أنوار الفقاهة (كتاب الصيام)

- الشيخ حسن كاشف الغطاء المزيد...
102 /
1

كتاب الصيام

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ و به نستعين

و هو من ضروريات الإسلام و وجوبه في شهر رمضان نطق به القرآن و صار ضرورياً في جميع الأزمان و الصوم لغة الإمساك عن الشيء و نقل شرعاً في زمن الشارع بناء على ثبوت الحقيقة الشرعية و الأقوى ثبوتها لترك أشياء خاصة أمر الشارع بتركها عند التذكر مستنداً إلى عزم عليه قبل حصوله أو بعد حصوله في مقامات خاصة في زمان خاص على كيفية خاصة من بلوغ و عقل و صحة و سلامة من حيض و سفر و شبههما فلا يرد على هذا ما ورد على من اخذ الكف في تعريفه بان الكف أن كان هو النية فهي شرط من الصوم أو جزئه لا نفسه و ان كان غير النية فلم يعقل وجوب أمر آخر زائد على الترك و النية و بان الصوم لو كان هو الكف و الانزجار لزم أن لا يكون النائم و الساهي و الغافل صائمين و لأن شاركوه في الحكم فلا يشاركون في الاسم و للزم وجوب التقطب و الانزجار طول النهار و عدم جواز بقاء المكلف خالياً عن حالة فعلية حين التذكر خطاب رب البرية و الكل لا يلتزمه أحد و لا يبعد أن من عبر بالكف أراد الترك المستند إلى العزم و النية السابقة للفرق بينه و بين الترك اتفاقاً و دعوى أن الترك غير مقدور فلا يتعلق التكليف به دعوى تخالف الوجدان لأنه لو امتنع الترك لوجب الفعل و لا يقوله إلا الأشعري فالترك مقدور بمعنى أن شاء استمر عليه و ان شاء قطعه و فعل و لا يراد أيضا ما ورد على من اخذ الفطر في تعريف الصوم من الدور لتوقف معرفته على معرفة الصائم المتوقف على معرفته و لا يراد أيضاً دخول ترك المفطرات وقتاً ما في تعريف الصوم لخروجه بالمؤمن الخاص و لا يراد أيضا خروج تناول المفطرات سهواً عن الصوم مع انه داخل فيه لدخولها في قولنا عند التذكر و الصوم من افضل القربات للإجماع و الأخبار عن الهداة و قد ورد أن الله تعالى قال: الصوم لي و كأنه لخفائه و عدم الاطلاع عليه يكون بعيداً عن شائبة الريا التي هي شرك

2

فلا يصوم إلا له أو لزيادة مشقة و تأثير لصفاء الباطن و الإخلاص استحق إضافته إليه تعالى دون ساير العبادات و ينبغي للصائم أن لا يكون يوم صومه كيوم فطره بل ينبغي له ترك الذمائم القلبية و الفرطات اللسانية و القبيح من الأفعال الجسمانية كما نطقت به أخبار سادات البرية و ينبغي له الأعمال الحسنة و الأماكن المشرقة و الأخلاق المحمودة و قد ورد النهي عن تسمية شهر رمضان رمضاناً و ورد أن من صامه ذاب الحرام من جسده و قرب من رحمة الله تعالى كفر خطيئة أبيه آدم و هانت عليه سكرات الموت و أمن من الجوع و العطش يوم القيامة و أطعمه الله تعالى من طعام الجنة و أعطاه براءة من النار.

بحث في النية:

و فيه أمور:

أحدها: النية شرط في الصوم لا جزء منه

فلا يشترط فيها شرائط قطعاً لان للصوم كسائر الأفعال فكما أن النية ليست جزء منها عرفاً و شرعاً فكذلك للصوم أيضا و انتفاء للوازم الجزئية بالإجماع دليل على انتفائها نعم اشتراطها على القول بان العبادات اسم للصحيح داخل فيه دونها نفسها و شرطيتها دل عليها الإجماع و الأخيار و الاعتبار و هي من العبادات على وجه الحقيقة الشرعية أو المتشرّعة يراد بها قصد الفعل و قصد كونه لله تعالى فالإتيان بالفعل بدون قصد أو بدون قصد انه لله تعالى كعدم الإتيان به لا تتحقق الطاعة و الانقياد و العبودية به أن لا يصدق على العبد انه مطيع إلا إذا أتى بالعمل مقصوداً لم يقع قصد انه له و المفروض أن الأصل في أوامر الشارع سيما فيما لم يعلم وجه المصلحة فيه كالعبادات إرادة الطاعة و الانقياد و العبودية قال سبحانه و تعالى: [وَ مٰا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلّٰا لِيَعْبُدُونِ] سورة الذاريات الآية (56) فالحقيقة روح العمل و بها قوامه و يكفي فيها الداعي و المحرك و الانبعاث الحاصل في خزانة الخيال و لا يجب فيها الأخطار و التصوير الفعلي و ان كان هو الأحوط و لا يجب فيها التصدير تفصيلًا و لا معرفة الحقيقة في سائر العبادات للزوم العسر لولاه و تقع من

3

الصبي لان عبادته شرعية و يفسدها الرياء دون العجب ونية القطع و القاطع في الأثناء دون الاستدامة على الأظهر فيهما.

ثانيها: تلزم النية في العبادة أمور أربعة

يدل عليهما كما دل على أصل النية:

أحدها: تعيين المنوي لتحقيق انه نواه بنوعه أو بلازمه الخاص الدال عليه

إذا كان المنوي قدراً مشتركاً و كان المحلل صالحا لوقوع اكثر من فرد فيه كمن عليه صيام نذر و إجارة و قضاء و صلاة كذلك فلو نوى المطلق أو المردد بطل إلا فيما دل عليه الدليل كمن فاتته فريضة مردّدة بين رباعيات و الظاهر انه يكفي في التعيين إذا لم يعرف النوع ذكر الخاصة كان ينوي الإتيان بما فاته أو بما اشتغلت ذمته به إذا كان المأتي يأتي على جميع الوجوه المحتملة لان يكون هو الفائت هل يكفي كون المنوي متعين بالواقع لعدم قبول المحل غيره عن تعين النوع الخاص فيكفي حينئذٍ نية الجنس و ينصرف قهراً إلى النوع الخاص أم لا يكفي وجهان أحوطهما التفصيل بأنه أن انحلت نية الجنس مع القربة إلى نية النوع ضمناً اكتفى بها عن نية النوع و ان لم تنحل لم يكف لان الظاهر من أدلة النية إرادة الشارع تعيين المنوي و تمييزه عن الاشتراك الذهني سواء كان المحل صالحاً لوقوع جميع المشتركات معه أو لم يكن صالحاً لغيره فعلى ذلك فمن نوى الصوم و لم يعين الرمضانية في شهر رمضان فان كان عالماً بدخوله و حصوله انحلت نيته إلى نيته و كفى ذلك و كذا لو نوى صوم ما أمر به في هذا اليوم و لا إشكال فيهما و إلا فالأحوط الحكم ببطلان عمله كما إذا وقع منه العمل جاهلًا بدخول الشهر فنوى صوم أياماً فصادف دخوله أما لو نوى الخلاف كان نوى قضاء شهر آخر فان كان عالماً بدخول الشهر فلا يبعد الصحة و وقوع نية الخلاف لغواً لتغليب نية القربة عليها و لو كان جاهلًا زاعماً انه غيره كرجب و شبهه فنواه قضاء فالأظهر بحسب القواعد الحكم ببطلان صومه لو لا ما يظهر من فتوى الفحول و الإجماع المنقول على صحته و وقوعه عن رمضان إذا صدرت منه النية جهلًا بالشهر نعم لو نوى صوم ما أمر به في هذا اليوم و لكنه اشتبه بالأشهر فزعم انه رجب و ان هذا صوم مندوب صح عمله و غلب هنا حكم الإشارة على الاسم و كذا نوى صوم هذا اليوم المأمور به فيه لم يحتج بعد إلى

4

تعيين النوع من رمضانية أو نذرية معينة لان ذلك نوع تعيين و يمكن أن ينزل على هذا الكلام الفقهاء و إجماعاتهم على عدم وجوب التعيين في شهر رمضان و أجزاء نية غيره جهلًا عنه معللين ذلك بأنه لا يقبل غيره فينصرف المنوي إليهم و لكنهم اختلفوا في النذر المعين انه هل يساويه لمكان التعليل أو ينفرد عنه لمكان و العارضية و اتفقوا على وجوب التعيين في النذر المطلق و شبهه و لكنه بعيد و يرد عليهم أن الأصالة و العارضية لا تصلح فارقاً فان كان المراد بعدم القبول لغيره عقلًا فهو ممنوع فيهما و ان كان شرعاً فهو جار فيهما و ان النذر المطلق مع خلو المكلف عن صوم واجب غيره و لا يقبل الزمان شرعاً غيره فينبغي أيضا عدم وجوب التعيين فيه فلا مندوحة حينئذٍ إلا أن يحمل قولهم بعدم وجوب التعيين في شهر رمضان إلى أن نية الصوم المأمور به في أيامه نوع يقين له فيعود البحث بينهم في إمكان اتصاف النذرين بذلك الوصف و عدمه فالظاهر إمكان ذلك و على ذلك فيكون الأقوى إجراء هذا الحكم إلى النذر المعين أو المطلق لو اتصفا بتلك الصفة.

ثانيها: استمرارها نفسها أو استمرار حكمها

بمعنى عدم غيبوبتها عن الخيال بالمرة بحيث لا يبقى للناوي شعور أصلًا و عدم نية ما ينافيها من رياء أو نية إفطار أو تردد أو نقل نوع إلى نوع آخر كان يعدل مما نواه إلى غيره و هكذا و ذلك لان الاستدامة عمل كالابتداء فتفتقر إلى ما يفتقر إليه الانتقال نعم الذي يظهر من فتاوى الفقهاء و من السيرة و من كثير من الأخبار في حصر المفطرات أن الشارع في خطر من الصوم سهل في أمر النية في الصوم فلا ينقضها غيبوبة النية أصلا بنسيان أو نوم أو بنية قطع أو قاطع سواء أعاد الى نقضها أم لا أو تردد لشبهة عرضت له أو غير شبهة مضى زمان عليه مع ذلك أم لم يمضِ و ان كان الأحوط القضاء في الثلاثة مع مضي زمان يعتد به و عدم كون التردد لشبهة.

ثالثها: الجزم بها عند الابتداء جزماً حقيقياً أو جزماً صورياً

على تقدير عدم المانع أو فقدان الشرط أو ظن بهما من حيض أو سفر أو مرض ونية الصوم على تقدير السلامة غير الترديد بها على التقديرين.

5

رابعها: مقارنة النية للمنوي مقارنة حكمية

أما الأجزاء الواجبة أو الأجزاء المندوبة على الأقوى فلو لم تقارنه لم يستند العمل إليها فيخلو عن النية و لا عمل إلا بالنية نعم خرج من ذلك بالصوم تحقيقاً ممن أمر به فرخص في تقديم نيته في طول ليلته و ان ذهل بعدها أو نام أو فعل المضطر ما لم ينقضها بنية خلافها و جواز التبيت إجماعي و كونه رخصه هو الأظهر و احتمل بعضهم كونه عزيمة لقوله (عليه السلام) لا صلاة لمن لا يبيت الصيام و لظاهر فتاوى الفقهاء و هو ضعيف لظهور إرادة التخفيف منهما أو لعسر المقارنة من الناوي غالباً و رخص أيضا في جواز تحديدها في المعين قبل الزوال إذا فاتته لعذر أو اضطرار أو نسيان دون العمد خلافاً لما يظهر من المرتضى اقتصاراً فيما خالف القاعدة على مورد اليقين و الدليل ما دل على رفع الخطأ و النسيان و ما دل على جواز الإمساك و الصوم لمن لم يتناول شيئاً من مريض أو مسافر أو جاهل بهلال الشهر و الظاهر أن النية هنا ناقلة للماضي و مثبتة للمستقبل في صيرورتها صوماً إلا أنها ناقلة للمستقبل فقط أو كاشفة عن الماضي ناقلة عن المستقبل و احتمال الفرق بين وقوعها قبل الزوال فهي ناقلة لما قبلها و ما بعدها و وقوعها بعد الزوال فهي ناقلة لما بعدها و يكون ذلك صوماً شرعياً قوى و ربما دلت عليه صحيحة هشام بن سالم و رخص أيضا في الواجب الموسع تحديدها لمن آخر عن عذر أو لا عن عذر إلى زوال الشمس للأخبار و فتاوى الأصحاب الشاملة للمفوت عمداً أو سهواً أو تردداً و رخص في المندوب تحديدها إلى المغرب سواء كان تفويتها عمداً أو سهواً للأخبار و أفتى به جمله من الأصحاب و بيان ذلك أن الأخبار عن الأئمة الأطهار (عليهم السلام) و منها ما جاء بجواز التحديد للصوم مطلقاً واجباً أو مندوباً و منها ما جاء قبل الزوال و بعده و منها ما جاء خاصاً للزوال مطلقاً واجباً أو ندباً و منها ما جاء بتحديده إلى الزوال في قضاء شهر رمضان و منها ما جاء بتحديده إلى العصر أو إلى ذهاب عامة النهار في قضاء شهر رمضان و منها ما جاء بتحديده إلى العصر و ما فوقه في صيام التطوع و وجه الجمع بينهما بأحد آمرين أما بتقيد المطلقة في جواز التحديد مطلقاً بالأخبار المحددة له بما قبل الزوال مطلقاً في الواجب و المندوب و موافقتها للاحتياط في

6

العبادة و تأييدها بفتوى المشهور نقلًا و حمل ما جاء من الرخصة بالتحديد إلى العصر على دخول صلاة العصر في الوقت المشترك و هو مقارب للزوال و ما جاء من الرخصة بعد ذهاب عامة النهار على ذهاب اغلبه و لا شك أن ما بين الفجر و الزوال اغلب مما بينه و بين المغرب و بالجملة فالإطلاق إذا تقيد بالصحيح المعمول عليه وجب العمل به و لا يعارضه إلا ما يقوى عليه و الروايات المعارضة لا تقوى على ذلك فتطرح أو تأول و أما بتأييد الأخبار المطلقة بالأخبار الدالة على التحديد بالزوال و قصرها على الواجب الموسع دون المندوب و ذلك لقوة العارض في المندوب للروايات المحددة بالزوال لاعتضادها بفتوى الكثير بل المشهور بل و بالإجماع المنقول و بمشروعية التسامح في أدلة السنن و بظهور الروايات المفصلة بالفريضة و تصريح بعضها بها و لا يبعد أن الأخير أقوى و اظهر و لكن الاحتياط يقضي بتركه على الظاهر و دليل التسامح في أدلة السنن لا يقضي بفعله احتياطاً لان التسامح إنما يكون في الدليل لا في المدلول و يكون فيما اصله و شك في خصوصية لا فيما شرع اصله كصوم الوصال وصوم بعض يوم كما هو مفروض المسألة و لو نوى لصوم الموسع فنقضه رياءً لم يكن له أن يجدده و لو نقضه بنية القطع أن قلنا أنها قاطعة فوجهان من الاقتصار على اليقين من الأدلة من الأولوية لان فوات البعض أولى من فوات الكل و مما ذكرنا من الأصل القاضي بلزوم مقارنة النية للمنوي فظهر عدم جواز تقديم نية شهر رمضان عليه بيوم أو يومين أو ثلاثة و لو قدمها لم يؤثر فيه صحته سواء تركها عمداً أو نسياناً خلافاً للشيخ حيث جوز التقديم و يظهر منه نقل الإجماع عليه و مقتضى إطلاق عموم الأجزاء للتارك عمداً و سهواً و كذا عدم أجزاء نية واحدة لجميع الشهر من أوله لأنه أعمال مستقلة و مع ذلك مفصولة غير موصولة و لو كان عمل واحد لبطل كله ببطلان بعضه و لما تعددت الكفارة بتعدد أيامه و لما بان الانفصال بين أجزائه و لمساواة صيام رجب و شعبان المندوب أو المنذور و لما جاز تفريق النية على ابعاضه و لا يقولان به و على ذلك فتوى مشهور المتأخرين و الاحتياط يقضي به و ذهب جمع من أصحابنا إلى جواز نية الشهر جملة واحدة و نسب للمشهور بين القدماء و نقل عليه الاجماعات و يعضده أصالة عدم

7

وجوب القضاء للناسي فيقوى البناء عليه و لكن الرجوع إلى القواعد أقوى منه لضعف الإجماع المنقول في هذا المقام بقوة المخالف له من فتوى واصل و قاعدة و بعدم القاصد له من رواية عامة أو خاصة و من ضعف تعليل الناقل له من انه كاليوم الواحد لان حرمته واحدة.

ثالثها: شهر رمضان لا يقع فيه غيره

وجب صومه لحضور المكلف أو امتنع لسفر و جوزنا صوم المنذور في السفر فتوى الأصحاب و لما ورد أن الإمام (عليه السلام) صام شعبان في السفر فلما هل شهر رمضان ترك الصوم و لو لا ظاهر الإجماع لامكن المناقشة في هذا الحكم لعموم أدلة الصوم المندوب و ترك الإمام (عليه السلام) الصوم في السفر لا يدل على عدم المشروعية لان الإمام (عليه السلام) لا يصوم الدهر نعم يدل على عدم وظيفته صومه ندباً كشعبان و رجب.

رابعها: إذا وقع المكلف صوم غيره فيه مما كان الشخص مشغول الذمة من قضاء أو نذر أو كفارة في اليوم الشك بطل صومه

بمقتضى القواعد و لا يحتسب له من شهر رمضان مطلقاً لعدم نيته له أن نوى القول بوقوعه عن رمضان إذا نوى غيره جهلًا لفتوى المشهور و الإجماع المنقول و إشعار روايات يوم الشك به للقاعدة و لا من غيره لعدم وقوع ما نواه فيه أما لان الأمر بالشيء يقتضي النهي عن الضد و أما لان الموقت المضيق مما نواه لا يقبل وقوع عبادة أخرى مطلقاً أو مماثلة لها و يكون مخصصاً لأدلة العبادات الأخر الشاملة لجميع الأوقات و أما لخصوص أن شهر رمضان لا يقبل الصوم غيره من الواجبات كما تدل عليه كلمات الأصحاب و تشعر به الروايات و لا يتفاوت الحال فيه بين العالم بدخول الشهر و بين الجاهل به على الظاهر من الفتوى في بطلان ما نواه و لو لا ظاهر الاتفاق لامكن منع أن الأمر بالشيء يقتضي النهي عن الضد و لئن سلم فمع العلم لا مع الجهل و منع أن الموقت لا يقبل غيره و منع التخصيص لإطلاقات الأدلة على الشمول للأزمان و منع دلالة الروايات على ذلك نعم لو لم يكن مشغول الذمة بصوم فنواه ندباً بزعم انه شهر آخر من رجب أو شعبان جهلًا منه أو عمداً صح عمله و وقع عن شهر رمضان قهرا لتغليب الإشارة على الاسم و وقوع

8

القربة منه و هي مشخصة لما يراد وقوعه و ذلك لنية وظيفة ذلك اليوم قربة إلى الله تعالى و لكنه تخيل أن وظيفة الندب و انه من شعبان أو نوى ذلك مع العلم عبثاً و لعباً فوقعت نيته لغواً و وقع عن شهر رمضان قهراً هذا أن نوى وظيفته ذلك اليوم و لكن اخطأ في تعيين شهره أو اخطأ في تعيين وجهه من الندب و الإيجاب و أما لو لم ينو وظيفة ذلك اليوم بل نوى القضاء و الكفارة أو النذر و كان مشغولًا بهما أو لم يكن مشغولًا و لكن نوي ذلك جهلًا أو عمداً عبثاً أو خطأ فالأوجه بمقتضى القاعدة البطلان لان ما نواه لم يقع و ما وقع لم ينوه إلا انه قد نقل الإجماع على وقوع المنوي من رمضان قهراً إذا نواه غيره جهلًا فيه و ربما أشعرت به روايات يوم الشك بناء على عدم الخصوصية له دون سائر أيام الشهر و الظاهر أن الشهرة محصلة عليه فالعدول عن جميع ذلك و الأخذ بمجرد القواعد مما لا يجترئ فقيه عليه فعلى ما ذكرناه أو لا يكون ما ورد في الأخبار الدالة على أجزاء صوم يوم الشك عن شهر رمضان إذا تبين انه منه إذا نواه انه من شعبان على القاعدة و يكون أيضا أجزأه إذا نوى به القربة المطلقة على تقديري الوجوب و الاستحباب على القاعدة نعم لو اخذ الوجوب أو الاستحباب عنواناً ابتدائياً فردد فيهما كأن يقول أصوم غداً أما وجوب أو ندباً لم يجز لعدم توجهه إلى القربة ابتداء و جعلها عنواناً له و لو لم ينو الشعبانية أو الرمضانية و لكنه نوي الندبية فأجزأه عن شهر رمضان بالطريق الأول و بمقتضى ما ذكرناه من القاعدة أن كل من نوي ما أمر الشارع بنيته ظاهراً أو جعله عنواناً كانت نيته فاسدة و لو اتفق مطابقة ما نواه للواقع و ذلك لمكان النهي عنه لمكان النية المخالفة للمأمورية و ذلك كمن نوى آخر شعبان انه من رمضان فانه لا يجزي عنهما معاً لبطلان المنوي و التشريع في نيته و تكون الأخبار الدالة على النهي عن صومه من شهر رمضان و انه لو نوى منه لم يجز و يقع باطلًا على القاعدة و قد يناقش في صحة هذه القاعدة و يقال بالصحة لحصول نية القربة و وقوع نية الرمضانية و الوجوبية لغواً فيعود إلى انه عمل متقرب به فصادف محله فيكون مجزياً و يكون بطلانه أن قلنا به للدليل و يظهر من ذلك أيضا انه لو وقعت نية الرمضانية و الوجوبية سهواً منه أو جهلًا كان صومه صحيحاً مجزياً عن شهر رمضان بالطريق

9

الأولى لأنها صادفت محلها فتجزي.

خامسها: الوارد في الأخبار عن الأئمة الأطهار (عليه السلام) استحباب صيام يوم الشك

و ان صيامه يسقط القضاء و يجزي عن شهر رمضان و انه يوم وفق له العبد و ما دل من الروايات على النهي عن صومه مطرح كمخالفتها للفتوى و الرواية و العمومات الآمرة بالصوم أو محمولة على التقية لموافقتها لفتوى العامة أو على صومه بنية شهر رمضان و العنوان في الأخبار يوم الشك و ظاهر وقوع الشك فيه لاختلاف أقوال المنجمين و الناظرين أو حصول الشك بغيم أو لعارض من العوارض دون ما لم يقع فيه شك لشدة الصحة و عدم ادعاء الرواية و اتفاق المنجمين على عدمه و يشهد لذلك ورود بعض الأخبار بتغيره بذلك أو أن يوم الصحو لبس من يوم الشك و انه لا ينبغي صومه و في بعضها النهي عن صومه حتى أن بعضهم كرهه و بعضهم حرمه لمكان هذه الأخبار و يظهر من بعض الفقهاء تعميم يوم الشك لكلما احتمل الهلال فيه و كان من شأنه وقوع الشك فيه و تحمل هذه الأخبار على التقية و شبهها و يظهر من آخرين تخصيص يوم الشك بما ذكرناه و لكنه يستحب صوم يوم الصحة للعمومات و خصوص ما ورد في صيام شعبان و ان الأخبار محمولة على من صامه بعنوانه يوم الشك أو على التقية و هذا الأخير اظهر لما قدمناه و على ما اخترناه من تخصيص يوم الشك بما ذكرناه يكون أجزاء صوم آخر يوم من شعبان مع عدم الشك للقاعدة لا دخوله تحت تلك الروايات كما أن صوم اليوم الواجب بنذر معين و شبهة بنيته انه يوم مندوب موظف يتوقف حكمه على القاعدة لعدم النص و الأقوى فيه الأجزاء أن نوى ما يراد منه في اليوم و لكنه زعم انه من الموظفات المندوبة فيغلب جانب النية الأولى و تلغى النية الثانية و ان نوى التقرب بالخصوص فالأقوى بطلان الصوم و عدم احتسابه مطلقاً.

سادسها: الأظهر أن من صام اليوم بنية شهر رمضان عمداً فسد صومه

و عليه قضاه لمكان الذي الواقع في العبادة و ان كان لشرطها لان المنهي عنه شرطه فاسد و لما ورد من الأخبار بوجوب قضاء المعتضد بفتوى المشهور بل ظاهره الإجماع المنقول و بهما تقوى دلالة الأخبار المتضمنة لذلك كالصحيح في يوم الشك من صامه قضاه و ان

10

كان كذلك يعني من صامه على انه من شهر رمضان بغير روية قضاه و ان كان من غير شهر رمضان لان السنة جاءت في صيامه على انه من شعبان و من خالفها كان عليه القضاء و الآخر في الرجل يصوم الذي يشك فيه انه رمضان فقال عليه قضاؤه و ان كان كذلك فانه بما ذكرنا من فتوى الإمام (عليه السلام) لا من الراوي و لو كانت منه ففهمه يكون هاهنا حجة و ان المراد في الصحيح الثاني تعلق الجار بصوم لا بشك و ان كان اقرب للتعلق و أما من صام جهلًا فظاهر الفتوى و الرواية أيضا فساد صومه و يحتمل قوياً عدمه لانصراف الإطلاق نسياناً إلى حالتي العمد و تبقى حالة الجهل و النسيان على القاعدة من انه صوم صادف محله فيجزي و الحكم بالأجزاء في صورة النسيان و الجهل في غير يوم الشك فيمن نواه من رمضان لمن اعتقد انه في شهر آخر لا شك فيه.

سابعها: الأظهر في البطلان توقفه على نيته انه من شعبان

فحينئذٍ فلو أطلق النية أو تردد بعد إحراز القربة صح عمله و أجزاء عن شهر رمضان و يظهر من بعض الروايات تخصيص الأجزاء بنيته انه من شعبان و حملها على إرادة التخلص من نية الرمضانية هو الوجه و الاحتياط غير خفي و أما لو نوى الرمضانية و لكنه قرنها بنية الندب فالأقوى عدم الأجزاء من جهة عدم نية الوجه لعدم وجوبها و عدم البطلان بنيته خلافها بل لنية رمضان و لو أطلق النية بين الرمضانية و الشعبانية و نوى الندبية فالأظهر الصحة و الأجزاء عن رمضان و الاحتياط غير خفي و لو نوي الوجوب و الشعبانية إذ ليس المانع نية الرمضانية و كذا لو نوى الوجوب و أطلق أو نوى نوعاً خاصاً من نذر أو كفارة أو غيرهما فان الظاهر من النص و الفتوى وقوعه عنه رمضان قهراً و لا يتوافق احتسابه منه الأعلى عدم نية انه من رمضان.

ثامنها: لو اصبح يوم الشك ناوياً للإفطار

جدد النية إلى الزوال أن لم يتناول شيئاً و بان له شهر رمضان وفاقاً للمشهور بل المجمع عليه و لفحوى ما دل على انعقاد الصوم من المريض و المسافر إذا زال عذرهما قبل الزوال و ربما يستدل عليه بصحيحة هشام الدالة على أن من نوى الصوم قبل الزوال حسب له و لكنها في الموسع اظهر و ان تناول شيئاً أو مضى الزوال و لم ينو وجب عليه الإمساك احتراماً للشهر و قضاه وفاقاً

11

للمشهور و تدل على الإمساك الأخبار الدالة على تحريم الأكل و الشرب في الشهر لغير أهل الأعذار المنصوصة و على فوات محل النية الأصل و القاعدة و صحيحة هشام الدالة على أن من نوى بعد الزوال حسب له من الوقت الذي نوى فيه بحملها على إرادة البطلان مكنياً عنه باحتسابه من الوقت الذي نواه فيه إذ الصوم لا يجتزئ و لكن حملها على الواجب الموسع مطلقاً أو الموسع و المندوب اظهر نعم قد يستدل عليه بمفهوم تحديد النية في الموسع إلى الزوال فانه يدل على تحديده هاهنا بطريق أولى.

تاسعها: من ترك النية في يوم الشك بعد صومه ندباً و لم ينقلها إلى رمضان

فان بنى على الندب جاءه الإشكال المتقدم و ان لم يبن على شيء قوي القول بالصحة و الأحوط البدار إلى نقل نيته على انه من رمضان و من لم ينو أصلًا في يوم الشك ثمّ بان له انه من شهر رمضان وجب عليه النية فوراً و الأوجب عليه القضاء للأصل و القاعدة و ان نوى فوراً ثمّ عدل عن الصوم حتى مضى زمان يعتد به فالأحوط القضاء سيما إذا عدل عن الصوم و استمر على العدول إلى الليل و أما إذا عدل إليه بعد عدوله عنه فالأمر فيه أهون و القضاء أحوط و في جميع هذه الصورة لا كفارة عليه على الأظهر للأصل و انصراف أدلة الكفارة لغير الغرض.

بحث في المفطرات:

و هي أمور:

أحدها: الأكل و الشرب عمداً

و يلحق بهما الابتلاع على النحو المعتاد و غيره للمأكول و المشرب المعتاد و غيره خلافاً للمرتضى و الدليل على تفطير المعتاد الكتاب و السنة و الإجماع و على غيره فتوى المشهور و الإجماع المنقول و الاحتياط و ظهور ذلك من مجموع أخبار الصوم مثلما جاء في الغبار و في غيره مما لا يعتاد و أما الأكل و الشرب اضطراراً فان كان مع بقاء الاختيار مفسدان للصوم كإنقاذ حريق أو إخراج غريق أو دفع تقية فهما مفسدان للصوم و لا إثم و إن كانت تقية من العامة لأن المتيقن من أجزاء عمل التقية هو ما عمله المتقي من أعمالهم أو تعبده من عبادتهم المغايرة لعبادتنا نفسها أو جزئِها أو شرطها و أما ما كان من التروك لعبادتنا أو الإفساد لها فعل

12

القاعدة من إيجاب الإتيان بالمأمور به فمن أفطر قبل الحمرة قوى القول بصحة صومه لأنه يوم الصوم عندهم و الصوم فيه عادة من عاداتهم و الفتوى به موضوع شرعي من موضوعاتهم العامة باتباعهم به يكون مجزياً و لكن الاحتياط غير خفي و إن كان مع سلب الاختيار كالملجإ و لم يفسد الصوم لما دل على رفع القلم عما لا يطيقون و لفتوى الأصحاب و الاستصحاب صحة الصوم و للشك في شمول أدلة المفطرات لمثله، بل القول بعدم الإفطار للخوف مطلقاً حق من غير العامة قوي، و نسب للأكثر إلا أن الاحتياط بخلافه و إن نسب للمشهور و أما الأكل و الشرب لنسيان الصوم أو للسهو عن الأكل و الشرب و إن ذكر الصوم فغير مفسد للأخبار و فتوى الأصحاب و عمومات رفع القلم عما لا يعلمون، نعم لو ذكر الصوم فظنه ندياً أو ظنه واجباً موسعاً يصح نقضه فأكل أو نسى أن حكم الصوم الإمساك عن الأكل و الشرب و إن ذكر الصوم و تعمد فعلهما فإنه بجميع ذلك لا يخلو المقام عن إشكال من جهة شمول إطلاقات المفطرات لذلك، و من ظهور شمول ما جاء في الناسي لإطلاق قوله (عليه السلام): (من صام فنسى فأكل و شرب و ترك الاستفصال بعد السؤال عن الناسي)، و الجواب بأنه لا يفطر، و الأظهر الأول لظهور إرادة ناسي الصوم من لفظ الناسي دون غيره و أما الأكل و الشرب جهلًا بالموضوع أو بالحكم فكالعامد في وجوب القضاء لإطلاق الأخبار و لا تجب الكفارة عليه للشك في شمول أدلة الكفار لمثله و لما ورد عن أبي بصير أنه لا شيء عليه، و الأخبار الدالة على الكفارة ظاهرة في العالم لورودها في المتعمد فهي ظاهرة في غير الجاهل مطلقاً و في خصوص ترتب الكفارة عليه و ورد الأمر بالقضاء معها لا يلزم منه أن حكمه حكمها لاستناد القضاء إلى أن عدم الإتيان بالمأمور به على وجهه موجب لقضائه فهاهنا كذلك و الاحتياط يقضي بالكفارة لإطلاق كثير من الأخبار بإيجابها و لقوة احتمال شمول المتعمد للجاهل بالحكم أيضاً و ما ورد من أن مرتكب أمر الجهال فلا شيء عليه و أنه معذور و إدخال المأكول و المشروب و نحوهما للجوف من غير الفم من المنافذ الخلقية لا بأس به مع عدم قصد إيصالها إلى الجوف و مع قصد إيصالهما إلى الجوف لا يبعد الحكم بالإفطار سيما الأنف و إدخالهما من جرح أو طعنه

13

بذلك القصد مشكل و الأحوط تركه لأن المفهوم من أخبار الصوم هو إرادة الشارع إلا مساك و خلو الجوف لا مجرد عدم ما يسمى أكلًا أو شرباً و لا بأس بابتلاع الريق و البلع النازل من الدماغ و الخارج من الصدر للسيرة و أدلة نفي العسر و الحرج و لو دار الأمر بين قطع الصلاة أو الصوم فإن كان الوقت موسعاً للصلاة مضيقاً للصوم قدم الصوم الوقت مضيقاً لهما أو موسعاً و كذلك أو مضيقاً للصلاة دون الصوم قدم الصلاة لزيادة الاهتمام و من شك في أنه صام أم لا فأكل بناء على أصالة العدم فذكر أنه كان ناوياً للصوم قوي القول بالصحة و لو أكل عازماً على الأكل و الإفطار و إن كان صائماً قوي القول بالفساد، و من ابتلع ريقه المنفصل فعل حراماً لأنه خبيث و لأنه مفطر و من امتص ريق غيره فابتلعه فكذلك للعمومات و فتوى الأصحاب و ما ورد من الأخبار الدالة على ابتلاع ريق النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) أو الإمام (عليه السلام) فهو من خصائصهم للاستشفاء و نحوه. و ما ورد من جواز امتصاص ريق أحد الزوجين للآخر و هو صائم محمول على عدم الابتلاع و ما ورد من نفي البأس عمن قبل بنتاً و هو صائم فدخل في جوفه من ريقها محمول على الاضطرار، و أجاز بعض أصحابنا ابتلاع ريق الغير لهذه الأخبار و لم يفطر المستعمل له و أجاز ابتلاع فضلات الإنسان منه نفسه بعد انفصالها لما ورد عن علي بن الحسين (عليه السلام): (أنه يأكل ما يبتل من دموعه) و هو ضعيف لإعراض الأصحاب عنها و مخالفتها عمومات الكتاب و السنة، نعم الرطوبات الجزئية الحاصلة من الإنسان أو من غيره على الطعام الذي لا ينفك عنه الإنسان غالباً لا بأس به للسيرة و أدلة نفي العسر و الحرج و من أدخل شيئاً مستطيلًا إلى جوفه أفطر و إن بقي طرفه من الفم أو خارجه و من ابتلع ما تخلف في الفم من المطعوم و ابتلع ما أخرج من المعدة إلى الفم أفطر و ربما فعل حراماً لكونه خبيثاً و فيه رواية مهجورة دالة على الجواز و عدم التفطير أو محمول على السهو و الاضطرار و لا عبرة بالطعم إذا لم تدخل الجوف أجزاء و لا يمضغ العلك إذا كان كذلك و المدار في التفطير على الدخول في الجوف و صدق الابتلاع عرفاً و الأظهر أن مبدأها لأقصى الحلق و الأحوط أن مبدأه ما خرج عما دار اسم الفم الجامع للسان و اللهاة و الأسنان عليه.

14

ثانيها: الجنابة عمداً في النهار اختياراً بالإنزال

إجماعاً محصلًا و منقولًا و الأخبار دالة عليه كالصحاح المتكثرة الدالة على أن من أمنى كمن يجامع، عليه الكفارة و بالجماع في القبل إجماعاً كتاباً و سنة و في دبر المرأة كذلك لعموم النهي عن المباشرة، و عن النساء الشامل لوطئهن في القبل و الدبر و عن الجماع الشامل قبلًا و دبراً و لفتوى الأصحاب و الإجماعات المنقولة في الباب و لحصول الجنابة و هي موجبة للإفطار فقد ورد أنه أحد الماءين و يوجب الغسل، و لا فرق بين الواطئ و الموطوءة للإجماع على عدم الفصل و ما ورد في الخبرين من أن المرأة لا ينقض صومها الوطء في الدبر و لا يوجب عليها غسلًا مطرحاً أو محمولًا على عدم الايقاب و الأقوى و الأظهر إلحاق وطء الغلام فاعلًا أو مفعولًا و وطء البهيمة إذا كانت مفعولة إلا إذا كانت فاعلة كما يتفق لبعض النساء بالجماع أيضاً للإجماع المنقول المؤيد بفتوى المشهور و أما الصغرى فللإجماع المنقول و فتوى الفحول و فحوى قوله (عليه السلام): (أ توجبون عليه الجلد و الرجم و لا توجبون عليه صاعاً من ماء)، و أما الكبرى فلما يظهر من أخبار الصوم أن الأمر بدور مدار الجنابة و أنهما متلازمان و لدخوله تحت الجماع المشبه به الإنزال و لظاهر الاتفاق على التلازم بين إيجاب الغسل و القضاء و الكفارة و كل سبب يعتاد نزول المني عند فعله غالباً عند عامة الناس كالمس و التقبيل و الملاعبة و الضم فهو من العمد و إن لم يعتد مطلقاً أو لم يعتد للشخص نفسه فإن فعل بقصد الإنزال فهو من العمد و إلا فلا، و تشعر بذلك الأخبار.

ثالثها: الكذب على الله تعالى و رسوله و الأئمة (عليه السلام)

للأخبار المعتبرة بفتوى المشهور نقلًا أو تحصيلًا و للإجماع المنقول و للاحتياط فيما شك في مانعيته في جعله مانعاً و ضعف الأخبار سنداً و متناً لاشتمالها على أن الكذب ناقض للوضوء مجبور بما قدمناه و بها يخصص عموم الصحيح لا يضر الصائم إذا اجتنب أربعاً. و هل تلحق التورية بالكذب وجهان أقواهما الإلحاق لسريان جميع أحكام الكذب عليها، و هل يشترط في الإفساد عدم نسيان صومه أم لا وجهان أقواهما عدم الاشتراط لإطلاق الأخبار و لإقدامه على المحرم فليس حكمه حكم باقي المفطرات و في الاشتراط

15

قوة لعموم أن من تناول المفطر نسياناً فلا شيء عليه، نعم لو لم يتعمد الكذب فصدر منه سهواً أو جهلًا فلا بأس لانصراف الأخبار إلى العمد، و هل مفطر الكذب عليهم في الأحكام الشرعية فقط أو مطلقاً وجهان أقواهما الإطلاق حتى في الأحكام العادية و الأقوى الشمول للمدح و الثناء أو غيره و هل الحكم يشمل الزهراء (عليه السلام) أم لا وجهان أقواهما الشمول لاشتراكها معهم في حل الأحكام، و هل يشمل باقي الأنبياء و الأوصياء و الملائكة وجهان أحوطهما الشمول و لظهور أخبار المظن عن الله بظنه لا الأخبار عن ظنه و قد يقال بالتفصيل بينما يقول هذا كذا و بين أن يقول بظني كذا فيدخل الأول في الكذب عليهم دون الثاني و لو أخبر صادقاً أو كاذباً سابقاً فقال في النهار كذبت في الصادق أو صدقت في الكاذب أو قال نعم في جواب من استفهم عنه أمراً لم يكن أو أبرز الخبر بصورة الإنشاء أو أخبر عن الإمام (عليه السلام) بواسطة لم يصدر منه الخبر كان كله كذباً و لو أخبر غيره بخبر كاذب فإن أخبر به من دون إسناد كان كذباً و إن أسنده كان لم يكن كذباً ما لم يصدقه و الأظهر إلحاق الإشارة و الكتابة بالقول سيما إذا كان لشخص خاص و لو كانت الكتابة عامة كتصنيف و شبهة فالأقوى ذلك و الكاذب سهواً يجب عليه أن يبين كذبه و لكن لا يفطر إذا لم يبينه و لو أخبر غير من يعقل و إن قصد سماع من يعقل جرى عليه حكم الكذب و إلا فلا و من أفتى و هو من غير أهل الفتوى فلا يبعد إلحاقه بالكذب و الأخبار عن المظنون فيما ليس الظن طريقه بطريق الجزم كذب و كذا المشكوك به و الموهوم.

رابعها: الارتماس عمداً للرأس فقط أو لكل البدن معه

دون ابعاضه الباقية عن الرأس في زمن واحد دون أزمنة متعاقبة في الماء المطلق و يقوي إلحاق المضاف دون سائر المائعات و هو محرم على الصائم للأخبار الناهية عنه المنجبرة بفتوى الفحول و الإجماع المنقول و الاحتياط فلا يعارضها ما دل على الكراهة لضعفه سنداً و دلالة فلا بد من طرحه أو حمله على التقية و هو مفسد للصوم لأن النهي عن فعل في العبادة يقضي بالمانعية و الإفساد كما هو المعروف من استقراء الأخبار و كلام الأخيار فيفهم حينئذٍ من النواهي أن التحريم لمكان الإفساد لا للتعبد أو لغرض آخر فليس للارتماس خصوصية

16

في التحريم غير أنه مفطر كسائر المفطرات فيضمن النهي معنى الإرشاد إلى المانعية و إلى تحريمه لأنه مبطل للصوم و يدل على إبطاله للصوم أصالة مانعية ما يشك في مانعيته، و رواية الخصال و الفقه الرضوي الدالين على أنه مفطر المجبورتين بفتوى المشهور نقلًا و تحصيلًا و بالإجماع المنقول عن لسان الفحول و بمفهوم الصحيح لا يضر الصائم إذا اجتنب أربعاً و عدّ منها الارتماس و المتبادر من ثبوت الضرر بمفهومه هو إفساد الصوم لا مجرد التحريم سيما مع تعليقه على وصف الصائم المشعر بالعلية و لا يعارض ما ذكرنا ما ورد من نفي القضاء عن المرتمس لضعفه عن المقاومة فلا بد من حمله على ارتماس البدن عدا الرأس أو حمله على التقية و بما ذكرنا فظهر ضعف مذهب من ذهب إلى كراهة أو ذهب إلى التحريم دون الإفطار نعم بعد الحكم بالتحريم و الإفساد فهل يوجب القضاء فقط أو هو مع الكفارة قولان أقواهما الثاني كما سيأتي إن شاء الله و يراد بالرأس العرفي و الرقبة ليست منه لأن دخوله فيه في الغسل إنما جاء من قرينة التثليث و ليس المنع منه من جهة الاحتراز من دخول الماء في المنافذ لإطلاق الفتوى و الرواية فلو سد المنافذ و أدخل الرأس جرى عليه حكم الارتماس و لو أدخل رأسه أو كله في ظرف فصار في الماء فإن كان واسعاً لم يصدق عليه الارتماس عرفاً و لم يضر و إن كان ضيقاً متصلًا بالبدن فالأحوط إجراء حكم الارتماس عليه و استدامة الارتماس كابتدائه مفسدة و من نسى فارتمس صح غسله و صومه و من تعمد فسد المكان النهي إلا إذا نوى للغسل بإخراج نفسه من الماء إذا تحقق الغسل بذلك و المرتمس جاهلًا بحكم الارتماس يفسد صومه و هل يفسد غسله وجهان و لا يبعد عدم إفساده و لو ارتمس في مغصوب عالماً بالغصب ناسياً للصوم فسد الغسل دون الصوم و لو ارتمس في صوم نافلة بطل صومه و لا إثم لأن النهي عن الارتماس لمكان إفساد الصوم و الأحوط في المندوب ترك الإفطار به.

خامسها: إيصال الغبار الغليظ إلى الحلق

و هو أقصى الفم سواء ابتلعه حتى دخل إلى المعدة أم لا و المراد بإيصاله إدخاله عمداً عند حصوله بحيث لا ينو إقامته أو عمل ما يبعث على دخوله من كنس أو نسف أو حفر أو غير ذلك من دون توقي منه

17

و المراد بالغليظ ما أطلق عليه الغلظ عرفاً سواء كان من تراب أو من دقيق أو من نورة أو جص أو غير ذلك و لما كان الحكم بالتفطير هاهنا على خلاف ما جرت عليه السيرة و دل عليه نفي العسر و الحرج و نطقت به الصحيحة من حصر المفطرات في أربع و ما دل على نفي البأس عن دخول الغبار في حلق الصائم في الموثق و ما دل على عدم الإفطار بدخول الذباب في حلق الصائم لأنه ليس بطعام وجب الاقتصار على ما أفتى به المشهور و نقل عليه الإجماع من الغبار الغليظ دون الخفيف و الرواية و إن كانت مطلقة لكنها يجب تقييدها بما ذكرنا كما أفتى به جملة من الأصحاب و يؤيده أيضاً التحرز عن الخفيف و وجب الاقتصار على ما يسمى غباراً دون ما يسمى دخاناً أو بخاراً و إن كان بجذب كما يستعمل الآن في شرب دخان التنباك و على ما يكون بعمل اختياري من فعل أو انفعال دون ما يحدثه الهواء لنفسه و لم يكن متناولًا له بفمه و لا بد فيه من حصول العلم بدخوله إلى الحلق و هو ما بعد الفم و لا يتوقف على إيصاله إلى المعدة لأن الظاهر من كثير من الأخبار و كلام الأخيار أن المفطرات يدور أمرها مدار الوصول إلى الجوف و مدار الابتلاع و مدار الازدراء و لا يتوقف الإفطار بها على وصولها إلى المعدة في الأكل و الأحوط أن إيصال الغبار الغليظ من الأنف بمنزلة إيصاله من الفم لإطلاق الرواية.

سادسها: البقاء على الجنابة عامداً إلى الفجر

للإجماع المنقول و فتوى الفحول و الاحتياط و الأخبار الخاصة الواردة في وجوب قضاء اليوم الذي أصبح به جنباً في شهر رمضان الواردة في متعمد الترك سواء كان مقتضياً عند الفجر أو نائماً إذا استند النوم إلى تعمده و الواردة في عدم صحة الصوم القاضي عن شهر رمضان إذا أصبح جنباً و لقاعدة الحكم في المانعية عند الشك فيها فلا يعارض ذلك ما ذهب إليه الصدوق (رحمه الله) من الجواز استناداً لإطلاق الآية الدالة على جواز المباشرة إلى الفجر و لو لم يجز الإصباح جنباً لوجب الاجتناب في جزء من الليل و للروايات الدالة على أن من أصبح جنباً فلا شيء عليه و أن رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) كان يفعل ذلك لوجوب تقييد الآية بما ذكرنا إن لم تناقش في الملازمة بينما عدم جواز الإصباح جنباً لمن أجنب في

18

الليل و بين عدم جواز الوطء في وقت لا يمكن فيه الغسل لإمكان القول بالأول دون الثاني و لوجوب طرح الأخبار أو حملها على التقية لموافقتها لفتوى العامة و لإسنادها من الإمام (عليه السلام) لعائشة في بعضها و لشذوذها و لبعدها عن منصب الرسالة و العصمة و لأن في بعضها ما يدل على أن رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) يجنب و لا يغتسل في أول الليل و هو مناف لوجوب صلاة الليل و في بعضها جواز الجنابة و النوم و هو اعم من الإصباح جنباً عمداً بطل عمداً بطل العمل بها و امتنع الأخذ بظاهرها و تقديمها على معارضها على أن في النهي عن الجنابة للصائم و تفطيرها إياه ما يؤذن بحرمة البقاء عليها

فوائد:

الأولى: الأظهر و الأشهر أن البقاء على الجنابة مفطرٌ للصوم به مطلقاً

و ليس لشهر رمضان فيه خصوصية و الأخبار الواردة في السؤال عنه لغلبة وقوع الجنابة و توفر الدواعي إلى السؤال عن أحكامه لا لخصوصية و الشك في المانعية يقضي بالمانعية على الإطلاق و الظاهر من الأخبار في كتب من العبادات أن ما جاء لبيان الشرطية و المانعية يراد به بيان شرطية أصل طبيعة العبادة موسعها و مضيقها بل واجبها و مندوبها و إن وقع السؤال فيها عن خصوصية فرد خاص و وقع الجواب كذلك و فتوى المشهور و عمل الجمهور مما يدل على ذلك أيضاً و خصوص ما جاء في قضاء شهر رمضان من الإصباح جنباً عمداً يوجب الإفطار، يدل على ذلك إذا لم نر فرقاً بين الموسعات في جميع الأحكام بالنسبة إلى جميع أقسام الصيام، نعم وردت في المندوب أخبار دالة على جوازه مع الإصباح جنباً و أفتى به جمع من الأصحاب و يؤيده كثرة التسامح في أحكام المستحب في أبواب العبادات فالقول به و تخصيص قاعدة الاشتراك في الحكم في هذا الفرد الخاص بالنسبة إلى المندوب وجه قوي لا يبعد البناء عليه، و لكن الاحتياط لا يخفى.

الثانية: تعمد الجنابة عند ضيق الوقت عن الغسل و التيمم بمنزلة من أصبح جنباً عمداً

لصدقه أنه أصبح جنباً عمداً بل الحكم بالإفساد فيه أولى.

الثالثة: من ترك الغسل عمداً حتى ضاق الوقت عنه

وجب عليه التيمم لمكان

19

الضيق على الأظهر فإن تعميم صح صومه في وجه قوي و الاحتياط يقضي بالقضاء و إن لم يتيمم دخل في عنوان من أصبح جنباً عمداً و مثل ذلك من أجنب في وقت ضيق عن الغسل و أمكنه التعميم و يجب على المتيمم بقاءه مستيقضاً حتى يصادف الفجر.

الرابعة: من بنى على الغسل فنام فغلبته النومة إلى الفجر

أو استصحب بقاء الليل مع المراعاة حتى طلع الفجر أو لم يخطر بباله الغسل فنام إلى الفجر أو خطر بباله و لكنه تردد فيه إلى أن رأى الوقت مضيقاً أو تردد فيه فنام حتى طلع الفجر مع صومه المضيق على إشكال في الأخيرين و بطل في الموسع، أما الأول فللأخبار المقيدة بالتعمد المقيدة لإطلاق الأخبار الآخر الآمرة بالقضاء أو القضاء و الكفارة على من أصبح جنباً و أما الثاني فللأخبار الواردة في لزوم ترك صيام اليوم الذي أصبح فيه جنباً و عدم صحة وقوعه قضاءً عمداً أو غير عمد و أما من نسى فنام حتى أصبح فعليه القضاء لعموم القضاء.

الخامسة: من نسى الغسل حتى أصبح و لم يبق له وقت للتعميم

لم يجز له الصيام في الموسع و وجب عليه القضاء في المضيق سواء نسي أو نام أو نسى و بقى جالساً أو نسى فنام فانتبه ناسياً فنام و هكذا للأصل و الاحتياط و الأخبار الآمرة بقضاء الصلاة و الصوم لمن نسى الغسل للجنابة.

السادسة: من عزم على الغسل فنام فانتبه فنام بطل صومه

و وجب عليه القضاء للاحتياط و فتوى الأصحاب و أخبار الباب، و منها الصحيح في الرجل ينام ثمّ يستيقظ ثمّ ينام حتى يصبح يتم يومه و يقضي يوماً آخر، و في آخر استيقظ ثمّ نام حتى أصبح، قال: (يقضي ذلك اليوم عقوبة)، و لهذه الرواية حرم بعضهم النوم للمجنب بعد الاستيقاظ لأن العقوبة تكون على الذنب و فيه أن العقوبة قد تكون على ترك الأولى و هو الظاهر هاهنا، كما عليه الأصحاب و الأصل قاض بها و لا يتفاوت الحكم هاهنا بين العازم على الغسل و بين ناسيه، نعم في المتردد بالنسبة إلى الكفارة إشكال.

السابعة: من أجنب فنام فانتبه فنام فانتبه فنام

وجب عليه القضاء،

20

فظاهر لدلالة الأخبار الدالة على وجوبه على ذي النومتين حتى يصبح و أوجب جمع من أصحابنا على من انتبه بعد نومتين فنام القضاء و الكفارة سواء كان عازماً على الغسل أو متردداً فيه أو عازماً على العدم و هو مسلم في الأخيرة و مشكل في الوسطى و الأولى سيما إذا كان ناسياً إلا أنه قد نسب للمشهور و نقل عليه الإجماع فإن ثبت ذلك حكم بها و إلا فليس في الأخبار دليل عليه سوى ما استدلوا به من النصوص الدالة على لزوم الكفارة بالبقاء على الجنابة و هي مع ضعف سند أكثرها من ظهور غير الضعيف في المتعمد على البقاء ليس فيها إشعار بهذا التفصيل و حملها على ذلك فرع فهم ذلك منها و هو ممنوع و على القول بوجوب الكفارة يلزم منه تحريم النومة الثالثة للمجنب و هو أحوط و الظاهر خروج الناسي من حكم المشهور في وجوب الكفارة.

الثامنة: يظهر من بعضهم تحريم النومة الأولى مطلقاً بعد الجنابة

و يترتب القضاء عليها أخذاً بالأخبار الدالة على وجوب القضاء على من نام بعد الجنابة إلى الفجر، و رواية إبراهيم الدالة على النهي عن النوم ساعة واحدة قبل الغسل على من أجنب ليلًا و هو ضعيف لأن المطلق محمول على المقيد بالعمد بل لا يبعد عدم تحريم النومة الأولى حتى مع العزم على ترك الغسل لتوجه النهي إليه دون نفس النوم و يظهر من آخرين أن جواز النوم و عدم ترتب القضاء عليه مشروطاً بالعزم على الغسل فلو تردد أو لم ينوِ الغسل وجب عليه القضاء لإطلاق الأخبار الدالة على وجوب القضاء على من أصبح و فيه أن إطلاق هذه الأخبار معارض، أولًا بإطلاق الأخبار الأخر النافية للقضاء و غاية ما يخرج منها المتعمد فيبقى الباقي و ثانياً: أن إطلاق هذه الأخبار يمكن أن يقيد بأخبار المرتين أو أخبار العمد المطلق يجب حمله على المقيد و دعوى أن العمد المذكور في الأخبار يراد به تعمد النوم دون تعمد ترك الغسل خلاف الظاهر بل الظاهر إرادة تعمد ترك الغسل لأنه لا يحسن في السياق أن يقال فلان تعمد النوم أو سها عنه.

التاسعة: من أجنب في النهار نسياناً أو اضطراراً و منه الاحتلام

لم يفسد صومه للإجماع و الأخبار و كلام الأخيار و لا يجب عليه البدار و يجوز له النوم جنباً كما يظهر

21

من فتوى الأصحاب، حكاه العلامة (رحمه الله) قال: (لم نر في ذلك مخالفاً)، و في رواية العيص جواز النوم للمحتلم مطلقاً فيشمل المحتلم نهاراً و في رواية أخرى النهي عن النوم للمحتلم نهاراً و نسب للأصحاب حملها على الكراهة و هو الأظهر إلا أن الاحتياط في البدار و من احتلم فبقى نائماً بعد احتلامه ثمّ استيقظ ثمّ نام فهل تحسب الأخيرة نومة ثانية أو هي الأولى وجهان أقواهما احتسابها أولى لعدم صدق أنه جنب فنام على المحتلم النائم إذا توسط احتلامه نومه و من علم أنه إذا نام يحتلم فقصد الاحتلام ففي صحة نومه إشكال و كذا كل من أوقع نفسه اضطراراً فتناول المفطر في حالة اضطراره.

العاشرة: البقاء على حدث الحيض كالبقاء على حدث الجنابة

للاحتياط و لأنه و للموثق في من طهرت من حيضها و توانت عن الغسل حتى أصبحت في شهر رمضان عليها قضاء ذلك اليوم و مثله البقاء على حدث النفاس لأنه حيض في المعنى.

الإحدى عشر: ترك المستحاضة ما يجب عليها من الأغسال النهارية كلًا أو بعضاً مفسداً لصومها

للصحيح الدال على أن من أخلت بما يجب عليها من الأغسال قضت صومها و لا يقدح كونها مكاتبة و كونها مشتملة على ما لا يقوله الأصحاب من عدم قضاء صلاتها بعد فتوى الأصحاب بمضمون ما قلنا و موافقة الاحتياط و الأظهر عدم توقف الصوم على الوضوءات اللازمة مع الأغسال كما أنه لا يتوقف على الوضوءات المجردة في الاستحاضة الصغرى و الأظهر أيضاً عدم وجوب تقديم غسل صلاة الصبح بل يجزي و إن أخرته أخذ بإطلاق الرواية، و لو عصت فأخرت صلاة الصبح عن طلوع الشمس فاغتسلت و قضتها ففي صحة صومها إشكال و لا يبعد الفساد و هل يتوقف صوم اليوم الآتي على غسل العشاءين من الليلة الماضية أو غسلهما من الليلة المستقبلة أو لا يتوقف على شيء منهما أو يتوقف على غسل الليلة الماضية إن لم يتقدم غسل صلاة الصبح على الفجر و إلا فلا يتوقف وجوه أظهرها الأخير، و الظاهر وجوب الغسل للانقطاع و أنه لو أخلت به فسد صومها كمن أخلت بالغسل و الدم مستمر عليها لظهور دخوله تحت الرواية أو لتنقيح المناط بينهما و إذا تبدلت الكبرى بالوسطى في

22

أثناء النهار أو بالعكس جرى عليها حكم المتجددة.

الثانية عشر: يجب التيمم عند فقدان الماء لجميع هذه الأحداث على الاظهر

و يجزي به الصوم لعموم بدلية التيمم عن الماء كتاباً و سنة، و هل يجب التيمم و يجزي عند الضيق عن الغسل أم لا وجهان أقواهما الوجوب و الأحوط القضاء سيما مع التأخير عمداً.

سابعها: الحقنة بالمائع محرمة على الصائم و مفسدة لصومه

للإجماع المنقول و فتوى الفحول و الاحتياط و الصحيح الناهي عن الاحتقان للصائم و لمانعية ما يشك في مانعيته و لأن الظاهر من النهي في العبادة أن النهي عنه مفسداً لها، و الأقوى جواز الاحتقان بالجامد و عدم إفساده للصوم للأصل و الصحيح الخاص لما يضر الصائم، و انصراف النهي عن الاحتقان للمائع دون الجامد و للخبر المصرح بجواز استدخال الدواء الشامل للجامد بل الظاهر فيه و للآخر المصرح بنفي البأس عن الجامد فظهر بذلك ضعف القول بالكراهة حملًا للمنهي عليها جمعاً بين الأخبار و ضعف القول بالتحريم دون الفساد لعدم التصريح بالإبطال به من الأخبار، و ذلك لقوة الجمع المتقدم لتأييده بالأخبار و كلام الأخيار و الاعتبار و المراد بالمائع ما يسمى مائعاً عرفاً من كل مائع دواءً أو غيره، و يراد بالاحتقان ما يكون بالإدخال في الدبر دون القبل و دون ما يكون داخلًا من جرح أو طعنة اقتصاراً على المورد اليقيني و المرجع فيه إلى العرف، فلو أدار المائع في الحقنة ثمّ أرجعه فيها دون أن يوقعه في الأمعاء فلا بأس و كذا لو أرسل ظرفاً مشتملًا على المائع ثمّ أخرجه من دون تغريب.

ثامنها: القيء مما يسمى قيئاً عرفياً

و هو مفطر للاحتياط الناشئ من الشك في المانعية و لفتوى الأصحاب و للإجماع المنقول و للأخبار المعتبرة الدالة على أن الصائم إذا تقيأ فقد أفطر و ذهب جمع من أصحابنا إلى أنه محرم غير مفطر للأصل و لأن الصوم إمساك عما يصل إلى الجوف لا عما ينفذ، و لقوله (عليه السلام) في المعتبر: (ثلاثة لا يفطرون الصيام القيء و الاحتلام و الحجامة)، و في الكل ضعيف الأصل بلزوم الاحتياط و كذا الخبر الخاص للمضر الصوم بما ذكرنا من الأدلة لمنع كون الصوم امتناع

23

عما يصل فقط بل عنهما معاً، و لعدم مقاومة الرواية لما ذكرنا فلتحمل على حالة الاضطرار كما هو الغالب، دلت الأخبار و كلام الأصحاب و عمومات نفي الحرج على أن القيء إذا ذرع الشخص لا بأس به و لا يترتب إثم و لا فساد و المراد بالقيء هو وصول الطعام و الشراب إلى الفم فما خرج إلى الحلق لا بأس به خروجاً و ارجاعه ما لم يبلغ فضاء الفم، و الظاهر أن إخراج الدود أو الحصى أو شبههما ليس من القيء و كذا خروج الدم عن الصدر عند السعال و شبهه و لو اضطر إلى القيء للتداوي أو لرفع الألم فسد صومه و لا إثم عليه و من ابتلع مغصوباً فوجب عليه القيء فإن قاءه فسد صومه و إن لم يتقيأه فالأوجه أيضاً فساد صومه لتعلق النهي به.

تاسعها: فعل ما يتبعه الإنزال عادة

سواء كانت عادة لأغلب الناس أو عادة نفسه أو كان بحيث يخاف من وقوع الإنزال معه عادة قصد الفاعل الإنزال معه أم لم يقصد ضمان الفعل أو لمساً أو تقبيلًا أو ملاعبة أو نظر لمن كانت عادته الإمناء عقيب النظر و يخشى عليه منه لشبقه وفاقاً لفتوى كثير من الأصحاب و استناداً للإجماع المنقول على الإفطار بالقبلة و الملامسة و الأخبار الدالة على أن من يعبث بأهله في شهر رمضان حتى يمنى عليه ما على المجامع و إن من لا يلاعب أهله و جاريته في قضاء شهر رمضان فيسبقه الماء فينزل عليه ما على المجامع و أن من لصق بأهله فأنزل عليه الكفارة و إن من وضع يده على شيء من جسد امرأته فأدفق فعليه الكفارة، و هذه و إن لم تدل على إلحاق النظر صريحاً لكنها تشعر بمساواته ضمناً، نعم لو وثق من نفسه بعدم الإنزال بحيث كان الإنزال أمراً وهمياً لم يتعلق به شك أو ظن و لم تكن عادته و لا العادة العامة حصول الإنزال بعد ذلك الفعل اتجه عدم فساد الصوم لظهور هذا القيد من الأخبار و لعموم رفع، و نفي العسر و الحرج و لظاهر فتوى المشهور و للصحيح هل يباشر الصائم أو يقبل في شهر رمضان فقال اني أخاف عليه فليشزَّه عن ذلك إلا أن يثق إلّا يسبقه منيه و للمرسل لو أن رجلًا لصق بأهله في شهر رمضان فأمنى لم يكن عليه شيء بحمله على ما استثنى جمعاً بين الأدلة و الذي يظهر تحريم فعل ما يخشى من ترتُّب وقوع الإنزال بعد مما لم يثق من نفسه بعدم ذلك و الأحوط تجنب كل ما يبعث على تحريك الشهوة

24

الباعثة على الإنزال و أطلق بعض أصحابنا الإفطار بالمني باللمس و عدمه بالنظر و السماع لإطلاق الأخبار في الإفطار لمن لاعب أو عبث أو لمس و خلو الأخبار عن النظر و السماع و شبههما و الأقوى ما ذكرناه من التسوية بين جمع الأفراد تنقيحاً للمناط و من التفصيل بين الوثوق و عدمه أيضاً كذلك سيما في المحرم.

بحث: تجب الكفارة مع القضاء على جميع من أقدم على المفطر عمداً

أي مفطر كان بعد ثبوت كونه مفطراً إذا كان عالماً بحكمه أو كان متنبهاً لحكمه فأقدم على المفطر من دون سؤال لدخوله في الأخبار الموجبة للكفارة على العامد و أما الجاهل الساذج الذي لم يخطر له السؤال ببال فالأقوى عدم إيجاب الكفارة عليه لظهور أخبارها في المعتقد بعد العلم بالحكم فيبقى الأصل سليماً عن المعارض و لما ورد من أتى أهله في شهر رمضان و هو لا يرى أن ذلك حلالًا ليس عليه شيء و لما ورد من معذور به جاهل الحكم أو أنه أعذر من جاهل الموضوع و عذر الله تعالى ينبئ عن عدم تعلق الكفارة و لما ورد في الصحيح أي رجل ركب أمر بجهالة فلا شيء عليه، نعم يجب على الجاهل القضاء لعموم أدلته و لا ملازمة بين نفي الكفارة و بينه، و أن كانت الأخبار الوارد في العامد موجبة لهما معاً لأن نفي الأمرين معاً يجامع ثبوت واحد منهما و قد دلت أخبار أخر على لزوم القضاء على من أفطر فيجب الأخذ بإطلاقها لعدم المعارض و حملها على المقيد بالعمد فرع المقاومة و ليس فليس و من أقدم على المفطر سهواً أو نسياناً للصوم من أصله أو إكراهاً و الجاء لم يجب عليه قضاء و لا كفارة لفتوى الأصحاب و الأخبار المتكثرة في الباب و العمومات الرافعة لحكم السهو و النسيان و الإكراه و من أقدم خوفاً أو تقية فإن كان من غير العامة وجب عليه القضاء دون الكفارة أما الأول فلعمومات أدلة القضاء و أما الثاني فللأصل و إن كان من العامة فإن كان اتباعاً لموضوعاتهم العامة كالبناء على أن الغروب يتحقق بذهاب الشمس دون الحمرة و البناء على صحة الصوم في السفر فلا يبعد صحة الصوم و لكن الأظهر و الأحوط القضاء دون الكفارة و إن كان اتباعاً لحكمهم الخاص كروية الهلال و شبهه، فالأقوى وجوب القضاء لعمومات الدالة و لخصوص ما ورد في الأخبار المعتبرة أن الإمام (عليه السلام)

25

أكل في يوم شهر رمضان تقية و قال: أفطر يوماً من شهر رمضان أحب إلي من أن يضرب عنقي)، فأطلق على أكله تقية الإفطار و في آخر إفطاري يوماً و قضاؤه أيسر على من أن يضرب عنقي و لا يعبد الله، و نسب للأكثر عدم وجوب القضاء مطلقاً للأصل و الشك في شمول أدلة وجوب القضاء لمثل هذه الصورة و عموم الرفع عما استكرهوا

عليه و ظاهرهم أن الخوف مطلقاً مسقط للقضاء و القول بذلك كله ضعيف لانقطاع الأصل بما مر و لعدم الشك في الشمول و لظهور رفع الإثم و المؤاخذة عما استكرهوا عليه و لعدم صدق الصائم على المتناول خوفاً شرعاً كما ينبئ عنه استعمال المتشرعة و أعلم أن ثبوت الكفارة و القضاء على من أفطر عمداً بأي مفطر كان قسم تدل عليه عمومات الأخبار الدالة على من أفطر متعمداً كفر، فثبوت الصغرى بدليلها و ثبوت الكبرى بهذا العموم و دعوى انصرافه للأكل و الشرب و نحوهما دون الأفراد الأخر دعوى من غير دليل و قسم تدل عليه العمومات و خصوصاً الأدلة من إجماع أو رواية خاصة و ذلك كالأكل و الشرب المعتادين و غيرهما و الجماع قبلًا و دبراً و الاستمناء و المني الواقع بعد الملامسة و الالتصاق إذا لم يثق من نفسه بعدم الإنزال أو كان شبقياً أو كان معتاد الإنزال عقيب تلك الأمور و كذا إيصال الغبار الغليظ إلى الحلق و كذا البقاء على الجنابة إلى الفجر و عدم ذكر الكفارة في حكم الكذب على الله تعالى و رسوله و في حكم الحقنة بالمائع و في حكم تعمد القيء لا يدل على عدمها لشبهة أن المقام مقام البيان فعدم ذكرها دليل على عدمها كما حكم به جمع من الأصحاب لأن مساق الأخبار و بيانها لبيان حكم الإفطار به و عدمه لا لبيان جميع الأحكام المترتبة على ذلك و قسم تترتب عليه الكفارة احتياطاً كمن أصبح نائماً بعد استيقاظ بعد نوم بعد جنابة و كذا من فعل ما يترتب عليه الإمناء و لو كان نظراً أو رؤية و تذكراً و كان واثقاً من نفسه و عادته عدم الإمناء و سيأتي إن شاء الله تعالى أمور أخرى.

بحث في الكفارات:

لا تجب الكفارة في صوم النذر المطلق أو صوم الكفارة أو صوم المندوب و لا يحرم إبطالها و الإتيان بغيرها ما لم يتضيق بظن الوفاة وفاقاً لفتوى الأصحاب و للأصل

26

السالم عن المعارض و للإجماع المنقول في الباب و بذلك يضعف الأخذ بعموم و لا تبطلوا أعمالكم لضعف الظن بعمومه بل الظن بعدم عمومه و إذا تيقن بظن الوفاة حرم إبطالها و لكن لا كفارة لها للأصل و لعدم التقدير لها شرعاً و تجب الكفارة في صوم شهر رمضان أداء و قضاء و النذر المعين و الاعتكاف

فهاهنا أمور:

أحدها: يجوز إفطار قضاء صوم شهر رمضان قبل الزوال ما لم يتعين بنذر أو ضيق وقت

لفتوى الأصحاب و أخبار الباب و المخالف شاذ نادر لا يلتفت إليه و في الصحيح أن الذي تقضي شهر رمضان بالخيار إلى زوال الشمس و إن كان تطوعاً فإنه إلى الليل بالخيار، و في آخر مثله، و في آخر كذلك إلا أنه مطلق بالنسبة إلى قضاء الفريضة و آخر كذلك إلا أنه مطلق بالنسبة إلى قضاء الفريضة و آخر كذلك إلا أنه مطلق بالنسبة إلى الفريضة و أما ما ورد من المنع من الإفطار بعد ما يصبح قبل الزوال في قضاء شهر رمضان و أفتى به شاذ من أصحابنا فهو لشذوذه و معارضيه لما هو أقوى منه لا بد من طرحه أو حمله على الندب كما ورد في المندوب أيضاً عدم جواز الإفطار بعد الزوال و هو محمول على تأكد الندب و الأحوط إلحاق قضاء صوم كل فريضة حتى قضاء المنذورة بقضاء شهر رمضان من عدم جواز الإفطار بعد الزوال للرواية الدالة على ذلك بل الأحوط إلحاق صوم كل فريضة به كما أن الأحوط إلحاق القاضي عن غيره ولاية و إجارة أو تبرعاً بالقاضي عن نفسه نظراً إلى إطلاق الروايات و إلى شبهه عموم و لا تبطلوا أعمالكم.

ثانيها: تجب الكفارة في صوم شهر رمضان لمن أفطره عمداً

إجماعاً و نصاً متواتراً و تجب في صوم النذر المعين وصوم الاعتكاف عند وجوبه وصوم قضاء شهر رمضان وفاقاً للمشهور للأخبار الدالة على ذلك في خصوص النذر المعين و في خصوص صوم الاعتكاف و في خصوص قضاء شهر رمضان و خلاف ابن أبي عقيل شاذ نادر لا يلتفت إليه و ما استند إليه في عدم وجوب الكفارة على القاضي من الموثق الدال على أن من أفطر بعد الزوال قد أساء ليس عليه شيء إلا قضاء ذلك اليوم الذي أراد أن يقضيه فهو مطرح أو محمول على التقية لموافقته لفتوى العامة على أنه لضعف

27

سنده لا يقاوم الأخبار المتكثرة المنجبرة بفتوى الأخيار الدالة على الكفارة.

ثالثها: كفارة شهر رمضان عتق رقبة أو إطعام ستين مسكيناً أو صيام شهرين متتابعين مخيراً

كما نطق به المشهور و دل عليه الإجماع المنقول و تكاثرت به الصحاح و المعتبرات من الأخبار و قيل مرتبة العتق فالصيام فالإطعام فلا يجوز تأن مع القدرة على الأول استناداً لما ورد من أن رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) أمر أولًا بالعتق، ثمّ فقال المأمور لا أجده، ثمّ أمره بالصيام، فقال: لا أطيقه، ثمّ أمره بالإطعام و فيه ضعف سنداً و دلالة لأن الترتيب في الذكر لا يدل على الترتيب في الحكم نعم في صحيح علي بن جعفر عن أخيه فيمن نكح في شهر رمضان التصريح بالترتيب و لكنه لا يعارض ما قدمنا فيحمل على التقية لموافقته لمذهب الجم الغفير من العامة أو على الاستحباب و فصل جمع من أصحابنا بين من أفطر على محلل فأوجب عليه ما تقدم تخييراً و بين من أفطر على محرم فأوجب عليه كفارة جمع بين الخصال الثلاثة، جمعاً بين ما ورد من التخيير في الخصال و بين ما ورد من الأمر بالجمع بالواو المفيدة للجمع كموثقة سماعة و أما ما أورده في الفقيه حيث قال و أما الخبر الذي روي فيمن أفطر يوماً من شهر رمضان متعمداً أن عليه ثلاث كفارات فإني أفتى به فيمن أفطر بجماع محرم عليه أو بطعام محرم عليه و شهد لهذا الجمع أيضاً ما قاله الوجود ذلك في روايات أبي الحسين الأسدي فيما ورد من الشيخ أبي جعفر محمد بن عثمان العمري فكلامه هذا بمنزلة الرواية لظهور اتصال ذلك بصاحب الأمر، لأن الأسدي كان من الوكلاء الذين نرد عليهم التوقيعات و يشهد له أيضاً رواية الفقيه عن ابن عبدوس، عن علي بن محمد بن قتيبة، عن حمدان بن سليمان عن عبد السلام بن صالح الهروي أنه متى ما جامع الرجل حراماً أو أفطر على حرام في شهر رمضان فعليه ثلاث كفارات و إلا فواحدة، و الرواية في مرتبة الحسن، لأن ابن عبدوس شيخ الصدوق و قد عمل الصدوق بروايته و هذان مما يفيد أنه مدحاً، و علي بن محمد القتيبي، قيل في حقه أنه فاضل اعتمد عليه الكشي و عبد السلام وثقه النجاشي و غيره و إن ضعفه غيره بأنه عامي و على كل حال فالرواية معتبرة لأنها بين من كان من مشايخ الإجازة و بين من حكم المشايخ بحسنه

28

و وثاقته و على هذا القول فالقول بالتفصيل أظهر و أحوط.

رابعها: من قدر على واحدة دون أخرى من الخصال الثلاث

تعين عليه و من قدر على بعض من واحدة و تمام أخرى تعينت عليه التامة و من قدر على بعض واحدة لا غير تعين البعض لأنه لا يسقط الميسور بالمعسور و إن قدر على ابعاض كل واحدة قدم الصوم و صام ثمانية عشر يوماً عن كل عشرة مساكين ثلاثة أيام للروايتين الواردتين عن أبي بصير الآمرتين بصوم ثمانية عشر يوماً لمن يقدر على الاتيان بخصلة تامة و لظاهر الإجماع المنقول في المنتهي لنسبته ذلك فيه إلى مذهب إلى علماؤنا و للاحتياط و إن لم يقدر على صوم ثمانية عشر يوماً تصدق بما يطيق للصحيح أو الحسن الأمر بذلك عند الفجر عن الخصال و لو لا ظاهر الإجماع المنقول لكان القول بالتخيير أو تقديم روايات الصدقة لصحتها أوجه، لأن الروايات متعارضة حيث أن إطلاق الأمر بالصوم ينفي الاجتزاء بالصدقة و إطلاق الأمر بالصدقة بنفي الاجتزاء بالصوم و وجه الجمع أما بالأخذ بهما معاً للاحتياط و لا قائل به أو طرحهما معاً لا وجه له أو تقديم الصحيح و هو خلاف ظاهر فتوى الأكثر أو التمييز و هو خلاف ظاهر الإجماع المنقول و فتوى الأكثر على الأظهر فليس إلا تقييد الصحيح الدال على الأمر بالصدقة بالروايتين الدالتين على الأمر بالصيام على أن الأمر بالصدقة بعد العجز عن القيام و من عجز عن الصدقة صام و لو قليلًا فإن عجز عنه اعتق شخصاً إن أمكن فإن عجز كفاه الاستغفار اللازم على كل حال لكنه في هذه المرتبة ينوي أنه كفارة لفتوى الأصحاب به بعد العجز عن الصوم أصلًا أو بعد العجز عن الصوم و الصدقة و للأخبار الآمرة به لمن عجز عن الخصال بل لا يبعد كفايته بعد العجز عن الخصال و عن صوم ثمانية عشر يوماً، و عن صدقة دون الابعاض الآخر و لو تجددت القدرة بعد فعل البدل أجزأ البدل إذا كان صوم ثمانية عشر أو صدقة بما يتمكن لظاهر بدليتها في الأخبار و في غير هذين يقوى القول بوجوب الإتمام و عدم الاجتزاء بالبعض و هل يجزي الاستغفار لبدليته كما هو ظاهر الأخبار أو يجزي لاحتمال أن الأمر إنما هو لطلب الشارع له على كل حال و عدم إمكان غيره و لا يبعد الأول لقوله (عليه السلام): (الاستغفار له كفارة).

29

خامسها: يجوز التبرع بالكفارة مطلقاً بجميع أنواعها عن الأموات

لفتوى الأصحاب و الأخبار الناطقة بوصول كل عمل صالح إليه حتى أن الميت ليكون في ضيق فيوسع عليه و يقال هذا بعمل ابنك فلان أو بعمل أخيك فلان و بأنه يقضي عن الميت الصوم و الحج و العتق و فعله الحسن و يجوز عن الحي ما عدا الصوم أجاز أم لم يجز على الأظهر.

أما الأول: فلأن العتق و الإطعام عبادات مالية كالزكاة فهي كالديون، و يجوز التبرع بوفاء الدين عن الحي.

و أما الثاني: فلأن الصيام عبادة ندبية فالأصل فيها المباشرة و لا يجوز فيها التبرع و النيابة إلا بدليل و ليس فليس و هل تقع الفضولية بالعتق و الإطعام كأن يؤخذ من ماله فيكفر عنه فضولًا وجه ليس بالبعيد و لكن الاحتياط يقضي بخلافه.

سادسها: تتعدد الكفارات بفعل المفطر بتعدد الأيام

و هل تتكرر بتكرره في اليوم الواحد مطلقاً لأن تعدد الأسباب يقضي بتعدد المسببات و تعدد العلل يفضي بتعدد المعلولات و لا يتكرر بتكرره مطلقاً لأصالة البراءة و لأن ترتب الكفارة على المفطر و الإفطار مستند الأول و لأن العلة و السبب هو طبيعة الفعل فلا يترتب على تعدد أفرادها حكم مغاير لما يترتب عليها أو تتكرر بالمتكرر عرفاً كالآلات المتعددة و الجماعات المتعددة لتعدد أسبابها و لا تتكرر بغير المتكرر عرفاً، الآلة الواحدة و إن تكثر فيها الازدراد فيها و الابتلاع و الجماع الواحد و إن تكثر فيه النزع و الوضع و اشتمل على الإنزال و الإدخال و يتكرر بتكرر مختلف النوع كالأكل و الجماع، و لا يتكرر بتكرر المتفق لفهم تعدد المسببات بتعدد أسبابها عند الاختلاف لدلالة الروايات على وجوب كل مسبب عند وجود مسببه من أكل أو جماع أو ارتماس دون ما كان متفقاً في النوع فإن الحكم معلوم فيه على الطبيعة دون الإفراد و يتكرر بتكرر الجماع دون غيره لما ورد أن المجامع عليه في كل مرة كفارة و ما ورد في رجل جامع امرأته في شهر رمضان عشر مرات، قال: (عليه عشر كفارات في كل مرة كفارة)، أو تتكرر أن كفر لما فعله أو لا و لا تتكرر إذا لم يكفر ففعل ثانياً لعدم إمكان التداخل في الأول و إمكانه في الثاني أو تتكرر

30

مع الفاضل المعتد به و لا تتكرر مع الوقوع دفعة لكونها في الثاني بمنزلة مفطر واحد وجوه و أقوال أقواهما عدم التكرار مطلقاً لفهم تعليق الحكم في الأخبار على طبيعة الإفطار و بعد حصولها لا يتعلق بها حكم أجزاء للكفارة و ذلك تصريحاً في بعضها و تلويحاً في آخر لأن المفهوم من الحكم بها بعد الوقاع أو الأكل أو إيصال الغبار أنه من جهة الإفطار به لا من جهة كونه في يوم صوم شهر رمضان و الإفطار يتحقق بالمرة الأولى و الروايتان الدالتان على وجوب التكرار ضعيفتان و لو لا ضعفهما لكان العمل بهما متعيناً و مع ذلك فالأحوط التكرر بتكرر الجماع في متفق الجنس و بتكرر كل مفطر في مختلف الجنس.

سابعها: لو فعل موجب الكفارة ثمّ سقط فرض الصوم لعارض سفر أو جنون أو حيض لم تسقط الكفارة

سواء سقط بعارض اختياري أو اضطراري لظاهر الأخبار و فتاوى أكثر الأخيار و المناقشة في الظهور بانصراف أوامر الكفارة إلى النور الظاهر منها، و هو غير ما حصل العارض فيه مسلمة لو كان الاستدلال بترك الاستفصال و ليس الاستدلال به بل بنفس إطلاق الأمر و هو لا ينصرف إلى الفرد الظاهر إلا مع قدر الإطلاق على غيره و هو في المقام ممنوع و للإجماع المنقول و لأنه أفسد صوم يوم أمر الشارع بصيامه و هتك حرمته و تجرأ على ربه فالعلة فيه منتجة و انكشاف عدم التكليف بصومه واقعاً لعلم الأمر بانتفاء شرط ليس مانعاً و لا مخصصاً لأدلة الكفارة لدورانها مدار الظاهر أولًا و لجواز التكليف بالصوم إلى زمان طروء العارض ثانياً، و لأن القول بسقوط لطرق المفطر يلزم منه تفويت الكفارة على من أفطر متعمداً بفعل ما يوجب بعد ذلك سقوط الصوم و هو مناف لشرع الكفارة لقوله (عليه السلام) في الصحيح أو الحسن: (هذا بمنزلة من أفطر في شهر رمضان يوماً في إقامته ثمّ خرج في آخر النهار في سفر فأراد بسفره ذلك إسقاط الكفارة التي وجبت عليه)، و ذهب جمع من أصحابنا إلى عدم وجوب الكفارة لانكشاف عدم التكليف بالصوم واقعاً و الأمر يدور مداره كما لو انكشف للصائم أن يومه يوم من أيام شعبان و لأصالة البراءة و المتيقن من وجوب الكفارة على من أفطر هو من وجب عليه الصوم و فرق بعض بين العارض

31

الاختياري فلا تسقط الكفارة، و بين الاضطراري فتسقط و الكل ضعيف و القياس على ظهوره من شعبان باطل لأن طروء العارض إسقاط للتكليف بعد تعلقه ظاهراً و ظهوره من شعبان كشف لبيان خطئه في الإدراك و فرق بين انكشاف الخطأ في الادراك و بين انكشاف عدم تمامية المأمور به بعد تعلق الأمر به ظاهراً.

ثامنها: من أكره امرأته إكراهاً على حد الإلجاء فوطأها قبلًا أو دبراً و هو صائم

فعليه كفارتان و يضرب خمسين سوطاً، للرواية المجبور ضعفها سنداً بفتوى الأصحاب و الإجماع المنقول في الباب و نسب الفتوى بمضمونها إلى الأئمة الأطياب و تلقي الفحول لها بالقبول و إسنادها إلى مذهب آل الرسول فلا محيص عن قبولها و العمل بمضمونها و لما كان الحكم بذلك على خلاف الأصول الشرعية و الضوابط المرعية لأصالة عدم تحمل الكفارتين على شخص واحد و لخلو أخبار الكفارة في مقدم البيان عن ذكرهما، و من الاستفصال أو التفصيل في بيان حالهما سواء قلنا بتعلقهما به أو لا و بالذات أو قلنا بتحمل أحدهما أو لا بالذات و الأخرى ثانياً و بالعرض لانتقالها منها إليه و يؤيد هذا الأخير بعد أنها لا تتعلق بها كفارة لإكراهها فلا ينتقل عنها ما ليس له تعلق بها وجب الاقتصار على مورد اليقين من بلوغ الإكراه حد الإلجاء المسقط للقضاء عنها بل لا يبعد أنه الظاهر من إطلاق لفظ الإكراه فلو كان الإكراه للتقية لم يكن عليه إلا كفارة واحدة و في وجوب القضاء عليه و عدمه وجهان أحوطهما القضاء بل أظهرهما و وجب الاقتصار على المرأة دائمة أو متعة لأن كل منهما امرأة فلا تلحق بها المملوكة و الأجنبية و لا الذكر إذا أكرهه الرجل و لا الرجل إذا أكرهته المرأة و لا الأجنبي إذا أكرهته أجنبية على جماع زوجها أو أكره زوجها على جماعها أو أكرههما معاً و لا النائمة و لا الناسية و الغافلة و لا من لم يكن صائماً لسفر و مرض و إن حرم عليه الوطء لحرمة الإكراه للمسلم و التصرف ببدنه في غير ما دل عليه الدليل و المتيقن من جواز الاستمتاع بالزوجة ما لم يكن معارضاً له حق خالقي ليس للزوج إزالته و الغرض هاهنا حصوله و لو طاوعته كان كل واحد منهما كفارة و خمسة و عشرون سوطاً و لو أكرهها في ابتداء الوطء فطاوعته في الاستدامة كان عليه كفارتان فعليها كفارة واحدة و من

32

ألجأ غيره على الإفطار لا يتحمل عنه كفارة للأصل و القواعد.

تاسعها: تجب الكفارة على من أفطر بعد الزوال عمداً في قضاء شهر رمضان

وفاقاً للمشهور و خلافاً لابن أبي عقيل استناداً للأصل و للموثق فيمن أفطر بعد الزوال أنه ليس عليه شيء إلا قضاء ذلك اليوم الذي أراد أن يقضيه و المستند ضعيف لانقطاع الأصل و عدم قابلية الموثق للمعارضة للأدلة الدالة على وجوب الكفارة و حملها على الندب فرع قوة الموثق عليها و ليس فليس فلا بد من حمل الموثق على التقية لموافقتها لمذهبهم و على تقدير وجوب الكفارة فهي إطعام عشرة مساكين و إن لم يقدر المكفر فصيام ثلاثة أيام للروايات المتكثرة المنجبرة بفتوى المشهور الصحيح الدال على ذلك و هو و إن اشتمل على الأمر بها على من أفطر بعد العصر لكنه حيث لا قائل به و حيث أنه كثير ما يطلق العصر على ما بعد الزوال، كأن المراد بالعصر هنا هو ما بعد الزوال لدخول وقت العصر فيه بعد مضي مقدار أربع ركعات الظهر و في كثير من الأخبار أن على من أفطر في قضاء رمضان كفارة رمضانية و أفتى به جملة من الأصحاب و هو أوفق بالاحتياط و لكن الأخبار الأول لصحة بعضها و انجبارها بفتوى المشهور و بعدها عن مذهب العامة أرجح فالعمل بها متعين و الحمل على التخيير بعيد و احتماله ضعيف كضعف من ذهب إلى التخيير بين الإطعام و الصيام أو من ذهب إلى إيجاب كفارة اليمين لعدم دليل صالح عليهما.

عاشرها: من أفطر يوماً منذوراً معيناً أو معاهداً عليه وجب قضاؤه و الكفارة

من غير خلاف و الأخبار دالة على ذلك و الكفارة كبرى رمضانية وفاقاً للمشهور و الاحتياط و الأخبار الواردة في النذر المنجبرة بفتوى المشهور و بالاجماع المنقول و بما جاء في كفارة العهد و هو النذر بحكم واحد و بمخالفته العامة و بذلك يرجح على الأخبار الدالة على أنها كفارة يمين و إن كان فيها الصحيح و غيره فلا بد من طرحها أو حملها على حالة العجز عن أداء المنذور و تكون ككفارة الشيخ و الشيخة أو على حالة العجز عن أداء الكفارة الكبرى و قد ورد أن من عجز عن نذر نذره فكفارته كفارة يمين و بهذا يصح الجمع بين الأخبار و أما الصحيح الوارد بالأمر بإطعام سبعة مساكين على

33

من لم يصم اليوم المنذور فلا قائل به و حمله على التحريف بتبديل العشرة بالسبع بعيد و أقرب منه الحمل على تصحيف سبعة بشبعة بالشين المعجمة.

بحث: يجب القضاء دون الكفارة بأمور

أحدها من استعمل المفطر و تعجيل طالع من دون اعتبار للفجر بنفسه

و من دون مراعاة له مع القدرة على المراعاة له بنفسه سواء كان ظاناً بقاء الليل أو شاكاً أو ظاناً انتهاؤه و سواء أخبره مخبر ببقاء الليل أم لا كأن المخبر عدلًا أم لا تعدد العدل أم لا في وجه قوي و أخبره مخبر بطلوع الفجر أم لا

و بيان هذه الأحكام يظهر ببيان أمور:

الأول: يجوز لمن تناول المفطر ظن بقاء الليل أو ظن انتهاؤه أو تردد

للأصل و لحجية الاستصحاب في حالة الاختيار و الاضطرار و حالة التمكن و عدمه و ليس حجية الاستصحاب مخصوصة بمال عدم التمكن من المراعاة كما هو الأقوى في سائر التكاليف و إن كان الأحوط مع الظن بالعجز التجنب سيما لو كان المخبر عدلًا بل يقوى القول بحرمة استعمال المفطر عند شهادة شاهدين عادلين بطلوع الفجر لعموم أدلة حجية شهادة الشهادين.

الثاني: من تناول المفطر و شك في مصادفته الفجر و عدمها

تعارض أصلًا تأخر الحادث و تأخر كل منهما عن الآخر و بقي أصل صحة العمل سليماً عن المعارض و مؤيد باستصحاب بقاء الليل و لا يتفاوت الحال بين الموسع و المضيق.

الثالث: من لم يتمكن من المراعاة لعجز أو عمر أو نحوهما و تناول المفطر عند ظهور العجز

لا شيء عليه في صوم شهر رمضان لفتوى الأصحاب و ظاهر الإجماع المنقول في الباب و يلحق به كل معين لتنقيح المناط و لعموم دليل نفي العسر و الحرج و في صوم الموسع إشكال من ظاهر إطلاقهم و مساواة جاهل الموضوع للناسي و شمول ما لا يعلمون له و من أن الأصل هاهنا فساد الصوم بتناول المفطر و الأصل مانعية ما شك في مانعيته و المفهوم من أدلة المفطرات و من قوله لا يضر الصائم إذا اجتنب أربعاً هو حصوله الإفطار بتناول كل مفطر خرج الناسي و الملجأ و من هو بحكمها و بقي الباقي داخل تحت حكم التفطير كالجاهل بالموضوع من دخول نهاراً و هلال شهر.

34

الرابع: من استعمل المفطر بعد مراعاته الفجر فلم يره فظن بطؤهُ إلى انتهاء فعله فصادق الفجر و ظهر خطؤُه

صح صومه إذا كان في رمضان للأخبار المتكثرة و لفتاوى الأصحاب و للإجماع المنقول أما لو شك في بقاء الليل إلى إتمام فعل المفطر أو ظن عدم بقاؤه فأقدم ففي صحة الصوم و عدم القضاء إشكال، لأن الظاهر أن الرافع للقضاء ليس هو مجرد المراعاة بل هي مع الاطمئنان بعدم ظهور الفجر قبل تناول المفطر و الأقوى إلحاق كل معين بشهر رمضان مع المراعاة لمساواته له في المعنى ما عدا المندوب المعين فإنه كالموسع و أما غير المعين فالأقوى العدم لإطلاق الأخبار الدالة على عدم صحة الصوم ممن تناول المفطر بعد طلوع الفجر و الأمر بقضاء المعين و إعادة الموسع و لأن الأصل الفساد و غاية ما خرج من ذلك شهر رمضان مع المراعاة و يلحق به المعين فيبقى الباقي على الأصل و ما ورد في الصحيح فيمن أمر الجارية بالنظر فأخبرته بعدم طلوع الفجر فتبين خطؤُها حين نظرت، فقال: (اقضه، أما إنك لو كنت أنت الذي نظرت لم يكن عليك شيء)، فهو ظاهر في شهر رمضان و مثله لمكان قوله هي اقضه فإن الموسع لا يترتب عليه قضاء بل هو أداء في كل وقت و بالجملة فالأخبار جاءت متكثرة دالة على الأمر بالقضاء لمن أكل بعد طلوع الفجر في شهر رمضان و غيره و ما جاء في تقيدها في الأخبار الأخر بعدم المراعاة ظاهر في شهر رمضان و المعين فيبقى الباقي على القاعدة.

الخامس: من لم يراعِ الفجر و هو متمكن من المراعاة فتناول المفطر و الفجر طالع

وجب عليه القضاء دون الكفارة للاحتياط و الإجماع المنقول و للأخبار العامة و الخاصة الدالة على أن من لم ينظر يجب عليه القضاء و لا يجزي نظر غيره و لو بالوكالة لما ورد من الأمر بالقضاء على أن من أمر الجارية بالنظر فأخبرته بعدم طلوع الفجر و تبين خطؤها، نعم مع أخبار العدلين قد يقال بعدم وجوب القضاء لكونها حجة شرعية.

السادس: من لم يراعِ فأخبره مخبر بطلوع الفجر فلم يسمعه

فلا شك في ثبوت القضاء لعمومات الأدلة و خصوص الرواية الدالة على ذلك و فتاوى الأصحاب و لكن

35

الإشكال في ثبوت الكفارة و الأظهر ثبوتها مع شهادة العدلين مع أن الأحوط ذلك مع العدل الواحد و لا شيء مع أخبار الفاسق إلا من كان فرضه التقليد فإن الكفارة تثبت عليه.

ثانيها: من استعمل المفطر تقليداً بدخول الليل فتبين بقاء النهار

فإنه يجب عليه قضاء يومه سواء كان المقلد بفتح اللام واحداً أو متعدداً و سواء كان مخبراً له أم مجتهداً و سواء كان عدلًا أو فاسقاً و سواء كانت في السماء علة أو لم يكن و سواء كان المقلد أعمى أم لم يكن للعمومات الدالة على وجوب القضاء على من تناول المفطر عمداً الشاملة لجميع ذلك و لإشعار ما دل على وجوب القضاء على من استعمل المفطر ركوناً إلى من أخبره ببقاء الليل بذلك بل الحكم بالقضاء هنا أولى و جواز الإفطار لما قامت عنده بينه بدخول الوقت إن حكمنا به في الصحو لا ينافي ثبوت القضاء و كذا فيما إذا كان في السماء علة و جوزنا التقليد أو الأخذ بقول الغير مطلقاً فإن تجويز الإفطار رافع للإثم و الكفارة و ليس برافع للقضاء و كذا الأعمى و نحوه ممن كان فرضه التقليد و هذا لا ينافي ما سيأتي إن شاء الله تعالى من عدم وجوب القضاء على من أفطر ظاناً صيرورة المغرب من الأمور المفيدة للظن إذا كانت في السماء علة لأن مورده ما إذا حصل الظن للمفطر بنفسه و كان مختبراً للمظنون معتبراً له بنفسه من غير واسطة فإن المفطر و الحال هذه لا يجب عليه القضاء و الأقوى وجوب الكفارة مع القضاء في صورة الإفطار ركوناً لقول الغير مع إمكان الاختيار و الاعتبار و عدم العلة في السماء إذا كان المخبر واحداً فاسقاً أو عدل على الأظهر لعدم ثبوت حجية خبر العدل مطلقاً سواء أخبر عن اجتهاد أو عن قطع نعم لو أخذ به لكونه أحد الطرق المفيدة للظن عند الاختيار و الاعتبار و كانت في السماء علة فلا كفارة بل و لا قضاء على الأظهر.

ثالثها: يجب القضاء إذا اعتقد دخول الليل في الصحو فتبين خطؤه أو توهم أو شك بدخول الليل

لظلمة موهمة لذلك أو سحاب أو ريح أو غيرهما فافطر أو ظن بدخول الليلة لظلمة أو نحوها مما لا تفيد ظناً لأغلب الناس بل تفرد بنفسه فتبين خطؤُهُ كل ذلك للاحتياط و لعموم الأخبار بل تجب الكفارة أيضاً مع القضاء لو تناول المفطر

36

مع الشك والوهم و الظن الضعيف الذي لا يعتد به سائر الناس إذا تبين الاشتباه بعد ذلك بل و لو لم يتبين الاشتباه كما إذا استمر الشك إلى الليل لعمومات القضاء بعد الحكم ببقاء النهار استصحاباً أما لو حصل له ظن عادي بالغروب و كانت في السماء علة فأفطر فتبين خطؤُهُ فالأقوى عدم وجوب القضاء سواء كان الظن غالبياً أو ظناً متعارفاً للشك في ثبوت القضاء و شمول أدلته لمثل هذه الصورة و الأصل عدمه و لفتوى جملة من الأصحاب و لما دل على أن المتعبد بظنه سيما في خصوص هذا المقام للاتفاق المنقول على جواز الإفطار مع الظن إذا كانت في السماء علة و لفحوى ما دل على جواز اتباع الظن في الصلاة و الأمر يقضي بالأجزاء و لخصوص الأخبار الواردة في المقام المشتملة على الصحيح و غيره الدال بعضها على عدم وجوب القضاء على من ظن الغروب فأفطر فتبين خطأ ظنه بقول مطلق و لا قائل به مع عدم وجود العلة في السماء و التمكن من الاختبار إلا شاذ من أصحابنا لا يلتفت إليه و ترده الأخبار و الأصول و كلمات للأصحاب فلا بد أن يحمل على الظن مع وجود العلة و الدال بعضها على خصوص نفي القضاء عمن افطر من جهة ظلمة السحاب فلما انجلى تبين خطا ظنه و الدال بعضها على أن من صلى و غاب القرص ثمّ رآه بعد ذلك أعاد الصلاة و مضى صومه بحمله على من ظن غيبوبة القرص لعلة في السماء فانكشف خلافه إذ لا قائل بعدم إلا فطار بمجرد عدم رؤية القرص و ذهب جمع من أصحابنا إلى وجوب القضاء لعموم الأدلة الآمرة بالقضاء على من افطر و خصوص خبر سماعة في قوم غشيهم سحاب اسود عند غروب الشمس فرأوا أنه الليل فافطر بعضهم ثمّ أن السحاب انجلى فإذا الشمس طلعت فقال على الذي افطر صيام ذلك اليوم و الشهرة المنسوبة إلى القدماء و لا يخلو الكل من ضعف لتخصيص العموم بما تقدم من الأدلة و لعدم معارضة الرواية لما تقدم فلا بد من طرحها أو حملها على الاستحباب أو حملها على التقية و حملها بعض الأصحاب على حصول الظن الضعيف و الأخبار المتقدمة على غلبة الظن و بعضهم على الظن الغير الشرعي و الأول على الظن الشرعي و لكلاهما بعيد و قد تحمل الرواية على إرادة إتمام صيام ذلك اليوم من قوله (عليه السلام)

37

على الذي افطر صيام ذلك دفعا لتوهم أن الإفطار في الأثناء تبيحه في الباقي و لا ينافيه قوله بعد ذلك فمن أكل قبل أن يدخل الليل فعليه قضاؤه أنه أكل متعمداً لا مكان حمله على بيان إرادة حكم الأكل متعمداً لردع من أكل ظاناً بالغروب عن الأكل بعدم ذلك لانصرف الأكل عمداً لغير المتناول ظاناً و أما الشهرة فهي حجة لو خليت عن المعارض و المفروض وجود ما يقوى عليها من المعارض و مع ذلك فالأحوط القضاء عند ظهور الخطأ سيما مع الإفطار بمجرد حصول الظن و إن لم يكن قوياً بحيث يقارب الاعتقاد بل الأحوط اجتناب المفطر و إن حصل الظن و كانت في السماء علة إلى حصول اليقين تجنباً عن خلاف جمع من أصحابنا حيث أوجبوا اليقين فلو فعل كان الاحتياط في القضاء و إن لم يظهر الخلاف كما أن الأعمى و المحبوس و من لم يكن له طريق إلى العلم عليه العمل بالظن و لا يبعد لزوم القضاء عليه إذا انكشف الخلاف.

رابعها: من تمضمض فدخل الماء حلقه من غير قصد و كانت مضمضته عبثاً أو تبرداً أو استعانة على حملان العطش

وجب عليه القضاء و إن جاز فعله أما وجوب القضاء فيدل عليه فتوى الأصحاب و الإجماع المنقول في الباب و الأخبار و منها تدخل عبث بالماء يتمضمض به من عطش فدخل حلقه، قال: (عليه القضاء)، و منها و إن تمضمض في غير وقت فريضة فدخل الماء حلقه فعليه الإعادة و أما الجواز فيدل عليه الأصل و فتوى المشهور و مرسل حماد عن الرجل يتمضمض فيدخل في حلقه الماء و هو صائم، قال: (ليس عليه شيء إذا لم يتعمد ذلك)، قلت: (فإن تمضمض الثانية فدخل في حلقه الماء)، قال: (ليس عليه شيء)، قلت: (فتمضمض الثالثة)، قال: (قد أساء، ليس عليه شيء و لا قضاء)، و هو ظاهر في أن المراد بقوله: (ما لم يتعمد) تعمد الإدخال في الحلق لا تعمد المضمضة و الخبر الآخر و الأفضل للصائم أن لا يتمضمض و الآخر عن الرجل يتمضمض و يستنشق قال: (نعم)، و لا يعارض ذلك ما ورد في ضعف الأخبار من إيجاب الكفارة على من تمضمض لضعفه عن المقاومة لشذوذه و عدم العامد به و كذا ما يظهر من بعض الأصحاب من تحريم المضمضة للعبث و إيجاب القضاء و الكفارة لعدم العثور على دليل و أعلم أن الذي يقتضيه الأصل و القاعدة هاهنا

38

عدم الإفطار سبق الماء إلى الحلق لأن المضمضة جائزة و دخول الماء قد وقع سهواً أو اضطراراً و كل منهما لا يوجب إفطار و لا قضاء لأصالة عدمه و عدم ثبوته إلا بأمر جديد و ليس فليس و يشعر من ذلك الخبر الخاص أيضاً لظهور الشراب في غير السابق من المضمضة و يدل عليه صريحاً مرسل حماد فعلى ما ذكرنا يختص وجوب القضاء بمن تمضمض عبثاً أو تبرداً فدخل إلى حلقه الماء و أما من تمضمض لصلاة فريضة أو نفلية أو لمجرد الطهارة لأمر آخر و للتداوي لو لا النجاسة أو لتنظيف الفم عن الطعام أو الأوساخ أو كان ساهياً في أصل مضمضته أو كان مكرراً عليها فعلى القاعدة لا يجب القضاء عليه، نعم. و قد ورد في الصحيح نفي القضاء عن وضوء الفريضة و اثباته لوضوء النافلة فيكون إثباته لغيره بالطريق الأولى و ورد أيضاً من تمضمض في غير وقت فريضة فدخل الماء حلقه فعليه الإعادة فيشمل كل مضمضة ما عدا ما تكون للفريضة و ورد أيضاً من تمضمض عليه القضاء إلا أن يكون لوضوء فلا بأس و الجمع بين هذه الأخبار يقضي بثبوت القضاء في غير وضوء الفريضة لما دل على نفي البأس عن مضمضة الوضوء على وضوء الفريضة جمعاً بين المطلق و المقيد لأن إثباته في وضوء النافلة يقضي بالأولوية في ثبوته بمطلق الوضوء ما عدا وضوء الفريضة و حينئذٍ الأمر يدور بين الأخذ بهذه الأخبار فيحكم بثبوت القضاء فيما عدا ما يكون للفرد و بين الأخذ بالأصل و القاعدة و ظاهر كلام كثير من الأصحاب و الإجماع المنقول على عدم لزوم القضاء على من تمضمض للصلاة مطلقاً نفلًا أو فرضاً و حمل ما دل على القضاء في وضوء النافلة على الندب و الترجح للأخير على الأظهر لحصول الوهن للروايات المفصلة بالإجماع المنقول و بفتوى المشهور بخلافها و إعراض جل الأصحاب عنها و الأقوى عدم إلحاق الاستنشاق في الحكم المذكورة بالمضمضة لعدم النص عليه، الأخبار فيبقى على القاعدة من عدم إيجاب القضاء على من سبق الماء إلى حلقه منه، نعم لو قصد أيضاً إلى الحلق فالأحوط القضاء و الكفارة كما أن الأحوط إجراء حكم المضمضة عليه للإجماع المنقول في الغنية على اتحادهما في الحكم و كذا الأحوط للصائم القضاء و التقطير في الآذان و العين به و الأظهر إلحاق الفريضة المعادة

39

و الاحتياطية و المنذورة بالفريضة الأصلية و ما قصد للفريضة و النافلة يغلب عليه حكم الفريضة.

بحث: قضاء الصوم احتياطاً:

الأحوط للصائم القضاء بأمور:

منها: ما تقدم في صحة المباحث السابقة. و منها: من لمس أو قبل أو لاعب و أمنى و كان واثقاً من نفسه فإن الأحوط القضاء تغضياً عن شبهة الإطلاق ممنوع فتوى و رواية. و منها: من نظر أو استمع أو تخيل فأمنى و كان واثقاً من نفسه فالأحوط له القضاء سيما لو كان المتعلق عرفاً للخروج عن شبهة الكلام. و منها: من أدخل شيئاً في فمه فابتلعه سهواً أو غفلةً فالأحوط القضاء و لإشعار روايات المضمضة. و منها: لو ابتلع شيئاً من ما بين أسنانه سهواً فالأحوط القضاء لتفريطه في التخليل. و منها: صب الدواء في الاحليل حتى يصل إلى الجوف بل لو صب المائع إلى الجوف من المنافذ الخلقية عدا الفم، بل و غير الخلقية من طعنة و جرح و غيرهما، بل و غير المائع فالأحوط القضاء خروجاً عن شبهة من جعل التقطير دائر مدار الإيصال إلى الجوف. و منها: لو ابتلع النخامة النازلة من الرأس بعد وصولها إلى الفم فالأحوط القضاء خروجاً عن شبهة من أوجب الإفطار بها مطلقاً أو بعد وصولها إلى الفم أو خصوص الثانية دون الأولى بل الأحوط الكفارة، بل كفارة الجمع لشبهة أنه إفطار على محرم. و منها: لو ابتلع الريق إذا كان فيه طعم من علك و شبهه فالأحوط فيه القضاء خروجاً عن شبه من أوجب التفطير به و من بعض الأخبار الناهية عن مضغ العلك للصائم و حملها على الكراهة و إن كان هو الأقوى لمعارضتها للأخبار المجوزة و فتوى المشهور من الأصحاب، إلا أن الاحتياط أجمل. و منها: السقوط الواصل إلى الدماغ و إن لم يصل إلى الحلق فالأحوط فيه القضاء و للخروج عن شبهة من أوجب القضاء و الكفارة استناداً إلى أن الدماغ جوف و كل ما وصل إلى الجوف مفطر و إلى بعض الروايات الدالة على كراهته و المقدمتان الأوليتان ممنوعتان و الروايات محمولة على الكراهة بل هي صريحة فيها لورودها بلفظ يكره و لإعراض الأصحاب عن الحكم بالمنع منه و لكن الاحتياط

40

أجمل.

بحث: لا يصح الصوم بأنواعه ليلًا لا كلًا و لا بعضاً

و من نذر صيام الليل منفرداً أو صيام الليل و النهار على أنها عبادة واحدة بطل نذره و من نذر صوم الليل و النهار على أنهما عبادتان صح فيما يصح و فسد فيما يفسد، و لا يصح صوم العيدين إجماعاً و ضرورة و لا أيام التشريق لمن كان بمنى بإجماع علمائنا و من نذر صوم يوم العيد و أيام التشريق فسد صومه و من نذر صوم أول شهر أو عاشره أو أول كل شهر أو غدا أو بعد غد أو اليوم السابع أو العاشر من نذره أو السبت الآتي أو نحو ذلك و هكذا فصادف يوم المنذور أيام العيد بطل نذره و لا شيء عليه عالماً كان بالمصادفة أو جاهلًا للأصل السالم عن المعارض و نذر صوم يوم من أيام الأسبوع غير متفطن لمصادفته فصادف يوم عيد انحل نذره، و عليه القضاء و الفرق أن الأول غير معلوم عيديته لأن أول شوال و عاشر ذي الحجة عيداً قطعاً لا يمكن انفكاكه عنهما بخلاف يوم السبت و نحوه فإنه قد يكون عيداً و قل لا يكون، و الدليل على وجوب قضاء متعلق النذر في الثاني للروايات و فيها الصحيح كتبت إليه يعني أبا الحسن (عليه السلام): (يا سيدي، رجل نذر أن يصوم يوماً من الجمعة دائماً ما بقي، فوافق ذلك اليوم يوم عيد فطر و أضحى أو يوم جمعة أو أيام التشريق أو سفر أو مرض هل عليه صوم ذلك أو قضاؤه كيف يصنع يا سيدي)، فكتب إليه: (قد وضع الله تعالى الصيام في هذه الأيام كلها و يصوم يوماً بدل يوم إن شاء الله)، و الطعن فيها بالتعليق على المشبه لا وجه له لوجودها في كثير من الأخبار للتمني و التبرك أو لحمل المخاطب على الفعل بمشيئة الله كما أن الطعن فيها لاشتمالها على وضع صوم يوم الجمعة لا يقوله أحد مردود:

أولًا: بالتزام زيادة، أو يوم جمعة في الرواية لعدم وجودها في الرواية الأخرى أو لعدم صحة المعنى لأن المنذور في قوله فيها من الجمعة أما أن يراد به يوم من الأسبوع فلا يصح أن يقال أنه وافق يوم جمعة.

و ثانياً: بالحمل على إرادة معنى المراد من لفظ أو هو قريب بحسب القرائن و السياق.

41

بحث: فيمن لا يصح منه الصوم

و فيه مسائل:

الأولى: لا يصح الصوم من الكافر حتى يسلم و إن وجب عليه

لشمول الخطابات له و قدرته على الإسلام و القدرة على تحصيل الشرط لسوغ التكليف بالمشروط خلافاً لبعض المتأخرين حيث انهم قصروا الخطابات على المسلمين و المؤمنين حيث أن الكثير منها مصدر بهم فيحمل ما خلا عنها عليهم و هو عجيب غريب نعم في المرتد الفطري الذي لا يقبل منه الإسلام بشكل تعلق الخطاب به مع عدم قدرته على الإسلام لعدم قبوله منه فلا بد أما القول بالتزام إنما بالاختيار لا ينافي الاختيار فيتعلق به الخطاب و إن لم يكن مقدوراً له فعله أو التزام ارتفاع التكليف و العقاب عنه و إن ترتب العقاب على ما لا يفعله لعدم التلازم بين الخطاب و العقاب لوقوع رفعه باختياره أو التزام قبول توبته باطناً لا ظاهراً جمعاً بينما جاء من تعلق التكليف به.

الثانية: لا يصح من المجنون و لا يخاطب به

عقلًا و نقلًا و إجماعاً و سنة سواء ظن الجنون ابتداءً و استدامة صبحاً أو عصراً فلو طرأ لحظة واحدة فسد صوم ذلك اليوم و انكشف عدم تعلق الوجوب به و عدم قضائه لأن الصوم لا يتبعض و للشك في شمول خطابات الصوم له و جعل بعضهم طرو الجنون بعد انعقاد نية الصوم غير مفسد سيما لو كان لحظة قليلة و هو باطل.

الثالثة: لا يصح و لا يجب عن المغمى عليه و لو لحظة واحدة لو سبقت منه النية

لفتوى المشهور و الشك في شمول الخطابات لمثله و لأن زوال العقل مسقط للتكليف فلا يصح منه مع السقوط و مع البرء منه لا يصح أيضاً و لأن الصوم لا يتبعض و اغتفاره في النوم للدليل و لأنه لا ينفك عنه الطبع البشري فيصح الصيام معه دون غيره و للاستقراء الحاصل من تتبع الأدلة أن ما أفسد بعض الصوم أفسد كله و لأن ما يفسد إذا استوعب الكل يفسد إذا حصل في البعض و لأن سقوط القضاء يستلزم سقوط الأداء و الأول ثابت فيثبت الثاني و هذه كلها لا تخلو من مناقشة سيما الأخير لأن سقوط القضاء يجامع صحة الأداء و فساده كما أن وجوبه يجامع وجوب الأداء و عدمه لأنه فرض مستأنف

42

لكن مجموعها لا يخلو من حصول الظن به للفقيه في الحكم الشرعي.

الرابعة: لا يصح من الحائض و النفساء و لو في جزء من النهار

و لا يجب عليهما للإجماع و الأخبار المستفيضة نعم يستحب للحائض الإمساك إذا جاء الحيض بعد الزوال لدلالة بعض الأخبار على ذلك و لا يصح من المستحاضة بدون الأغسال النهارية و إن وجب عليها فيجب الغسل من باب المقدمة.

الخامسة: لا يصح من الصبي و لا يجب عليه

إجماعاً محصلًا و منقولًا نعم يندب من المميز و عبادته شرعية على الأظهر لا تمر نيته و ندية على الصبي دل عليه الإجماع و الأخبار عن الأئمة الأطهار و يصح من النائم سواء نام بعد ما نوى و صام أو بعد ما نوى فقط فنام حتى مر عليه كل النهار و هو نائم و احتساب كل ذلك صوم له للدليل و إلا فالخطاب منتف في حقه إذ تكليف من لا يعقل قبيح و الدليل على صحة صوم النائم بعد سبق النية إجماع الأصحاب و السيرة القطعية في الباب و أدلة نفي الحرج و العسر و إطلاق الأخبار بأن نوم الصائم عبادة و يندفع بذلك شبهة امتناع التكليف للنائم ابتداء و استدامة لأن بقاء الإدراك شرط التكليف مطلقاً و لا إدراك للنائم بوجه من الوجوه و وجه اندفاعها بما ذكرنا لا بما تكلف من الفرق بين ذهاب العقل أصلًا و انتفائه رأساً و بين استتاره لطروء المانع من نوم أو غفلة أو نسيان لبقاء الإدراك في الأخير في خزانة الخيال فيصح معه التلف بخلاف الأول و ذلك لضعف هذا التكليف و عدم صلوحه فارقاً لتعلق التكليف بالنائم دون غيره لأن القبح دائم مدار عدم الشعور و الإدراك سواء كان لسلبه ابتداءً أو لاحتجاجه من جهة وجود المانع فتكلف الفرق غير محدد حينئذٍ.

السادسة: لو بلغ الصبي في الأثناء أتم صومه ندباً لا وجوباً

للأصل السالم عن المعارض من وجوب الإتمام سوى الأوامر بالصيام و هي منصرفة لمن اتصف بالقابلية لها في ابتداء التكليف و قيل بوجوب الإتمام عليه و هو أحوط و يجوز أمر الصبي بالصيام عند حصول التمييز له و القدرة على الصوم و يكون صومه شرعياً على الأظهر جمعاً بين الأخبار الدال بعضها على تحديد الأمر لهم بالتسع و بعضها بالسبع و بعضها

43

بالقدرة على ثلاثة أيام متتابعات و بعضها إذا قوى و بعضها إذا أطاقه و لكن الغالب في ذلك حصوله عند بلوغ التسع كملًا و أدنى منه حصوله عند كمال السبع كملًا و في الأخبار أن الصبي يصوم ما قدر عليه في النهار أو بعضاً و الظاهر أن صوم بعض النهار ليس بصوم شرعي بل هو تمرين و غايته القدرة على الصيام الشرعي و يحتمل أنه صوم شرعي في حقهم و عباده خاصة و له قدراً من الثواب يختص به و يجوز أن ينوبه الصبي من الليل و هو قريب.

السابعة: يعرف البلوغ بالاحتلام

و هو خروج المني منه في النوم كما نطق به الكتاب و السنة قال الله تعالى: [يَبْلُغُوا الْحُلُمَ] سورة النور آية (58)، و قوله (صلّى الله عليه و آله و سلّم): رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم و غيره في الأخبار الكثيرة و دل عليه الإجماع و لا فرق بين خروجه في النوم أو اليقظة لقوله تعالى: [حَتّٰى إِذٰا بَلَغُوا النِّكٰاحَ] سورة النساء آية (6) و للإجماع على عدم الفرق بين المرأة و الرجل للإجماع أيضاً و لما بين خروجه من الموضع المعتاد و غيره على الأظهر لكون المني علامة الفحولة فلا يتفاوت بين خروجه من المعتاد و غيره و يعرف بنبات شعر العانة في الرجل و المرآة، للأخبار و الإجماع و يعرف نبات اللحية في الرجل على الأظهر و إن كان علامة متأخرة و يعرف بحصول الحيض و النفاس للمرأة للأخبار و الإجماع و هما علامتان متأخرتان إلا أنهما موقوفان على العلم العادي أو الشرعي بكون الدم حيضاً أو الواقع حملًا و يعرف بحصول مجموع خواص لا يكون واحد منها في غير البالغ عادة ككثرة شعر البدن في الشارب و الإبطين و غلظ الصوت و ظهور رائحة الإباط و نتو الثديين و انشقاق طرف الأنف و كثرة الشهوة و الميل إلى النكاح و غير ذلك، و يعرف بلوغ المرأة ببلوغها تسع سنين تامة عددية إن وقع فيها الانكسار و إلا فهلالية، و بلوغ الرجل ببلوغه خمسة عشر تامة عددية إن وقع فيها الانكسار و إلا فهلالية، و يدل على الأمرين الأخبار عن الأئمة الأطهار المحددة بخروج الصبي عن اليتم و إدراكه و وجوب إقامة الحدود عليه ببلوغه خمس عشرة سنة و لخروج الصبية عن اليتم بإدراكها و إقامة الحدود عليها

44

ببلوغها تسع سنين و ظاهر أن المتبادر من الخمس أو التسع التمام لا مجرد دخولها فيهما و تنجبر الأخبار بفتوى المشهور تحصيلًا و الإجماعات نقلًا و استصحاب عدم البلوغ و عدم التكليف و عدم صحة الإيقاعات و العقود و يدل على التسع في الأنثى الأخبار الكثيرة الواردة في النكاح و غيره حتى بلغت التواتر و اتفاق الأصحاب عليه و ما روى بخلافه شاذ نادر لا يلتفت إليه و يمكن أن يستدل بها على الخمس عشرة في الرجل لعدم القول بالفصل نقلًا و تحصيلًا و يدل على خصوص الخمسة عشر في الرجل صحيحة معاوية بن وهب في كم يؤخذ الصبي بالصيام قال: (ما بينه و بين خمس عشرة سنة أو أربع عشرة سنة فإن هو صام ذلك فدعه)، فإنه ظاهر في أنه يؤخذ إلى الخمس عشرة أو إثباتها تخييراً لغير البالغين و يشعر صدورها بذلك أيضاً لأن فيه في كم يؤاخذ الصبي بالصلاة فقال: (ما بين سبع و ست سنين و الترديد بين الخمس عشرة أو الأربع عشرة منزل على مراتب البلوغ لحصول الاحتلام غالباً لمن دخل في الأربع عشرة و قلته قبلها فالخمس عشرة لمن لم يحتلم و الأربع عشرة لمن احتلم، و احتمال أن الترديد من الراوي بعيد كل البعد و ورد في بعض الأخبار و فيها الصحيح و الموثق و غيرهما أن الغلام إذا بلغ ثلاث عشرة سنة و دخل في الأربع عشرة وجب عليه ما يجب على المحتلمين احتلم أو لم يحتلم و أنه إذا بلغ ثلاث عشرة سنة كتب له الحسنة و كتب عليه السيئة و أنه يجري الأحكام على الصبيان في ثلاث عشرة و أربع عشرة سنة و إن لم يحتلم و ذهب بعض أصحابنا إلى القول بمضمونها فمنهم من جعل البلوغ يتحقق بالثلاثة عشر و منهم من جعله يتحقق بالأربع عشرة و لكنها لضعفها و لموافقتها لفتوى العلامة و لقلة العامل بها و لمخالفتها الأصول و القواعد و المشهور بين الأصحاب وجب حملها على شدة الندب لحمل من بلغ ذلك الحد على التكليفات الواجبة و نهيه عن ارتكاب المحرمات لقربه من سن البلوغ فيخشى من جذب العادة له على ما اعتاد و لحسن الاحتياط في حقه لغلبه البلوغ لمن تم له ثلاث عشرة سنة أو أربع عشرة و إن لم يتفطن له بل كثير منهم يحتلمون و لا يدركون لجهلهم بالاحتلام و كثير منهم يدركون و يخفون استحياء من ذلك فشدد الشارع الأمر عليهم احتياطاً لذلك و خروجاً عن شبهة ما هنالك و يكون المراد بكتابه

45

السيئة مجاز المشارفة أو كتابتها عليه في الدنيا بمعنى أنه يعزر على فعلها كما أن المراد بعقوبته عقوبته في الدنيا و أما من جمع بين الأخبار بحمل ما جاء في الخمس عشرة على الحدود و المعاملات و ما جاء في الأنقص منها على العبادات أو حمل اختلاف الأخبار على اختلاف مراتب البلوغ بالنسبة للذكاء و الفطانة و قوة البدن و ضعفه أو على اختلاف البلوغ في المقامات المختلفة فمنها ما يكون بالثلاث عشرة، و منها ما يكون بالأربع عشرة، و منها ما يكون بالخمس عشرة إلى غير العتق و الوصية و شبهها فهو بعيد جداً عن مذاق الأصحاب بل عن إنفاقهم أن البلوغ أمرٌ واحدٌ لا يختلف بحسب المتعلق و مع ذلك فالأحوط إجراء أحكام البالغين على من تم له ثلاث عشرة و دخل في الأربع عشرة و شيد الاحتياط على من تم الأربع عشرة و دخل في الخمس عشرة إلى أن يتمها.

الثامنة: لا يصح الصوم المنهي عنه لتقية أو خوف على نفس أو عرض أو مال

و لا الصوم المؤدي إلى ضرر بدني من مرض ابتدائي أو زيادة مرض بعد حصوله أو من استدامته بعد وقوعه أو من تشويه خلق أو من تغيير خلق بحيث يخرج عن حد العقلاء أو من مشقة لا تتحمل لعطش أو ضعف فالمرجع في معرفة ذلك إلى أهل المعرفة من علماء أو مجربين اتحدوا أو تعددوا عدولًا كانوا و فسقه لكن بحيث يحصل الخوف من بقولهم لإفادة قولهم ظناً أولًا فأدته شكاً فإن الشاك فيما يخاف منه و يرجع إلى نفسه إذا كان مميزاً للضار و النافع فإن حصل له الخوف حرم عليه الصوم و إلا فلا و للإنسان على نفسه بصيرة و يدل على جملة هذه الأحكام قوله تعالى: [فَمَنْ كٰانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً] ... الخ سورة البقرة آية (84) و للصحيح الصائم إذا خاف على عينه من الرمد أفطر و كلما أضر به الصوم فالإفطار له واجب و هو شامل للمريض إذا تضرر و الصحيح إذا خاف المرض و الضرر تدل عليها أيضاً عمومات نفي الحرج و العسر و إرادة اليسر و الموثق الوارد في حد المرض فإن وجد ضعفاً فليفطر و إن وجد قوة فليصم كان المرض ما كان و الآخر في حد المرض قال: (بَلِ الْإِنْسٰانُ عَلىٰ نَفْسِهِ

46

بَصِيرَةٌ هو أعلم بما يطيقه)، و لو ارتفع ضرر الصوم قبل الزوال نوى الصوم و صح صومه وفاقاً لفتوى المشهور و الإجماع المنقول و لإشعار ما جاءت في جواز تحديد الصوم للمسافر إذا دخل أهله قبل الزوال بذلك و حدوث المرض و لو يجز من النهار مفسد للصوم و شديد الخوف كضعيفه يرجع إلى معتدل المزاج و مستوى القوى الباطنية.

التاسعة: لا يصح الصوم من المسافر ما لم يقم عشراً

و يتردد ثلاثين أو يكون السفر عمله أو يسافر في معصية أو غير ذلك من أسباب التمام و لا يتفاوت الحال بين الصوم الواجب أصالة و الواجب عارضاً منذور و شبهة و لا بين المنذور و غيره و لا بين ما نذر صومه مطلقاً أو نذر صومه سفراً و حضراً أو نذر صومه سفراً فقط للأخبار المستفيضة المشتملة على الصحيح و غيره الناهية عن الصوم في السفر ففي الصحيح ليس من البر الصيام في السفر فالصحيح الآخر المتضمن أن من سافر قصر، و في آخر (خيار أمتي إذا سافروا قصروا و أفطروا)، و في الموثق أن ظاهر و هو مسافر أفطر حتى يقدم و الصحيح فيمن نذرت صوم يوم فخرجت إلى مكة أ تصوم أو تفطر قال: (لا تصوم وضع الله عز و جل عنها حقه و تصوم هي ما جعلت على نفسها)، و الظاهر إرادة الإنكار لا إرادة بيان جواز صوم الندب كما فهمه بعضهم و في الموثق فيمن جعل على نفسه أن يصوم حتى يقوم القائم (عليه السلام) قال: لا تصم في السفر)، و في الموثق الآخر فيمن نذر أن يصوم شهراً أو أقل أو أكثر أ يصوم و هو مسافر قال: (إذا سافر فليفطر لأنه لا يحل له الصوم في السفر فريضة كان أو غيره)، و في أخرى: (لا صيام في السفر)، و قد صام أناس على عهد رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) فسماهم العصاة، و في أخرى لا صيام في سفر لو أن صائماً مات في السفر لما صليت عليه، و في الصحيح لم يكن رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) يصوم في السفر لا في شهر رمضان و لا غيره و في الصحيح عن الصيام بمكة و المدينة و نحن سفر قال: (فريضة)، قلت: (لا، و لكنه تطوع)، فقال: (لا تصم)، و في الصحيح فيمن نذر أن يصوم كل سبت فكتب إليه و ليس عليك صومه في سفر و لا مرض إلا أن يكون توقيت ذلك و في الصحيح فيمن عليه قضاء شهر

47

رمضان و هو مسافر أ يقضيها، قال: (لا حتى يجمع على مقام عشرة أيام)، و في آخر فيمن نذر صوم شهر بالكوفة و شهر بالمدينة و شهر بمكة فصام شهراً بالكوفة و ثمانية عشر بالمدينة و لم يقم عليه الجمال، قال: (يصوم ما بقي عليه إذا انتهى إلى بلده)، إلى غير ذلك من الأخبار الواضحة المنار المخالفة لشعار العامة الموافقة لشعار الشيعة الموافقة للاحتياط المناسبة لمشروعية التخفيف و سهولة الشريعة و نقصان الركعتين و إسقاط الرواتب عن المسافرين و الإجماع محصلًا و منقولًا على المنع في جملة من أفراد الصوم و كذا شهره محصلة و منقولة فالأصل حينئذٍ تحريم الصوم على المسافر إلا ما يخرجه الدليل و قد ورد أن الدليل بوجوب الصوم ثلاثة أيام بدل الهدي للصحيح و غيره المنجبر بفتوى الأصحاب و بوجوب صوم ثمانية عشر يوماً لمن أفاض من عرفات قبل الغروب للصحيح و لفتوى الأصحاب بوجوب صوم يوم المنذور سفراً أو حضراً أو سفر فقط لفتوى المشهور و الإجماع المنقول و إطلاق رواية إبراهيم بن عبد الحميد قال سألته عن الرجل يجعل لله عليه صوم يوم مسمى، قال: (يصومه أبداً في السفر و الحضر)، و صحيحة بن مهزيار فيمن نذر صوم يوم قال و ليس عليه صومه في سفر و مرض إلا أن يكون نويت ذلك و قد يناقش في جميع ما ذكرناه بعدم صلاحية الشهر لتقيد الأخبار المتكثرة المانعة عن الصوم في السفر و ضعف الإجماع المنقول بمخالفة

جمع من الفحول و ضعف رواية ابن عبد الحميد سنداً و دلالة لخلوها عن التفصيل المشهور و لذلك ضعف الحكم بانجبارها بفتوى المشهور و ضعف المكاتبة دلالة لاشتمالها على جواز الصوم في المرض إذا نذر الصوم فيه و لا قائل به بل و سند الجهالة المكتوب إليه فيشكل الحكم بذلك إلا أن العمل على فتوى المشهور أولى و الأحوط تجنب مثل هذا النذر و يجوز صوم ثلاثة أيام للحاجة عن النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) للصحيح و فتوى جملة من الأصحاب و لا يخلو الحكم بذلك عن مناقشة أيضاً إلا أن ينعقد إجماع أو شهرة محصلة على جوازه بحيث يخصص تلك العمومات القوية و لم يثبتا معاً و على كل حال فلا يلحق بهما صوم ثلاثة أيام للاعتكاف و لا ثلاثة أيام للحاجة في المشاهد المشرفة و الأماكن المعظمة لعدم الدليل على ذلك، نعم لو قلنا بجواز صوم

48

المندوب في السفر كما أفتى به جمع من الأصحاب و وردت به بعض الأخبار لكان القول بذلك متوجهاً و لكنها ضعيفة السند و لا جابر لها من شهره أو غيرها بل ربما يدعى شهرة القدماء على خلافها و مع ذلك موافقة لفتوى العامة فالركون إليها و تخصيص تلك العمومات بها بعيد كل البعد و ما ورد في الصحيح عن أبي الحسن (عليه السلام): (كان أبي يصوم في عرفة في اليوم الحار)، في الموقف لا دليل فيه على أنه صام و هو مسافر سفراً يوجب التقيد بوجه من الوجوه فلعلة كان يتم الحصول ما يوجب الإتمام فظهر مما ذكرنا ضعف ما ذهب إليه المرتضى من جواز الصوم المنذور في السفر و إن لم يقيده الناذر به و ما ذهب إليه الصدوقان من جواز صيام جزاء الصيد فيه أيضاً و ما ذهب إليه المفيد من جواز صيام الواجب عمداً شهر رمضان لعدم الدليل على ذلك كله و الإفطار إنما يسيغ للمقيم و المتوطن و الأظهر إلحاق المتردد ثلاثين يوماً بهما بعد الوصول إلى محل الترخص لتقصير الصلاة و لما في غيرها كالمتردد في أثناء المسافة ثمّ عزم على السفر و كالمفارق سفينته أو عمله أو معصية أو بيادره أو دوابه فالأظهر كفاية الضرب في الأرض و الأحوط مراعاة محل الترخص كما أن الأحوط مراعاة الصيام بعد تجاوز مقدار محل الترخص الراجع إلى أحد أسباب التمام من سفينة أو دابة و نحو ذلك وصوم الداخل إلى محل التمام قبل الزوال إذا لم يتناول شيئاً كصوم الخارج بعد الزوال صحيح جاء به الدليل حيث سوغ الشارع ذلك و بنية تقارن الدخول في البلد و لا تجزي النية الحاصلة منه في السفر على الأظهر.

بحث: الصوم الواجب أقسام:

أحدها: صوم شهر رمضان:

و فيه مسائل:

الأولى: يجب الصوم على من رأى الهلال قطعاً

انفرد برؤيته أم لا كان حاد النظر أم لا قبله الحاكم شاهداً أم لا للأخبار و الإجماع محصلًا و منقولًا و رؤيته نهاراً قبل الزوال أو بعده دليل على أن الليلة المستقبلة من شهر رمضان لا الماضية و لا فرق بين من رآه نهاراً أو بين من رآه ليلًا عند الغروب و يجب الصوم على من عد شعبان

49

ثلاثين يوماً إجماعاً أيضاً سواء ثبت هلال شعبان برؤيته أو بينته أو بغيرها مما ثبت الهلال به و النصوص بالعدو بالرؤية مستفيضة جداً و لو غمت المشهور كلها أو أكثرها قيل بأنه بعد كل شهرين ثلاثين لأنه المتيقن و المتفق عليه، قال: (تنقص منها و لكن لم يبين قدر النقص و قيل بالعمل على عد الخمسة من هلال الشهر في العام الماضي كما سيجيء إن شاء الله تعالى لاعتياد النقص على ذلك الوجه و هو قريب و لو غم شهران أو ثلاثة فالأظهر عدها ثلاثين و يجب على من بلغه الهلال تواتر بخبر جمع يستحيل عادة تواطئهم على الكذب و أحاد محفوفة بالقرائن القطعية أو شياعاً قولياً متواتر على الألسنة أو شياعاً عملياً كصوم أو إفطار و شبههما مفيدين للعلم بالهلال و يثبت بغير ذلك مما شأنه إفادة الظن أو لا يثبت مطلقاً أو ثبت في ظنون مخصوصة دون غيرها أقوال

و تحقيقها يتوقف على رسم أمور:

الأول: هل يثبت الهلال بالشياع المقيد للظن من قول أو عمل أو لا يثبت

قولان أحدهما الثبوت لإطلاق فتوى المشهور و لحصول الظن به زيادة على خبر العدلين أو مساوياً لهما فيجب الأخذ به من باب الأولى أو من تنقيح المناط هذا إن قلنا إن شهادة العدلين حجة لإفادتها الظن للتعبد الصرف و لا الظن الحاصل منهما تعبداً به و إن قلنا أن حجيتهما لأحد الآمرين الأخيرين لعدم دليل على كون حجيتهما معللة بالظن انتفت الأولوية و بتنقيح المناط معاً لكون العلة مستنبطة في الأصل فلا تثبت حكماً في الفرع و هذا أقرب لأنه يلزم على الأول قبول الشياع في كلما تقبل فيه شهادة الشاهدين و قبول كلما أفاد الظن من غير الشياع مساوياً لشهادة الشاهدين أو أقوى و لا قائل لكل الأمرين فلا بد حينئذٍ من الاستدلال عليه بوجه آخر و الظاهر دلالة الأخبار عليه ففي رواية سماعة إذا اجتمع أهل المصر على صيامه للرؤية فاقضه إذا كان أهل المصر خمسمائة و في آخر أكون في الجبل في القرية فيها خمسمائة من الناس فقال: (إذا كان كذلك فصم بصيامهم و أفطر بفطرهم) و في آخر: (صم حين يصوم الناس و أفطر حين يفطر الناس)، و في آخر (الفطر يوم يفطر الناس و الأضحى يوم يضحي الناس و الصوم يوم يصوم الناس).

50

و الثاني: العدم

لعدم دليل صالح على حجيته و للنهي عن الأخذ بالظن في رؤية الهلال كما في الصحيح إذا رأيتم الهلال فصوموا و إذا رأيتموه فأفطروا و ليس بالرأي و التظني و لكن بالرؤية و في الصحيح الآخر أن شهر رمضان فريضة من فرائض الله تعالى فلا ترده بالتظني و في آخر: (الصوم للرؤية و الفطر للرؤية و ليس الرؤية أن يراه واحد و لا اثنان و لا خمسون إلى غير ذلك و لو كانت الروايات الأولية صحيحة لأمكن تخصيص هذه الروايات بها أو حمل هذه على الحدس بالرؤية و شبهه دون ما يكون بالشياع و لكنها ضعيفة فالقول الأخير أقرب أخذ بصحاح الأخبار و بالأصول و القواعد.

الثالث: هل ثبت الهلال بشهادة العدل الواحد أم لا،

قيل بالأول لعموم أدلة حجية الخبر العدل و لإجراء الشارع له مجرى العلم لما ورد أن الوكيل ينعزل بخبره بالعزل و الوكيل لا ينعزل إلا مع العلم بالعزل و لما ورد أن الرجل لو تزوج امرأة فأخبره ثقة أن هذه امرأتي وجب عليه اعتزالها و لما ورد من جواز وطء الأمة من دون استبراء إذا أخبره الثقة باستبرائها و لما ورد من جواز الاعتماد المؤذنين في معرفة الأوقات و لما ورد من قبول الوصية بقول الثقة كما دلت على ذلك رواية عمار الواردة في الدنانير حتى أن بعض الأصحاب جعله مفيداً للعلم و استناداً للاحتياط أيضاً و للصحيح إذا رأيتم الهلال فأفطروا أو شهد عدل من المسلمين و قيل بالثاني و هو الأقرب لمنع عموم حجية خبر العدل أو تسليمها و لكنها مخصوصة في غير الهلال للأخبار الناهية عن الأخذ بقول الواحد فيه كما سيأتي إن شاء الله تعالى و منع إجراء الشارع له مجرى العلم و ما ورد في مقامات مخصوصة يقتصر عليها و الاستقراء هاهنا ليس بحجة و دعوى إفادته العلم مكابرة على البديهية و الوجدان و منع الاحتياط لانقلاب الاحتياط بعد النهي عن الأخذ بقوله و لعدم النهي عن صوم يوم الشك من شهر رمضان و الأمر بصومه من شعبان و منع دلالة صحيحة لاختصاصه بشوال و دعوى الإجماع على القول بعدم الفصل ممنوعة سلمنا دلالته و لكن يراد بالعدل الجنس لا الفرد و هو يوصف به الواحد و الأكثر سلمنا اختصاصه بالواحد لكنه لا يعارض ما قدمنا سلمنا