الفوائد الحائرية: ص 97 100 و 102.

(3) حكى ذلك عن المعتزلة الحاجبي في مختصره و العضدي في شرحه عليه و قد صرّحا بما حكاه الشارح عنهما، فراجع مختصر الحاجبي: ص 11، و الشرح للعضدي: ص 51. و قد أشار إلى ذلك أيضاً في الفصول: ص 46 47، و ذكر الرازي في المحصول: ج 1 ص 303 ما أشار إليه الشارح معنى للإيمان فقال: الإيمان في الأصل عبارة عن التصديق، و في الشرع عبارة عن فعل الواجبات، و يدلّ عليه ثمانية أوجه: الأوّل أنّ فعل الواجبات هو الدين، و الدين هو الإسلام، و الإسلام هو الإيمان، ففعل الواجبات هو الدين، انتهى موضع الحاجة من كلامه فراجع، و أما السّعد و ميرزاخان و آغا جمال و غيرهم فلم نجد كتبهم المؤلّفة في ذلك.

9

..........

____________

الإسلام و الإسلام الإيمان. و ظاهر الحاجبي (1) و العضدي (2) و السعد (3) و ميرزاجان (4) و آغا جمال (5) و غيرهم (6) أنّها هي الدين أو الإسلام أو الأحكام. و الّذي يتحصّل (7) من كلام المفسّرين في غير الفاتحة و الفقهاء و الاصوليّين أنّها حقيقة شرعيّة في طاعة العبد ربّه من الوجه الذي يطاع منه، فيشمل التوحيد و الإيمان و الإسلام و الأحكام إلّا أنّ استعمالها في الأحكام و الأفعال في لسان الشارع و المتشرّعة ممّا لا يقف على حدّ كالعابدين و العابدات و مناسك العبادة و خير العبادة و أفضل العبادة و العبادة صحيحة أو باطلة.

و حقيقتها العمل المقرون بالقربة، و هي ما لا تقع و لا تصحّ إلّا بالنيّة كالصلاة و الزكاة و الصوم و الوقف و الاضحية و العتق و الصدقة و نحو ذلك ممّا عدّ في غير أبواب العبادات لمناسبات و اصطلاحات لوحظت في أنظارهم.

و يخرج عن العبادة الأذان و الإقامة و الجهاد و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و إن عدّوهما في باب العبادات، لأنّ النيّة ليست شرطاً في صحّتها، إذ مجرّد فعله بدون نيّة منجٍ من العقاب و إنّما هي شرط في استحقاق الثواب كالكفّ عن المعاصي و فعل المباح و تركه. و قد حكى الإجماع الشهيد في «قواعده (8)» على أنّ

____________

(1) راجع المصدر السابق.

(2) راجع المصدر السابق.

(3) راجع المصدر السابق.

(4) راجع المصدر السابق.

(5) راجع المصدر السابق.

(6) راجع المصدر السابق.

(7) لا يخفى عليك أنّ المستفاد من مجموع كلمات القوم بل و من آيات الكتاب و أخبار الحجج أنّ العبادة في الاصطلاح على ما هي عليه في العُرف و اللغة هو التذلّل و الخشوع و الخضوع للّٰه سبحانه، و إنّما تكون لها صغريات و مصاديق ذكرها الشارع و عيّنها بحدودها و أجزائها و شرائطها. و منه يظهر أوّلًا أنّ الحقيقة الشرعية إنّما تكون من مصاديق العبادة الحقيقية و أفرادها لا من مفهومها و معناها. و ثانياً أنّ العبادة إنّما هي من عمل الأعضاء و الجوارح و ممّا يظهر فى حركات البدن و يعاين بالعين الظاهرية و ليس للقلب و الفكر فيها شأن ثابت و إنّما يسمّى عمل القلب و الفكر بالإيمان، و يؤيّد ذلك أنّ ممّا لا شكّ فيه هو أنّ الاختيار و الإرادة معتبرٌ في العبادة، و ما لا اختيار للإنسان في ظهوره فليس من العبادة حتماً، و لا ريب أنّ تحقّق عقد القلب و وجود الفكر ليس باختاريّ للإنسان و لا يؤثّر في تحقّقه العزم و الإرادة أصلًا، فتأمّل جيّداً.

(8) القواعد و الفوائد: في النيّة ج 1 ص 92 الفائدة 12.

10

..........

____________

فوات النيّة في العبادات يخلّ بصحّتها. و إطلاق الاسم ينصرف إلى هذا القسم. و أمّا الّذي يصير عبادة بالنيّة و هو غير الأصلية و هو كلّما قصد به التقرّب ممّا يتأتّى بدونه فلا يصار إليه إلّا مع القرينة.

و منه يعلم حال ما قاله شيخنا العلّامة المعتبر في «شرحه (1)» حيث فسّر العبادات بأنّها عبارة عمّا اشترط في صحّته النيّة أو ما شرّع للمصالح الاخرويّة أو ما كان فيه رجحانية شرعية أصلية أو عارضية، فإنّ التفسير الثالث غير جيّد من وجوه، منها: أنّه شامل لكلّ واجب و مستحبّ و إن لم يتوقّف على نيّة، و منها: أنّه أدخل فيها ما يصير عبادة بالنيّة إلى غير ذلك. و هذا إنّما هو في الّذي يقع على نحوين من الأحكام و الأفعال، و إلّا فالنظر المعرّف عبادة كما نصّوا عليه، و ليست النيّة شرطاً في صحّته لعدم تحصيل المعرفة قبله، و إرادة الطاعة عبادة و لا تحتاج إلى نيّة و إلّا لتسلسل.

و لا ينتقض أيضاً تعريف المعاملات على ما حرّرناه بشيء من العبادات، و خرط بعضها في سلك البعض الآخر لاصطلاحات و مناسبات و تقريبات لا يدلّ على خلاف شيء ممّا ذكرناه، نعم قد ينتقض تعريف المعاملات في الوجه الأوّل بخروج بعض أفرادها كالبيع الضمني و نحوه كما ستعرفه في محلّه، و إن فسّرناها بما اشتملت على رضا الطرفين لم يخرج عنه البيع المذكور.

و أمّا المعاطاة في البيوع و الإجارات و نحوها فليست من العقود قطعاً، لأنّها إباحة محضة لا يشترط فيها شيء من شروط البيع، لا كما توهّمه الشهيد الثاني كما ستعرف، فتدخل في الأحكام، لأنّ الغرض منها أي الأحكام إمّا بيان الإباحة كالصيد و الأطعمة و الإرث و الأخذ بالشفعة و التصرّف في المعاطاة، و إمّا بيان التحريم كموجبات الحدود و الجنايات و غصب الأموال، و إمّا بيان الوجوب كنصب القاضي و نفوذ حكمه و وجوب إقامة الشهادة عند التعيين و وجوب الحكم

____________

(1) شرح القواعد: في المتاجر ص 1 س 8 و 9 (مخطوط في مكتبة گوهرشاد برقم 741).

11

..........

____________

على القاضي عند الوضوح، و إمّا بيان الاستحباب كالطعمة في الميراث و آداب الأطعمة و الأشربة، و إمّا بيان الكراهة كما في كثير من الأطعمة و آداب القاضي. و قد علم من ذلك أنّ كثيراً منها ممّا يتوقّف على اللفظ لا كما قاله الاستاذ في «شرحه (1)».

و المتاجر جمع متجر، و هو إمّا مصدر ميمي بمعنى التجارة و إمّا اسم للمكان أي محلّها و هو الأعيان المكتسب بها. و أمّا المتاجر بمعنى المال الّذي لم يخمّس كما طفحت به عباراتهم (2) في باب الخمس فغير مراد قطعاً، و على المعنيين الأوّلين تنطبق أكثر أقسام الباب إن اريدا معاً من باب عموم الاشتراك أو غيره، فتتعلّق أكثر أقسام الباب بالقسمين من دون اعتبار الحيثية ما عدا الأذان و الصلاة و نحوهما، لأنّها ليست أعياناً، و لا تدخل في المعاوضة لطلب الربح، و ليست من أقسام البيوع إلّا أن يراد بالتجارة مطلق التكسّب، لأنّ لها إطلاقات ثلاثة:

الأوّل: مطلق التكسّب على أيّ حال كان من الحالات، و هذا يدخل فيه الصلح و الإجارات و غيرهما.

و الثاني: المعاوضة لطلب الربح و قد طفحت به عباراتهم في باب الزكاة (3)، و به صرّح في «مجمع البيان (4)». و هذا غير مراد هنا لوجهين، الأوّل: أنّ الظاهر منهم في الباب ما هو أعمّ ممّا كان بقصد الاكتساب و الربح كما هو واضح. الثاني: أنّ تلك تشمل المملوك بعقد الصلح و لا يجوز إرادته هنا، و إلّا لزم خلط البابين، لكنّه أي المعنى الثاني هو الموافق لظاهر بعض آيات الكتاب (5) و العُرف

____________

(1) راجع المصدر السابق.

(2) كما في المبسوط: ج 1 ص 263، و السرائر: ج 1 ص 498، و التذكرة: ج 5 ص 443.

(3) منهم الشيخ في المبسوط: كتاب الزكاة في مال التجارة ج 1 ص 220، و المحقّق في الشرائع: في الزكاة في مال التجارة ج 1 ص 157، و العلّامة في إرشاد الأذهان: في الزكاة في مال التجارة ج 1 ص 285.

(4) مجمع البيان: ج 3 ص 37 تفسير آية 29 من سورة النساء.

(5) البقرة: 16، النساء: 29، التوبة: 24.

12

..........

____________

و اللغة (1) و كلام المفسّرين (2) و أخبار (3) الباب الواردة في مدح التجارة و الحثّ عليها، و لا ريب أنّها أظهر الأفراد و أوفق بموضوع الفنّ فقد يكون مراداً للمصنّف في أحد الاحتمالين و لكلّ من عبّر بالتجارة، و يخرج الصلح بنوعٍ من العناية، لكن فيه زيادة عمّا ذكرنا أوّلًا أنّه يلزم أن تكون المقصودة بالذات عشر معشار غير المقصود.

الثالث من إطلاقات التجارة: البيع مطلقاً و توابعه و ما يذكر في المقدّمات أو بعض المقامات، فليس مقصوداً أوّلًا و بالذات بل بالتبع، و على هذا تكون دائرة المقصود بالذات أوسع، و هو أيضاً موافق لموضوع الفقه، فيكون موضوع الباب بعض موضوع الفنّ، و هو أيضاً موافق لظاهر بعض آيات الكتاب (4) المجيد و بعض أخبار (5) الباب و كلام بعض أهل اللغة (6). و على ذلك جرى الشيخ في «المبسوط (7) و الخلاف (8)» و جماعة (9) حيث عنونوا بالبيع، و من لحظ كلام المفسّرين (10) ما عدا الزمخشري و كلام أصحاب آيات فقه القرآن (11)

____________

(1) أساس البلاغة: ص 60 مادّة «تجر»، مجمع البحرين: ج 3 ص 233 مادّة «تجر».

(2) مجمع البيان: ج 1 ص 53 تفسير آية 19 من سورة البقرة، و تفسير القرطبي: ج 5 ص 151 تفسير آية 29 من سورة النساء.

(3) وسائل الشيعة: ب 1 و 2 من أبواب مقدّمات التجارة ج 12 ص 2 و 5.

(4) النور: 37، الجمعة: 11.

(5) وسائل الشيعة: ب 1 و 2 من أبواب مقدّمات التجارة ج 12 ص 2 و 5.

(6) القاموس المحيط: ج 1 ص 379 مادّة «التاجر».

(7) المبسوط: كتاب البيوع ج 3 ص 76.

(8) الخلاف: ج 3 ص 3 «كتاب البيوع».

(9) منهم السيّد المرتضى في الانتصار: ص 433، و ابن زهرة في غنية النزوع: ص 207، و ابن سعيد في الجامع للشرائع: ص 244، و الشهيد الأوّل في الدروس: ج 3 ص 191.

(10) منها مجمع البيان: ج 3 ص 37، و تفسير القرطبي: ج 5 ص 151، و تفسير الفخر الرازي: ج 10 ص 70 في تفسيرهم للآية 29 من سورة النساء.

(11) كنز العرفان: ج 2 ص 33، و زبدة البيان: كتاب البيع ص 427، و أحكام القرآن لابن العربي: ج 1 ص 521 كلّهم للآية 29 من سورة النساء.

13

الأوّل: في أقسامها و هي تنقسم بانقسام الأحكام الخمسة.

____________

و كلام الفقهاء (1) و كلام أكثر أهل اللغة (2) عرف أنّهم لم يتعرّضوا إلّا للمعنى المصدري و لم يلتفتوا إلى معنى الحرفة أصلًا، نعم قد يراد في مقامات اخر لمكان ظاهر اللفظ.

فقول الاستاذ أدام اللّٰه سبحانه حراسته أنّ التجارة ظاهرة في غير المراد و هو الصناعات الداخلة في الملكات، فلذلك ترك المصنّف (رحمه الله) التعبير بها في المقام، كأنّه لم يصادف محزّه، مع أنّه بعد ذلك اعترف بأنّ أظهر أفرادها المعاوضة لطلب الربح و أنّه ظاهر العرف و اللغة، فتأمّل. و قد اشتهر في عصرنا الآن إطلاق التجارة على بيع الأقمشة و نحوها و هذا حادثٌ لا عبرة به.

[الفصل الأول في أقسام التجارات و هي خمسة]

[في أقسام التجارات] قوله: الأوّل: في أقسامها، و هي تنقسم بانقسام الأحكام الخمسة

هذا قد يرشد إلى أنّ مراده من المتاجر التجارات لا محالّها، و أمّا ذكر الأعيان في سلك الأقسام فمن جهة الاكتساب بها. و قد يراد بالضمير المضاف إليه ما يعمّ الفعل و المحلّ استخداماً حيث نجعل المرجع خاصّاً، و لو عمّمناه فالضمير على ظاهره. و الضمير المنفصل يحتمل احتمالات أيضاً و إن خدش بعضها. و هذا التقسيم ليس من خصوصيات التجارة بل هو جارٍ في أكثر الأبواب.

____________

(1) كالمحقّق الكركي في جامع المقاصد: في المتاجر ج 4 ص 5، و الشهيد الثاني في مسالك الأفهام: في التجارة ج 3 ص 117، و الفاضل المقداد في التنقيح الرائع: في التجارة ج 2 ص 53.

(2) مجمع البحرين: ج 3 ص 233 مادّة «تجر». و انظر مجمل اللغة: ج 1 ص 145، و الصحاح: ج 2 ص 600، و القاموس المحيط: ج 1 ص 379.

14

..........

____________

و قد جعل في «الشرائع (1)» الأقسام ثلاثة محرّماً و مباحاً و مكروهاً، و اعتذر عنه في «المسالك (2)» بأنّ مورد القسمة هو العين و المنفعة، قال: و ظاهر أنّ الوجوب و الندب لا يرد عليهما من حيث إنّهما عين خاصّة و منفعة بل بسبب أمرٍ عارضٍ و هو فعل المكلّف و قال: و مورد القسمة في الخمسة هو فعل المكلّف.

قلت: هذا لحظه الشهيد في «اللمعة (3)» و على ذلك جرى شيخنا صاحب «الرياض (4)» و فيه نظر ظاهر، لأنّ المباح و المحرّم و المكروه أيضاً كذلك فإنّ العين بذاتها لا تكون محرّمة و لا مكروهة و لا مباحة بل باعتبار ما يتعلّق بها من فعل المكلّف كما هو ظاهر جدّاً، ثمّ إنّه قد يخرج الاكتساب ببعض ما ذكروه كالأذان و نحوه ممّا لا يحرم و إنّما تحرم اجرته، فالتقسيم إلى الثلاثة [1] بناءً على جعل المقسم ما يكتسب به لا وجه له، إلّا أن يقال: إنّ الوجوب و الندب قليلان نادران أو إنّ الغرض من البيع جوازه و عدمه و صحّته و عدمها و لا مدخل في ذلك للوجوب و الندب، فتدبّر. و نِعم ما قال شيخنا أدام اللّٰه حراسته: و هي صيغاً أو نقلًا أو انتقالًا أو آثاراً تنقسم بانقسام الأحكام الخمسة لا الثلاثة بترك الواجب و المندوب كما في كلام بعض أو المباح و المكروه كما في كلام آخر (5).

____________

[1] هذا بيان لما بنوا عليه، لأنّهم قسّموا التجارة بمعنى التكسّب إلى الأقسام الخمسة و بمعنى ما يكتسب به إلى الثلاثة. (منه (قدس سره)).

____________

(1) شرائع الإسلام: فيما يكتسب به ج 2 ص 9.

(2) مسالك الأفهام: فيما يكتسب به ج 3 ص 118.

(3) اللمعة الدمشقية: في المتاجر ص 108.

(4) رياض المسائل: فيما يكتسب به ج 8 ص 39.

(5) شرح القواعد: في المتاجر ص 1 س 24 (مخطوط في مكتبة گوهرشاد برقم 741).

15

فمنها واجب: و هو ما يحتاج الإنسان إليه لقوته و قوت عياله، و لا وجه له سوى المتجر.

[القسم الأول في التجارات الواجبة]

____________

[في التجارات الواجبة] قوله: فمنها واجب و هو ما يحتاج الإنسان إليه لقوته و قوت عياله و لا وجه له سوى المتجر

الواجب من التجارة ما كان في نفسه سائغاً يحتاج إليه الإنسان لضروري القوت و اللباس و ما جرى هذا المجرى و ما يجب لعياله الواجبي النفقة على حسب ما يجب شرعاً و إن زاد على قدر الضرورة و ما يدفع به حاجة المضطر ممّا يجب على الكفاية و ما به يتحقّق نظام النوع و ما كان لبعض الامور الملتزمة إلى غير ذلك من الواجبات الموقوفة عليه.

فإن كان له طريق إلى تحصيل ما يجب عليه من المؤنة و قدر الضرورة لغيره أو لنفسه أو ما التزم به غير التجارة فهي واجبة (فهو واجب خ ل) تخييراً و إلّا فعينيّ تعييني، و كذلك إذا انحصر فيه القيام بما يجب كفاية فعينيّ و إلّا فكفائيّ، فكان الواجب منها ينقسم إلى الأقسام الثلاثة.

إذا عرفت هذا فعد إلى عبارة الكتاب، و لا ريب أنّ ضمير «منها» راجع إلى أقسام التجارة، فإمّا أن يراد بها المعنى الأخصّ أو جميع أنواع الاكتساب، و على كلٍّ منهما (حال خ ل) إمّا أن يراد بالمتجر المعنى الخاصّ أو العامّ، فالأقسام أربعة:

الأوّل: أن يراد بهما المعنى الأخصّ، فيصير المعنى أنّ من المعاوضة لطلب الربح ما هو واجب عيناً تعييناً، و ذلك إذا احتاج إليه لما ذكر و لا وجه له من الاكتسابات و غيرها كالمال و الاستعفاء و التخلّص بطلاق و نحوه إلّا المعاوضة لطلب الربح، و إن عمّمت الوجوب بحيث يشمل التخييري كان حقّ العبارة أن يقول «و ليس عنده ما يدفع به الحاجة»، لأنّه إذا لم يكن عنده ما يدفع به الحاجة و له وجوه في تحصيله، أحدها: التجارة بالمعنى الأخصّ تكون التجارة واجباً

16

..........

____________

مخيّراً و هو أحد أقسام الواجب فلا يجوز إخراجه بقوله و لا وجه له سوى المتجر. و منه يعلم حال ما إذا اريد الواجب الكفائي بالنسبة إلى بعض أقسام الواجب.

الثاني: أن يراد بهما معاً المعنى الأعمّ كما صرّح بذلك في «التذكرة (1) و الدروس (2)» فيصير المعنى أنّ من الاكتساب المطلق ما يجب عيناً تعييناً على التخيير بين أفراده إذا احتاج إليه، و لا وجه له من مالٍ أو استعفاءٍ أو تخلّص بطلاقٍ و نحوه إلّا المتجر أي الاكتساب المطلق، و إن عمّمت الوجوب كان الأولى أن يقال و ليس عنده مال، لأنّه حينئذٍ يكون مخيّراً بين وجوه الاكتساب و الاستعفاء و التخلّص بطلاقٍ و نحوه.

الثالث: أن يراد بالأوّل المعنى الخاصّ و بالثاني المعنى العامّ، فيكون الوجوب تخييراً. و أمّا العكس و هو الرابع فلا يكاد يتمّ.

هذا إذا اريد من المقسم المعنى المصدري، و قد يراد منه الأعيان الّتي يحتاج إليها أو الأعمّ منهما لكن إرادة الأعيان أو الأعمّ منها من المتجر لا يكاد يتمّ، فتأمّل.

و ممّا ذكر يعلم حال ما قاله في «جامع المقاصد (3)» و حال ما قاله الاستاذ (4) دام ظلّه حيث قال: فمنها واجب عينيّ تعييني و هو كسب أو نفس ما يحتاج إليه أو الأعمّ منهما، فحال هذا القسم و الأقسام كحال المقسم من قيام الاحتمالات الثلاثة إلى أن قال: و لا وجه له من مال أو استعفاء أو تخلّص بطلاقٍ و نحوه يدفع به الواجب عن نفسه سوى المتجر، و لو عمّمت الوجوب استغنيت عن بعض القيود، انتهى فتأمّل فيه و فيما ذكرناه.

و لعلّ المقصود من قوته و قوت عياله في عبارة الكتاب المثال، و قد وقع

____________

(1) تذكرة الفقهاء: في بيان أحكام أنواع الكسب ج 1 ص 581 س 8.

(2) الدروس الشرعية: في المكاسب ج 3 ص 162.

(3) جامع المقاصد: في المتاجر في أقسام المتاجر ج 4 ص 6.

(4) شرح القواعد: في المتاجر هامش ص 1 (مخطوط في مكتبة گوهرشاد برقم 741).

17

و مندوب: و هو ما يقصد به التوسعة على العيال أو نفع المحاويج مع حصول قدر الحاجة بغيره.

____________

الاقتصار على ذلك في «التذكرة (1) و الدروس (2)».

و الأقوى كون الوجوب هنا أصلياً أي مقصوداً في ذاته و وجوده مصلحة لذاته لا تبعيّاً يكون الغرض مجرّد حصوله لغيره فيكفي و إن كان على وجه محرّم و إن لم يطلبه الشارع كذلك كما يظهر من الأخبار (3) كما اختاره الاستاذ (4) دام ظلّه العالي، و التمييز بين الأمرين أوضح من أن يحتاج إلى بيان.

و قال في «الإرشاد (5)»: الواجب ما اضطرّ الإنسان إليه في المباح. و لعلّه أراد ما اضطرّ إليه شرعاً كنفقته و نفقة من تجب عليه نفقته، أو عقلًا، فيكون المراد ما يتوقّف عليه حياته و يكون مقصوده المثال أيضاً، و أنّ وجوب المتجر عيني إن انحصر فيه وجه التحصيل و إلّا فتخييري. و أمّا قوله «في المباح» فلعلّه أشار به إلى أنّه لا يجوز مع الاضطرار تحصيله إلّا من المباح إن أمكن و إلّا وجب من غيره كشراء الميتة و السرقة و الغصب و الخيانة، و به يندفع عنه اعتراض الكركي في «حاشيته (6)».

[القسم الثاني في التجارات المندوبة]

[في التجارات المندوبة] قوله: و مندوب و هو ما يقصد به التوسعة على العيال أو نفع المحاويج مع حصول قدر الحاجة بغيره

لا دخل للقصد في كون الشيء

____________

(1) تذكرة الفقهاء: في بيان أحكام أنواع المكاسب ج 1 ص 581 س 8.

(2) الدروس الشرعية: في المكاسب ج 3 ص 162.

(3) وسائل الشيعة: ب 4 و 5 من أبواب مقدّمات التجارة ج 12 ص 9 و 13.

(4) شرح القواعد: في المتاجر ص 2 س 3 (مخطوط في مكتبة گوهرشاد برقم 741).

(5) إرشاد الأذهان: في المتاجر في المقدّمات ج 1 ص 356.

(6) حاشية الإرشاد: في التجارة في أقسام المتاجر ص 108 س 17 و ما بعده (مخطوط في مكتبة المرعشي برقم 79).

18

و مباح: و هو ما يقصد به الزيادة في المال لا غير مع الغنى عنه.

____________

في نفسه مستحبّاً، لأنّ الغرض من ذلك كونه مطلوباً للشارع على جهة الاستحباب و إنّما يؤثّر القصد في وقوع فعل المكلّف مستحبّاً ثمّ إنّ التقييد به يقتضي أنّ مَن قصد التوسعة بتجارته و ليس عنده ما يموّن به عياله أن تكون تجارته مندوبة و ليس بشيء، و قد تراد المنشئية فيندفع الإيراد. ثمّ إنّه لا حاجة إلى تقييد النفع بكونه على المحاويج، لأنّ نفع الأغنياء مستحبّ فالتجارة لأجله كذلك، ثمّ إنّه بعد حصول قدر الحاجة لا يعدّون محاويج، لأنّ ذلك قيد فيه، و لعلّه يريد الحاجة الّتي لا ينافيها الغنى، فيكون المراد المحاويج الغير المضطرّين، فاندفع الإيرادان.

قال في «الدروس»: و قد يُستحبّ إذا قصد به المستحبّ (1). و لو قال ما يحصل به المستحبّ كما في «الروضة (2)» لكان أسلم كما هو أشمل، و لا ريب أنّ ذلك إذا لم يناف شيئاً من الواجبات الدينية أو الدنياوية. و المندوب قد يكون معيّناً و قد يكون مخيّراً إمّا غير راجح أو راجحاً في نفسه أو بين أفراد الواجب المخيّر كما إذا نذر.

[القسم الثالث في التجارات المباحة]

[في التجارات المباحة] قوله: و مباح و هو ما يقصد به الزيادة في المال لا غير مع الغنى عنه

المباح و هو ما من شأنهأن يقصد به الزيادة في المال من غير الجهات الراجحة و المرجوحة لا رجحان فيه، أو فيه رجحان ما لا يصل به إلى الاستحباب الشرعي.

و قال الاستاذ حرسه اللّٰه: و في الأدلّة ما يدلّ على رجحانه في ذاته شرعاً، و ساق جملة من الأخبار الّتي يستفاد منها ذلك. ثمّ قال: و فيما دلّ من عقل أو نقل على رجحان العزم و الجزم و القدرة و التمكّن من المقاصد و ذمّ العجز و الكسل و ظاهر الكتاب و الأخبار في الأمر بالمشي و السعي في طلب الرزق ما يفيد

____________

(1) الدروس الشرعية: في المكاسب ج 3 ص 162.

(2) الروضة البهية: في التجارة ج 3 ص 220.

19

و مكروه: و هو ما اشتمل على وجهٍ نهى الشارع عنه نهي تنزيه

____________

الرجحانية و يتضاعف الرجحان بتضاعف أسبابه و قوّتها عقلًا و نقلًا (1).

و هو جيّد جدّاً لو لا ما فيه من خرق الإجماع المعلوم، لأنّه قد صرّح بأنّ منها المباح في «النهاية (2) و المراسم (3) و السرائر (4)» و سائر ما تأخّر (5) عنها ما عدا الدروس، و قد يتوهّم منه القول بالاستحباب، و الأخبار ظاهرة أو منزّلة على الجهات الواجبات أو المستحبّات، بل لو كانت صريحة و أعرض المعظم عنها لوجب تأويلها كما حرّر (6) في فنّه، فكيف بإعراض الجميع عن غير الصريح. و ما استنهضه من دلالة العقل لا يجدي و لا يدلّ في المقام و إنّما هي امور اعتبارية لا تناط بها الأحكام الشرعية معارضة بمثلها ممّا هو أقوى منها، بل قالوا (7) في النكاح: إنّ من أقسامه ما هو مباح مع أنّ الأخبار (8) و الاعتبار فيه أكثر و أظهر ممّا نحن فيه.

[القسم الرابع في التجارات المكروهة]

[في التجارات المكروهة] قوله: و مكروه و هو ما اشتمل على وجهٍ نهى الشارع عنه نهي تنزيه

إلّا إذا وجب عيناً أو كفايةً أو تخييراً فإنّه لا كراهة فيه كما تقتضيه

____________

(1) شرح القواعد: في المتاجر ص 2 س 8 (مخطوط في مكتبة گوهرشاد برقم 741).

(2) النهاية: في المكاسب ص 366.

(3) المراسم: في المكاسب ص 169.

(4) السرائر: في بيان المكاسب المباحة و المكروهة ج 2 ص 222.

(5) كالشرائع: في ما يكتسب به ج 2 ص 9، و إرشاد الأذهان: في المتاجر ج 1 ص 356، و اللمعة الدمشقية: في المتاجر ص 109، و مسالك الأفهام: التجارة في ما يكتسب به ج 3 ص 118، و المحقّق الكركي في جامع المقاصد: في أقسام المتاجر ج 4 ص 7، و الرياض: ج 8 ص 39.

(6) راجع المحصول لفخر الدين الرازي: ج 4 ص 437، و قوانين الاصول: ج 2 ص 285.

(7) كما في الوسيلة: في النكاح ص 289، و انظر جامع المقاصد: في النكاح ج 12 ص 10.

(8) وسائل الشيعة: ب 1 3 من أبواب مقدّمات النكاح ج 14 ص 2 11.

20

كالصرف

____________

قواعدهم في الحسن و القبح.

و فرق بين ما وجب و عرضت له الكراهة و بين ما حرم أو كره ثمّ عرض له الوجوب خلافاً للمحقّق الطوسي (1).

و يعلم نهي الشارع عنه إمّا بالنقل كما في أكثر ما ذكر أو بالعقل كما في بعضه.

و معنى كراهيتها رجحان تركها مطلقاً، و ذلك حيث يمكن غيرها أو يقوم بها غيره و يتخذها هو صنعة، و كثيراً ما دقّ ذلك على جماعة (2). و قال شيخنا: الأقوى أنّ كراهية هذه الصنائع على نحو كراهية العبادة بمعنى رجحان العدول إلى غيرها لا تركها مطلقاً (3) و فيه نظر ظاهر.

و ليعلم أنّ ما كان من هذه المكروهات متعلّقاً بالأعواض فلا كلام، و ما كان متعلّقاً بالمعاوضة فهل تستلزم كراهيتها كراهية الأعواض؟ وجهان، و الظاهر ذلك لما ورد (4) في بذل اجرة الحجّام مع الشرط لعلف الحيوان.

قوله: كالصرف

إذا اتخذ عادةً و صنعةً لا ما إذا فعل ذلك اتّفاقاً، بل قد

____________

(1) لم نعثر مع كثرة التفحّص و التصفّح على قولٍ صريحٍ من المحقّق الطوسي المراد به صاحب التجريد ظاهراً يدلّ على عدم الفرق في تحقّق الكراهة الفعلية بين ورود الكراهة التنزيهية على الواجب و بين ورود الوجوب على الكراهة إلّا في تجريده من قوله: و لا استبعاد في اجتماع الاستحقاقين باعتبارين، انتهى. راجع كشف المراد: ص 323.

و قد يراد به في لسان بعض الفقهاء منهم الشارح صاحب الوسيلة أبي جعفر محمّد بن عليّ الطوسي المعروف بابن حمزة. و لكنّا لم نجد له أيضاً كتاباً يحتوي على مباحث الاصول الاعتقادية، أو نقلًا منه يدلّ على القول المذكور، فراجع و تفحّص.

(2) منهم المحقّق الكركي في جامع المقاصد: في أقسام المتاجر ج 4 ص 8، و الشهيد الثاني في مسالك الأفهام: فيما يكتسب به ج 3 ص 133، و السيّد عليّ في رياض المسائل: التجارة في المكاسب المكروهة ج 8 ص 88.

(3) شرح القواعد: في المتاجر ص 3 س 14 (مخطوط في مكتبة گوهرشاد برقم 741).

(4) وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب ما يكتسب به ح 9 ج 12 ص 73.

21

و بيع الأكفان و الطعام و الرقيق،

____________

يقال: لبعض الأشخاص دون بعض، أعني من لا يتمكّن من أداء الأمانة، و يسري ذلك في كلّ مكيل أو موزون إذا بيع بمثله لمكان العلّة و في غير البيع إن وجد، لأنّ المعاطاة لا يجري فيها الربا على ما حرّرناه فيما يأتي و كذلك الصلح عند جمّ غفير كما ستسمع فتأمّل.

قوله: و بيع الأكفان

و جميع ما يتعلّق بالموتى من فرض أو نفل عملًا بمنصوص العلّة إذا اتّخذ عادةً كما يشير إليه قوله (عليه السلام): «و لا تسلّمه بيّاع أكفان» (1).

قوله: و الطعام

لعلّه أراد الحنطة، لظهوره فيها و لقول الكاظم (عليه السلام) في خبر إبراهيم بن عبد الحميد «و لا حنّاطاً» (2) و لقول الفيّومي: إذا أطلق أهل الحجاز لفظ الطعام عنوا به البرّ خاصّة (3) أو أراد ما يجري فيه الاحتكار كما أشار إليه الصادق (عليه السلام) في خبر إسحاق بن عمّار: «و لا تسلّمه بيّاع الطعام» فإنّه لا يسلم من الاحتكار (4) أو أراد مطلق الحبوب الّتي يقتات بها الناس كما ورد مثل ذلك في تفسير قوله جلّ شأنه وَ طَعٰامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ .. الآية (5) و ليس المراد مطلق المطعوم قطعاً و إن فسّرت به الآية، و ادّعى الفيّومي (6) أنّه المتعارف كما يقال طعام و شراب. و لا يجري ذلك فيما يعمّ الانتفاع به في غير القوت.

قوله: و الرقيق

لقوله (عليه السلام): «و لا تسلّمه نخّاساً» فإنّ رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) قال: «شرّ الناس من باع الناس» (7) فقول الرسول (صلى الله عليه و آله) يعطي الكراهية مطلقاً، سواء اتّخذه

____________

(1) وسائل الشيعة: ب 21 من أبواب ما يكتسب به ح 1 و 4 ج 12 ص 97 و 98.

(2) وسائل الشيعة: ب 21 من أبواب ما يكتسب به ح 1 و 4 ج 12 ص 97 و 98.

(3) المصباح المنير: ص 373 مادّة «طعم».

(4) وسائل الشيعة: ب 21 من أبواب ما يكتسب به ح 1 ج 12 ص 97.

(5) مجمع البيان: ج 3 ص 162 في تفسير الآية 5 من سورة المائدة.

(6) المصباح المنير: ص 373 مادّة «طعم».

(7) وسائل الشيعة: ب 21 من أبواب ما يكتسب به ح 1 ج 12 ص 97.

22

و اتّخاذ الذبح و النحر صنعةً، و الحياكة و النساجة،

____________

عادةً أم لا، و قول الصادق (عليه السلام) يعطي العادة، فتأمّل إذ الجمع ممكن هيّن.

قوله (قدس سره): و اتّخاذ الذبح و النحر صنعةً

معلّلًا بأنّ الجزّار تسلب منه الرحمة، و لعلّ الصنعة قيد في الجميع.

قوله: و الحياكة و النساجة

في «الصحاح (1) و القاموس (2) و المصباح (3) و المجمع» حاك الرجل ثوبه نسجه (4) و زيد في الأخيرين: الحياكة الصناعة. و في «مجمع البحرين» نسج الثوب إذا حاكه (5) و في البقية (6) الاقتصار على نسج الثوب و أنّ النساجة الصناعة، و في «المسالك (7)» عن الصحاح: نسج الثوب و حاكه واحد. و لعلّه أخذه منه من مادة «حاك» و الظاهر ممّن اقتصر من الأصحاب على أحدهما ترادفهما كما في كتب أهل اللغة، فتخصيص النساجة ببعض الأجناس كالرقيق و الحياكة بغيره أو تخصيص الحياكة بالقطن و الحرير و النساجة بالصوف أو جعل النساجة أعمّ من الحياكة فمن الاحتمالات الّتي لا نصّ عليها، نعم الظاهر اختصاصهما بالمغزول و نحوه، فلا يكره عمل الخوص، بل روي أنّه من عمل الأنبياء كما ذكر ذلك في «مجمع البحرين (8) و غيره (9).

____________

(1) الصحاح: ج 4 ص 1582 مادّة «حوك».

(2) القاموس المحيط: ج 3 ص 300 مادّة «حاك».

(3) المصباح المنير: ص 157 مادّة «حاك» و فيه «حاك الرجل الثوب».

(4) مجمع البحرين: ج 5 ص 263 مادّة «حوك».

(5) مجمع البحرين: ج 2 ص 332 مادّة «نسج».

(6) الصحاح: ج 1 ص 344 مادّة «نسج»، و المصباح المنير: ص 602، و القاموس المحيط: ج 1 ص 209.

(7) مسالك الأفهام: فيما يكتسب به ج 3 ص 134.

(8) مجمع البحرين: ج 2 ص 332 مادّة «نسج».

(9) كالشهيد الثاني في الروضة البهية: في المكاسب المكروهة ج 3 ص 219.

23

و الحجامة مع الشرط

____________

و أمّا الكراهية فللأخبار (1) حتّى روي «أنّ ولد الحائك لا ينجب إلى سبعة بطون» (2) و قال الصادق (عليه السلام) لأبي إسماعيل الصيقل بعد أن قال: أنا حائك: «لا تكن حائكاً و كن صيقلًا» (3) و لعلّ المراد اتخاذ ذلك صنعةً كما هو المتبادر من الحائك و الحياكة. و عليه نصّ في «التذكرة (4)» و غيرها (5). و قد سمعت كلام أهل اللغة، و لذلك استغنى المصنّف (رحمه الله) هنا و غيره (6) عن التقييدبها. و يمكن اختصاص الكراهية بوقت الفعل فتزول الكراهية و الرذالة بترك الفعل كما يشعر به قوله (عليه السلام): «لا تكن حائكاً» بعد أن قال: أنا حائك.

قوله: و الحجامة مع الشرط

كما في «النهاية (7) و السرائر (8) و الشرائع (9) و النافع (10) و التذكرة (11) و التحرير (12) و الإرشاد (13) و الدروس (14) و الكتاب (15)» في باب

____________

(1) وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب ما يكتسب به ج 12 ص 100.

(2) لم نجد هذا الخبر في كتب الأخبار الموجودة لدينا من الوسائل و المستدرك و البحار، و إنّما رواه مرسلًا و مضمراً في المسالك: ج 3 ص 133، و المجمع: ج 8 ص 16، و الرياض: ج 8 ص 89، و شرح القواعد: ص 3 س 2.

(3) وسائل الشيعة: ب 23 من أبواب ما يكتسب به ح 1 ج 12 ص 100.

(4) تذكرة الفقهاء: في بيان أحكام أنواع المكاسب ج 1 ص 581 س 18.

(5) كمجمع الفائدة و البرهان: في أقسام المتاجر ج 8 ص 16.

(6) كالمحقّق الثاني في جامع المقاصد: في أقسام المتاجر ج 4 ص 8.

(7) النهاية: باب المكاسب المحظورة و المكروهة و المباحة ص 366.

(8) السرائر: في بيان المكاسب المباحة و المكروهة ج 2 ص 223.

(9) شرائع الإسلام: فيما يكتسب به في المكروهات ج 2 ص 11.

(10) المختصر النافع: في التجارة فيما يكتسب به ص 117.

(11) تذكرة الفقهاء: في بيان أحكام أنواع المكاسب ج 1 ص 581 س 22.

(12) تحرير الأحكام: فيما يكره التكسّب به ج 2 ص 265.

(13) إرشاد الأذهان: المتاجر في المقدّمات ج 1 ص 356.

(14) الدروس الشرعية: المكاسب في المناهي ج 3 ص 180.

(15) قواعد الأحكام: في أركان الإجارة ج 2 ص 295.

24

..........

____________

الإجارة و غيرها (1). و نسبه صاحب «إيضاح النافع» إلى الأصحاب. و أطلق في «اللمعة (2)» من دون تقييد بكونهما مع الشرط.

و بالتقييد يحصل الجمع بين أخبار المنع كصحيح الحلبي (3) و خبري سماعة (4) و رفاعة (5) و أخبار الإباحة كما رواه المشايخ الثلاثة (6) في الصحيح في بعض طرقه عن معاوية بن عمّار «قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن كسب الحجّام، فقال: لا بأس به» و أمّا الأخبار المقيّدة فهو خبر أبي بصير (7) «لا بأس به إذا لم يشارط» و مثله خبر سماعة (8) الآخر، فجمع الأصحاب بينها بحمل المطلق على المقيّد.

و يمكن الجمع بحمل أخبار الشرط على شدّة الكراهية فتكون مكروهة على الإطلاق كما سمعته عن «اللمعة» لكنّ الأوّل أرجح لمكان فتوى الأكثر و وضوح الشاهد عليه من الخبرين، و على الثاني يلزم إلغاء المنطوق، و عدم الفرق عند المعظم في حمل المطلق على المقيّد بين الوجوب و الحرمة و الكراهية كما قضى به التتبّع التامّ، و تفاوت مراتب الكراهية لا يجدي، إذ قد يوجد مثله في الوجوب و الحرمة، و ما جمع فيه بالكراهية و شدّتها كما في المذي و نحوه يقتصر فيه على محلّه.

و هناك وجه آخر و هو أنّها إن اتّخذت صنعةً كرهت مطلقاً، لأنّها رذيلة وضيعة و إن لم تتّخذ صنعةً كرهت مع الشرط لا بدونه، و عليه تنزّل الأخبار و كلام

____________

(1) مسالك الأفهام: فيما يكتسب به ج 3 ص 134.

(2) اللمعة الدمشقية: في أقسام المتاجر ص 109.

(3) وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب ما يكتسب به ح 2 ج 12 ص 71.

(4) وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب ما يكتسب به ح 2 ج 12 ص 62.

(5) وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب ما يكتسب به ح 3 ج 12 ص 71.

(6) الكافي: باب كسب الحجّام ج 5 ص 116 ح 5، من لا يحضره الفقيه: باب المكاسب و الفوائد و الصناعات ج 3 ص 170 ح 3645، تهذيب الأحكام: في المكاسب في أخبار الحجامة ج 6 ص 355 ح 1012.

(7) وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب ما يكتسب به ح 1 ج 12 ص 71.

(8) وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب ما يكتسب به ح 6 ج 12 ص 63.

25

..........

____________

الأَصحاب. و يشهد على ذلك ما في «الصحاح (1) و المصباح (2) و القاموس (3) و المجمع (4)» أنّ الحرفة الحجامة. و في «القاموس (5)» أنّ الحجّام المصّاص، فليتأمّل. و قد يظهر من «المقنعة (6)» عدم الكراهيّة أصلًا.

هذا كلّه بالنسبة إلى الصنعة و إلّا فقد قال في «الخلاف» في باب الأطعمة كسب الحجّام مكروه للحرّ مباح للعبد من حرّ كسبه أو عبد. و به قال الشافعي و أحمد على ما حكاه السباحي، و قال قوم من أصحاب الحديث: حرام على الأحرار حلال للعبيد. دليلنا إجماع الفرقة و أخبارهم (7). فقد فصّل فيه بين كسب الحرّ الحجّام و العبد. و إن قلنا بالتلازم بين كراهية الصنعة و الكسب كما هو الظاهر و لا سيّما من أخبار المسألة ثبت التفصيل في الصنعة أيضاً. و قد يكون أراد في الخلاف معنىً آخر. و قال الشهيد في «حواشيه» نقل عن بعض الفضلاء أنّه إنّما يكره أكل كسب الحجّام للحرّ لا للعبد. و لعلّه نظر إلى ما روي أنّه كان للصادق (عليه السلام) مولى حجّام (8) و لما روي (9) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (10) انتهى فليتأمّل.

____________

(1) الصحاح: ج 5 ص 1894 مادّة «حجم».

(2) المصباح المنير: ص 122 مادّة «حجم».

(3) القاموس المحيط: ج 4 ص 93 مادّة «حجم».

(4) مجمع البحرين: ج 6 ص 32 مادّة «حجم».

(5) القاموس المحيط: ج 4 ص 93 مادّة «حجم».

(6) المقنعة: في المكاسب المحرّمة ص 588.

(7) الخلاف: كتاب الأطعمة في كسب الحجّام ج 6 ص 87 مسألة 17.

(8) لم نعثر على خبر يدلّ على أنّ للصادق (عليه السلام) مولىً حجّاماً إلّا على خبر معتّب المبارك المرويّ عن الخصال في البحار: ج 62 ص 110 فإنّه يدلّ على أنّ الصادق (عليه السلام) احتجم يوم الخميس على يد غلامه زينج أو ربيح (على اختلاف النسخ) فقال له: يا ربيح أشدّ قصب الملازم و اجعل مصّك (مصبّك خ ل) رخيّاً و اجعل شرطك زحفاً، انتهى، و هذا الكلام منه يدلّ على أنّ الحاجم كان هو الغلام، فتفحّص لعلّك تظفر بأصرح من ذلك.

(9) مستدرك الوسائل: ب 8 من أبواب ما يكتسب به ح 1 ج 13 ص 74.

(10) عبارة الشهيد في الحاشية النجّارية و هي الّتي ظفرنا عليها من بين حواشيه الكثيرة على القواعد و الإرشاد و الشرائع و غيرها هي هذه: و إنّما يكره أكل كسب الحجّام للحرّ لا العبد، انتهى.

و ليس فيها باقي العبارة المحكية عنها في الشرح. و عليه ففي العبارة المحكية عنها هنا يحتمل امور، الأوّل: أن تكون الحواشي المنسوبة إليها هذه العبارة غير هذه الحاشية الّتي بأيدينا. و الثاني: أنّ كلمة «انتهى» كانت بين قوله «لا للعبد» و قوله «و لعلّه» ثمّ وقع في هذا الموضع سهواً أو غفلةً إمّا من الشارح و إمّا من الناسخ. الثالث: أن يكون قوله «و لعلّه» إلى قوله «رحمه اللّٰه» سقطاً من هذه الحاشية الّتي بأيدينا، و الأوّل قريب، و الثالث بعيد، و الثاني أبعد، راجع الحاشية النجّارية: ص 56 س 4 (مخطوط في مكتبة مركز البحوث و الدراسات الإسلامية) و تأمّل.

26

و القابلة معه،

____________

و مرادهم بقولهم «مع الشرط» اشتراط الحجّام الاجرة، فلا يكره لو فعل و لم يشترطها و إن بذلت له، و لا بأس بأكلها حينئذٍ. و ترك الشرط من المحجوم مكروه كغيره من المستأجرين فيستحبّ له أن يشترط قبل الفعل، لأنّه أبعد عن النزاع. و له أن يماكس لقول الباقر (عليه السلام) في موثّقة زرارة (1): «و لا بأس عليك أن تشارطه و تماكسه و إنّما يكره له و لا بأس عليك» و حمله الحاجم حينئذٍ على فعل المكروه لا يمنع الرجحان في حقّه. و قال الاستاذ: لو شرط المحجوم وسكت الحاجم فليس بمشترط و لو صرّح بقبول الشرط دخل في المشترط. و مع طلب المحجوم من غير شرط يرجع إلى اجرة المثل، و عدم التعرّض لعدد المحجمة و للجروح و قدر الدم لا يقتضي الجهالة (2) انتهى فتأمّل.

قوله: و القابلة معه

أي مع الشرط كما في «الدروس (3) و جامع المقاصد (4)» و لعلّه لمكان حصول النقص و الرذالة مع الشرط. و قال في «التحرير»: و لا بأس باجرة القابلة (5) و أطلق، و ظاهره عدم الكراهيّة مطلقاً كما هو ظاهر «المقنعة (6)

____________

(1) وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب ما يكتسب به ح 9 ج 12 ص 73.

(2) شرح القواعد: في المتاجر ص 3 س 5 (مخطوط في مكتبة گوهرشاد برقم 741).

(3) الدروس الشرعية: في المناهي من المكاسب ج 3 ص 180.

(4) جامع المقاصد: في أقسام المتاجر ج 4 ص 9.

(5) تحرير الأحكام: فيما يكره التكسّب به ج 2 ص 267.

(6) المقنعة: في المكاسب المحرّمة ص 588.

27

و اجرة الضرّاب، و كسب الصبيان، و غير المتجنّب للحرام،

____________

و النهاية (1)» حيث قالا فيهما: و كسب القابلة حلال، و نصّا على الكراهية في أشياء كثيرة و لم ينصّا فيه عليها، و قد تركه الأكثر.

قوله: و اجرة الضرّاب

سيأتي الكلام فيه في الآداب.

قوله: و كسب الصبيان

كما في «الشرائع (2) و النافع (3) و التحرير (4) و التذكرة (5) و الإرشاد (6) و الدروس (7)» و غيرها (8). و قد أطلقوا كما سمعت.

و من المعلوم أنّ المراد إذا لم يعلم أنّه من موضع حلال كما إذا كان ذا صنعة كما في الخبر (9) كما أنّه إذا علم تحصيله أو بعضه من محرّم وجب اجتنابه أو اجتناب ما علم به أو اشتبه منه، فيكون محلّ الكراهية المجهول أصله. و الوجه فيها اجتراؤه على ما لا يحلّ له لجهله أو علمه بارتفاع القلم عنه.

و محلّها أيضاً تكسّب الولي به أو أخذه منه لنفسه أو الصبي بعد رفع الحجر عنه كما في «الروضة (10) و الرياض (11)»: قلت: و كذلك غير الولي لما ذكر من الوجه، فما في «المسالك» من أنّه يكره لوليّه التصرّف فيه على الوجه السائغ (12) غير سديد، لأنّه

____________

(1) النهاية: باب المكاسب المحظورة و المكروهة و المباحة ص 366.

(2) شرائع الإسلام: فيما يكتسب به في المكروهات ج 2 ص 11.

(3) المختصر النافع: فيما يكتسب به في المكروه ص 117.

(4) تحرير الأحكام: فيما يكره التكسّب به ج 2 ص 267.

(5) تذكرة الفقهاء: في بيان أحكام أنواع الكسب ج 1 ص 581 س 34.

(6) إرشاد الأذهان: في المقدّمات من المتاجر ج 1 ص 356.

(7) الدروس الشرعية: في المناهي من المكاسب ج 3 ص 180.

(8) كرياض المسائل: في المكاسب المكروهة ج 8 ص 90.

(9) وسائل الشيعة: ب 33 من أبواب ما يكتسب به ح 1 ج 12 ص 118.

(10) الروضة البهية: في المكاسب المكروهة ج 3 ص 220.

(11) رياض المسائل: في المكاسب المكروهة ج 8 ص 91.

(12) مسالك الأفهام: فيما يكتسب به ج 3 ص 134.

28

..........

____________

يجب على الولي أن يتصرّف فيه كما يتصرّف في سائر أموال الصبيّ فيصرفه في مأكله و كسوته إلّا أن يؤوّل بما إذا نقله لنفسه ببيعٍ أو غيره، و حينئذٍ فالولي و غيره في ذلك سواء، فلا معنى لقصره على الولي كما في «الروضة و الرياض» و الأصحاب أطلقوا كما سمعت.

ثمّ إنّه يرد عليهما إيراد آخر في قولهما «إنّ محلّه تكسّب الولي به .. إلى آخره» و هو أنّ الوجهين الأوّلين أعني تكسّب الوليّ به و أخذه منه كأنّهما من وادٍ واحد، و إن فرّقنا بينهما ورد عليهما ما ورد على المسالك.

و الوجه الثالث قيل (1): إنّه يخالف القواعد المقرّرة.

و كذلك الحال في الأمة كما صرّح به جماعة (2) و أفصح به الخبر و الوجه المذكور.

و كذلك من لا يجتنب المحارم كما في «التحرير (3) و نهاية الإحكام (4) و الدروس (5) و اللمعة (6)».

و يجب تقييد المحارم بالمتعلّقة بالمال لا مطلقاً. و لا فرق بين كون الحلال كثيراً أو بالعكس. و لو بايعه لم يحكم بالفساد ما لم يعلم الحرام بعينه، و لا يقبل قول المشتري

____________

(1) لم نعثر على قول هذا القيل بهذه العبارة، نعم في الحدائق بعد أن استدلّ على حجر الصبيّ قبل بلوغه و أنّ اختباره إنّما يجب بعد بلوغه و أنّ ما دلّ على جواز تصرّفه كالعتق و الوصيّة و الصدقة و نحو ذلك مستثنى قال: و إلحاق غيره به قياسٌ لا يوافق اصول المذهب لا سيّما مع تصريح بعض هذه الأخبار (المتقدّم ذكره في كتابه) بعدم جواز البيع و الشراء منه، انتهى، الحدائق: ج 18 ص 372، فراجع و تأمّل.

(2) منهم الشهيد الأوّل في الدروس الشرعية: في المناهي من المكاسب ج 3 ص 180 و الشهيد الثاني في مسالك الأفهام: فيما يكتسب به ج 3 ص 134، و المحقّق الثاني في جامع المقاصد: في أقسام المتاجر ج 4 ص 9.

(3) تحرير الأحكام: فيما يكره التكسّب به ج 2 ص 266.

(4) نهاية الإحكام: البيع، خاتمة في المناهي ج 2 ص 524.

(5) الدروس الشرعية: في المناهي من المكاسب ج 3 ص 180.

(6) اللمعة الدمشقية: في المكروهات من المتاجر ص 109.

29

و اجرة تعليم القرآن و تعشير المصحف بالذهب،

____________

عليه في الحرمة، لأنّ اليد تقضي بالملك ظاهراً، و بقدر كثرة الحرام تكثر الشبهة.

و المراد بالصبي مَن لم يبلغ الحلم، و تتفاوت بتفاوت التهمة. و استظهر الاستاذ دام ظلّه زوالها بعد الانتقال إلى يد آخر (1) فليتأمّل. و قال: لو أخبر صاحب اليد بحرمة ما في يده قبِل قوله و إن كان فاسقاً. قلت: و كذا لو أخبر بحلّية ما في يده على ما سيأتي في جوائز الظالم.

قوله: و اجرة تعليم القرآن

سيأتي الكلام فيه بما لا مزيد عليه عند شرح قوله: و يجوز أخذ الاجرة على كتابة القرآن.

قوله (قدس سره): و تعشير المصحف بالذهب

كما صرّح به في «التحرير (2)» و غيره (3) و في «الحدائق (4)» نسبته إلى الأصحاب. و كتابته بالذهب أشدّ كراهية كما في «جامع المقاصد (5)» للأخبار. و إلحاق الأجزاء و الأنصاف و الأحزاب و الجداول و نحوها بها غير بعيد كما قال الاستاذ (6) و نحوه الكركي (7). و في موثّقة سماعة «سألته عن رجل يعشّر المصاحف بالذهب، قال: لا يصلح. فقال: إنّها معيشتي. فقال: إنّك إن تركته للّٰه جعل اللّٰه لك مخرجاً» (8) و في خبر محمّد الورّاق (9) «قال: عرضت على أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) كتاباً فيه قرآن مختم معشّر بالذهب و كتب في آخره سورة بالذهب فأريته إيّاه فلم يعب منه شيئاً إلّا كتابة القرآن

____________

(1) شرح القواعد: في المتاجر ص 3 س 9 (مخطوط في مكتبة گوهرشاد برقم 741).

(2) تحرير الأحكام: فيما يكره التكسّب به ج 2 ص 266.

(3) كجامع المقاصد: في أقسام المتاجر ج 4 ص 10.

(4) الحدائق الناضرة: في بيع المصحف الكريم ج 18 ص 220.

(5) جامع المقاصد: في أقسام المتاجر ج 4 ص 10.

(6) شرح القواعد: في المكروه من المتاجر ص 3 س 13 (مخطوط في مكتبة گوهرشاد برقم 741).

(7) جامع المقاصد: في أقسام المتاجر ج 4 ص 10.

(8) وسائل الشيعة: ب 32 من أبواب ما يكتسب به ح 1 و 2 ج 12 ص 117.

(9) وسائل الشيعة: ب 32 من أبواب ما يكتسب به ح 1 و 2 ج 12 ص 117.

30

و الصياغة، و القصابة،

____________

بالذهب، فإنّه قال: لا يعجبني أن يكتب القرآن إلّا بالسواد كما كتب أوّل مرّة» و في هذا الخبر ما يدلّ على حمل الخبر الأوّل على الكراهية و على كراهة كتابته بغير السواد.

قوله: و الصياغة

لقوله (صلى الله عليه و آله): «و أمّا الصائغ فإنّه يعالج غبن امّتي» (1) قيل: معناه لأنّه يفسد عليهم الدينار و الدرهم (2). و في «التهذيب (3)» «زين» بالزاي أوّلًا، و المراد أنّه يلهيهم بذلك عن الآخرة و روي (4) بالراء المهملة أعني «رين امّتي» أي الذنب أو الطبع و الختم.

قوله: و القصابة

لقوله (عليه السلام): «إنّ القصّاب يذبح حتّى تذهب الرحمة من قلبه (5)» و قصبت الشاة قصباً من باب ضرب قطعتها عضواً عضواً. و الفاعل قصّاب و القِصابة بالكسر الصناعة كما في «المصباح المنير (6)» و هي أعمّ من الذبح و النحر.

____________

(1) و لا يخفى أنّ الموجود في التهذيب المطبوع (دار صعب بيروت دار الكتب الإسلامية) ج 6 ص 362 و غير المطبوع (نسخة المكتبة الرضوية برقم 1639): هو الرين بالراء المهملة، و أمّا بالزاء المعجمة فإنّما هو في الاستبصار: ج 3 ص 63 لا في التهذيب كما نسب إليه في الشرح. و كيف كان فالّذي تدلّ عليه القرينة في صدر الخبر و ذيله أنّ الصحيح من اللغة المذكورة المختلفة فيها هو الغبن لا الزين بالزاء المعجمة و لا الرين بالراء المهملة و إن قال المجلسي (رحمه الله) في الملاذ: ج 10 ص 348 أنّ الثاني أنسب فإنّهما غير مناسبين لمعنى العلاج و هو الفعل المتعلّق به، و ذلك لأنّ الصياغة في الواقع هي الستر على عيوب المصوغ و نواقصه الّتي يوجب ظهورها الغبن للمشتري، فالصائغ يعالج ذلك أي يسترها، و قد ورد في الخبر المرويّ في الوسائل: ج 12 ص 98 ح 4 تعبير آخر و هو قوله: و أمّا الصائغ فإنّه يعالج زين غنى امّتي. و هو تصحيف في تصحيف و تحريف نشأ من تحريف و من العجيب المضحك ما في بعض النسخ من ضبطه: يعالج عنن امّتي، فراجع و تأمّل.

(2) القائل هو الفيض الكاشاني، راجع الوافي: ج 17 ص 188.

(3) راجع الهامش 1 من هذه الصفحة.

(4) راجع الهامش 1 من هذه الصفحة.

(5) وسائل الشيعة: ب 21 من أبواب ما يكتسب به ح 4 ج 12 ص 98.

(6) المصباح المنير: ص 504 مادّة «قصب».

31

و ركوب البحر للتجارة،

____________

قوله: و ركوب البحر للتجارة

كما في «السرائر (1) و التحرير (2) و التذكرة (3) و الدروس (4) و حواشي الكتاب (5) و جامع المقاصد (6)» لرواية محمّد بن مسلم (7) عن الباقر و الصادق (عليهما السلام) أنّهما كرها ركوب البحر للتجارة. هذا مع ظنّ السلامة كما قيّده به جماعة (8) و كذلك الحال في غير التجارة من الأغراض الدنيوية، و لا يخفى ما في عدّه في المقام من المسامحة. و يحرم مع الخوف كما في «التذكرة (9) و التحرير (10)».

كما إذا كان وقت اضطرابه و تكاثر الأهوية المختلفة للاعتبار و الأخبار، قال الباقر (عليه السلام) في ركوب البحر للتجارة: يغرّر الرجل بدينه (11). و سأل معلّى بن خنيس الصادق (عليه السلام) عن الرجل يسافر فيركب البحر فقال: إنّ أبي كان يقول: إنّه يضرّ بدينك (12). و كذا يحرم كلّ سفر فيه أمارة الخوف كما في «النهاية (13) و التحرير (14)».

و البحر هو الخرق الواسع للماء الّذي يزيد على سعة النهر، و الخرق الأرض الواسعة تنخرق فيها الرياح، فدجلة بالنسبة إلى الساقية أي النهر الصغير بحر

____________

(1) السرائر: في بيان المكاسب المباحة و المكروهة ج 2 ص 224.

(2) تحرير الأحكام: فيما يكره التكسّب به ج 2 ص 268.

(3) تذكرة الفقهاء: في بيان أحكام أنواع الكسب ج 1 ص 581 س 35.

(4) الدروس الشرعية: في المناهي من المكاسب ج 3 ص 180.

(5) لم نعثر عليه في الحاشية النجّارية المنسوبة إليه، و أمّا غيرها من حواشيه فلا يوجد لدينا.

(6) جامع المقاصد: في أقسام المتاجر ج 4 ص 10.

(7) وسائل الشيعة: ب 67 من أبواب ما يكتسب به ح 1 ج 12 ص 177.

(8) منهم المحقّق الثاني في جامع المقاصد: في أقسام المتاجر ج 4 ص 10، و كاشف الغطاء في شرح القواعد: في المتاجر ص 3 س 16.

(9) تذكرة الفقهاء: في بيان أحكام أنواع الكسب ج 1 ص 581 س 36.

(10) تحرير الأحكام: فيما يكره التكسّب به ج 2 ص 268.

(11) وسائل الشيعة: ب 67 من أبواب ما يكتسب به ح 2 و 3 ج 12 ص 177.

(12) وسائل الشيعة: ب 67 من أبواب ما يكتسب به ح 2 و 3 ج 12 ص 177.

(13) نهاية الإحكام: في مناهي البيع ج 2 ص 530.

(14) تحرير الأحكام: فيما يكره التكسّب به ج 2 ص 268.

32

و خصاء الحيوان،

____________

و بالنسبة إلى جدّة و نحوها ليس ببحر، كذا في «مجمع البيان (1)» فيتناولها الحكم كراهيةً و تحريماً، و كذلك الفرات.

قوله: و خصاء الحيوان

بالمدّ و الكسر، قال في «نهاية الإحكام (2)»: منع علماؤنا من خصاء الحيوان، و المروي (3) الجواز على كراهية، لأنّ له التصرّف في ملكه بما فيه صلاحه، أمّا خصاء الآدمي فإنّه يحرم و إن كان مملوكاً صغيراً كان أو كبيراً. قلت: نسبة المنع بمعنى التحريم كما هو الظاهر إلى علمائنا كأنّها لم تصادف محزّها، لأنّ القائل بالتحريم في غير الآدمي إنّما هو القاضي و التقي فيما حكي (4) و الذاهب إلى الكراهية أبو عليّ (5) و أبو عبد اللّٰه ابن إدريس (6) و المصنّف في جملة من كتبه (7) و الشهيد في كتابيه (8) و المحقّق الثاني (9) و كأنّ التحريم في الآدمي محلّ وفاق.

و في حكم الخصاء الجبّ و الوجاء كما في «جامع المقاصد (10) و غيره (11).

____________

(1) مجمع البيان: ج 1 ص 106 ذيل الآية 50 من سورة البقرة.

(2) نهاية الإحكام: في مناهي البيع ج 2 ص 529 و فيه «بعض علمائنا».

(3) مستدرك الوسائل: ب 29 من أبواب أحكام الدوابّ في السفر و غيره ح 1 و 2 ج 8 ص 286 287.

(4) حكاه عنهم العلّامة في المختلف: في وجوه الاكتساب ج 5 ص 14.

(5) حكاه عنهم العلّامة في المختلف: في وجوه الاكتساب ج 5 ص 14.

(6) السرائر: باب ضروب المكاسب ج 2 ص 215 216.

(7) منها تذكرة الفقهاء: في بيان أحكام أنواع الكسب ج 1 ص 582 س 3، و مختلف الشيعة: المتاجر في وجوه الاكتساب ج 5 ص 15، و نهاية الإحكام: في مناهي البيع ج 2 ص 529.

(8) الدروس الشرعية: المكاسب في مسائل متفرّقة ج 3 ص 176، و حواشي الشهيد (النجّارية): في التجارة ص 56 س 5 (مخطوط في مكتبة مركز البحوث و الدراسات الإسلامية).

(9) جامع المقاصد: في أقسام المتاجر ج 4 ص 10.

(10) جامع المقاصد: في أقسام المتاجر ج 4 ص 10.

(11) لم نعثر على مَن ألحق الجبّ و الوجاء بالخصاء في الكتب الّتي بأيدينا غير المحقّق الثاني في جامع المقاصد.

33

و معاملة الظالمين و السفلة و الأدنين

____________

و الوجاء بالمدّ و الكسر رضّ عروق الخصيتين أو رضّهما، و الجبّ قطع الذكر أو ما لا يبقى منه مقدار الحشفة كما في «جامع المقاصد (1)» و غيره (2).

قوله (قدس سره): و معاملة الظالمين

إمّا لنفس ظلمهم أو للشبهة في أموالهم لقوله تعالى (3) «وَ لٰا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا» و لأنّهم مظنّة الحرام مع قوله (عليه السلام): «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (4) و الظالمون قسم ممّن لا يجتنب المحارم، لأنّهم السلطان و جنوده و مَن يعتاد معاملتهم بالحرام و غيرهم، و قد يكونان بمعنىً واحد، فتأمّل و يأتي تمام الكلام.

قوله: و السفلة

بكسر السين و سكون الفاء أو فتحه مع كسر الفاء و هي بمعنى الأدنين أو قريب منه، و عن بعض الأخبار (5) التفسير بالسماك و الحجّام، و قيل (6): الّذي يضرب بالطنبور. و قيل (7): من ادّعى الأمانة و ليس لها بأهل. و قد فسّروا (8) بالّذين لم يبالوا بما قيل فيهم و لا بما قالوا في غيرهم أو الّذين يحاسبون على الشيء الدون أو من لا يسرّه الإحسان و لا تسوؤه الإساءة. و في «الفقيه (9)» نسب التفاسير الثلاثة

____________

(1) جامع المقاصد: في العيب و التدليس من كتاب النكاح ج 13 ص 226.

(2) مسالك الأفهام: في عيوب الرجل من كتاب النكاح ج 8 ص 103، و الروضة: ج 5 ص 380.

(3) هود: 113.

(4) وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب صفات القاضي ح 56 ج 18 ص 127.

(5) لم نعثر على هذا الخبر الّذي أشار إليه في كتب أخبارنا، فراجع لعلّك تجده إن شاء اللّٰه.

(6) القائل هو الشيخ الصدوق في من لا يحضره الفقيه: في المكاسب و الفوائد و الصناعات ذيل ح 3605 ج 3 ص 165.

(7) القائل هو المحقّق الثاني في جامع المقاصد: في أقسام المتاجر ج 4 ص 11.

(8) الروضة البهية: في آداب التجارة ج 3 ص 293.

(9) من لا يحضره الفقيه: في المكاسب و الفوائد و الصناعات ذيل ح 3605 ج 3 ص 165.

34

و المحارَفين و ذوي العاهات

____________

الأخيرة إلى الأخبار فالعمل على الجميع. و ربما فسّر (1) «الأدنون» بمن لا مروءة له.

قوله: و المحارَفين

المحارَف بفتح الراء المحروم الّذي إذا طلب لا يرزق أو يكون لا يسعى في الكسب و هو خلاف قولك المبارك، و منه الحديث: «لا تشتر من محارَف فإنّ صفقته لا بركة فيها» (2) و المحارَف أيضاً المنقوص من الحظّ لا ينمو له مال، كذا قال في «مجمع البحرين (3)». و في «الكافي (4)» عن الصادق: «المحروم المحارَف الّذي حرم كدّ يده في الشراء و البيع» و عن الباقر (عليه السلام) «أنّه الّذي لا يبسط له في الرزق (5)» و في الخبر (6): «عامل مَن نشأ في خير و بورك له في معيشته» و قال (7) أمير المؤمنين (عليه السلام): «شاركوا من أقبل عليه الرزق فإنّه أجلب للرزق» و عن عميد الدين (8): تكره معاملة الفقير، لأنّ المقصود من التجارة التكسّب و الفقير لا ينبغي أن يكسب عليه.

قوله (قدس سره): و ذوي العاهات

لما روي: «أنّ من نقص خُلقه نقص عقله (9)» و عن الصادق (عليه السلام): «لا تعامل ذا عاهة فإنّهم أظلم شيء» (10).

____________

(1) لم نعثر على هذا التفسير في كتب القوم الّتي بأيدينا لا فقهاً و لا لغةً و لا تفسيراً.

(2) وسائل الشيعة: ب 21 من أبواب آداب التجارة ح 1 ج 12 ص 305.

(3) مجمع البحرين: ج 5 ص 37 مادّة «حرف».

(4) الكافي: باب فرض الزكاة و ما يجب في المال من الحقوق ح 12 ج 3 ص 500.

(5) الكافي: باب فرض الزكاة و ما يجب في المال من الحقوق ذيل ح 12 ج 3 ص 500.

(6) وسائل الشيعة: ب 21 من أبواب آداب التجارة ح 4 و 6 ج 12 ص 306 و متن الحديث هكذا «لا تخالطوا و لا تعاملوا إلّا من نشأ في الخير».

(7) وسائل الشيعة: ب 21 من أبواب آداب التجارة ح 7 ج 12 ص 306.

(8) لم نعثر عليه في كنزه و لا في الكتب الّتي بأيدينا.

(9) لم نعثر على هذا الحديث في مصادر أخبارنا.

(10) وسائل الشيعة: ب 22 من أبواب آداب التجارة ح 1 ج 12 ص 307.

35

و الأكراد و مجالستهم و مناكحتهم

____________

قوله: و الأكراد و مجالستهم و مناكحتهم

قيل (1): إنّهم فريق من الجنّ لما روي أنّه لمّا زال مُلك سليمان أتى بعض الجنّ إلى جواريه فجامعوهن فحملن منهم، فلما عاد إليه المُلك وجدهنّ قد حملن، فقال: أكردوهم فسمّوا بذلك. و قيل (2): هم أولاد لامرئ القيس. و قيل (3): قوم من الجنّ كشف عنهم الغطا فتأنّسوا. و قيل: قبيل جدّهم كرد بن عمرو مزيقيا بن عامر بن ماء السماء قاله صاحب «القاموس (4)».

و في «قلائد الجمان» أنّ الكرد من بني ايران بن آشور بن سام، و إلى ايران هذا تنسب مملكة ايران الّتي كان بها ملوك الفرس. قال المقري الشهابي ابن فضل اللّٰه في كتاب «التعريف» يقال: في المسلمين الكرد و في الكفّار الكرج، و حينئذٍ

____________

(1) قال المسعودي في مروج الذهب: و أمّا أجناس الأكراد و أنواعهم فقد تنازع الناس في بدئهم، فمنهم من رأى أنّهم من ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان انفردوا في قديم الزمان و انضافوا إلى الجبال و الأودية دعتهم إلى ذلك الأنفة إلى أن قال: و من الناس من رأى أنّهم من مضر بن نزار و أنّهم من ولد كرد بن مرد بن صعصعة بن هوازن انفردوا لوقائع و دماء كانت بينهم و بين غسان، و منهم من رأى أنّهم من ربيعة و مضر اعتصموا إلى الجبال طلباً للمياه و المراعي فحالوا عن اللغة العربية لما جاورهم من الامم، و من الناس مَن ألحقهم بإماء سليمان بن داود حين سلب ملكه و وقع على إمائه المنافقات الشيطان المعروف بالجسد و عصم اللّٰه منه المؤمنات أن يقع عليهنّ فعلق منه المنافقات فلمّا ردّ اللّٰه على سليمان ملكه و وضع تلك الإماء الحوامل من الشيطان قال: أكردوهنّ إلى الجبال و الأودية فربّتهم امّهاتهم و تناكحوا و تناسلوا فذلك بدء نسب الأكراد، و من الناس من رأى أنّ الضحّاك ذا الأفواه خرج بكتفيه حيّتان فكانتا لا تغذّيان إلّا بأدمغة الناس فأغنى خلقاً كثيراً من فارس و قد كان وزيره يذبح في كلّ يوم كبشاً و رجلًا و يخلط أدمغتها و يطعم تينك الحيتين و تخلّص جمع إلى الجبال فتوحّشوا و تناسلوا في تلك الجبال فهم بدء الأكراد إلى أن قال: و الأصحّ من أنسابهم من ولد ربيعة بن نزار .. الخ. (مروج الذهب: ج 2 ص 99 101).

(2) لم نعثر على هذا القول فى كتب السيرة و التاريخ حسب ما تفحّصنا.

(3) الروضة البهية: في آداب التجارة ج 3 ص 294.

(4) القاموس المحيط: ج 1 ص 333 مادّة «كرد».

36

..........

____________

يكون الكرد و الكرج نسباً واحداً (1) انتهى. قال الاستاد: المدار في معرفتهم على صدق الاسم عرفاً (2). قلت: إن صحّ ما في «قلائد» كانوا هم القاطنين في لرستان و ما والاها.

____________

(1) لم نعثر على ذكر هذا الكتاب إلّا في كشف الظنون: ج 2 ص 1353 حيث قال: قلائد الجمان في التعريف بقبائل عربان الزمان تأليف والد صاحب نهاية الإرب في أنساب العرب، و قال أيضاً في ص 1985 منه: إنّ نهاية الإرب في معرفة أنساب العرب و هو مجلّد متوسّط لبعض المصريّين، ألّفه لأبي الجود بقر بن راشد أمير العربان بالبلاد الشرقية و الغربية إلى أن قال: و ذكر فيه أنّه أوضح من قلائد الجمان لوالده. و قال قبل ذلك: نهاية الإرب في فنون الأدب تاريخ كبير في ثلاثين مجلّداً لشهاب الدين أحمد بن عبد الوهّاب النويري الكندي المتوفّى 732 علّامة في الأدب ألّفه في زمن الملك الناصر محمّد بن قلاون، انتهى.

إذا عرفت هذا فنقول: يحتمل في المقام أن يكون مؤلّف الكتابين المسمّين بنهاية الإرب واحداً و هو الكندي، و أن يكون القلائد إنّما هو لأبي صاحب هذا الكتاب و هو عبد الوهّاب الكندي، و ذلك لأنّ الظاهر من نقل كشف الظنون أنّ تأليف الابن كان أبسط و أبين في بيان القبائل و الشعوب من تأليف الأب فلا بدّ أن يكون القلائد مثل الكتاب الّذي يسمّى بنهاية الإرب في أنساب العرب الجمان و يحتمل قويّاً أن يكون كتاب نهاية الإرب في أنساب العرب هذا نفس كتاب القلائد و ذلك لما يأتي من أنّ ما نقله الشارح عن القلائد موجودٌ بعين العبارة في هذا الكتاب و إنّما التبس الاسم و المسمّى على المترجمين، و لا غرو في ذلك فإنّه كثيراً ما وقع هذا الالتباس في الكتب و مؤلّفيها كما هو ظاهر لمن راجع تراجم الكتب و رجالها. و كيف كان فلم نعثر على هذا الكتاب باسمه و رسمه حتّى نستخرج الكلام المنقول في الشرح منه إلّا أنّا وجدناه بعين عبارته في نهاية الإرب في معرفة أنساب العرب لأبي العبّاس أحمد بن عليّ بن أحمد بن عبد اللّٰه القلقشندي المطبوع في مطبعة النجاح في بغداد ص 29، فمن المحتمل جدّاً أيضاً أن يكون هذا الكتاب هو كتاب القلائد و أن يكون مؤلّفه هو أحمد بن عبد اللّٰه جدّ أحمد بن عليّ المذكور بدّل و حرّف اسم الكتاب و المؤلّف على يدي المحقّقين و الناسخين في طول القرون السابقة، و عليه فلا بدّ أن يكون نهاية الإرب هذا هو غير هذا الكتاب أو كان هو نهاية الإرب المتقدّم ذكره الّذي تقدّم أنّه ثلاثون مجلّداً و قد نسب خطأً إلى شهاب الدين أحمد بن عبد اللّٰه الكندي، فتأمّل و راجع و تفحّص لعلّك تظفر بقرائن اخرى على ما ذكرناه.

(2) شرح القواعد: المتاجر ص 3 س 22 (مخطوط في مكتبة گوهرشاد برقم 741).

37

و أهل الذمّة.

و محظور: و هو ما اشتمل على وجه قبح، و هو أقسام:

الأوّل: كلّ نجس لا يقبل التطهير،

____________

قوله: و أهل الذمّة

لأنّهم ظالمون ضالّون و البُعد عنهم مطلوب. و في «جامع المقاصد» للنهي عن ذلك (1) و لعلّه أراد الخبر: لا تستعن بمجوسي (2) الخبر.

[القسم الخامس فيما يقال بحرمة تجارته و عدمها و هو على أقسام]

[فيما يقال بحرمة تجارته و عدمها] قوله: و محظور و هو ما اشتمل على وجه قبح

أي كسب اشتمل على وجه قبح اهتدى إليه العقل بنفسه أو بإرشاد الشرع و إن جعلت الموصول عبارة عن العين احتجت أن تقول أنّ القبح في نفس العمل أو الاستعمال أو في قصد بعض الجهات و الأحوال أو في المعاملة عليه بالمال و غير المال أو ما تركّب من المذكورات كما ذكره الاستاذ دام ظلّه (3).

[القسم الأول في حرمة التجارة بالنجس أو الحرام و عدمها و هو ثلاثة أنواع]

[في حرمة التجارة بالنجس أو الحرام و عدمها] قوله: و هو أقسام، الأوّل: كلّ نجس لا يقبل التطهير

المراد بالنجس ما كان بالأصل أو العارض لشموله للثاني حقيقةً كما يعطيه كلام أهل اللغة (4) أو بنحوٍ من المجاز كما يعطيه كلام الأصحاب (5) في باب الطهارة و ليس بمعلوم كونه حقيقة شرعية في ذلك أي نجس العين حتّى تنزّل عليه الأخبار. و لا

____________

(1) جامع المقاصد: في أقسام المتاجر ج 4 ص 11.

(2) وسائل الشيعة: ب 24 من أبواب آداب التجارة ح 1 ج 12 ص 308.

(3) شرح القواعد: المتاجر ص 4 س 2 (مخطوط في مكتبة گوهرشاد برقم 741).

(4) مجمع البحرين: ج 4 ص 109 110، و القاموس المحيط: ج 2 ص 253، و أساس البلاغة: ص 620 كلّهم في مادّة «نجس».

(5) كما في جامع المقاصد: ج 4 ص 12، و شرح القواعد لكاشف الغطاء: ص 4 س 4، و معالم الدين في الفقه: ج 2 ص 445.

38

..........

____________

فرق في ذلك بين المائع و الجامد الّذي لا يقبل التطهير، سواء كان مائعاً و أصابته النجاسة ثمّ جمد أو أصابته النجاسة و هو جامد كما إذا اختلط الطحين بشيء من نجس العين كالخرء المدقوق بحيث لا يمكن انفصاله عنه إلّا أن تقول في الأخير أنّه ليس بنجس و لا متنجّس، فالمدار على التنجّس و عدم قبول التطهير كما أفصحت به عباراتهم و انعقدت عليه إجماعاتهم كما ستعرف. و قد يلوح من الاستاذ خلاف ذلك كما ستسمع.

و أمّا ما يقبل التطهير ظاهراً كالفضّة و القير إذا تنجّسا مائعين فغير داخلين تحت المنع، لأنّه يحصل النفع المقصود منه باستعمال ظاهره كما ستسمع بيان ذلك كلّه. و من اقتصر على ذكر المائعات فلعلّه بناه على الغالب مع قصد التمثيل.

و قد وقع التقييد بعدم قبوله التطهير في «المبسوط (1) و الغنية (2) و التذكرة (3) و نهاية الإحكام (4) و الإرشاد (5) و التحرير (6) و المنتهى (7) و الدروس (8) و اللمعة (9) و الروضة (10) و غيرها (11)» و أطلق في «النهاية (12) و السرائر (13) و الشرائع (14)

____________

(1) المبسوط: في حكم ما يصحّ بيعه و ما لا يصحّ ج 2 ص 167.

(2) غنية النزوع: في البيع ص 213.

(3) تذكرة الفقهاء: في البيع ج 10 ص 25.

(4) نهاية الإحكام: في البيع ج 2 ص 461.

(5) إرشاد الأذهان: في أقسام المتاجر ج 1 ص 357.

(6) تحرير الأحكام: فيما يحرم التكسّب به ج 2 ص 257.

(7) منتهى المطلب: في أحكام التجارة ج 2 ص 1010 س 15 و 16.

(8) الدروس الشرعية: فيما حرم من المكاسب لعدم المنفعة ج 3 ص 168.

(9) اللمعة الدمشقية: المتاجر في أقسامه ص 108.

(10) الروضة البهية: في المكاسب المحرّمة ج 3 ص 207.

(11) كجامع المقاصد: في أقسام المتاجر ج 4 ص 12.

(12) النهاية: في بيان المكاسب المحظورة و المكروهة و المباحة ص 364.

(13) السرائر: في حكم التكسّب بالأطعمة و الأشربة المحظورة و النجاسات ج 2 ص 219.

(14) شرائع الإسلام: فيما يكتسب به ج 2 ص 9.

39

..........

____________

و النافع (1)» لكنّه في «السرائر (2)» بعد ذلك قيّد كما أنّ المحقّق (3) في المطاعم نبّه على التقييد. و الحاصل أنّ القيد لا بدّ منه. و في «المبسوط (4)» أيضاً جعل الحكم لنجس العين من الحيوان غير الآدمي و من غير الحيوان، فيخرج الرقّ الكافر حينئذٍ لقبوله التطهير بالإسلام. و عليه تنزّل العبارات الموافقة للمبسوط في التقييد. و قد يكون الرقّ الكافر خارجاً بالأخبار و الإجماع لا بأنّ الإسلام مطهّر له، إذ قلّ مَن عدّه في المطهّرات، فلعلّه عندهم كالاستحالة، و جميع النجاسات يقبل الطهارة بها، فمرادهم بقبول الطهارة قبولها بغير الاستحالة.

و أمّا المرتدّ عن فطرة فالقول بجواز بيعه ضعيف جدّاً، لعدم قبول توبته فلا يقبل التطهير كما هو المعروف من مذهب الأصحاب. و به صرّح في «التحرير (5) و الدروس (6)» في باب بيع الحيوان و إن خالف فيه بعض مَن تأخّر كالمحقّق الثاني (7) في باب الرهن و بيع الحيوان. و قد يظهر ذلك من رهن «المبسوط (8) و التحرير (9)» و المولى الأردبيلي (10) جوّز بيعه في الدين. و استشكل في بيعه المصنّف في موضع من «التذكرة» (11) و بيع الحيوان من «الكتاب (12)» و ولده في رهن «الإيضاح (13)» و باب

____________

(1) المختصر النافع: فيما يكتسب به ص 116.

(2) السرائر: في الأطعمة المحظورة و المباحة ج 3 ص 127.

(3) شرائع الإسلام: كتاب الأطعمة و الأشربة في المائعات ج 3 ص 226.

(4) المبسوط: في حكم ما يصحّ بيعه و ما لا يصحّ ج 2 ص 165 و 166.

(5) تحرير الأحكام: في عقد البيع و شروطه ج 2 ص 281.

(6) الدروس الشرعية: في بيع الحيوان ج 3 ص 223.

(7) جامع المقاصد: في بيع الحيوان ج 4 ص 160 و في الرهن ج 5 ص 57.

(8) المبسوط: في حكم التصرّف في المرهون ج 2 ص 211.

(9) تحرير الأحكام: في شرائط الرهن ج 2 ص 471.

(10) مجمع الفائدة و البرهان: فيما يصحّ رهنه و ما لا يصحّ ج 9 ص 148.

(11) تذكرة الفقهاء: البيع في العوضين ج 10 ص 45.

(12) قواعد الأحكام: في بيع الحيوان ج 2 ص 32.

(13) إيضاح الفوائد: في باب بيع الحيوان ج 1 ص 444 و في الرهن ج 2 ص 14.

40

..........

____________

بيع الحيوان. و أنت خبير بأنّ المرتدّ بالسبّ يجب قتله في الحال و لا يُنظر، و إن كان بغيره فالأخبار و الإجماع و الشهرات دلّت على عدم قبول توبته بعمومٍ لغويّ يتناول ما إذا كانت ظاهراً و باطناً، و لم يعرف الخلاف إلّا من «الدروس (1)» حيث قال: و في قبول توبته باطناً وجه قويّ. و تبعه المحقّق الثاني (2) و الشهيد الثاني (3) و الأردبيلي (4) كما أوضحنا ذلك في باب الحدود. و لعلّ من جوّز بيعه بناه على عدم قبول توبته فلا يرد به حينئذٍ إشكال.

و أمّا عصير العنب فلا ريب في عدم جواز بيعه إذا نشّ و غلىٰ من قِبل نفسه، لأنّه يصير حينئذٍ خمراً و لا يطهر إلّا بانقلابه خلًا كما نصّ عليه الأكثر من المتقدّمين (5) و المصنّف في رهن «التذكرة (6)» و المحقّق الثاني في رهن «جامع المقاصد (7)» و قد نزّلنا عليه كلام جماعة من المتأخّرين كما بيّناه في رسالتنا المسمّاة «بالعصرة في العصير» بل لا فرق في ذلك بين عصير العنب و عصيري التمر و الزبيب إذا نشّا و غليا من قِبل أنفسهما.

____________

(1) الدروس الشرعية: في أحكام المرتدّ ج 2 ص 52.

(2) الموجود في فوائده خلاف ذلك الّذي نسبه إليه الشارح، فإنّه في كتاب الحدود بعد ذكر عبارة الشرائع و هي قوله «من ادّعى النبوّة وجب قتله» قال: و لو قذف النبيّ فهو مرتدّ يجب قتله و لا تقبل توبته إذا كان مولوداً على الفطرة، انتهى ص 258، و في ذيل قول الشرائع و هو «بعد ردّته لم يقتل» قال: هذا إذا كان عن ملّة، و لو كان عن فطرة قتل لأنّ توبته غير مقبولة، انتهى ص 260، و أمّا في جامع المقاصد فلم نجد المسألة فيه في مظانها فضلًا عن إظهار فتواه بالنفي أو الإثبات، فراجع.

(3) مسالك الأفهام: كتاب الحدود في المرتدّ ج 15 ص 24.

(4) مجمع الفائدة و البرهان: كتاب الحدود في الارتداد ج 13 ص 327 و 328.

(5) منهم ابن حمزة في الوسيلة: في بيان أحكام الأشربة ص 365، و منهم الصدوق في المقنع: الحدود في باب شرب الخمر و الغناء و ما يجب في ذلك في الحدّ و الحكم ص 453 454، و الشيخ الطوسي في النهاية: باب الأشربة المحظورة و المباحة ص 591.

(6) تذكرة الفقهاء: في الرهن ج 2 ص 18 س 41.

(7) جامع المقاصد: في الرهن ج 5 ص 61 و 62.

41

..........

____________

و أمّا إذا غلى عصير العنب بالنار و لم يذهب ثلثاه فلا ريب في نجاسته كما بيّنّاه في غير موضع (1) بل ادّعى عليه الإجماع، و الظاهر أيضاً عدم جواز بيعه، لأنّه حينئذٍ خمر كما صرّح به جماعة (2) أو كالخمر إذا اعتدّ للتخليل كما نصّ عليه المحقّق الثاني (3). و هو الظاهر من عبارة «النهاية» عند قوله: و يكره الإسلاف فيه (4). و يظهر منها و من أطعمة «السرائر (5)» و غيرها (6) في مواضع تظهر على الفقيه.

و هو الّذي تقضي به قواعد الباب و يدلّ عليه إطلاق قول الصادق (عليه السلام) (7) في خبر أبي كهمس فيما رواه ثقة الإسلام: «و إن غلى فلا يحلّ بيعه» و مفهوم قوله أيضاً (عليه السلام) فيما رواه الكليني (8) أيضاً عن أبي بصير حيث سأله عن ثمن العصير: «إذا بعته قبل أن يكون خمراً و هو حلال فلا بأس» إذ مفهومه ثبوت البأس إذا لم يكن حلالًا و هو حال الغليان، و قوله أيضاً (عليه السلام) في مرسل ابن الهيثم (9): «إذا تغيّر عن حاله و غلى فلا خير فيه حتّى يذهب ثلثاه» و من الخير المنفي بيعه فتأمّل إلّا أن تقول كلّ مَن قال بأنّه يطهر بالنقص قال بجواز بيعه، و من البعيد جدّاً أن يقال إنّه يطهر بالاستحالة و حصولها بمقدار لحظة فتأمّل، إذ الاستبعاد محض اعتبار مخالف للأخبار منقوض بما إذا صار خلًا، فإنّه يستحيل في آنٍ واحد من دون غليانٍ و لا نقص، فالأصحّ عدم جواز بيعه، لأنّ الظاهر طهره بالاستحالة لا بالنقص.

____________

(1) راجع ج 2 ص 30 و 31.

(2) كما في الفقيه: ج 4 ص 57، و حاشية المدارك للبهبهاني: ج 2 ص 194، و الرياض: ج 2 ص 364.

(3) جامع المقاصد: في الرهن ج 5 ص 63.

(4) النهاية: في باب الأشربة المحظورة و المباحة ص 591.

(5) السرائر: في الأشربة المحظورة و المباحة ج 3 ص 130 و 131.

(6) كالمسالك: في حدّ المسكر و الفقّاع ج 14 ص 459.

(7) الكافي: باب بيع العصير و الخمر ح 12 ج 5 ص 332.

(8) الكافي: باب بيع العصير و الخمر ح 3 ج 5 ص 231.

(9) وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب الأشربة المحرّمة ح 7 ج 17 ص 226 227.

42

..........

____________

و أمّا عصير التمر إذا غلى بالنار فإنّه باقٍ على الحلّ و الطهارة، و الظاهر أنّ عصير الزبيب كذلك كما بيّنّاه في «الرسالة».

و أمّا الأصباغ المتنجّسة فقد قال المحقّق الثاني في «حاشيته على الإرشاد»: إنّ الظاهر جواز بيعها مع أنّها لا تقبل التطهير (الطهارة خ ل) عند الأكثر. و أجاب بأنّها تؤوّل إلى حالة تقبل معها التطهير، قال: و تلك الحالة بعد جفافها بل ذلك هو المقصود منها فيندفع السؤال (1) انتهى. فيكون الحال فيها كالحال في القير كما مرَّ، و كالحال في العجين إذا تنجّس فإنّه و إن لم يقبل التطهير حينئذٍ لكنّه يقبله إذا صار خبزاً و جفّف حتّى تذهب رطوبته، فالحظه و احفظه فإنّه نافع فيما قد ندّعيه من عدم جواز الانتفاع بشيءٍ من النجاسات الّتي لا تقبل التطهير إلّا فيما خرج بالدليل، و ذلك لأنّا نقول بأنّ الأصل [1] فيما نجس و لم يقبل التطهير التحريم و عدم الانتفاع به في شيءٍ أصلًا كما أشار إليه الشهيد في «قواعده (2)» عند الكلام على تعريف النجاسة، و فخر الإسلام في «الإيضاح» كما ستسمع. و كأنّه مأخوذ ممّا نبّه عليه المصنّف في «التذكرة (3) و نهاية الإحكام (4)» من أنّ الأصل فيما حرم على الإطلاق أن يكون نجساً. و إليه أشار الراوندي في «فقهه (5)» و صاحب «الغنية (6) و السرائر» كما ستسمع. و به صَرّح جمعٌ منهم صاحب «المسالك (7)».

____________

[1] الأصل هنا بمعنى القاعدة، لأنّه ادّعى عليه الإجماع كما ستسمع. (منه).

____________

(1) حاشية الإرشاد: في التجارة ص 109 س 3 7 (مخطوط في مكتبة المرعشي برقم 79).

(2) القواعد و الفوائد: ج 2 ص 85 قاعدة 175.

(3) تذكرة الفقهاء: في العوضين من البيع ج 10 ص 25.

(4) نهاية الإحكام: في المعقود عليه من البيع ج 2 ص 461.

(5) فقه القرآن: باب الأطعمة المحظورة ج 2 ص 269 272.

(6) غنية النزوع: في البيع و شروطه ص 213.

(7) مسالك الأفهام: فيما يكتسب به ج 3 ص 119.

43

..........

____________

و قد أفصحت عباراتهم بعدم الانتفاع بالنجس، قال الشيخ في «النهاية (1)»: كلّ طعامٍ و شرابٍ حصل فيه شيء من الأشربة المحظورة أو شيء من المحظورات و النجاسات فإنّ شربه و عمله و التجارة فيه و التكسّب به و التصرّف فيه حرام محظور، و جميع النجاسات محرّم التصرّف فيها و التكسّب على اختلاف أجناسها. و أصرح من ذلك كلامه في «أطعمة الكتاب (2)» المذكور. و مثله في المقامين ما في «السرائر (3)» و نحوه ما في «المقنعة (4) و المراسم (5) و المبسوط (6)».

و قالوا أيضاً: الأعيان النجسة و ما ينجس بمجاورتها و لا يمكن غسله و لا تطهيره بالماء لا ينتفع بها سوى الأدهان لفائدة الاستصباح بها تحت السماء و لا يجوز الانتفاع بها في غير الاستصباح تحت السماء. و قد طفحت بذلك و نحوه عباراتهم كما ستسمع و أوضحها عبارة «المقنعة (7) و النهاية (8) و الخلاف (9) و السرائر (10)» فإنّ هذه العبارات الأربع صريحة لا تقبل التأويل حيث قيل فيها: لا يجوز أكله أي الدهن النجس و لا الانتفاع به بغير الاستصباح، كذا في «الخلاف (11)» و ادّعى بعد ذلك الإجماع و الأخبار، و ظاهره أنّهما على جميع ما ذكر و هو ظهور لا يكاد ينكر. و نحوه ما في بقيّة العبارات، و لا قائل بالفرق بين الدهن و غيره.

____________

(1) النهاية: باب في المكاسب المحظورة ص 364 و في الأطعمة المحظورة ص 588.

(2) النهاية: باب في المكاسب المحظورة ص 364 و في الأطعمة المحظورة ص 588.

(3) السرائر: في حكم التكسّب بالأطعمة و الأشربة المحظورة و النجاسات ج 2 ص 219 و في الأطعمة المحظورة و المباحة ج 3 ص 120 121.

(4) المقنعة: في باب المكاسب ص 587 و في الأطعمة ص 581 582.

(5) المراسم: في المكاسب ص 170 و في الأطعمة و الأشربة ص 209 و 211.

(6) المبسوط: في حكم ما يصحّ بيعه و ما لا يصحّ ج 2 ص 166 167.

(7) المقنعة: في الأطعمة و ما يحلّ من ذلك و ما يحرم ص 582.

(8) النهاية: في الأطعمة المحظورة و المباحة ص 588.

(9) الخلاف: الأطعمة في الاستصباح بالنجس ج 6 ص 91 مسألة 19.

(10) السرائر: في الأطعمة المحظورة و المباحة ج 3 ص 122.

(11) الخلاف: في الاستصباح بالنجس من كتاب الأطعمة ج 6 ص 91 مسألة 19.

44

..........

____________

و قد تأمّل في ذلك بعض المتأخّرين كالمولى الأردبيلي (1) و زعم أنّ الأصل جواز الانتفاع بها إلّا ما خرج بالدليل كالانتفاعات الموقوفة على الطهارة أو ما دلّ الدليل على المنع منه مطلقاً كالميتة.

و هذا الأصل مقطوع بخبر «تحف العقول (2) و رسالة المحكم و المتشابه (3)» و إجماع «شرح الإرشاد» لفخر الإسلام (4) و «التنقيح (5)» و كذا إجماع «الغنية (6)» بل و إجماع «الخلاف» المذكور آنفاً و أخباره. و هي معتضدة بالشهرة المعلومة الّتي كادت تكون إجماعاً، ففي الخبر المشار إليه: «أو شيء من وجوه النجس فهذا كلّه حرام و محرّم، لأنّ ذلك كلّه منهيّ عن أكله و شربه و لبسه و ملكه و إمساكه و التقلّب فيه فجميع تقلّبه في ذلك حرام». و أمّا إجماع «شرح الإرشاد و التنقيح» فقد قالا في بيان حرمة بيع الأعيان النجسة: إنّما يحرم بيعها، لأنّها محرّمة الانتفاع و كلّ محرّم الانتفاع لا يصحّ بيعه، أمّا الصغرى فإجماعية، و القول بأنّ المراد حرمة الانتفاع بالبيع بعيد. و أمّا «الغنية» فإنّه قد شرط فيها في صحّة البيع كون الشيء ممّا ينتفع به منفعة مباحة. و احترز بذلك عن المنافع المحرّمة، و جعل منها كلّ نجس لا يقبل التطهير عدا ما أخرجه الدليل من بيع الكلب المعلّم للصيد و الزيت النجس للاستصباح به تحت السماء، ثمّ قال: و هو إجماع الطائفة.

قلت: و خرج سرجين ما لا يؤكل لحمه و عذرة الإنسان و خرء الكلاب عند الشيخ لنفي الخلاف في «المبسوط (7)» عن جواز الانتفاع بذلك في الزروع

____________

(1) مجمع الفائدة و البرهان: في أقسام التجارة و أحكامها ج 8 ص 35.

(2) تحف العقول: في جهات معائش العباد ص 333.

(3) رسالة المحكم و المتشابه: كتاب القرآن فيما ورد في أصناف آيات القرآن ص 46 48.

(4) حاشية إرشاد الأذهان: في التجارة ص 44 س 12 (مخطوط في مكتبة المرعشي برقم 2474).

(5) التنقيح الرائع: فيما يكتسب به في الأعيان النجسة ج 2 ص 5.

(6) غنية النزوع: في البيع و شروطه ص 213.

(7) المبسوط: في حكم ما يصحّ بيعه و ما لا يصحّ ج 2 ص 167.

45

..........

____________

و الكروم و اصول الشجر و قد استثنى الدم في «المبسوط» أيضاً، و لعلّه أراد جواز الانتفاع به في الصبغ، و قد عرفت الحال في الصبغ و ستعرف الحال في الدم و لخبر المفضّل (1) الوارد في الانتفاع بالزبل و العذرة في الزرع و البقول و الخضر.

و خرج عنه شعر الخنزير للأخبار المعمول بها عند جماعة (2) و كذلك جلده لسقي الدوابّ و البهائم عند جماعة (3) أيضاً. و الحقّ عدم الجواز فيهما كما ستسمع، و استدلال بعضهم كالمصنّف في «المختلف (4)» بالأصل في استعمال شعر الخنزير و نحوه إنّما هو على سبيل التقريب. أو بيان أنّه لمّا وردت الأخبار بالجواز علمنا أنّه لم ينقطع فيها بخصوصها.

و خرج عنه طلي الدوابّ به كما قاله الشهيد في «حواشيه (5)» و اختاره المحقّق الثاني في «تعليق النافع و تعليق الإرشاد (6)» و صاحب «إيضاح النافع» و صاحب «المسالك (7)» في الأطعمة، لأنّه لا بدّ و أن يتنجّس فلا فرق في ذلك بين أن ينجس بالطلي أو قبله، و لعلّ الأولى الاقتصار على ما بعده.

____________

(1) مستدرك الوسائل: ب 13 من أبواب ما يكتسب به ح 1 ج 13 ص 121.

(2) منهم الشيخ في التهذيب: ج 9 ص 84 85 ح 90 92، و العلّامة في المختلف: فيما يحلّ من الميتة و ما يحرم من الذبيحة ج 8 ص 323، و الشهيد الأوّل في الدروس: في الأطعمة و الأشربة في الجامد ج 3 ص 15، و الشهيد الثاني في المسالك: في لواحق الأطعمة ج 12 ص 93 94.

(3) منهم الصدوق في الفقيه: ج 1 ص 10 ح 14، و الشيخ في النهاية: ص 587، و الفاضل المقداد في التنقيح الرائع: في الأطعمة ج 4 ص 56 57.

(4) مختلف الشيعة: كتاب الصيد ما يحلّ من الميتة و ما يحرم من الذبيحة ج 8 ص 323.

(5) لم نعثر عليه في حواشي الشهيد الموجودة لدينا و نقله عنه المحقّق الثاني في حاشية الإرشاد: في التجارة ص 109 س 18.

(6) حاشية الإرشاد: في التجارة ص 109 س 22 (مخطوط في مكتبة المرعشي برقم 79).

(7) مسالك الأفهام: في المائعات المحرّمة ج 12 ص 85.

46

..........

____________

و خرج عنه اتخاذ الصابون منه للخبر أيضاً كما قاله أيضاً الشهيد (1) و اختاره أيضاً المحقّق الثاني (2) في «تعليقه» و صاحب «إيضاح النافع» و صاحب «المسالك (3)» في الأطعمة و غيره (4). و عن «نوادر الراوندي (5)» جواز بيعه لمن يعمله صابوناً. و لعلّ الشهيد أراد رواية «دعائم الإسلام (6)» فاندفع إشكال الاستاذ (7) فيما يبقى من رغوته بعد التنجيس فيغسل بها الثوب الآخر. و لعلّه لأنّ الصابون كالصبغ، فليتأمّل، سلّمنا و ما كان ليكون لكنّا قد نقول باستثناء هذا بخصوصه لا غير، لمكان الضرورة و السيرة. و بذلك يندفع ما عساه يقال من أنّ الصابون لا يجوز بيعه إذا كان نجساً كما إذا صنعه النصراني، لأنّه لا يقبل التطهير، و قبول ظاهره التطهير لا يجدي، لعدم حصول نفعه الغالب باستعمال ظاهره. و أمّا ما يستند إليه من استمرار طريقة الناس من البول على الجرح فأوهن شيء و أضعفه، لأنّ تلك سيرة أجلاف العرب. و لعلّه لذلك قال عليه و آله الصلاة و السلام: ويل للأعقاب من النار (8) لأنّه كان يغلب عليهم تشقيق أعقابهم فكانوا يبولون عليها.

و ليعلم أنّ الخمر قسمان: محترمة و هي الّتي اتخذت للتخليل فإنّ إبقاءها لذلك جائز إجماعاً، و لأنّه لو لا احترامها لأدّى ذلك كلّه إلى تعذّر اتخاذ الخلّ، لأنّ العصير لا ينقلب إلى الحموضة إلّا بتوسّط الشدّة، فلو لم تُحترم و اريقت في تلك

____________

(1) لم نعثر عليه في حواشي الشهيد الموجودة لدينا، و نقله عنه المحقّق الثاني في حاشية الإرشاد: ص 109 س 21.

(2) حاشية الإرشاد: في التجارة ص 109 س 22 (مخطوط في مكتبة المرعشي برقم 79).

(3) مسالك الأفهام: في المائعات المحرّمة ج 12 ص 85.

(4) فوائد الشرائع: في التجارة ص 168 س 17 (مخطوط في مكتبة المرعشي برقم 6584).

(5) نوادر الراوندي: ص 50 51.

(6) دعائم الإسلام: ج 2 ص 18 19 ح 23.

(7) شرح القواعد: في التجارة ص 6 س 3.

(8) السنن الكبرى: في الطهارة ج 1 ص 69، الجامع الصغير: ج 2 ص 197.

47

..........

____________

الحال لتعذّر اتخاذ الخلّ. و غير المحترمة ما اتخذت لغرض الخمرية كما نصّ على ذلك كلّه في رهن «التذكرة (1) و جامع المقاصد (2)» فلا يرد على ما حرّرناه الانتفاع باتخاذ الخمر للتخليل.

و هذا الّذي اخترناه هو الّذي كان يختاره الاستاذ دام ظلّه لمكان الأدلّة القاهرة مؤيّدة بالمنع من التكسّب به، إذ في ذلك كمال الإرشاد و إن لم يصلح للاستناد لكنّه بعد ذلك عدل عنه، لمكان السيرة القاطعة في الصبغ و رغوة الصابون و البول على الجراحة و طلي الأجرب، و قد عرفت الجواب عن ذلك كلّه، فلا يجوز دفع الدبس النجس للنحل و لا إلى غير المكلّف من الأناسين لنقصٍ أو سهوٍ أو جهلٍ و لا غير ذلك من وجوه الانتفاع، و كذا غير الدبس كالزيت لدهن الرواحي و السفن، و كذا الترياق المختلط بلحوم الأفاعي و غيرهما إلّا ما استثني، و قد نصّ على تحريم الانتفاع بالترياق المذكور في «نهاية الإحكام (3)».

و لا فرق في ذلك كلّه بين ما لا يدخل في اسم الاستعمال و ما يدخل فيه، سواء استلزم تلويثاً أو مباشرةً أم لا، إذ لا نجد في ذلك فرقاً من نصٍّ أو فتوى فقيه، بل و لا من اعتبار إلّا أن يكون ضعيفاً لا يعرّج عليه. نعم في بعض الأخبار نوع إشارة إلى ذلك و هو قول أبي الحسن (عليه السلام) (4) في خبر للحسن بن عليّ حين سأله عن قطع أليات الغنم و هي حيّة فيستصبح بها: «أما علمت أنّه يصيب اليد و الثوب و هو حرام» و الاستاذ (5) دام ظلّه فرّق و هو أعرف، و لعلّه استند إلى قول أبي الحسن (عليه السلام) «أما علمت أنّه يصيب اليد و الثوب و هو حرام».

____________

(1) تذكرة الفقهاء: في بيان اشتراط مملوكية العين المرهونة ج 2 ص 18 س 10.

(2) جامع المقاصد: في الرهن ج 5 ص 62 63.

(3) نهاية الإحكام: في المعقود عليه من البيع ج 2 ص 464.

(4) الكافي: في الأطعمة ج 6 ص 255 ح 3، وسائل الشيعة: ب 32 من أبواب الأطعمة المحرّمة ح 1 ج 16 ص 364 و فيه «تعلم».

(5) شرح القواعد: في التجارة ص 6 س 4.

48

..........

____________

إذا عرفت هذا صحّ لنا أن ندّعي أنّ المدار في عدم جواز البيع على تحريم المنافع الغالبة المقصودة كما سمعته (1) عن فخر الإسلام و المقداد و ابن زهرة و غيرهم، و ينتج من ذلك أنّ جميع الأعيان النجسة الّتي لا تقبل التطهير قد حرمت منافعها المقصودة غالباً (الغالبة خ ل) و أنّ ما لم يحرم من منافعها غير ملحوظ في نظر الشارع فهي كما لا نفع فيه، إذ كلّ شيء يفرض من المحرّمات لا يخلو عن منفعة نادرة كإبقاء الخمر المتّخذة للتخمير في يده للتخليل و الميتة لأكل جوارح الصيد و العذرة للتسميد. و لا ينتقض ذلك إلّا بالأصباغ فإنّ الغالب المقصود من الصبغ المتنجّس هو نفعه المقصود منه قبل التنجيس و لا يخرجه ذلك عن المقصودية، و قد عرفت الجواب عن ذلك بما حكيناه (2) عن المحقّق الثاني آنفاً.

فقد تحصّل: أنّ النجس الغير القابل للتطهير داخل تحت محرّم الانتفاع و ليس ذلك أغلبيّاً بل هو شامل لجميع أقسام النجس المذكور إلّا ما خرج بالدليل كالكلاب، فكلّ نجس كذلك يحرم الانتفاع به، و ليس كلّ ما يحرم الانتفاع به نجس، بل ما يحرم الانتفاع به لذاته مطلقاً، فيخرج المغصوب و آلات اللهو و نحو ذلك. فيصحّ لهم أن يستدلّوا على المنع من التكسّب بالنجس تارةً بأنّه نجس و تارةً بعدم الانتفاع و تارةً بهما و يصحّ لهم أن يشترطوا في صحّة البيع الطهارة و الانتفاع لكون الثاني أعمّ. و هذه القاعدة أعني ما حرمت منافعه حرم التكسّب به قاعدة متينة مقطوع بها في كلامهم لم أر لها رادّاً. و قد أطال فخر الإسلام في «الإيضاح (3)» في بيانها و أمر بالمحافظة عليها. و نحوه ما في «شرحه على الإرشاد (4)» و كذلك

____________

(1) تقدّم في ص 42 44.

(2) تقدّم في ص 42.

(3) إيضاح الفوائد: في أقسام المتاجر ج 1 ص 401 402.

(4) شرح الإرشاد للنيلي: في التجارة ص 44 س 22 و ما بعده (من كتب مكتبة المرعشي برقم 2474).

49

..........

____________

الفاضل المقداد (1) غير الّذي نقلنا عنه آنفاً. و إليها أشار المحقّق الثاني في «جامع المقاصد(2)» و الشهيد الثاني (3) و جماعة، بعضهم ذكر ذلك في المقام و بعضهم في مسألة ما لا ينتفع به كالمقداد و غيره.

و قال في «الإيضاح»: أمّا ما فيه منفعة مقصودة فلا يخلو من ثلاثة أقسام: أحدها: أن تكون سائر منافعه محرّمة. الثاني: أن تكون سائر منافعه محلّلة. الثالث: أن يكون بعضها محلّلًا و بعضها محرّماً، فإن كانت سائر منافعه محرّمة صار كما لا منفعة فيه أصلًا بمعنى عدم جواز بيعه. و في «التنقيح» الإجماع عليه. و قال في «الإيضاح»: و إن كانت سائرها محلّلة جاز بيعه إجماعاً، و إن كانت منافعه مختلفة فهذا الموضع من المشكلات و مزالّ الأقدام، فنقول: قد تقدّم أصلان: جواز البيع عند تحليل سائر المنافع و تحريمه عند تحريم جميعها، فإن كان جلّ المنافع و المقصود منها محرّماً حتّى صار المحلّل من المنافع كالمطرح فإنّ البيع ممنوع و واضح إلحاق هذا بأحد الأصلين، لأنّ المطرح من المنافع كالعدم، و إذا كان كالعدم صاركأنّ الجميع محرّم. و إليه أشار (عليه السلام) بقوله: «لعن اللّٰه اليهود حرّمت عليهم الشحوم فباعوها (4)» و إن كان الأمر بالعكس كان الحكم بعكسه. ثمّ قال: و أشكل من هذا أن يكون [1] فيه منفعة محرّمة مقصودة مرادة و سائر منافعه سواها محلّل فإنّ هذا ينبغي إلحاقه بالقسم الممنوع، لأنّ كون هذه المنفعة المحرّمة مقصودة يؤذن بأنّ لها حصة من الثمن، لأنّ العقد اشتمل عليها و هو عقد واحد لا سبيل إلى

____________

[1] يشبه أن يكون أراد بهذا آلات اللهو فتأمّل. (كذا بخطّ المصنّف (قدس سره)).

____________

(1) التنقيح الرائع: فيما يكتسب به ج 2 ص 10.

(2) جامع المقاصد: في أقسام المتاجر ج 4 ص 12.

(3) مسالك الأفهام: فيما يكتسب به ج 3 ص 120.

(4) مستدرك الوسائل: ب 6 من أبواب ما يكتسب به ح 8 ج 13 ص 73.

50

..........

____________

تبعيضه، و المعاوضة على المحرّم منه ممنوع فيمنع الكلّ .. إلى آخر ما قال (1).

و يدلّ على حرمة التكسّب بكلّ ما حرّمت منافعه المقصودة ما روي في «الخلاف (2) و السرائر (3) و الغنية (4) و الغوالي» على ما حكي (5) و «التذكرة (6)» في عدّة مواضع و «التنقيح (7)» عن النبيّ (صلى الله عليه و آله) أنّه قال: «إنّ اللّٰه إذا حرّم شيئاً حرّم ثمنه» (8) و ليس المراد بتحريم الشيء تحريم منفعةٍ ما منه، إذ ما منٍ شيءٍ إلّا و قد حرّم فيه نفع ما، و لا تحريم جميع المنافع، إذ ما من شيءٍ إلّا و له نفع ما محلّل، بل المراد تحريم المنفعة الغالبة المقصودة منه المعدّ هو لها. و في خبري محمّد (9) و أبي بصير عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) أنّه قال (صلى الله عليه و آله): «إنّ الّذي حرّم شربها حرّم ثمنها» و ما فيها من لفظ البيع و الثمن فمحمول على المثال لمطلق الاكتساب، قال الاستاذ (10): مع أنّ في بعض الأخبار تعميماً لذلك، و لم نجده، و الضعف منجبر بالشهرة، هذا كلّه مضافاً إلى الإجماعات في بعض الأعيان كالخمر و نحوها، فإنّا نقطع بإلغاء الخصوصية.

و لمّا كان المدار على تحريم المنافع المقصودة الغالبة لحظنا النجاسات فوجدنا منها ما حرمت منافعها الغالبة كالخمر و الميتة [1] و المائعات المشروبة

____________

[1] لأنّ الخمر له منفعة نادرة و هي التخليل لكن لا يباع له و كذلك الميتة للمضطرّ (كذا بخطّ المصنّف).

____________

(1) إيضاح الفوائد: ج 1 ص 401 402.

(2) الخلاف: في التجارة ج 3 ص 184 و 185 مسألة 308 و 310.

(3) السرائر: فيما يحلّ من الميتة و ما يحرم من الذبيحة ج 3 ص 113.

(4) غنية النزوع: في البيع ص 213.

(5) حكاه عنه النوري في مستدرك الوسائل: ب 6 من أبواب ما يكتسب به ح 8 ج 13 ص 73.

(6) تذكرة الفقهاء: في الغصب ج 2 ص 379 س 31.

(7) التنقيح الرائع: في الأعيان النجسة ج 2 ص 5.

(8) عوالي اللآلي: ج 2 ص 328 ح 33.

(9) وسائل الشيعة: ب 55 من أبواب ما يكتسب به ح 1 و 6 ج 12 ص 164 و 165.

(10) شرح القواعد: في التجارة ص 4 س 12 (مخطوط في مكتبة گوهرشاد برقم 741).

51

..........

____________

المتنجّسة، و وجدنا منها ما لم تحرم منافعها الغالبة كالكلاب الأربعة، و منها ما لا منفعة فيه إلّا نادراً كالعذرة [1]، و أمّا التسميد به فهو منفعة نادرة كما أشرنا إليه آنفاً و نصّ عليه في «نهاية الإحكام (1)» لأنّ التسميد في الغالب إنّما هو بالزبل و السرجين الغير النجس، و لا يصار إلى التسميد بالعذرة إلّا عند فقده، لعظم نفعه و عدم قذارته، و العذرة قليلة النفع بالنسبة إليه شديدة القذارة، بل لا تسميد في القرى و المزارع إلّا بزبل البقر و الحمير و المعز و الغنم و الإبل، و إنّما يسمّد بالعذرة في المدن الّتي قلّ ما يوجد فيها ذلك. و بهذا يندفع ما عساه يقال: إنّ العذرة ممّا ينتفع بها نفعاً غالباً مقصوداً محلّلًا فتكون ممّا تُملك و توهَب إلّا أن يدلّ دليل على خلافه كما دلّ (2) على عدم جواز التكسّب بها.

فكانت النجاسات بالنسبة إلى ذلك ثلاثة أقسام: فالقسم الأوّل و الثالث لا يملك شيء منهما و لا يترتّب عليه أثر من هبة أو ضمان قيمة إجماعاً معلوماً في الجميع و منقولًا في البعض كالخمر و الخنزير.

و لا فرق في ذلك بين ما اشتمل منهما [2] على فائدة مسوّغة للاقتناء كالخمر للتخليل و العذرة للتسميد أو لا، لكنّ الاختصاص و حقّ المنع ثابت في الأوّل أعني ما اشتمل على فائدة مسوّغة للاقتناء لكنّه لا يجوز نقله بصلح و لا جعل كما هو ظاهر الأصحاب (3) لإطلاقهم المنع عن جميع ضروب التكسّب به الشاملة

____________

[1] لأنّ العذرة ليس لها منافع مقصودة غالباً و بهذا فارق القسم الأوّل (كذا بخطّه).

[2] أي في حال البيع كذا (بخطّه).

____________

(1) نهاية الإحكام: في شروط المعقود عليه من كتاب البيع ج 2 ص 463.

(2) وسائل الشيعة: ب 40 من أبواب ما يكتسب به ح 1 و 2 ج 12 ص 126.

(3) منهم السيّد عليّ في رياض المسائل: في المكاسب المحرّمة ج 8 ص 42، و الأردبيلي في مجمعه: في البيع ج 8 ص 30، و الاستاذ في شرح القواعد: في التجارة ص 4 س 10.

52

..........

____________

لذلك، و لأنّ ما لا قيمة لعينه لا قيمة للحقّ الثابت فيه، فتأمّل. بل في «التذكرة (1)» الإجماع على عدم صحّة الوصيّة بما هو خارج عن كونه مقصوداً بالتمليك كفضلات الإنسان مثل شعره و ظفره و العذرات مع أنه يكفي في صحّة الوصيّة ثبوت الاختصاص و حقّ المنع الملازم (اللازم خ ل) لجواز الاقتناء، مضافاً إلى خبر «التحف» الناهي عن إمساكه و التقلّب فيه (2). و بهذا يظهر لك ما في قول الاستاذ (3) دام ظلّه: و يجوز إعطاء العوض على رفع يد الاختصاص فيما يثبت فيه.

و أمّا القسم الثاني و هو النجس الّذي لم تحرم منفعته الغالبة كالكلاب الثلاثة أو الأربعة على القول بعدم جواز بيعها و الجرو القابل للتعليم و المائعات الّتي فائدتها غير الشرب و الأكل و إن كان القول بعدم جواز بيع كلب الصيد نادراً جدّاً فقد يستند في الملكية إلى الأصل و في المائعات إلى الاستصحاب أيضاً، لكنّ الّذي يستفاد من خبر «التحف» الشامل بإطلاقه للمتنجّس كما أشرنا إليه آنفاً من أنّ اختصاص النجس بنجس العين إنّما هو اصطلاح من الأصحاب لا غير عدم الفرق بين النجاسات العينية و المائعات المتنجّسة بقسميها في عدم الملكية كما هو الظاهر من تتبّع مساقط كلماتهم في باب الهبة و الوصيّة و الوقف و الغصب و الإقرار و غيرها، كما لم يفرّقوا بينهما في عدم جواز البيع و أنواع التكسّب، و يأتي تمام الكلام في الكلاب.

و لا يشكل الحال في الأصباغ لما عرفته آنفاً من أنّها تؤول إلى حالة تقبل معها التطهير و هي الغالبة المقصودة، و إلّا لم تكن مالًا مملوكاً، و كأنّه مخالف للضرورة.

هذا و قد أطبقوا على أنّ حرمة البيع في المقام تقضي بفساده و عدم ترتّب الآثار عليه حتّى من القائلين بعدم اقتضاء النهي في المعاملة الفساد، و ذلك إمّا

____________

(1) تذكرة الفقهاء: فيما يتعلّق بالوصيّة ج 2 ص 479 س 31.

(2) تحف العقول: في جهات معائش العباد ص 333.

(3) شرح القواعد: في التجارة ص 4 س 8 (مخطوط في مكتبة گوهرشاد برقم 741).

53

..........

____________

لتحقّق الإجماع عندهم هنا على ذلك و إن منعوه في غيره، و إمّا لدلالة حرمة الثمن على ذلك كما ستسمع.

و تنقيح البحث في المقام أن يقال: إنّ فساد المعاملة و إن لم يثبت بالملازمة العقلية بين النهي و بينه لعدمها لكنّا: نقول الأصل في المعاملات و العبادات الفساد، لأنّ الأحكام الشرعية كلّها توقيفية و منها الصحّة و الأصل عدمها و هو (و عدمها خ ل) يكفي في ثبوت الفساد، لأنّ عدم الدليل دليل على العدم.

و أمّا استدلال بعضهم (1) بأصالة الصحّة و أصالة الجواز في المعاملات فالظاهر أنّ مرادهم بالأصل العموم أو جواز إعطائه ماله لغيره. و ما يقال (2) من أنّ الأصل في العقود و معاملة المسلمين الصحّة فالمراد أنّ ما عرف صحيحه من فاسده و لم يعلم أنّ ما حصل في الخارج من أحدهما فيحمل على الصحيح إذا صدر من المسلم.

و حينئذٍ فنقول في المقام و غيره: إنّ الأصل عدم حصول النقل و ترتّب الأثر إلّا ما دلّ عليه الشرع، و الّذي حرّمه لا دليل على صحّته فيبقى على الأصل.

و فيه أوّلًا: أنّ هذا يتمّ فيما إذا كان المنهيّ عنه نفس المعاملة و كان دليل الصحّة لفظ ينافي التحريم كالحلية و الإباحة و الوجوب و نحو ذلك كما في أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ (3) و تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ (4) و أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (5) فإذا وجد بيع مخصوص أو عقد كذلك حراماً كان فاسداً، لأنّه ليس ممّا أحلّه اللّٰه تعالى و لا ممّا يجب الوفاء به، لامتناع اجتماع الحرمة و الحلّ و الحرمة و الوجوب، فيخصّص عموم «أَحَلَّ» و «أَوْفُوا» فيخرج عمّا ثبت له مقتضى الصحّة فيكون فاسداً من جهة

____________

(1) كما في مجمع الفائدة و البرهان: في التجارة ج 8 ص 34.

(2) كما في جامع المقاصد: في الضمان ج 5 ص 315.

(3) البقرة: 275.

(4) النساء: 29.

(5) المائدة: 1.

54

..........

____________

رجوعه إلى الأصل، لكن في أكثر المعاملات عمومات اخر «كالبيّعان بالخيار (1)» و «إذا التقى الختانان وجب المهر (2)» فيثبت و لو جامع في حيض فينقطع الأصل بها، و لا يمكن التمسّك بأصالة تأخّر هذه عن تلك، لأنّ الأصل في كلّ حادث التأخّر.

و عساك تقول: لمّا كان الأصل في المعاملات الفساد ربما ترجّح كون المقتضي ممّا يوجب الفساد، إذ أقصاه تعارض الاحتمالين فيتساقطان و يرجع إلى الأصل.

و فيه: أن لا تعارض بين الاحتمالين حتّى نحتاج إلى الترجيح فنعمل الدليلين كما هو مقتضى الأصل مع الإمكان، و من الممكن أن يخصّص النهي عموم أحلّ و يبقى مدلول قوله (عليه السلام) «البيّعان بالخيار» على حاله مستلزماً للّزوم بعد الافتراق و إن كان حراماً، و قلّ ما يوجد عقد خالٍ عن مثل ذلك. و بذلك يظهر لك حال ما اعتمده الاستاذ (قدّس اللّٰه روحه) في «الفوائد (3)» حيث ذهب إلى أنّ النهي في المعاملة لا يقتضي الفساد، و قال: إنّ استدلال الفقهاء بالنهي على الفساد إنّما هو فيما إذا كان الدليل منحصراً فيما دلّ على الحلّ و الإباحة و الوجوب لا في كلّ موضع.

و عساك تقول: إنّ المعاملة قد تكون واجبة أو مستحبّة فيكون النهي فيها مقتضياً للفساد كالعبادة.

و فيه: أنّ منافاة الوجوب و الاستحباب للتحريم لا ينافي صحّة المعاملة بمعنى ترتّب الأثر، فالتجارة بالنسبة إلى الوجوب و الاستحباب من العبادات تبطل من هذه الجهة بمعنى أنّه يستحقّ العقاب و لا ثواب له، و ذلك لا ينافي صحّتها بمعنى ترتّب الأثر، و كذلك الحال في الإباحة فإنّ منافاة التحريم لها لا ينافي ترتّب الأثر عليها.

فينبغي أن نقول: إنّ الفساد يثبت من النهي الظاهر في الإرشاد في باب المعاملات، لأنّ الداعي إلى وضعها انتظام المعاش، و هو إنّما يتمّ ببيان الصحيح

____________

(1) وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب الخيار ح 1 و 2 ج 12 ص 345 و 346.

(2) وسائل الشيعة: ب 54 من أبواب المهور ح 3 و 4 ج 15 ص 65.

(3) الفوائد الحائرية: في النهي عن المعاملات ص 173 174.