أنوار الفقاهة (كتاب الصلح)

- الشيخ حسن كاشف الغطاء المزيد...
9 /
1

[في معنى الصلح]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيم و به نستعين ِ

كتاب الصلح

و هو عقد يصلح لنقل العين و المنفعة و الحق ثمناً و مثمناً و لإسقاط الحق و ما في الذمة من المال و يمكن جعل هذا تعريفاً له لاختصاصه بما ذكرنا و قد يتجدد بأنه عقد شرع لقطع التجاذب و لكنه لا يسلم من شبهة الدور و من عدم تسليم كون مشروعيته لذلك لعدم ثبوت دليل عليه لا لأنه قد يصح من دون نزاع و شقاق فلا يكون مشروعاً لذلك لأن قطع التجاذب بناءً على مشروعيته له حكمة لا علة كي يلزم اطرادها فهي كالمشقة في السفر و استبراء الرحم في العدد و يمكن أن يحدّ بأنه عقد يدل على التراضي و يُنبئ عن صدور نزاع متقدم و هذا خاصة له لأن غيره من العقود يدل على أثره المعد له دون الصلح فإن معناه المصالحة و أثره النقل و كما يطلق لفظ الصلح على العقد يطلق على الأثر أيضاً و هو المراد بالصنيع المشتقة منه و استعماله في العقد في لسان الفقهاء هو الشائع كاستعماله في الأثر في العرف العام فإنه هو الشائع و عقد الصلح ثابت بالإجماع و الأخبار خصوصاً و عموماً و في الكتاب العزيز بمعونة فهم الفقهاء ما يدل عليه و هو من العقود اللازمة لظهور ذلك من عقده فيدل عليه عموم أوفوا بالعقود و للإجماع و الأصل و يشترط فيه ما يشترط فيها من الصراحة و العربية و الماضوية و الترتيب و عدم الفصل المخل و لا يجزي فيه الفعل و الإشارة و لا الكتابة و تجري فيه المعاطاة مع القصد بها إلى الصلح و إلا فهي منصرفة إلى البيع مهما أمكن

و هنا أمور:

أحدها: الصلح سائغ إلا ما أحل حراماً أو حرم حلالًا

و ذلك فإن في الشريعة محرمات معلومة كالزنا و السرقة و محللات معلومة كوطء الزوجة و المملوكة لا يمكن

2

تبديلها بالنوافل الاختيارية و الصلح منها فلا يمكن بتبديلها به و قد يراد بتحليل الحرام و تحريم الحلال هو ما إذا وقع الصلح على دعوى باطلة واقعاً أما البطلان دعوى المدعي أو بطلان إنكار المنكر فإنه يحل حراماً في الأول و يحرم حلالًا في الثاني لتأديته فيهما لأكل المال بالباطل و للتجارة عن غير التراضي فإن الصلح فيهما غير سائغ واقعاً و أن كان بظاهر الشرع محكوم بصحته فيكون الاستثناء كالمنقطع لاختلاف المستثنى و المستثنى منه في الحكم.

ثانيها: مقتضى إطلاق النص و الفتوى أن الصلح بمنزلة الشرط صالح النقل العين بالعين و المنفعة و الحق

و لنقل المنفعة بالعين و المنفعة و الحق و لنقل الحق بالعين و المنفعة و الحق و صالح لنقل الحق و صالح لإسقاطه و صالح لنقل المحقق من هذه الثلاثة و لنقل غير المحقق منها في مقام الدعوى لصحته مع الإقرار و مع الإنكار و المفروض أن الشيء المدعي به مع إنكاره غير محقق و صالح في مقام الدعوى لأن يكون على نفس المدعى به و على نفس إسقاط الدعوى و على نفس إسقاط حق المدعي من اليمين على المنكر و صالح لأن يكون عوض إسقاط الدعوى مالًا و صالح لأن يكون هو نفس يمين المنكر عند غير الحاكم لأن اليمين من المنكر عند غير الحاكم مما يملكه و يقابل بعوض و لا يملكه المدعي فيصح لأن يجعله المنكر عوضاً عن دعواه أو عما يدعيه المدعي على الأظهر و صالح لأن يكون العوض و المعوض فيه من مالك واحد فيكون في الأعيان بمنزلة الهبة و في الديون بمنزلة الإبراء و في المنافع بمنزلة العارية و يكون ذلك في الإقرار و الإنكار مع سبق الدعوى فلوا ادّعى عليه عبدين فأقر له بهما فصالحه من أحدهما بالآخر كان بمنزلة الهبة و كذا لو أنكر لأن الواقع أن العبدين لأحدهما ولوا ادّعى عليه ديناً فصالحه عن بعضه كان بمنزلة الإبراء مع الإقرار و الإنكار و لو ادّعى عليه داراً فصالحه عن سكناها شهراً كان بمنزلة العارية مع الإقرار و بمنزلتها مع الإنكار لو كانت من الجانب الأخر و هل يقوم مقام الهبة ابتداءً دون سبق دعوى كان يصالحه عن بعض ماله ببعض ماله لإطلاق الفتوى بأنه بمنزلة الهبة مع الإقرار و الإنكار أو لا يصح للشك في شمول أدلة العقود عموماً و خصوصاً لمثله و يصح الصلح على معدوم مع وجود

3

مادته بالفعل كبيع الثمر و اللبن قبل وجودهما و في صحته على ما ليس له مادة كالصلح على ما يتجدد في ملكه و ما تنبت الأرض إشكال و يصح الصلح على الصلح المعلوم بالكيل و الوزن و العد و على المجهول مع إمكان الاختبار و مع عدمه على الأظهر لعدم الدليل على شرطية التقدير في جميع أنواع المعاوضات سيما الصلح فالأصل يقضي بعدمها و عموم النهي عن الغرر لم يثبت و دليل نفي الضرر منصرف لغير ما أقدم عليه المتعاوضان برضاهما و طيب أنفسهما هذا مع إمكان الاختبار و أما مع عدمه فالظاهر أنه لا إشكال في جوازه هذا كله مع مشاهدة المصالح عليه و أما مع عدمها كصالحتك على ما في البيت و لم يعلم قدر ما في البيت و لا شاهده ففي صحته إشكال و أشكل منه الصلح على المجهول جنساً أو نوعاً أو وصفاً كصالحتك على ما في الصندوق مع عدم معلوميته أنه تبر أم تمر و الأظهر في هذا عدم الصحة مع إمكان الاستعلام و الصحة مع عدم إمكانه للأصل و لما يظهر من تتبع الأخبار عموماً و خصوصاً و لا يصح الصلح على المبهم و لا على الشيء مطلقاً كصالحتك على شيء أو على طعام و لا على ما لا يؤول إلى العلم مع عدم الضرورة إليه كصالحتك على قدر ما صالح عليه فلان و لم يكن استعلامه أو على قدر هذا الرمل عدداً من الطعام و لا يصح الصلح على المجهول عند أحد المتصالحين المعلوم عند الأخر إذا كان أحدهما غريماً للآخر أو مخاصماً له بحيث لو علم الجاهل بقدر حقه لما رضي بالصلح فإن الصلح هاهنا بالطل لأنه أكل مال بالباطل و في الأخبار ما يدل على بطلانه و على لزوم أخبار العالم للجاهل و حينئذ فلو صالح المدعي العالم بالقدر المنكر الجاهل بما يزيد على حقه كان الصلح باطلًا من أصله و لا يصح فيما قابل ماله إلا مقاصته مع الامتناع و لو صالحه بالمساوي أو الناقص صح و أن ادّعى أولًا الزيادة و كذا لو صالح المنكر العالم بالقدر المدعي الجاهل بما ينقص حقه كان الصلح باطلًا من أصله إلا أن يعلمه بالقدر و يعلم رضاه على كل حال و أن صالحه بالمساوي أو الناقص صح و أن لم يبين و كل من صالح غريمه على ما دون لتقية أو لتعسر تحصيله منه و لم يمكنه الاستنقاذ منه إلا بطريق الصلح كان صلحه باطلًا و لا يثمر تمليكاً و ليس من التجارة التي عن تراض فإن كانت المنازعة

4

على عين فصالحه على أخرى كانت العين باقية على غصبها و كانت عينه المدفوعة لصاحب الحق غير مضمونة عليه و له أخذها مقاصة و كذا لو كان على دين فصالحه على غير جنسه و أن صالحه على جنسه بنقصان عنه بمقدار ما دفع و بقي الباقي مطلوباً به إلى يوم القيمة و لو كان جهل أحدهما دون الأخر في أمر خارجي ليس لأحدهما تعلق به لكونه ديناً أو أمانة عنده أو نحو ذلك صح الصلح و ذلك كعين بعلمها أحد المتصالحين و لا يعلمها الأخر سواءً كانت بيد المصالح أو المصالح إلا إذا علم أنه مشتبه كان أعتقد المصالح نقصان ماله فصالح بالقليل و يعلم الأخر به فإن الأحوط هاهنا ترك الصلح كصورة ما إذا تخيّل المصالح زيادة المال فبذل الزيادة و في الخبر في الرجل يكون عليه الشيء فيصالح قال إذا كان بطيب نفس من صاحبه فلا بأس دلالة على جملة من الصور المتقدمة كما أن في خبر علي بن حمزة من النهي عن صلح الورثة من دون أعلام لهم بقدر ما هو مطلوب لأبيهم و خبر عمر بن يزيد في مدين مات ديّانه فصالح على شيء أن الذي يأخذ الورثة لهم و ما بقي للميت يستوفيه منه في الآخرة دلالة ظاهرة على المنع من الصلح في جملة من الصور المتقدمة و يصح الصلح على الشيء لمالك واحد ببعضه و لا يضر اتحاداً العوض و المعوض لكفاية التغاير الصوري و يكون هذا الصلح بمنزلة الهبة في الأعيان و الإبراء في الذمم.

ثالثها: الصلح من العقود اللازمة

إجماعاً و الأصل و الأخبار دالة عليه و يصح فيه اشتراط الخيار و يجري فيه كل خيار مستنده خبر الضرار كالغبن و العيب و التصرية و الشركة و نحوها إلا ما فهم منه أن سبب العدول إليه من غيره من العقود كان هو أسقاط الغبن أو العيب أو كل خيار منشؤه حديث لا ضرر و تصح الفضولية فيه و تصح فيه المعاطاة مع نصب قرينة على ذلك و ألا فظاهر المعاطاة أنها بيع و يجري عليها أحكامه على الأظهر و يجري فيه تحريم الربا لحرمته في سائر المعاوضات على الأقوى و يقوم مقام البيع و لا تجري عليه أحكامه من خيار و صرف و سلم و مقام الهبة و الإجارة و العارية و الإبراء و لا يجرى عليه أحكامها من الجواز في جملة منها و اشتراط التعيين في الإجارة و نحو ذلك و الظاهر جواز قيامه مقام العقود المالية من مضاربة و مزارعة

5

و مساقاة و جعالة فيعود الجائز منها لازماً و يصح الصلح على الإتيان بنفس العقد كصالحتك على أن تبيع أو تأجر أو تهب أو تنكحني أبنتك أن توقف كذا بكذا و يكون بمنزلة الجعالة اللازمة و لا يصح الصلح على نفس أثر العقد كصالحتك على أن يكون هذا مبيعاً أو موهوباً أو مزارعاً عليه أو موقوفاً أو منكوحاً و لا يبعد صحة الصلح على إسقاط الدعوى بالقسم بغير الله تعالى كالقسم برسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) أو الكتاب أو الأوصياء بل و العلماء و الأتقياء لا يقال أن دليل الصلح كدليل البيع هذا أحل البيع و ذلك و الصلح خير و الصلح سائغ بين المسلمين فما وجه التسرية في الصلح دون البيع لأنا نقول أن دليل الصلح ليس مقصوراً على تلك العمومات بل استقراء موارد الصلح الواردة في الأخبار و النص في فتاوى العلماء الأبرار مما يدلان على عموم دليل الصلح لموارده و لكل مصالح عليه عوضاً و معوضاً و استثناء ما حرم حلالًا أو أحل حراماً يدل أيضاً على أن العموم مسوق لبيان أفراد المصالح عليه لا لبيان مشروعية صيغته و كيفياته على أن عقد الصلح في العرف صالح لكل ما قدمنا فتسويغه على وجه الإطلاق يؤذن بتسويغها و هل يصح وقوع الصلح بغير صورة العوض كما إذا وقع مقام الهبة و الإبراء أو السكنى كصالحتك على جبتك أو على سكنى دارك أو على نصف دينك يظهر من بعض الفقهاء جواز ذلك لقولهم و يقوم مقام الهبة إذا وقع على عين بلا عوض و مقام العارية إذا وقع على منفعة بغير عوض و الأصل و القاعدة يقضيان بعدم الجواز و من ذلك قالوا أنه يصح أنا اصطلح الشريكان بعد انتهاء الشركة و إرادة فسخها على أن يكون الربح لأحدهما و الخسران عليه و للآخر رأس ماله صحَّ و نقل عليه الإجماع قالوا و تدل عليه المعتبرة و فيها الصحيح في رجلين اشتركا فربحا فيه ربحاً و كان من المال دين و عين و في أخرى و كان المال ديناً و عيناً و في ثالثة و كان من المال دين و عليهما دين و في رابعة و كان المال ديناً و لم يذكر العين و لا أنَّ عليهما دين فقال أحدهما لصاحبه أعطني رأس المال و لك الربح و عليك الثرى فقال لا بأس إذا شرطا و علل ذلك بأن الزيادة مع من هي معه بمنزلة الهبة و الخسران على من هو عليه بمنزلة الإبراء أو ظاهر إطلاقهم أنه لا يتفاوت

6

الحال بين أن يكون الزيادة معلومة أو مجهولة و الخسران معلوماً أو مجهولًا و أنه لا حاجة إلى صورة العوض كأن يجعل رأس المال عوضاً عن الربح و الخسران و ظاهرهم عدم صحة الصلح بهذا النحو في ابتداء الشركة و لا في أثنائها لدخوله فيما حل حراماً لمنافاته لوضع الشركة من مساواتها في الربح و الخسران و ظاهر جملة من المحققين أيضاً عدم صحة اشتراط هذا النحو بعقد الشركة في الابتداء أو في الأثناء فيقع الشرط فاسداً لمنافاته لوضع الشركة و كلما نافى مقتضى العقد من الشرائط فهو باطل خلافاً لجمع من أصحابنا فجوزه في ابتداء الشركة و منهم من جوزه و لو في الأثناء لعموم أدلة الشروط و لخصوص الرواية المتقدمة و فيه أن عموم دليل الشروط مخصوص بما نافى مقتضى العقد لأن المنافي لمقتضى العقد و مخالف للكتاب و السنة و كل مخالف للكتاب و السنة باطل بالإجماع و أما خصوص الرواية فهي و أن كان فيها لفظ الشرط و لكن المراد منه الصلح و الرضا بذلك بقرينة وقوعه بعد أن ربحا فيه ربحاً و تثنية ضمير شرطاً و أنه لو كان المراد نفس الشرط في الابتداء لما كان لاختصاص نفي إلباس بل ثبوت البأس في غيره من جهة المفهوم معنى إذ لا قائل به كذلك.

رابعها: لو كان درهمان أو أكثر بيد رجلين أو أكثر

أو كان غير درهمين كثوبين أو عبدين أو غيرهما أو أكثر بيد رجلين أو أكثر فأدعى واحد من الرجال أو أكثر جميع ما تحت أيديهما و ادعى واحد أخر أو أكثر واحداً معيناً مما في أيديهما أو أكثر و أقر بأن الباقي لمدعي الكل واحداً أو أكثر فالقاعدة تقضي بأن ما أقربه الأخر للآخر و ما ادعاه لنفسه أن كان معيناً واحداً أو متعدداً فهو بينه و بين من ادّعى الكل بالمناصفة أن كانوا اثنين و أن كانوا ثلاثة فهو بينهم أثلاثاً و هكذا أو ذلك لخروج المقر به عن حكم يد المقر بالإقرار فتبقى الدعوى على الباقي و لما كانت أيديهما متساوية قسم بينهما بموجب اليد لاقتضائها التساوي في الملكية هذا أن كان مدعي البعض ادعاه معيناً و أن ادعاه مشاعاً احتمل كونه كذلك لأن إقراره قد رفع حكم يده عما أقر به و بقيت الدعوى بينهما في المشاع الباقي فيقسم بينهما بموجب اليد و للخبر الوارد فيمن ادعى درهمين و ادعى الأخر أحدهما أن لمدعي الدرهمين درهما و نصف و لمدعي الدرهم

7

نصفه لإقراره بأن الواحد لمدعي الواحد و هو ظاهر في المشاع دون المعين و احتمل كونه بأجمعه لمدعيه و ربما ادعى أنه لا خلاف فيه في باب الدعاوى و أن القاعدة تقضي به لاقتضاء اليد التسوية و الإقرار مثبت لموجبها لا رافع له لأن المقر إنما أقر للآخر بما اقتضته يده من التنصيف أو غيره على وجه الإشاعة بخلاف المعين فإن الإقرار به ليس تقريراً لموجب اليد لأن اليد لا تقضي بالتنصيف على جهة التعين و إنما تقتضيه على جهة الإشاعة فالإقرار بالمعين لا يمكن أن يكون تقريراً لموجب اليد و هذا الأخير أقوى و عليه فلا بد من حمل الرواية على المعين أو الأخذ بها في خصوص الدرهمين لا غيرهما و لا الأزيد و في خصوص الرجلين دون غيرهما إلا ما علم التسرية إليه بتنقيح المناط القطعي و شبهه أن التداعي لو كان على ما في يد أحدهما فإن القول قوله إلا مع بينة الآخر و لو كان على ما ليس في أيديهما و لا في يد غيرهما فإنه يرجع به إلى قواعد الدعاوى مع قيام البينة و عدمها و مع تساوي البينتين و عدمه و مع حلف كل واحد منهما و عدمه و مع تصديق من في يده لأحدهما و عدمه و يجيء مع احتمال التعارض القرعة و احتمال التنصيف و احتمال الترجيح و مع التساوي فالقرعة إلى غير ذلك ثمّ أن ظاهر الرواية و فتاوى الكثير من الفقهاء أن الحكم بتصنيف ما ادعى عليه حكم شرعي تقضي به اليد و يكون من قبيل الصلح القهري فلا يحتاج إلى طلب البينة منهما و لا إلى اليمين من أحدهما أو منهما نعم للحاكم ذلك فيحكم بالبينة مع قيامها لأحدهما و مع تعارضهما يحكم بها كالحكم في باب الدعاوى و يحكم باليمين من أحدهما مع نكول الأخر و مع عدم نكوله و تقابل اليمينين يحكم فيهما أيضاً ما يحكم به في باب الدعاوى مع احتمال أنه ليس للحاكم ذلك بل هو صلح قهري لا تجري عليه أحكام الدعاوى و لكن يقتصر فيه على ما في الرواية أو ما عليه أنه كذلك بتنقيح المناط.

خامسها: لو كان عند شخص درهمان أو أكثر وديعة لواحد و درهم أو أكثر وديعة لآخر فاختلطا

و اشتبها و تلف واحد منهما أو أكثر أو تلف الواحد أو الأكثر ثمّ اشتبها بعد ذلك و كذا غير لدراهم من عروض أو نقود فالذي تقتضيه القواعد أن الاختلاط و الاشتباه أن أثر شركة بين المالين لعدم التميز بينهما و عدم إمكان استخراج

8

أحدهما بالقرعة كما كالمائعات الممتزجة و الحبوب و الدراهم المتماثلة لو قلنا بتحقق الشركة فيها و وقع التلف بعد الاختلاط كان التالف موزعاً على نسبة المالين فلو تلف من قفيزي حنطة لواحد و قفيز لآخر أو قفيز درهمين لواحد و درهم لآخر لو قلنا بحصول الشركة في امتزاجهما كان لصاحب القفيزين و الدرهمين واحد و ثلث و ثلثا واحد لصاحب القفيز و الدرهم و أن لم يؤثر الاختلاط الشركة أو وقع الاختلاط بعد التلف فالطريق إما الصلح الاختياري بينهما أو الجبري بأمر الحاكم عليهما لرفع الشقاق و النزاع و إما القرعة لاستخراج التالف على أسمائهما أو استخراج الموجود لأيهما إلا أنه قد وردت رواية في طريقها من نقل الشيخ إجماع العصابة على تصحيح ما يصح عنه و أفتى بمضمونها المشهور نقلًا بل تحصيلًا فيمن استودعه رجل دينارين و أخر ديناراً فضاع دينار منهما فقال يعطي صاحب الدينارين ديناراً و يقسمان الدينار الباقي بينهما نصفين و هي مخالفة للقواعد المتقدمة و ليس فيها أن الاختلاط قبل تلف الدينار أو بعده و لا يمكن انطباقها على الإشاعة لمنع الإشاعة فيها بالمزج لإمكان استخراج المجهول بالقرعة و لأن الإشاعة تقضي بالقسمة دينار و ثلث لصاحب الدينارين و ثلثي دينار لصاحب الدينار كما لا يمكن انطباقها على المعين المجهول لأن حكم القرعة كما قدمناه فلا بد حينئذ إما من طرحها لو تجاسرنا على مخالفة الخبر المشهور فتوى و عملًا أو تنزيلها على الندب و الصلح الاختياري أو الأخذ بخصوص موردها جنساً و عدداً و أن يكون وديعة عند غيرهما لا عند أحدهما إلى غير ذلك إلا ما يعلم تنقيح المناط فيه كالدرهم و نحوه على أن ظاهرها قاض بالصلح القهري على النحو المذكور مطلقاً حتى لو ادعى أحدهما أو كلاهما معرفة ماله و حتى لو حلف عليه أحدهما أو كلاهما و هو مخالف لقواعد الدعوى أيضاً لأن القاعدة تقضي بالقرعة لو حلف كل منهما و للحالف لو حلف أحدهما دون الأخر و التنصيف هنا لا يجري على الأظهر للعلم القطعي بكون الدرهم كله لواحد منهما و أن الأخر أكل للمال بالباطل و لو أقام أحدهما بينة قضي له بها و أن أقاما معاً فالقرعة.

سادسها: لو كان لواحد ثوب أو غيره اشتراه بعشرين أو غيرها

و لآخر ثوب أو

9

غيره اشتراه بثلاثين أو غيرها فاشتبه أحدهما بالآخر فإن خيّر أحدهما صاحبه فقد انصفه و ألا فإن قلنا أن الاشتباه يوجب الشركة كانا شريكين فيهما بحسب تقويمهما و أن كان الظاهر أن الأعلى قيمة للأعلى ثمناً و أن لم نقل بحصول الشركة عند الاشتباه كما هو الحق فالطريق هو القرعة على استخراج كل منهما لصاحبه إما بالاقتراع على أعيانهما أو على أثمانهما بعد بيعهما إذا تفاوتت الأثمان مع احتمال أن تفاوت أثمانهما بعد بيعهما يورث ظناً بتفاوته عند شرائهما فيكون الكثير ثمناً عند بيعه للكثير ثمناً عند شرائه و لكن في اعتبار هذا الظن و حجيته في هذا المقام إشكال بل منع نعم لو امتزج المالان قبل الشراء على وجه يوجب الشركة فاشترى بهما الثوبين كانت القسمة عند بيعهما على نسبة المالين المشتري بهما فربما تحمل على ذلك الرواية الآمرة ببيع الثوبين المشتبهين إذا اشترى أحدهما بعشرين و الآخر بثلاثين و قسمة الثمن أخماساً أو تحمل الاستحباب و اعتبار مثل الظن للاحتياط و ألا فالأخذ بها تعبداً مع ضعفها و مخالفتها للقواعد من الأمر ببيع الثوبين و من قسمتهما كذلك مع عدم العلم بأن الأزيد ثمناً عند بيعه للأزيد ثمناً عند شرائه و الأنقص للأنقص مشكل جداً نعم قد حكي عن بعض الشهرة على مضمونها و نقل عن بعض صحتها للقواعد و الضوابط سنداً فيمكن الأخذ بها في موردها الخاص دون غيره جنساً و عدداً إلا ما علم تنقيح المناط و يرجع في غير موردها للقواعد و الضوابط.

تم كتاب الصلح و الحمد لله أولًا و آخراً و الصلاة

و السلام على اشرف الأنبياء محمد و عترته

السادات النجباء تم التحرير سنة 1323