القواعد الفقهية - ج6

- السيد حسن الموسوي البجنوردي المزيد...
417 /
7

56- قاعدة لا رهن إلّا مقبوضا

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

قاعدة لا رهن إلّا مقبوضا (1) و من جملة القواعد الفقهيّة قاعدة «لا رهن إلّا مقبوضا».

و فيها جهات من البحث:

[الجهة] الأولى في مدركها

و هو أمور:

الأوّل: قوله تعالى فَرِهٰانٌ مَقْبُوضَةٌ (2).

الثاني: رواية محمّد بن قيس عن ابي جعفر (عليه السّلام) قال: «لا رهن إلّا مقبوضا». (3)

و ما رواه العيّاشي في تفسيره، عن محمّد بن عيسى، عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال:

«لا رهن إلّا مقبوضا» (4).

____________

(1) «ترجمه و تحقيق قاعدة فقهي لا رهن إلّا مقبوضا»، بررسى راشدي فرد، (ماجستير)، كلّية الهيات، جامعة طهران، 1373.

(2). البقرة (2): آية 283.

(3). «تهذيب الأحكام» ج 7، ص 176، ح 779، باب الرهن، ح 36، «وسائل الشيعة» ج 13، ص 123، أبواب كتاب الرهن، باب 3، ح 1.

(4). «تفسير العيّاشي» ج 1، ص 156، ح 525، «وسائل الشيعة» ج 13، ص 124، أبواب كتاب الرهن، باب 3، ح 2.

10

الجهة الثانية في بيان المراد من هذه القاعدة

ظاهر هذه الجملة في الرواية نفي حقيقة الرهن بدون القبض، كما هو شأن لا النافية للجنس، فبناء على ذلك يكون القبض من مقوّمات حقيقة الرهن، و بدونه لا يتحقّق الرهن.

و لا بدّ في توضيح المرام من بيان أمور:

الأوّل: بيان حقيقة الرهن عرفا و شرعا.

فنقول: قد عرّفه بعض بأنّه وثيقة لدين المرتهن (1). و هذا التعريف له مأخوذ من المعنى اللغوي، إذ هو في اللغة عبارة عن وضع شيء عند شخص ليكون نائبا عمّا أخذ منه، و هذا عبارة أخرى عمّا ذكر في القاموس في معنى الرهن، قال فيه: الرهن ما وضع عندك لينوب مناب ما أخذ منك (2).

و أنت خبير بأنّ مرجع هذا إلى التعريف المذكور، و ينطبق على أخذ المرتهن الوثيقة من المديون لدينه.

و أيضا يقول في القاموس: و كلّ ما احتبس به شيء فرهينة. (3) و هذا أيضا يرجع إلى ذلك التعريف.

و الى ما ذكرنا يرجع ما ذكروه من الحبس، و الدوام، و الثبات في سائر كتب اللغة (4).

...

____________

(1) «شرائع الإسلام» ج 2، ص 75، «جواهر الكلام» ج 25، ص 94. و نسبه في «مجمع البحرين» ج 6، ص 258 إلى عرف الفقهاء

(2). «القاموس المحيط» ج 4، ص 327 (رهن)

(3). المصدر

(4). انظر: «المصباح المنير» ص 242، «الصحاح» ج 5، ص 2129 (رهن).

11

و هذا المعنى اللغوي الذي ذكرناه هو المتفاهم العرفي من هذه الكلمة أيضا، فمن موارد اتّفاق العرف و اللغة بل الشرع أيضا.

و خلاصة الكلام: أنّ الرهن شرعا و عرفا و لغة عبارة عمّا يستوثق به المرتهن الدائن من ماله، و قد ورد هذا المعنى في باب جواز الارتهان و الاستيثاق من ماله في عدة روايات:

منها: رواية عبد اللّه بن سنان قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن السلم في الحيوان و الطعام و يرتهن الرجل بماله رهنا، قال: «نعم استوثق من مالك» (1).

و مثله رواية داود بن سرحان عن أبي عبد اللّه (2).

و منها: رواية سماعة، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) عن الرهن يرهنه الرجل في سلم إذا أسلم في طعام أو متاع أو حيوان: فقال (عليه السّلام): «لا بأس بأن تستوثق من مالك» (3).

و روايات أخر بهذا المضمون (4).

فمنها: ما عن دعائم الإسلام عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «لا يكون الرهن إلّا مقبوضا» (5).

و قال (عليه السّلام) أيضا في رواية أخرى: «و لا بأس برهن الحلي و الطعام و الأموال كلّها

____________

(1). «الفقيه» ج 3، ص 259، باب السلف في الطعام و الحيوان و غيرهما، ح 3936، «وسائل الشيعة» ج 13، ص 121، أبواب كتاب الرهن، باب 1، ح 1.

(2). لم نعثر على رواية من داود بن سرحان بهذا المعنى، و لعلّ سها قلمه الشريف حيث جاء في الوسائل بعد نقل رواية محمد بن مسلم: «و بإسناده عن داود بن سرحان. مثله». أنظر: «وسائل الشيعة» ج 13، ص 121، أبواب كتاب الرهن، باب 1، ذيل ج 2.

(3). «الفقيه» ج 3، ص 261، باب السلف في الطعام و الحيوان و غيرهما، ح 3942، «تهذيب الأحكام» ج 7، ص 42، ح 179، باب بيع المضمون، ح 67، «وسائل الشيعة» ج 13، ص 121، أبواب كتاب الرهن، باب 1، ح 4.

(4). «وسائل الشيعة» ج 13، ص 121، أبواب كتاب الرهن، باب 1.

(5). «دعائم الإسلام» ج 2، ص 82، ح 244، «مستدرك الوسائل» ج 13، ص 419، أبواب كتاب الرهن، باب 3، ح 1.

12

إذا قبضت و إن لم تقبض فليس برهن» (1).

و عرّفه بعض بأنّه عبارة عن دفع العين للاستيثاق على الدين (2). و قيل بأنّه عقد شرع للاستيثاق على الدين.

و كلّ هذه التعاريف يرجع إلى معنى واحد، و هو أنّه بالمعنى الاسم المصدري هو المعنى الأوّل، و سائر التعاريف إمّا لبيان المعنى المصدري، أو لبيان ما ينشئ به هذا المعنى. و لا يهمّنا بيانها و شرحها و النقض و الإبرام فيها بعد وضوح المقصود منها.

و أمّا «القبض» و أنّه ما المراد منه؟ و إن بسطوا الكلام فيه في الكتب المفصّلة، و لكنّ الظاهر أنّه لا يحتاج إلى هذا التطويل.

لأنّ الظاهر من هذه الكلمة التي جعلها الشارع موضوعا لأحكام- من قبيل كون تلف المبيع قبل تحقّقه للمشتري من مال بائعه، أو قالوا بشرطيته في صحّة السلم و السلف، أو بشرطيّته في صحّة الهبة و أمثال ذلك- هو كون المقبوض تحت سيطرة القابض، بحيث أن يكون له منع كلّ أحد من التصرّف فيه.

فمعنى قوله (عليه السّلام): «لا رهن إلّا مقبوضا» عدم تحقّق الرهن شرعا قبل أن يكون مقبوضا للمرتهن، أي لا يترتّب عليه آثار الرهن الصحيح و أحكامه إلّا بعد أن يقبض المرتهن العين المرهونة عن الراهن، و يخرج عن تحت سلطنة الراهن و يدخل تحت سيطرة المرتهن.

ثمَّ إنّه وقع الكلام في أنّ القبض على تقدير اشتراط الرهن به هل دخيل في ماهيّته و حقيقته، أو شرط شرعي لصحّته من دون دخله في تحقّق حقيقته و ماهيّته، أو شرط للزومه؟

____________

(1). «دعائم الإسلام» ج 2، ص 82، ح 245، «مستدرك الوسائل» ج 13، ص 419، أبواب كتاب الرهن، باب 3، ح 2.

(2). «تذكرة الفقهاء» ج 2، ص 11.

13

فبناء على الأوّل لا يتحقّق مسمّى الرهن لغة و عرفا إلّا بعد حصول القبض من طرف المرتهن.

و بناء على الثاني يحصل المسمّى بدونه، و لكن شرعا لا يترتّب آثار الشرعيّة عليه إلّا بعد حصول القبض.

و بناء على الثالث- هو عدم اشتراط الرهن بالقبض أصلا لا مسمّاه و لا صحّته بل لزومه فقط- فالرهن قبل القبض صحيح و تترتب عليه آثاره إلّا أنّه جائز لكلّ واحد من الراهن و المرتهن و لا يحصل اللزوم إلّا بالقبض.

و هناك قول آخر و هو عدم دخل القبض لا في صحّته و لا في لزومه، و هو المحكي عن جماعة من أعاظم الفقهاء منهم الشيخ (قدّس سرّه) في أحد قوليه (1)، و العلّامة (2)، و ولده (3)، و ابن إدريس (4)، و المحقّق (5) و الشهيد (6) الثانيان، و جماعة أخرى (7)، بل نسبه في السرائر إلى أكثر المحصّلين (8)، و في كنز العرفان إلى المحقّقين (9).

أمّا القول الأوّل أي كون القبض داخلا في ماهية الرهن و حقيقته و مسمّاه، فيوجّه بأنّ حقيقة الرهن هو كون الشيء وثيقة عنده لحفظ ماله، بحيث لو لم يؤدّ المديون يستوفي دينه منه، فلا يذهب ماله من البين.

و أنت خبير بأنّ هذا المعنى لا يتحقّق إلّا بالقبض الخارجي لا باستحقاق القبض

____________

(1). «الخلاف» ج 3، ص 223، المسألة: 5.

(2). «مختلف الشيعة» ج 5، ص 417.

(3). «إيضاح الفوائد» ج 2، ص 25.

(4). «السرائر» ج 2، ص 417.

(5). «جامع المقاصد» ج 5، ص 94.

(6). «المسالك» ج 1، ص 225.

(7). «جواهر الكلام» ج 25، ص 99.

(8). «السرائر» ج 12، ص 417.

(9). كنز العرفان، ج 2، ص 60.

14

لانّه ليس بأزيد من استحقاق الدين على المديون.

و بعبارة أخرى: كونه وثيقة عنده مناف مع عدم كونه مقبوضا له و كونه خارجا عن تحت يده و سلطانه.

و فيه: أنّ الرهن من العقود العهديّة، و هو عبارة عن التعاهد بينهما أي الدائن و المديون أن يكون الشيء الفلاني وثيقة دينه، و القبض من طرف المرتهن و إقباض الراهن خارجا من آثار ذلك العقد و التعاهد، و أحكامه كسائر العقود و المعاملات.

مثلا البيع عبارة عن التعاهد بين مالك المبيع و المشتري بأن تكون العين الفلاني ملكا للمشتري بإزاء ما يعطى للبائع من الثمن، و أمّا قبض المشتري للمبيع أو قبض البائع للثمن فمن آثار تلك المعاملة، بمعنى أنّه يجب على كلّ واحد من المتعاملين إقباض ما ملكه للآخر له، لا أنّ القبض و الإقباض جزء حقيقة البيع.

و هكذا الأمر في سائر العقود المملكة و غيرها كالنكاح مثلا، فإنّ تمكين الزوجة للبضع ليس داخلا في حقيقة النكاح بل هو من آثاره و أحكامه، فحقيقة الرهن و ماهيته تحصل بنفس العقد الجامع لشرائطه التي نذكرها عمّا قريب إن شاء اللّه تعالى.

و أمّا القول الأخير، أي عدم اشتراط صحّة الرهن بالقبض بل بعد وقوع العقد صحيحا و من أحكامه وجوب اقباض الراهن العين المرهونة للمرتهن من دون توقّف صحّته على القبض.

فيردّه الأخبار المتقدّمة، و عمدتها قوله (عليه السّلام): «لا رهن إلّا مقبوضا» في رواية محمّد بن قيس (1).

و قوله (عليه السّلام) فيما رواه في دعائم الإسلام: «و إن لم يقبض فليس برهن» (2).

____________

(1). تقدّم في ص 9، رقم (2).

(2). تقدّم في ص 12، رقم (1).

15

و يمكن أيضا الاستدلال بظاهر قوله تعالى فَرِهٰانٌ مَقْبُوضَةٌ (1).

لأنّه إن لم يكن القبض دخيلا في صحّة الرهن يلزم ان يكون القيد مستدركا، و كون القيد للإرشاد إلى أنّ كمال التوثّق لا تحصل بدونه خلاف ظاهر التقييد، بل ظاهره أنّ الرهن المشروع هو أن تكون العين المرهونة مقبوضا.

و أيضا يدلّ على اشتراط صحّة الرهن بالقبض ما رواه العيّاشي في تفسيره عن محمّد بن عيسى، و قد تقدّم.

و يؤيّد ما ذكرنا حكاية الجواهر عن الطبرسي الإجماع على الاشتراط (2).

فبناء على ما ذكرنا يكون أصحّ الأقوال هو القول الثاني، أي كونه شرطا لصحة الرهن.

فيتفرع على هذا فروع.

منها: أنّه لو قبضه من غير إذن الراهن لا يصحّ الرهن

، لكونه بدون إذنه يكون قبضا غير مشروع، و يكون وجوده كالعدم.

و ذلك من جهة أنّ القبض بناء على هذا يكون كالقبض في الصرف من متمّمات العقد، و به يكون العقد صحيحا و مؤثّرا، و قبله لا أثر له و لا استحقاق للمرتهن، فيكون قبضه و أخذه قبل ذلك تصرّفا في مال الغير بدون إذنه و طيب نفسه، فيكون حراما، فلا يترتّب عليه الأثر.

و كذلك لو أذن في قبضه لكن رجع عن إذنه قبل أن يقبض المرتهن، أي قبض المرتهن بعد رجوع الراهن عن إذنه يكون كالعدم، لأنّه بعد رجوعه ينعدم الإذن

____________

(1). البقرة (2): 283.

(2). «جواهر الكلام» ج 25، ص 99.

16

فيكون من قبيل القبض بدون الإذن.

نعم لو كان الرجوع عن إذنه بعد قبض المرتهن فلا أثر لرجوعه، لأنّ رجوعه يكون بعد تماميّة العقد و صيرورة المرتهن ذا حقّ، لوقوع العقد صحيحا بعد الإذن و وجود آثاره التي منها صيرورة المرتهن ذا حقّ على العين المرهونة، و رجوعه بعد ذلك ليس من أسباب سقوط حقّه.

و منها: أنّه لو مات الراهن، أو جنّ، أو أغمي عليه قبل القبض و بعد وقوع العقد،

فلو قلنا بأنّ القبض شرط صحّة العقد- كما اخترناه- فلا يصحّ العقد، بل يبطل و لا يكون له أثر.

أمّا بناء على أن يكون شرط اللزوم لا الصحّة، فهل يبطل بوقوع أحد هذه الأمور، لأنّه بناء على هذا يكون من قبيل العقود الجائزة التي تبطل بخروج أحد المتعاقدين عن صلاحيّة كونه طرفا للمعاملة بأحد هذه الأمور أو بغيرها.

و السرّ في ذلك: أنّ العقود الجائزة متقوّمة بالإذن، و لذلك قد يعبّر عنها بالعقود الإذنيّة، فإذا خرج عن صلاحيّة الإذن بموت أو جنون أو إغماء أو غير ذلك، فلا يبقى إذن فيكون باطلا قهرا، أو لا يبطل و يرجع أمره إلى وليّه أو وارثه، فإن أقبض أو أذن في القبض يكون صحيحا، و إلّا يكون باطلا؟

و الظاهر هو الثاني، لأنّ المفروض أنّ عقد الرهن وقع صحيحا و ترتّب عليه آثاره، أي صارت عين المرهونة وثيقة عند المرتهن، و لا تخرج عن كونها وثيقة إلّا بفسخ الراهن، أو من يقوم مقامه عن وليّه أو وارثه، فالبطلان لا وجه له.

و قياسه على العقود الجائزة بالذات، كالوكالة و العارية و الوديعة لا وجه له، لما ذكرنا من أنّها متقوّمة بالإذن و إذا خرج عن صلاحيّة الإذن فبقاء يبقى بلا إذن، و لا يمكن بقاؤه بدون الإذن.

و ما نحن فيه ليس كذلك، بل بناء على أن يكون القبض شرط اللزوم لا الصحّة

17

فالرهن صحيح و لكن ليس بلازم، فيكون كالمعاملة اللازمة التي فيها الخيار، فيجوز للوارث أو الولي فسخه، و هذا غير بطلانه بنفسه من دون الفسخ.

و أمّا التفصيل بين موت الراهن و المرتهن ببطلانه في الأوّل، و انتقال حقّ القبض إلى الورثة في الثاني، بأن يقال: إنّ العين المرهونة وثيقة الدين، و الدين باق، فلورثة المرتهن حقّ استيفاء الرهن للاستيثاق من مالهم فهذا حقّ ينتقل إليهم. و أمّا الراهن إذا مات فينتقل المال إلى ورثته و ليس للمرتهن حقّ عليهم، و المفروض أنّ الرهن غير لازم، لأنّ القبض شرط اللزوم و لم يحصل فقهرا يبطل الرهن.

ففيه: أنّ هذا المال، أي العين المرهونة وقع متعلّقا لحقّ المرتهن لصحّة الرهن على الفرض، فله حقّ الإبقاء ما لم يفسخ ورثة الراهن، و لا يبطل من عند نفسه. و جواز فسخهم لأجل أنّ المفروض أنّ القبض شرط اللزوم و هو لم يحصل، و إلّا مقتضى كون الرهينة متعلّقة لحقّ المرتهن عدم جواز استرجاعهم لها، لأنّه تصرف ينافي حقّ الغير و إتلاف له، فلا فرق بين موت الراهن و المرتهن.

فرع: لو قبض المرتهن الرهن ثمَّ أخذه الراهن

بإذن من المرتهن أو بدون إذنه، أو صار في يد غيرهما بإذن منهما أو بدون الإذن، لا يبطل الرهن و إن قلنا بأنّ القبض شرط في صحّة الرهن.

و ذلك لأنّ الشرط حصول القبض لا استدامته و قد حصل. و كذلك لو قلنا بأنّه شرط للزومه لا لصحّته، فاللزوم يحصل أيضا بتحقّق القبض و لا يعتبر دوامه.

و ادّعى في الجواهر عدم وجدانه الخلاف في هذا الحكم، و قال بعد ذلك: بل الإجماع بقسميه عليه، بل لعلّ المحكي منهما مستفيض أو متواتر (1). نعم للمرتهن استحقاق مطالبته ممّن كان بيده، لأنّه متعلّق حقّه و لا يسقط حقّه بصيرورته في يد

____________

(1). «جواهر الكلام» ج 25، ص 108.

18

غيره، سواء كان بإذنه أو بدون إذنه.

و على كلّ حال ليس استدامة القبض شرطا للصحّة، و إن قلنا بأنّ أصل القبض شرطا لها، للأدلّة المقدّمة من الآية و الروايات و الإجماعات.

و ذلك لما ذكرنا من تحقّق الإجماع على عدم شرطيّة الاستدامة، بل يكفي في تحقّق الصحّة أصل وجود القبض، فلو عاد الرهن إلى الراهن أو تصرّف فيه تصرّفا لا ينافي كونه رهنا لم يخرج عن حقّ الرهانة، لعدم ما هو مسقط لهذا الحقّ بمثل هذه الأمور.

فرع: و لو رهن ما هو في يد المرتهن و تحت استيلائه

، و لو كانت يده و استيلاؤه غصبا لزم الرهن، سواء قلنا بأنّ القبض شرط للصحّة أو شرط للزوم، و ذلك لحصول الشرط أي القبض، فأخذه من المرتهن و إقباضه له ثانيا يكون من قبيل تحصيل الحاصل.

و لا ينافي ذلك ما تقدّم مت عدم صحّة الرهن لو كان القبض بدون إذن الراهن، لأن القبض بدون الإذن بمنزلة العدم، خصوصا على تقدير كونه في يد المرتهن غصبا، أي غصبه بعد عقد الرهن لا ما غصبه قبل الرهن، لأنّه في الأخير إذا ورد الرهن على ما هو المغصوب يخرج عن كونه غصبا للزومه مع الرضا بالبقاء، و ذلك لملازمة إرهان ما في يد المرتهن سواء كان غصبا أو وديعة أو عارية مع الإذن و الرضا بكونه في يده بقاء أي من حين وقوع الرهن، فلا يحتاج إلى الأخذ و إقباضه من جديد، لما ذكرنا من كونه من قبيل تحصيل الحاصل.

و إلّا لو لم يكن كما ذكرنا، و كان الرضا و الإذن بقاء أيضا بمنزلة العدم، فلا يفيد في تصحيح الرهن ما ذكره صاحب الجواهر (قدّس سرّه) من عدم تناول دليل شرطية القبض لمثل المقام (1).

____________

(1). «جواهر الكلام» ج 25، ص 109.

19

لأنّه بعد أن فرضنا أنّ مثل هذا القبض بمنزلة العدم في نظر الشارع مع أنّ القبض شرط شرعي لصحّة الرهن، فكيف يمكن القول بعدم تناول دليل الشرطيّة لمثل المقام، و هل هذا إلّا التناقض؟!

فرع: لو رهن مالا غائبا عن مجلس الرهن

، و قال مثلا أرهنتك المال الفلاني الموجود في بلد آخر غير البلد الذي هما فيه، فلا يتحقّق الرهن شرعا إلّا بإقباض نفسه ذلك المال للمرتهن، أو بإقباض وكيله إن قلنا بأنّ القبض شرط الصحّة، و لا يصير لازما إلّا بإقباضه كذلك هو، أو وكيله إن قلنا بأنّه شرط اللزوم.

و ذلك من جهة أنّ القبض الذي قلنا أنّه شرط الصحّة أو اللزوم عبارة عن استيلاء القابض و وقوعه تحت يده و سيطرته، فما دام الرهن يكون غائبا كيف يستولي عليه كي يحصل القبض.

نعم لو كان للمرتهن وكيل في بلد المال و يأمره قبض المال هناك خصوصا إذا كان للراهن أيضا وكيل يقبضه إيّاه، فلا شكّ في حصول القبض. و لكن هذا الفرض خارج عن محلّ الكلام.

و أيضا لو كان هذا المال قبل إيقاع عقد الرهن في قبض المرتهن فأوقعا الرهن فلا يحتاج إلى قبض جديد، و إن كان فعلا حال وقوع الرهن غائبا. و لكن هذا أيضا خارج عن محلّ الكلام.

و ذلك لما تقدّم أنّ هذا من قبيل استدامة قبض الحاصل، فيكون تجديده من قبيل تحصيل الحاصل، فحيث أنّه مع غياب الرهن عن مجلس عقد الرهن لا يمكن تحقّق القبض المعتبر في صحّته أو لزومه، إلّا في الموارد التي ذكرنا خروجها عن محلّ البحث، فلا يصحّ أو لا يكون لازما على القولين في اعتباره فيه.

20

فرع: لو كان ما جعله رهنا مشاعا فلا يجوز تسليمه إلى المرتهن إلّا برضاء شريكه

، لأنّه تصرّف في مال الغير فلا يجوز بدون رضاه، نعم لو كان المرتهن هو نفس الشريك فلا يأتي هذا، و هو واضح.

ثمَّ إنّ الراهن لو سلّمه إلى المرتهن، فهل يحصل القبض بذلك و إن أثم بتسليم حصّة الغير بدون إذنه و رضاه، أم لا؟ لا يبعد كفاية ذلك في حصول القبض المعتبر في الصحّة أو اللزوم، للصدق العرفي و حصول الاستيثاق، غاية الأمر لا يجوز للمرتهن التصرّف فيه بدون إذن شريك الراهن، كما أنّه كان لا يجوز له التصرّف فيه بدون إذن الراهن أيضا و إن كان له وحدة.

و لا فرق فيما ذكرنا بين أن يكون مال المشاع المذكور منقولا أو غير منقول، و أمّا كون التسليم ممنوعا شرعا و المانع الشرعي كالمانع العقلي فكأنّه لم يسلم.

ففيه: أنّ الممنوع شرعا هو تسليم حصّة الشريك، و هذا منهي عنه و حرام، فمتعلّق الحرمة و الجواز في الحقيقة شيئان و إن كانا يوجدان بفعل واحد، و لذلك لو باع هذا المال المشاع يصحّ في حصّة نفسه، و يكون فضوليّا بالنسبة إلى حصّة الآخر، فلا مانع من وقوع القبض الصحيح و إن صدر منه حرام أيضا. نعم لو كان الإقباض عبادة لما يقع لانضمامه مع المحرّم، فلا يمكن فيه قصد القربة مع الالتفات إلى انضمامه على ما هو محرّم، لأنّه من قبيل باب اجتماع الأمر و النهي بناء على كون التركيب بين متعلّقيهما انضماميّا.

و ما ذكرنا بناء على دلالة النهي في المعاملات على الفساد، و أمّا بناء على العدم فالقبض و إن كان منهيّا عنه لكنّه صحيح، فيترتّب عليه أثره و هو اللزوم أو الصحة بناء على القولين في المسألة.

هذا كلّه لو كان القابض هو نفس المرتهن الذي هو غير الشريك، أمّا لو وكّل الشريك في القبض، أو كان المرتهن هو نفس الشريك فلا مانع و يحل القبض الصحيح

21

قطعا، و السرّ فيه واضح لا يحتاج إلى البيان و الإيضاح.

فرع: لا إشكال في صحّة رهن الأعيان المملوكة

التي يصحّ بيعها و يمكن قبضها، سواء كانت مشاعة أو منفردة.

أمّا لو رهن دينا فهل ينعقد، أم لا؟

فيه خلاف، و المشهور قائلون بعدم الصحّة، بل ادّعى عليه الإجماع في السرائر (1)، و الغنية (2).

و عمدة ما ذكروا في وجه عدم صحة جعل الدين رهنا بعد الإجماع انصراف أدلّة اعتبار القبض في صحة الرهن أو لزومه عن مثل التديّن قبل قبضه، فقوله (عليه السّلام):

«لا رهن إلّا مقبوضا» و كذلك قوله تعالى فَرِهٰانٌ مَقْبُوضَةٌ لا يشمل رهن الدين قبل قبضه.

و أمّا بناء على عدم اعتبار القبض لا في الصحّة و لا في اللزوم، فالعمدة فيه أنّ الرهن بعد ما كان الغرض من تشريعه الاستيثاق من ماله و دينه- كما هو وارد في أدلّة تشريعه من الروايات المتعدّدة أنّه (عليه السّلام) يقول: «لا بأس به استوثق من مالك» (3)- فلا بدّ و أن يكون فيما يمكن قبضه قبضا حسّيا، و إن لم يكن القبض فعلا شرطا في صحّته أو لزومه، و لذلك ترى أنّ القائلين بعدم اعتبار القبض لا في صحّته و لا في لزومه يقولون مع ذلك باشتراط كونه عينا، و هم كثيرون.

و إذا كان الأمر كذلك و انصرف عقد الرهن إلى ما يمكن قبضه قبضا حسّيا- إذ لا شكّ في أنّ الغرض من الرهن الذي هو الاستيثاق من دين المرتهن يحصل من العين

____________

(1). «السرائر» ج 2، ص 417.

(2). «الغنية» ضمن «الجوامع الفقهيّة» ص 592.

(3). «وسائل الشيعة» ج 13، ص 121، أبواب كتاب الرهن، باب 1، ح 1 و 4 و 9.

22

لا من الدين إلّا قليلا- فدليل أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (1) لا يشمل غير مورد ما يمكن قبضه قبضا حسّيا.

ثمَّ إنّهم ذكروا هاهنا وجوها للزوم كون المرهون عينا خارجيّا، كلّها غير خال عن الخلل و لذلك تركنا ذكرها.

فرع: لا يجوز رهن ما لا يملك كالخمر و الخنزير

لعدم حصول الغرض عن الرهن به، إذ الغرض من الرهن استيفاء المرتهن دينه من العين المرهونة عند عدم إمكان الوصول إلى الراهن، و هذا لا يمكن فيما لا يملك. و كذلك فيما لا يملكه الراهن بدون اجازة مالكه، لعين ما ذكرنا من عدم استيفاء دينه منه بدون إجازة مالكه. و كذا لا يجوز رهن الحرّ لعين الدليل، أي لعدم جواز بيعه. و كذا لا يجوز رهن الوقف لعدم جواز بيعه.

و كذا لا يجوز رهن الأراضي الخراجيّة لعدم جواز بيعها.

نعم لو كانت فيها آثار من الأبنية و الأشجار، و قلنا بجواز بيعها تبعا للآثار، فلا مانع من الإرهان بها أو جعل نفس الآثار الموجودة فيها رهنا دون الأراضي المشغولة بها، فلا مانع.

و خلاصة الكلام: أنّ الغرض من تشريع الرهن هو أنّه لو امتنع الاستيفاء من الراهن لفلس أو لغيره يستوفي المرتهن دينه من العين المرهونة، فلا بدّ و أن يكون قابلا للبيع كي يستوفي منه، فكلّ ما لا يصحّ بيعه لأحد الأسباب المذكورة أو لغيرها فلا يصحّ رهنه.

فرع: و لو رهن ما هو المشاع بينه و بين غيره في عقد واحد

نفذ في حصّته، و يقف في حصّة الغير على إجازته، و يكون حال ما لو رهن مال لمنفرد مع مال آخر لآخر في عقد واحد.

____________

(1). المائدة (5): 1.

23

و الإشكال عليه- بأنّ العقد واحد، فلا يمكن أن يكون بالنسبة إلى بعض العين المرهونة أو بالنسبة إلى إحدى العينين صحيحا، و بالنسبة إلى البعض الآخر أو العين الأخرى باطلا أو موقوفا على إجازة المالك- ليس إلّا الإشكال المعروف في تبعّض الصفقة في البيع، و الجواب في كلا المقامين واحد، و هو انحلال العقد بالنسبة إلى كلّ من المبيع و المرهون.

فرع: الظاهر عدم جواز رهن المصحف أو العبد المسلم عند الكافر

. لقوله تعالى لَنْ يَجْعَلَ اللّٰهُ لِلْكٰافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (1) في رهن العبد.

و أمّا المصحف فإنّه و إن لم يرد فيه نصّ في المقام و لا في باب البيع إلّا أنّ الأصحاب تمسّكوا لعدم جواز بيعه من الكافر و كذلك رهنه بالأولويّة القطعيّة.

و الإنصاف أنّه كذلك، لأنّ تسلّط الكافر على القرآن أعظم وهنا للإسلام من تسلّطه على العبد المسلم، بل يمكن أن يقال بعدم جواز بيع كتب الأحاديث المرويّة عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أو عن أحد الأئمّة المعصومين، و كتب الأدعية و الزيارات ككتاب الصحيفة السجادية و أمثالها.

و أمّا ما ذكره بعض أعاظم الفقهاء و الأساطين كالشيخ (2)، و المحقّق (3)، و العلّامة (4)، و الشهيدين (5) من أنّه يصحّ رهن ما ذكر، و يوضع على يد مسلم فرارا من تسلّط الكافر عليه، لأنّ استيفاء الكافر دينه ببيع المسلم أي المالك أو من يأمره المالك بذلك، و مثل هذا لا يعدّ من تسلّط الكافر على المذكورات، و ليس سبيلا منه عليها.

____________

(1). النساء (4): 141.

(2). «المبسوط» ج 2، ص 232.

(3). «شرائع الإسلام» ج 2، ص 77.

(4). «قواعد الأحكام» ج 1، ص 158.

(5). الشهيد الأوّل في «الدروس» ج 3، ص 390، و الشهيد الثاني في «المسالك» ج 1، ص 227.

24

فيه: أنّه لا شبهة في أنّ الرهن يوجب ثبوت حقّ للمرتهن على المرهون المسمّى بحقّ الرهانة، و هو الذي يكون سببا لمنع المالك عن التصرّفات في العين المرهونة.

و يمكن أن يقال ثبوت مثل هذا الحقّ للكافر على العبد المسلم سبيل عليه، كما أنّ ثبوته على المصحف يكون أيضا كذلك، سواء كانت العين المرهونة في يد مسلم، أو كانت في يد نفس الكافر.

فرع: لو رهن ما يسرع إليه الفساد- أي قبل حلول الدين

- فتارة يمكن منع تطرّق الفساد إليه، و أخرى لا يمكن. أمّا في الصورة الأولى فالرهن صحيح، غاية الأمر يجب على الراهن إصلاحه و المنع عن تطرّق الفساد إليه، و ذلك لأنّ مئونة حفظ ماله عليه. و أمّا في الصورة الثانية فإن اشترط على الراهن جواز بيعه عند ما أحسّ بأنّه لو بقي يتطرّق إليه الفساد و يستوفي دينه عن الثمن، أو يجعل ثمنه رهنا عنده، فلا مانع أيضا لحصول الاستيثاق بذلك، كما أنّه لو شرط الراهن عدم بيعه فباطل.

و أمّا لو لم يكن شرط في البين من الطرفين، لا من المرتهن على البيع، و لا من الراهن على عدم البيع، فالظاهر هي الصحة و ذلك لإمكان أن يقال بأن يجبره الحاكم على البيع إن لم يكن هو نفسه مقدّما على البيع، جمعا بين الحقين، أي حقّ الراهن و المرتهن.

و لا فرق فيما ذكرنا بين أن يكون الحال معلوما قبل الرهن، أو طرأ بعد الرهن ما يقتضي فساد العين المرهونة، لأنّه على جميع التقادير يجب بيع الراهن و جعل ثمنه رهنا، جمعا و حفظا للحقّين، سواء كان سبب طروّ الفساد قبل حلول أجل الدين معلوما، أو حصل السبب بعد الرهن.

نعم في صورة شرط عدم البيع في الصورة الأولى- أي فيما إذا كان سبب إسراع الفساد معلوما من أوّل الأمر- فالأظهر هو البطلان، لأنّ ذلك الشرط خلاف ما هو

25

المقصود و الغرض من الرهن، و هو استيثاق المرتهن من ماله، فيكون الرهن باطلا من أوّل الأمر.

و أمّا في الصورة الثانية- أي فيما حصل سبب إسراع الفساد إلى العين المرهونة بعد الرهن- فلم يكن الشرط خلاف مقتضى عقد الرهن و وقع صحيحا، و الاستيثاق بقاء يحصل بإجبار الراهن على البيع و جعل بدله رهنا.

كلّ ذلك فيما إذا كان الإسراع إلى الفساد معلوما، إمّا وجدانا أو ثبت بأمارة شرعيّة و ظنّ معتبر. و أمّا الظنّ غير المعتبر فهو في حكم الشكّ، بل هو هو إلّا أن يكون بمرتبة ينافي الاستيثاق، فللمرتهن رفع أمره إلى الحاكم و إجباره على البيع و جعل ثمنه رهنا، أو المرتهن يأخذه و يبدله برهن آخر.

نعم لو شرط عدم البيع في هذه الصورة الثانية حتّى على تقدير الفساد فأيضا يكون الرهن باطلا، لأنّ هذا الشرط خلاف مقتضى عقد الرهن يقينا، فالشرط فاسد قطعا. و أمّا فساد العقد مبنى على كون الشرط الفاسد مفسدا للعقد أم لا. و لا بدّ من القول بفساد العقد في مثل هذا المقام، لأنّ هذا الشرط مناف مع ما هو مضمون العقد، فمرجع هذا الشرط إلى عدم قصد مضمون العقد.

فرع: يجوز أن لا يكون الرهن ملكا للراهن

، بل له أن يرهن مال الغير بإجازة مالكه، فيبيعه المرتهن بعد حلول أجل الدين إن لم يؤدّه الراهن المديون عصيانا أو لعدم تمكّنه من الأداء.

ثمَّ إنّه هل لمالكه الرجوع عن إذنه بعد وقوع الرهن بإذنه قبل حلول الأجل، أو بعده، أم لا؟ وجهان، بل قولان (1).

____________

(1). انظر: «جواهر الكلام» ج 25، ص 125- 126.

26

وجه الأوّل: هو أنّ المالك مسلّط على ماله، و ليس ما يوجب قصر سلطنته و عدم تمكّن رجوعه كما في موارد العارية، له أن يستردّ ماله متى شاء، و ليس ملزما ببقائه و إبقائه بملزم شرعي أو عقلي.

و وجه الثاني: هو أنّ الإذن في الشيء إذن في لوازمه، فإذنه في كونه رهنا ملازم عرفا مع التزامه بكونه عند المرتهن وثيقة لدينه الى حلول الأجل، فإذا لم يؤدّ المديون دينه- عصيانا أو لعدم تمكّنه و تعذّر الأداء لفلس أو لغيره- فله أن يبيع الرهن و يستوفي دينه منه، فمثل هذا الالتزام من لوازم الإذن في رهن ماله عرفا. و لا بدّ في حصول الغرض من الرهن من القول بلزوم هذا الالتزام و عدم جواز الرجوع عنه، و إلّا يكون الإذن و جعله رهنا لغوا و بلا فائدة، و بناء العرف و العقلاء على لزوم هذا الالتزام الضمني.

هذا غاية ما يمكن أن يقال في تقريب الوجه الثاني.

و لكن أنت خبير بأنّ هذه كلّها وجوه استحسانيّة لا يمكن رفع اليد بها عن سلطنة المالك، و إجباره على عدم التصرّف في ماله ببيع أو هبة أو ردّه إلى ما كان من محلّ استعمالاته في حوائجه. نعم لو لم يرجع عن إذنه إلى أن باعه المرتهن لاستيفاء دينه، فله الرجوع إلى الراهن المديون مخيّرا بين أخذ قيمته التي باعه المرتهن بتلك القيمة، و بين أخذ قيمته الواقعيّة.

فلو كان الثمن الذي به باع الرهن أقلّ من قيمته الواقعيّة، فله الرجوع إلى الراهن بقيمته الواقعيّة، كما أنّه لو كان الثمن أزيد من قيمته الواقعيّة له أخذ الثمن، و الوجه في جميع الصور معلوم.

فرع: لو رهن عصيرا فصار خمرا عند المرتهن فلا شكّ في زوال ملكيّة الراهن،

لأنّ الشارع أسقط ماليّة الخمر و ملكيّته و لكن حقّ الاختصاص باق، فله تخليله

27

و منع غيره عنه، فإن كان لهذا الحقّ اعتبار عند العقلاء بحيث يمكن أن يكون وثيقة لدين المرتهن فلا يبطل الرهن و يبقى وثيقة عنده، و أمّا إذا لم يكن قابلا للاستيثاق به فبقاؤه هنا لا معنى له و يكون لغوا، فهل للمرتهن مطالبة عوضه كي يكون رهنا عنده أم لا؟

الظاهر أنّه ليس له مطالبة ذلك، لأنّ الذي وقع عليه الرهن صار تالفا أو بمنزلة التالف، و لم يشترط المرتهن أن يعوّضه شيئا آخر يكون رهنا عند تلف الأوّل بدلا له، فليس في البين شيء آخر يلزم الراهن بذلك.

نعم لو انقلب إلى الخلّ بعد ما صار خمرا فهل يبقى على كونه رهنا، أو يعود رهنا بعد ما خرج، أو كونه رهنا يحتاج إلى عقد جديد لبطلان العقد الأوّل لعدم بقاء موضوعه و هو ملكيّة العين المرهونة و الزائل لا يعود؟ وجهان.

وجه بقائه رهنا هو أن الملكيّة و إن زالت لإسقاط الشارع ماليّة الخمر، و لكن حقّ الأولويّة باق، و لذا لو أخذه بدون رضاء المالك يكون غصبا، فإن رجع إلى كونه مالا يرجع إلى كونه ملكا لمن زال ملكيّته، فكذلك بالنسبة إلى كونه رهنا أنّها تعود إلى حالتها الأولى، و كونها رهنا بعد زوال تلك الحالة بواسطة إسقاط الشارع ماليّتها.

و بعبارة أخرى نقول: فكما أنّ الأولويّة باعتبار الملك باقية و إن خرجت عن الملك، فيعود إلى كونها ملكا له بعد عودها إلى الملكيّة بواسطة صيرورتها مالا، فكذلك باقية باعتبار كونها وثيقة و رهنا و إن خرجت عن كونها وثيقة و رهنا بواسطة سقوطها عن الملكيّة، فتعود بعودها إلى الملكيّة.

و فيه: أنّ هذا قياس مع الفارق، و الفرق هو أنّ الملكيّة، لا تزول بجميع مراتبها، بل تبقى مرتبة ضعيفة منها تسمّى بالأولويّة، و لذلك لو أخذه غيره منه بدون إذنه أو رضائه يكون غصبا، و لذلك لو عاد ماليّته يصير ما كان مملوكا له بالمرتبة الضعيفة ملكا تامّا قابلا لجميع التصرّفات الجائزة تكوينا و تشريعا، بخلاف الوثاقة و الرهانة

28

فإنّها تزول بجميع مراتبها و لا يبقى منها شيء، فلا بدّ لرجوعها من سبب جديد.

اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ التوثّق أيضا لا يزول بجميع مراتبه، بل تبقى مرتبة ضعيفة منه و هي إمكان تحصيل ماله و دينه منها و لو بتخليلها، و هذا عند العرف و العقلاء مرتبة من الاستيثاق من ماله، فإذا رجع إلى كونه ملكا يرجع إلى كونه رهنا و وثيقة تامّة.

هذا وجه بقائه.

و أمّا وجه عدم بقائه هو زوال الملكيّة، فقهرا يزول كونها رهنا و وثيقة. و ممّا ذكرنا يظهر لك ما هو الحقّ في المقام، و هو بقاء مرتبة من الاستيثاق بعد أن صار العصير المرهون خمرا، بل المعروف هو أنّ كلّ عصير أرادوا أن يجعلوه خلّا صار أوّلا خمرا ثمَّ يصير خلّا، فلو قلنا إنّ الرهانة تزول بصيرورة العصير خمرا و لا تعود بصيرورته خلّا، يلزم منه عدم صحة جعل العصير- الذي بناؤهم على جعله خلّا- رهنا من أوّل الأمر، لكونه لغوا لأنّه تزول و لا تعود، و هو ممّا لا يمكن الالتزام به.

فرع: لو رهن على دينه مالا، ثمَّ استدان من ذلك المرتهن دينا آخر

، جاز جعل ذلك الرهن رهنا على الدين الثاني أيضا، فيكون رهنا على الاثنين. و لا فرق في ذلك بين أن يكون الدين الثاني مساويا مع الدين الأوّل في القدر و الجنس، أو مخالفا معه في الاثنين، أو في أحدهما.

و ذلك من جهة أنّه كان له من أوّل الأمر أن يجعله رهنا على دينين في ذمّته لشخص، فكذلك لا مانع من جعله رهنا عليهما بالتقديم و التأخير بأن يجعله على أحدهما ثمَّ يجعله على الآخر فيما بعد. و لا فرق أيضا بين أن يكون الدينان كلاهما موجودين في زمان الرهن الأوّل، أو وجد الثاني بعد الرهن الأوّل كما هو المفروض و المذكور في المقام، و جميع ذلك لعدم التنافي بين كونه رهنا أوّلا، و بين جعله رهنا ثانيا على الدين الثاني.

29

إن قلت: إذا امتنع الراهن من أداء دينه الأوّل مثلا، أو أفلس، فحيث يجوز بيع الرهن لاستيفاء حقه فلو لم يزد قيمة الرهن على الدين الأوّل فلا يبقى محلّ للاستيثاق من الدين الثاني.

قلنا: أوّلا أنّه ينقض عليه بأنّه لو تلف الرهن قبل حلول الأجل أيضا لا يبقى محلّ للاستيثاق، و لا شكّ في صحّة الرهن و إن تلف فيما بعد، و لا يشترط في صحّة بقاء العين المرهونة إلى زمان حلول الأجل و إمكان استيفاء الدين ببيعها.

و ثانيا: بأنّه يجوز جعلها رهنا على الاثنين من أوّل الأمر بعقد واحد يقينا و بلا خلاف، مع أنّه لا فرق في ورود هذا الإشكال بينهما، لأنّه فيما إذا كان الرهن لدينين بعقد واحد إذا حلّ أجل أحد الدينين قبل الآخر و لم يؤدّ الراهن لفلس أو غيره، فللمرتهن بيعه و استيفاء دينه منه، فلا يبقى موضوع للاستيثاق من دينه الآخر.

و ثالثا: حيث أنّ المفروض أنّ الدين الأوّل و الثاني من شخص واحد، فإذا كانت العين المرهونة قيمتها وافية بكلا الدينين فيستوفي الاثنين، و إن كانت أقلّ فيكون حاله حال الرهن الذي يكون قيمته أقلّ من الدين، و لا إشكال في صحّته إجماعا، لأنّه يستوثق بذلك الرهن شطرا من ماله.

فرع: الرهن لازم من طرف الراهن و جائز من طرف المرتهن

، و ادّعى في التذكرة الإجماع على ذلك (1) و قال في الجواهر: بلا خلاف أجده فيه (2).

و الدليل على ذلك- مضافا إلى الإجماع- أصالة اللزوم في جميع العقود العهديّة التي منها الرهن. و حيث التزم الراهن يكون ماله رهنا عند الدائن و وثيقة لماله، فالتزامه بذلك يكون برعاية حفظ مال الدائن فيكون له حقّا على المديون، فيجب

____________

(1). «تذكرة الفقهاء» ج 2، ص 12.

(2). «جواهر الكلام» ج 25، ص 221.

30

على المديون الوفاء بهذا الإلزام و الوقوف عند ما التزم به، فليس له التصرّف في العين المرهونة إلّا بإذن المرتهن و لا إتلافها و لا نقلها بالنواقل الشرعيّة المنافية لحقّ المرتهن، كلّ ذلك لأجل أنّ للمرتهن حقّ الاستيثاق من ماله بعد وقوع هذا العقد. و هذا معنى اللزوم من طرف الراهن.

و أمّا الجواز من طرف المرتهن من جهة أنّ لكلّ ذي حقّ إسقاط حقّه فللمرتهن أن يسقط حقّه- أي حقّ استيفاء دينه من الرهن- و له أن يبرئه فيسقط ما في ذمّته من الدين، فلا يبقى محلّ و موضوع للرهن.

و الحاصل: أنّ الراهن حيث التزم للمرتهن بإعطاء الوثيقة لدينه، فأخذه من المرتهن أو التصرّفات المنافية لكونه وثيقة- من إتلافه أو نقله إلى الغير- لا يجوز بدون إذن المرتهن، و إذنه في بعض الأحيان في مثل تلك التصرّفات المذكورة يكون كاشفا عن إسقاط حقّه، أو إبرائه.

ثمَّ إنّه لو أبرأه عن بعض الدين الذي وقع الرهن عليه، فهل يبطل الرهن بتمامه، أو يبقى بتمامه، أو يقسط بالنسبة إلى المقدار الباقي من الدين فيبقى، و المقدار الساقط بالإبراء فيسقط؟ وجوه، بل أقوال.

و كذلك تأتي هذه الاحتمالات أو الوجوه فيما لو أدّى بعض الورثة نصيبه من دين مورّثه، فعلى التقسيط يلزم القول بفكّ نصيبه من العين المرهونة، و على القول بعدم التقسيط و بقائه رهنا على الباقي من الدين لا ينفكّ شيء من الرهن.

و أمّا احتمال فكّ الرهن بتمامه بأداء بعض الدين أو إبراء البعض، فبعيد إلى الغاية، لأنّ الغاية من الرهن هو الاستيثاق من جميع ماله، لا من بعض دينه.

أقول: الظاهر هو التقسيط فيبطل الرهن بالنسبة إلى المقدار الذي أدّى من الدين، أو أبرأه الدائن من ذلك المقدار، و ذلك من جهة أنّ ظاهر عقد الرهانة أنّ كلّ جزء من أجزاء هذه العين المرهونة مقابل لما يماثله من أجزاء الدين المشاعة، فنصفه مقابل

31

الثلث و هكذا، بمعنى أنّ المرتهن له أن يستوفي تمام دينه من تمام هذه العين المرهونة، و نصفه من نصفه و هكذا، فإذا استوفى نصفه أو ابرأ المديون عن نصف دينه، فقهرا يبطل الرهن بالنسبة إلى ذلك المقدار، لأنّ المفروض أنّه لم يبق لذلك المقدار موضوع كي يستوفي المرتهن حقّه من الرهن فينفكّ من العين المرهونة ما هو مقابل ذلك المقدار.

و أمّا احتمال كون مجموع الرهن مقابلا لكلّ جزء من أجزاء الدين، بأن يكون كلّ جزء من أجزاء الرهن متعلّقا للدين، فهذا احتمال غير مفهوم.

لأنّه إن أريد منه تعلّق تمام الدين بكلّ جزء من أجزاء العين المرهونة فهذا غير معقول، لعدم إمكان استيفاء تمام الدين من كلّ جزء من أجزاء الرهن. و إن أريد منه أنّ تمام الدين تعلّق بالرهن بنحو الانبساط فهذا يرجع إلى ما قلنا من أنّ كلّ جزء مشاع من الدين مقابل لمثله من الأجزاء المشاعة للعين المرهونة، و هذا هو عين التقسيط. و ما ذكرنا فيما إذا كان كلّ واحد من الراهن و المرتهن واحدا.

و أمّا فيما إذا تعدّدا، فتارة يكون الراهن متعدّدا دون المرتهن، و أخرى بالعكس، و تارة كلاهما متعدّدان. و الأوّل قد يكون التعدّد من أوّل الأمر، و تارة يحصل بعد وقوع عقد الرهن و تماميّته.

أمّا الأوّل: أي فيما إذا كان الراهن متعدّدا من أوّل الأمر، كما إذا كان شريكان رهنا مالا لهما في دين عليهما، فالظاهر أنّ إطلاق الراهن ينصرف إلى كون نصيب كلّ واحد منهما رهنا لدين نفسه، فلو كان ذلك المال الذي رهناه بينهما بالسوية مثلا، أي لكلّ واحد منهما نصفه، فلو أدّى أحدهما ما عليه من الدين يفتكّ نصف ذلك الرهن. و لا ينافي ذلك كون الرهن مشاعا بينهما، لأنّ الذي يفتكّ أيضا نصفه المشاع الذي كان يملكه و جعله رهنا على دينه، فإذا أدّى دينه يخرج عن كونه رهنا قهرا.

و أمّا إذا حصل التعدّد بعد وقوع الرهن، كما إذا رهن المورّث ماله على دينه ثمَّ مات و انتقل الرهن إلى ورثته، فالمال يبقى رهنا ما لم يؤدّ الورثة دين الميّت، فيصير

32

الراهن متعدّدا حسب تعدّد الورثة.

فلو أدّى بعض الورثة نصيبه من الدين فهل يفتكّ نصيبه من المال، أم لا؟

يمكن أن يقال بعدم فكّ شيء من الرهن في هذا الفرض، و ذلك لأنّ المورّث جعل مجموع المال رهنا لمجموع الدين، فما دام شيء من الدين باقيا و لو كان جزء يسيرا لا يفتكّ شيء من الرهن، لتعلّق حقّ الدائن بمجموع العين المرهونة، و له أن يستوفي جميع دينه من هذه العين، فما لم يؤدّ الدين تماما و كان باقيا شيئا منه- و إن كان مقدارا قليلا- لا يسقط حقّه المتعلّق بالمجموع.

اللهمّ إلّا أن يقال: إنّ حقّ الدائن و إن تعلّق بالمجموع و لكن بمعنى أنّ كلّ جزء من الرهن بإزاء ما يساويه من الدين، فيكون كلّ جزء من الرهن مقابل مثله من الدين من الكسور، فنصف الرهن مقابل نصف الدين و هكذا، كما تقدّم في بيان تقسيط الدين على الرهن أو بالعكس.

و أمّا لو كان المرتهن متعدّدا دون الراهن، كما إذا رهن عند شخص فمات المرتهن و انتقل الدين إلى ورثته، فلكلّ واحد من الورثة حقّ استيفاء حصّته من الدين من مجموع الرهن كما كان لمورّثهم، فما دام لم يؤدّ الراهن حقّ جميع الورثة لا يفتكّ شيء من الرهن، إلّا على القول بالتقسيط من أوّل الأمر، أي بالنسبة إلى نفس المورّث.

فبناء على القول بالتقسيط لو أدّى حقّ بعض الورثة يفتكّ من الرهن بتلك النسبة. هذا إذا كان التعدّد حاصلا بعد وقوع الرهن كما في المثل المذكور.

و أمّا إذا كان تعدّد المرتهن من الأوّل، كما إذا استدان من اثنين فجعل مالا رهنا على كلا الدينين، فلا شبهة في تعلّق حقّ كلّ واحد من الدائنين- أي المرتهنين- بذلك المال بنسبة دينه إلى مجموع الدينين، فإن كان الدينان متساويين في المقدار من جنس واحد أو القيمة و إن كان من جنسين، فلكلّ واحد من المرتهنين حقّ استيفاء دينه من نصف الرهن. و إن كانا مختلفين بحسب القيمة فيستحقّ كلّ واحد منهما من الرهن

33

بنسبة قيمة ماله إلى مجموع القيمتين، فلو كان دين أحدهما عشرة مثلا و الآخر عشرين، فصاحب العشرة يستحقّ ثلث الرهن. و هكذا في جميع صور الاختلاف، و الوجه واضح.

فرع: الرهن أمانة مالكيّة عند المرتهن

، فيد المرتهن عليه يد أمانة لا يد ضمان، فلو تلف الرهن في يد المرتهن و بدون تعدّ و لا تفريط لا يضمن، لأنّ سبب الضمان في المفروض هي يد غير المأذونة. و في المقام ليس كذلك إذ هو أمانة مالكيّة، أي يكون عند المرتهن بإذن المالك، فيكون من قبيل العين المستأجرة التي سلمها المالك إلى المستأجر لاستيفاء المنفعة منها، و المفروض أنّه ليس تعدّ و لا تفريط في البين كي يقال بخروج اليد عن كونها أمانة و صيرورتها عادية.

فلا تكون يد المرتهن على الرهن مشمولة لقاعدة «و على اليد ما أخذت حتّى تؤديها»، لأنّ المراد باليد في تلك القاعدة هي اليد غير المأذونة، أو إذا كانت مأذونة و لكن صدر من ذي اليد تعدّ أو تفريط، و المفروض في المقام أنّ اليد مأذونة و ليس تعدّ و لا تفريط في البين، و ليس من موجبات الضمان ما هاهنا سبب و موجب آخر من إتلاف، أو تعدّ، أو تفريط، أو عقد، أو غير ذلك.

و قد حكى الإجماع من جماعة على عدم ضمان المرتهن فيما إذا تلف الرهن عنده.

قال في الجواهر- في شرح عبارة الشرائع « [الرهن] أمانة في يده لا يضمنه لو تلف منه بغير تفريط»-، بلا خلاف أجده فيه بيننا (1).

و لكن أنت خبير بأنّ عدم الخلاف- و إن تحقّق و حصل- لا يكون من الإجماع المصطلح الأصولي الذي أثبتنا حجيّته مع وجود هذه المدارك، أي كون عدم ضمانه مفاد القاعدة الأوّليّة، و هو عدم وجود سبب للضمان في البين، و وجود أخبار صحيحة

____________

(1). «جواهر الكلام» ج 25، ص 174.

34

صريحة دالّة على عدم الضمان. و بعض الأخبار التي تدلّ على الضمان ليست قابلة لأن تعارض الطائفة الأولى، لخروجها مخرج التقيّة لموافقتها للعامّة.

الطائفة الأولى، أي الأخبار الدالّة على عدم ضمان المرتهن لو تلف الرهن عنده بدون تعدّ و لا تفريط:

منها: ما رواه جميل بن درّاج، عن الصادق (عليه السّلام) قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السّلام) في رجل رهن عند رجل رهنا فضاع الرهن، قال: «هو من مال الراهن، و يرجع المرتهن عليه بماله» (1).

و منها: ما رواه أبان بن عثمان، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال في الرهن: «إذا ضاع من عند المرتهن من غير أن يستهلكه رجع بحقه على الراهن فأخذه و ان استهلكه ترادّا الفضل بينهما» (2).

و روى هذه الرواية بطرق آخر، كما هو مذكور في الوسائل (3).

و منها: ما رواه الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) في الرجل يرهن عند الرجل الرهن فيصيبه توى أو ضياع قال: «يرجع بماله عليه» (4).

و منها: ما رواه إسحاق بن عمّار، عن أبي إبراهيم (عليه السّلام) قال: قلت: الرجل يرتهن العبد فيصيبه عور، أو ينقص من جسده شيء على من يكون نقصان ذلك؟ قال: «على مولاه». قلت: إنّ الناس يقولون: إن رهنت العبد فمرض أو انفقأت عينه فأصابه

____________

(1) «الفقيه» ج 3، ص 305، باب الرهن، ح 4094، «وسائل الشيعة» ج 13، ص 125، أبواب كتاب الرهن، باب 5، ح 1.

(2) «الفقيه» ج 3، ص 308، باب الرهن، ح 4102، «تهذيب الأحكام» ج 7، ص 172، ح 765، باب في الرهون، ح 22، «الاستبصار» ج 3، ص 120، ح 427، باب الرهن يهلك عند المرتهن، ح 7، «وسائل الشيعة» ج 13، ص 125، أبواب كتاب الرهن، باب 5، ح 2.

(3) «وسائل الشيعة» ج 13، ص 125، أبواب كتاب الرهن، باب 5. ذيل ح 2.

(4) «الفقيه» ج 3، ص 310، باب الرهن، ح 4110، «وسائل الشيعة» ج 13، ص 126، أبواب كتاب الرهن، باب 5، ح 3.

35

نقصان من جسده ينقص من مال الرجل بقدر ما ينقص من العبد، قال: «أرأيت لو أنّ العبد قتل قتيلا على من يكون جنايته؟» قال: جنايته في عنقه (1).

و منها: ما رواه الحلبي أيضا، في الرجل يرهن عند الرجل رهنا فيصيبه شيء أو ضاع قال: «يرجع بماله عليه» (2).

و منها: ما رواه إسحاق بن عمّار أيضا، قال: قلت لأبي إبراهيم (عليه السّلام) الرجل يرهن الغلام أو الدار فتصيبه الآفة، على من يكون؟ قال: «على مولاه- ثمَّ قال:- أرأيت لو قتل قتيلا على من يكون؟» قلت: هو في عنق العبد قال: «ألا ترى فلم يذهب مال هذا- ثمَّ قال:- أرأيت لو كان ثمنه مائة دينار فزاد و بلغ مأتي دينار لمن كان يكون؟» قلت: لمولاه قال: «كذلك يكون عليه ما يكون له» (3).

و أخبار آخر ذكرها في الوسائل (4) تدلّ أو تؤيّد ما ذكرنا، من عدم ضمان المرتهن لو تلف الرهن عنده من دون تعدّ منه و لا تفريط و من غير أن يستهلكه.

الطائفة الثانية: ما ادّعى أنّ ظاهرها ضمان المرتهن و ان لم يكن تعدّ أو تفريط:

فمنها: ما رواه أبي حمزة، قال: سألت أبا جعفر (عليه السّلام) عن قول على (عليه السّلام) «يترادّان الفضل» فقال (عليه السّلام) «كان على (عليه السّلام) يقول ذلك» قلت: كيف يترادّان؟ فقال: «إن كان الرهن أفضل ممّا رهن به ثمَّ عطب ردّ المرتهن الفضل على صاحبه، و إن كان لا يسوى

____________

(1) «الفقيه» ج 3، ص 306، باب الرهن، ح 4096، «وسائل الشيعة» ج 13، ص 126، أبواب كتاب الرهن، باب 5، ح 4.

(2) «الكافي» ج 5، ص 235، باب الرهن، ج 11، «تهذيب الأحكام» ج 7، ص 170، ح 757، باب في الرهون، ح 14، «الاستبصار» ج 3، ص 118، ح 421، باب الرهن يهلك عند المرتهن، ح 1، «وسائل الشيعة» ج 13، ص 126، أبواب كتاب الرهن، باب 5، ح 5.

(3) «الكافي» ج 5، ص 234، باب الرهن، ح 10، «تهذيب الأحكام» ج 7، ص 172، ح 764، باب في الرهون، ح 21، «الاستبصار» ج 3، ص 121، ح 430، باب في الرهن يهلك عند المرتهن، ح 10، «وسائل الشيعة» ج 13، ص 126، أبواب كتاب الرهن، باب 5، ح 6.

(4) «وسائل الشيعة» ج 13، ص 125، أبواب كتاب الرهن، باب 5.

36

ردّ الراهن ما نقص من حقّ المرتهن قال: و كذلك كان قول على (عليه السّلام) في الحيوان و غير ذلك» (1).

و منها: ما رواه ابن بكير قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) في الرهن؟ فقال: «إن كان أكثر من مال المرتهن فهلك أن يؤدّى الفضل إلى صاحب الرهن، و إن كان أقلّ من ماله فهلك الرهن أدّى إليه صاحبه فضل ماله، و إن كان الرهن سواء فليس عليه شيء» (2).

و منها: ما رواه محمّد بن قيس، عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: «قضى أمير المؤمنين (عليه السّلام) في الرهن إذا كان أكثر من مال المرتهن فهلك، أن يؤدّى الفضل إلى صاحب الرهن.

و إن كان الرهن أقل من ماله فهلك الرهن، أدّى إلى صاحبه فضل ماله. و إن كان الرهن يسوى ما رهنه، فليس عليه شيء (3).

و منها: ما رواه عبد اللّه بن حكم قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن رجل رهن عند رجل رهنا على ألف درهم و الرهن يساوي ألفين و ضاع، قال: «يرجع عليه بفضل ما رهنه، و إن كان أنقص ممّا رهنه عليه رجع على الراهن بالفضل، و إن كان الرهن يسوى ما رهنه عليه فالرهن بما فيه» (4).

و لا شكّ في أنّ لهذه الطائفة ظهور إطلاقي في ضمان المرتهن و إن لم يكن من طرفه استهلاك أو تعدّ أو تفريط، و لكن يقيّد هذا الإطلاق بالطائفة الأولى بحمل الثانية على

____________

(1) «الكافي» ج 5، ص 234، باب الرهن، ح 7، «تهذيب الأحكام» ج 7، ص 171، ح 761، باب في الرهون، ح 18، «الاستبصار» ج 3، ص 119، ح 426، باب في الرهن يهلك عند المرتهن، ح 6، «وسائل الشيعة» ج 13، ص 129، أبواب كتاب الرهن، باب 7، ح 1.

(2) «الكافي» ج 5، ص 234، باب الرهن، ح 6، «تهذيب الأحكام» ج 7، ص 171، ح 760، باب في الرهون، ح 17، «الاستبصار» ج 3، ص 119، ح 425، باب في الرهن يهلك عند المرتهن، ح 5، «وسائل الشيعة» ج 13، ص 129، أبواب كتاب الرهن، باب 7، ح 3.

(3) «الفقيه» ج 3، ص 312، باب الرهن، ح 4115، «وسائل الشيعة» ج 13، ص 129، أبواب كتاب الرهن، باب 7، ح 4.

(4) «الفقيه» ج 3، ص 308، باب الرهن، ح 4101، «وسائل الشيعة» ج 13، ص 130، أبواب كتاب الرهن، باب 7، ح 5.

37

مورد التفريط، كما حملها الصدوق (1) و الشيخ (2) و غيرهما على ذلك، فلا تعارض في البين. و هذا جمع عرفي يرفع التعارض.

مضافا إلى إعراض الأصحاب جميعا عن هذه الطائفة الثانية فتسقط عن الحجيّة كما هو المقرّر في الأصول، و أنّ إعراض الأصحاب كاسر كما أنّ عملهم برواية جابر لضعف سندها.

مضافا إلى أنّها موافقة للعامّة و هذا أيضا موجب لسقوط حجّيتها، مع وجود المعارض المخالف فلا ينبغي أن يشكّ في هذا الحكم، أى عدم ضمان المرتهن لو تلف الرهن عنده من غير تعدّ و لا تفريط.

فرع: يجوز للمرتهن اشتراء الرهن من الراهن بما رهن عليه، أو بغيره

بلا إشكال. و لا كلام سواء كان البائع هو نفس الراهن أو من يقوم مقامه، كما إذا كان وكيله أو وليّه.

نعم ربما يقال بعدم جواز ابتياعه من نفسه لو كان هو الوكيل عن قبل المالك الراهن، و ذلك لأحد وجهين:

الأوّل: اتّحاد البائع و المشتري. و هو واضح البطلان، لأنّهما مختلفان باعتبار الأصالة و الوكالة.

الثاني: انصراف الوكالة إلى البيع من غيره لا من نفسه. و هذا دعوى بلا برهان، فإنّ الإطلاق يشمله كما يشمل غيره، و عدم خصوصيّته فيه تكون مانعة من شمول الإطلاق له، خصوصا فيما إذا كان الفرض من توكيل الراهن إيّاه بيعه بثمنه من أيّ مشتر كان، كما هو المراد غالبا في أمثال هذه الموارد.

____________

(1) «الفقيه» ج 3، ص 308، باب الرهن، ح 4101.

(2) «تهذيب الأحكام» ج 7، ص 171، ذيل ح 761، «الاستبصار» ج 3، ص 119.

38

فإذا أعطى متاعه للدلّال لأن يبيعه ليس نظره إلى أن يبيعه من شخص خاصّ بل من أيّ مشتر كان، بل المراد أخذ ثمنه، و لذلك لو اشتراه الدلّال لنفسه بقيمته الواقعيّة من دون غبن و لا خسارة يكون البيع صحيحا، و لا وجه للإشكال فيه.

و دعوى الانصراف إلى البيع من غيره لا أساس لها. نعم لو صرّح بذلك و قيّد الوكالة بأن يكون وكيلا في بيعه من غير نفسه فله ذلك، و حينئذ لا يجوز بيعه من نفسه. و هذه مسألة لا اختصاص لها بباب الرهن و وكالة المرتهن من قبل الراهن، بل تأتي في مطلق الوكلاء في مطلق المعاملات، في البيوع و الإجارات و غيرهما، بل تأتي في كونه وكيلا في إيصال الحقوق إلى مستحقّيها، كالزكوات، و الأخماس، و الصدقات الواجبة غير الزكاة، و ردّ المظالم، و الصدقات المستحبّة و غير ذلك.

فرع: لو تصرّف المرتهن في الرهن بدون إذن الراهن

خرجت يده عن كونها يد أمانة و صارت يد ضمان، و ذلك من جهة صيرورتها يد تعدّ و غير مأذونه، فتكون مشمولة لعموم «و على اليد ما أخذت حتّى تؤديها» (1).

فلو كان تصرّفه فيه باستيفاء منفعة منه، كركوب الدابّة أو سكنى الدار مثلا، فعليه أجرة المثل، و لو كان بأكل الثمرة و كلّ نماء منفصل فيكون ضامنا لتلك المنفعة المنفصلة.

و ذلك النماء المنفصل- كثمرة الشجرة و طيب الماشية و صوف الأغنام و أمثال ذلك- فإن كان مثليّا فضمانه بالمثل، و إن كان قيميّا فبالقيمة على قواعد باب الغصب.

و أمّا بالنسبة إلى نفس العين المرهونة فتكون مضمونة عنده، فلو بقيت سالمة عنده بدون أيّ نقص فيها فيردّها، و إن تلفت أو تلف شيء من صفاتها أو بعضها

____________

(1) «عوالي اللئالي» ج 1، ص 224، ح 106، «مستدرك الوسائل» ج 17، ص 88، أبواب كتاب الغصب، باب 1، ح 4، «سنن ابن ماجه» ج 2، ص 802، باب العارية، ح 2400، «تفسير أبو الفتوح الرازي» ج 5، ص 407.

39

يكون ضامنا للتالف على قواعد باب الغصب، من كونه ضامنا لمثله في المثليّات، و لقيمته في القيميّات من قيمة يوم التلف، أو وقت التعدّي، أو وقت المطالبة، أو وقت الأداء على اختلاف الأقوال في ضمان المغصوب القيمي، فكلّ على مبناه.

و خلاصة الكلام: أنّ العين المرهونة بعد ما كانت أمانة في يد المرتهن إذا كانت في يده بإذن الراهن، لو تصرّف المرتهن فيها بدون إذن الراهن تخرج عن كونها أمانة و يجرى عليها أحكام الغصب.

و ما ذكرنا كان مقتضى القواعد الأوّلية في باب الغصب و الأمانات، و قد وردت أيضا مطابقا لما ذكرنا من كون منافع العين المرهونة للمالك الراهن روايات:

منها: ما رواه عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قال: «قضى أمير المؤمنين (عليه السّلام) في كلّ رهن له غلّته أنّ غلّته تحسب لصاحب الأرض مما عليه» (1).

و منها: ما رواه محمّد بن قيس، عن أبي جعفر (عليه السّلام): «إنّ أمير المؤمنين (عليه السّلام) قال: في الأرض البور يرتهنها الرجل ليس فيها ثمرة فزرعها و أنفق عليها ماله أنّه يحتسب له نفقته و عمله خالصا، ثمَّ ينظر نصيب الأرض فيحسبه من ماله الذي ارتهن به الأرض حتّى يستوفي ماله، فإذا استوفى ماله فليدفع الأرض إلى صاحبها» (2).

و روايات أخر ذكرها صاحب الوسائل في الباب العاشر من أبواب أحكام الرهن (3).

فرع: لا يجوز للمرتهن التصرّف في الرهن بدون إذن الراهن

كما تقدّم في الفرع

____________

(1) «الكافي» ج 5، ص 235، باب الرهن، ح 13، «تهذيب الأحكام» ج 7، ص 169، ح 750، باب في الرهون، ح 7، «وسائل الشيعة» ج 13، ص 132، أبواب الرهن، باب 10، ح 1.

(2) «الكافي» ج 5، ص 235، باب الرهن، ح 14، «تهذيب الأحكام» ج 7، ص 169، ح 751، باب في الرهون، ح 8، «وسائل الشيعة» ج 13، ص 132، أبواب الرهن، باب 10، ح 2.

(3) «وسائل الشيعة» ج 13، ص 131، أبواب الرهن، باب 10.

40

السابق، و لكن قد يقال بأنّه لو كان للرهن مئونة فأنفق المرتهن عليه، مثل أن كان الرهن دابّة مثلا فعلفها فله أن يركبها، أو كان شاة فله أن يشرب حليبها، أو بستانا و نخيلا فسقاها فله أن يأكل من ثمرها.

و بعبارة أخرى: له أن ينتفع بالرهن عوض النفقة التي يبذلها له.

و الكلام في هذا المقام تارة باعتبار القواعد الأوليّة فيما إذا كان مال الغير تحت يده بإذن صاحبه أو لحقّ له في ذلك، و أخرى باعتبار النصوص الواردة في هذه المسألة.

فنقول: أمّا بالاعتبار الأوّل: فلا شكّ في أنّ نفقة المال على صاحبه، و تسمّى بنفقة الملك، فإن تصدّى غيره إمّا بإذن منه، أو لوجوبه عليه من جهة لزوم حفظ حيوان المحترم فيما لم يكن هناك من ينفق عليه و لم يقصد كونه مجانا، فيكون ما أنفق في ذمة المالك. فحينئذ لو استوفى منفعة ذلك المال الذي جعل رهنا، سواء كانت من النماءات المنفصلة أو المتّصلة أو لم يكن شيء منهما بل كان صرف انتفاع له مالية عند العقلاء و الشرع، فإن كانت تلك المنفعة مساوية مع ما بذله يتهاتران قهرا، و عند العدم يردّ الزائد على الراهن فيما إذا كانت المنفعة زائدة، و يأخذ منه إن كانت النفقة أزيد، و هذا أمر مسلّم.

و أمّا بالاعتبار الثاني: أي النصوص الواردة في المقام، فظاهرها جواز الانتفاع بالرهن لو أنفق عليه، سواء كان الإنفاق مساويا مع الانتفاع بحسب القيمة، أو كانا متفاضلين.

فمنها: رواية أبي ولّاد قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن الرجل يأخذ الدابّة و البعير رهنا بماله له أن يركبه؟ قال: فقال (عليه السّلام): «إن كان يعلفه فله أن يركبه، و إن كان الذي رهنه عنده يعلفه فليس له أن يركبه» (1).

____________

(1) «الكافي» ج 5، ص 236، باب الرهن، ح 16، «الفقيه» ج 3، ص 307، باب الرهن، ح 4098، «تهذيب الأحكام» ج 7، ص 176، ح 778، باب في الرهون، ح 35، «وسائل الشيعة» ج 13، ص 134، أبواب الرهن، باب 12، ح 1.

41

و منها: رواية السكوني، عن جعفر، عن أبيه، عن آبائه، عن على (عليهم السّلام) قال: «قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): الظهر يركب إذا كان مرهونا، و على الذي يركبه نفقته، و الدّر يشرب إذا كان مرهونا، و على الذي يشرب نفقته» (1).

و الروايتان مطلقتان تشملان صورة تساوى النفقة مع المنفعة المستوفاة و عدم تساويهما، و أيضا مطلقتان بالنسبة إلى صورة إذن الراهن في التصرّف و عدمه.

و لكنّ الإنصاف أنّه لا يمكن الأخذ بهذين الإطلاقين، مع إعراض جلّ الأصحاب عنهما، و مخالفتهما للقواعد المقرّرة في باب استيفاء منافع مال الغير بدون إذنه، أو مع إذنه و لكن لم يقصد المالك كونه مجانا.

فالأحسن حمل الروايتين على صورة تساوى النفقة مع المنفعة المستوفاة و كون المرتهن مأذونا عن قبل الراهن، بقرينة أنّه رهنه و لم ينفق عليه، حيث أنّ بناء العرف و العادة أنّهم إذا رهنوا حيوانا و لم ينفقوا عليه على أنّ للمرتهن التصرّف و الانتفاع به عوض إنفاقه عليه.

فرع: يجوز للمرتهن استيفاء دينه ممّا في يده من الرهن

إن مات الراهن و خاف جحود الورثة للدين أو الرهانة، لو اعترف بأنّ ما في يده رهن من قبل الميّت على دين في ذمّته، و ليست له بيّنة مقبولة بحيث يكون قادرا على إثبات دينه و أنّ ما في يده رهن عليه، و ذلك لحفظ ماله و عدم تضييعه. و قد تقدّم أنّ أصل تشريع الرهن لأجل هذه الجهة.

و أما الإشكال على هذا- بأنّ الرهن بعد موت الراهن انتقل إلى الورثة، و ليس

____________

(1). «الفقيه» ج 3، ص 306، باب الرهن، ح 4095، «وسائل الشيعة» ج 13، ص 134، أبواب الرهن، باب 12، ح 2.

42

للمرتهن استيفاء دينه من مال غير المديون، لأنّ المديون هو الميّت لا الورثة- فليس بشيء لأنّ الرهن ينتقل إلى الورثة بما هو متعلّق لحقّ الغير، فإنّ ملكيّة الوارث ليس بأشدّ من ملكيّة المورث لأنّه فرعه، و ما كان له ينتقل إلى وارثه لا ما ليس له.

فكما أنّه لو كان حيّا و كان استيفاء الدين منه متعذّرا لفلس، أو كان متعسّرا لمطل كان للمرتهن استيفاء دينه من ذلك الرهن و لو كان بدون رضاء المالك الراهن و إذنه، فكذلك الأمر بعد انتقاله إلى الورثة.

هذا، مضافا إلى ادّعاء الإجمال على هذا الحكم (1) نعم لو أقرّ و اعترف بأنّ ما عنده مال الميّت و هو رهن عنده على دين له في ذمّة الميّت، فيؤخذ بإقراره و للورثة انتزاع ما في يده، و عليه إثبات أنّه رهن على دين له في ذمّة الميّت على قواعد باب القضاء.

و قد وردت رواية أيضا في كلا الأمرين. فالأوّل أي جواز استيفاء دينه ممّا في يده إن لم تكن له بيّنة، أي: ليس قادرا على الإثبات. و الأمر الثاني أي لو اعترف و أقرّ بأنّ ما في يده للميّت يؤخذ منه و يكلّف بالبيّنة على قواعد باب القضاء.

و هي مكاتبة سليمان بن حفص المروزي، أو عبيد بن سليمان كتب إلى أبي الحسن (عليه السّلام) في رجل مات و له ورثة، فجاء رجل فادّعى عليه مالا و أنّ عنده رهنا، فكتب (عليه السّلام): «إن كان له على الميّت مال و لا بيّنة عليه، فليأخذ ماله بما في يده، و ليردّ الباقي على ورثته. و متى أقرّ بما عنده أخذ به و طولب بالبينة على دعواه و أوفى حقّه بعد اليمين، و متى لم يقم البيّنة و الورثة ينكرون، فله عليهم يمين علم يحلفون باللّه ما يعلمون أنّ له على ميّتهم حقّا» (2).

____________

(1) «جواهر الكلام» ج 25، ص 182.

(2) «الفقيه» ج 3، ص 310، باب الرهن، ح 4111، «تهذيب الأحكام» ج 7، ص 178، ح 784، باب في الرهون، ح 41، «وسائل الشيعة» ج 13، ص 140، أبواب الرهن، باب 20، ح 1.

43

و ظاهر هذه الرواية جواز استيفاء المرتهن دينه من الرهن من غير تقييده بالعلم أو الظنّ بجحود الورثة أو خوف الجحود، بل جعل موضوع جواز الاستيفاء فيها هو أن يكون له على الميّت مال و لم تكن له بيّنة على أنّ الميّت مديون له و هذا الذي عنده رهن على دينه.

و لكن تعليق الحكم على أن يكون له مال في ذمّة الميّت مع عدم البيّنة، له ظهور عرفي في أن يكون ماله بواسطة عدم البيّنة في معرض الإتلاف، و هذا هو المراد من خوف جحود الورثة، فلا يحتاج إلى العلم بجحودهم، بل بصرف الاحتمال العقلائي بحيث يكون موجبا لسلب الاطمئنان يجوز بيعه و استيفاء دينه منه. و على هذا أيضا ادّعى الإجماع في مجمع البرهان (1) و شرح الإرشاد (2) و القول بأنّ الرواية مطلقة من ناحية الخوف لا أساس له.

فرع: لو مات المرتهن و لم يعلم بوجود الرهن في تركته و لم يعلم تلفه في يده بتفريط منه

، فلا يحكم بكونه في ذمّته، و ذلك لعدم الدليل على ضمانه لأصالة برأيه ذمّته.

و بصرف أنّه كان عنده لا يثبت ضمانه، لاحتمال تلفه من دون تعدّ و تفريط من قبله، فيكون تمام تركته لوارثه إذا لم يعلم أنّ فيها من الرهن شيء.

و خلاصة الكلام: أنّ يد المرتهن حيث أنّها أمانيّة مالكيّة فلا تشمله قاعدة «و على اليد ما أخذت حتّى تؤديها». و قاعدة الإتلاف لا تأتي، للشكّ في موضوعها و أنّ المرتهن أتلفه، فلا موجب للضمان.

نعم لو ثبت وجدانا أو تعبّدا وجوده في التركة، يجب على الورثة ردّه إلى الراهن أو ورثته مع تميّزه أو يكون شريكا مع الورثة مع المزج أو الخلط الذي لا يمكن فصله

____________

(1) «مجمع الفائدة و البرهان» ج 9، ص 161.

(2) حكاه عن شرح الإرشاد في «الرياض» ج 1، ص 558، و «جواهر الكلام» ج 25، ص 183.

44

عنها و يكون الفصل متعذّرا بل و إن كان ممكنا و لكن كان متعسرا.

و لذلك قال بعض أساتيذنا في هذا المقام: نعم لو علم أنّه قد كان موجودا في أمواله الباقية إلى بعد موته، و لم يعلم أنّه بعد باق فيها أم لا، كما إذا كان سابقا في صندوقه داخلا في الأموال التي كانت فيه و بقيت إلى زمان موته، و لم يعلم أنّه قد أخرجه و أوصله إلى مالكه أو باعه و استوفى ثمنه أو تلف بغير تفريط منه أم لا، لم يبعد أن يحكم ببقائه فيها، فيكون بحكم معلوم البقاء.

و حاصل هذا الكلام: أنّه بواسطة جريان استصحاب البقاء في التركة الموجودة يحكم بوجوب إخراجه إلى الراهن، و كونه شريكا مع الورثة فيما إذا لم يتميّز و لم نقل بإخراجه بالقرعة.

و لا يتوهّم أنّه دائما يكون الأمر من هذا القبيل، لأنّه دائما بعد أخذ الرهن و قبضه من طرف المرتهن يدخل في جملة أمواله التي تكون تحت يده، غاية الأمر تكون يده على الرهن أمانيّة، و على أمواله مالكيّة. و هذا لا يوجب فرقا في المقام، لأنّه لا شغل لنا بكون اليد من أيّ القسمين، بل المقصود هو وجود الرهن في التركة و بقاؤه إلى ما بعد وفاته، و هذا المعنى يثبت بالاستصحاب في جميع الموارد.

و ذلك من جهة أنّ الاستصحاب في غير الصورة المفروضة يكون مثبتا، لأنّ بقاءه في التركة في غير هذه الصورة المذكورة من لوازم بقاء العين المرهونة عقلا، و إلّا فبقاؤه في التركة الموجودة ليس عين بقائه و لا من لوازمه الشرعيّة، و ذلك لإمكان أن يكون باقيا و لم يتلف، و لكن أودعه عند شخص أمين، أو أخفاه، أو دفنه في مكان لحفظه، و كتب اسم ذلك الشخص أو ذلك المكان و لكن ضاع الكتاب بعد موته، و لم يطلع الورثة على ذلك الكتاب كي لا يقال أنّه صار ضامنا لتفريطه بواسطة عدم الكتابة.

و على كلّ حال بصرف وصوله إلى يد المرتهن لا يمكن إثبات أنّه في التركة

45

الموجودة باستصحاب بقائه و عدم تلفه، و أيضا لا يمكن إثبات كونه في ذمّة المرتهن لكي يؤدّي من تركته، لأصالة عدم تلفه أو عدم تفريطه و إن تلف.

و لا شكّ في أنّ مع وجوده و عدم تلفه، أو عدم تفريطه و إن تلف، لا يكون المرتهن ضامنا، لكون يده يد أماني لا ضماني فيها، إلّا مع التعدّي و التفريط، و هما منفيّان بالأصل، فيكون جميع التركة للورثة ظاهرا حسب الأصول الجارية في المسألة، و إن كان في الواقع بعضها للراهن، كما هو الحال في جميع صور خطاء الأصول و الأمارات، بناء على ما هو الحقّ عندنا من عدم صحّة جعل المؤدّي في الأصول و الأمارات و بطلان القول بالتصويب.

و قد ذكر في الجواهر لهذا الفرع ستة صور:

الأولى: هي العلم بوجود العين المرهونة في التركة.

و حكمها واضح، و هو أنّه لو عرف متميّزا عن غيره من دون اشتباه مع غيره و من دون خلط و لا مزج، فيجب على الورثة ردّه إلى الراهن المالك له. و أمّا مع الخلط المتعسّر فصله أو المزج، فيكون شريكا مع صاحب الآخر المخلوط أو الممزوج، و مع الاشتباه فالقرعة أو التصالح.

الثانية: أن يعلم أنّه كان عند الميّت و لم يعلم كونه في التركة أو تلف بغير تفريط أو لا.

و حكمها أصالة براءة ذمّة الميّت، لاحتمال تلفه بغير تفريط، فلا ضمان. و أيضا لاحتمال كونه في التركة مع عدم تقصير الميّت في الوصية به و الإشهاد عليه، كي لا يكون ضامنا من هذه، إذ ترك الوصيّة و الإشهاد بمنزلة الإتلاف يوجب الضمان.

و أمّا التركة فحيث ليس أمارة أو أصل يثبت كونه فيها، لاحتمال تلفه بغير تفريط فيحكم بظاهر الحال أنّ جميعها للورثة، و أصالة عدم تلفه و بقائه مثبت بالنسبة إلى

46

كونه في التركة، فمقتضى عمومات الإرث كون جميع ما صدق عليه عنوان «ما تركه الميّت» لورثته.

و لا يتوهّم أنّ كون جميع المال من مصاديق «ما ترك» مشكوك، فلا يمكن التمسّك بمثل هذا العموم، لأنّها من الشبهة المصداقيّة لنفس العامّ.

و ذلك لأنّ يد الميّت عليها أمارة الملكيّة، فيصدق عنوان «ما ترك» على الجميع.

نعم لو علمنا أنّه كان فيما ترك إلى زمان الموت، و لكن احتملنا تلفه بغير تفريط بعد ذلك و صدق ما ترك على الجميع مشكوك ذلك العلم.

الثالثة: أن يعلم كونه عنده كذلك، و لكن ليس في التركة قطعا.

و حكمها عدم ضمان الميّت، لاحتمال أن يكون تلف بغير تفريط، فالضمان مشكوك و مورد جريان البراءة. و أمّا التركة فالمفروض أنّه ليس فيها قطعا، و أيضا من المحتمل أنّه قبل موته رده إلى صاحبه، أو باعه و استوفى دينه منه.

الرابعة: أن يعلم تلفه في يده، و لكن لم يعلم أنّه بتفريط أو لا.

فحكمها أيضا عدم الضمان، لأنّ الضمان في هذه الصورة متوقّف على التفريط، و الأصل عدمه.

الخامسة: أن يعلم أنّه كان عنده إلى أن مات و أنّه لم يتلف منه، إلّا أنّه لم يوجد في التركة.

و حكمها مع عدم تقصير من قبل الميّت بترك الوصية و الإشهاد براءة ذمّة الميّت و كون جميع التركة للورثة. نعم لو ادّعى الراهن على الورثة أو على غيرهم كونه في يدهم أو أنّهم أتلفوا، فيرجع المسألة إلى باب القضاء، و يجرى فيها أحكام القضاء من كون المدّعى عليه البيّنة، و المنكر عليه اليمين.

السادسة: مثل الصورة الخامسة عينا إلّا أنّه يحتمل التلف بعد الموت.

47

و حكمها مثل الصورة السابقة عينا إلّا أن يدّعى الراهن تقصير الميّت في الوصيّة أو في ترك الإشهاد، فيرجع المسألة إلى القضاء، و يجرى فيها موازينها. أو يدّعى إتلاف الورثة أو غيرهم، فأيضا يرجع إلى باب القضاء، و يجرى فيها موازينها.

هذا كلّه فيما إذا علم بأصل الرهن و أنّ لهذا الدين كان رهنا (1).

و أمّا إذا شكّ في أنّه هل كان لهذا الدين رهن أم لا، فلا شكّ في أماريّة اليد و أنّ جميع المال للميّت و انتقل منه إلى الورثة، و الأصل عدم تحقّق رهن في البين.

فرع: لو صار مفلسا و حجر عليه، أو مات و ما يملكه في الأولى لا يفي بديونه

كما هو المفروض، و في الصورة الثانية تركته لا تفي بديونه- و قد لا يكون له مال أو تركة غير ما رهن عند بعض الديان- فهل المرتهن مقدّم على سائر الديّان في استيفاء دينه من العين المرهونة عنده؟ فإن فضل شيء فالفاضل لسائر الغرماء، أو كلّهم شركاء فيها تتوزّع بينهم بنسبة حصص ديونهم، أو يفصّل بين أن يكون الراهن حيّا و قد حجر عليه لفلس أو غيره فالأوّل، و بين أن يكون ميّتا فالثاني؟

أقول: أمّا فيما إذا كان الراهن حيّا، فالظاهر عدم الخلاف في أنّ المرتهن أحقّ من سائر الغرماء باستيفاء دينه منها و مقدّم عليهم، مضافا إلى أنّ هذا هو علّة تشريع الرهن، لقولهم (عليهم السّلام) في أكثر أخبار الباب: «لا بأس به استوثق من مالك» (2) و معلوم أنّ الاستيثاق لا يحصل إلّا بتقديمه على سائر الغرماء، بل لفظ «الرهن» يفيد هذا المعنى.

و أمّا فيما إذا كان ميّتا، فالمشهور قائلون أيضا بتقديم المرتهن على سائر الغرماء، و لكن هناك روايتان ظاهرتان في عدم تقديم المرتهن على سائر الغرماء، بل كلّهم شركاء في العين المرهونة بنسبة ديونهم:

____________

(1) «جواهر الكلام» ج 25، ص 171- 172.

(2) «وسائل الشيعة» ج 13، ص 121، أبواب الرهن، باب 1، ح 1، 4، 6 و 9.

48

إحديها: رواية عبد اللّه بن الحكم قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السّلام) عن رجل أفلس و عليه دين لقوم، و عند بعضهم رهون و ليس عند بعضهم، فمات و لا يحيط ماله بما عليه من الدين، قال (عليه السّلام): «يقسّم جميع ما خلف من الرهون و غيرها على أرباب الدين بالحصص» (1).

الثانية: رواية سليمان بن حفص المروزي قال: كتبت إلى أبي الحسن (عليه السّلام) في رجل مات و عليه دين و لم يخلف شيئا إلّا رهنا في يد بعضهم، فلا يبلغ ثمنه أكثر من مال المرتهن، أ يأخذ بماله أو هو و سائر الديّان فيه شركاء؟ فكتب (عليه السّلام): «جميع الديّان في ذلك سواء، يتوزّعونه بينهم بالحصص» (2).

و لا شكّ في ظهور هاتين الروايتين في عدم أحقّية المرتهن في استيفاء دينه من العين المرهونة و تقديمه على سائر الغرماء، و لكنّهما حيث أعرض المشهور عن العمل بهما- مع أنّهما مخالفان لحقيقة الرهن و الغرض منه و علّة تشريعه، للأخبار الكثيرة الواردة في أنّ تشريعه لاستيثاق الدائن من مال (3). هذا، مضافا إلى ضعف سند مكاتبة سليمان بن حفص المروزي- فلا مجال للعمل بهما و الأخذ بمضمونهما، فلا بدّ إمّا من حملهما على ما لا ينافي تقديم المرتهن على سائر الغرماء و إن كان الراهن ميّتا، أو طرحهما.

نعم لو أعوز الرهن و لم يكن وافيا و قصر عن الدين و زاد الدين، فيكون المرتهن شريكا مع سائر الغرماء بالنسبة إلى الزائد.

____________

(1) «الفقيه» ج 3، ص 307، باب الرهن، ح 4100، «تهذيب الأحكام» ج 7، ص 177، ح 783، باب في الرهون، ح 40، «وسائل الشيعة» ج 13، ص 139، أبواب الرهن، باب 19، ح 1.

(2) «الفقيه» ج 3، ص 310، باب الرهن، ح 4111، «تهذيب الأحكام» ج 7، ص 178، ح 784، باب في الرهن، ح 41، «وسائل الشيعة» ج 13، ص 139، أبواب الرهن، باب 19، ح 2.

(3) «الوسائل» ج 13، ص 121، كتاب الرهن، باب 1، باب جواز الارتهان على الحق الثابت.

49

فرع: لو أذن المرتهن بيع العين المرهونة فباعها المالك

، فهل يكون عوضه رهنا و إن لم يشترط ذلك، أم لا؟

أقول: لا إشكال في أنّ حقّ الرهانة متعلّق بنفس العين المرهونة و متقوّم به، و لذلك لو تلف لا يبقى محلّ لذلك الحقّ، فلو باع و صار ملكا لشخص فإن كان مع ذلك متعلّقا لحقّ المرتهن، فلم ينتقل إلى المشتري ملكا طلقا، و هو خلاف الفرض، لأنّ المفروض أنّه بعد إذن المرتهن يرتفع المانع من صحة البيع، و ينتقل الرهن إلى المشتري ملكا تامّا لا علاقة للمرتهن به أصلا.

و أمّا كون عوضه متعلّقا لحقّ المرتهن فيحتاج إلى سبب جديد، لأنّ الحقّ الأوّل انعدم بانضمام متعلّقه عقلا، و لا يعقل بقاؤه بدون المتعلّق، و العوض موضوع آخر، فكونه متعلّقا لحقّ الرهانة حقّ جديد، و يحتاج إلى جعل و سبب جديد.

و لذلك لو أذن و شرط في ضمن عقد لازم كون عوضه رهنا، يكون رهنا بسبب الشرط، و لا مجال لجريان استصحاب بقاء الحقّ بالنسبة إلى عوض الرهن بعد بيع نفسه، لأنّ الحقّ كان متعلّقا بعين الرهن، و بنقله إلى الغير انعدم ذلك الحقّ، و حدوث الحقّ بالنسبة إلى عوضه فردا آخر من الحقّ مسبوق بالعدم فيستصحب عدمه، على فرض تسليم الشكّ في حدوثه.

و أمّا استصحاب الجامع بين الفردين، فهو من القسم الثالث من أقسام استصحاب الكلّي الذي لا نقول بصحّته، و المسألة محرزة في الأصول، و قد نقّحناه في كتابنا «منتهى الأصول» (1).

نعم ربما يكون الشرط شرطا ضمنيّا حسب متفاهم العرف من الكلام، أو يكون الإذن في البيع مبنيّا عليه حسب ما بينهما من القرائن المحتفّة بالكلام.

و على كلّ حال سقوط حقّه بوقوع البيع لا بالإذن فيه، لأنّه لم يسقط حقّه، و إنّما

____________

(1) «منتهى الأصول» ج 2، ص 448.

50

نقول بسقوطه من جهة انعدام متعلّقه و عدم معقوليّة بقائه، و لا ينعدم إلّا بنفس البيع خارجا لا بالإذن فيه.

و ممّا ذكرنا ظهر أنّ للمرتهن الرجوع عن إذنه قبل البيع، لأنّه قبله حقّه باق لم يسقط، فله أن يرجع عن إذنه إذ الإذن ليس من العقود اللازمة كي يجب الوفاء به و البقاء عنده. نعم لو قيل بسقوط حقّه بصرف الإذن فيصير أجنبيا عن الرهن، و يصير كما لم يكن رهن من أوّل الأمر، فلا وجه يبقى للرجوع.

ثمَّ إنّ ما ذكرنا فيما لو كان إذن المرتهن قبل حلول الأجل، و أمّا لو كان بعد حلول الأجل فحيث أنّ المرتهن كان له أن يستوفي دينه من ثمنه بأن يبيعه هو بنفسه، أو يوكل غيره في بيعه، أو يبيعه المالك بإذنه، فإذنه بالبيع لا ينافي حقّ الاستيفاء من ثمنه، فبإذنه لا يسقط مثل هذا الحقّ. و هذا ليس من حقّ الرهانة كي يقال بعدم معقوليّة بقائه بعد البيع، بل من آثار حقّ الرهانة الذي كان له قبل البيع، و هذا واضح جدّا.

فرع: لو أذن الراهن للمرتهن في بيع الرهن

، فتارة يكون بيعه قبل حلول الأجل، و أخرى بعده.

أمّا الأوّل: فليس للمرتهن التصرّف في الثمن بدون إذن الراهن، لدخوله بعد البيع في ملك الراهن بمقتضى المعاوضة، و المفروض أنّه قبل حلول الأجل فلا يستحقّ فعلا على الراهن شيئا من قبل دينه، فيكون حال ثمن الراهن حال سائر أحوال الراهن، ليس للمرتهن إليها سبيل.

و أما بقاؤه رهنا عند المرتهن مثل معوّضه، فقد تقدّم في الفرع السابق أنّه يحتاج إلى جعل و إرهان جديد، لعدم معقوليّة بقاء الحقّ المتعلّق بمعوّضة بعد نقله ملكا طلقا إلى المشتري، و المفروض أنّه ليس هناك سببا و جعلا جديدا في البين.

نعم لو اشترط شرطا جديدا على الراهن- بأن يكون العوض بعد البيع رهنا

51

عنده و قلنا بلزوم الوفاء بالشرط مطلقا أو كان الشرط على الراهن في ضمن عقد لازم، فيجب على الراهن جعله رهنا مثل معوّضة، أو كان بنحو شرط النتيجة بأن يكون العوض رهنا، و بنينا على تأثير الشرط في حصول مثل هذه النتيجة- يكون رهنا بمحض هذا الشرط، و لا يحتاج إلى جعل جديد من قبل الراهن.

و أمّا الثاني: أي إذا كان البيع بعد حلول الأجل و لم يكن شرط في البين، فإن كان الراهن ممتنعا عن أداء دينه بمال آخر أو بهذا الثمن، فللمرتهن بيعه و استيفاء دينه من هذا الثمن، فإن زاد عن دينه يسلم الفاضل إلى الراهن المالك، و إن نقص يطالبه بالنقيصة.

و لكن هذا مع فقد الحاكم أو عدم اقتداره و ان كان لعدم بسط يده، و أمّا إن كان و كان مبسوط اليد فيجب الرجوع إلى الحاكم لإلزامه بالبيع و الإذن فيه للمرتهن أو لغيره، لقوله (عليه السّلام): «مجاري الأمور بيد العلماء» و لأدلّة أخرى تدلّ على أنّ الحاكم هو ولي الممتنع، و لأنّ من عدم مراجعة الحاكم و بيعه بنفسه- من دون إذن المالك أو الحاكم الذي له الولاية على الجهات العامّة- ربما يلزم منه الهرج و المرج.

و أمّا إذا لم يكن الراهن ممتنعا عن أداء دينه و أراد إعطاء ذلك من مال آخر، فليس للمرتهن إلزامه باستيفاء دينه من خصوص ثمن الرهن، و هو واضح.

فرع: لو شرط المرتهن على الراهن في عقد الرهن أن يكون الرهن مبيعا

بالدين الذي وقع عليه الرهن إن لم يؤدّ الدين إلى وقت كذا، فهل هذا الشرط صحيح و يؤثّر في صيرورته مبيعا و ملكا للمرتهن عوض دينه الذي يطلب من الراهن، أو فاسد لا أثر له؟ و على الأخير و كون هذا الشرط فاسدا هل يوجب فساد عقد الرهن الذي وقع هذا الشرط في ضمنه أم لا؟ أقوال:

أمّا الأوّل- أي كون هذا الشرط فاسدا- فالظاهر أنّه إجماعيّ. و قال في الجواهر

52

لم يصحّ قولا واحدا (1).

وجه الفساد و البطلان هو كون الرهن علّق على عدم أداء الدين في وقت كذا، و التعليق موجب لبطلان البيع إجماعا، فيكون هذا الشرط فاسدا لا اثر له شرعا.

مضافا إلى أنّ هذا من قبيل شرط النتيجة، أي كون الرهن مبيعا، و لم يثبت أنّ هذا الشرط يكون من أسباب وقوع الرهن مبيعا، بل الظاهر أنّ للبيع أسبابا خاصّة لا يصحّ إلّا بها، فوقوعه بالشرط و لو لم يكن معلّقا لا يخلو من الإشكال.

و أمّا الثاني- أي فساد عقد الرهن- وجهه أنّه لو قلنا بأنّ فساد الشرط موجب لفساد العقد الذي وقع هذا الشرط في ضمنه- و بعبارة أخرى إنّ الشرط الفاسد مفسد للعقد الذي وقع في ضمنه- فواضح، لأنّ المفروض أنّ هذا الشرط، أي صيرورة الرهن مبيعا فاسد، فالرهن الذي وقع هذا الشرط في ضمنه فاسد.

و أمّا لو لم نقل بأنّ فساد الشرط يسري إلى العقد، و الشرط الفاسد ليس بمفسد كما هو المختار عندنا، فيكون فساد الرهن لكونه موقّتا، أي يكون انتهاء زمانه تعذر الأداء أو عدمه. و إن لم يكن متعذّرا بل كان ميسورا و لكن الراهن يماطل في الأداء و التوقيت في الرهن بغير الأداء مبطل إجماعا، و لأنّ التوقيت بغير الأداء و الوفاء مناف للاستيثاق الذي هو علّة تشريع الرهن، و ذلك لأنّه لو خرج الرهن عن ملك الراهن حال تعذّر الأداء أو حال عدمه و إن لم يكن متعذّرا أو متعسّرا عليه، فلا يمكن استيفاء الدين به و يخرج عن كونه رهنا.

و لكن الإنصاف أنّه لو لم يكن الشرط الفاسد مفسدا للعقد- كما هو الصحيح عندنا- و لم يكن إجماع في المسألة لكان هذا التعليل لا يخلو عن المناقشة، لأنّ الرهن مع مثل هذا الشرط يكون موجبا للاستيثاق قطعا، لأنّ الراهن إمّا يؤدّي أو يكون هذا الرهن ملكا للمرتهن عوض دينه، و على كلا التقديرين يكون ماله محفوظا إمّا

____________

(1) «جواهر الكلام» ج 25، ص 226.

53

بالأداء و إمّا بعوضه و هو نفس الرهن.

ثمَّ إنّه لو تلف مثل هذا الرهن في يد المرتهن، فإن كان التلف قبل صيرورته بيعا فاسدا فلا ضمان، لأنّ «ما لا يضمن بصحيحة لا يضمن بفاسده». و معلوم أنّ الرهن إذا تلف في يد المرتهن في العقد الصحيح لا ضمان له لأنّه أمانة مالكيّة، ففي الفاسد كذلك.

و أمّا لو تلف بعد تعذّر الأداء و صيرورته بيعا فاسدا، فيكون المرتهن ضامنا، لقاعدة «كلّ ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده» و معلوم أنّ البيع يضمن بصحيحه بضمان المسمّى فيضمن بفاسده.

و الدليل على صحّة هاتين القاعدتين و تماميّتهما ذكرنا في بعض مجلّدات هذا الكتاب. و أمّا تطبيقهما على هذا المورد ففي غاية الوضوح، و لا يحتاج إلى أزيد ممّا بيّنّا.

فرع: منافع العين المرهونة و كلّ ما يحصل منها من الفوائد تكون لمالك الرهن

، سواء كانت تلك المنافع و الفوائد متّصلة أو منفصلة، و سواء كانت بالاكتساب أو بغيره. و ما كانت بالاكتساب كحيازة العبد المرهون، أو غزل الجارية المرهونة مثلا، و هذا واضح، لأنّ كون منافع الملك للمالك ينبغي أن يعدّ من الضروريّات، و ليس محلّا للإشكال و الخلاف.

و إنّما الكلام وقع في أمر آخر، و هو أنّ المنافع التي للعين المرهونة مطلقا من أيّ قسم كانت- أي متّصلة كانت أو منفصلة كانت، موجودة حال وقوع عقد الرهن عليها أو تجدّدت و حصلت بعد الرهن، شرط المرتهن أو لم يشترط- كلّها داخلة في الرهن، أو لا يدخل كلّها مطلقا إلّا إذا اشترط أو يفصّل بينهما و التفصيل أيضا أقسام؟

أقول: لا ينبغي أن يشكّ في دخول المنافع المتّصلة التي ليس لها وجود مستقلّ في قبال ذوات المنفعة، بل تعدّ من أوصافها و أعراضها في الرهن. و العمدة في دليل ذلك هو شمول اللفظ لها، فإذا قال الراهن: رهنتك هذا الغنم على الدين الفلاني. فسمنه أو

54

كمّيته الموجودة فعلا، أو ما يتجدّد بعد العقد من وزنه و طوله و عرضه كلّها مشمولة لهذه اللفظة، و يدلّ عليها بالدلالة التضّمنيّة فوقع العقد عليها.

و أمّا ما عدا ذلك فلا بدّ أن ينظر أنّ اللفظ يدلّ عليها في متفاهم العرف بحيث وقع إنشاء الرهن بتوسيط تلك اللفظة عليهما فداخل، و إلّا فخارج. و هذا هو الضابط الكلّي الذي يجب رعايته و لا يجوز التعدّي عنه إلّا لأحد أمرين: إمّا الإجماع على دخول شيء في الرهن و إن لم يكن مشمولا للفظ أو على خروج شيء يكون مشمولا له، و إمّا الاشتراط من الطرفين الراهن و المرتهن بدخوله أو خروجه.

و ممّا ذكرنا تعرف أنّ ما ذكره في الشرائع من دخول الحمل المتجدّد بعد الارتهان في رهن الأمّ (1) ليس كما ينبغي، إلّا أن يشترط أو يكون إجماع عليه، و كذلك الثمر في النخل و الشجر.

فلو رهن بستانا، العين المرهونة هي الأرض مع ما فيها من النخيل و الأشجار، و أمّا أثمار تلك النخيل و الأشجار فهي خارجة عن الرهن، و كلّ ذلك لأجل خروجها عن مفهوم اللفظ عرفا، فلم يقع إنشاء الرهن عليها، فلا بدّ من دخولها في الرهن إمّا الاشتراط أو الإجماع.

و كذلك اللبن في الضرع خارج عن رهن الشاة أو البقرة مثلا، لخروجه عن مفهوم الشاة عرفا، مضافا إلى أنّ كون الحليب رهنا- خصوصا فيما إذا كان أجل الدين طويلا- لا يخلو عن إشكال.

نعم مثل الصوف و الوبر و الشعر المتّصلة بالحيوان المرهون و الأوراق و الأغصان حتّى اليابسة منها و السعف في النخيل، الظاهر دخولها فيه، لأنّها تعدّ عرفا من أجزاء العين المرهونة.

فإذا أنشأ الراهن المالك رهانة حيوان أو رهانة نخل أو شجر فالإنشاء يقع على

____________

(1) «شرائع الإسلام» ج 2، ص 83.

55

مجموع ذلك الحيوان أو ذلك الشجر، فجميع أجزاء ذلك الحيوان أو ذلك الشجر يدخل تحت إنشاء الرهن.

و أمّا الشيء الخارج عن المرهون فلا يقع تحت الإنشاء و لا يكون رهنا، إلّا بالاشتراط أو الإجماع كما تقدّم، فما يكتسب العبد المرهون بالحيازة أو بغيرها حيث يكون خارجا عن مسمّى العبد فلا يقع تحت إنشاء الرهن.

و قوله (عليه السّلام) في رواية إسحاق بن عمّار، عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) أنّه سأله عن رجل ارتهن دارا لها غلّة لمن الغلّة؟ قال: «لصاحب الدار» (1) أجنبي عن المقام، و روايات أخر بهذا المضمون أيضا (2) و لكن كلّها في مقام رفع توهّم أنّ المرتهن يستحقّ منافع العين المرهونة، فلا ربط لها بالمقام و هو دخولها في الرهن أو عدم دخولها فيه.

قال في الشرائع: من أنّه لو حملت الشجرة أو الدابّة أو المملوكة بعد الارتهان كان الحمل رهنا كالأصل على الأظهر (3) لا أظهريّة فيه، و إن كان هو الأشهر بين المتقدّمين. و أمّا رأس الجدار و مغرس الأشجار إن أريد بالأوّل موضع الجدار من الأرض الذي بنى الجدار عليه، و أريد بالثاني موضع غرس الشجر من الأرض، فالظاهر خروجها عن رهن الجدار و الشجر.

و خلاصة الكلام موارد الشكّ كثيرة، و لا بدّ من مراعاة ذلك الضابط الذي ذكرنا، فإذا بقي الشكّ و لم يحصل اليقين بانطباق ذلك الضابط في مورد فمقتضى الأصل عدم دخوله في الرهن، لأنّ الناس مسلّطون على أموالهم.

____________

(1) «الكافي» ج 5، ص 235، باب الرهن، ح 12، «الفقيه» ج 3، ص 312، باب الرهن، ح 4117، «تهذيب الأحكام» ج 7، ص 173، ح 767، باب في الرهون، ح 24، «وسائل الشيعة» ج 13، ص 132، أبواب الرهن، باب 10، ح 3.

(2) «وسائل الشيعة» ج 13، ص 131، أبواب الرهن، باب 10.

(3) «شرائع الإسلام» ج 2، ص 83.

56

فرع: لو رهن لقطة ممّا يلقط كالخيار و الباذنجان و ما يشبههما من المخضّرات

و الفواكه التي لها لقطات و قد يمتزج بعضها ببعض، فإن كان حلول الدين و الحقّ قبل تجدّد اللقطة التالية فلا إشكال في صحته، لاجتماع شرائط الصحّة، لأنّها عين خارجيّة متموّلة يمكن بيعها عند حلول الدين و استيفاء الحقّ منها إن لم يؤدّ الراهن الدين من جهة تعذّره أو تعسّره أو من جهة مماطلته، فالمقتضي للصحّة موجود و المانع مفقود.

و أمّا إن كان بعد تجدّد التالية فربما يختلط الأولى التي صارت رهنا بالثانية، فإن كانتا متميّزتين فأيضا لا إشكال في صحّته، لعين ما ذكرنا من وجود المقتضي و فقد المانع في الصورة السابقة.

و أمّا إن لم تكونا متميّزتين بحيث صار الاختلاط سببا للاشتباه بين كونها من اللقطة التي جعلت رهنا أو من التي لم تجعل، فربما يتوهّم بل قيل بالبطلان. و نسب إلى الشيخ (قدّس سرّه) (1) لتعذّر الاستيفاء لعدم جواز بيعه عند حلول الأجل لكونه مجهولا. و لكن الأصحّ الصحّة وفاقا لجمع من أساطين الفقه كالعلّامة (2) و الشهيدين (3) و جامع المقاصد (4) و غيرهم (5) و ذلك لأنّ استيفاء الحقّ ليس طريقه منحصرا بالبيع، بل يمكن بالصلح و لو قهرا بعد القسمة تعيّنه أي ما هو المرهون، فيجوز بيعه لارتفاع الجهل حكما، بل يمكن من أوّل الأمر أن يصالح المرتهن مع شريكه صاحب اللقطة التالية بمال، و هذا المقدار من الجهل لا يضرّ بصحّة الصلح.

هذا، مضافا إلى أنّ اعتبار وجود هذه الشرائط و اجتماعها يكون في حال إيقاع الرهن بمعنى حال إنشاء عقد الرهن يجب أن تكون العين المرهونة معيّنة معلومة قابلة

____________

(1) حكاه عن الشيخ في «المسالك» ج 1، ص 234. و هو في «المبسوط» ج 2، ص 242.

(2) «قواعد الأحكام» ج 1، ص 165.

(3) الشهيد الأوّل في «الدروس» ج 3، ص 396، و الشهيد الثاني في «المسالك» ج 1، ص 234.

(4) «جامع المقاصد» ج 5، ص 134.

(5) «إيضاح الفوائد» ج 2، ص 38.