أنوار الفقاهة (كتاب الرهن)

- الشيخ حسن كاشف الغطاء المزيد...
41 /
1

[في معنى الرهن]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ و به نستعين

كتاب الرهن

و الرهن لغةً الثبات و الدوام و الحبس و عليه قوله تعالى: [كُلُّ نَفْسٍ بِمٰا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ] و نقل من المعنى الثاني شرعا بناءً على الحقيقة الشرعية و متشرعاً بناءً على عدمها لحبس خاص أن أريد منه المعنى المصدري أو لعين خاصة محبوسه على الوجه الشرعي أن أريد منه نفس العين أو العقد الدال على المعنى المصدري و الاحتساب انسب بمذاق الفقهاء و الأوسط انسب بمذاق العرف و الأول انسب بمذاق النقل عن المعنى اللغوي و عليهما فهو وثيقة لدين المرتهن و يراد بالوثيقة المصدر أو اسم المفعول فالتاء فيها للنقل لا للتأنيث فلا يرد عدم المطابقة و يراد بالوثيقة ما يخص العين في مقابلة الدين و المنفعة و الحق لا يحتاج إلى التصريح بها لأنه من الأحكام و قد يزاد في الحد ما يدل على ذلك و ذكر الدين لإخراج الرهن على الأعيان من المضمونة كالمستام و المغضوب و نحوهما فإنه ليس بدين محقق و الرهن عليه باعتبار أوله عند تلفه مما يشك في مشروعيته و شمول الاطلاقات له ممنوع لانصرافه إلى غيره و لورود الاطلاقات مسبوقة لبيان حكم آخر لا لبيان أفراد المطلق و يكفي في الدين حصوله في الواقع و ان لم يعلمه الراهن و يخرج عن الدين ما يكون دينا بعد الرهن لانصراف الدين للحال و يخرج بدين المرتهن ما كان غير دينه و فيه لا على وجه الفضولية فان الأظهر فيه عدم الصحة و لا يرد الدور على أخذ المرتهن بصاحب الدين لإمكان إرادة بيان المعنى في الجملة لا الحد الجامع المانع

و في المقام مباحث:

2

أحدها: يجري الفضولي في عقد الرهن

و في صحة رهن غير المديون على دين شخص آخر على جهة التبرع على إشكال و لو رهن شخص مال آخر ثمّ ملكه ففي صحته إشكال و تكفي المعاطاة في الرهن و لا يكفي غيرها كالإشارة و الكتابة إلا مع العجز المستمر كالخرس و شبهه فتكفي الإشارة و لا يلزم التوكيل و هل تتعين الإشارة بعضو خاص كالرأس و العين و الأصابع أو يكفي كل عضو وجهان أحوطهما الأول و الاقتصار على الثلاثة و مع عدم استمرار العجز فالأظهر لزوم التوكيل و هل تقدم الإشارة على الكتابة أم يتخير لا يبعد لزوم تقديمها إلا مع عدم الإمكان فتصح الكتابة مع القرينة الدالة على المقصود و لا بد للتمكن من النطق أن عدل عن المعاطاة و يكفي التمام و الأرتل ما تيسر له و لا يلزم التوكيل و هل يشترط اللفظ العربي مطلقا أم لا يشترط مطلقاً أو يشترط للعربي دون العجمي أو يشترط مع الإمكان و لا يشترط مع عدمه فيصح من دون حاجة إلى التوكيل وجوه أقواها الصحة مطلقا و أجودها العدم إلا مع عدم إمكان التوكيل و هل يشترط الصراحة في الدلالة على المطلوب بنفسه فلا يكفي المجاز البعيد مع القرينة و يشترط الفعلية في الصيغة و الماضوية و الترتيب بين الإيجاب و القبول و عدم الفصل و عدم اللحن لأصالة عدم ترتب السبب عن دون ذلك و تغليباً لجانب اللزوم الحاصل من طرف الراهن أو لا يشترط للأصل و لشمول الإطلاق لجميع ذلك و لتغليب جانب الجواز الحاصل من طرف المرتهن أو يشترطه ذلك في الإيجاب و فيما تعلّق به كعدم الفصل بينه و بين القبول و عدم تأخره عن القبول و لا يشترط في القبول شيء من ذلك مما اختص أعطى لكل حكمه وجوه أظهرها الأخير و هل يكفي الرهن بصيغة الشرط بناءً على كفاية اشتراط الغاية دون السبب أو لا يكفي للشك في حصول الأثر وجهان أحوطهما العدم و لو رهن البائع المبيع على الثمن افتقر إلى إيجاب من المشتري بعد تمام الصيغة و قبول أخر من البائع بعد الإيجاب و لا يكفي القبول الأول على الأحوط مع احتمال كفاية القبول المتقدم أو جعله إيجاباً.

ثانيها: يفتقر عقد الرهن إلى القبض

للأخبار المعتبرة الدالة على أنه لا رهن إلا مقبوضاً و للإجماعات المنقولة و للآية الدالة على اعتباره بمفهوم الوصف و هو على نحو

3

قبض البيع تخلية و نقلا و إمساكا باليد و هل يكفي في المكيل و الموزون هاهنا كيله و وزنه لقيامهما مقام القبض مطلقا كما يظهر من الأخبار أم لا يكفي لورودها في البيع فيقتصر عليه و يحكم على غيره بما يحكم به العرف وجهان أظهرهما الأول و أحوطهما الأخير و يقوي التفصيل بين الطعام فيكفي كيله و وزنه مطلقا و بين الذهب و الفضة فلا بد من إمساكه أو نقله و هل القبض جزء من العقد للشك في تمامه بدونه و لنفيه في الأخبار بدونه المحمول على نفي الذات و لما نقل عن بعض أهل اللغة أم شرط في الصحة أم ناقل لها من حينه أو كاشف لها من أصله كالإجازة في العقد الفضولي أو شرط في اللزوم فيصح عقد الرهن بدونه وجوه أوجهها الوسط لعدم الشك المعتبر في الجزئية بعد شمول العمومات و الاطلاقات لعقده المركب بين الإيجاب و القبول و بعد اتفاق الفقهاء ظاهرا على تمامية العقد بدون ذلك و ان اختلفوا في الشرطية و عدمها و الاحتياط و حينئذ فلا يحكم بجزئيته مضافاً إلى ظاهر مفهوم الوصف في الآية فإن ظاهرها أن الوصف مخصص لا موضح و أما الخبر و ان كانت حقيقته في نفي الذات إلا أن نفي الصحة مجاز مشهور أن لم يغلب عليه الحقيقة فلا تغلب عليه و لضعف القول باشتراطه في اللزوم فقط بالإجماع المنقول على اشتراطه في الصحة ورد و الإجماع المنقول على اشتراطه في اللزوم إليه دون العكس لضعف ناقل الإجماع على اللزوم و إمكان صرفه إلى الأول دون العكس و بظاهر الآية لظهورها في الإرشاد المنتفي عند نفي القبض و هو المناسب لنفي الصحة عند نفيه دون اللزوم أو الكمال و بظاهر الأخبار لقربها إلى نفي الصحة من نفي اللزوم أو الكمال لقرب نفي الصحة إلى نفي الذات دونهما و بهذا يظهر ضعف القول بعدم اشتراط القبض مطلقاً إلا في الصحة و لا في اللزوم استناداً للأصل و شمول العمومات و الاطلاقات لغير المقبوض و لظهور الآية في وقوع الرهن مقبوضا و غير مقبوض إذ لو لم يكن إلا مقبوضا لكان وصفه به وصفا زائدا كرهان مقبولة و نحوها و لأن الآية للإرشاد فظاهراً و كما إنها إرشاد لأصلها فهي إرشاد إلى القبض للاحتياط بحفظ المال و لضعف الرواية الدالة على الاشتراط و ذلك لتخصيص الأصل و العمومات بما ذكرنا من الأدلة و انصراف الإطلاقات لما هو

4

مقبوض دون غيره على أن المطلق مسوق لبيان أحكام آخر لا لبيان الحكم على الماهية صحة أو فَساداً و لأن الوصف في الآية مخصص لبيان الصحة لأن لفظ الرهن اعم من الصحيح و الفاسد فلا يلزم من اشتراطه في الصحة وقوع الوصف لغوا و لأن الظاهر من الإرشاد للرهن المقبوض كون القبض شرطا في صحته أو لزومه مجرد الإرشاد للاحتياط في الاستيثاق لأن غرض الشارع بيان الشرعيات لا العرفيات ثمّ على ما ذكرناه من اشتراط القبض في الصحة لو اشترط الرهن في عقد لازم لزم تقبيضه لانصرافه إلى الصحيح و على القول باشتراطه في اللزوم فهل يكفي في الوفاء بالشرط حصوله من دون قبض لإطلاق الشرط فيفسخ الراهن الرهن بعد عقد الرهن قبل القبض و لا خيار للبائع أو لا يكفي إلا أن يحصل القبض من الراهن لانصراف الرهن في الشرط إلى اللازم دون الجائز وجهان و في الأخير قوة و لو مات الراهن أو المرتهن أو جُنَّ أحدهما قبل القبض بطل العقد على القول باشتراط القبض في الصحة أو بكونه جزءاً من العقد على الأظهر و قيل يجريان الخلاف على القول باشتراط القبض في الصحة بالنسبة إلى موت المرتهن و جنونه و هو ضعيف و على القول باشتراطه في اللزوم احتمل البطلان كما هو شأن العقود الجائزة و احتملت الصحة لأوله إلى اللزوم كبيع الخيار و بيع المعاطاة و للاستصحاب و احتمل الفرق بين موت الراهن فينفسخ لتبعيته للدين فيبقى ببقائه وجوه و لا يبعد الأخير و استدامة القبض ليس شرطا فلو عاد إلى الراهن لم يضر و يشترط الأذن في القبض ابتداءً فلا يكفي القبض من دون أذن و هو ظاهر الفقهاء لانصراف أدلة اشتراط القبض إلى القبض المأذون فيه و في اشتراط كون القبض للرهن عند الأذن فيه كذلك وجهان و كذا لو أذن في القبض لغير فيقبض له ففي أجزائه وجهان و هل يشترط إباحة القبض الظاهر العدم فيكفي القبض بالمنهي عنه لنذر و شبهه و لو قبض المشترك صح و ان فعل حراما بالدفع لاستلزامه التصرف بمال الغير بغير أذنه و لا يجدي تصرفه بماله لأنه تصرف واحد بماله و مال غيره فهو حرام و لو كان قبضه نفس التخلية فلا أشكال حينئذ في صحة القبض لعدم التصرف و لو رهن ما هو غائب افتقر إلى إحضاره لتسليمه له و ان كفت التخلية في قبضة لزم وصوله إليه بنفسه

5

أو بوكيله أو مضي زمان يمكن وصول إليه بنفسه أو بوكيله أو مضى زمان يمكن وصوله إليه عادة أو وصوله إلى وكيله على وجه قوي في الأخير و لو رهن ما هو مقبوض بيد المرتهن احتمل الاكتفاء بالقبض السابق مطلقا أو احتمل عدم الاكتفاء مطلقاً بل و لا بد من الأذن الجديد و القبض الجديد أو مضي زمان يمكن فيه ذلك و احتمل الفرق بين المقبوض بأذن فالأول و بين المقبوض من دون إذن فالثاني و احتمل الافتقار إلى الأذن دون تجديد القبض للزوم تحصيل الحاصل و احتمل الافتقار إلى مضي زمن يمكن فيه القبض دون القبض نفسه و احتمل الافتقار إلى الأذن في المغصوب و نحوه دون المأذون فيه و احتمل الفرق بين علم الراهن بقبض المرتهن له عند الرهن فلا يفتقر إلى أذن لدلالة رضاه بالرهن على الأذن و بين عدم علمه به و قد تبقى المسألة على أن المقبوض لغير الرهن هل يجزي عن قبضه له ام لا فان قلنا به صح في المقبوض بأذن مطلقاً دون المغصوب و المبيع بالبيع الفاسد و ان لم نقل بالأجزاء لم يصح الّا في صورة أن يقبضه للرهن أولًا ثمّ يوقع عقد الرهن و الأظهر الأجزاء كما أن الأظهر عدم الفرق بين الابتداء في القبض و بين الاستدامة لصدق اسم المقبوض فلا حاجة إلى تجديد القبض للرهن أو مضي زمان يمكن فيه التجديد ملاحظة لكون الزمان من لوازم القبض فلو لم يحصل نفس القبض كان لازمه مطلوبا لكونه مقدمة فان الزمان لازم و له و مطلوب من جهة كونه مقدمة فإذا كان حاصلا لم يتوقف عليه بوجه فلا يكون لازما فالأظهر حينئذ توقف صحة الرهن في المقبوض بإذن و لو بغير الرهن على تجديد الأذن و عدم توقف المقبوض مطلقاً على تجديد القبض و لا على مضي زمن يمكن فيه ذلك نعم فيما يكون القبض فيه التخلية لا يبعد توقفه في الابتداء على مضي زمن يمكن الوصول إليه عادة و الإقرار بالرهن ليس بإقرار إلا بالاقباض مع احتماله كونه إقرار به لانصرافه إلى الرهن الصحيح و لو أقر بالقبض و أنكر الأذن كان القول قوله و لو أقر بالأذن و القبض ثمّ أنكر لم يسمع قوله و لو ادّعى علم المقر له بكذبه عند الإقرار ففي أن له اليمين على نفي العلم من المقر له وجه و لو ادّعى أمرا ممكنا صارفا للإقرار عن معناه أو ادعى الاشتباه عند الإقرار كان له تحليف المقرُّ له على نفي ذلك أو على نفي العلم بذلك و لو

6

ادّعى الموطأة في الإقرار بالقبض قبل القبض ترويجا للاستشهاد و كان له اليمين على المقولة على نفي ذلك أو نفي العلم به و لو ادّعى في الإقرار أمراً ظاهراً يغلب على أصالة صحته ففي سماع دعواه و جعل القول قوله مع يمينه وجه قوي و لو أدعي كذب إقراره فليس له اليمين على نفي ذلك على المقر له و لا تسمع دعواه إلا إذا ادّعى عليه العلم ففي سماع ذلك وجه كما تقدم.

ثالثها: يشترط في الرهن كونه مملوكا

فلا يصح رهن غير الملوك لعدم الفائدة برهنه و ان يكون مملوكا للراهن فلا يصح رهن مال غيره إلا على جهة الفضولية و يشترط كونه عينا فلا يصح رهن المعدوم قبل وجوده و لا رهن المنفعة لعدم انصراف أدلة الرهن إليها و لا رهن الحق كذلك و كونه عيناً مشخصاً في الخارج فلا يصح الكلي و لا الدين لعدم انصراف الأدلة إليهما و ليس المانع كون الدين غير مقبوض فيجوز رهن الدين عند من لا يشترط القبض لإمكان قبض الدين بعد رهنه بأذن الغريم لأن ما في الذمة بمنزلة المقبوض فيمكن جعله رهنا فيباع حين كونه دينا أو بعد تعينه في فرد للوفاء فرده المعين للوفاء رهنا أيضا كأصله فلا يرد حينئذ على القول برهنه أن ما يكون رهنا فهو فرده الخارجي لا نفس الدين و الكلام في رهن الدين لا في رهن الفرد و لا يرد أيضا أن الرهن استيثاق للدين فلا يكون دينا لا خلاله بالمقصود لجواز كونه دينا على المرتهن فيحصل منه الوثوق و كونه على غيره ممن يستوثق بوفائه و لا يرد أيضا أن الدين أيضا ليس مقبوضا و الفرد المعين للوفاء ليس نفسه فلو قبض للرهن لم يكن الدين المرهون مقبوضا لأن قبض الفرد قبض لكلتيه فيصدق عرفا أن الدين قد قبضه المرتهن إذا كان عليه أو على غيره و قد و كل على قبضه بنفسه عنه و الحق ما تقدم من أن مثل هذا القبض لا تنصرف إليه إطلاقات أدلة القبض كتاباً و سنةً بل لو قلنا بعدم اشتراط القبض في الرهن لا نقول بجواز رهن الدين لعدم انصراف الأدلة لمثل هذا الذي لا يمكن قبضه و يندر الاستيثاق به أو لم يمكن قبضه و لكن لا على حد غيره مما يقبض فلا عجب من العلامة (رحمه الله) حيث جمع بين عدم اشتراط القبض و بين المنع من رهن الدين كما تعجب منه الشهيدان و لا حاجة إلى الاعتذار عنه بالتزام اشتراط

7

كون الرهن مما يمكن قبضه و ان لم يشترط قبضه بالفعل و الدين لا يمكن قبضه لما تقدم من بيان ضعفه و ليس المانع من رهن المنفعة أيضاً عدم إمكان قبضها بقبض العين كما إذا رهن عنده منفعة سنة مطلقة أو معينة فسلمه العين فإذا أراد استيفاء الدين أجرّ العين و استوفي الدين منها و لا المانع كونها ما تتلف شيئا فشيئا فلا يمكن اتلافها و لا استيفاء الدين منها لأن القبض ممكن بقبض العين لا بقبضها نفسها و الاستيفاء ممكن بإجارة العين و أخذ الثمن أو باستيفاء نفس المنفعة أو بإجارة العين و جعل الأجرة كرهن ما يتسارع إليه الفساد في وجه ربما يبني عليه فيما أسرع الفساد إليه بل المانع من رهن المنافع هو الإجماع المنقول و فتوى المشهور تحصيلا و عدم انصراف أدلة الرهن و أدلة القبض المشروط فيه إليها من دون تفاوت بين القول باشتراط القبض في الرهن و بين عدمه و مما ذكر ظهر انه لا يجوز رهن خدمة المدبر و القول بجوازه لصحة بيع خدمته كلما صح بيعه صح رهنه ضعيف لمنع الأصل سوي دعوى رواية لم نعثر عليها و منع الكلية سيما فيما استند جواز بيعه للرواية لا للقاعدة و لو دبر العبد فرهنه قيل يصح التدبير و الرهن و أن فك الرهن وقع التدبير و إلا فسد و بالجملة لا تمانع بينهما كي ينسخ أحدهما الآخر فيبقى التدبير غير مستقر بل مراعي و قيل يبطل التدبير أما لأنه عتق بصفة فيزول تسليط المرتهن على بيعه و أما لأنه وصيته و هي عقد جائز تنفسخ بما ظاهره الأعراض عنها و إمالتنا في موردهما لأن الوصية بالعتق تنافي تسليط المرتهن على نقله على جهة الإطلاق في كل منهما و تقييد الوصية بحالة الفك خلاف ظاهرها و الأرجح الأخير و القول ببطلان الرهن ضعيف جدا و لا يصح رهن الأرض المباحة و لا الخراجية و لا الوقف و أن جاز بيعه على بعض الوجوه لعدم الاستيثاق ببيعه إلا إذا حصل شرط البيع فلا يبعد جواز رهنه و هل يصح رهن غير المقدور على تسليمه لجواز نقله بغير أو مع الضميمة فيحصل منه الاستيثاق أو لا يصح لأن المعارضة عليه سفه مطلقاً أو يصح مع الضميمة لا مجرداً أو يختص بالآبق دون غيره وجوه و الأخير قوي و هل يجوز رهن الخمر عند المسلم إذا وضع عند كافر ليبيعه لكافر بإذن صاحبه فيدفع ثمنه للمسلم و هل يجوز رهن العبد المسلم عند الكافر إذا وضع عند مسلم ليبيعه و يدفع

8

ثمنه للكافر أو لا يجوز فيهما أو يجوز في الأول دون الثاني أو بالعكس كما اختاره بعضهم وجوه أقربها عدم الجواز مطلقاً لأن يد الكافر في الأول بمنزلة يد المسلم لنيابته عنه لحصول تعلق له به في الجملة لأن الحجر عليه بسببه و يد المسلم في الثاني كيد الكافر فلا ترفع السبيل المنفى على المسلم من الكافر و بالجملة فللمرتهن على الرهن سلطنة و سبيل و هما منفيان عن الكافر بالنسبة للمسلم فتجويز الثاني دون الأول كما يظهر من المحقق (رحمه الله) لا وجه له و يصح الرهن في زمن الخيار لعين تعلق بها الخيار فان كان الراهن من له الخيار كان فسخا و ان كان غيره صح تصرفه و لا يكون ممنوعا عنه و لا فضوليا على الأظهر و كان لذي الخيار عند الفسخ فسخ الرهن في وجه أو إبقاؤه و أخذ مثله أو قيمته و يجوز رهن المرتد الملي لبقاء المالية و هل يجوز رهن الفطري لما ذكرناه و كونه في معرض التلف لجواز قتله غير مناف و لاستصحاب بقائه فيحصل الاستيفاء من ثمنه أو لا يجوز لضعف الاستيثاق به و كونه في معرض الزوال و لو قلنا بعدم جواز نقله و بيعه لأنه فاسد كالبيض الفاسد و لأنه في معرض التلف لوجوب قتله فلا إشكال لعدم جواز رهنه و يجوز رهن الجاني عمدا لبقاء المالية و لا ينافيه تعلق حق القصاص لإمكان العفو عنه فان عفى المجني عليه أو رضي المولى بالفداء لزم الرهن و إلا بطل من حينه مع احتمال المنع من رهنه لتعلق حق الجناية من قتل أو استرقاق قبل الرهن فلا يصلح لتعلق حق الرهانة به و الأول أوجه لأن حق الجناية لا يقضي بالتحجير بل لصاحب الحق الفسخ عند اختيار أحد الأمرين و أما الجاني خطأ فلا أشكال ببقائه إنما الإشكال في صحة رهنه بعد سبق تعلق حق الجناية فيمكن القول بصحته و اجتماع الحقين عليه إلا أنه يقدم حق الجناية لسبقها على حق الرهن و القول بصحته على أن يكون الرهن التزاماً للمجني عليه بالفداء بنفس الرهن و يمكن القول بفساده لمنع حق المجني عليه من ورود حق آخر ينافي استيفاء حقه منه و الأقوى عدم منافاة الجناية للرهن فيصح الرهن ما لم يسترق الجاني أو يقتل فإن استرق أو قتل بطل الرهن من حينه هذا في العمد و يصح في الخطأ ما لم يمتنع المولي عن الفداء فيبطل من حينه.

9

رابعها: لو رهن رهنا فخيف ببقائه الفساد باعه المرتهن بأذن المالك

فإن لم يتمكن من أذنه بأن غاب أو امتنع باعه المرتهن بأذن الحاكم و جعل ثمنه رهناً لأنه نماؤُهُ و بدله فيجري حكم المبدل منه على البدل و هذا بخلاف ما لو باع الراهن الرهن بأذن المرتهن فإنه لا يكون رهنا قهرا إلا إذا شرط في أذنه كون الثمن رهنا فإنه قد يكون رهنا في وجه و لو رهن ما يسرع إليه الفساد قبل حلول أجل الدين فإن أذن المالك ببيعه أو أطلق صح الرهن و باعه لأذن المالك في الأول أو بإذنه فإن لم يكن فبإذن الحاكم في الثاني أن امتنع أو غاب و جعل ثمنه رهنا فإن فصر في البيع بعد الأذن أو الاستئذان ضمن و أن نهاه المالك عن البيع أَولًا افسد الرهن و أن نهاه أخيراً كان له بيعه بأذن الحاكم و جعل ثمنه رهناً فإن لم يفعل فلا ضمان عليه عند تلفه و فساده و احتمل جواز بيعه قهراً بأذن الحاكم حتى لو شرط الراهن ابتداءً عدم بيعه و لو غضب الرهن كان عوضه رهناً و لو جنى على العبد المرهون كان ثمن الجناية رهناً و بالجملة كل ما كان بدلًا للرهن قهرياً على الراهن كان مرهوناً حتى لو أتلف الراهن رهنه الزمه المرتهن بجعل عوضه مكانه و لو كان المتلف لزمه أداء المثل و القيمة و يكونان رهنا و هذا كله أما حكم شرعي يدل عليه على ما يظهر لي الاتفاق و يكون الرهن للاستيثاق و هو هاهنا نفس المال لا خصوص العين الشخصية و يكون بدل العين تابعا في سائر العقود على ما يظهر من الاستقراء و أما حكم عقدي قضي به عقد الرهن من المالك حيث أنه استوثقه من ماله عوض ماله و ليس له غرض خاص في نفس العين الشخصية و الظاهر ان كلًا منهما قاض بذلك.

خامسها: لا شك في مشروعية الرهن بالنسبة إلى الدين السابق المستقر في الذمة

و لو كان بسبب عقد متزلزل و أما الدين المقارن كبعتك الدار بألف و أرهنتها عليها أو بشرط إن تكون رهناً على الثمن إن سوغناه فيقول قبلت فلا يخلو القول بصحتهما من أشكال إلا أن يتأخر الرهن فيقول قبلت و أرهنت فيقول البائع قبلت فإن القول بالصحة هو الوجه فلا يجوز الرهن على حق غير مالي و لا على حق مالي لا يمكن استيفاؤه من الرهن و لا على عين غير مضمونة للإجماع المنقول و فتوى الفحول و عدم

10

شمول دليل الرهن لمثلهما. و هل يصح على الأعيان المضمونة لأولها إلى الدين عند تلفها أو امتناعها فيمكن استيفاء مثلها أو قيمتها من الرهن و أن لم يمكن استخلاص نفس العين منه فيشمله اطلاقات أدلة الرهن الدالة على جواز رهن مال على مال و عموم أدلة العقود و اطلاقات أدلة الرهن لشمول حكمه على الدين المرتهن على الأعيان لاستدعاء الضرورة للاستيثاق عليها و لعموم قوله (عليه السلام) استوثق من مالك ما استطعت و وروده في السلم لا ينافي عمومه و لتعلق الخطاب بالتأدية و تعلق سبب الضمان بالأعيان المغصوبة و شبهها أو لا يصح كما نسب للأكثر للأصل و الشك في شمول عموم دليل العقود لها و كذا إطلاقات الرهن و عدم ثبوته من العقود المتعارفة و عدم ثبوت تسميته و عدم ثبوت كونه من المتداول عرفا و لاختصاص الآية و أكثر أخبار الرهن بالدين دون غيره و لمنع دليل الحكمة و منع كونه علة بعد ثبوته و لمنع دلالة قوله استوثق من مالك ما استطعت علي خصوص الرهن و إنما هو بالاستيثاق بطرقه المعهودة و لمنع شمول اطلاقات الأمر بالرهن على المال للأعيان المغصوبة لانصرافها بحكم التبادر للديون على أنها واردة كلا في حكايات الأصحاب و لمنع وجود سبب الضمان قبل التلف و منع تعلق الخطاب بأداء المثل أو القيمة قبله و إنما الخطاب متعلق بأداء العين ما دامت موجودة و لمنع كون الأول إلى الدين عند التلف مصححاً للرهن و إلا لجاز الرهن على الأعيان الغير مضمونة لأولها إلى الدين عند التلف أيضاً مع التعدي أو التفريط أو الامتناع عن الأداء و لأن من مقتضى الرهن استيفاء نفس المرهون عليه أو فرده المتحد به في الخارج و ليس الأعيان المضمونة مما تستوفي من الرهن و مثلها أو قيمتها أمر خارج عنها وجهان و الأخير أقوى كما ظهر من الأدلة و هل يصح الرهن على الدين واقعاً كرهن المال على ما يدعي عليه قبل ثبوته فيثبت بعد ذلك و الرهن على ثمن المبيع خوفاً من خروج استحقاقه سواءً كان باقيا إذ صححنا الرهن على الأعيان المضمونة له تالفاً وجهان و الجواز هو الأقوى و لا يصح الرهن على ما يثبت في الذمة كمال الجعالة قبل العمل و لا على الدية قبل استقرار الجناية و أن حصل سبب وجوبها في الجملة أو علم إنها تأتي على النفس إلا أن تبلغ إلى الحد الذي يوجب

11

الدية و لا على دية الخطأ قبل حلول كل قسط منها لعدم استقرارها على من هي عليه قبل ذلك و عدم تعينه و قد يقال بجواز أخذ الرهن على الدية التي ثبت موجبها و أن لم تستقر هي كقطع اليد فإن غايته الموت و هو لا يزيد عليه و يجوز أخذ الرهن على مال الجعالة و على مال الكفالة المقيد به مطلقة و مشروطة و كونها في في المشروطة جائزة من طرف العبد لجواز تعجيزه نفسه غير مناف لثبوته في ذمته قبل التعجيز و كون الرهن من مال السيد فلا يستوفي ماله من ماله مدفوع بإمكان كونه عارية من غيره و بأنه و أن كان من مال السيد إلا أن سلطانه بيد العبد و لا يصح الرهن على ما لم يمكن استيفاء المرهون منه كالمنفعة الخاصة من الأجير الخاص و شبهها لبطلانها بامتناعها و عدم جواز أخذ الرهن على قيمة مثلها عند امتناع الأجير عن الأداء إلا أنه لم يثبت بعد و لا يصح أخذ الرهن على ما لم يثبت.

سادسها: يشترط في الراهن العقل و الرشد و القصد

و الاختيار من غير خلاف يعرف و يجوز مع الإجازة بالنسبة إلى المكره إذا لم يرتفع قصده و يبلغ حد الإلجاء و يجوز للولي رهن مال الطفل للمصلحة و الغبطة كما يجوز له الأذن للسفيه بذلك أيضاً و يجوز جعل رهنين على مال واحد متعاقباً زائدين عليه أو ناقصين عنه أو مساويين له و يجوز جعل رهن واحد على ما لين لشخصين دفعة أو متعاقباً على نحو ما ذكر و هل يوزع الرهن على المالين دفعة أو متعاقباً على نسبة المال و على نسبة الروس أو على جهة البدلية فأيهما استند به كان له وجوه أقواها الأول و أضعفها الأخير و يجوز للولي أن يستقرض مال الطفل مع الملاءة و لا يلزم وضع رهن عنده و لا كون استقراض للمصلحة كما يفهم من الخبر الصحيح و كلام المشهور من الفقهاء نعم يشترط عدم الافساد قطعاً و قد يقال باشتراط المصلحة للاحتياط و ينزل إطلاق الرواية عليها و هو حسن و لا يجوز أن يقرض غيره من دون مصلحة لليتيم في القرض لحرية التصرف بمال الغير في غير المقطوع به و يلزمه أخذ رهن أو كفيل مخافة الإفساد من دونهما و مثله التصرف بمال المجنون لعدم ورود دليل صالح على جوازه من دون مصلحة هذا كله في غير الولي الإجباري و أما الإجباري فيصح تصرفه يمال المولى عليه مطلقاً إلا مع

12

الإفساد فلا يصح مع احتمال الصحة و أن أثم أوهل يجب على غير الإجباري تحري الطرق الأعلى من المصلحة أو يكفي وجود مصلحة ما وجهان أظهرهما الأخير و لو وجدت في حال الإقراض مصلحتان أعلى و أسفل فهل يجوز للولي الغير الإجباري العدول عن الأولى للثانية أو لا يجوز وجهان أحوطهما الأخير و هل المدار على المصلحة الواقعية فيضمن بدونها و يقع العقد فاسداً أو المصلحة بنظره فيصح العقد و لا ضمان لو وافقت المصلحة نظره دون الواقع أو ينتفي الضمان و يفسد العقد وجوه و مقتضى دليل العسر و أن المرء متعبد بظنه الصحة و عدم الضمان.

سابعها: عقد الرهن من العقود القابلة للشروط

لعموم دليلها إلا شرطا خالف الكتاب و السنة أو حرم حلالًا أو أحل حراماً أو عاد على العقد بالنقض كان خالف مقتضاه لأنه مما يخالف الكتاب و السنة فيقع باطلًا إلا أن الشرط من قبل المرتهن جائز لجواز أصله فله فك الأصل و فسخ الشرط و هل له فسخ الشرط دون الأصل الظاهر لا بل يلتزم بالشرط ما دام ملتزماً بالعقد و أما من قبل الراهن فلازم فيجبره المرتهن عليه فإن لم يفعل كان للمرتهن الفسخ كما كان له في الأصل إلا أنه لا مصلحة له فيه و يجوز للراهن فسخ عقد الرهانة أن لم يأت المرتهن بما شرط عليه و أن لم يكن له جبره مع احتمال أن له جبره ما دام مقيماً على مقتضى العقد و يجوز للمشترط منهما إذا كان حق الشرط له عدم الإتيان بالشرط لأنه له ترك حقه مع احتمال جواز جبر الأخر له قضاءً لحقه الحاصل من الاشتراط و يجوز اشتراط جعل أحد المتعاقدين أو غيرهما وكيلًا في البيع في عقد الرهن و يلزم الراهن الوفاء به فإن كان المشروط عقد الوكالة ألزم الراهن بتوكيل المرتهن أن شرطاً ذلك فإن أمتنع أجبر و يحتمل تولي الحاكم الأذن في التوكيل حينئذ فإذا وكل الراهن المرتهن و قبل ذلك فهل له بعد صدور العقد أن يفسخ الوكالة لأنها عقد جائز و قد أوقع الراهن ما شرط عليه في الجملة أو ليس له للشك في جواز عقد الوكالة المشروطة في عقد لازم و الأصل اللزوم و لأن ظاهر الشرط أن يجعله وكيلًا دائماً فلا يصح له مخالفة الشرط وجهان و الأول أقرب للقواعد و الثاني أقرب لمذاق الفقاهة و أن كان المشروط نفس الوكالة و قلنا ان الشرط يقوم مقام عقدها صار المرتهن

13

وكيلًا بنفس الشرط و هل للراهن فسخ الوكالة لأن الوكالة مبنية على الجواز أو ليس له لأنها ثبتت بالشرط في عقد لازم و الاستصحاب يقضي بلزومها وجهان و الأخير أقوى فظهر بذلك ضعف القول بأن للراهن فسخ الوكالة مطلقاً لأنها من العقود الجائزة لمنع الأول في مثل الوكالة المشروطة و منع الثاني بدليل عموم أدلة الشرط و منع الثالث ما دام ذو العقد باقياً عليه أو منعه من جهة الراهن للزومه من طرفه و لو مات المشروط وكالته انفسخت وكالته لفقد موجبها لأن الشرط كونه بنفسه وكيلًا لانفساخها بالموت إلا إذا اشتراط وكالة وارثه من بعده فيصح ذلك كما يصح اشتراط توكيل أجنبي و الوصية بها لغيره و القول بأن للمرتهن عدم القيام بما شرط عليه مطلقاً لجواز العقد من قبله ضعيف و تقدم وجه ضعف و يجوز للمرتهن إذا كان وكيلًا أن يبيع من نفسه على الظاهر و لكن ينبغي له التأمل في مصلحة الراهن كي لا يغلب عليه هواهُ و كذا يجوز له تولي طرف العقد على الأقوى.

ثامنها: لو مات المرتهن و يلحق به الجنون

أو الجهل به في وجه و لم يعلم الرهن بعينه أو أنه في ضمن أمواله الموجودة كان كسبيل ماله لأصالة براءة ذمته من اشتغالها بقيمة الرهن عيناً أو قيمةً لتوقف اشتغالها بها على إتلافه بنفسه أو على تلفه مع تعدّ به أو تفريط و كلاهما منفي بالأصل و كون عدم الوصية بها تفريط موقوف على تذكره لها و تمكنه من الوصية بها و وجودها و العلم بأنه لم يوصِ بها لأحد و لم يعيِّن الوصية بعد موته و كله محل منع و الأصل عدمه و الأصل عدم كونها في أعيان أمواله الموجودة بعده لقضاء ما كان يده عليه بالملكية و انتقال جميع ما يحكم بأنه له لوارثه و استصحاب بقائها لا يقضي إلا بكونها موجودة في الخارج لا في أعيان أمواله المحكوم بأنها له و لوارثه من بعده و أصالة عدم كونه في مكان آخر لا يثبت كونها في أمواله لأن أصل مثبت و عموم على اليد ما أخذت حتى تؤدي مسلم في الأمانة مع بقاء عينها أو مع تلفها بتعد أو تفريط و بدونها لا يشمل على الأمانة قطعاً و الرهن هاهنا أمانة لا يعلم عينها كي يرجعها الوارث و لا يعلم تلفها بوجه مضمون كي يؤدي مثلها أو قيمتها و استصحاب وجودها لا يقضي بدفع شيء من مال الميت لأصالة براءة ذمته و أصالة

14

عدم كونه شريكاً للوارث هذا كله و الأحوط دفع الوارث قدر الرهن من مال الميت و الأحوط للوصي المصالحة و على الاحتياط ففي كونه متعلقاً بالتركة فيحكم بكون عين الرهن في أعيان المال فيكون بمنزلة الشريك فيقدم على ساير الغرماء أو تعلق الدين فيحكم بكون مثله أو قيمته ديناً على الميت فيكون صاحب الرهن أسوة مع الغرماء وجهان و لا يبعد الأول و هو الأحوط.

تاسعها: المرتهن أحق باستيفاء دينه من عين الرهن دون سائر الغرماء لسبق تعلق حقه به فيستصحب

و لأن فائدة الرهن عرفاً و شرعاً كما يلوح من الأخبار و كلام الأصحاب هو اختصاص المرتهن بالاستيفاء منه لأنه وثيقة بيده دون غيره فلا يعارضه حق غريم آخر و لا يتفاوت الحال في ذلك بين الحي و الميت للإجماع المنقول على الأول بل قد يدعي أنه محصل و أما الثاني فهو فتوى المشهور شهرة محصلة و محكية بل قد نقل عليه ظواهر جملة الإجماعات و أن لم تكن صريحة و حينئذ فالقاعدة المتقدمة المعتضدة بما ذكرنا من الشهرة المحكية و المحصلة و ظواهر الاجماعات المنقولة على شمول القاعدة للحي و الميت لا ينبغي تركها و الرجوع إلى ما ورد من شواذ الأخبار و مهجورها كما صرح في الدروس كالروايتين الدالتين على أن رجلًا أفلس و عليه دين لقوم و عند بعضهم رهون فمات و لا يحيط ماله بما عليه من الدين أن ماله يقسم جميعه من رهن أو غيره على جميع الغرماء بالحصص و هما مع ذلك قاصرتا السند لضعف أحدهما و جهالة الثانية لكونها مكاتبة و لو بقي للمرتهن دين بعد استيفاء الرهن شارك الغرماء في باقي التركة من غير خلاف و لظاهر الأدلة عموما و خصوصاً.

عاشرها: الرهن أمانة بيد المرتهن أو وكيله

و لو كان هو الراهن لا يضمن إلا مع التعدي أو التفريط سواءً في ذلك صحيح الرهن و فاسدة لأن ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده نعم لو طرأ عليه سبب للضمان كقبضه من غير أذن المالك و كان مقبوضاً قبض ضمان كما إذا كان مغصوباً ضمنه المرتهن مطلقاً و مع ضمانه لا يسقط من دين المرتهن شيء مع اختلاف جنس الدين و جنس ما يضمن به الرهن إلا مع الرضا أو المقايضة أو المعاوضة الجديدة و مع اتحاده يسقط بقدره لمكان التقاص القهري

15

مع احتمال عدمه و يدل على عد ضمان الرهن على المرتهن و على عدم سقوط شيء من حقه و لو تلف من غير سبب ضمان ظواهر الاجماعات المنقولة و الشهرة المحصلة و قواعد الأمانات و جملة من الروايات ففي الصحيح في رجل رهن عند رجل رهناً فضاع قال هو من مال الراهن و يرتجع للمرتهن عليه بماله و في آخر في رجل يرهن عند آخر فيصيبه شيء أو يضيع قال يرجع عليه بماله و في ثالث فيمن يرهن الغلام أو الدار فتصيبه الآفة قال على مولاه نعم قال أ رأيت لو قتل قتيلًا على من يكون قلت هو في عنقي العبد قال أَ لا ترى لم يذهب من مال هذا ثمّ قال أ رأيت لو كان ثمنه مائة دينار فيزاد بلغ مائتى دينار لمن كان يكون قلت لمولاه قال و كذا يكون عليه ما يكون له و يدل على الحكم أيضاً الأخبار المتكررة الدالة على أن نماء الرهن للراهن بضميمة الخبر المتقدم و الخبرين النبويين المستفيضين في أحدهما الرهن من صاحبه له غنمة و عليه غرمه و في آخر الخراج بالضمان و خراج الرهن للراهن إجماعاً فعليه ضمانه و مما ذكر ظهر أن ما ورد من الأخبار مما ظاهره خلاف ذلك من ضمان المرتهن ما تلف من الرهن و من سقوط حقه في مقابله مؤول أو محمول على التقية أو على حالة التفريط أو على الإتلاف أو على ما إذا كان مضموناً كالخبر في الرهن يترادان الفضل فقال أن كان الرهن أفضل مما رهن به ثمّ عطب رد المرتهن الفضل على صاحبه و أن كان لا يسوي رد الراهن ما ينقص من حق المرتهن قال و كان ذلك قول علي (عليه السلام) و فيه إشعار بالتقية في آخر مثله و في ثالث في الرهن إذا ضاع من عند المرتهن من غير أن يستهلكه رجع في حقه على الراهن فبأخذه فإن استهلكه ترادا الفضل بينهما و هو مشعر بالإتلاف لا التلف كما يشعر به الصحيح في الرجل يرهن الرهن بمائة درهم و هو يسوي ثلاثمائة درهم فهلك على الرجل أن يرد على صاحبه مائتي درهم قال نعم لأنه أخذ رهناً فيه فضل فضيعة قلت فهلك نصف قال حساب ذلك و كذا يشعر به الآخر إذا رهنت عبداً أو دابة فماتا فلا شيء عليك و أن هلكت الدابة أو أبق الغلام فأنت ضامن لتوقف ارتفاع المنافاة فيه بحمله على الإهلاك و التفريط في الآباق و بالجملة فحمل الجميع على التقية لأنه مذهب لأبي حنفية و جملة من العامة و للموثق حيث أنه نسب القول بنقصان مال

16

المرتهن إذا نقص من العبد شيء للناس الظاهر في إرادة العامة لا يخلو من وجه لو لا أن المنسوب إليه هو الضمان لأقل الأمرين من القيمة و الدين لا ضمان الزيادة و هو خلاف ظاهر بعض الأخبار المتقدمة و الظاهر إن نقصان القيمة السوقية لا تدخل تحت هذه الأخبار.

حادي عشرها: الأصول المحكمة و .. [كلها تقضي بحرمة تصرف المرتهن بالرهن]

القواعد المتقنة و الإجماعات المحكية و الشهرة المحصلة و المنقولة و عموم ما دل على النهي عن التصرف بمال الغير من دون أذنه و أكل المال بالباطل كلها تقضي بحرمة تصرف المرتهن بالرهن عيناً و منفعة و نماءً فلو تصرف كان فضولياً و ضامناً لتعديه و تفريطه و كلما أتلفه من منفعة أو أكله من نماء ضمن أجرة مثلها و ضمن مثل النماء أو قيمته و لو آجر كان فضولياً فإن سلط المستأجر على العين المستأجرة كان متعدياً ضامناً و مع عدم التسلط ففي ضمانه إِشكال فإن مضت للعين يعتدّ فيها بيد المستأجر تخير الراهن بين الإجارة و أخذ المسمى و بين أخذ أجرة المثل منه فإن كان للرهن مئونة يفتقر إليه في حفظه و بقائه كالإنفاق على الدابة و دوائها و كسوة الغلام و قوته رجع إلى الراهن فإن أذن له فيه على أن يرجع إليه به رجع إليه و كذا لو أطلق على الظاهر و أن لم يأذن له لامتناع أو لغيبة أو نحو ذلك رجع إلى الحاكم فإن دفع له من بيت المال فلا أشكال و أن أذن له الحاكم بنية الرجوع إلى الراهن أنفق و رجع إليه فإن لم يمكن الرجوع إلى الحاكم رجع لعدول المسلمين فأستأذن منهم حسبة فإن لم يمكن رجع إلى نفسه فأنفق بنية الرجوع إلى حسبة لأنه محسن ما على المحسنين من سبيل و لوجوب حفظ المال على الراهن و وجوب حفظ الأمانة و يجب على الراهن عند الرجوع إليه في تلك الصورة الوفاء فإن أمتنع أخذ المرتهن من الرهن أو من فوائده و نمائه وفاء مقاصة و له في الابتداء أن ينفق من منافع الرهن أو نمائه عليه مع استئذان الحاكم أو عدول المسلمين عند عدم الإمكان أو يتولاه بنفسه إذا لم يمكن و يظهر من بعض الفقهاء أن للمرتهن الانفاق على ما يحتاج إلى الانفاق بنية الرجوع من دون حاجة لاستئذان الحاكم عند امتناع المالك و يقاصه من النماء و المنافع من دون استئذان أيضاً و لا يبعد ذلك كما يظهر من الأخبار الآتية إلا أنه خلاف الاحتياط في مال الغير

17

من دون تراض و ربما يقال بجواز التصرف من المرتهن بمنافع الرهن التي يخاف فوتها على المالك من دون حاجة إلى الاستئذان و يضمن العوض حينئذٍ لأنه إحسان و ما على المحسنين من سبيل و هو خلاف الاحتياط أيضاً بل الاحوط الترك عند الامتناع و الرجوع إلى الحاكم عند الغيبة و ذهب الشيخ (رحمه الله) و الحلي مرة في خصوص الدابة و الظاهر خصوص المركوبة و المحلوبة إلى جواز الركوب و الحلب بعد الانفاق و أن هذه المنفعة بإزاء النفقة على الإطلاق سواءً أذن المالك بالإنفاق أم لا و سواءً أمتنع أم لا و سواء رجع للحاكم أم لا و سواءً ساوت النفقة قيمة المنفعة أم لا للروايتين في الرهن ففي إِحداهما أن الظهر يركب و الدر يشرب و على الذي يركب و يشرب النفقة و في أخر عن الرجل يأخذ الدابة أو البعير أ لَهُ أن يركبه فقال أن كان يعلفه فله أن يركبه و الأولى قاصرة السند و هي و الثانية مخالفتان للقواعد من حرمة التصرف بمال الغير و من أن المضمون يضمن بمثله أو قيمته فطرحهما و الرجوع إلى القواعد أو تنزيلهما على الأذن من الراهن و مساواة الحقين أو التراضي منهما أولى و يمكن تنزيلهما على حالة امتناع الراهن و المقاصة فيدل إطلاقهما على عدم الإلزام بالرجوع إلى الحاكم و يمكن تنزيلهما على ما إذا خاف المرتهن فوت المنافع على الراهن فيستوفيها حسبة و ينفق عليه منها و ذكر بعض الأصحاب إن المرتهن لو تصرف بغلة الراهن و فوائده حسبة عليه أن يحتسبها من دينه سواءً كان التصرف بأذن الراهن أم لا للأخبار الدالة على ذلك فمنها الصحيح أو الحسن قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في كل رهن له غلة أن غلته تحسب لصاحب الرهن مما عليه و منها الصحيح في الأرض البور يزرعها الرجل و فيها ثمّ ينظر نصيب الأرض فيحتسب من ماله الذي ارتهن به الأرض حتى يستوفي ماله فإذا استوفى ماله فليدفع الأرض إلى صاحبها و منها عن الرجل رهن بماله أرضاً أو داراً لها غلة كثيرة فقال على الذي ارتهن الأرض و الدار بماله أن يحسب لصاحب الأرض و الدار ما أخذ من الغلة و يطرحه عنه من الدين الذي له و منها الصحيح أن رهن رجل أرضاً فيها ثمرة فإن ثمرتها من حساب ماله و له حساب ما عمل فيها و أنفق و إذا استوفى ماله فليدفع الأرض على صاحبها و هو جيد على ظاهر الأخبار إلا أن تنزيلها على

18

الغالب من مماثلة الدين لقيمة ما استوفاه فيقع التقاص القهري أو على الرضا من لا الراهن و المرتهن بذلك كما هو الغالب أولى من إبقائها على ظاهرها من إلزام المرتهن باحتساب ذلك من دينه قهراً و لو مع مخالفة الجنس أو إلزام الراهن بالقبول كذلك لمخالفتها القواعد و الضوابط المقتضية لرجوع كل منها إلى ما يستحقه شرعاً مثلًا أو قيمة.

ثاني عشرها: يجوز للمرتهن أن يستوفي من الرهن عند حلول الأجل إن كان الدين مؤجلًا

و إلا ففي أي وقت شاء إذا أمتنع الراهن أو وارثه من الوفاء أو خالف جحودها خوفاً يعتد به عادةً و لم يكن عنده بينة أو كانت عنده و خشي جرحها أو لم يخش و لكن كان الحاكم غائباً أو بعيداً أو خشي عدم سماع قول الحاكم و أمره بأداء الدين فإن كان الدين مجانساً لحقه استوفاه منه و ان كان مخالفاً جاز أخذه مقاصة و جاز بيعه و الاستيفاء من ثمنه و ليس من خوف الجحود توقف الإثبات على اليمين يلزم بل عليه ذلك احتياطاً للتصرف بمال الغير من دون أذن و لو كان وكيلًا في البيع باع من غير مراجعة و استوفى من دون أذن من المالك أو الحاكم مع الخوف المتقدم و أن لم يخف من شيء من ذلك باع أن كان وكيلًا في البيع و توقف الاستيفاء على أذن المالك و أن كان مجانساً للحق على أن الأظهر توقف البيع على أذنه أن لم يكن وكيلًا في البيع أيضاً فإن لم بأذن المالك لامتناع أو بعد استأذن الحاكم فإن لم يمكن رجع لعدول المسلمين فإن لم يكن رجع لنفسه و للحاكم أن يجبره على الأذن فإن امتنع باع عنه أو أذن للمرتهن بالبيع و بالجملة فليس للمرتهن التصرف بعين الرهن من استيفاء أو بيع مع المجانسة و عدمها للعمومات و خصوص الأخبار الخاصة الناهية عن بيع الرهن للمرتهن إذا كان وكيلًا في البيع فإنه بيع فإن باع قبل الحلول فليس له الاستيفاء قطعاً قبل الحلول و هل له الاستيفاء بعد الحلول و مثله ما لو باع بعد الحلول أو ليس له و الأقوى أنه ليس له إلا أن يفهم من الرهن الأذن و قيل يجوز الاستيفاء مطلقاً و قيل بجوازه مع مجانسة الثمن لدين المرتهن و كله منظور فيه إلا أن ينعقد إجماع على ذلك و هو ممنوع و ما يستند إليه من الأخبار الدالة على جواز المقاصة في النفقة و الأخبار الدالة على أن ما استوفاه المرتهن

19

يحسب من دينه لمخالفتها الأصول و القواعد و فتوى الأصحاب في ذلك الباب و الأخبار الخاصة فلتحمل على الأذن الصريحة أو الفحوائية في التصرف كما تحمل عليه الموثقة عن الرجل يكون عنده الرهن فلا يدري لمن يكون من الناس فقال لا أحب أن يبيعه حتى يجيء صاحبه ثمّ قال أن كان فيه نقصان فهو أهون لبيعه فيؤخر فما نقص من ماله و إن كان فيه فضل فهو أشدهما عليه يبيعه و يمسك فضله حتى يجيء صاحبه مع احتمال حمل لا أحب على التحريم و يكون ما بعده إرشاد إلى العمل بعد أن يبيع فضولًا و حراماً و لا يتمكن من رده فيكون مفادها مفاد الموثق في رجل رهن رهناً ثمّ أنطلق فلا يقدر عليه أ يباع الرهن قال لا حتى يجيء صاحبه و في آخر قريب إليه في السند و المعنى و لو لا أن الحاكم ولي الممتنع لمكان الضرورة و لنفي العسر و الحرج و لمقامه مقام من هو أولى بالمؤمنين من أنفسهم و للخبر كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يحبس الرجل إذا التوى على غرمائه ثمّ يأمر فيقسم ماله بالحصص فإن أبى باعه فقسمه فيهم لكان في الرجوع إليه في التصرف في المال المنهى عن التصرف فيه متجهاً كما أنه لو لا عمومات نفي العسر و الحرج و الضرار في الشريعة و عموم من اعتدى عليكم فاعتدوا عليه و ما جاء من أخبار المقاصة و ما ورد في الخبر في رجل مات و له ورثة فجاء رجل فادعى عليه مالًا و أن عنده رهناً فكتب (عليه السلام) أن كان له على الميت مال و لا بنية له عليه فليأخذ ماله مما في يده و ليرد الباقي على ورثته و متى أقر بما عنده أخذ به و طولب بالبينة على دعواه و أوفى حقه بعد اليمين و متى لم يقم البينة و الورثة ينكرون فله عليهم يمين علم يحلفون بالله تعالى ما يعلمون له على ميتهم حقا لكان القول بالمنع من بيع الرهن و التصرف فيه عند امتناع الراهن و غيبته و عدم إمكان الوصول إلى الحاكم متجهاً و أما ما دل عليه الخبران المتقدمان من المنع عن بيع الرهن ما دام الراهن غائباً فمحمولان على التصرف من دون رجوع إلى الحاكم أو على الندب أو على عدم حصول الغيبة الطويلة المضرة بالتأخير أو على غير الموقت احتياطاً في التأخير.

ثالث عشرها: إذا وطأ المرتهن الأمة و كانت شبهه كان الولد له و عليها العدة

و عليه العشر من قيمتها يوم الوطء إن كانت بكراً أو نصفه إن كانت ثيباً للخبرين

20

الوارد أحدهما فيمن افتض الجارية و قد أحل له مولاها مادون الفرج فغلبته الشهوة و الوارد ثانيهما في تدليس الأمة من المولى و تنقيح المناط و الغاء الفارق يتم الحكم في سائر الصور و يحتمل أن عليه مهراً أمثالها جرياً على قواعد ضمان البضع و يحتمل التخيير بينهما و يحتمل إرجاع العشر أو نصفه إلى الأمثال كشفاً من الشارع عنه و عليه أرش البكارة لأنه جناية حدثت بفعله و الأصل عدم دخولها في العشر مع احتمال الدخول أخذاً بالإطلاق فتوى و رواية و إن وطأها زنا فالولد للراهن و عليه العشر أو نصفه كما تقدم لإطلاق الفتوى و الرواية و لكونه أولى بالتغريم من الحلال أو عليه مهر الأمثال على وجه تقدم و على كل حال فعليه أرش البكارة هذا كله إن لم تكن عالمة مطاوعة و إلا ففي ثبوت المهر أو بدله على المرتهن وجهان من إطلاق الروايتين المتقدمتين و أنه حق للمولى فلا يسقطه علمها و من قوله (عليه السلام) لا مهر لبغي و العشر و نصف العشر مهر أو ما هو بمنزلته و الأول أظهر لظهور الرواية في الحرة ذات المهر لأنها هي التي تستحق المهر عوض بضعها و هي التي تسمى المهيرة بخلاف الأمة فإنها ليست من ذوات المهور و لو كانت عالمة مطاوعة فلا تستحقه هي و إنما يستحقه مولاها و في المقام مسائل تقدم ذكرها في باب البيع.

رابع عشرها: إذا تحقق امتناع الراهن من الوفاء جازت مقاصة قطعاً

و ليس للرهن خصوصية بل يسري الحكم لسائر الأمانات سوى ما أخرجه الدليل و في الرهن زيادة حق في الاستيفاء منه لأنه وضع لذلك و في اشتراط أذن الحاكم في المقاصة مطلقاً أو عدمها مطلقاً و اشتراطها مع اختلافي الجنس دون متحدة وجوه تقدمت في كتاب البيع أظهرها و أحوطها الاشتراط مطلقاً لعموم حرمة التصرف بمال الغير خرج منه ما أخذ بإذنه و بقي الباقي و إطلاق أخبار المقاصة لا يمكن إلا الاستناد إليها مع احتمال كونها إذناً من الامام (عليه السلام) و آية من اعتدي عليكم فاعتدوا عليه لا تنافي الرجوع مع أذن الحاكم على أن الحاكم قد فرضناه ولي الممتنع فالإذن منه أذن من صاحب المال و لا يجوز التصرف بالمال من دون إذن صاحبه و احتمال جواز المقاصة مع عدم الرجوع إلى الحاكم استناداً إلى إطلاق الأخبار و لاستبعاد كونها مسوقة سياق الأذن لظهورها

21

في سياق بيان الحكم مع خلوها عن التعرض للأذن قوي جداً سيما في الرهن الموضوع على الاستيثاق و إذا غاب الراهن غيبة يشق معها الانتظار من المرتهن فإنه لا شك في جواز استيفاء دينه منه و ليس للرهن خصوصية أيضاً بل الحكم شامل لجميع الأمانات ان الرجوع إلى الحاكم هنا أمر لازم لأنه ولي الغائب في القيام بما وجب عليه و احتمال للاستبداد بالاستيفاء هاهنا ضعيف نعم قد يقال بأن للرهن هاهنا خصوصية في جواز الاستبداد مع الغيبة لكونه موضوعاً للاستيثاق دون غيره إلا انه يبعده ما ورد من النهي عن بيع الرهن ما دام الراهن غائباً إلا أن ينزل على بيعه من دون أذن الحاكم فإذا غاب غيبة ينتظر مجيئه فيها يوماً أو يومين فالأظهر و الأحوط لزوم انتظاره من دون تفاوت بين الرهن أو غيره نعم قد ينفرد الرهن عن غيره من الأمانات في جواز الاستيفاء عند جحود الوارث للنص و الفتوى و عند خوف جحود المالك إلحاقاً بالوارث و عند خوف امتناعهما إلحاقاً بخوف الجحود كل ذلك تنقيحا للمناط دون سائر الأمانات فإنه لا تجوز المقاصة منها بمجرد الخوف و لا يبعد أيضاً اشتراط الرجوع إلى الحاكم في المقاصة مع الخوف لعموم الأدلة و الاحتياط إلا إذا خاف من الإقرار بالرهن ثبوته عليه و عسر إثبات الدين عليه لعدم البينة أو لعدم سماعها و قد يفرق بين الرهن و بين سائر الأمانات أن الرهن إذا كان مجانسا للحق أو كان المرتهن وكيلا في بيعه فباعه بالمجانس جاز له استيفاء حقه منه عند حلول الأجل و أن لم يمتنع الراهن أو يحشى جحوده و لكنه بعيد.

خامس عشرها: لا يقضي عقد الرهن بوضعه عند المرتهن و لا المالك بوضعه عند الراهن

لتعلق حق المرتهن بالاستيثاق منه و تعلق حق المالك باستئمان ملكه بموضع الاطمئنان غاية ما في الباب ان القبض في باب الرهن شرط لصحته و ليس لازم للراهن فحينئذ لو قبضه ابتداءً و لزم الرهن لم يكن على الراهن الالتزام بإبقائه عند المرتهن في الاستمرار بل لا بد من الأذن في الموضع الاستدامي فإن أذن المرتهن بوضعه عند الراهن أو أذن الراهن بوضعه عند المرتهن جاز أو أذنا معا في وضعه عند ثالث جاز و لا يكون لازماً على الأذن و المأذون بل يجوز لكل منهما العدول إلى ما يتراضيان عليه

22

إلا إذا كانت الأذن بعقد لازم شرطاً أو جزءاً أو بعقد الرهن فإنه يلزم على الأذن و يلزم المأذون إذا اشترط عليه و كان الاشتراط حقاً عليه حتى لو اشترط على أجنبي بعقد لازم لزم الوفاء به أما لو اشترطا بينهما وضعه عند عدل لزم على الراهن و على المرتهن ما دام قائماً بالرهن دون العدل لأن العدل أمين و دعي فلا يلزم عليه إبقاء الأمانة عنده و له رده عليهما فإن امتنعا من قبضه ردّه إلى الحاكم لأنه ولي الممتنع و كذا لو استترا عنه و أخفيا أنفسهما و لو غابا غيبة ينتظر رجوعهما على وجه السرعة انتظرهما و لا يدفعه إلى الحاكم لأنه ولي الغائب عند الاضطرار دون الاختيار و ذلك كالخوف عليه من التلف أو خوف الضرر ببقائه عند العدل على نفسه و أن غابا غيبة طويلة لم يقصداها في الابتداء و لم يعلما بها العدل أو خشي العدل الضرر ببقاء الرهن عنده دفعة إلى الحاكم لما في الأول من المشقة و الضرر الناشئين من طول تحمل الأمانة و في الثاني من الضرر المحقق المنفى كتاباً و سنة مع احتمال أن الغيبة مطلقاً لا تسوغ رده إلى الحاكم إلا مع خوف الضرر أو إرادة السفر و غيبة أحد الراهنين كغيبة أحدهما و لو اختلف الراهن و المرتهن في وضعه لم يرجح أحدهما و وضع عند من يتفقان عليه و إلا رجعا للحاكم فأقرع بينهما أو وضعه عند عدل غيرهما و لو مات الراهن أو المرتهن و كان موضوعاً عند أحدهما بأذن أو بشرط بطلت الإذن و لزم اتفاق ورثة أحدهما مع الآخر أو ورثتيهما على بقائه عند أحدهما أو عند ثالث و لو تعاسرا رجعا إلى الحاكم فأقرع بينهما أو وضعه عند ثالث إلا أن يشترط في عقد الرهن وضعه عند الوارث بعد موت الموروث فإنه يتبع شرطهما و لو خان العدل الذي وضعه الحاكم عنده انعزل فإن رضي عليه الراهنان أو على غيره وضع عنده و إلا وضعه عند آخر من الموثوق به عليه و لو وضع عند عدلين فإن أذن لهما أو لأحدهما في الانفراد به جاز لهما أوله ذلك ثبت و أن شرط عليهما أو على أحدهما ذلك لزم عليهما و ضمنا من دونه و أن شرط الاجتماع أو أطلق لزمهما الاجتماع لانصراف الإطلاق إلى اجتماعهما فإن لم يجتمعا ضمناً معاً واحد لتفريطه و الآخر لعدوانه باستيلاء يده عليه منفرداً و هل يضمن كل منهما الجميع لإيجاد كل منهما سبب ضمان الجميع فيتخير المالك في الرجوع إلى أيهما

23

شاء أو يضمن النصف فيرجع على كل واحد منهما بالنصف لأنهما بمنزلة أمين واحد وجهان أجودهما الأول و يستقر الضمان على من استقر التلف بيده مع احتمال استقراره على من رجع إليه المالك.

سادس عشرها: لو باع المرتهن و كان وكيلًا في بيعه

أو العدل لو كان كذلك فقبض المرتهن الثمن رهناً أو وفاءً فوجد فيه عيباً كان له فسخ بيع الرهن إذا اشتمل إطلاق وكالته ذلك للمالك فسخ ذلك فيعود المبيع رهناً و لا يحتاج إلى تجديد صيغة لاقتضاء عقد الرهن ذلك مع احتمال عدم عوده إلا بعقد جديد لانفساخ العقد الأول فلا يعود و له أخذ الأرش إذا شمل إطلاق وكالته ذلك فيكون رهناً لأنه عوض جزءاً أو وصف فائتين من نفس الرهن فيلحقه حكمه و لو وجد المشتري بالرهن عيباً كان له أخذ الأرش من البائع أن لم يعلم أنه وكيل و أن علم أخذه من المالك و كان له الفسخ و الرجوع بنفس الثمن أن لم يعلم أنه وكيل و أن علم أنه وكيل و أنه رهن لم يكن له الرجوع بالثمن على المرتهن لصيرورته رهناً فلا يرجع به عليه و يرجع على الراهن بمثل ثمنه أو قيمته لتفويته على المشتري بجعله رهناً أو وفاءً بأمره و وكالته في البيع و قبض الثمن رهناً أو وفاءً و لو ظهر للمشتري و استحقاق الرهن لغير المرتهن بطل البيع من أصله فيطالب بثمنه من هو في يده من المرتهن أو العدل فيأخذه و أن وجده تالفاً فإن لم يعلم بوكالة العدل رجع إليه فغرمه مثله أو قيمته و رجع العدل إلى الراهن لغروره من قبله و المغرور يرجع على من غره و أن علم بوكالته جاز أن يرجع إليه فيرجع هو على الراهن و جاز أن يرجع على الراهن لاستقرار الضمان عليه لو تلف في يده و أن وجده تالفاً بيد المرتهن كان الحكم كذلك إلا أن بعضهم قال في رجوع المرتهن إلى الراهن نظر قال و مقتضى قواعد الغصب رجوعه مع جهله و علم الراهن بالاستحقاق لغروره قلت الظاهر عدم الفرق بينهما و عدم الحاجة إلى تقييده بعلم الراهن بل يكفي في الرجوع جهل المرتهن نعم قد يفرق بينهما فيما إذا أخذه المرتهن وفاءً الأمانة للاسترهان فإنه قد يقال بعدم رجوعه لأقدامه على ضمانه فيغرمه و يرجع على الراهن بدينه.

سابع عشرها: لا شك أن الرهن وثيقة لدين المرتهن

فحقه متعلق به دون غير

24

المرتهن و دون غيره من الأموال و لذا جاز بيعه لاستيفاء دينه منه كما تقدم فتوى و أشرنا إليه رواية كالأخبار الواردة بالأمر بالاستيثاق من المال في مقام أخذ الرهن عليها فإنها دالة على أنه وثيقة على المال فيؤخذ به عند فواته أو خوف فواته و كالخبر المتقدم في خوف جحود الوارث و كالخبر الوارد في منع بيعه ما دام الراهن غائباً فإن في السؤال عن بيعه و الأمر بانتظاره حتى يجيء صاحبه أشعار بكونه وثيقة على استيفاء ماله منه عند تعذره فمناقشة بعض المتأخرين في دلالة الأدلة على جواز أخذه و بيعه عوض ماله ليس لها وجه يعتد به و مما ذكرنا ظهر أن الراهن لو وطأ الأمة المرهونة بأذن المرتهن أو بدونه على وجه يأثم فيه و يستحق التعزيز بناءً على عدم جواز وطئه لها كما هو الأصح أو غير ذلك الوجه فصارت أم ولده فهل تباع في الدين عند امتناعه و تعذره بناءً على عدم انفساخ الرهن بذلك كما هو الأقوى لعدم المنافاة بينهما استناداً لإطلاق أخبار المنع عن بيع أم الولد إلى التفصيل بين إعسار الراهن فتباع و يساره فلا تباع بل يلزم بقيمتها فتكون رهناً جمعا بين الحقين أو التفصيل بين الوطء بالأذن فلا تباع و بين الوطء بغير أذنه فتباع لسقوط حقه و الحق أنها لا تباع في الدين ترجيحاً لأخبار النهي عن بيعها حيث أنها متشبثة بالحرية و هو أقوى من حق الرهانة فيسقطه نعم لا ينفسخ الرهن لعد ثبوت أن الاستيلاد من فواسخه و احتمال موت ولدها قائم فتبقى رهناً حينئذٍ لا يجوز للراهن التصرف فيها بنا قل فيها و لا للمرتهن جمعا بين الأدلة.

ثامن عشرها: لا يجوز للراهن التصرف بالرهن بما ينقل العين

كالبيع و الهبة و الوقف و العتق و لا بما ينقل المنفعة أو يوجب نقص العين كالإجارة و السكنى و التهديم و الركوب و الاستخدام المنقصين لقيمة العين لفوات الرهن في الأول و لدخول الضرر على المرتهن في الثاني و للإجماعات المحكية و الشهرة المحصلة و المحكية و للرواية المعتضدة بما ذكرنا الراهن و المرتهن ممنوعان من التصرف بالرهن و أما ما يوجب أحد الأمرين فإن كان لمصلحة كسقي المرتهن الدابة و علفها و كسوة العبد و إِطعامه و شرابه و نشر الثوب و طيه فالظاهر جوازه لعدم دليل صالح على منعه و الناس مسلطون على أموالهم و اطلاقات أدلة المنع متصرفة إلى غير ذلك التصرفات قطعاً و أن كان لمصلحة

25

الراهن فإن كان فيه تعريض لأبطال الرهن كوطء الأمة فبل يأسها فهو ممنوع أيضاً للإجماع المنقول و الشهرة المحكية و المحصلة و لمنافاته لوضع الرهن و الاستيثاق منه فلا يعارض ذلك ما ورد من جواز وطئها في بعض أخبار مهجورة شاذة في الفتوى و الشاذ مأمور بتركه و لو كان في الفتوى كما يظهر من التعليل في الأمر بترك الشاذ النادر و موافقة للتقية لا يلتفت إليه و أن صح سنده كالصحيح في رجل رهن جارية عند قوم أ يحل له أن يطأها قال نعم أن الذين ارتهنوها يحولون من بينه و بينها قلت أ رأيت إن قدر عليها خالياً قال نعم أرى عليه هذا حراماً و الآخر مثله و تقويته بعمومات الناس مسلطون على أموالهم لا يقابل ضعفها بما قدمناه و إن لم يكن فيه تعريض لذلك كوطء اليائس و تقبيل الأمة و ركوب الدابة و استخدام العبد إذا لم يؤد شيء من ذلك إلى نقص في العين المرهونة ففيه وجهان أحدهما جواز التصرف بعموم الناس مسلطون على أموالهم و للأصل مع عدم ثبوت دليل المنع و ثانيهما المنع منه لأن فائدة الرهن الاستيثاق لاستيفاء الدين فلو جاز للراهن بطل همه في الوفاء و قلت همته في و العطاء و الأول أقوى إلا أنه قد نقل الإجماع على المنع من جميع التصرفات و معه يكون القول به قويا ايضاً و يساعده الاحتياط.

تاسع عشرها: لو تصرف الراهن بماله بنقل عين أو منفعة كان آثما

و وقف عقده على الإجازة لفحوى الأدلة الدالة على الفضولي مساواة أو أولوية فلو أجاز المرتهن صح و هل أجازته ناقلة أو كاشفة وجهان و ليس تعلق الراهن كتعلق أرش الجناية أو الشفعة أو تركة الميت مع الدين لعدم التحجير فيها ابتداءً بخلاف الرهن و لا يكون ثمن العين و أجرة المنفعة رهنا قهرا إلا مع عقد جديد على الأقوى و لو تصرف فيه بما شرطه القربة كما إذا أخرجه زكاة أو خمسا أو وقفه ففي صحته مع تعقب الإجازة بحث و أشكال و يقوي الأشكال في العتق لاشتراط التنجيز فيه و اشتراط القربة عند صدور صيغته و لعدم جريان الفضولي فيه و هذا منه أو شبهه و للشك في شمول دليل العتق له فيشك في صحته و للنهى عنه لأنه تصرف ممنوع منه و النهي مقتضى لفساده مع احتمال صحته كما نسب للمشهور تمسكا بعموم أدلة العتق و بالمنع من مساواته للفضولي لأنه

26

فقدان للشرط و هذا وجدان للمانع فإذا ارتفع عمل عمله و بالمنع من تعلق النهي بنفس صدور الصيغة إذ ليست تصرفا عرفا و بالمنع من منافاة صيغة العتق للتحريم لكونه لأمر خارج و بالمنع من اشتراط التنجيز في رفع المانع و إنما يشترط ذلك في فقدان الشرط و الكل ضعيف و لو باع المالك أو وقف أو عتق أو نحو ذلك و فك الرهن أو انفك كان كالإجازة من المرتهن و يكون كمن باع شيئا ثمّ ملكه و هل الفك ناقل أو كاشف وجهان و هل يفتقر إلى إجازة من الراهن بعد الفك الظاهر لا و احتمال أن العقود و الإيقاعات تؤثر أثرها حين صدورها و لكن للمرتهن حلها بعيد كل البعد لأنه خلاف اتفاقهم على كون الراهن محجراً عليه و على أن الحر لا يعود رقاً.

العشرون: عقد الرهن لازم من طرف الراهن

للأصل و لأنه حق عليه و جائز من طرف المرتهن لأنه حق له فلا ينفسخ من جانب الراهن إلا بفسخ من المرتهن أو إبراء له من الدين أو بوفاء من الراهن أو من غيره تبرعا أو بإذنه على وجه الدفع أو الضمان أو الحوالة أو نحو ذلك و بالجملة فهو وثيقة للدين فيشفي بانتفائه و هل هو وثيقة على مجموع الدين فلو وصل إليه بعضه انفك الرهن كله لفوات المجموع أو على الجميع فلو بقي بعض بقي كله أو موزعا عليه فلو انفك من الدين بعض أنفك من الرهن بنسبته ان ربعا فربعا و ان ثلثا فثلثا و أن نصفا فنصفا وجوه و الأقرب لإطلاق العقد الأول و الأقرب لما شرع له العقد من الاستيثاق الثاني و الأقرب لقواعد عقود المعاوضة أو ما شابهها الثالث و خير الوجوه أوسطها و ربما ينصرف إليه الإطلاق و نقل عليه الإجماع و عليه سيرة الفقهاء و يلزم على الآخر أنه لو تلف بعض الرهن بطل الاستيثاق منه فيما قابله من الدين بنسبته فلو تلف ثلث الرهن بقي ثلثاه رهناً على ثلثي الدين لا على كله و هو خلاف ظاهر الفقهاء و الاولى و الأحوط ذكر أحد الأمور الثلاثة تفصيلًا من لزوم الإجمال المفسد للرهن هذا كله مع الإطلاق و لو اشترطنا كونه رهنا على المجموع أو على الجميع أو على النسبة اتبع شرطها و على الأول فهل للمرتهن عدم فبول بعض الدين لاستلزامه الضرر بانفكاك الرهن بقبوله أو ليس له لأن الغريم ليس له الامتناع من قبض بعض حقه إذا لم يدخله ضرر بالتبعيض و انفكاك الرهن و أن كان ضرراً إلا

27

أنه هو الذي أقدم عليه لعلمه بعاقبة أمره و على كل حال فلو انفك الرهن بقي في يد المرتهن أمانة مالكية موضوعة بأذن المالك و رضاه فلا يجب ردها على المالك إلا مع مطالبته و لا يجب أعلامه بها بعد نسيانه بخلاف الشرعية فإنه يجب فوراً ردها إلى مالكها أو إعلامه بها نعم لو نسي المالك الرهن نسيانا لا يرجى زواله أو لم يعلم بانفكاك الرهن كما إذا ابراه المرتهن لزم أعلامه في المقام كي لا يضيع عليه حقه في العين.

الواحد و العشرون: ذكرنا أن عقد الرهن من العقود القابلة للشروط

فكل عقد صح الشرط فيه صح الرهن و كل عقد بطل الشرط فيه بطل الرهن بناءً على عدم إمكان فساد الشرط و العقد كما هو الأصح ثمّ إن كان الشرط مما يؤدي كون الرهن مضموناً ابتداءً كرهن الشيء و اشتراط كونه مبيعا حالا أو بعد وقت الخاص كاشتراط كونه مبيعا بعد الوقت خاص كان الرهن مضمونا عند فساد عقده ابتداءً إن كان الشرط في الابتداء و بعد الوقت إن كان الشرط بعد الوقت لأن ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده و ربما يلحق به اشتراط كون الرهن أمانة مضمونة على المرتهن فإنه مما يفسد العقد به و يلحق المشروط عليه الضمان بتلفه لأقدامه على الضمان بالشرط و أن لم يؤد الشرط ذلك ابتداءً و بعد الوقت كان الرهن غير مضمون مطلقاً و أن أدي أنه مضمون بعد الوقت كان غير مضمون قبله كله ذلك للقاعدة المسلمة أن ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده و يظهر من بعضهم الاتفاق على صحة مضمون قاعدتي الإثبات المتقدمة و قاعدة النفي و يؤيد الاولى عموم على اليد ما أخذت و كون القابض قادما على الضمان و الدافع دفعة على هذا الوجه و يؤيد الثانية الأصل و كون الدافع قادما على عدم الضمان كالقابض و أن أدلة الضمان منصرفة بحكم التبادر لغير ما فرض إقدام الدافع فيه على عدم الضمان و هذا الأشكال فيه مع جهلهما أو علمهما أو علم الدافع و جهل المدفوع إليه و يشكل مع جهل الدافع بالفساد و علم المدفوع إليه بل يشكل مع جهل الدافع مطلقاً لتوهم الصحة منه حين الدفع فكأنه دفع على الوجه الخاص و رضى به مقيداً فبدونه يكون مدفوعا بغير حق سيما مع المدفوع إليه و أقدامه على الباطل فيشمله عموم دليل الضمان إلا أن ظاهرهم جعل الحكم في الكل واحدا

28

و تمشية القاعدة المتقدمة في جميع الموارد ثمّ أن من الشروط الفاسدة اشتراط كون الرهن مبيعا في الحال أو عند حلول الأجل فإنه يفسد الشرط لعدم وقوع البيع بنفس الشرط فيهما و عدم التنجيز فيه في الأخير و قد نقل الإجماع على الفساد بهذا الشرط أيضا و يلحق باشتراط كونه مبيعا اشتراط ثمرة كثيرة من العقود اللازمة حالا أو مؤجلا و مثلها لو شرط كونها مبيعا له إن لم يؤد الدين على وجه الإطلاق أو شرط كونه مبيعاً له أن لم يؤد الدين على وجه الإطلاق أو شرط كونه وفاءً ما لم يؤد مطلقاً أو في وقت خاص للجهالة في الأول و التوقيت في الثاني و هما باطلان.

الثاني و العشرون: فوائد الرهن و نمائه و أروشه و منافعه كلها للراهن موجودة حال العقد

أو معدومة متصلة كانت النماءات أو منفصلة كان اتصالها اتصال الجزء كالصوف و الشعر و الوبر و كاتصال الجزء كالجمل و الثمرة و الحليب و البيضة كان مما يقبل الانفصال كما قدمنا أو مما لا يقبل كالطول و السمن كل ذلك للاستصحاب و فتوى الأصحاب و ظاهر الأخبار كقوله (عليه السلام) غلة الرهن تحسب لصاحب الرهن مما عليه و في آخر مثله و في ثالث ممن رهن داراً لها غلة لمن الغلة قال لصاحب الدار و في النبوي في الرهن له غنمه و عليه غرمه و في بعض الأخبار ما يدل على أن هلاك الرهن منه فكذا نماءه له و بعد الحكم بملكية الراهن لها فهل تدخل في الرهن دخوليا شرعيا أو دخولا لفظيا عرفيا أو لا تدخل وجهان بل قولان بعد الاتفاق و على عدم دخول المنفصل حالة الرهن أو على دخول ما لا يقبل الانفصال مطلقاً حالة الرهن و بعده كالسمن و الطول إنما الكلام في المتصل القابل للانفصال حالة الرهن أو بعده سواء كان كالجزء كالصوف و نحوه أو ليس كذلك كالحمل و في المتجدد بعد حصول الرهن انفصل أم لا كان هو النماء أو عوضه كأرشه و أجرته فقيل بدخول الكائن عند العقد و المتجدد بعده مطلقاً و قيل بعدم دخول الحاصل وقت العقد و المتجدد مطلقاً و قيل بدخول الحاصل وقت العقد أن كان كالجزء كالصوف و نحوه دون ما لم يكن كالجزء كالحمل و شبهه و دخول الحاصل بعده مطلقاً و قيل بدخول المتجدد دون الحاصل وقت العقد مطلقاً و الأظهر عدم دخول النماء الحاصل وقت العقد في الرهن مطلقاً للأصل و عدم

29

دليل شرعي يحكم بدخوله و لا فهم فرعي من حاق العقد يقضي به و قد نقل الإجماع على عدم دخول الحمل المشعر بعدم دخول ما شابهه نعم ربما يدخل الصوف و الشعر و القرن إذا كانت حالة على الظهر حين العقد في العرف في كثير من البلدان و دخول المتجدد بعد العقد في الرهن مطلقاً كما نسب للمشهور و نقل عليه الإجماع عن جماعة من أصحابنا و يؤيد بما جاء من تبعية ولدا لمدبرة لها و بما جاء من تبعيته النماء لأصله في كثير من المواضع و بأن المنفعة لو لم تكن رهنا لجاز التصرف بالعين ممنوع إجماعا و هذه و إن تطرق إليها الرهن من أن إلحاق الرهن بالمدبرة قياس لا نقول به و على تقديره فهو مع الفارق لتغيلب جانب الحرية في التدبير دون الرهن و منع الاستقرار القطعي في ذلك و غيره ليس بحجة و لأن المنع من التصرف بالمنفعة لاستلزامه التصرف بالعين لكنها لا تخلو من تأييد لما ذكرنا فظهر بذلك ضعف ما عليه جملة من أصحابنا من عدم الدخول استناد لأصالتي عدم الدخول و جواز تصرف المالك بماله كيف شاء و للأخبار القاضية بأن غلة الرهن للراهن لانقطاع الأصل بما مر و ضعف دلالة الأخبار على عدم الدخول و غايتها الدلالة على ملكية الراهن لها و هو غير كونه ليس من توابع الرهن و على ما ذكرنا فيكون النماء المعدوم مرهونا لكونه من التوابع و يغتفر في الثواني و ما لا يفتقر في الأوائل لعدم صحة رهن المعدوم ابتداءً و لو شرط رهن النماء تبعا للأصل جاز لعموم أدلة الشروط و الوفاء بالعقود سواء في ذلك النماء الموجود أو المتحدد و هذا كله الذي ذكرناه في المتولد من الرهن عرفا بحيث ينفصل عنه كانفصال الجزء من الكل و أما غيره من أروش توجيه الجناية على الرهن أو ثمن الرهن إذا بيع اختياراً أو أجرة منفعته أو حيازة العبد و ما يكتسبه ففي دخولها في الرهن إذا بيع اختياراً أو أجرة العبد و ما يكتسبه ففي دخولها في الرهن أشكال بل الأقوى فيما عدا الأول العدم.

الثالث و العشرون: لو رهن المالك المغصوب عند الغاصب أو أودعه إياه أو ضاربه عليه

و يلحق بالمغصوب كل مضمون كالمأخوذ بالسوم و البيع الفاسد فإن أذن له في قبضه للرهن فقبضه بوكالته عنه له قبضا جديدا برأ ضمانه قطعا و كذا لو أُسقط عنه بعد الرهن حكم الضمان المتقدم و قلنا بصحة إسقاط الضمان عمن تعلق به قبل التلف

30

برأ أيضا و أن لم يقبضه جديدا بإذنه و لا أسقط ضمانه كما إذا رهنه و لم يتعرض للقبض و قلنا بكفاية الاستدامة فيه للرهن أو رهنه و أذن له في إبقائه عنده فهل يبقى حكم الضمان للاستصحاب و عدم منافاة الرهن للضمان كما في صورة التعدي و التفريط لأن ابتداء الشيء أضعف من استدامته لاحتياج الابتداء إلى المؤثر دون الاستدامة فإذا جاز استدامة الرهن مع ابتداء الضمان في صورة التعدي جاز اجتماع ابتداء الرهن مع استدامة الضمان بالأولى أو يزول حكم الضمان لزوال سببه لأن سببه القبض الغصبي و قد زال بالرهن لرضائه ببقائه عنده و انصراف القبض في الاستدامة إليه فيكون قبضه في الاستدامة للرهن فلا يكون غاصبا استدامة و ضمان الرهن مع العدوان إنما جاء بسببه لا سبب أخر قد زال موجبه نعم لو بقي الرهن على غصبه و لم يرض المالك ببقائه عنده و قلنا بكفاية القبض الغير المأذون به كان الرهن مضموناً قطعاً و لا نزاع فيه و مثله ما لو نوى المرتهن بقبضه الغصب دون الرهن و في الأخير قوة إلا أن الأول أقوى.

الرابع و العشرون: لو رهن النخل لم تدخل الثمرة

و إن لم تؤبر و دخول غير المؤبر في البيع للدليل فإذا رهن أرضا لم يدخل الشجر و الزرع فيها إلا مع الشرط و في دخولها لو قال بحقوقها إشكال و لا يبعد عدم الدخول لأنهما ليسا من حقوقها عرفا و لا يدخل في الأرض المرهونة ما أنبتته بعد الرهن و لو قلنا بدخول النماء سواء في ذلك ما نبت بنفسه أو ينبته المخلوق لعدم كونه من نماء الأرض عرفا و إنما هي بمنزلة الإناء له و يحتمل التفصيل بين ما ينبت من البذر الموضوع فيها و بين ما ينبت منها لنفسه فيدخل الأخير في الرهن و هو حسن بناءً على دخول النماء المتجدد و لا يجوز للراهن الزرع أو الغرس في الأرض المرهونة و لو زرع أو غرس كان للمرتهن قلعه إذ أضر بالأرض و هل له دون الاضرار لا يبعد ذلك لأنه ظالم و ليس لعرق ظالم حق و لو نبت الزرع أو الغرس بنفسه فإن كان مضرا فالأظهر أن له قلعه و بدون الأرض يقوى العدم و إذا رهنه بيضة فاحتضنها و صارت في يده فرخا أو رهنه حبا فزرعه أو فسيلًا فغرسه بقي ملك الراهن لأنه نماء ملكه و بقى الرهن بناءً على ما تقدم و لو رهن عنده حيوانا

31

فاستحال أو حطباً فعاد فحماً و رماداً متمولًا أو ماءً فانقلب بخارا بقي الملك أو الرهن لأن الأصل مملوك مرهون فيستصحب حكمه و لم يثبت أن هذا التغيرات للصفات و هذه الاستحالات للذوات مخرجة لها عن ذلك الحكم و دعوى انقطاع الاستصحاب بتبدل الموضوع سلّمه لو علق الحكم على وصفه الخارجي و مشخصاته الخارجية و هو في هذا المقام كما لو رهن عنده عصيرا فصار خمرا ثمّ عاد خلا و استحال المرهون إلى ما لا يملك ثمّ عاد إلى ما يملك احتاج عوده إلى الملك و الرهن إلى دليل إلا أن ظاهر الفقهاء أن العصير إذا استحال خمرا فعاد خلا بقي الملك و الرهن و كأنه بناءً منهم على عدم من زوال الملكية عن الخمر هنا بالكلية بل يبقى للراهن عليها سلطنة و أولوية فكان الملك و الرهن موجودان بالقوة القريبة من الفعل لتوقع استحالتها خَلًّا فكانت كالخمرة المحترمة المتخذة للتخليل فإذا زال مانع الملك منها عمل المقتضى عمله و نظير ذلك زوجة الكافر إذا أسلمت فإنها تخرج عن حكم العقد ما دامت في العدة خروجا متزلزلا ينتقض بإسلامه فيعود حكم العقد إليه و يجوز رهن الخرطة و الجزة و اللقطة لإطلاقات الأدلة من دون معارض فإن حل الحق قبل تجدد الثانية فلا كلام و أن تأخر صح الرهن ابتداءً و استدامة لعدم المانع سوى ما يتخيل من تعذر الاستيفاء بسبب عدم التمييز و من عدم إمكان البيع و هما ضعيفان لإمكان الاستيفاء بالصلح و التراضي و القرعة و لمنع شرطية إمكان البيع و لو سلم فهو شرط في ابتداء الرهن لا في استدامته.

الخامس و العشرون: يجوز أن يرهن مال نفسه لغيره تبرعا في وجه قوي

و يجوز أن يرهنه بإذنه فيكون من قبيل العارية و أن يرهن مال غيره بإذنه ابتداء و استدامة كما إذا رهنه فضولا فأجاز و يكون استعارة للرهن لا ضماناً من المعير المرتهن في ماله فيجري على المال حكم الإعارة لا حكم الاعارة المال المضمون بأذن تأدية الدين منه إلا أنه حيث استعير للرهن غلب عليه جانب المستعار لأجله فيلزم بعد رهنه و قبضه أو بعد رهنه فقط على وجه تقدم و يجوز للمرتهن بيعه عند حلول الأجل مع الامتناع أو الغيبة إن كان وكيلا و إلا فبإذن الحاكم على نحو ما تقدم و جاز له الاستيفاء منه مطلقاً أو بأذن المالك و الحاكم أو يضمنه المستعير بعد رهنه مثلا أو قيمة مع تلفه أو نقصانه

32

لأقدامه على ضمانه و على تعريضه للتلف و الاستيفاء منه و يضمنه أيضاً بثمن ما بيع به إن بيع بأزيد من ثمن المثل و بثمن المثل أن بيع بالمساوي أو الأنقص في صورة إمكان صدوره من الوكيل لقلة الراغب أو لتسامحه فيما يتسامح به عادة و المعتبر في القيمة يوم التلف فإن اختلفت أخذ بأعلاها احتياطا أو بأدناها للأصل و خير الأمور أوسطها و لو تعذرت العين ضمن قيمتها يوم التعذر مع احتمال ضمانها يوم التلف و لا يضمن المستعير زيادة القيمة ما دامت العين باقية و هل يضمن قبل رهنها لأقدامه على أنها مضمونة عليه و لعموم دليل الضمان أو لا يضمن تفليتاً لحكم الأمانة و أصالة عدم الضمان خرج من ذلك ما كان بعد الرهن و بقى الباقي وجهان و لا يبعد الأخير و يجوز للمعير أخذ العين قبل رهنها لجوازه قبلها و يجوز له المطالبة بفك الرهن لاستحقاقه ارتجاع العين و يجب على المستعير فكها و لا يجوز له أن يدفعها للمرتهن اختيارا عوض دينه كما أن المعير ليس له الرجوع على المرتهن و أخذها منه و ليس للراهن أيضا فكها للزومها من قبلهما معاً نعم للمعير في كل وقت مطالبة المستعير بالفك أو تأدية المثل أو القيمة و له أن يجبره على الفك ابتداءً فإن تعذر جبره على المثل أو القيمة فإن أعسر فنظرة إلى ميسرة و لا يلزم المرتهن الاستئذان من المعير بالبيع و الاستئذان بالاستيفاء و لا يجوز للمستعير أن يتعدى ما عينه له المعير من شخص و وصف و قدر دين و حلوله و تأجيله و قدر الأجل و إن أطلق احتمل جواز الأخذ بالإطلاق و احتمل عدمه للجهالة فيلزمه ذكر قدر الدين و وصفه و حلوله و لو بطل عقد العارية بطل عقد الرهن المترتب عليه و يضمن الراهن بعد الرهن الفاسد لضمانه بصحيحه و في ضمانه قبله وجهان و هذه العارية انعقد عليها الإجماع و قضت بها عمومات الدالة و ليست على نحو العارية المشروعة للانتفاع بها مع بقاء عينها لتعريض هذه للتلف و الاستيفاء و لأولها إلى اللزوم و لتعلق الضمان بها و هذه كلها خلاف وضع العارية و لو لا متابعة الفقهاء في الحكم بكونها عارية لكان القول بأنها عقد مستقل جاء الإجماع لا بأس به و احتمال أنه ضمان في مال معين لا تشتغل به ذمة الضامن و لا تفرغ به ذمة المضمون عنه و يجوز المطالبة بفكه قبل الأداء بعيد كل البعد لمنافاته لقواعد ذاتيات الضمان و لكلام

33

الأصحاب و هل تصلح الاستعارة المحدودة بحد للراهن لأن التوقيت فيها لا ينافي لإطلاق في الرهن أو لا تصلح لاستلزامه التوقيت في الرهن و هو لا يتوقت إلا بالوفاء وجهان و الأخير أوجه.

السادس و العشرون: لا يجوز رهن المحرم كالخمر و الخنزير و الكلب و آلة اللهو و الخبائث

و الأعيان النجسة المائعات و غيرها و لو رهن المحرم بطل الرهن و كذا ما لا يتمول كحبة حنطة و لو رهن نجسا فاستحال إلى محلل كما إذا رهن المسلم خمرا فصار خلا بطل الرهن قطعا و لا يعود بعوده محللا و هل يملكه الأول لسبق يده فله حق الأولوية أو يملكه الثاني لأنه صار في يده قابلا للملك و قد كان قبله غير مملوك فهو كالمباح عند استيلاء يد المخير عليه وجهان أقربهما الثاني فيملكه الثاني مع النية أو بدونها نعم لو كانت الخمرة محترمة و هي المتخذة للتخليل فرهنها فعادت خَلًّا قوي القول بعود الملك إلى الأول و أن بطل الرهن لعدم جواز نقلها و أن حرم عقبها و إتلافها و جاز ادخارها و جمعها.

السابع و العشرون: إذا جنى العبد المرهون عمدا أو خطأً نفسا أو طرفا على مولاه أو على غيره قدم حق الجناية على حق الرهن

و إن تأخرت عنه لتعين حق الجناية برقبة العبد الجاني من دون بدل بخلاف الرهن فإن بدله عند امتناعه في ذمة الراهن و لتقدم حق المجنى عليه على المالك الأصلي فيتقدم على حق الراهن بطريق أولى و لقوة حق المجنى عليه على حق الراهن لجواز استيفاء حقه من غير مراجعة المالك بخلاف الراهن و لأن حق الجناية متعلق بسبب النفس و حق الراهن بسبب المال فهي أقوى و العمدة في الباب قوة دليل حق الجناية على دليل الرهن الراهن و الظاهر اتفاقهم على ذلك و حينئذ فإن كانت الجناية على المولى و كانت عمدا فإن أوجبت قصاصا اقتص منه و بطل الرهن فيه كله إن كانت على نفس و ان كانت على طرف اقتص من الطرف و بقى الباقي رهنا و ان أوجبت مالا لعفو أو لغيره بقي رهنا إذ لا يثبت للمولى على ماله مال و لو كانت خطأً نفي رهنا كذلك لعدم ثبوت شيء للمولى على عبده و أن كانت الجناية على غير المولى فأما أن يرث المولى المجنى عليه أو لا يرثه فإن ورثه و كانت عمدا

34

فللمولى قتله أن كانت على نفس و بطل الرهن من أصله و لو كانت على طرف اقتص منه طرفا و بقي الباقي رهنا و ان عفي عنه المولى من دون مال بقي رهنا و ان عفى عنه بمال أو كانت الجناية خطأً و شاء الاسترقاق استرقه و بطل الرهن لأن الحق انتقل إلى المولى من الموروث المجني عليه إليه و كما لا يمنع ثبوت مال لمورث المولى على عبده فكذا لا يمتنع انتقاله عنه إليه فيفكه من الرهن لأن حق الجنابة محسوب من دية المجني عليه فتنفذ فيها وصاياه و يوفى منها دينه ثمّ تنتقل إلى الوارث و هذا هو الفارق بين الجناية على نفس المولى و بين الجناية على مورثه و أن لم يرث المولى المجني عليه فإن كانت الجناية عمدا على نفس أو طرف فاقتص منه بطل الرهن فيما تعلق به القصاص دون الباقي و ان اختار المجني عليه الاسترقاق كلا أو بعضا بطل فيما استرق منه و بقي الباقي أيضا رهنا و كذا إن بيع في الجناية كلا أو بعضا و أن عفي المجني عليه بقي رهنا و ان كانت الجناية خطأً فإن فكه المولى أو عفي المجني عليه بقي رهنا و أن استرقه كلا أو بعضا أو بيع كذلك على حسب الجناية بطل الرهن فيما استرق أو بيع و بقي الباقي رهنا و ان كان الواجب دون قيمة العبد و لكن لا يمكن بيع البعض للتعذر أو لمكان الضرر بيع الجميع و بقي الزائد رهنا و لا فرق في جناية العبد بين كونها منه ابتداءً أو بأمر السيد على وجه الإكراه أو بدونه نعم لو كان مجنونا أو غير مميز أو ملجأ سلب منه الاختيار تعلق القصاص و أرش الجناية برقبة السيد و بقي العبد رهناً.

الثامن و العشرون: في مسائل متفرقة:

أحدها: يجوز جعل نصف المشاع رهناً

و ينصرف الرهن إلى نصيب الراهن و يجوز جعل المشاع بين اثنين رهناً على دينهما فينصرف كل إلى نصيبه و لا يكون بمنزلة من رهن ماله و مال غيره بإذنه فإذا و في أحدهما دينه صار نصيبه طلقا و يجوز رهن المال عند ثلاثة فيكون بينهم بالسوية أو ينقسم على نسبة المال وجهان و الأول أوجه و يجوز أن يرهن رهنا على مال ثمّ يرهنه على مال آخر من دون فسخ للأول مع رضا المرتهن و إذا فعل ذلك احتمل التنصيف و احتمل الرهن على النسبة و احتمل كون الفاضل من دين الأول للثاني و احتمل العكس و الأظهر لزوم البيان و الأعلام في مثل هذا المقام

35

و إذا رهن جزءاً المشاع فلا يجوز تقبيضه للمرتهن و لا وضعه عند أحد خاص إلا برضا الشريك فلو لم يرض بذلك رجع الراهن إلى الحاكم لينصب عدلا لتقبيضه من الراهن و المرتهن مع رضاهما بذلك و إجازة المرتهن و كذا لاستئمانه عنده و سقط حق الشريك للزوم الضرر و الضرار و تعطيل المال و لأن الحاكم منصوب لقطع الخصومة و النزاع و للحاكم أن يؤجره إذا رضي الراهن و المرتهن و يقسم الأجرة بين الراهن و الشريك فإذا مات المرتهن انتقل حق الرهانة إلى الوارث فإن امتنع الراهن و الشريك من استئمانه كان له ذلك فإن رضيا على واحد لزم وضعه عنده و إلا تولى وضعه الحاكم عند أمين قطعا للخصومة.

ثانيها: لا يتوقت الرهن بوقت

كما يظهر من اتفاقهم و لو وقت فسد و ذلك لأن وقته وفاء للدين لأنه وثيقة فلا يتوقت بغيره على أن الرهن الموقت لا ينصرف إليه اطلاقات الرهن كتابا و سنة فيشك في صحته نعم يجوز الرهن بشرط عدم التصرف فيه سابقة و لاحقة و لا يجوز اشتراط عدم التصرف مطلقاً لمنافاته لمقتضى العقد.

ثالثها: لو أتلف الرهن متلف كان مثله أو قيمته رهنا

و هل يكون نفس ما في الذمة رهنا لأن الابتداء في رهن الدين غير الاستدامة فيه أو فرده الخارجي وجهان و ظاهرهم الثاني سواء في ذلك الراهن أم المرتهن أم الأجنبي و يشكل ذلك حيث أن الرهن نفس العين فالانتقال إلى قيمته مفتقر إلى دليل و ليس هناك ما يدل عليه شرعا و لا يقتضيه عقد الرهن عرفا سيما لو كان المتلف هو الراهن فإنه ليس عليه من ماله عوض و إيجاب البدل عليه مفتقر إلى دليل و كذا لو كان المتلف هو المرتهن اختيارا فإن الحكم بتغريمه المثل أو القيمة و جعلها رهنا مخالف للقواعد و كذا لو عاوض عليه الراهن برضاء المرتهن و لم يشترط في إذنه كون العوض رهناً و كذا لو كان الرهن مستعاراً فتلف فإن إيجاب مثله أو قيمته على الراهن و جعلهما رهناً لا معنى له و إيجاب بدل على الراهن للمرتهن و عوض للمالك بعيد كل البعد و يجري الكلام في أعواض نماء الرهن و ارشه و الجناية عليه و للتأمل في جميع ذلك مجال.

رابعها: يضمن الرهن بمثله أو قيمته يوم تلفه أيضاً

من تلف بغصب أو إتلاف

36

من أجنبي و إن تلف بتفريط من المرتهن فالأظهر ضمانه بمثله أو قيمته يوم تلفه أيضا لأنه وقت تعلق الخطاب بالضمان به و نسب للأكثر و هو الموافق للعدل و يضمن ما نقص عنه بهزال أو عيب بعد التفريط قبل التلف و لا يضمن زيادة القيمة السوقية قبل التلف لعدم دخولها تحت اليد و يضمن قيمة المثل عند تعذره يوم التعذر مع احتمال ضمانها يوم المطالبة و احتمال ضمانها يوم الأداء و احتمال أعلى القيم ما بين التعذر و المطالبة أو التعذر و الأداء أو المطالبة و الاداء و كلها احتمالات ضعيفة و قيل أن المرتهن يضمن قيمة الرهن إذا فرط فيه يوم قبضه و قيل أعلى القيم ما بين قبضه و تلفه و يظهر من بعضهم أنه يضمن قيمته يوم تفريطه به و من بعضهم أنه يضمن الأعلى ما بين تفريطه و تلفه و يظهر من آخرين أنه يضمن الأعلى ما بين قيمة التلف و الحكم عليه بالقيمة و قد يحتمل أنه يضمن قيمة يوم الأداء و يحتمل قيمة يوم المطالبة و يحتمل الأعلى ما بين جميع ما تقدم و يحتمل الأعلى ما بين الاثنين و الثلاثة و الأربعه و الخمسة و كلها احتمالات بعيدة و لو اختلفت القيمة السوقية أخذ بأدناها للأصل أو أعلاها للاحتياط و خير الأمور أوسطها و كذا لو اختلف المقومون و لو اختلف الراهن و المرتهن في القيمة فالقول قول مدعي النقيصة للأصل و عموم الأدلة و القول بتقدم قول الراهن لأن المرتهن جائز كما نسب للأكثر و نقل عليه الإجماع ضعيف لا يقاوم ما تقدم.

خامسها: لو اختلف الراهن و المرتهن في جنس الدين كانا متداعيين فيتخالفان مع عدم البينة

فإن اختلفا في وصفه الزائد و في تأجيله أو في زيادة أجله كان القول قول النافي و كذا لو اختلفا في قدر الدين فإن القول قول الراهن للأصل و عموم الأدلة و الإجماع المنقول المعتضد بفتوى الأكثر و للصحيح في الرهن ادعي الذي عنده الرهن أنه بألف درهم و قال صاحب الرهن أنه بمائة قال البينة على الذي عنده رهن أنه بألف فإن لم تكن بينة فعلى الراهن اليمين و في الموثق عن بن أبي يعفور مثله و في ثالث عن زرارة مثلهما و قيل نسب لابن الجنيد أن القول قول المرتهن ما لم تزد دعواه على قيمة الرهن فلا تسمح في الزيادة و طلبت منه البينة و في بعض العبارات ما لم تستغرق دعواه قيمة الرهن و في ابتداء عبارته المنقولة ما يدل على ذلك حيث قال المرتهن يصدق في

37

دعواه حتى يحيط بالثمن و في رواية السكوني كذلك أيضا حيث قال فيها يصدق المرتهن حتى يحيط بالثمن لأنه أمينه الا أن الظاهر أن مذهبه الأول لقوله بعد ذلك و ان زادت دعوى المرتهن على القيمة لا تقبل و كذا الظاهر من الرواية إرادة ذلك المعنى أنه يحيط فيدعي الزيادة بقرينة قوله (عليه السلام) لأنه أمينة حيث أنه أمين على الكل و على كل حال فقول ابن الجنيد ضعيف لضعف الرواية سندا أو شذوذها عملا و فتوى فاطراحها أو حملها على التقية أو الندب أولى و احتمال أن من بيده الرهن ذو يد عليه فهو مصدق بما يدعيه في مقابلته ضعيف جدا أيضاً.

سادسها: لو اختلفا في التعدي و التفريط

فالقول قول الراهن للأصل و عموم الأدلة و الإجماع المنقول و الشهرة المحصلة و لو اختلفا في صحة الرهن و فساده لفقدان شرط أو وجود مانع فالقول قول مدعي الصحة و لو اختلفا في رد الرهن و عدمه فالقول قول الراهن سواء تسالما على استيفاء الدين أو على عدمه لأنه مقبوض لمصلحة المرتهن ابتداء فيستصحب حاله و لا يصدق المرتهن عليه و يغرم المثل أو القيمة و لا يلزم بنفس العين لئلا يلزم تخليده في الحبس و لو اختلفا في القبض فالقول قول منكره لأصالة عدمه و أصالة الصحة لا تحكم على أصالة العدم فيما كانت صحته موقوفة على شرط متأخر شك في حصوله و عدمه نعم تحكم على ما تحقق صدوره و شك في تحقق شرائطه و ارتفاع موانعه حين العقد و عدمه و لو اختلفا في تمامية العقد و عدمه احتمل تمشيته أصالة الصحة في الجزء الصادر فيحكم بتمامه و احتمال عدمها لعدم الاتفاق على تمامية العقد و لو اختلفا اختلفا في صدور العقد حالة الصبى أو حالة البلوغ احتمل الحكم بالصحة لأصالة صحة العقد الصادر بنفسه بعد تعارض اصلي تأخر كل من العقد و البلوغ عن الأخر و احتمل عدمه لعدم تحقق صدور العقد ممن شأنه الصحة و لو اختلفا في وفاء الدين و عدمه فالقول قول المرتهن.

سابعها: لو اختلفا فيما بيد المرتهن من مال المالك

فقال المالك هو وديعة و قال المرتهن هو رهن فالقول قول المالك بيمينه كما نسب للمشهور بل يظهر من بعضهم أن القول بغيره مهجور متروك و يدل عليه الأصل و عموم دليل الدعاوى و خصوص

38

الصحيح في رجل رهن عند صاحبه رهنا فقال الذي عنده الرهن ارهنته عندي بكذا و كذا و قال الآخر إنما عندك وديعة فقال البينة على الذي عنده الرهن أنه بكذا و كذا فان لم تكن له بينة فعلى الذي له الرهن اليمين و الآخر في رجل قال لرجل لي عليك ألف درهم فقال الرجل لا و لكنها وديعة فقال (عليه السلام) القول قول صاحب المال مع يمينه و في ثالث مثله و فيها دلالة على تقديم المالك مع أصالة براءة ذمة الآخر فهنا أولى لأصالة براءة ذمة المالك و قيل أن القول قول مدعي الرهانة لأنه صاحب يد فيصدق قوله و للخبر في متاع بين رجلين فقال أحدهما استودعتكه و الآخر يقول هو رهن قال فقال القول قول الذي يقول هو رهن عندي إلا أن يأتي الذي ادعي أنه أودعه بشهود و في الآخر يسأل صاحب الوديعة البينة فإن لم تكن بينة حلف صاحب الرهن و في ثالث مروي بطريق صحيح مثله و هو ضعيف لا يقاوم دليله تلك الأدلة لشذوذها و قلة العامل بها فلتطرح أو تحمل على التقية أو على ما إذا اعترف بالمال و أنكر القول على قول أو على ما إذا دلت عليه القرائن و قيل بالتفصيل بينما إذا اعترف المالك بالدين فالقول قول المرتهن و بين عدمه فالقول قول الراهن و هو حسن لموافقته للظاهر و للجمع به بين الأخبار إلا أن الجمع و الركون للظهور فرع المقاومة و ليس فليس و قيل بالتفصيل بين اعتراف القابض للمالك بكونه في يده على سبيل الأمانة ثمّ صار رهنا فالقول قول الراهن و بين ادعائه إياه ابتداءً فالقول قول المرتهن و هو ضعيف و كونه وجه لجمع فرع المقاومة و ليس فليس و احتمال التداعي و التحالف لم نر من ذكره فلا يعتمد عليه هاهنا.

ثامنها: إذا أذن المرتهن للراهن في البيع فرجع ثمّ اختلفا

فقال المرتهن رجعت قبل البيع و قال الراهن بعده تعارض أصلي تأخر كل من الرجوع و البيع عن الآخر فإن علم تاريخ أحدهما حكم بتقدمه و تأخر المجهول عنه و هو ما إذا تداعيا بسبقه و لحوقه لانقطاع المعلوم بتحقق وقوعه فتبقى أصالة تأخر المجهول من غير معارض و ان لم يعلم احتمل تقديم قول الراهن لاعتضاده بأصالة صحة البيع أو لتعارض أصالة الصحة لأصالة بقاء الرهن فيتساقطان فيبقى عموم الناس مسلطون سليماً عن المعارض

39

و احتمل تقديم قول المرتهن لاعتضاده باستصحاب بقاء الرهينة للشك في انقطاعها بالبيع الواقع للشك في صحته و هذا ظاهر الأصحاب و قد يقال عليه أن استصحاب الرهن قد انقطع بوقوع البيع المحكوم بصحته لأصل الصحة ما لم يقطع بفساده فساده موقوف على العلم بطروّ و الرجوع قبله لا يحصل العلم بالأذن فيقع الشك في صحة البيع فلا يحكم بقطعه لاستصحاب الرهن لأنا نقول أن أصالة الصحة تحكم على أصالة عدم تحقق الشرط فيحكم بوجوده حينه على أن الشك في تحقق الرجوع شك في طروّ المانع لحصول الإذن من المرتهن الذي هو شرط و مع الشك في طروّ المانع فلا شك في أن الأصل عدمه و نحكم عليه أصالة الصحة فظهر بذلك ضعف ما قيل أن الرهن المانع للراهن من التصرف لما كان متحققا لم يمكن الحكم بصحة البيع الواقع من الراهن إلا بأذن معلوم من المرتهن حال البيع و لما حصل الشك في حصولها حالية وقع الشك في حصول الشرط نفسه لا في وجود المانع و معلوم أن الشرط لا يكفي فيه عدم العلم بانتفائه بل لا بد من العلم بحصوله ليترتب عليه المشروط و لو بطريق الاستصحاب فإن الرهن المانع من صحة البيع واقع يقينا و يستصحب لأن الشرط المقتضي لصحة البيع و ان كان معلوم الوقوع لكن في زمن لا باليقين بل بالاستصحاب فيرجح جانب الوثيقة و في كلامه نظر في مواضع تعرف بالتأمل.

تاسعها: إذا كان لشخص على آخر دينان و على أحدهما رهن أو على كل منهما رهن غير الآخر فدفع مالا لوفائه

فإن عينه لأحدهما تعيّن و أن شركه لوفائهما كان وفاءً عنهما و ان خص كلًا منهما بقدر تخصص و إلا كان وفاءً عنهما فإن خص كلًا منهما بقدر تخصص و الّا كان وفاءً على نسبة الدينين و مثله لو أطلق بنية فدفعه لما في ذمته فإن الظاهر وقوعه وفاءً للدينين على نسبة قدر المالين و لا يحكم بالتنصيف و شبهه فتنقسم كانقسامه على الرءوس لبعده لفظا و معنى و لو نوى الدافع معينا فقبض الآخر فاختلفا فيما نواه عند دفعه أو فيما أظهره بقول أو فعل من نيته أو اختلفا في نية الإطلاق أو التعيين فالظاهر أن القول قول الدافع لأنه أبصر بنيته و لأنه ادعى دعوة لا تعرف إلا من قبله فيلزم تصديقه و هل يفتقر إلى اليمين لأصالة عدم تصديق المدعي

40

يخرج منه ما كان مقرونا باليمين و يبقى الباقي أو لا يفتقر لأنه غير منكر و اليمين على من أنكر وجهان و الأخير أقرب و لو اتهمه بالكذب أو ادعى عليه إقرار بخلافه فالأقوى جواز تحليفه.

عاشرها: إذا اختلفا فيما يباع به لا الرهن بيع بالنقد الغالب و جبر الممتنع

لانصراف البيع إليه في العقود و لحكم الشارع به في الضمانات و الجنايات و الغرامات سواء كان المرهون عليه النقد الغالب أم لا مع احتمال أن المرهون عليه لو كان من غير الغالب و رضى الراهن به ليفي المرتهن من جنسه يلزم المرتهن بما يقوله الراهن تقديما لحق جانب المالك و هو قوي و كذا لو انحصر وفاء الدين من جنسه بغير الغالب و لو أراد كل منهما نقدا غير نقد الغالب و اختلفا فيه و تعاسرا أجبرهما الحاكم على الغالب و ردهما لأنه الذي تقتضيه الحكم اللفظي و الشرعي و كذا لو شرطا غير الغالب لزم عليهما سواء تضرر كل منهما بما يريده الآخر أو بالغالب أو بهما و لم يتضرر الأخر ففي أجابته وجه و لو كان للبلد نقدان غالبان بيع بأشبههما للحق و إلا فبالأسهل صرفاً إليه و إلا بأوفرهما حظا و إلا اقتراعا و إلا رفعا أمرهما إلى الحاكم فيتعين عليهما ما عيّنه لهما و لو اشترط المرتهن كونه وكيلا ببيعه بأي نقد شاء لزم عليه حتى من غير الغالب.

حادي عشرها: إذا ادعي المرتهن رهانة شيء فأنكر الراهن و ادعي أنه آخر

توجه اليمين على الراهن فينتفي بيمينه على النفي و ينتفي الآخر بنفي المرتهن لأنه جائز من قبله فينتفي بنفيه و لأن الرهن لمحض حقه فإذا نفاهُ انتفى و هذا كله إذا لم تكن بينة و إلا فيلزم الأخذ بها أولم يكن الرهن أيضا مشروطا فلو كان مشروطا قام احتمال جريان حكم ما تقدم عليه لبقاء المعني الذي أوجب ذلك الحكم و هو انتفاء ما يدعيه المرتهن و قبول قول الراهن فيما ينكره و قام احتمال عدمه لأن إنكار المرتهن هنا يتعلق بحق الراهن لادعائه عدم الوفاء بالشرط و هو من أركان لزوم ذلك العقد فيرجع الاختلاف إلى تعيين الثمن لأن الشرط من مكملاته هاهنا و حكم الاختلاف في الثمن هو التحالف و انفساخ العقد و قرب في القواعد تقديم قول الراهن و يشكل معه بقاء العقد المشروط فيه الرهن مع انتفاء الشرط حيث انتفى كل واحد من الفردين المتنازع في رهنهما

41

أحدهما بنفي المرتهن و الآخر بإنكار الراهن و الحال أنهما متفقان على وقوع عقد بشرط لم يحصل و كذلك يشكل فسخه في حق الراهن بمجرد نفي المرتهن اشتراط رهن ما ينفيه مع إطلاق الأدلة بوجوب الوفاء بالعقد الذي لم يدل على فسخه دليل.

ثاني عشرها: لو تسالم الراهن و المرتهن على القبض بعد وقوع عقد الرهن

فادعي المرتهن أنه بأذن من الراهن و أنكر الراهن ذلك أو أدعي أنه قبضه للرهن فقال الراهن قبضه وديعة أو لتستاجره أو لتشتريه أو للعارية أو لغير ذلك و لم تكن قبضة لأجل الرهن احتمل تقديم قول الراهن للأصل و احتمال تقديم المرتهن للظاهر و احتمل التحالف في غير الصورة الأولى و لو ادعى الراهن بعد تقبيضه تعلق الجناية بالعبد أو كون الأمة ذات ولد أو كونها مكاتبة أو كون الرهن منذورا مطلقاً زجرا أو شكرا أو منذورا معلقا بناءً على أن المنذور المعلق لا يجوز التصرف فيه قبل تبين حال المعلق عليه من وقوع و عدمه كي ينفذ النذر أو يكون باطلا و أنكر المرتهن ذلك كان القول قول المرتهن مع يمينه و لو ادّعى الراهن ذلك قبل القبض فالظاهر سماع قوله بناءً على أن القبض جزء من عقد الرهن أو شرط مكمل له.

تم كتاب الرهن و يتلوه إن شاء الله تعالى كتاب الحجر و الحمد لله رب العالمين أولًا و آخراً و الصلاة و السلام على أشرف الأنبياء محمد و آله الطيبين الطاهرين وقع الفراغ من كتابته يوم الأحد تاسع عشر في شوال سنة أربعة و خمسين بعد الألف و المائتين من الهجرة النبوية على مشرفها أفضل الصلاة و السلام و أشرف التحية.