مفتاح الكرامة في شرح قواعد العلامة - ج18

- السيد جواد الحسيني العاملي المزيد...
801 /
7

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

[كتاب الغصب و توابعه]

كتاب الغصب و توابعه (1)

[في تعريف الغصب]

____________

كتاب الغصب و توابعه [في تعريف الغصب]

قال في «المسالك»: الغصب لغة أخذ الشيء ظلما، و قيل: ظلما جهارا (1). قلت:

ما زيد في «القاموس (2)» و غيره (3) على أنّه أخذ الشيء ظلما، نعم أخذه جهارا معنى عرفي (4). و قال ابن الأثير: قد تكرّر ذكر الغصب في الحديث، و هو أخذ مال الغير

____________

(1) مسالك الأفهام: في سبب الغصب ج 12 ص 145.

(2) القاموس المحيط: ج 1 ص 111 مادّة «غصبه».

(3) الصحاح: ج 1 ص 194 مادّة «غصب».

(4) هذا القيد في تعريف الغصب ممّا لا بدّ منه، فإنّه لا شكّ أنّ الأحوال و العوارض المختلفة للمكلّف هي الّتي تغيّر موضوعات الأحكام و متعلّقاتها، و ممّا يغيّر الموضوع و المتعلّق هو الجهر و الإخفات في العمل العبادي و غير العبادي، فالإنفاق السرّي يلازم القربة كما أنّ الإنفاق الجهري الظاهري يلازم الرياء و السمعة في أغلب الموارد، و أن قراءة القرآن جهرا في الجماعة النائمة تلازم الإيذاء و المزاحمة و أمّا سرّا و خفيّا فلم يلازم ذلك في أغلب مواردها.

و في المقام أخذ مال الغير جهارا و على رءوس الأشهاد يلازم الاستيلاء و القوّة الّذي هو فعل الغاصب، و أمّا أخذه بمجرّد القدرة و القوّة أمر يمكن صدوره من السارق الصبيّ أو الناهب الضعيف غير المتسلّط المستولي الّذي يأخذ المال خفية و سرّا بوروده عليه فجأة أو تهديدا ظاهريا خاليا في الواقع عن القدرة و القوة، و لا شكّ أن لكلّ من هذين الأمرين أحكام تخصّه في الفقه. و أما ما سيشير إليه الشارح و يحكيه عن بعض الأعلام من أنّ السرقة نوع من الغصب، و من أنّ الفقهاء يطلقون الغصب على المضمونات إمّا بالإتلاف مباشرة أو تسبيبا

8

..........

____________

ظلما و عدوانا (1). و بذلك فسّر في «الكتاب» فيما يأتي (2) و «الشرائع (3) و النافع (4) و الإرشاد (5) و الدروس (6) و اللمعة (7) و التنقيح (8)» غير أنّه بدّل «الأخذ» فيها ب«الاستقلال». و نسبه في «المسالك (9)» إلى الأكثر. و وسمه في «التذكرة (10)» مع تعاريف اخر تأتي بأنّه المشهور.

و في «التحرير (11) و الإيضاح (12)» أنّه الاستيلاء على مال الغير بغير حقّ. و قد وسمه في «التذكرة 13» بأنّه مشهور أيضا. و قال في «الإيضاح 14»: للأصحاب فيه عبارتان، و عبّر عن العبارتين بهذين التعريفين، و ظاهره أنّه لا ثالث لهما.

____________

أو بالقبض بالبيع الفاسد، و على نحو ذلك ممّا ذكر في النافع فالظاهر أنّه إنّما يطلق على ما ذكر من جهة الاشتراك المعنوي أو اللغوي لا من جهة الاصطلاح الفقهي أو الشرعي، و ذلك لأنّ من المتّفق عليه بين الفريقين حرمة الغصب تكليفا بالكتاب و السنّة و العقل، مع أنّ الموارد المذكورة يتعلق بها مجرّد الحكم الوضعي و لا حرمة لها تكليفا. هذا، و سيأتي من الشارح ذكر أخبار كثيرة تدلّ على ذكر خصوص عنوان الغصب يدلّ على تشخّص الغصب من بين عوامل الضمان من غير ارتباط بسائر عوامله، فانتظر. و سيأتي أنّ الغاصب يؤخذ بأشقّ الأحوال و أشدها و لا شكّ أنّ كثيرا من الموارد الثابتة فيه الضمان لا يجب بل لا يجوز أن يؤخذ الضامن بالأشدّ و الأشقّ، فلا تغفل.

(1) النهاية (لابن الأثير): ج 3 ص 370 مادّة «غصب».

(2) سيأتي في ص 20.

(3) شرائع الإسلام: في سبب الغصب ج 3 ص 235.

(4) المختصر النافع: في الغصب ص 247.

(5) إرشاد الأذهان: الغصب في أسباب الضمان ج 1 ص 445.

(6) الدروس الشرعية: في تعريف الغصب ج 3 ص 105.

(7) اللمعة الدمشقية: في الغصب ص 234.

(8) التنقيح الرائع: في الغصب ج 4 ص 64.

(9) مسالك الأفهام: في سبب الغصب ج 12 ص 148.

(10) 10 و 13 تذكرة الفقهاء: في ماهية الغصب ج 2 ص 373 س 35- 40.

(11) تحرير الأحكام: الغصب في أسباب الضمان ج 4 ص 519.

(12) 12 و 14 إيضاح الفوائد: في الغصب ج 2 ص 166.

9

..........

____________

و خرج بالاستقلال ما لا إثبات فيه أصلا كمنعه من ماله حتّى تلف، و ما لا استقلال معه كوضع يده على ثوبه الّذي هو لابسه. و خرج بالمال الحرّ، و خرج بمال الغير ما لو استقلّ بوضع يده على مال نفسه كالمرهون في يد المرتهن، و بالعدوان إثبات المرتهن و الولي و الوكيل و المستأجر و المستعير أيديهم على مال الراهن و المولّى عليه و الموكّل و الموجر.

قيل (1): و ينتقض في عكسه بما لو اشترك اثنان فصاعدا في غصب بحيث لم يستقلّ كلّ منهما باليد، فلو أبدل الاستقلال بالاستيلاء لشمله لصدق الاستيلاء مع المشاركة. و فيه: أنّه لعلّ المراد بالاستقلال عدم مشاركة المالك و المتصرّف بالحقّ.

قيل 2: و ينتقض بالاستقلال بإثبات اليد على حقّ الغير كالتحجير و حقّ المسجد و الرباط ممّا لا يعدّ مالا. و قد يجاب 3 بأنّه ليس المراد بالمال هو عين مال المغصوب منه بل ما هو أعمّ، أو يقال: إنّا نشكّ في كونه غصبا فإنّه يعتبر في الغصب جواز الرجوع و الاسترداد مع بقاء المغصوب و الضمان مع تلفه، و ذلك غير متحقّق فيما نحن فيه، أمّا المسجد و المدرسة و الرباط فظاهر مع عدم بقاء رحله، و أمّا في التحجير فبعد إحياء الثاني يشكل الرجوع.

و قال 4 المعترض: فلو أبدل المال بالحقّ لشمل ذلك و أبدل العدوان بغير حقّ في التعريف الثاني ليتناول من ترتّبت يده على يد الغاصب جاهلا و من سكن دار غيره غلطا أو لبس ثوبه خطأ. و ردّ بأنّ هؤلاء ضامنون و ليسوا غاصبين، لأنّ

____________

(1) 1 و 2 القائل هو السيّد عليّ في رياض المسائل: في تعريف الغصب ج 12 ص 254.

(2) 3 المجيب هو المحقّق الأردبيلي في مجمع الفائدة و البرهان: في الغصب في أسباب الضمان ج 10 ص 493.

(3) 4 القائل هو السيّد عليّ في رياض المسائل: في تعريف الغصب ج 12 ص 254.

10

..........

____________

الغصب حرام كتابا و سنّة و إجماعا و عقلا فلا يتناول غير العالم و إن شاركه في بعض الأحكام (1). و لعلّ التعدّي و التفريط في الأمانات يدخل تحت الغصب و الظلم.

و ممّا ذكر يعرف الحال في التعاريف الباقية. ففي «التبصرة (2) و الروضة (3) و مجمع البرهان (4) و الرياض (5)» أنّه الاستيلاء على حقّ الغير عدوانا. و في «الكفاية (6) و المفاتيح (7)» أنّه الاستيلاء على حقّ الغير بغير حقّ. و في «الوسيلة» أنّه الاحتواء على مال الغير بغير تراض (8). و مثله ما حكاه في «التذكرة (9)» و قال: إنّه المشهور أيضا، و هو الاستيلاء على مال الغير.

و قال في «التنقيح (10)»: إنّ الفقهاء يطلقون الغصب على ما ذكر في النافع (11) و على ما يشبهه من المضمونات إمّا بالإتلاف مباشرة أو تسبيبا و إمّا بالقبض بالبيع الفاسد. و نحوه قول بعض الشافعية (12): إنّ كلّ مضمون على ممسكه مغصوب. و في «المسالك» أنّ الأظهر إطلاقه على ما يقتضي

____________

(1) الرادّ هو الشهيد الثاني في الروضة البهية: في تعريف الغصب ج 7 ص 17- 18.

(2) تبصرة المتعلّمين: في الغصب ص 108.

(3) الروضة البهية: في تعريف الغصب ج 7 ص 19.

(4) مجمع الفائدة و البرهان: في ماهية الغصب ج 10 ص 491- 492.

(5) رياض المسائل: في تعريف الغصب ج 12 ص 254.

(6) كفاية الأحكام: في ما يتحقّق به الغصب ج 2 ص 632.

(7) مفاتيح الشرائع: فيما يتحقّق به الغصب و الضمان ج 3 ص 170.

(8) الوسيلة: في الغصب ص 276.

(9) تذكرة الفقهاء: في ماهية الغصب ج 2 ص 373 س 35- 40.

(10) التنقيح الرائع: في الغصب ج 4 ص 65.

(11) المراد بما في النافع هو قوله فيه بعد تعريفه له بالاستقلال بإثبات اليد على مال الغير عدوانا، بأنّه لا يضمن لو منع المالك من إمساك الدابّة المرسلة، و كذا لو منعه من القعود على بساطه، و يصحّ غصب العقار كالمنقول و يضمن بالاستقلال به، راجع النافع: ص 247.

(12) فتح العزيز (ضمن المجموع): في الغصب ج 11 ص 239 س 16.

11

..........

____________

الإثم و غيره، و الأغلب الأوّل (1).

و قال في «مجمع البرهان»: قد رتّبوا على الغصب أحكاما مخصوصة من الضمان على وجه خاصّ و غيره، فهو قسم خاصّ من الأقسام الموجبة للضمان الخاصّ. و لهذا قالوا: إنّه حرام بالكتاب و السنّة و الإجماع، و ليس كلّ أسباب الضمان كذلك إلّا آية السرقة و نحوها ممّا يدلّ على تحريم الظلم، و الأخبار كذلك من العامّة و الخاصّة، مع أنّه ليس له موارد مخصوصة في الكتاب و السنّة إلّا قليلا من السنّة. و ليس له معنى شرعي منقول من الشارع، و هو ظاهر متّفق عليه، بل إنّما هو اصطلاح الفقهاء، و لهذا وقع فيه الخلاف، فيمكن أن يكتفى فيه بما يفهم من اللغة و ما يثبت له من الأحكام اليقينية، لأنّ الأصل عدم النقل و عدم ثبوت حكمه إلّا ما ثبت بالإجماع و النصّ ممّا يفيد اليقين أو الظنّ المعتبر شرعا. و قال: و لا بدّ أن يعتبر في الاستقلال الاستيلاء و الاستعلاء و التسلّط، إذ معلوم أنّ مطلق التصرّف و وضع اليد و لو كان بالاستقلال ليس باستيلاء. و يعلم الاستيلاء من مواضع من التذكرة، و قال: إنّه لا يسمّى السارق في الخفية ضعيفا أنّه غاصب (2).

قلت: يأتي (3) له في غصب الدار ما يخالفه.

و قال: لا نتعب في تحقيق معناه، إذ هو غير وارد في الشرع بحيث يكون الحكم الواضح المقرّر متعلّقا به، فمع تحقّقه يتحقّق و يتبيّن الأمر، بل لا بدّ مع تحقيق معناه أن نتعب في استخراج حكمه، و ذلك كاف.

____________

(1) مسالك الأفهام: في سبب الغصب ج 12 ص 149.

(2) مجمع الفائدة و البرهان: الغصب في أسباب الضمان ج 10 ص 492- 493.

(3) ستأتي الإشارة إليه في ص 35. و راجع مجمع الفائدة و البرهان: ج 10 ص 504.

12

..........

____________

فلا نحكم بثبوت حكمه إلّا فيما ثبت فيه ذلك الحكم بالدليل، فإن كان هناك دليل غير الغصب فلا نحتاج إلى تحقّق الغصب، و إن كان في موضع مجرّد كونه غصبا فيقتصر بما قدّمناه في تعريفه، فإن وجدناه صادقا عليه تحقيقا و علمنا أنّ حكم الغصب بالدليل حكم الغصب حكمنا به فيه، و إلّا رجعنا إلى أصل عدم كونه غصبا و عدم زيادة في الغصب إلّا ما ثبت، فتأمّل (1)، انتهى.

قلت: كلامه كما ترى، و قد قال الصادق (عليه السلام) في خبر أبي ولّاد في شأن البغل الّذي استأجره حيث قال: فلي عليه علفه؟ قال: لا، لأنّك غاصب (2). و قال أمير المؤمنين (عليه السلام): إذا اغتصبت أمة فافتضّت فعليه عشر قيمتها (3). و قال أيضا (عليه السلام): الحجر المغصوب في الدار رهن على خرابها 4. و قال أبو الحسن (عليه السلام) في ذكر ما يختصّ بالإمام: و له صوافي الملوك ما كان في أيديهم على غير وجه الغصب، لأنّ الغصب كلّه مردود 5. و في الخبر: من غرس أو زرع في أرض مغصوبة فله الزرع و الغرس و عليه الاجرة لصاحب الأرض 6. و في خبرين نبويّين أحدهما عامي: من غصب أرضا ... الحديث 7 و في الخبر عن رجل اغتصب امرأة فرجها ... الحديث 8. فيمكن أن يقال: إنّ أبا ولّاد ما كان ليفعل ذلك إلّا جاهلا أو ذاهلا، لأنّه حفص بن سالم الثقة الّذي لا بأس به، و الحجر

____________

(1) مجمع الفائدة و البرهان: الغصب في أسباب الضمان ج 10 ص 494- 495.

(2) 2 و 4- 6 وسائل الشيعة: ب 7 و 1 و 2 من أبواب الغصب ح 1 و 5 و 3 ج 17 ص 313 و 309 و 310.

(3) المصدر السابق: ب 7 من أبواب النكاح المحرّم ح 3 ج 14 ص 239.

(4) 7 تلخيص الحبير: ج 3 ص 1269، مسند أحمد: ج 1 ص 188، وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب الغصب ح 2 ج 17 ص 311.

(5) 8 الوسائل: ب 8 من أبواب النكاح المحرّم ح 1 ج 14 ص 242.

13

..........

____________

المغصوب في الدار من أفراده الظاهرة ما أخذ سرقة و ما أخذ جهارا قهرا. و كذلك الحال فيما في أيدي الملوك الكفّار، بل كثير ممّا في أيديهم ممّا أخذوه سياسة بزعمهم أنّه حلال لهم، بل و لو كان حراما في شرعهم.

و قد صرّح المصنّف في «التذكرة (1)» أنّ السرقة نوع من الغصب، و استدلّ على تحريم الغصب بقوله تعالى: السّٰارِقُ وَ السّٰارِقَةُ فَاقْطَعُوا (2) فلا ريب أنّها نوع من الغصب كما هو قضية الأخبار (3) و كلام الأصحاب (4) و كلام أهل اللغة (5)، فلا يجدي استنباط غيره من كلامهم في بعض المواضع، بل صرّح في «التذكرة (6) و جامع المقاصد (7)» و غيرهما (8) أنّ الغصب و حكمه يثبتان من دون عدوان، كما لو أودع ثوبا عند إنسان ثمّ جاء و أخذ ثوبا للمستودع على ظنّ أنّه ثوبه، أو لبسه المستودع على ظنّ أنّه ثوبه. و قال في الأخير: إنّ كلّ من لا حقّ له في إثبات اليد على الشيء عاد ظنّ خلاف ذلك أم لا (9)، إلّا أن يكون معنى العدوان فعل ما يعلم كونه ظلما 10.

____________

(1) تذكرة الفقهاء: في ماهية الغصب ج 2 ص 373 س 42- 43.

(2) المائدة: 38.

(3) راجع وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب الغصب ح 1 و ب 8 منها ح 1 و ب 9 منها ح 1 ج 17 ص 312 و 314 و 315.

(4) منهم المقدّس الأردبيلي في مجمع الفائدة و البرهان: في ماهية الغصب ج 10 ص 494، و العلّامة في التذكرة: في ماهية الغصب ج 2 ص 373 س 36- 43.

(5) كما في مجمع البحرين: ج 1 ص 132، و القاموس المحيط: ج 1 ص 111، الصحاح: ج 1 ص 194 جميعها في مادّة «غصب».

(6) تذكرة الفقهاء: في ماهية الغصب ج 2 ص 373 س 36.

(7) 7 و 10 جامع المقاصد: في الغصب ج 6 ص 208.

(8) مجمع الفائدة و البرهان: الغصب في أسباب الضمان ج 10 ص 491.

(9) لا يخفى أنّ اشتراكهما في بعض الآثار لا يدلّ على اتّحادهما في الحقيقة و إلّا لوجب ذكرهما في باب واحد، فافهم.

14

..........

____________

قلت: و يدخل في ذلك بناء على ذلك ما لو خرج الإنسان من مزار أو دعوة [1] أو جامع فوجد نعالا مختلطة فجعل يرفع منها بعضا و يضع بعضا ليعلم نعله كما نصّ عليه في «المهذّب البارع (1)» و قد سمعت (2) ما في «الإيضاح و التنقيح» فلا يبعد أن يقال: إنّه حقيقة شرعية في ذلك كلّه بحيث يشمل الغالط و الغافل و الجاهل كمن ترتّبت يده على يد الغاصب، و الأخبار قد علمت أنّ بعضها ممّا يظهر منه ذلك كما سمعت ما في «التذكرة» و غيرها.

و يشهد له خرط ذلك في باب الغصب و الاستطراد لعلّه يستبعد، فيكون معيار الحقيقة الشرعية موجودا فيه، و يكون الحرام منه ما أخذ قهرا أو سرقة و غيره غيره، و الأوّل هو المكلّف بأشقّ الأحوال، فيضمن العبد بقيمته و إن زادت عن دية الحرّ، و يكلّف فيما إذا تلف المثلي بالمثل و إن تضاعفت قيمته، و لم نجدهم كلّفوه بالأشقّ إلّا في مواضع قليلة كما ستعرف (3)، و أمّا الضمان في الغالط و ما ذكرناه معه فممّا لا خلاف فيه، سواء كانت غصبا أو لم تكن، فليس لجعلها غصبا حكم زائد و ليس كلّ غاصب آثما مكلّفا بأشقّ الأحوال، فليتأمّل في ذلك كلّه فللنظر فيه مجال واسع، لكن هذا أقصى ما يمكن أن يقال.

____________

[1]- الدعوة بفتح الدال: مصدر دعا، و بضمّها: الطعام الّذي يدعى إليه، و بكسرها: ادّعاء النسب (منه (قدّس سرّه)).

____________

(1) المهذّب البارع: في الغصب ج 4 ص 245.

(2) تقدّم في ص 8.

(3) و سيأتي الموارد القليلة الّتي كلّفوه فيها بالاشق و منها مسئلة أيدي المترتبة على الغصب في ص 92- 112 و منها مسئلة من فتح باب القفس فطار الطائر و منها غيرها.

15

[المقصد الأول في الغصب]

و فيه مقاصد:

الأوّل في الغصب و فيه مطلبان:

[المطلب الأول في الضمان]

الأوّل: في الضمان و أركانه ثلاثة:

[الركن الأول في الموجب]

الأوّل: الموجب

و هو ثلاثة:

[الموجب الأول و الثاني التفويت بالمباشرة و التسبيب]

الأوّل: التفويت بالمباشرة، و هو إيجاد علّة التلف كالقتل و الأكل و الإحراق.

الثاني: التسبيب، و هو إيجاد ما يحصل التلف عنده إذا كان السبب ممّا يقصد لتوقّع تلك العلّة كالحافر و فاتح رأس الظرف

____________

[في موجبات الضمان] [الموجب الأوّل التفويت بالمباشرة و الثاني التسبيب] قوله: (و فيه مقاصد، الأوّل: في الغصب (1)، و فيه مطلبان: الأوّل في الضمان، و أركانه ثلاثة، الأوّل: الموجب، و هو ثلاثة، الأوّل: التفويت بالمباشرة، و هو إيجاد علّة التلف كالقتل و الأكل و الإحراق. الثاني:

التسبيب، و هو إيجاد ما يحصل التلف عنده إذا كان السبب ممّا يقصد

____________

(1) لا يخفى ضعف ما في المتن حيث جعل المقسم و هو الغصب قسما حيث قال: الأوّل الغصب.

اللهم إلّا أن يراد بالأوّل المصدر و بالثاني اسمه و لكن الظاهر منهما وحدة المراد فلا تغفل.

16

و المكره على الإتلاف. (1)

____________

لتوقّع تلك العلّة كالحافر و فاتح رأس الظرف و المكره على الإتلاف)

المراد بالموجب الموجب الّذي هو أعمّ من الغصب كالرمي بالسهم فإنّه موجب للضمان، و لا يعدّ غصبا، لأنّ الأسباب الّتي جرت العادة بالبحث عنها في باب الغصب ثلاثة: التفويت بالمباشرة، و التفويت بالتسبيب، و إثبات اليد العادية و هو الغصب. و في عبارة «الإرشاد (1)» و في الثالث مسامحة، و على هذا اقتصر جماعة (2)، و بقيت أسباب اخر تأتي (3) في أثناء الباب كالاستيام و الاستعارة.

و قد عرّف المصنّف هنا و الشهيد في «الدروس (4)» و غيرهما (5) المباشرة بأنّها إيجاد علّة التلف. قلت: لأنّ الّذي يضاف إليه التلف في العادة إضافة حقيقية يسمّى علّة و الإتيان به مباشرة، و قد عرّف المصنّف العلّة في باب القصاص بأنّها ما يستند الفعل إليها (6)، و هما بمعنى من غير نظر إلى التلازم بين العلّة و المعلول كما يشهد به قطعهم (7) بوجوب القصاص فيما إذا ضربه بما لا يقتل غالبا إذا قصد القتل، فإنّه علّة مع عدم التلازم.

و قد عرّف التسبيب هنا بما سمعت، و مثله ما في «التحرير (8)» و هو يوافق كلامه في باب الديات كما ستسمع. و لعلّه احترز بقوله «إذا كان السبب ممّا يقصد لتوقّع تلك العلّة» عمّا إذا كان حدوث المقتضي للتلف على تقدير ذلك الفعل نادرا فإنّه لا يعدّ سببا. و أراد بقصده كون شأنه أن يحصل لا أن يقصد كما يتوهّم. و عرّف في

____________

(1) إرشاد الأذهان: الغصب في أسباب الضمان ج 1 ص 444- 445.

(2) منهم العلّامة في تحرير الأحكام: الغصب في أسباب الضمان ج 4 ص 519، و المحقّق في شرائع الإسلام: في سبب الغصب ج 3 ص 235- 238، و المحقّق الثاني في جامع المقاصد:

في الغصب ج 6 ص 206- 208.

(3) ستأتي في ص 97- 98.

(4) الدروس الشرعية: في تعريف الغصب ج 3 ص 107.

(5) جامع المقاصد: في الغصب ج 6 ص 206.

(6) قواعد الأحكام: في قصاص النفس ج 3 ص 589.

(7) منهم المحقّق في شرائع الإسلام: في قصاص النفس ج 4 ص 195، و ابن حمزة في الوسيلة:

في أقسام القتل ص 429، و الصيمري في غاية المرام: في قصاص النفس ج 4 ص 363.

(8) تحرير الأحكام: الغصب في أسباب الضمان ج 4 ص 519.

17

..........

____________

«الإرشاد (1) و الدروس (2)» بأنّه إيجاد ملزوم العلّة. و قال في «غاية المراد»: التسبيب على ما فسّره الفقهاء إيجاد ملزوم العلّة قاصدا لتوقّع تلك العلّة (3) و ظاهر الجمع أنّ التعريف من الجميع. و قال: و منهم من يفسّره بأنّه فعل ما يحصل عنده التلف لكن بعلّة غيره، و هو أعمّ من الأوّل لإمكان سبب آخر بدلا منه 4. و معنى الأوّل أنّ الحافر للبئر في الطريق مثلا أوجد الملزوم الّذي هو الحفر قاصدا لتوقّع الوقوع الّذي هو علّة التلف. و ينبغي تأويل قوله «قاصدا» لأنّ الحافر قد لا يقصد توقّع تلك العلّة، مع أنّه يضمن قطعا. و يبقى الكلام في الملازمة، إذ لا نجد ملازمة بين الحفر و التردّي، و لعلّ المراد بها كونه موقوفا عليه و لا يتحقّق إلّا بعد تحقّقه، لا أنّه لازم لوجوده.

و في «الشرائع» بأنّه كلّ فعل يحصل التلف بسببه 5. و لعلّه أراد بواسطته أو معه أو عنده لكنّه يشمل المباشرة، لأنّ التلف يحصل بواسطتها و عندها. و في «جامع المقاصد» أنّ الأولى 6 أن يقال في تفسير التسبيب: إنّه إيجاد ما يحصل التلف عنده لكن بعلّة اخرى إذا كان السبب ممّا يتوقّع معه علّة التلف بأن يكون وجودها معه كثيرا 7. و قد فسّر السبب في قصاص الكتاب بما له أثر ما في التوليد كما للعلّة لكنّه يشبه الشرط من وجه، و فسّر الشرط بما يتوقّف عليه تأثير المؤثّر و لا مدخل له في العلّية، قال: كحفر البئر بالنسبة إلى الوقوع، إذ الوقوع مستند إلى علّته و هي

____________

(1) إرشاد الأذهان: الغصب في أسباب الضمان ج 1 ص 444- 445.

(2) الدروس الشرعية: في تعريف الغصب ج 3 ص 107.

(3) 3 و 4 غاية المراد: في الغصب ج 2 ص 392.

(4) 5 شرائع الإسلام: الغصب في سبب الضمان ج 3 ص 237.

(5) 6 لا يخفى أنّه لم يرد في الدليل الشرعي في باب الغصب ذكر السبب أو التسبيب حتّى يحتاج إلى تغييره و تبيينه، و إنّما نسبة العمل إلى الفاعل أمر عرفي ربما حكم بانتسابه إلى الفاعل العرف في مورد و لم يحكم به في مورد آخر، ففي كلّ مورد حكم بانتسابه إلى عامله فهو غاصب و إلّا فلا، إلّا أن يثبت بدليل شرعي خاصّ انتسابه إليه، فلا تغفل.

(6) 7 جامع المقاصد: في الغصب ج 6 ص 207.

18

..........

____________

التخطّي (1). فالشرط هناك هو السبب هنا، و جعل من أقسام السبب الإكراه و شهادة الزور. و فسّر السبب في باب الديات من الكتاب بأنّه كلّ ما يحصل التلف عنده بعلّة غيره، إلّا أنّه لو لاه لما حصل من العلّة كالحفر مع التردّي (2).

و وجه هذا الاختلاف أنّ كلّ ما له دخل في هلاك الشيء و إتلافه إمّا أن يكون بحيث يضاف إليه الهلاك و الإتلاف في العادة إضافة حقيقية أو لا يكون كذلك، و الّذي لا يكون كذلك إمّا أن يكون من شأنه أن يقصد به ما يضاف إليه الهلاك في العادة أو لا يكون كذلك، فالّذي يضاف إليه الهلاك حقيقة يسمّى علّة و الإتيان به مباشرة، و لا يرد عليه ما إذا قتل بما لا يقتل غالبا غير قاصد القتل و القاتل خطأ. و ما لا يضاف إليه الهلاك و لكن يكون من شأنه أن يقصد به ما يضاف إليه الهلاك يسمّى سببا و الإتيان به تسبيبا، و قد يكون هذا القصد و التوقّع لأجل تأثيره بمجرّده فيه و هو علّة العلّة كشهادة الزور في القتل و الإكراه، و قد يكون بانضمام امور إليه بعيدة الحصول كحفر البئر.

و قد يختصّ اسم السبب بالنوع الأوّل و عليه بني الحكم في القصاص، لأنّ المدار فيه عليه لا على المال، و قد يفسّر بمطلق ما يقصد به حصول العلّة فيقال:

السبب ما يحصل الهلاك عنده بعلّة سواه و لكن لو لاه ما أثّرت العلّة، فلا يعتبر فيه إلّا أنّه لا بدّ منه، و عليه بني الحكم في الديات و الغصب، لأنّ المدار فيهما على ضمان الأموال، فعلى هذا يكون كلّ شرط سببا، فالحفر مع التردّي يسمّى سببا تارة و شرطا اخرى. و تحصل الثمرة فيما إذا غصب شاة فمات ولدها جوعا، فإن قلنا: إنّه فعل ما يحصل الهلاك عنده لعلّة سواه قلنا بأنّه يضمن ولدها، و إن زدنا على التعريف قولنا: و لو لاه لما أثّرت العلّة لم يضمن الولد، لأنّه ليس بسبب و يمكن اعتياضه بغيره، فهو أعمّ، كذا قال في «الإيضاح (3)».

____________

(1) قواعد الأحكام: في قصاص النفس ج 3 ص 589.

(2) قواعد الأحكام: في موجب الدية ج 3 ص 651.

(3) إيضاح الفوائد: في الغصب ج 2 ص 167.

19

..........

____________

و فيه تأمّل، إذ لعلّ الغرض من الزيادة الاحتراز عمّا إذا كان حدوث المقتضي للتلف نادرا كما تقدّم (1)، فيكون المراد من الزيادة هو المراد من قولهم: إذا كان السبب ممّا يقصد لتوقّع تلك العلّة، و قد عرفت 2 ما فسّرناه به، و إلّا فظاهر كلام الإيضاح عند التحقيق لا يتمّ في جميع أقسام السبب، إذ مراده على الظاهر أنّه لو لا الغصب لما أثّر الجوع في موت الولد، مع أنّ الجوع يؤثّر في موت الولد سواء حصل بواسطة الغصب أو بحبسه عنها أو بالإغراق في الحلب، و هو معنى قوله «فيمكن اعتياضه بغيره» إذ معناه أنّه يمكن تأثير الجوع بغير الغصب، و لا كذلك الحفر بالنسبة إلى التخطّي فإنّه لو لا الحفر ما أثّر التخطّي، و لكن الظاهر أنّه لا فرق، لأنّه يقال هنا: لو لا الغصب ما أثّر هذا الجوع، و كذا يقال فيمن قدّم الطعام المسموم:

لو لا التقديم ما أثّر هذا الطعام المسموم.

و قال في «المسالك» ما حاصله: إن عرّفنا السبب بأنّه ما لو لاه لما حصل التلف ضمن، لأنّه لو لا غصب الامّ لما مات عادة، فالسببيّة متحقّقة، و إن فسّرناه بإيجاد ما يحصل التلف عنده لعلّة اخرى إذا كان السبب ممّا يقصد لتوقّع تلك العلّة فيتوقّف ثبوت سببيّته على قصد الغاصب للشاة إلى إتلاف الولد 3، انتهى. و فيه نظر، و تمام الكلام يأتي عند تعرّض المصنّف للمسألة 4.

و قد اعترض في «جامع المقاصد» على تعريف غاية المراد الّذي نسبه إلى الفقهاء بأنّه إنّما يصدق في الغاصب إذا قدّم طعام الغير إلى آكل مبيحا له، لأنّه قاصد حينئذ بالتقديم الأكل، و لا ريب أنّ حفر البئر سبب و طرح المعاثر سبب بلا خلاف، ثمّ قال: و الظاهر أنّ مراد الجماعة كون قصد توقّع العلّة باعتبار الشأن،

____________

(1) 1 و 2 تقدّما في ص 16- 17.

(2) 3 مسالك الأفهام: الغصب في أسباب اخر للضمان ج 12 ص 169.

(3) 4 سيأتي ذكرها في ص 67.

20

[الموجب الثالث وضع اليد]

الثالث: إثبات اليد، إذا كان بغير حقّ فهو غصب، و هو الاستقلال بإثبات اليد على مال الغير عدوانا (1)، و لا يكفي رفع يد المالك ما لم يثبت الغاصب يده. (2)

____________

فيكون تقديره هكذا: التسبيب إيجاد ملزوم العلّة الّذي شأنه أن يقصد معه توقّع تلك العلّة (1). قلت: قد عرفت أنّ معنى القصد الحصول، و لا ريب في عدم الحصر فيما مثل، و نفي الخلاف إنّما هو في الباب، و إلّا فالظاهر أنّه لا خلاف في باب القصاص أنّ حفر البئر شرط و الاختلاف على اختلاف الاصطلاح.

و قال مولانا المقدّس الأردبيلي: إنّه لا حاجة إلى هذه الزيادة و لا إلى تأويلها. و قد فسّر هو التسبيب بأنّه إيجاد سبب معدّ للإتلاف. و قال: إنّا ما نقدر على فهم التعريف المذكور في الإرشاد فكيف مع الزيادة؟ و نفى البأس عن تعريفه بأنّه فعل ما يحصل عنده التلف لكن بعلّة اخرى. و قال: إنّ لفظ «عند» غير مناسب (2). قلت: قد عرفت (3) أنّ ظاهر الشهيد إطباق الفقهاء عليه كما عرفت المراد من التعريف و أنّ الزيادة للاحتراز.

[الموجب الثالث وضع اليد] قوله: (الثالث: إثبات اليد: إذا كان بغير حقّ فهو غصب، و هو الاستقلال بإثبات اليد (4) على مال الغير عدوانا)

قد تقدّم الكلام (5) مسبغا.

قوله: (و لا يكفي رفع يد المالك ما لم يثبت الغاصب يده)

كما في

____________

(1) جامع المقاصد: في الغصب ج 6 ص 207.

(2) مجمع الفائدة و البرهان: الغصب في أسباب الضمان ج 10 ص 496.

(3) تقدّم في ص 16.

(4) لا يخفى أنّ التعبير بإثبات اليد لا يناسب الغصب المحتوي على العدوان فإنّه يفيد شرعية اليد، و الأصحّ ما عنونّاه و هو وضعها، و هو المناسب للعدوان، فلا تغفل.

(5) تقدّم في ص 9- 13.

21

..........

____________

«الشرائع (1) و التذكرة (2) و التحرير (3) و الدروس (4)» و كذا «اللمعة (5)» و هو قضية كلام «التبصرة (6)». و قال في «التذكرة»: لا شكّ أنّه لا يكفي في الغصب رفع اليد ما لم يثبت الغاصب يده، فلو منع غيره من إمساك دابّته المرسلة لم يكن غاصبا. و هل يضمن؟ قال بعض علمائنا: لا يضمن، و فيه إشكال 7. فظهر أنّه لا يلزم من عدم كونه غاصبا عدم كونه ضامنا. فحمله في «الروضة 8» قوله في اللمعة «فلو منعه من سكنى داره أو إمساك دابّته المرسلة فليس بغاصب» على أنّه غير ضامن غير جيّد، إلّا أن ينزّل على ما يأتي.

و قد فرّع على عدم كفاية رفع اليد في «الشرائع 9 و التحرير 10» عدم الضمان في المثالين. و به صرّح في «النافع 11 و التبصرة 12 و شرح الإرشاد» لفخر الإسلام 13. و في «المسالك 14 و الكفاية 15 و الروضة 16» أنّه المشهور. و المصنّف استشكل في ذلك في «التذكرة 17 و الكتاب» فيما يأتي 18. و نحوه ما في «التنقيح 19» من عدم الترجيح.

____________

(1) شرائع الإسلام: في سبب الغصب ج 3 ص 235.

(2) 2 و 7 و 17 تذكرة الفقهاء: الغصب في إثبات اليد ج 2 ص 376 س 40 و 41.

(3) 3 و 10 تحرير الأحكام: الغصب في أسباب الضمان ج 4 ص 520.

(4) الدروس الشرعية: في تعريف الغصب ج 3 ص 105.

(5) اللمعة الدمشقية: في الغصب ص 234.

(6) 6 و 12 تبصرة المتعلّمين: في الغصب ص 108.

(7) 8 و 16 الروضة البهية: في أسباب الغصب ج 7 ص 19- 21.

(8) 9 شرائع الإسلام: في سبب الغصب ج 3 ص 235.

(9) 11 المختصر النافع: في الغصب ص 247.

(10) 13 شرح الإرشاد للنيلي: في الغصب ص 66 س 4.

(11) 14 مسالك الأفهام: في سبب الغصب ج 12 ص 150.

(12) 15 كفاية الأحكام: فيما يتحقق به الغصب ج 2 ص 632.

(13) 18 الّذي يأتي من الكتاب هو الحكم بعدم الضمان في المسألة هذه صريحا من غير أن يستشكل بشيء في الضمان و لا في غير الضمان. راجع ص 69.

(14) 19 التنقيح الرائع: في الغصب ج 4 ص 65.

22

..........

____________

و في «المسالك (1) و الروضة (2) و الكفاية (3)» ما حاصله: أنّه ينبغي أن يختصّ ما ذكره الجماعة بما لا يكون المانع سببا في تلف العين بذلك بأن اتّفق تلفها مع كون السكنى غير معتبرة في حفظها و المالك غير معتبر في مراعاة الدابّة كما يتّفق لكثير من الدور و الدوابّ. أمّا لو كان الحفظ متوقّفا على سكنى الدار و مراعاة الدابّة لضعفها أو كون أرضها مسبعة مثلا و بالجملة حيث يكون التلف متوقّعا فإنّ المتّجه الضمان نظرا إلى كونه سببا قويّا مع ضعف المباشر. و قد نسب الضمان في الأوّل و الأخير لجماعة من المتأخّرين.

و هذا الّذي ذكراه هو الّذي حقّقه المحقّق الثاني و اختاره و أخذ يحاول استفادة ذلك من وصف الدابّة بكونها مرسلة، قال: لأنّه لو لم يكن له دخل في توقّع التلف بالحبس لم يكن لذكره فائدة بل كان لغوا (4).

و فيه: أنّ من ذكر الوصف حكم بعدم الضمان، ثمّ إنّ من ذكره ذكر الدار، فالحال فيهما سواء، فيمكن تحصيل الفائدة في ذكره. ثمّ إنّ الجماعة قد فرّقوا بين منعه عن إمساك دابّته و بين حبسه عن حراستها، ففي «الشرائع و التحرير» و غيرهما الجزم بعدم الضمان في الأوّل و التردّد في الثاني كما سيأتي (5).

و كيف كان، فالضمان هو المحكي (6) عن الشهيد في بعض فتاواه من دون تفصيل، و هو الّذي اختاره المحقّق الثاني أيضا في «حاشية الإرشاد (7)» و المولى

____________

(1) مسالك الأفهام: في سبب الغصب ج 12 ص 150.

(2) الروضة البهية: في أسباب الغصب ج 7 ص 20.

(3) كفاية الأحكام: فيما يتحقّق به الغصب ج 2 ص 632.

(4) جامع المقاصد: في الغصب ج 6 ص 219.

(5) سيأتي في ص 67- 68.

(6) حكاه عنه الشهيد الثاني في مسالك الأفهام: في سبب الغصب ج 12 ص 150.

(7) حاشية الإرشاد (حياة المحقّق الكركي: ج 9) في الغصب ص 475.

23

..........

____________

الأردبيلي (1). و هو جيّد جدّا في صورة قوّة سببيّة المانع و ضعف المباشر. و هو يرجع إلى التفصيل بنحو آخر لعموم قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «لا ضرر و لا ضرار» (2) لأنّه الأصل في التضمين بالأسباب، و الإضرار صادق بمنع المانع المالك عرفا فيتّجه ضمانه و ينقطع به الأصل، بل قد نقول: إنّه يتّجه الضمان فيما إذا منعه من بيع متاعه في السوق فنقصت قيمته مع بقاء العين و صفاتها، لاتّحاد طريق الحكم بالضمان في المسألتين، و هو صدق الإضرار المنفي شرعا، و لا نجد الآن ما يقضي بتخصيص الضرر المنفي بما يكون متعلّقه المال لا اكتسابه. نعم في «الدروس (3) و جامع المقاصد (4) و الروضة (5)» أنّه لو منعه من بيع متاعه فنقصت قيمته السوقية لم يضمن قطعا. و هذه اللفظة تجري عند من يعمل بالظنون مجرى الإجماع. و بعدم الضمان في ذلك صرّح في «التذكرة (6)» و غيرها (7) مستندين إلى أنّ الفائت ليس مالا بل اكتساب المال، و هو كما ترى و الشهيد في بعض فتاواه حكم بالضمان في ذلك، فلو كان قطعيّا ما خالفه، فتأمّل في ذلك كلّه جيّدا.

و لو منعه من بيعه فاتّفق تلفه فلا ضمان لعدم تحقّق معنى السببية في التلف بالمنع من البيع، إذ ليس ممّا يقصد بمنع البيع توقّع حدوث علّة التلف. و مثل المنع من سكنى داره المنع من القعود على بساطه و غصب شاته حيث يموت ولدها جوعا. و لو كان الحيوان مشرفا على الموت فمنعه من تذكيته أو من بيعه ليذكّيه

____________

(1) مجمع الفائدة و البرهان: الغصب في أسباب الضمان ج 10 ص 499.

(2) وسائل الشيعة: ب 17 من أبواب الخيار ح 3 و 4 و 5 ج 12 ص 364.

(3) الدروس الشرعية: في تعريف الغصب ج 3 ص 1- 6.

(4) جامع المقاصد: في الغصب ج 6 ص 219.

(5) الروضة البهية: في أسباب الغصب ج 7 ص 21.

(6) تذكرة الفقهاء: الغصب في أسباب الضمان ج 2 ص 376 س 41- 42.

(7) كمسالك الأفهام: في سبب الغصب ج 12 ص 150.

24

[في زمان ما يكون المودع غاصبا]

و المودع إذا جحد أو عزم على المنع فهو من وقت الجحود أو العزم غاصب (1)

____________

المشتري فعلى ما قدّمناه (1) يكون ضامنا. و في «جامع المقاصد (2)» أنّ الضمان لا يخلو من وجه، لكنّه لم يجد بذلك تصريحا. قلت: لا حاجة بنا إلى التصريح بعد عموم خبر الضرر فتدبّر، إذا يمكن أن يقال: إنّ المانع سبب في تلف العين بمعنى فواتها على مالكها.

[في زمان ما يكون المودع غاصبا] قوله: (و المودع إذا جحد أو عزم على المنع فهو من وقت الجحود أو العزم غاصب)

أمّا إذا جحد فواضح (3) كما في «جامع المقاصد 4» و به صرّح في «التذكرة 5» و أمّا إذا عزم على الجحود فيقال 6 فيه: إنّه قد سبق أنّ المستودع لا يضمن بمجرّد قصد الخيانة ما لم يخن بخلاف الملتقط، و هذا مخالف له.

و قد أجاب عن ذلك الشهيد في «بعض حواشيه» بعد تمهيد مقدّمة هي: أنّه إذا وجد للمجتهد حكمان مختلفان في مسألة فلتوجيه كلامه طريقان: إحداهما تقرير

____________

(1) تقدّم في ص 20.

(2) 2 و 4 جامع المقاصد: في الغصب ج 6 ص 219 و 209.

(3) لا يخفى عليك أنّ الجحود بنفسه أعمّ من التصرّف في المال و من أن لم يكن مال في الواقع أصلا فضلا من أن يكون هنا مال و لم يقرّبه، و الغصب على ما تقدّم هو التصرّف في المال من دون إذن صاحبه بالقوّة اختيارا و عمدا، فالجحود من حيث هو هو ليس من الغصب بل هو نوع من النهب أو السرقة، فالأصحّ أنّ المودع إنّما يصير غاصبا إذا عزم على منع المالك، و أمّا الجحود فلا يلازم الغصبية لا بالملازمة العادية و لا العرفية فضلا عن الملازمة الشرعيّة، فافهم.

(4) 5 تذكرة الفقهاء: الغصب في أسباب الضمان ج 2 ص 376 س 37.

(5) 6 ذكر هذا القول و الجواب عنه في الحاشية النّجارية المنسوبة إلى الشهيد: في باب الغصب ص 87 س 4 و ما بعده.

25

..........

____________

النصّين مهما أمكن، و الاخرى تحصيل القولين أي إثبات خلاف له في المسألة، و العدول إلى الثانية- أي الطريق الثانية لأنّه مؤنّث- مشروط بتعذّر الاولى. إذا تقرّر هذا فتقرير النصّين هنا بأن يفرّق بين ما ذكره سابقا و بين ما هنا بأنّ المذكور سابقا هو عدم كون المستودع خائنا و ضامنا بمجرّد قصد الخيانة و المذكور هنا هو كونه بمجرّد قصد المنع يصير غاصبا و ضامنا، و لا بعد في ذلك، لأنّه بقصد الخيانة لم تخرج يده عن كونها يد نيابة للمالك في الحفظ، إذ الفرض أنّه لم يقصد كون المال له، فهو مع هذا القصد قائم بما استنابه المالك فيه مثبت يده بإذنه، فلم يحصل تعدّ، و مجرّد النيّة لا يوجب حصول التعدّي، بخلاف ما إذا قصد منع المالك من العين فإنّ يده حينئذ لنفسه فلا يكون نائبا للمالك، فلا يكون إثبات يده حينئذ هو المأذون فيه من المالك، فيكون إثباتا بغير حقّ فيصدق عليه تعريف الغاصب.

و قال في «جامع المقاصد»: و هذا فرق حسن جلي (1).

قلت: لكنّه في باب الوديعة صرّح بما هنا حيث قال: و لو جدّد الإمساك لنفسه يضمن (2). و فسّره المحقّق الثاني (3) و غيره (4) بأنّه نوى عدم الردّ، و هو معنى العزم على المنع، فلم يكن بين فتاواه تناف كما هو واضح كما نبّهنا عليه في باب الوديعة (5).

و يطّرد هذا في الأمانات حتّى يقال (6): إنّ الثوب الّذي أطارته الريح إلى دار الغير مثل اللقطة في ضمانه بمجرّد الخيانة، و مال الإجارة بمنزلة الوديعة لا يضمن بقصد الخيانة و يضمن بالجحود و قصد منع المالك و نحو ذلك من الأمانات.

____________

(1) جامع المقاصد: في الغصب ج 6 ص 209.

(2) قواعد الأحكام: في الوديعة ج 2 ص 184.

(3) جامع المقاصد: في الوديعة ج 6 ص 13- 14.

(4) راجع المسالك: في أحكام اللقطة ج 12 ص 547.

(5) تقدّم في ج 17 كتاب الوديعة ص 222- 223.

(6) كما في جامع المقاصد: في الغصب ج 6 ص 209.

26

[في أنّ تحقّق إثبات اليد في المنقول بالنقل]

و يتحقّق إثبات اليد في المنقول بالنقل، (1) إلّا في الدابة فيكفي الركوب، و الفراش الجلوس عليه، (2)

____________

[في أنّ تحقّق إثبات اليد في المنقول بالنقل] قوله: (و يتحقّق إثبات اليد في المنقول بالنقل)

المغصوب إن كان من الأعيان المنقولة تحقّق غصبه و إثبات اليد عليه بالنقل اتّفاقا، بل هو ضروري و إجماع «المسالك (1)» يتناول ذلك.

قوله: (إلّا في الدابّة فيكفي الركوب، و الفراش الجلوس عليه)

كما جزم به في «الشرائع (2) و جامع المقاصد (3)». و قال في «التذكرة»: إنّه الوجه (4).

و قال في «المسالك»: لا إشكال في تحقّق الغصب مع الجلوس على البساط و ركوب الدابّة، سواء قصده أم لا، و سواء كان المالك حاضرا و أزعجه أم لا لتحقّق الاستيلاء عليه على وجه العدوان حيث نعتبره أو مطلقا حيث يكتفى به في الضمان 5.

و في «التذكرة» عن أحد وجهي الشافعية أنّه لا بدّ من النقل، كما لا بدّ منه في قبض المبيع و سائر العقود 6. و قد أجاب عنه في «المسالك» بمنع عدم تحقّق القبض مطلقا بذلك، لأنّ القبض له حكمان: أحدهما دخوله في ضمانه، و هو حاصل بالركوب من غير نقل، الثاني تمكينه من التصرّف، و هذا يشترط في الركوب و نحوه إذن المالك فيه، و لا فرق في هذا بين نقله و عدمه، فلا وجه لإخراج التصرّف بغير النقل من البين على هذا التقدير 7، انتهى. و لم يتّضح لنا هذا الجواب بل الظاهر

____________

(1) 1 و 5 و 7 مسالك الأفهام: في سبب الغصب ج 12 ص 151 و 150.

(2) شرائع الإسلام: في سبب الغصب ج 3 ص 235.

(3) جامع المقاصد: في الغصب ج 6 ص 210.

(4) 4 و 6 تذكرة الفقهاء: الغصب في إثبات اليد ج 2 ص 376- 377 السطر الأخير و الأوّل.

27

..........

____________

فساده، و الحكمان إنّما هما للنقل عند المشهور، لأنّ المشتري إن نقله بدون إذن البائع دخل في ضمانه و يقال له قبض و لا يسمّى تسليما، و يكون للبائع سلطان على حبسه حتّى يقبض الثمن، و له الفسخ للتأخير عن الثلاثة، و إن قبضه بإذنه فقد مكّنه منه و ارتفع سلطانه عنه و خياره فيه و تصرّف كيف شاء. فقوله «القبض له حكمان» إن أراد به القبض الناشئ عن النقل فمسلّم، و إن أراد مجرّد وضع اليد كالركوب و نحوه فأوّل ممنوع. و قد أخذ هذا الجواب من «التذكرة» قال: القبض في المبيع له حكمان: أحدهما الدخول في ضمانه، و ذلك حاصل بالركوب و الجلوس من غير نقل، و الثاني: تمكينه منه، فإن كان البائع أذن في الركوب فالتمكين حاصل، و إن لم يأذن لا يتمكّن لكنّ الحكم في النقل بغير إذنه مثله (1).

و قد تنبّه لذلك المحقّق في باب تسليم المبيع، قال: إنّ القبض في المنقول نقله، فيشكل عليه أنّه لو أخذه المشتري و لم ينقله بل تسلّمه في موضعه الّذي كان فيه ثمّ تلفت لا يكون من ضمانه، مع أنّه في يده، و الرواية- يعني خبر عقبة بن خالد (2)- تدلّ على ذلك إلّا أنّ ما دلّ على ثبوت الضمان بإثبات اليد ينافيها، و الجواب يحتاج إلى فضل تأمّل، و تحقيق هذا موقوف على تحقيق معنى إثبات اليد (3)، انتهى.

و قد استنهضنا كلامهم هنا على معنى اليد هناك.

و في «المهذّب البارع» أنّ المراد باليد في العقار القدرة لا الجارحة، و هو التمكّن مع رفع اليد (4).

و تحرير المقام أن يقال: إن كان المراد بإثبات اليد و القبض الموجب للضمان

____________

(1) تذكرة الفقهاء: الغصب في إثبات اليد ج 2 ص 377 س 2- 3.

(2) وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب الخيار ح 1 ج 12 ص 358.

(3) جامع المقاصد: البيع في التسليم ج 4 ص 397.

(4) المهذّب البارع: في الغصب ج 4 ص 247.

28

..........

____________

هو ما تقرّر عندهم (1) في قبض المبيع من أنّه النقل في المنقول و الكيل و الوزن في المكيل و الموزون و التخلية في العقار اتّجه في الأوّل و اشكل في الأخيرين فإنّه لا شكّ في تحقّق الغصب بنقل المنقول و إن كان مكيلا أو موزونا فإنّهما يضمنان بالنقل من غير كيل و لا وزن، مع أنّه لا بدّ منهما في قبض المبيع، و مجرّد وضع اليد على هذه الأشياء لا يقضي بالغصب و الضمان، و قد تقدّم في باب اللقطة (2) التردّد في حصول الالتقاط بمجرّد وضع اليد أو الرجل من غير نقل، و كذلك الشأن في غير المنقول، فإنّ المتبادر من الغصب و تعريفه بالأخذ و الاستقلال القبض و التصرّف العرفي، و هو أن يكون متصرّفا بالفعل، مع أنّه يكفي في قبضه في البيع التخلية، فلو أزعجه حتّى أخرجه من داره و خلاها و تسلّم مفاتحها لا يسمّى غاصبا عرفا، مضافا إلى أنّ الأصل عدم الضمان و عدم تحقّق الغصب و أحكامه، فلا بدّ فيه من التصرّف و الدخول مع الاستيلاء و قصد السكون و الأخذ من مالكه و إن كان ذلك خلاف ظاهر جماعة و صريح آخرين كما يأتي (3).

فاندفع ما اشكل على المحقّق الثاني في باب التسليم، و اتّضح الحال فيما يأتي في المسألة الآتية 4 فيما إذا أخرج المالك و لم يدخل. و قضية ذلك أنّه لا يتحقّق الغصب بمجرّد ركوب الدابّة و الجلوس على الفراش إلّا أن يقال 5: إنّ ركوبها تصرّف فيها و انتفاع بها و أخذ و غصب لها، لأنّ الانتفاع في كلّ شيء بما هو مراد منه و مخلوق و مصنوع له، فالدابّة مخلوقة للركوب و الفراش مصنوع للجلوس، فتأمّل.

____________

(1) منهم العلّامة في إرشاد الأذهان: البيع في التسليم ج 1 ص 381، و المحقّق الثاني في جامع المقاصد: البيع في التسليم ج 4 ص 389 و 390، و الشهيد في الدروس الشرعية: البيع في القبض ج 3 ص 213.

(2) تقدّم في ج 17 كتاب اللقطة ص 715.

(3) 3 و 4 سيأتيان في ص 30- 33.

(4) 5 ذكره الشهيد الثاني في مسالك الأفهام: في سبب الغصب ج 12 ص 150.

29

..........

____________

و قال في «التذكرة»: هل يتحقّق الغصب بإثبات اليد من غير نقل؟ الأقرب عندي ذلك، فلو ركب دابّة الغير و هي واقفة و لم تنقل (تنتقل- خ ل) عن مكانها أو جلس على فراشه فلم ينقله فالوجه تحقّق الغصب فيه لحصول غاية الاستيلاء بصفة الاعتداء، انتهى (1). و كلامه هذا يقضي بتحقّق الغصب مطلقا، و الظاهر أنّه ليس على إطلاقه، و إنّما هو في الدابّة و الفراش دون ما عداهما.

و قال في «جامع المقاصد»: اعلم أنّ إثبات اليد في المنقولات إنّما يتحقّق بالنقل إلّا في الدابّة فإنّ ركوبها كاف في إثبات اليد عليها، و الفراش فإنّ الجلوس كاف في ذلك. ثمّ حكى كلام التذكرة هذا الّذي حكيناه، ثمّ قال: و كلامه لا يقتضي الحصر في الدابّة و الفراش، و لا يبعد أنّ الاستيلاء في كلّ شيء بحسبه كالدخول إلى خيمته و خبائه و نحو ذلك، انتهى (2). فقد حكم أوّلا بالحصر ثمّ نفى البعد عن عدمه، ثمّ إنّ تحقّق غصب الخيمة بالدخول فيها غير ظاهر، إذ لا إثبات يد و لا أخذ خصوصا إذا كانت الأرض ملكه أو مباحة، إلّا أن يقال (3): إنّ مراده غصبية الأرض، فتأمّل جيدا. و لعلّ السرير كالبساط، و أمّا الحجر الكبير و الأخشاب الكبيرة فمحلّ تأمّل.

و كيف كان، فكلامهم في إثبات اليد و القبض في الباب يخالف كلامهم في قبض المبيع، لأنّهم يكتفون في الدابّة و الفراش بالركوب و الجلوس و يكتفون في المكيل و الموزون بالنقل من دون كيل و وزن، و لا يكتفون في غصب العقار بالتخلية.

ثمّ عد إلى العبارة، قال في «جامع المقاصد»: فيه مناقشتان، إحداهما: أنّ الاستثناء لا يستقيم إلّا إذا كان المراد أنّ إثبات اليد في المنقول لا يثبت إلّا بالنقل، و لا دلالة في العبارة على ذلك إلّا باعتبار عدم صحّة الاستثناء. قلت: إنّ مفهوم

____________

(1) تذكرة الفقهاء: الغصب في إثبات اليد ج 2 ص 376 السطر الأخير.

(2) جامع المقاصد: في الغصب ج 6 ص 210.

(3) كما في مجمع الفائدة و البرهان: الغصب في أسباب الضمان ج 10 ص 508.

30

[فيما يتحقّق به إثبات اليد في العقار]

و في العقار بالدخول و إزعاج المالك، فإن أزعج و لم يدخل أو دخل لا بقصد الاستيلاء و لم يزعج لم يضمن، (1)

____________

اللقب في عبارات الأصحاب حجّة، لأنّها تعاريف و قيود. و الثانية: قد وقع في قوله «و الفراش الجلوس عليه» العطف على معمولي عاملين بأداة واحدة و هو ضعيف عند أهل العربية (1). قلت: يكفي في ذلك الجواز.

[فيما يتحقّق به إثبات اليد في العقار] قوله: (و في العقار بالدخول و إزعاج المالك، فإن أزعج و لم يدخل أو دخل لا بقصد الاستيلاء و لم يزعج لم يضمن)

العقار يتصوّر فيه الغصب و يكون غاصبا ضامنا بغصبه إجماعا كما في «التذكرة (2)» و عندنا و عند أكثر العامّة كما في «المسالك (3) و الكفاية (4)» و إجماع «الخلاف (5)» و أخباره في مسألة المنافع منطبق عليه قطعا باللازم. و في «جامع المقاصد» لا ريب أنّ غصب العقار متصوّر في نظر الشارع، لأنّ إثبات اليد عليه ممكن، انتهى 6. و قال أبو حنيفة و أبو يوسف 7: لا يمكن غصبه، بل إنّما يضمن بالانهدام، فإذا دخل و انهدم ضمن المهدوم مستندا إلى أنّه لا يمكن نقله. و هذا ليس بمانع، إذا الغصب في مثله يتحقّق

____________

(1) 1 و 6 جامع المقاصد: في الغصب ج 6 ص 210 و 211.

(2) تذكرة الفقهاء: الغصب في إثبات اليد ج 2 ص 377 س 6.

(3) مسالك الأفهام: في سبب الغصب ج 12 ص 151.

(4) كفاية الأحكام: فيما يتحقّق به الغصب ج 2 ص 633.

(5) الخلاف: في الغصب ج 3 ص 402 مسألة 11.

(6) 7 راجع اللباب في شرح الكتاب: في الغصب ج 2 ص 189، المبسوط: في الغصب ج 11 ص 57، الشرح الكبير: ج 5 ص 375.

31

..........

____________

بالقبض، و ليس هو منحصرا في النقل، و إلّا لم يجز بيعه و هبته و نحوهما ممّا يحتاج إلى القبض، مضافا إلى عدّة أخبار صريحة في غصب العقار بلفظ الغصب كما تقدّم (1).

هذا، و لا محالة يتحقّق الغصب بالدخول و إزعاج المالك كما في «جامع المقاصد (2)» كما ذكره المصنّف، بل هو محلّ الوفاق منّا و من أكثر العامّة (3)، و إنّما الكلام في أنّه هل يتحقّق بإثبات اليد مستقلّا من غير إذن المالك بأن يستولي عليها و يخرجه منها و يتسلّم مفاتيحها و إن لم يدخلها أصلا لأنّه بذلك تدخل تحت يد المشتري و في ضمانه فيجب أن يكون هذا القدر كافيا في تحقّق الغصب أم لا يتحقّق بذلك بل لا بدّ من الدخول؟ خيرة «الكتاب و التحرير (4) و جامع المقاصد 5 و مجمع البرهان 6» الثاني، و قد عرفت الوجه فيه. و صريح «المسالك 7 و الكفاية 8» الأوّل.

و هو ظاهر «الشرائع 9 و النافع 10 و الإرشاد 11 و التبصرة 12 و الدروس 13» حيث قيل فيها: يتحقّق غصبه بإثبات اليد عليه مستقلّا من دون إذن المالك لصدق الغصب بما سمعت في توجيهه. و يشهد له أنّه لو كان المالك غائبا تحقّق الغصب من دون إزعاج.

____________

(1) تقدّم في ص 11- 12.

(2) 2 و 5 جامع المقاصد: في الغصب ج 6 ص 211.

(3) راجع الشرح الكبير: ج 5 ص 375، و المغني لابن قدامة: ج 5 ص 378، و بدائع الصنائع:

ج 7 ص 146.

(4) تحرير الأحكام: الغصب في أسباب الضمان ج 4 ص 520- 521.

(5) 6 مجمع الفائدة و البرهان: الغصب في أسباب الضمان ج 10 ص 507.

(6) 7 مسالك الأفهام: في سبب الغصب ج 12 ص 151.

(7) 8 كفاية الأحكام: فيما يتحقّق به الغصب ج 2 ص 633.

(8) 9 شرائع الإسلام: في سبب الغصب ج 3 ص 235.

(9) 10 المختصر النافع: في الغصب ص 247.

(10) 11 إرشاد الأذهان: الغصب في أسباب الضمان ج 1 ص 445.

(11) 12 تبصرة المتعلّمين: في الغصب ص 108.

(12) 13 الدروس الشرعية: في تعريف الغصب ج 3 ص 106.

32

..........

____________

و كذلك لو استولى مع المالك، و تردّد في «التذكرة (1) و جامع المقاصد (2)» و لا ترجيح في «التنقيح (3)» ممّا ذكر، و من أنّ العرف قاض بأنّ الغصب إنّما يتحقّق بالدخول، لأنّ الاستيلاء إنّما يحصل به. و لا تغفل عمّا تقدّم (4) و يأتي (5) فيما إذا منعه من إمساك دابّته المرسلة و سكنى داره، و قد يكون المراد من الاستقلال في عبارة الشرائع و ما ذكر معها عدم قدرة المالك على التصرّف في عقاره الّذي هو في تصرّفه و تحت يده بمعنى أنّه منعه عنه و لم يمكّنه منه و إن كان جالسا معه فإنّه حينئذ يكون وجوده و عدمه سواء، فتأمّل.

و قد اعتبر المصنّف هنا و في «التحرير (6)» قصد الاستيلاء حيث قال: أو دخل لا بقصد الاستيلاء و لم يزعج لم يضمن. و في «التذكرة 7 و جامع المقاصد 8» أنّ وجود نفس الاستيلاء حقيقة يغني عن قصده، فلا أثر لعدم قصده مع حصوله حقيقة، و قضيّته دخول الجاهل و الغافل و الناسي و المكره و المضطرّ، فتدبّر.

و ليعلم أنّ قضية كلام المصنّف أنّه يعتبر لتحقّق الغصب أمران: الدخول، و إزعاج المالك، فلا يكفي أحدهما فقط. و بذلك صرّح في «جامع المقاصد 9» مع أنّهما 10 و غيرهما 11 صرّحوا بأنّه إذا دخل عليه مستوليا و لم يزعجه و لكلّ منهما قوّة أنّه يضمن النصف، و لعلّهما أرادا أنّ ذلك يعتبر لتحقّق غصب الكلّ، فتأمّل.

____________

(1) 1 و 7 تذكرة الفقهاء: الغصب في إثبات اليد ج 2 ص 377 س 19 و 15.

(2) 2 و 8 و 9 جامع المقاصد: في الغصب ج 6 ص 212 و 211.

(3) التنقيح الرائع: في الغصب ج 4 ص 65- 66.

(4) تقدّم في ص 20- 23.

(5) سيأتي في ص 62 و 69- 70.

(6) تحرير الأحكام: الغصب في أسباب الضمان ج 4 ص 521.

(7) 10 تذكرة الفقهاء: الغصب في إثبات اليد ج 2 ص 377 س 22 و 29، جامع المقاصد: في الغصب ج 6 ص 211.

(8) 11 كالشهيد في مسالك الأفهام: في سبب الغصب ج 12 ص 152.

33

..........

____________

و في «الشرائع (1) و التحرير (2) و الإرشاد (3) و الدروس (4) و جامع المقاصد (5) و المسالك (6) و الكفاية (7)» أنّه لو أسكن غيره فهو غاصب، و الساكن ليس بغاصب.

و قيّده الشهيدان و الكركي و الخراساني بما إذا كان جاهلا، لأنّ يد الساكن كيده فكان في معنى سكناه بنفسه. قلت: هو واضح إن كان مكرها. و في «الإرشاد 8 و التحرير 9» تقييده بما إذا كان المالك غائبا و الآمر المسكن ضعيفا. و لا بدّ أيضا من التقييد بكونه جاهلا كما قيّد به صاحب «المسالك» عبارة الشرائع، و فيه نظر ستسمعه 10. قال في الكتابين- أي التحرير و الإرشاد-: لو كان المالك حاضرا فلا ضمان. و فيه أيضا: أنّه قد تصرّف بغير إذن المالك فيكون ضامنا إلّا أن يكون سكوته دالّا على رضاه، فيكون دخولا بالرضا كما نبّه عليه في «مجمع البرهان 11» ثمّ إنّه يرد عليهم جميعا ما إذا انهدمت الدار و هو فيها مثلا فإنّ عدم تضمين الساكن مع إثبات يده بغير حقّ و إن كان مغرورا مخالف لما سيأتي 12 في الأيدي المتعاقبة على المغصوب فإنّهم يحكمون بأنّها أيدي ضمان و إن كان بعضهم جاهلا. نعم هذا يؤيّد مختار المقدّس الأردبيلي 13 في المسألة إلّا أن يقولوا بثبوته و لا يسمّونه غاصبا، فلا مشاحة في التسمية.

____________

(1) شرائع الإسلام: في سبب الغصب ج 3 ص 235.

(2) 2 و 9 تحرير الأحكام: الغصب في أسباب الضمان ج 4 ص 521.

(3) 3 و 8 إرشاد الأذهان: الغصب في أسباب الضمان ج 1 ص 445.

(4) الدروس الشرعية: في تعريف الغصب ج 3 ص 106.

(5) جامع المقاصد: في الغصب ج 6 ص 212.

(6) مسالك الأفهام: في سبب الغصب ج 12 ص 151.

(7) كفاية الأحكام: فيما يتحقّق به الغصب ج 2 ص 633.

(8) 10 سيأتي في ص 37- 38.

(9) 11 و 13 مجمع الفائدة و البرهان: الغصب في أسباب الضمان ج 10 ص 504.

(10) 12 سيأتي في ص 91- 99.

34

فإن قصد فهو غاصب للنصف. (1)

____________

قوله: (فإن قصد فهو غاصب للنصف (1)

أي إن دخل بقصد الاستيلاء فهو غاصب. و قد عبّروا عنه بما إذا دخل الدار قهرا مع مالكها و قالوا: إنّه يضمن النصف. و بذلك كلّه صرّح في «المبسوط (2) و كشف الرموز (3) و التذكرة (4) و التحرير (5) و الإرشاد (6) و الدروس (7) و اللمعة (8) و المقتصر (9) و التنقيح (10) و الروضة (11) و المسالك (12)» و قوّاه في «المهذّب البارع (13)». و في «التنقيح 14» أنّ عليه الفتوى. و في

____________

(1) العبارة مبهمة غير مفهمة لما هو المقصود من المعنى، فإنّ المقصود على ما يظهر من الشرح هو أنه لو قصد الغاصب في دخوله الاستيلاء على الكلّ فيما إذا كان المالك مستوليا أيضا ففي مثل ذلك يكون الغاصب ضامنا للنصف فقط لأنه حينئذ مستقلّ بالاستيلاء على المال في النصف، و أمّا النصف الآخر فالفرض أنّ المالك مستول عليه. و ليست العبارة مفهمة لهذا المعنى إلّا بالشرح و التوضيح. هذا و لكن من المحتمل أن تكون العبارة هكذا: فإن قصد الغاصب الاستيلاء على الكلّ و هو غاصب أي مستول على النصف منه ... فحينئذ يكون في العبارة سقط و هو خبره المتضمّن للحكم أي قوله: لم يضمن الغاصب إلّا النصف، و هذا هو الّذي يناسب ما حكاه الشارح عن الشهيدين بعد ذلك من تعليلهما ضمان الغاصب النصف باستقلاله بالنصف فقط فإنّ هذا هو الفرض في المسألة، فراجع و تأمّل.

(2) المبسوط: في غصب الأرض ج 3 ص 73.

(3) كشف الرموز: في الغصب ج 2 ص 380.

(4) تذكرة الفقهاء: الغصب في إثبات اليد ج 2 ص 377 س 29.

(5) تحرير الأحكام: الغصب في أسباب الضمان ج 4 ص 521.

(6) إرشاد الأذهان: الغصب في أسباب الضمان ج 1 ص 445.

(7) الدروس الشرعية: في تعريف الغصب ج 3 ص 106.

(8) اللمعة الدمشقية: في الغصب ص 234.

(9) المقتصر: في الغصب ص 341.

(10) 10 و 14 التنقيح الرائع: في الغصب ج 4 ص 66.

(11) الروضة البهية: في أسباب الغصب ج 7 ص 21.

(12) مسالك الأفهام: في سبب الغصب ج 12 ص 152.

(13) المهذّب البارع: في الغصب ج 4 ص 247- 248.

35

..........

____________

«المسالك (1) و الكفاية (2)» أنّه مذهب الأكثر. و قال في «الشرائع»: إنّه لا يضمن الأصل.

و قال الشيخ: يضمن النصف. و فيه تردّد منشؤه عدم الاستقلال (3). و التردّد ظاهر «النافع» حيث قال: ففي الضمان قولان (4). و كذا «شرح الإرشاد» لفخر الإسلام (5).

و لم نجد القول بالعدم جزما إلّا ما في «التنقيح» من أنّ القولين للشيخ في المبسوط، لأنّه قال: لو مدّ زمام الناقة من مكان إلى مكان و صاحبها راكب عليها لم يضمنها، لأنّه لم تزل يده عنها، و لا فرق بين الصورتين (6)، انتهى. و ستعرف (7) الحال في مادّ زمام الناقة محرّرا مسبغا عند قوله «و لو مدّ بمقود دابّة ... إلى آخره».

و قد يظهر من «الشرائع (8)» و غيرها (9) أنّ القولين مبنيّان على الاختلاف في تعريف الغصب بأنّ المعتبر فيه الاستقلال فلا يضمن أو الاستيلاء فيضمن، لكنّ الشهيدين في «الدروس (10) و الروضة (11)» علّلا الضمان باستقلاله بالنصف. و قال في «التنقيح» بعد تعليل عدم الضمان بعدم استقلال يد الغاصب لأنّه إنّما يحصل برفع يد المالك و لم ترفع: إنّ فيه نظرا، لأنّه إن أراد باستقلال اليد عدم المشاركة فهو باطل، و إلّا لزم عدم الضمان على شخصين اشتركا في غصب شيء واحد، و إن أراد

____________

(1) مسالك الأفهام: في سبب الغصب ج 12 ص 152.

(2) كفاية الأحكام: فيما يتحقّق به الغصب ج 2 ص 633.

(3) شرائع الإسلام: في سبب الغصب ج 3 ص 235.

(4) المختصر النافع: في الغصب ص 247.

(5) شرح الإرشاد للنيلي: في الغصب ص 66 س 4- 6.

(6) التنقيح الرائع: في الغصب ج 4 ص 66.

(7) سيأتي في ص 70- 72.

(8) شرائع الإسلام: في سبب الغصب ج 3 ص 235.

(9) كتحرير الأحكام: الغصب في أسباب الضمان ج 4 ص 521.

(10) الدروس الشرعية: في تعريف الغصب ج 3 ص 106.

(11) الروضة البهية: في أسباب الغصب ج 7 ص 21.

36

..........

____________

به إثباته على وجه يرفع به يد المالك فهو مصادرة على المطلوب، لأنّ ذلك غير المتنازع فيه (1)، انتهى. و كلام هؤلاء الثلاثة يقضي بتصحيح القول المشهور على تقدير الاستقلال. و كيف كان، فالمفروض في كلام المشهور أنّهما قويّان.

و في «مجمع البرهان» أنّه لا تفاوت حينئذ بين كون المالك قادرا على منعه عن ذلك و إخراجه أم لا بأن يكون أقوى منه لصدق تعريف الغصب عليه (2). قلت:

قد قال في بيان التعريف: إنّه يعتبر في الاستقلال الاستعلاء و التسلّط و لا يكفي مطلق التصرّف و وضع اليد 3. فلعلّه أراد بعض التعاريف، فتأمّل. و قد وجّه الضمان في «الدروس» و غيره بما سمعت. و من يكتفي بالاستيلاء يوجّهه باجتماع يدهما و استيلائهما عليه فيضمن النصف. و في «الروضة» أنّ هذا إذا شاركه في سكنى البيوت على الإشاعة من غير اختصاص بموضع معيّن، فلو اختصّ اختصّ بضمانه 4. قلت: هو واضح و الشأن فيه كالشأن فيما إذا كان له شريك في الغصب.

و في «الكفاية 5 و الرياض 6» أنّه لا بدّ من كونه متصرّفا في النصف بحيث يمنع المالك من أنواع التصرّفات كالبيع و الهبة و أمثالهما لا مجرّد السكنى، و لم يتّضح لنا وجهه، و ستعرف الحال 7. و في «مجمع البرهان» أنّ ذلك إذا شاركه في كلّ موضع من البيوت بحيث ما يزاحمه و لا يزعجه إلّا عن النصف، قال: و يمكن أن يكون الحكم كذلك إذا شاركه في البيوت من غير تعيين نصف، بل يقول له: أنا و أنت نكون في هذه الدار مع إثبات يده على الكلّ و عدم منعه من شيء مثل الشريكين

____________

(1) التنقيح الرائع: في الغصب ج 4 ص 66.

(2) 2 و 3 مجمع الفائدة و البرهان: الغصب في أسباب الضمان ج 10 ص 505 و 492.

(3) 4 الروضة البهية: في أسباب الغصب ج 7 ص 22.

(4) 5 كفاية الأحكام: في الغصب ج 2 ص 633.

(5) 6 رياض المسائل: الغصب في الضمان ج 12 ص 259.

(6) 7 سيأتي في ص 37- 40.

37

..........

____________

بالنصف و أحدهما يأذن للآخر (1). قلت: هذا جيّد جدّا، فلا فرق بعد فرض تصرّفه في جميع الدار بين أن يكون تصرّفه في قدر النصف أو أقلّ أو أكثر، لأنّ المتصرّف في جميع الدار مثلا اثنان فيحال الضمان عليهما كالجنايات، فلو جنيا عليه و مات من جنايتهما كانت الدية عليهما نصفين و إن كان أحدهما جرحه ألف جرح و الآخر إنّما جرحه جرحا واحدا.

و أمّا الاجرة فلا يضمن منها إلّا قدر ما ينتفع به من السكنى كما نبّه عليه أبو العبّاس في «كتابيه (2)».

هذا، و في «الدروس (3) و الروضة (4)» أنّه يضمن النصف عينا و قيمة، و لعلّ الأولى أن يقولا: عينا و منفعة.

هذا، و قد يظهر من كلامهم أنّ ذلك حيث يتّحد المالك و الغاصب، أمّا لو تعدّدا أو تعدّد أحدهما فالضمان بالنسبة، فلو كان المالك اثنين ضمن الغاصب الثلث أو ثلاثة ضمن الربع، كما أنّ الغاصب إذا كان اثنين و المالك واحدا ضمنا الثلثين. قال في «التنقيح»: لو كان المالك أكثر من واحد هل يلزم النصف الغاصب أو بالنسبة؟ الأقرب الأخير كما لو تعدّد الغاصب. ثمّ قال: و التحقيق يقتضي الضمان على نسبة ما استولى عليه و استقلّ به إن نصفا فنصف و إن ثلثا فثلث، و هكذا (5). و هو خيرة المقدّس الأردبيلي 6. و في «الرياض 7» أنّه جيّد. و لعلّ الأجود ما تقدّم 8 من أنّه كالجناية.

____________

(1) 1 و 6 مجمع الفائدة و البرهان: الغصب في أسباب الضمان ج 10 ص 504 و 505.

(2) المهذّب البارع: في الغصب ج 4 ص 248، و المقتصر: في الغصب ص 341.

(3) الدروس الشرعية: في تعريف الغصب ج 3 ص 106.

(4) الروضة البهية: في أسباب الغصب ج 7 ص 21.

(5) التنقيح الرائع: في الغصب ج 4 ص 67.

(6) 7 رياض المسائل: الغصب في الضمان ج 12 ص 259.

(7) 8 تقدّم في صدر الصفحة.

38

[فيما لو قصد الضعيف بوروده على القويّ الاستيلاء]

و لو دخل الضعيف على القويّ في داره و قصد الاستيلاء لم يضمن، (1)

____________

فرع: قال في «الدروس»: لو أثبت يده على مسجد أو رباط أو مدرسة على وجه التغلّب و منع المستحقّ فالظاهر ضمان العين و المنفعة، انتهى (1). و الظاهر أنّ الغصب لا يتصوّر في الوقوف العامّة بمنع بعض المستحقّين قبل إثبات يده و إن أثم.

نعم لو سبقت للمستحقّ يد فمنعه مانع بغير حقّ أمكن تصوّر الغصب. و إطلاق كلام «الدروس» قد يظهر منه خلاف ما ذكرناه.

[فيما لو قصد الضعيف بوروده على القويّ الاستيلاء] قوله: (و لو دخل الضعيف على القويّ في داره و قصد الاستيلاء لم يضمن)

كما في «الشرائع (2) و التذكرة (3) و الإرشاد (4) و جامع المقاصد (5) و المسالك (6) و الرياض (7)» لأنّه ليس بغاصب لشيء من الدار و لا عبرة بقصده الاستيلاء، لأنّه قصد ما لا يتمكّن من تحقيقه، إذ المفروض أنّ القويّ لا يعدّ مثل الضعيف مستوليا عليه. و ظاهر «الدروس 8 و اللمعة 9 و الروضة 10» التوقّف لظهور

____________

(1) 1 و 8 الدروس الشرعية: في تعريف الغصب ج 3 ص 106.

(2) شرائع الإسلام: في سبب الغصب ج 3 ص 235.

(3) تذكرة الفقهاء: الغصب في إثبات اليد ج 2 ص 377 س 23.

(4) إرشاد الأذهان: الغصب في أسباب الضمان ج 10 ص 445.

(5) جامع المقاصد: في الغصب ج 6 ص 211.

(6) مسالك الأفهام: في سبب الغصب ج 12 ص 153.

(7) رياض المسائل: الغصب في الضمان ج 12 ص 259.

(8) 9 اللمعة الدمشقية: في الغصب ص 234.

(9) 10 الروضة البهية: في أسباب الغصب ج 7 ص 22.

39

و يضمن لو كان القويّ نائيا. (1)

____________

استيلائه على العين الّتي انتفع بسكناها، و قدرة المالك على دفعه لا ترفع الغصب مع تحقّق العدوان. و في «مجمع البرهان» لا ينبغي أن يشكّ في كونه ضامنا على أنّه تصرّف في مال الغير بغير إذنه خصوصا إذا كان مع قصد الاستيلاء و الاستعلاء فإنّه قد يكفي و لا يحتاج إلى وجود ما في نفس الأمر كما يشعر به لفظ الاستيلاء، و عدم منع المالك مع قدرته لا يدفع ذلك إلّا أن يكون دالّا على الرضا فيكون الدخول بالرضا (1). و الظاهر أنّه لا نزاع في أنّه يضمن اجرة ما سكن. و به صرّح في «الدروس (2) و اللمعة (3) و المسالك (4) و الروضة (5) و الكفاية (6) و الرياض (7)».

قوله: (و يضمن لو كان القويّ نائيا)

كما في «الشرائع (8) و التذكرة (9) و التحرير (10) و الإرشاد (11) و جامع المقاصد (12) و المسالك 13 و الروضة 14». و في الأخير أنّه لا شبهة في الضمان. قال في «التذكرة»: لأنّ الاستيلاء حاصل في الحال و أثر قوّة المالك إنّما هي سهولة إزالته و الانتزاع من يده، فكان كما لو سلب قلنسوة

____________

(1) مجمع الفائدة و البرهان: الغصب في أسباب الضمان ج 10 ص 504.

(2) الدروس الشرعية: في تعريف الغصب ج 3 ص 106.

(3) اللمعة الدمشقية: في الغصب ص 234.

(4) 4 و 13 مسالك الأفهام: في سبب الغصب ج 12 ص 153.

(5) 5 و 14 الروضة البهية: في أسباب الغصب ج 7 ص 22.

(6) كفاية الأحكام: فيما يتحقّق به الغصب ج 2 ص 633.

(7) رياض المسائل: الغصب في الضمان ج 12 ص 259.

(8) شرائع الإسلام: في سبب الغصب ج 3 ص 235.

(9) تذكرة الفقهاء: الغصب في إثبات اليد ج 2 ص 377 س 24.

(10) تحرير الأحكام: الغصب في أسباب الضمان ج 4 ص 521.

(11) إرشاد الأذهان: الغصب في أسباب الضمان ج 1 ص 445.

(12) جامع المقاصد: في الغصب ج 6 ص 213.

40

..........

____________

ملك فإنّه يكون غاصبا و إن سهل على المالك انتزاعه و تأديبه (1). و قال في «التحرير»: لو دخل أرض إنسان أو داره و المالك غائب ضمنها سواء قصد ذلك أو ظنّ أنّها داره أو دار من أذن له في الدخول إليها على إشكال، أقربه عدم الضمان إلّا مع قصد الاستيلاء، انتهى (2)، فتأمّل فيه، و لعلّ في النسخة سقطا.

فروع: قال في «التذكرة»: لو دخل عقارا لينظر هل يصلح له أو ليتّخذ مثله لم يكن غاصبا. و لو انهدمت في تلك الحال ففي الضمان إشكال، ينشأ من أنّه قد حصل التلف في يده فكان كما لو أخذ منقولا من بين يدي مالكه لينظر هل يصلح له ليشتريه أو مثله فتلف في تلك الحال فإنّه يضمنه، و من الفرق بينه و بين المنقول بأنّ اليد على المنقول حقيقة فلا يحتاج في إثبات حكمها إلى قرينة، و اليد على العقار حكمية فلا بدّ في تحقّقها من قرينة قصد الاستيلاء (3). و في «المسالك» الأصحّ أنّه لا يضمن بخلاف المنقول (4). و لا ترجيح في «جامع المقاصد (5)». و في «الدروس» لو رفع متاعا بين يدي المالك فإن قصد الغصب فهو غاصب، و إن قصد النظر ففي كونه غاصبا وجهان (6)، انتهى. و لو كان القويّ مستوليا و صاحب البيت ضعيفا بحيث اضمحلّت يده معه فالمتّجه أنّه يضمن الجميع كما في «جامع المقاصد 7». و في «الروضة 8 و الرياض 9» أنّه قويّ.

____________

(1) تذكرة الفقهاء: الغصب في إثبات اليد ج 2 ص 377 س 25.

(2) تحرير الأحكام: الغصب في أسباب الضمان ج 4 ص 521.

(3) تذكرة الفقهاء: الغصب في إثبات اليد ج 2 ص 377 س 26- 29.

(4) مسالك الأفهام: في سبب الغصب ج 12 ص 153.

(5) 5 و 7 جامع المقاصد: في الغصب ج 6 ص 212- 213.

(6) 7 الدروس الشرعية: في تعريف الغصب ج 3 ص 106.

(7) 8 الروضة البهية: في أسباب الغصب ج 7 ص 22.

(8) 9 رياض المسائل: الغصب في الضمان ج 12 ص 259.

41

[في ضمان المباشر لو جامع السبب]

و الحوالة على المباشر لو جامع السبب إلّا مع ضعفه بالتغرير، (1)

____________

[في ضمان المباشر لو جامع السبب] قوله: (و الحوالة على المباشر لو جامع السبب، إلّا مع ضعفه بالتغرير)

قد طفحت عباراتهم في باب القصاص و الديات (1). و الغصب أنّه لو اجتمع المباشر و السبب ضمن المباشر إذا تساويا في القوّة أو رجّح المباشر، و في «كشف اللثام (2)» الإجماع عليه، و في «مجمع البرهان» أنّه من المعلوم عقلا بل و نقلا أنّه إذا وجد لشيء سببان قريب و بعيد أنّه يسند إلى القريب، و البعيد هو سبب السبب و له مدخليّة ما في ذلك الشيء، فيكون الضمان مستندا إلى المباشر، و هو ظاهر و كأنّه مجمع عليه انتهى (3). و الحاصل: أنّي لم أجد في الأبواب الثلاثة في ذلك مخالفا.

و قد قالوا: إنّه يستثنى من ذلك ما إذا ضعف المباشر كما اقتصر على ذلك جماعة (4). و هذا يشمل الضعف بالإكراه و الغرور بل و الشمس و النار و الريح إن صدق عليها اسم المباشرة. و في «الدروس (5) و اللمعة (6) و الروضة (7)» إلّا مع ضعفه

____________

(1) المحقّق في شرائع الإسلام: الديات في تزاحم الموجبات ج 4 ص 257، و السيّد عليّ في رياض المسائل: الديات في تزاحم الموجبات ج 14 ص 236، و الشهيد الثاني في مسالك الأفهام: الديات في تزاحم الموجبات ج 15 ص 380 و ج 12 ص 164.

(2) كشف اللثام: الديات في الترجيح بين الأسباب ج 11 ص 279.

(3) مجمع الفائدة و البرهان: الغصب في أسباب الضمان ج 10 ص 501.

(4) منهم الشهيد الثاني في مسالك الأفهام: الديات في تزاحم الموجبات ج 15 ص 380، و المحقّق الأردبيلي في مجمع الفائدة و البرهان: الغصب في أسباب الضمان ج 10 ص 501، و المحقّق الثاني في جامع المقاصد: في الغصب ج 6 ص 213.

(5) الدروس الشرعية: في تعريف الغصب ج 3 ص 107.

(6) اللمعة الدمشقية: في الغصب ص 235.

(7) الروضة البهية: الغصب في أسباب الضمان ج 7 ص 33.

42

..........

____________

بالإكراه أو الغرور. و اقتصر في «الإرشاد (1)» على الأوّل. و في «الكتاب» هنا على الثاني. و ناقشه المحقّق الثاني بأنّه لا وجه لهذا القيد، فإنّ عدم صلاحية المباشر لنسبة الفعل إليه موجبة لضعفه كما في الريح و الشمس و النار (2). و كأنّه إلى ذلك أشار في «المسالك (3)» بقوله: يستثنى من ذلك امور كثيرة. و فيه: مع أنّه وارد على الجميع فينبغي أن يحمل كلامهم على التمثيل مع أنّ الإكراه أولى بالذكر أنّ هذه الثلاثة منزّلة منزلة المباشر و ليست من المباشرة. و من لم يستثن كالمحقّق في «الشرائع (4)» و المصنّف في ديات «الكتاب (5)» فقد استغنى عنه بالتصريح بذلك بعد ذلك و التمثيل و التعليل.

و قد يجتمع على الشيء الواحد سببان بأن يحفر واحد عدوانا بئرا و يضع آخر كذلك عنده حجرا فيعثر به إنسان فيقع في البئر، فإنّه يقدّم الأوّل في الجناية و إن تأخّر حدوثه عن الآخر. و ربما احتمل تساوي السببين و ترجيح الأقوى كما لو نصب سكينا في البئر المذكور. و قد استوفينا الأقوال و الاحتمالات في ذلك في باب الديات (6).

و الإكراه يتحقّق بسلب الاختيار و الوعيد بقتل النفس و هتك العرض و أخذ المال الكثير. و ذكروا الضابط في الإكراه على الطلاق بأنّه التوعّد على الإضرار بالمكره و بمن يقوم مقامه كالأب و الابن و إن كان شتما للمرتفع عنه لا الضرر اليسير كأخذ مال يسير. و قد أسبغنا الكلام في ذلك في باب المكاسب (7). هذا في

____________

(1) إرشاد الأذهان: الغصب في أسباب الضمان ج 1 ص 444.

(2) جامع المقاصد: في الغصب ج 6 ص 213.

(3) مسالك الأفهام: في سبب الغصب ج 12 ص 165.

(4) شرائع الإسلام: في سبب الغصب ج 3 ص 237.

(5) قواعد الأحكام: الديات في اجتماع العلّة و الشرط ج 3 ص 658.

(6) سيأتي في باب الديات ج 10 ص 318- 319 و ما بعده الّذي يصير حسب تجزئتنا الجزء السابع و العشرين.

(7) تقدّم في ج 12 ص 556- 559.

43

كمن قدّم طعام غيره إلى آكل جاهل، فالضمان يستقرّ على الآمر. (1)

____________

المال، أمّا في النفس فيتعلّق الضمان بالمباشر مطلقا و يحبس الآمر حتّى يموت.

و قد بيّنا الكلام في الإكراه على ما دون النفس في باب الديات (1) و المكاسب.

و المراد بالسبب فاعل ملزوم العلّة كحافر البئر كما تقدّم (2). و قد يطلق مجازا على غير ذلك كما يقال: تلف مال فلان بسبب سعاية فلان به إلى الظالم، و هذا لا يوجب الضمان عندنا بل على الساعي الإثم كما في «التذكرة (3)».

و يبقى الكلام فيما يبذله و يغرمه المسروق منه و المغصوب منه لتحصيل المال فهل يرجع به عليهما أم لا؟ احتمالان. و الظاهر أنّ السارق و الغاصب كالحافر فاعل ملزوم العلّة.

قوله: (كمن قدّم طعام غيره إلى آكل جاهل، فالضمان يستقرّ على الآمر)

الغارّ كما في «الدروس (4) و الروضة (5)» في المقام و به طفحت عباراتهم (6) عند الكلام على الأيدي المترتّبة على يد الغاصب. و قد فصّل في «المبسوط (7)» تفصيلا طويلا، و أطول منه ما في «التذكرة» و حاصله: أنّه إذا غصب طعاما فأطعمه غيره فإمّا أن يطعمه لغير صاحبه أو يطعمه لصاحبه، فإن كان الأوّل

____________

(1) سيأتي في ج 10 ص 279- 280 الّذي يصير حسب تجزئتنا السابع و العشرين.

(2) تقدّم في ص 16.

(3) تذكرة الفقهاء: الغصب في أسباب الضمان ج 2 ص 374 س 29- 30.

(4) الدروس الشرعية: في تعريف الغصب ج 3 ص 107.

(5) الروضة البهية: الغصب في أسباب الضمان ج 7 ص 33.

(6) منهم الشهيد الثاني في مسالك الأفهام: في سبب الغصب ج 12 ص 157، و الأردبيلي في مجمع الفائدة و البرهان: الغصب في أسباب الضمان ج 10 ص 519، و الشهيد في اللمعة الدمشقية: في الغصب ص 234.

(7) المبسوط: في الغصب ج 3 ص 88.

44

[في ضمان دافع غيره في بئر حفرها ثالث]

و لو دفع غيره في بئر حفرها ثالث فالضمان على الدافع. (1)

____________

فإن كان عالما فهو غاصب كالأوّل، و إن كان جاهلا فإن قال له: كله فإنّه ملكي و طعامي، أو قدّمه ضيافة فإنّه لا يلزم الآكل شيء، لأنّه غرّه و أو همه أنّه لا تبعة فيه عليه، و إن قال كله و لم يقل إنّه ملكي و لا طعام فلان غصبته بل أطلق فوجهان أقواهما الضمان، لأنّه غرّه أيضا. و إن كان الثاني فإن كان الآكل عالما بأنّه طعامه فقد برئ منه الغاصب، و إن كان جاهلا ضمنه الغاصب و لم يبرأ، لأنّه لم يردّه إليه ردّا تامّا، فإنّه لا يمكنه التصرّف فيه بكلّ ما يريده من أخذه و بيعه و الصدقة به (1).

و عساك تقول: إنّ كلّ ما أتلف الآخذ من الغاصب فقرار الضمان عليه- أي الآخذ- كما يأتي (2). قلت: قد قالوا (3): إلّا مع الغرور كما لو أضافه به. و يأتي تمام الكلام عند تعرّض المصنّف له مرّة اخرى.

[في ضمان دافع غيره في بئر حفرها ثالث] قوله: (و لو دفع غيره في بئر حفرها ثالث فالضمان على الدافع)

أي المتعمّد لذلك لقوّة المباشر و ضعف أثر الحافر. و أمّا إذا دفعه مع الجهل بالبئر و كان حفرها عدوانا فإنّ الحافر هو الضامن، و قد استوفينا الكلام في هذه المقامات في أوائل باب الديات (4).

____________

(1) تذكرة الفقهاء: الغصب في أحكام الغرور ج 2 ص 378 س 2 و ما بعده.

(2) سيأتي في ص 99- 101.

(3) منهم المحقّق في جامع المقاصد: في الغصب ج 6 ص 229، و العلّامة في تذكرة الفقهاء:

الغصب في أحكام الغرور ج 2 ص 378 س 12- 14، و الشهيد في الدروس الشرعية: في تعريف الغصب ج 3 ص 107.

(4) سيأتي في باب الديات ج 10 ص 318 الّذي يصير حسب تجزئتنا الجزء السابع و العشرين.

45

و لو فتح رأس زقّ فقلبته الريح الحادثة فسقط أو ذاب بالشمس ففي الضمان إشكال، ينشأ من ضعف المباشر، و من أنّه لا يقصد بفتح الزقّ تحصيل الهبوب. (1)

____________

قوله: (و لو فتح رأس زقّ فقلبته الريح الحادثة فسقط أو ذاب بالشمس ففي الضمان إشكال، ينشأ من ضعف المباشر، و من أنّه لا يقصد بفتح الزقّ تحصيل الهبوب)

قد استشكل أيضا في «الإرشاد (1) و التحرير (2)» و قال في «الشرائع» بعد أن تردّد: لعلّ الأشبه أنّه لا يضمن، لأنّ الريح و الشمس كالمباشر فيبطل حكم السبب (3). و في «الكفاية» أنّه أقرب في صورة انقلابه بالريح (4). و لا ترجيح فيها في صورة إذابة الشمس. و فصّل في «المبسوط (5)» فحكم بعدم الضمان بحدوث الريح و قلبها له نافيا عنه- كابن زهرة في «الغنية (6)»- الخلاف و بالضمان في إشراق الشمس عليه. و استشكل في الأوّل في «التذكرة (7)» و استوجه الضمان في الثاني، و فرّق بأنّ الشمس ممّا يعلم طلوعها فيكون الفاتح له معرّضا ما فيه للشمس، و هبوب الرياح غير منتظر و لا متوقّع، فالهلاك حينئذ لم يحصل بفعله، و ليس فعله ممّا يقصد به تحصيل ذلك العارض، ففعله غير ملجئ و الأمر الحادث مباشر فلم يتعلّق الضمان بفعله، فكان كما لو فتح الحرز فسرق

____________

(1) إرشاد الأذهان: الغصب في أسباب الضمان ج 1 ص 444.

(2) تحرير الأحكام: الغصب في أسباب الضمان ج 4 ص 524.

(3) شرائع الإسلام: في سبب الغصب ج 3 ص 238.

(4) كفاية الأحكام: فروع في الغصب ج 2 ص 638.

(5) المبسوط: في الغصب ج 3 ص 89- 90.

(6) غنية النزوع: في الغصب ص 281.

(7) تذكرة الفقهاء: الغصب في أسباب الضمان ج 2 ص 374 س 38.

46

..........

____________

غيره أو دلّ سارقا فسرق، و قد يفرّق بين الأصل و التنظير على أنّ وجود الريح كثير موجب لتوقّع القلب و الانقلاب كما في «جامع المقاصد (1)» و وجه الضمان في ذلك أنّ فعله سبب تلفه، إذ لو لا الفتح لما ضاع ما فيه و لم يتخلّل بينهما ما يمكن إحالة الحكم عليه، فوجب الضمان، فكان كما لو جرح إنسانا فأصابه الحرّ أو البرد فسرت الجراحة فإنّه يضمن فكذا هنا. و قد اختير أنّه يضمن في المسألتين في «شرح الإرشاد» لولده (2) و «غاية المراد (3) و الدروس (4) و جامع المقاصد 5 و تعليق الإرشاد 6 و المسالك 7» و قد عرفت الوجه في ذلك.

و قال في «مجمع البرهان»: لا إشكال في الضمان إذا علم كون فعله سببا فقط لا غير و لم يعلم استناده إلى غيره بالكلّية 8. و قال في «جامع المقاصد»: إنّ عبارة الكتاب لا تخلو من شيء فإنّه لا يقصد بالسبب حصول العلّة أصلا فكيف يستقيم قوله «و من أنّه لا يقصد بفتح الزقّ تحصيل الهبوب» فلو قال بدله: و من أنّه لا يقصد بفتح الزقّ توقّع الهبوب كان أولى 9.

قلت: توقّع الشيء انتظار كونه و حصوله، فالمراد بتحصيل الهبوب انتظار كونه و حصوله، و قد طفحت بذلك عبارات الخاصّة و العامّة 10.

____________

(1) 1 و 5 و 9 جامع المقاصد: في الغصب ج 6 ص 214.

(2) الظاهر أنّ المراد من الشرح المذكور هو شرح الإرشاد للنيلي: إلّا أنّ عبارته ليست صريحة في ذلك و إنما يمكن استظهاره منها حيث نسبه فيه إلى شيخه و لم يردّه بشيء، فراجع شرح الإرشاد المذكور في الغصب ص 66 س 33 و ما بعده.

(3) غاية المراد: في الغصب ج 2 ص 393.

(4) الدروس الشرعية: في تعريف الغصب ج 3 ص 107.

(5) 6 حاشية الإرشاد (حياة المحقّق الكركي و آثاره: ج 9) في الغصب ص 475.

(6) 7 مسالك الأفهام: في سبب الغصب ج 12 ص 173.

(7) 8 مجمع الفائدة و البرهان: الغصب في أسباب الضمان ج 10 ص 498.

(8) 10 جامع المقاصد: في الغصب ج 6 ص 214، المسالك: في سبب الغصب ج 12 ص 173، فتح العزيز (ضمن المجموع): في الغصب ج 15 ص 243، الوجيز: في الغصب ص 168.

47

[فيما لو فكّ المعقود و نحوه فشرد]

و لو فكّ قيد الدابّة فشردت أو عن المجنون فأبق أو فتح قفصا عن طائر فطار في الحال أو بعد مكث، (1)

____________

[فيما لو فكّ المعقود و نحوه فشرد] قوله: (و لو فكّ قيد الدابّة فشردت أو عن المجنون فأبق أو فتح قفصا عن طائر فطار في الحال أو بعد مكث)

أي ضمن كما صرّح بذلك في «الخلاف (1) و المبسوط (2) و الغنية (3) و السرائر (4) و الشرائع (5) و التذكرة (6) و النافع (7) و التحرير (8) و الإرشاد (9) و الدروس (10) و جامع المقاصد (11) و المسالك (12) و مجمع البرهان (13) و الكفاية (14)» و في الأخير أنّه المعروف من مذهب الأصحاب. و ظاهر «التذكرة 15» الإجماع على الضمان في فتح قفص الطائر سواء طار في الحال أو بعد مكث. و حكى في «الرياض 16» عن المبسوط نفي الخلاف في الثلاثة و عن ظاهر التذكرة الإجماع فيها أي الثلاثة، و لم نجد ذلك فيهما و ستسمع 17 ما وجدناه، بل

____________

(1) الخلاف: في الغصب ج 3 ص 411 مسألة 24 و 25.

(2) المبسوط: في الغصب ج 3 ص 89.

(3) غنية النزوع: في الغصب ص 281.

(4) السرائر: في الغصب ج 2 ص 485.

(5) شرائع الإسلام: في سبب الغصب ج 3 ص 238.

(6) 6 و 15 تذكرة الفقهاء: الغصب في أسباب الضمان ج 2 ص 375 س 13- 14 و 15.

(7) المختصر النافع: في الغصب ص 248.

(8) تحرير الأحكام: الغصب في أسباب الضمان ج 4 ص 524.

(9) إرشاد الأذهان: الغصب في أسباب الضمان ج 1 ص 444.

(10) الدروس الشرعية: في تعريف الغصب ج 3 ص 107.

(11) جامع المقاصد: في الغصب ج 6 ص 215.

(12) مسالك الأفهام: في سبب الغصب ج 12 ص 170.

(13) مجمع الفائدة و البرهان: الغصب في أسباب الضمان ج 10 ص 497.

(14) كفاية الأحكام: في الغصب ج 2 ص 637.

(15) 16 رياض المسائل: في ضمان الغصب ج 12 ص 267.

(16) 17 سيأتي في الصفحة الآتية.

48

أو أزال وكاء الظرف فسال ما فيه و لا يحبسه إلّا الوكاء، (1)

____________

قال في «المبسوط» في ضمان الطائر إذا لم يهجه و لم يطر في الحال: يقوى عندي أنّ عليه الضمان (1)، فحكم به غير جازم.

و في معنى المجنون غير المميّز غير أنّه لم يذكر المجنون في الخلاف و المبسوط و الغنية و السرائر. و هذه المواضع الثلاثة ممّا يترجّح السبب فيها على المباشرة لضعفها، لعدم العقل لكن بعضها غير أغلبي، و قد تقدّم المختار (2) و يأتي (3).

و أشاروا بقولهم «فطار في الحال أو بعد مكث» إلى خلاف بعض الشافعية (4) حيث فرّق بين الأمرين فحكم بالضمان في الأوّل دون الثاني.

و في «المبسوط (5)» أنّه لو أهاج الدابّة فشردت أو الطائر فطار ضمن بلا خلاف، أي منّا و من العامّة. و في «التذكرة (6)» أنّه لو أهاج الطائر ضمن قولا واحدا و في حكم خروج الطائر و ثوب الهرّة. و لو أفسد الطائر و غيره شيئا بخروجه ضمنه، لأنّ فعل الطائر منسوب إليه. نعم لو تلفت هذه الثلاثة بغير الجهة الّتي هي فعل السبب كأن مات الطائر أو العبد المجنون أو الدابّة فلا ضمان، لعدم مدخلية السبب و عدم وضع اليد الموجب للضمان مطلقا. و يأتي الكلام في العبد العاقل (7).

قوله: (أو أزال وكاء الظرف فسال ما فيه و لا يحبسه إلّا الوكاء)

____________

(1) المبسوط: في الغصب ج 3 ص 89.

(2) تقدّم في ص 19- 22.

(3) سيأتي في ص 52- 56 و 67- 69.

(4) كالوجيز: في الغصب ص 168، و كفاية الأخيار: في الغصب ج 1 ص 183.

(5) المبسوط: فيما إذا فتح قفصا ج 3 ص 89.

(6) تذكرة الفقهاء: الغصب في أسباب الضمان ج 2 ص 375 س 14.

(7) سيأتي في ص 56- 59.

49

[في ضمان من قبض بالعقد الفاسد أو السوم]

أو فتح رأسه فتقاطرت قطرات و ابتلّ أسفله فسقط (2) أو قبض بالبيع الفاسد (3)

____________

فإنّه يضمن بلا خلاف كما في «المبسوط (1) و السرائر (2)». و في «المسالك (3)» أنّه يضمن لا محالة إذا كان مطروحا لمباشرته الإتلاف. و بما في الكتاب صرّح في الكتب المذكورة آنفا (4) بعد المبسوط جميعها ما عدا النافع.

قوله: (أو فتح رأسه فتقاطرت قطرات و ابتلّ أسفله فسقط)

ضمن كما في «المبسوط 5» و سائر 6 ما ذكر بعده عدا السرائر و النافع و التحرير، لأنّ السقوط بالميلان الناشئ من الابتلال الناشئ من الفتح، و هما ممّا من شأنه أن يحصل بالفتح.

[في ضمان من قبض بالعقد الفاسد أو السوم] قوله: (أو قبض بالبيع الفاسد)

أي ضمن كما هو المعروف من مذهب الأصحاب كما في «الكفاية 7». و في «المسالك 8» أنّه موضع وفاق. و بالضمان

____________

(1) 1 و 5 المبسوط: في الغصب ج 3 ص 90.

(2) السرائر: في الغصب ج 2 ص 485.

(3) 3 و 8 مسالك الأفهام: في سبب الغصب ج 12 ص 172 و 174.

(4) راجع ص 47.

(5) 6 الغنية: كتاب الغصب ص 281، شرائع الإسلام: في سبب الغصب ج 3 ص 238، تذكرة الفقهاء: في أسباب الضمان ج 2 ص 374 س 33، إرشاد الأذهان: الغصب في أسباب الضمان ج 1 ص 444، الدروس: في تعريف الغصب ج 3 ص 107، جامع المقاصد: في الغصب ج 6 ص 215، مسالك الأفهام: في سبب الغصب ج 12 ص 172، مجمع الفائدة و البرهان: الغصب في أسباب الضمان ج 10 ص 498، كفاية الأحكام: في الغصب ج 2 ص 637.

(6) 7 كفاية الأحكام: في الغصب ج 2 ص 638.

50

أو السوم على إشكال، (1)

____________

صرّح في المقام في «الشرائع (1) و التذكرة (2) و التحرير (3) و الإرشاد (4) و الدروس (5) و جامع المقاصد (6)» و قد تقدّم (7) الكلام فيه مستوفى عند الكلام على صيغة البيع.

و قد جعلناه في أوّل باب الوديعة (8) من الأمانة الشرعية و إن كان مقبوضا من يد المالك. و لم أجد من تأمّل فيه في البابين و غيرهما سوى مولانا المقدّس الأردبيلي (9)، قال: لأنّ دليله القاعدة المشهورة، و هي أنّ كلّ ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده و بالعكس، و قال: إنّ ذلك غير واضح، و كذا «على اليد ما أخذت» قلت: القاعدة لا أجد فيها مخالفا بل يأخذونها بطرفيها في أبواب العقود اللازمة و الجائزة مسلّمة. و ستسمع عن قريب كلامهم في استيفاء المنفعة الفاسدة.

قوله: (أو السوم على إشكال)

ينشأ من أنّه بإذن المالك فيكون أمانة كالوديعة و الأصل البراءة، و من أنّ الإذن لا تقتضي الأمانة مع عموم قوله (صلّى اللّه عليه و آله):

«على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي» (10) و قد قبض لمصلحة نفسه. قلت: الخبر ذو وجوه و الخارج منه قد يكون كالداخل أو أضعافه، هذه العارية و المضاربة و الشركة

____________

(1) شرائع الإسلام: في سبب الغصب ج 3 ص 238.

(2) تذكرة الفقهاء: الغصب في إثبات اليد ج 2 ص 377 س 37.

(3) تحرير الأحكام: الغصب في أسباب الضمان ج 4 ص 526.

(4) إرشاد الأذهان: الغصب في أسباب الضمان ج 1 ص 444.

(5) الدروس الشرعية: في تعريف الغصب ج 3 ص 107.

(6) جامع المقاصد: في الغصب ج 6 ص 215.

(7) تقدّم في ج 12 ص 483- 484.

(8) تقدّم في ج 17 كتاب الوديعة ص 194- 195 و 317.

(9) مجمع الفائدة و البرهان: الغصب في أسباب الضمان ج 10 ص 499.

(10) عوالي اللآلي: ج 1 ص 389 ح 22.

51

..........

____________

و العين المرهونة و المستأجرة و الموكّل عليها بجعل و الوصيّ عليها كذلك و نحوها ممّا كان القبض فيها لمصلحة نفسه خارجة مستثناة غير مضمونة إجماعا، لكنّ المشهور أنّه مضمون كما في «الإيضاح (1) و المسالك (2) و مجمع البرهان (3)» في المقام و باب البيع و «الروضة (4)» في باب البيع أيضا. و نسبه في «جامع المقاصد (5)» في الباب المذكور إلى الأكثر، ذكروا ذلك في مسألة ما إذا اشترى عبدا موصوفا و دفع البائع له عبدين ليتخيّر فأبق أحدهما. و هو خيرة غصب «المبسوط (6) و السرائر (7) و الشرائع (8) و التذكرة (9) و التحرير (10) و الإرشاد (11)» و هو خيرة الاستاذ الشريف (12) (قدّس اللّه روحه) و كان يستنهض عليه مع ذلك موافقة الاعتبار، قال: لو لم يكن مضمونا لتوصّل كثير من الناس إلى أكل المال بذلك، و هو معارض بالعارية و غيرها.

و اختير عدم الضمان في «السرائر (13)» في موضع آخر، و هو البيع و «المختلف (14)

____________

(1) إيضاح الفوائد: في الغصب ج 2 ص 167.

(2) مسالك الأفهام: في سبب الغصب ج 12 ص 174.

(3) مجمع الفائدة و البرهان: الغصب في أسباب الضمان ج 10 ص 499، و في بيع الحيوان ج 8 ص 294.

(4) الروضة البهية: في بيع الحيوان ج 3 ص 347.

(5) جامع المقاصد: في بيع الحيوان ج 4 ص 149.

(6) المبسوط: في الغصب ج 3 ص 89.

(7) السرائر: في الغصب ج 2 ص 491.

(8) شرائع الإسلام: في سبب الغصب ج 3 ص 238.

(9) تذكرة الفقهاء: في بيع الحيوان ج 10 ص 328.

(10) تحرير الأحكام: الغصب في أسباب الضمان ج 4 ص 526.

(11) إرشاد الأذهان: الغصب في أسباب الضمان ج 1 ص 444.

(12) لم نعثر عليه.

(13) السرائر: في بيع الحيوان ج 2 ص 350.

(14) مختلف الشيعة: المتاجر في بيع الحيوان ج 5 ص 321.

52

..........

____________

و الإيضاح (1) و مجمع البرهان (2)» و في «المسالك (3) و الكفاية (4)» أنّه متّجه، و لا ترجيح في «جامع المقاصد (5)».

قلت: قد عدّدناه في باب الوديعة من الأمانة الخاصّة المالكية، و هي كلّ عين حصلت في يدك بإذن المالك أو من قام مقامه أو بغير إذنه ثمّ علم بها و لم يطلبها، و قضية ذلك أن يكون غير مضمون، و هذه أيضا قاعدة مشهورة معروفة عندهم، و الشهرة المدّعاة على الضمان في المقبوض بالسوم لعلّها مأخوذة من أخذهم لذلك مسلّما في مطاوي أبواب العقود، هذا المصنّف- و قد استشكل هنا- قد أخذه فيما يأتي قريبا، و في عدّة مواضع من الكتاب و غيره مسلّما. و قد تكون هذه الشهرة مأخوذة من الحكم بالضمان في ثمانية عشر كتابا فيما إذا دفع بائع عبد موصوف عبدين ليتخيّر المشتري فأبق أحدهما، فإنّهم قالوا: إنّه يضمن الآبق بقيمته و يطالب بما اشتراه، و قد قال جماعة منهم الشهيدان (6) و الكركي (7): إنّ الحكم بالضمان مبنيّ على أنّ المقبوض بالسوم مضمون لا لخصوصية السوم، بل لعموم قوله (صلّى اللّه عليه و آله): «على اليد ما أخذت» و قد حكم بالضمان هناك في «المختلف و الإيضاح و المسالك و مجمع البرهان» و قد سمعت كلامهم في المقام و كذا غيره.

____________

(1) إيضاح الفوائد: في الغصب ج 2 ص 167.

(2) مجمع الفائدة و البرهان: الغصب في أسباب الضمان ج 10 ص 499.

(3) مسالك الأفهام: في سبب الغصب ج 12 ص 175.

(4) كفاية الأحكام: في فروع الغصب ج 2 ص 638.

(5) جامع المقاصد: في الغصب ج 6 ص 215.

(6) الشهيد الأوّل في اللمعة: في بيع الحيوان ص 120، و الشهيد الثاني في الدروس: في بيع الحيوان ج 3 ص 230، و الروضة: في بيع الحيوان ج 3 ص 347- 349.

(7) جامع المقاصد: في بيع الحيوان ج 4 ص 149.

53

أو استوفى منفعة الإجارة الفاسدة، (1)

____________

قوله: (أو استوفى منفعة الإجارة الفاسدة)

فإنّه يضمنها كما في «الشرائع (1) و الإرشاد (2) و التذكرة (3) و التحرير (4) و جامع المقاصد (5) و المسالك (6) و مجمع البرهان (7) و الدروس (8)» باجرة مثلها كما في الستّة الاول. و لعلّه المراد من الأخيرين. و يحتمل أن يكونا أرادا أقلّ الأمرين منها و من المسمّى. و هذا من باب المباشرة و ليس من سنخ ما ذكر معه. و قال في «الخلاف (9)»: المنافع تضمن بالغصب كالأعيان، و استدلّ عليه بقوله عزّ و جلّ: فَمَنِ اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ (10) قال: و المثل مثلان: مثل من حيث الصورة، و مثل من حيث القيمة، فلمّا لم يكن للمنافع مثل من حيث الصورة وجب أن يلزمه من حيث القيمة. قال: و على المسألة إجماع الفرقة، و أخبارهم تدلّ على هذا، انتهى. و هو منطبق على ما نحن فيه.

و هل العين مضمونة بالاستيفاء؟ قال في «جامع المقاصد»: الّذي يلوح من كلامهم العدم، و الّذي ينساق إليه النظر كونها مضمونة، لأنّ التصرّف في العين غير جائز، فهو بغير حقّ، فيكون في حال التصرّف استيلاؤه عليها بغير حقّ، و ذلك

____________

(1) شرائع الإسلام: في سبب الغصب ج 3 ص 238.

(2) إرشاد الأذهان: الغصب في أسباب الضمان ج 1 ص 444.

(3) تذكرة الفقهاء: في الإجارة ج 2 ص 326 س 4.

(4) تحرير الأحكام: الغصب في أسباب الضمان ج 4 ص 526.

(5) جامع المقاصد: في الغصب ج 6 ص 215.

(6) مسالك الأفهام: في سبب الغصب ج 12 ص 175.

(7) مجمع الفائدة و البرهان: الغصب في أسباب الضمان ج 10 ص 499.

(8) الدروس الشرعية: في تعريف الغصب ج 3 ص 107.

(9) الخلاف: في الغصب ج 3 ص 402 مسألة 11.

(10) البقرة: 194.

54

[فيمن ألقى صبيّا أو حيوانا في مسبعة]

أو ألقى صبيّا في مسبعة أو حيوانا يضعف عن الفرار فقتله السبع ضمن. (1)

____________

معنى الغصب، إلّا أنّ كون الإجارة الفاسدة لا يضمن بها كما لا يضمن بالصحيحة مناف لذلك، فيقال: إنّه دخل معه على عدم الضمان بهذا الاستيلاء و إن لم يكن مستحقّا، و الأصل براءة الذمّة من الضمان، فلا تكون العين بذلك مضمونة، و إنّما يضمن المنفعة خاصّة. و لو لا ذلك لكان المرتهن ضامنا مع فساد الرهن، لأنّ استيلاءه بغير حقّ، و هو باطل (1). و قد استوفينا فيه الكلام في باب الإجارة.

[فيمن ألقى صبيّا أو حيوانا في مسبعة] قوله: (أو ألقى صبيّا في مسبعة أو حيوانا يضعف عن الفرار فقتله السبع ضمن)

كما في «الشرائع (2) و التذكرة (3) و التحرير (4) و الإرشاد (5) و جامع المقاصد 6 و المسالك (7) و مجمع البرهان (8)» و استظهر في «الكفاية (9)» أن لا خلاف في ذلك. و بالأوّل صرّح أيضا في ديات «المبسوط (10) و الشرائع 11 و الإرشاد 12» و غيرها 13 للتسبيب مع ضعف المباشر، فإنّ إلقاء الصبيّ الّذي يضعف

____________

(1) 1 و 6 جامع المقاصد: في الغصب ج 6 ص 216.

(2) 2 و 11 شرائع الإسلام: في سبب الغصب ج 3 ص 237.

(3) تذكرة الفقهاء: الغصب في أسباب الضمان ج 2 ص 376 س 7.

(4) تحرير الأحكام: الغصب في أسباب الضمان ج 4 ص 525.

(5) 5 و 12 إرشاد الأذهان: الغصب في أسباب الضمان ج 1 ص 444.

(7) 7 و 13 مسالك الأفهام: في سبب الغصب ج 12 ص 168.

(8) مجمع الفائدة و البرهان: الغصب في أسباب الضمان ج 10 ص 497.

(9) كفاية الأحكام: الغصب في موجبات الضمان ج 2 ص 637.

(10) المبسوط: الديات في الجراح ج 7 ص 18.

55

..........

____________

عن التحرّز عن السبع سبب تامّ في هلاكه، و السبع لا يحال عليه في الضمان، فلا معارض للسبب. و استند في «التذكرة (1)» إلى أنّه قصد الإتلاف بالنقل. و هو يرجع إلى التسبيب الّذي يقضي بدخوله تحت العمد، فيوجب القصاص.

و احترزوا بالصبيّ عن الكبير الّذي يمكنه التحرّز عادة، فإنّه لا يضمنه بإلقائه لو اتّفق إتلاف السبع له، لأنّ ذلك لا يعدّ سببا في حقّه (2).

و الظاهر أنّه لا فرق في الصبيّ بين غير المميّز و المميّز الضعيف عن التحرّز.

و يلحق به من به خبل أو جنون أو بلغ بالكبر مرتبة الصغير على احتمال قويّ كما في «مجمع البرهان (3)» و غيره (4).

و الحق بالمسبعة المضيعة كمعيشة و كمسبعة في قول، و هي المفازة، و هو في محلّه. و هو خيرة «الإيضاح (5) و جامع المقاصد (6)» و قد استشكل فيه المصنّف في غصب «التذكرة 7» و ما يأتي من الكتاب. و الشيخ في «المبسوط 8» قال: بعدم الضمان و عدم الإلحاق.

و أمّا إلقاء الحيوان الّذي يضعف عن الفرار في المسبعة و المضيعة فالوجه فيه ظاهر، لأنّه تصرّف في مال الغير بغير إذنه. و مثله العبد الصغير. و قد يكون داخلا تحت الحيوان. و لا يخفى ما في وصف الحيوان بضعفه عن الفرار و إن أرادوا بيان التسبيب.

____________

(1) 1 و 7 تذكرة الفقهاء: الغصب في إثبات اليد ج 2 ص 376 س 7.

(2) التحرّز عن السبع بالنسبة إلى الكبير منوط بكيفية السبع الملقى إليه الكبير و بقدرة الكبير نفسه، فلا يمكن الحكم بالضمان بنحو الإطلاق كما لا يمكن الحكم بعدمه بنحو الإطلاق، و مع ذلك لا يبعد الحكم بالضمان لو كان الإلقاء سببا للتلف مطلقا لأنّ العرف في مثل ذلك حاكم بسببية الملقي للتلف، بل العرف و سيرة العقلاء يحكمان فيما سيأتي في جميع الفروع الآتية بسببية المكلّف بالنسبة إلى تلف المال و أنّه ممّن أتلف مال غيره إلّا فيما نصّ الدليل على استثنائه.

(3) مجمع الفائدة و البرهان: الغصب في أسباب الضمان ج 10 ص 497.

(4) رياض المسائل: في ضمان الغصب ج 12 ص 261- 262.

(5) إيضاح الفوائد: في الغصب ج 2 ص 169.

(6) جامع المقاصد: في الغصب ج 6 ص 224.

(7) 8 المبسوط: في الغصب ج 3 ص 105.

56

..........

____________

هذا و شيخنا صاحب «الرياض (1)» جعل في باب الديات ما نحن فيه- أعني ما إذا ألقى الصغير في مسبعة- من سنخ ما إذا غصبه غاصب فمات بلدغ حيّة أو افتراس أسد و نحو ذلك ممّا ليس هو من قبل اللّه سبحانه، فاستظهر في الجميع عدم الضمان أو التردّد.

و أنت خبير بظهور الفرق بين المسألتين، إذ المفروض في الثانية أنّه غصبه و وضعه في غير المسبعة فاتّفق أن افترسه الأسد، و لهذا كان المشهور في هذه عدم الضمان كما في «المسالك (2)» كما يأتي بيان الحال. و المشهور فيما نحن فيه الضمان بل لا خلاف فيه، بل قد اختار جماعة كالشيخ في «المبسوط (3)» في أحد قوليه و المصنّف و الشهيد (4) و المحقّق الثاني (5) و غيرهم (6) الضمان أيضا في مسألة الغصب، و قوّاه في «الخلاف (7)» بعد أن نسبه إلى أبي حنيفة، بل قد يلوح من «حواشي الشهيد (8)» في مسألة الظئر أنّه إجماعي، قال ما نصّه: من قواعد الفقهاء أنّ الحرّ لا يضمن بإثبات اليد، إذ لا أثر لليد في غير المال. و استثني من هذه القاعدة ثلاث مسائل: مسألة الظئر، و مسألة المنادي و غيره ليلا فخرج، و مسألة تلف الصبيّ المغصوب بتلف الغاصب كلدغ الحيّة، و هو قويّ جدّا و لا سيّما إذا قصد إتلافه، بل في «جامع المقاصد 9» أنّه إذا قصد توقّع التلف بغصبه و قطعه عمّن يعتني به ضمنه إجماعا.

و ينبغي التأمّل في هذا الإجماع، مع أنّ المشهور عدم الضمان من غير تفصيل.

و لعلّ الوجه في ذلك أنّه سبب للإتلاف و قاصد له، فكان كالقاصد للقتل بالنادر

____________

(1) رياض المسائل: في ضمان الغصب ج 12 ص 261- 262.

(2) مسالك الأفهام: في سبب الغصب ج 12 ص 168.

(3) المبسوط: الديات في الجراح ج 7 ص 18.

(4) الدروس الشرعية: في تعريف الغصب ج 3 ص 106.

(5) 5 و 9 جامع المقاصد: في الغصب ج 6 ص 224 و 221.

(6) مجمع الفائدة و البرهان: الغصب في أسباب الضمان ج 10 ص 513.

(7) الخلاف: في الغصب ج 3 ص 421 مسألة 40.

(8) لم نعثر عليه في مظانّه في الحاشية النجّارية.