أنوار الفقاهة (كتاب الطهارة)

- الشيخ حسن كاشف الغطاء المزيد...
431 /
1

[في معنى الطهارة لغة و اصطلاحا]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ و به نستعين

كتاب الطهارة

الطهارة و هي (لغة) النزاهة و النظافة من القذرات الحسية و النجاسات الظاهرية و تستعمل كثيرا في الكتاب و السّنة. في النزاهة من الأدناس المعنوية و الأرجاس الباطنية على وجه الاشتراك المعنوي و اللفظي لغة أو المجاز المشهور و (شرعاً) على وجه الحقيقة الشرعية بناءً على ثبوتها فيما استعمله الشارع في المعاني الجديدة كثيرا حتى شاع في زمانه اسم الاستعمال، طهور مشروط بالنية له تأثير في استباحة العبادة المترتبة عليه على وجه الاشتراك المعنوي بين الوضوء و الغسل و التيمم لا الاشتراك اللفظي لأنه خلاف الأصل، و الاستعمال طهور رافع للخبث الشرعي على وجه الاشتراك بينهما شرعاً، لفظاً لا معنى؛ لما في الاشتراك المعنوي في تكلف قدر مشترك بينهما غير متبادر منها عرفا عند المتشرعة و غير ظاهر في كلام الشارع على أن التردد في الفهم و الإجمال دليل الاشتراك اللفظي و دعوى الفرق بين لفظ الطهارة فيختص لفظها بالأول على وجه الحقيقة و بين مشتقاتها فتعِمُ الأمرين على وجه الاشتراك اللفظي أو المعنوي لاستعمالها في الثاني كثيراً بعيد كل البعد و على ما ذكرناه فالطهارة شاملة للرافع للحدث و الخبث و للمبيح و موضوعة لنفس استعمال الطهور لا لأثره المترتب عليه و لا للحالة الحاصلة بعده من الابتهاج النفساني و القرب الروحاني كما يدعيه بعض الأولياء و مختصة بها فلا تصدق على وجه الحقيقة على غير المبيح سواء كان مكملًا للعبادة المترتبة عليه كالوضوء التجديدي و الوضوء لغُسل الجنابة، و غسل الزيارة، و غسل الإحرام، و نحوها أو مزيدا في ثوابها كغُسل التوبة، أو رافعاً لشبهة نقصانها

2

كالوضوء للرعاف، و مس باطن الفرج، و الدبر، و التقبيل، و الكذب، و الظلم، و إنشاد الشعر، و نحوها إذا سبقته طهارة محققة أو كان مؤثراً في غير العبادة حسناً أو دفع قبيح متوهم كالوضوء للنوم أو للجماع أو للأكل أو للشرب للمجنب أو لم يكن كذلك كوضوء الحائض و شبهه مع احتمال أنه مكمّل لذكر الله تعالى في جلوسها و غسل الجمعة و العيدين و جميع الأوقات المندوب لها الغسل و احتمال تكميلها بعيد و الدليل على ذلك كله شيوع استعمال الشارع لها في ذلك دون غيره و ما ورد من نفي الطهر عن الحائض و ثبوت الوضوء لها و الاقتصار على مورد اليقين في الوضع يقضي به و أما التقسيم إلى المبيح و غيره فلا يقضي بالتعميم و لا تصدق على كل طهارة قد اختل بعض شروطها أو نقصت بعض أجزائها ففسدت لظهور كون اسمها موضوعاً للصحيح دون الأعم و تصدق على ما كان مكملًا لغايته كالوضوء لقراءة القرآن، و المس، و الطواف المندوب، و صلاة الجنازة، لأنه في جميع ذلك دافع و مبيح على الأقوى و إن كان شرع للتكميل و اختلاف حدودهم في المقام فالشيء عن اختلافهم في المعنى الشرعي الموضوع له اللفظ شرعا لا فالشيء عن تباين اصطلاحاتهم في المنقول إليه و لا عن تسامحهم في الحدود لعدم ثبوت اصطلاح جديد لهم و لتدقيقهم في الإخراج و الإدخال مع احتمال ذلك و انهم يريدون تميز الأسماء في الجملة بأي طريق كان و على كل حال فلا حاجة إلى تطويل الكلام بذكرها و نقضها طرداً و عكساً.

[البحث في الوضوء]

بحث الوضوء الواجب

يجب الوضوء للصلاة الواجبة وجوبا غيرياً قضى به الخطاب التبعي للصلاة لمكان الشرطية و الخطاب الأصلي الغيري و ذلك بالإجماع، و الكتاب، و السنة، و كذا لأجزائها المنسية و ركعاتها الاحتياطية و الأحوط إلحاق سجود السهو بهما و كذا يجب للطواف الواجب لأنه صلاة الظاهر في الاستناد إلى الخبر الطواف بالبيت صلاة و فيه أن هذا الخبر قاصر السّند يحمل الدلالة بل لم يرد مسندا في طرقنا كما صرح به الفاضل في مسألة شرائط ستر العورة فالأولى الاستناد إلى الإجماع المنقول مستفيضاً و النصوص المستفيضة ألغي منها الصحيح و غيره و لعله ترك ذلك اعتماداً على الظهور

3

فتم إلى هنا و يدخل في الصلاة الواجبة المنذورة و المستأجر عليها و في الطواف الواجب و المنذور و المستأجر عليه أن قلنا بشرطية الوضوء للطواف المندوب و كذا يجب لمس المصحف و للفظ الجلالة الواجبين بنذر أو شبهه أو لعروض ما يوجب تعظيمها كرفعهما من القذارات و شبهها و هو مبني على تحريم (مس المحدث) لهما كما يستفاد من الرواية المعتضدة بالأخبار و كلام الأخبار و كذا يجب بالنذر له و للطهارة الداخل فيها أو بالاستئجار عليه لميت أو لحي و لا يجب لنفسه للأصل و الإجماعات المنقولة و الشهرة المحصلة و السيرة القاطعة و خلو الأخبار و المواعظ و الوصايا و النصائح و كلام المتقدمين عنه و ما جاء من الأخبار من الأمر به محمول على بيان الشرطية كما ورد في غسل الأخبار أو على الاستحباب و عدم فهم الأصحاب منها الوجوب النفسي و إعراضهم عنه يورث الظن الواجب الأتباع في ظواهر الخطاب بعدم إرادته و يدل على عدمهِ أيضاً قوله (عليه السلام) إذا دخل الوقت وجوب الطهور و الصلاة لظهور عدمها عند عدم دخوله و احتمال تسلط الحكم على المجموع فينتفي المجموع بعدم دخوله و يكفي في انتفائه وجوب الصلاة فقط كاحتمال تسلط النفي في المفهوم على الكلية و يكفي في نفسها السلب الجزئي بعيدان كان احتمال تقيد المنطوق بوجوب الطهور لها فينتفي في المفهوم ذلك فلا يفيد نفي النفس للزوم الاعتماد عليه سد باب المفهوم رأسا واصلا و لا يساعده عرف و لا لغة و قوله تعالى" إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ" إلى آخر الآية فإنها تدل عرفا على الوجوب الغيري (كخذ سلاحك إذا لقيت الأسد) و تدل بالمفهوم على ذلك أيضاً لانتفاء الجزاء عند انتفاء الشرط مطلقاً و الطعن في الاستدلال بها من جهة عدم عموم المنطوق أو من جهة عدم عموم المفهوم أو من جهة عدم ظهور المفهوم لظهور فائدة أخرى غيره و هي بيان وجوبه الغيري أو الشرطي للصلاة أو من جهة احتمال تقيد المنطوق بكونه للصلاة فينتفي كونه لها بالمفهوم لا مطلقا فلا يدل على نفي الوجوب النفسي كله ضعيف لا يركن إليه كما لا يركن لمن ضعف المفهوم بأن القول به مخالف للإجماع للزوم عدم الوجوب عند عدم القيام المتجوز به عن التهيؤ أو المحذوف منه الإرادة عند دخول الوقت و لا قائل به و ذلك لأن خروج بعض المفهوم

4

بالإجماع لا يسقطه عن الحجية كما أن المنطوق لا يستدل به على الوجوب النفسي من جهة شموله للوقت و ما قبله و لا يكون وجوبه قبله إلا نفسيا لأن ظهور الإرادة و التهيؤ في المتصلتين الحاصلتين في الوقت دون المنفصلتين و تعليق الوجوب بالقيام المؤول بهما مما يبعد ذلك كل البعد على أنه يلزم على القول بالوجوب النفسي إيجاد واجبات متعددة لا يتصف تاركها بالذم و العقاب كمن توضأ وضوءات متعددة بعد أحداث متعددة كل وضوءين حدثين لم يتفق واحد منهما بظن الفوات و لا يضيق مشروط به و هو بعيد و النقض بلزوم مثل ذلك على القول بالوجوب الغيري مردود بأن الوضوء الغيري ما لم يترتب عليه المشروط به كأن وقع الحدث قبل فعل المشروط به لا يكون واجبا و إن تخيل وجوبه ابتداء لانكشاف عدم وجوبه بعد ذلك.

بحث الوضوء المندوب

يندب الوضوء لغايات كثيرة منها ما يكون شرطا في صحتها كصلاة النافلة و الطواف المندوب و أن قلنا بشرطيته له و أن قلنا انه مكمل له كما هو الأظهر فليس من هذا القسم و منها ما يحرم فعلها بدونه كالمس المندوب لتبرك أو تعظيم أو شبههما و منها ما يكون مؤثرا فيها كمالًا كطلب الحاجة و حمل المصحف و أفعال الحج عدا الطواف و الصلاة و صلاة الجنازة و زيارة قبور المؤمنين و تلاوة القرآن و نوم الجنب و جماع المحتلم و جماع غاسل الميت و لما يغتسل و مريد غسل الميت و هو مجنب و ذكر الحائض و التأهب للفرض قبل وقته و التجديد و الكون على الطهارة و جماع الحامل و اكل الجنب و دخول المساجد و النوم و المجامع إذا أراد الجماع مرة أخرى و كتابة القرآن و القدوم من السفر لأهله و للزوجين ليلة الزفاف و جلوس القاضي مجلس القضاء و إدخال الميت القبر و تكفينه إذا أراد تكفينه و غسل الجنابة و جميع الأغسال المسنونة و قد يندب لأمور كثيرة لشبهها بالنواقض كالضحك في الصلاة منها القهقهة و الكذب و الظلم و الإكثار من إنشاد الشعر الباطل و إنشائه مطلقاً أو ما يزيد على أربعة أبيات و الودي (بالدال المهملة) بعد البول و الاستبراء منه و المذي و الرعاف و القيء و التحليل بما يسيل الدم و مس باطن الدبر و باطن الإحليل و نسيان الاستنجاء قبل الوضوء و التقبيل بشهوة و مس باطن الفرج و الغضب و بعد الأكل و لمن لم يستنجي بالماء حتى توضّأ و إن كان استجمر.

5

و هنا فوائد

أحدها: أكثر ما قدمناه قد ورد فيه روايات خاصة

و حكم به مشهور الأصحاب و منه ما لم نعثر به على رواية خاصة لكنه قد قضت به العمومات كالوضوء قبل الاغسال المسنونة و منه ما لم نعثر به على دليل مطلقا سوى فتوى الفقهاء و بعض الاستحسانات العقلية كجلوس القاضي مجلس القضاء و الأظهر جواز الأخذ بالكل لما تقرر من جواز التسامح بأدلة السنن و جواز الاستناد بها إلى الخبر الضعيف و فتوى الفقيه الواحد بل و إلى الاستحسان العقلي و ذلك لأن ما شرع أصله من صلاة أو دعاء أو زيارة أو ذكر أو وضوء و شك في خصوصياته من زمان و مكان و حال و لم يكن هناك معارض لمشروعية تلك الخصوصية سوى التشريع قطع العقل بحسن فعله لتلك الخصوصية لاحتمال تحصيل ما يترتب عليها من الثواب و شمله دليل الاحتياط و كان منفعة خالٍ عن أمارة المفسدة و احتمال المفسدة من جهة التشريع يرفعها الحسن العقلي و الاحتياط الشرعي فيكون فعله راجحا.

ثانيها: كثير مما جاءت به الروايات موافق لفتوى العامة

فحمله على الندب دون طرحه و حمله على التقية محتاج إلى الترجيح و الظاهر أن الراجح ذلك لأولوية تقدم الحمل على الندب لشيوع الندب و أكثريته من الورود مورد التقية و لكونه عملا بالدليل في الجمل و التقية تقضي بطرحه بالكلية و لأن المتيقّن من الحمل على التقية و وجوب الأخذ بخلافهم إنما في هو في مقام التعارض دون الأحكام السالمة عن المعارضات و قد يتخيل في جملة من الأخبار إنها خارجة مخرج التقية بظاهرها الدال على الوجوب و مراد بها مع ذلك الحكم الندبي فتفيد الندب إرادة و تنزل على التقية ظاهراً و هو مشكل جدا لا يساعده عرف و لا استعمال و لا يجوز أن يقال أن حمل الوجوب على التقية لا ينافي بقاء الرجحان الضمني استصحابا فيثبت الاستحباب لعدم معقولية ذلك من ظاهر الخطاب إلا بالقرينة المباينة و ليس فليس.

ثالثها: لا فرق في إثبات الندب من الأخبار بين ما ورد الخطاب به صريحا لغيره و بين ما ورد الخطاب بغيره متصفا به

فيفهم منه أن الشارع قد رتب الثواب على ذلك الغير لاتصافه به فيفهم إرادته و ترتيب الثواب عليه لذلك الغير من باب مفهوم الاقتضاء أو الإشارة و هو كثير في أخبارنا كمن دخل المسجد متطهر أو نام كذلك أو فعل كذلك كان له كذلك و يؤيده أيضا فهم الفقهاء و طريقتهم.

6

رابعها: الأقوى و الأظهر أن الوضوء لو صادف الحدث الأصغر منويا به التقرب رفعه

لأنه من الأسباب المقتضية لذلك و رفع الحدث من الآثار المترتبة عليه اللازمة له فيقع قهرا و لا يحتاج بعد نية القربة إلى نية الاستباحة أو رفع الحدث فلو لم ينوهما عمدا أو سهوا مع اعتقاد قابلية المحل لنيتهما أو مع اعتقاد عدمه لزعم أنه مجنب أو أنها حائض أو أنه متوضئ قبل ذلك أو مغتسل للجنابة كذلك صح الوضوء في جميع ذلك و ارتفع الحدث قهرا إذا صادف إمكان ارتفاعه كما إذا تبين عدم كونه جنبا و عدم كونها حائضاً و عدم كونه متطهرا بالطهارة الأولى لخلل فيها أو لعدم فعلها بل لو نوي عدم رفع الحدث أو عدم الاستباحة أو عدمهما صح الوضوء و وقعت النية لغوا قهرا و كذا لا يحتاج في الوضوء إلى نية سبب خاص من أسبابه و لا غاية معينة من غاياته بل لو نوي وضوء مطلقا أو وضوء للكون على الطهارة أجزأه عن كل غاية و كذا لو نوى غاية خاصة فإنها تجري عن جميع الغايات و ذلك لأن الأسباب و الغايات غير منوعة للوضوء كغايات الغسل و أسبابه حتى يجب تعين السبب و الغاية لتعين النوع منه و مما يدل أيضا على أن كل وضوء رافع للحدث الأخبار الدالة على أن الوضوء لا ينقضه إلا حدث أو إلا ما يخرج من الطرفين لأنه لو لم يرفع الحدث بمجرد حصوله لما نقضه الحدث و كذا ما دل على المنع من الوضوء بعد الوضوء لكن دون يقين الحدث و ظاهر أن الوضوء لا يراد به معيناً لعدم المعهودية و لا واحد إلّا بعينهِ لعدم الفائدة فلا بد من إرادة المعنى العام الشامل للكلّ و احتمال أن الوضوء رافع للحدث بالنسبة إلى غاية معينة دون غيرها كاحتمال أنه مع رفعه للحدث تجب إعادته للصلاة الأمر به لها بعيدان جدا بل لا يقولهما أحد و مع ذلك فالاحوط أن لا يصلي إلّا في وضوء غاية مشروطة صحتها برفع الحدث و أدنى من ذلك في الاحتياط أنه لا يصلي في الوضوء المصادف لاعتقاد ارتفاع الحدث قبله كالتجديدي و سائر النواقض المندوب لها الوضوء و المصادف لاعتقاد وجود الحدث الأكبر كوضوء الجنب و الحائض و إعادته بعد ذلك و عدم الاجتزاء به و يشتد الاحتياط فيما إذا صادف اعتقاد الاتصاف لبقاء الحدث الأكبر لأنه يئول إلى نية عدم الرفع و يضعف الاحتياط في التجديدي لأن الظّاهر أنَّ

7

مشروعيته لرفع الحدث المتوهم أو المحتمل و للأصحاب هنا أقوال و كلمات لا حاجة للتعرض لها.

خامسها: إنما يشرع الوضوء عند دخول الوقت المشروط به إن كان له وقت

أو عند إرادة فعله إن لم يكن كذلك و لا يجوز تقديمه على الوقت بنيّة الوجوب في الواجب الموسّع لتبعية وجوبه لوجوب مشروطه و ليس فليس، نعم في الواجب المضيق كلام سيأتي إن شاء الله تعالى، و يحتمل القول بجواز تقديمه بنية الوجوب في الموسع استنادا إلى إطلاق أوامر بالوضوء للصلاة و إن كانت غيرته فإذا أعلم المكلف بقاءه إلى دخول الوقت أو ظن بالاستصحاب جاز له نيّة الوجوب و إلى أن الواجب الموسّع يجوز فعله في أول الوقت و هو موقوف على فعل الشرط قبله فيجب فعله موسعا لمشروطه لكن هذا الاحتمال ضعيف و الاحتياط يقضي بتركه و لو قلنا به فلا بد أن تقتصر على جواره قبل الوقت في الجملة بزمان قليل لأنه هو المتيقن كما أن الوضوء لأحد الغايات لا بد من سبقه عليها بزمان يحكم أهل العرف أنه لها فلو قدمه قبلها شهرا أو أكثر لم يترتب عليه ثوابها، نعم لو فعله للغاية و لم يتفق وقوعها بعده صَحّ الوضوء و انكشف فساد نيته الخاصة و هل يثاب ثواب الفاعل للغاية أم لا؟ وجهان أقربهما الأخير و يتفرع على الوجوب الغيري قبل الوقت عدم جواز إهراق الماء قبل دخول الوقت لمن علم عدم تمكنه في الماء بعد دخول الوقت و وجوب الوضوء على من علم بعدم التمكن بعد الوقت قبله.

سادسها: الوضوء التجديدي بعد ثبوته

كما دلت عليه الأخبار و كلام الأصحاب يتحقق بتجدد كل صلاة نافلة أو فريضة كما يُفهم من الأخبار سيّمَا المغرب و العشاء و الصبح و الأقوى جواز التجديد و إن لم يتجدّد للمتوضئ صلاة مطلقاً لإطلاق الأخبار و لا فرق بين حصول الفاصل الطويل و عدمه و بين احتمال النقض و عدمه و بين زيادته على الثلاثة و عدمها و النهي عن إحداث وضوء آخر عند اليقين بالوضوء و الأول مخصوص لغير التجديدي و بغير ما نَصّ عليه في الروايات، و كلمات الأصحاب فما كان شبه لناقض كما تقدم أو مخصوص بما أعتقد عند فعله بطلان الأول

8

ففعل ابتداء و الاحوط الاقتصار في التجديدي على المرتين إذا لم تتجدد لصلاة تفصّياً من شبهه من قصره على المرتين حملا لما ورد من أن الوضوء مثنى مثنى و الثالثة لا يؤجر عليها على التجديدي كما أن الأحوط عدم التجديد للغايات الأخر غير الصلاة من غير فرق بين ما أثرت به فيه كمالا أو أثرت صحة كالطواف الواجب سواء اختلفت و تعددت لاختلافها أو اتحدت و تكررت و هل يندب التجديدي بعد غسل الجنابة و غيره من الاغسال الرافعة أم لا؟ وجهان و الأقوى ندبه بعدها و الأحوط الترك كما أن الأحوط عدم جواز تجديد الوضوء المجامع للحدث الأكبر لعدم كون الأول طهارة.

بحث الأظهر وفاقا للأشهر عدم جواز مس القرآن محدثا بالأصغر و الأكبر

للأخبار المعتبرة المنجبرة بفتوى المشهور و عملهم و المناسبة لأدلة التعظيم و الاحترام و الموافقة لقوله تعالى:" لٰا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ" لظهور لفظ المسيس في الحس و الطهارة في المعنى الشرعي و لظهور كون الجملة من صفات القرآن دون كتاب مكنون و ان قرب لسياق الكلام و لظهورها في إرادة النهي و إلّا لزم الكذب و لظهور عموم الطّهارة الكبرى و الصغرى و إلّا لزم التخصيص من غير دليل بل و للخبث إذا مس بما خبث من الجسم و كذا الأظهر تحريم مس لفظ الجلالة نفسه للأولوية في التعظيم و الأحوط إلحاق الأسماء المختصة به بل و جميع الأسماء الحسنى له عز و جل بلفظ الجلالة و أما اسم النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) و الأئمة (عليهم السلام) و الزهراء (عليها السلام) و باقي الأنبياء و الملائكة (عليهم السلام) و غير القرآن من الصحف و الأحاديث القدسية و الروايات الإمامية المنقولة باللفظ فلا يبعد كراهة مسها محدثا فيندب لها الوضوء و كذا نفس بدن النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) أو الإمام أو الملائكة المشرفة كنفس الكعبة و نفس الضريح فإنه لا يبعد كراهة مسها محدثا و لا فرق في القرآن بين منسوخ الحكم و عدمه و بين كتابته بالعربي و غيره ما لم تكن نفس ألفاظه مغيرة كما إذا ترجم بلسان أخر و بين كون الآية في المصحف و غيره و بين المكتوب قصداً و غيره إذا كان مختصاً بالقرآنية غير مشترك بينه و بين غيره و في المشترك لا بد من قصد

9

الكاتب بأنه قُرآن و إلا جاز مسه و لو اشترك إتيان في رسم مشترك فقصد أحدهما القرآن دون الآخر غلب قصد الأول و بين المكتوب بخط و بين غيره من نقش أحجار أو تسطير بناء أو نقش في أرض أو تخطيط في قرطاس بمسمار و شبهه و في وضع خيط أو حبل على شكل آية من القرآن أو على هيئة اسم الجلالة أو قَصّ قرطاس على ذلك الشكل إشكال و الأحوط تجنّبه و لو كتبت الحروف على غير النّهج المُتعارف في الكتابة اصطلاحا برقم الهندسة أو نحوها ما لم يكن من الكتابات المتعارفة أو وضع حرف مكان حرف اصطلاحا من الكاتب فالأحوط تجنبه أيضا و لو تفطرت الأرض أو أثر الريح فيها كشكل آية فالأحوط تجنبها و لا فرق في الحروف بين المتواصلة و المقطعة على إشكال في الأخير و لا بين المقلوب و المستقيم على إشكال في الأول و لا بين المس فيما تحله الحياة و بين غيره لإطلاق الأخبار سوى الشعر فالأظهر عدم حرمة المس به لخروجه عن إطلاق لفظ البدن و المدّ و التشديد داخلان في القرآن دون الإعراب لعدم تيقّن صدق القرآن عليه و لتجريد الصحف الأول عنه و الأحوط للولي منع الصبي عن مسه محدثا للتعظيم إلا إذا كان مميزا متطهراً فإن الأقوى إن عبادته شرعية و لو كتب المحدث على بدنه قرآناً فالأحوط إزالته و لو نشر القرطاس إلى خلف فالاحوط تجنّبه.

بحث يجب الغسل بحصول أسبابه لغايات مترتبة عليه في الجملة إجماعاً و ضرورة

فيجب غسل الجنابة للصلاة الواجبة ابتداءً أو بنذر أو استئجار إجماعاً و كتاباً و سنة بأمر أصلي توصّلي و بأمر تبعي للصلاة المأمور بها و يجب للطواف الواجب الأصلي لأنه صلاة و يجب للمسّ الواجب بنذر أو استئجار و شبههما و يحب لدخول المسجدين و للمكث في المساجد الباقية إن وجبا بأحد الأسباب أو بعض العوارض و يحب لقراءة العزائم كُلًا أو بعضاً إن وجبت بأحد الأسباب الموجبة و يحب بنذر الطهارة أو بنذره خصوصا أو بالاستئجار عليه و كذا غسل الحيض يجب كذلك بالإجماع و الأخبار في الثلاثة الاول و بالإجماع المنقول و الشهرة المحصلة في الأخيرين و استصحابا لحكم المنع المحقق فيهما ما دام المحيض سائلًا و تغير الموضوع مع الانقطاع قبل الغسل لم يثبت

10

لصدق الحائض على من نقت قبل الغسل في الأخبار و كلام الأصحاب و إن قلنا أن المشتق حقيقة في المتلبس دون الماضي و لأنّ حدث الحيض أعظم من حدث الجنابة كما يفهم من الأخبار و لان ترتيب الغسل و الوضوء عليه يشعر بأكبريته و لا معنى لكونه حدث أكبر إلا ترتب أمر زائد على ما يوجبه الحدث الأصغر و غسل النفاس كغسل الحيض لأنه حيض في المعنى كما سيجيء و كذا غسل الاستحاضة فيجب في الأولين إجماعا محصلا و منقولا و للأخبار. و يجب فيما بعدهما أيضا للإجماع المنقول على مساواتها للحائض قبل الغسل و أنها بعد الغسل يكون حكمها حكم الطاهر و ذهب جمع إلى عدم وجوبه للمسّ لعدم ثبوت تحريم المسّ عليها قبل الأغسال و جمع إلى عدم تحريم المساجد عليها لعدم ثبوت ذلك قبلها و كذا قراءة العزائم أيضاً و الأظهر ما ذكرناه هو و الأحوط و يجب لمس الميت بعد برده لجميع الغايات المتقدمة على الأظهر بناء على أن المس حدث أكبر لأشعار ترتيب الغسل و الوضوء عليه و ترتبهما مُشعر بأكبرية حدثه خلافاً لمن لم يوجب بغسل فيه أصلا لأنه مخالف للأخبار و كلام الأخيار و خلافا لمن أوجبه تعبداً لأنه المخالف لما جاء في بعض الأخبار من إطلاق لفظ الطُّهر عليه و من إيجاب الوضوء الذي لا يكون إلا رافعا في غير ما قام الدليل عليه المؤيدة بفتوى مشهور الأخبار بل كاد يكون إجماعا في الفقه الرضوي ما يؤذن بذلك و السيرة دالة عليه و خلافا لمن جعل المس حدثا أصغر اقتصاراً على مورد اليقين من ناقضيته و على المتيقن من الروايات لأنه منافٍ لما تشعر به الأخبار من ترتّب الغُسل و الوضوء معا عليه و دعوى أن الوضوء رافع لحدثيته و الغسل تعبدي ليس أولى في العكس و ظاهر ترتيب الطهارة الكبرى أنه حدث أكبر يمنع غير ما يمنعه الأصغر و مع ذلك فالخروج عن الأصل مشكل بمثل ما ذكرناه و الاحتياط لا يخفى. نعم لا يجب غسل المس للصوم للأصل و ظاهر الأصحاب و السّيرة القاضية بتغسيل الأموات نهارا في أشهر الصيام و الأقوى وجوب غيره للصوم الواجب بل و المندوب و لأن الأصل الاشتراك في الحكم بين الواجب و المندوب إلا ما أخرجه الدليل و يدل على وجوب غسل الجنابة للصوم الواجب الإجماع المنقول بل المحصل و الاحتياط و السيرة القطعية

11

و أَخبار القضاء و القضاء مع الكفارة على من نام جنباً فبدون النوم يثبت البطلان بالطريق الأولى و خبر (أبي بصير) الموجب للكفارة على من أصبح جنبا في شهر رمضان فما عن (الصدوق) من عدم اشتراطه للصوم استناد الروايات نافية لوجوبه و فيها حكاية فعل رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) (و في الإصباح جنبا) ضعيف جدا و أخباره محمولة على التقيّة لمنافاتها لمنصب النبوة و شذوذها بين أصحابنا و يلحق بصوم شهر رمضان قضاؤه و إن اختصّت الرواية به لأصالة المشاركة بين الصومين و لعدم القائل بالفرق ممن يُعتدُّ به، نعم نفى شرطيته جماعة في الصوم المندوب و هو لا يخلو من قوة إلا أن الاحتياط و أصالة المشاركة تقتضي بالشرطية و على وجوب غسل الحيض للصوم أيضا الاجماعات المنقولة و الاحتياط و كون حدثه أعظم من حدث الجنابة و رواية (أبي بصير) الموجبة للقضاء على من نقت بليلها و لم تغتسل حتى أصبحت و النفاس حكمه حكم الحيض لأنه حيض في المعنى كما تدل عليه الأخبار و كلمات الأصحاب وجوب الغسل في الصوم قبل دخول وقته قضى به الإجماع و ظاهر الأمر بالمضيق فإن الأمر بالمضيق إذا علم أن له مقدمة قبله يقضي بوجوبها و إن لم يتحقق و قد يقال أن الأمر بالمضيق بفرض تقدمه هاهنا على قدر زمن فعل المقدمة و إن تأخر زمن فعل المأمور به جمعا بين ما دل على عدم تقدم الخطاب بالمقدمة على الخطاب بينها و بين ما دل على أن أول زمان الصوم هو الفجر لكنه على الوجه الأول لا يشترط في وجوبها بقاء قدر أدائها من أخر الوقت بل تجب وجوبا موسعا من أول اللّيل و لو لا الإجماع لقلنا بوجوبها قبله بكثير ما لم تخرج عن كونها مقدمة عرفا فإن تقدم المقدمة على ذيها في الزمان الكثير فما يخرج بها عن سمة الربط و المقدمية على الأظهر بخلاف الثاني فإنها لا تجب إلا أن يبقى زمان بقدر أدائها اقتصارا على مورد اليقين من تقدم الأمر على المأمور به لخروجه عن ظاهر الخطاب و احتياجه إلى التكلف لأن ظاهر الخطاب مقارنة الأمر للمأمور به عند دخول الوقت و أما تكلّف الوجُوب النفسي لهذا الغسل كما صنعه العلامة فوراً من لزوم وجوب المقدمة قبل وجوب ذيها أو تكلف تنزيل الواجب على التوطين على الغسل كما صنعه (البهائي) فهما ضعيفان لأن الظاهر في إيجاب

12

الفقهاء للغسل للصوم أنه واجب غيري له لا نفسي و الظّاهر أنَّ الواجب هو نفس الغسل لا التوطين للنفس عليه على أن في وجوب التوطين منع، نعم لو تركنا ما عليه الفقهاء من وجوب الغسل قبل وجوب الصوم جاز لنا أن نقول أن الغسل مندوب و إن كان لا بد من جهة كونه مقدمة لكنّه يتأدّى به الشرط لأن الشرط وجوده و قد حصل و يجزي في المقدمات غير المأمور به عن المأمور كما يظهر في (ابن إدريس) و لا ينافي ذلك وجوب المشروط لأنّ عدم وجوب المقدمة لا ينافي وجوب ذيها إنما المنافي له المنع عنها و تارك ذي المقدمة لو تركه لجواز المقدمة عوقب على تركه لا على تركها و ما بالاختيار لا ينافي الاختيار و لذلك أن النافي لوجوب المقدمة لا يرد عليه خروج الواجب عن كونه واجبا كما تخيل بعض و جاز لنا أيضاً أن ننفي أصل وجوب المقدمة و إن كان الغُسل لا بد منه قضاء لحق الشرطية و الثمرة في هذا الكلام كله إنما تظهر على القول باشتراط نية الوجه و أما مع القول بعدم اشتراطها فلا ثمرة لأن الغسل في الليل مندوب قطعا و هو مجز عن الواجب و لا بد من الإتيان به على كل حال فلا ثمرة حينئذ إلا في نذر أو يمين أو في عقاب و شبهه على القول بثبوت العقاب على المقدمات و يجب غسل المستحاضة للصوم للإجماع المنقول و فتوى المشهور و رواية (علي بن مهزيار) الآمرة بقضاء الصوم عند الإخلال بالغسل و هل يتوقف صوم كل يوم على أفعال نهاره خاصة أو فجره خاصة أو ليلته اللاحقة خاصة أو السابقة خاصة أو الليلتين معا أو على أفعال نهاره و ليلته السابقة إن لم تقدم غسل الفجر ليلا إذا جوزنا الفصل بين الصلاة و الغسل فإن قدمت غسل الفجر ليلًا توقف على أغسال النهار فقط لأجزاء غسل الفجر عنه وجوه أقواها الأخير لظاهر الرواية في توقف الصوم على جميع الأغسال سوى غسل المستقبل لأن المستقبل إنما وجب بعد مضي الصوم و انعقاده صحيحاً فلا يؤثر فيما تقدمه و لا يتفاوت الحال في أجزاء غسل الفجر بين أن يكون قبل الفجر أو بعده إذا وقع قبل صلاة الفجر سواء تقدم سببه على الفجر أم تأخر لأن الغسل لصلاة الفجر و هو نفسه شرط في الصوم، نعم لو تقدّم سببه فانقطع الدم قبل الفجر كان الأحوط تقديمه على الفجر للصوم و يقوى القول بجواز تأخيره إلى إرادة لصلاة فيجزي

13

الغسل لها عنه مع احتمال أن غسل الانقطاع لو أوجبناه للصلاة لا نوجبه للصوم لعدم ثبوت حدثية الانقطاع للصوم و عدم ثبوت كونه مانعا و حينئذ فلو انقطع قبل الفجر جاز صومها و إن تركت الغسل و الصلاة حتى طلعت الشمس لكنهُ مخالف للاحتياط و هل يجب الغسل لنفسه كما يجب لغيره أم لا؟ و المشهور في غير غسل الجنابة العدم بل كأنه مجمع عليه و الأصل قاض به و في غسل الجنابة قولان أشهرهما و أقواهما العدم للأصل أيضا و لظاهر الآية الشريفة حيث أن سياقها يقضي بالوجوب الغيري للصلاة للاهتمام به أكثر من الوجوب النفسي و لمكان عطف (إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) على جواب الشرط لقربة أو على مقدر تقديره (إذا قمتم من حدث النوم و كنتم محدثين بالأصغر فاغسلوا و أن كنتم جنبا من جهة الاحتلام فاغتسلوا) و يقربه تقديره في الصحيح (إذا قمتم من النوم) حتى ادعى إجماعا المفسرين عليه و كونه أقرب للسياق و عدم التكرير في قوله تعالى:" أَوْ جٰاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغٰائِطِ أَوْ لٰامَسْتُمُ النِّسٰاءَ*" حيث أنه يراد بهما ما قابل حدث النوم و يكون وجوب الوضوء و الغسل بالمفهوم و لذكر التيمم مرتبا عليهما عند فَقْد الماء و هو واجب لغيره فيشعر السياق بوجوبهما لغيرهما أيضا و قوله (عليه السلام): (إذا دخل الوقت وجب الطهور و الصلاة) و قوله (فيمن تغتسل عن الجنابة فجاءها الحيض قد جاءها ما يفسد الصلاة فلا تغتسل) فإن إشعارهُ بالوجوب الغيري لا ينكر و احتمال بيان توسعة الغسل عند مجيء الحيض أو بيان إفساد الحيض للغسل بعيد عن ظاهر الخطاب و قد جاءت أخبار أخرى أيضاً دالة على الأمر بتأخير غسل الجنابة عمن جاءها الحيض و هي مشعرة بالوجوب الغيري إذ لو كان الغسل واجبا لنفسه لكان الراجح فعله لرجحان البدار إلى الواجب الموسع و كان الأمر بتأخيره مستبعد جدا و دعوى تنزيل الأخبار على بيان بطلان غسل الجنابة بحدوث الحيض لأنه مانع من رفع الحدث فلا يصح معه الغسل لا نقول به لأنا لا نمنع في الأحداث الكبريات من رفع أحدها و بقاء الآخر و التداخل في الأغسال رخصة لا عزيمة و أما ما استدل به القائلون بالوجوب النفسي من إطلاق الأخبار الآمرة بغسل الجنابة كقوله (عليه السلام): (إنما الماء من الماء و إذا التقى الختانان وجب الغسل) فمردودة بحملها على الوجوب الشرطي

14

كالأخبار الواردة في الوضوء و غسل الأخباث بل الظاهر منها ذلك و لو لم يكن إلا فهم الأصحاب منها ذلك و إعراضهم عن الأخذ بظاهرها لكفى في توهينها و عدم جواز الأخذ بظاهرها و عدم اشتهار الوجوب النفسي و عدم عدّهِ من الواجبات و المحافظة عليه في الوصايات و النيابة عن الأموات دليل على عدمه و كذا ما استدلّوا به من الأمر في بعض الأخبار بالغسل بعد الجنابة و إن لم يكن وقت مشروط به و بالغسل به قبل النوم كذلك و من الحثّ عليه خوف فواته بالموت محمول على الاستحباب لا الفرض و الإيجاب لأن الغسل للجنابة مستحبٌ لنفسه و الكون على الطهارة منه مندوب و كذلك بل الظاهر أنه مندوب لجملة من غايات الوضوء المطلوب منها الطهارة فتحمل على ذلك الأخبار عن الهداة الأطهار.

بحث في التيمم

و يجب التيمم بدل المائية من وضوء أو غُسل عند عدم وجدان الماء أو عدم إمكان استعماله للصلاة الواجبة عند ضيق وقتها في الأول مُطلقاً و في الثاني إذا كان راجيا زوال العذر في وجه قوي و كذا للطواف الواجب على الأظهر خلافا لمن نفى بدليته عن الغسل للطواف و لكل مشروط بالطهارة من غسل أو وضوء إذا وجب مضيقاً و لم يكن هنالك ماء أو لم يمكن استعماله لعارض أو مرض أو غير ذلك و الأقوى أنه يندب لكل ما تندب له الطهارة المائية من غاية أو سبب فيندب لغايات الوضوء عند عدم التمكن من الماء إذا ندب لها حتى الكون على الطهارة و التجديد و النوم و جماع الحامل و النوم للجنب و جماع المجنب و ذكر الحائض و يندب لأسباب الوضوء المندوبة من خروج الودي و الرعاف و الضحك في الصلاة و ما شابهها و يندب لغايات الاغسال الرافعة و المستحبة و غيرهما من أغسال الأوقات و الأمكنة و الأسباب المندوب لها الأغسال من الأفعال و الأحوال كل ذلك لعموم المنزلة المفهومة من الأخبار كقوله (عليه السلام): (يكفيك الصعيد عشر سنين) و قوله (عليه السلام): (التراب طهور المسلم و لو إلى عشر حجج) و قوله (عليه السلام): (التيمم أحد الطهورين) و قوله (عليه السلام): (هو بمنزلة الماء) و قوله (عليه السلام): (جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا) و قوله (عليه السلام):

15

(فإن الله عز و جل جعلهما طهورا الماء و الصعيد) و ما ورد من استباحة وطئ الحائض به فغيره بالطريق الأولى و يندب لصلاة الجنازة و لو وجد الماء و لم يخف فوتها للأخبار المطلقة و ظاهر الإجماع المنقول و اشتراط خوف الفوت ذهب كما إليه الشيخ أحوط و يندب النوم و إن تمكن من الماء في وجه الأحوط خلافه و منع جمع من أصحابنا وجوبه للصوم بدلا عن جميع الأغسال و منع جمع آخر من مشروعيته لغير ما يشترط فيه الطهارة المائية و يظهر من آخرين اختصاص مشروعيته بالبدلية عن الوضوء و الغسل في الصلاة و الطواف دون ما هي شرط فيه من غيرهما و يظهر من آخرين منع التجديد فيه و الكون على طهارة و من آخرين منع بدليته عن الأغسال المندوبة أصالة الغير مستحبة و من آخرين منع بدليته عن الوضوء المندوب لبعض الأسباب و من آخرين منع استباحة وطئ الحائض به إلى غير ذلك من كلامهم نقياً و طاهراً و الأقوى ما ذكرناه و الأحوط الاقتصار في بدليته على الوضوءات و الأغسال المبيحة لما هي شرط فيه من صلاة، و طواف، وصوم و مس كتابة لو وجبت بنذر أو شبهه و كذا قراءة عزائم أو دخول مساجد لو وجبا و هل يجب التيمم للخروج من المسجدين أم لا؟ الأظهر و الأشهر الوجوب خلافا (لابن حمزة) للصحيح أن من نام فاحتلم أو أصابته جنابة فليتيمم و لا يمر في المسجد إلا متيمما و لا الاجتياز للجنب محرماً فيجب التيمُّم لتحليله هذا إن كان ما يتيمّم به موجودا و إلّا وجب الخروج عليه فورا و لو حصل الماء و نقص الغسل عن زمن الخروج وجب الغسل و إن زاد وجب الخروج و أن تساويا تخير و هذا التيمم مُبيح لجميع الغايات لو تبين فقدان الماء لأنه بعد حصوله مبيح قهرا و الظاهر عدم الفرق في إيجاد التيمم بين أن تكون الجنابة باحتلام أو غيره و بين أن تكون اختيارا أو اضطرارا و بين أن تكون داخل المسجد أو خارج المسجد فدخل ساهيا أو مضطرا أو متعمدا و بين أن يقصر التيمم عن زمن الخروج أو يزيد عليه أو يساويه لتنقيح المناط و إلغاء الفارق لعدم تعقل خصوصية الاحتلام بل و يلحق به حدث الحيض لقوله (عليه السلام) في المرفوعة و كذلك الحائض إذا اصابها الحيض تفعل كذلك و إن وهَى ضعف سندها إلا أنها مناسبة للمذهب و موافقة للاعتبار من جهة التعظيم

16

و الاحترام و لتحريم المرور عليها بغير التيمم و هذا كله فيمن نقت من حيفها و لم تغتسل و أما ما لم تنق منه فالاحوط عليها التيمم لإطلاق المرفوعة و لقربها من الطهارة و إن لم يكن تيممها طهارة لاستمرار الحيض معها و النفاس حكمه حكم الحيض و أما الاستحاضة فالأظهر أنها مع سيلان الدم حكمها حكم الجنب و أما مع الانقطاع فالأحوط التيمُّم أيضاً و اعلم أن طاهر النص يعطي وجوب التيمم للخروج مطلقاً سواء زاد زمن التيمم أو هو و مقدماته على زمن الخروج أو ساواه أو نقص عنه و لا بأس به اخذ بظاهر النَّص و ترك التفصيل في كلام الإمام (عليه السلام) بالنسبة إلى مورد النص من الاحتلام و الجنابة مطلقا و أما في غير مورد النص فمشكل لتعارض حرمة المرور جنبا و مع حرمة زيادة المكث للتيمم و الحكم بترجيح زيادة اللبث للمرور متيمما على الخروج بسرعة لا يخلو من إشكال و كذا يقضي ظاهر النص بوجوب التيمم على من تمكن من الماء و على من لم يتمكن أما لعدم وجوده أو لتأدية استعماله إلى تلويث المسجد و نحو ذلك و هو أيضا في الأول مشكل جدا لأن التيمم طهارة اضطرارية و يقتصر فيها على مورود اليقين و الفرد المتيقن من الرواية و المنصرف إليه الإطلاق هو ما إذا لم يوجد الماء أو لم يتمكن من استعماله من جهة خوف التلويث و شبهه خصوصا للمحتلم و شبهه فيبقى من تمكن من استعمال الماء جارياً على القواعد الشرعية و ما ذكره في المدارك من عدم التسليم اشتراط صحة التيمُّم بعدم وجود الماء في غير تيمُّم لصلاة لعدم دليل على ذلك لا يلتفت إليه من جهة النص و الفتوى و ما ذكر من أن الاحتياط يقضي بالتيمم مطلقا أيضا لا عبرة به و حينئذ فمن تمكن من الغسل بزمن ينقص زمن غسله أو غسله و مقدماته عن زمن التيمم أو التيمم و مقدماته أو يساوي زمنه زمن التيمم على نحو ما ذكرنا وجب عليه تقديم الغسل على التيمم رجوعا للقواعد المائية بل لو زاد زمن الغسل على زمن التيمم بحيث إنه ساوى زمن التيمم و الخروج أو نقص عنهما ساوى زمن الخروج أو زاد عليه كان الأقوى حينئذ وجوب الغسل و أن كون الشهيد أنه لا قائل به لأن عدم القول به لا يقضي بالعدم، نعم لو زاد زمن الغسل على زمن التيمم و الخروج معا قوى القول بوجوب التيمم

17

فرارا من زيادة الكون جنبا في المسجد و الحال أن الخروج مأمور به فيقدم الخروج مع التيمم على الغسل كما أنه يقوى القول بوجوب التيمم للغسل إذا ساوى زمنه زمن الخروج فيكون التيمم مبيحا للمكث زمن الغسل كما أنه يبيح الخرج و المرور.

بحث في نذر الطهارة

لو نذر الطهارة كفاه الإتيان بالمائية و كذا الترابية على الأظهر بناء على شمول لفظ الطهارة لها شرعا و عرفا و لكنه لا يخلو من نوع توقف في انصراف قصد الناذر إليه و هل يجزي عن النذر الطهارة الواجبة للصلاة أو غيرها في ما يجب له إذا قصد بها الوفاء لأنها طهارة فيصدق عليها النذور أم لا يجزي لأصالة عدم تداخل الأسباب و ظهور أن المنذور هو غير ما وجب عليه وجهان أقربهما الثاني و لو نذر أنواع الطهارة وجب النوع المنذور و يجري عليه ما تقدم إلا أنه لا يجب فيها الإتيان بما هو مبيح لصدق اسمها على الأعم و لو نذر الطهارة في وقت فصادفه متطهرا وجب نقضها ثمّ الطهارة و لو نذر التيمُّم في وقت فهل يجب عليه إراقة الماء فيه ثمّ التيمُّم؟ الظاهر العدم لأنه بمنزلة الواجب المشروط بفقد الماء هذا لو قلنا بانعقاد النذر و لو نذر التجديد لكل فريضة وجب ذلك حتى تجديد التيمم لو شرعناه و لو اشتبهت القبلة فصلى أربعاً أو نسي فريضة جدَّد لكل واحدة من المشتبهات و لكل واحد من المأتي بها لتحصيل المنسي و يحتمل سقوط التجديد هنا لانصرافه إلى الفريضة الأصلية و هي واحدة مشتبهة. نعم لو أوجبنا لناذر التجديد التجديد لأول فريضة وجب عليه الوضوء أولا ثمّ التجديد ثانيا للأربع جمعا و المنسيات كذلك و لو نسى صلاة تعين في يوم فإن أوجبنا الخمس التيمُّم خمس تيمُّمات تجديدا لغير الأولى أو ست تيمُّمات إن أوجبناه للأولى أيضاً و أربع إن أوحينا الثلاث و أوجبناه للأولى و ثلاث إن لم نوجبه و يحتمل الاقتصار على اثنين فيصلي بالأولى الفجر و الظهرين و المغرب و بالثاني الظهرين و العشائين فيخرج عن العهدة لأنه صَلّى الظُّهر و العصر و المغرب مرّتين بتيمُّمين فإن كانت الغاية أحدها فقد أداها مرتين بتيممين و إن كانت إلغائيتان الفجر و العشاء فقد أدى الفجر بالتيمم الأول و العشاء بالثاني و إن كانت أحدهما من الثلاث و الأخرى من الأخيرين فكذلك و كذا لو نسى ثلاث صلوات في يوم تيمم و صلى الصبح و الظهرين ثمّ تيمَّم و صَلّى الظهر و العصر و المغرب ثمّ تيمم و صلى العصر و المغرب و العشاء و الاحتياط في ترك ذلك للشك في مشروعية الزيادة.

18

الماء المطلق و المضاف

الماء مطلق و مضاف و (المطلق) ما تبادر من إطلاق اسم الماء الخالي عن قيد عليه و (المضاف) ما لم يتبادر أو ما صح سلب الماء الخالي عن ذلك عليه و التقيد في المطلق بيان لأفراده كماء البحر و النهر و التقيد في المقيد بيان لمفهومه أما لكونه قرينة تجوز في إطلاق اسم الماء و عليه و أما لكونه جزء من الاسم الموضوع فيكون المجموع من المضاف و المضاف إليه موضوع بالوضع النوعي لأفراد المياه المضافة و تفيد الماء المطلق بالإطلاق ليس تميزاً المفهوم و لا تقيداً بل توضيحاً لما اقتضاه الإطلاق فمعنى (الماء المطلق) هو الماء الخالي عن التقيُّد و حينئذ فالماء بلا ذكر وصف و الماء المطلق و مطلق الماء كلها معنى واحد و احتمال شمول الأخير للمياه المضافة بعيد و الماء المطلق بعد العلم بإطلاقه و الشك في تفسيره لعروض القادح أو قدح لعارض يحكم عليه بالإطلاق جزما قضاء لحق الاستصحاب و أما قبل العلم بإطلاقه كأن حصل الشك في ماء مطروح هل هو مطلق أو مضاف فلا يحكم عليه بأحدهما مع احتمال أصالة المياه المطلقة حتى يثبت خلافها و لك أن تقول أن المشكوك فيه كذلك لا يرفع حدثا و لا خبثا و لكنه لا يتنجس إن كان كرا و لا ينجس أيضا فلا تجري جميع أحكام المطلق و لا جميع أحكام المضاف و المطلق بجميع أنواعه طاهر مطهر بالإجماع بقسميه و الأخبار و قوله تعالى: [مٰاءً طَهُوراً] و قوله تعالى: [لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ] و غير ذلك و المراد في الطهور في الكتاب و السنة هو الطاهر المطهر و الإيراد على الآية من جهة دلالتها على ماء السماء و الدعوى أعم و من كون ماء نكرة في سياق الإثبات فلا تعم و من جهة أن (طهور) مأخوذ من فعل لازم فلا يتعدى فيراد منه المبالغ في طهارته و وصف المطهر به لغيره أمر خارج عن مصداق اللفظ فلا يحكم عليه به مردود بعدم القائل بالفصل أو بأن الماء كله من السماء كما دلت عليه الأخبار في الأول و بأن النكرة في سياق الإثبات و الامتنان تفيد العموم في الثاني و أما الثالث فالجواب عنه أما بان لفظ الطهور يجيءُ اسماً لما يُتطهّر به كالشحور و الغسول كما نصَّ عليه أهل اللغة و ورد في كثير من الاستعمال فإرادته بقرينة المقام أولى من إرادة غيره و يكون بدلا من الماء أو وصفاً على سبيل التأويل و أما

19

بإرادة معنى الوصفية و المبالغة من لفظ الطهور لكن لا على معنى المبالغة في الطهارة لعدم قبولها الشدة و الضعف بل على معنى فعل التطهير فيكون معنى الطهور هو الطاهر المطهر على وجه الحقيقة اللغوية أو العرفية العامة أو المجاز المشهور كما نص على وروده كذلك أهل اللغة و ورد به الاستعمال الشائع حتى ادعى جماعة من اللغويين و النحويين أن معنى المبالغة هاهنا هي المطهريّة و إن استعماله في البالغ في الطهارة نادر على غير القياس كما ورد ريقهُنَّ طهور مع احتمال إرادة الطاهر المطهر هاهنا مبالغة و يدل على إرادة أحد هذين المعنيين تصفح الأخبار عن الهداة الأبرار و كون الآية في سياق الامتنان و هو مما يناسب إرادة هذين المعنيين و فهم الفقهاء و المفسرين و العلماء و المتبحرين لذلك و قوله تعالى: [لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ] و قوله (عليه السلام): (كان بنو إسرائيل إذا أصابتهم قطرة من بول قرضوا لحومهم بالمقارض و قد وسع الله عليكم ما بين السماء و الأرض و جعل لكم الماء طهورا) و نسب الشيخ عدم الفرق بين ماء طهور و ماء مطهر إلى أهل اللغة و قد ذكر هذا المعنى أكثر المفسّرين و أهل اللغة و نطق به العرف و الاستعمال الشائع فلا معنى لإنكاره كما نسب (لأبي حنيفة) زاعماً أن فعولًا للمبالغة لا تتعدى و اسم فاعلها" لازم" و أن (طهورا) بمعنى طاهر مبالغة في الطهارة و هو خطأ مخالف لكلام أهل اللغة و النحو و الاستعمال في خصوص هذه المادة لاتفاق الكل على تعديتها و إن كان على غير القياس و عن (الترمذي) أنه متعد و أن أخذ من فعل لازم و هو من أكابر أهل اللغة و قد ورد أيضا بعض (صيغ المبالغة) متعدية و اسم فاعلها لازم في شعر العرب على أن (طهور) بمعنى طاهر غير مطرد فلا يُقال (خشب طهور) و (ثوب طهور) و نحو ذلك وَ قد يستدل على إرادة المطهرية من لفظ الطهور هاهنا أن المبالغة في الطهارة لا تعقل إلّا بهذا المعنى لعدم تعقل الزيادة و التكرار فيها و ليس هو من باب إثبات اللغة بالترجيح بل هو من باب إثبات المعنى المراد بالأمارات العرفية كالحمل على أقرب المجازات و الحمل على المعنى الظاهر و نحو ذلك و يمكن أن يُراد بلفظ (طهور) المصدرية لأن المصدر منه مضموم و مفتوح و يراد بالمصدر هاهنا معنى المطهرية بقرينة السّياق و المقام و الآيات الأخر و هو أيضا لا بأس به

20

إلا أنه معنى مجازي للّفظ غير مشهور و غير معروف و الإيراد على الآية بإجمال لفظ الطهارة مردود أما بالتزام كون لفظها حقيقة في رفع الحدث و الخبث معا و أما بالتزام كونه حقيقة في الأول و لا قائل بالفصل و أما بالتزام كون رفع الخبث أولى بالامتنان و أما بالتزام الملازمة بين رفع الحدث و رفع الخبث و أما بالتزام إرادة المعنى اللغوي و هو شامل لهما.

بحث من طهورية الماء

بعد القول أن الماء طاهر مطهر فهل طهوريته المدلول عليها بالكتاب و السنة قضيّة مُهملة تفيد ثبوت المُطهريّة في الجملة فيتوقف بيان كيفيتها من الاحتياج إلى العصر و عدمه و علوّ ماء الغُسالة و عدمه و الاكتفاء بالاتصال و عدمه و تعددها في الاكتفاء بالمرة أو الاحتياج إلى المرتين و عدمه إلى دليل يدل على ذلك فلا يحكم على الماء بالطهورية للمتنجس إلا أن يدل دليل على كيفية التطهير أو أن قضيتها قضية مطلقة بمنزلة العام فتفيد المطهرية على أي نحو كان و على طريق لابس المتنجس و بأي فرد كان إلا ما قام الدليل على احتياجه للامتزاج و عدم كفاية الاتصال فيه و احتياجه للعصر أو احتياجه للتعدد أو غير ذلك وجهان أقواهما الأول

بحث: يستوي في طهورية الماء جميع أفراده في النازل من السماء و النابع من الأرض و المتصاعد من الأبخرة

و المذاب من الثلج و البرد و الواقع على الأشجار و الزرع في الظل و ماء البحر و النهر و يستوي في ذلك الخالص و المخالط لأجسام طاهرة لا تسلبه الإطلاق سواء تغير بها أم لا في طين و أشنان و ملح عارضة له أو كانت مصاحبة له ابتداءً كالكبريت و نحوه و يستوي في ذلك المتغير بسبب كثرة البقاء في الأرض أو المتغير بسبب كثرة الاستعمال و المزاولة ككثير من ماء الحمامات و كثير من ماء الحفر التي تكون في أراضي المياه و غير المتغير و يستوي في المتغير تغير الطعم و الريح و اللون و غيرها كل ذلك لعموم الأدلة و الإجماع بقسميه.

بحث: الماء حار و محقون و ماء بئر

و قد علقت على لفظ الجاري و لفظ البئر في الأخبار و كلام الأصحاب أحكام كثيرة سيجيء بيانها إن شاء الله تعالى و المراد بالجاري على ما

21

يظهر الأخبار و كلام الأصحاب معنى يغاير المعنى اللغوي فكأنه حقيقة عرفية خاصة

فيه و هو كل ماء أتصل بمادة في الأرض غير معلوم حصرها عرفاً أنه بئر فلو لم يتصل عادة كالماء الجاري في غدير أو في حوض أو في السواقي و الدوالي لم يكن منه و كذا ما اتصل عادة في علو كالمتصل بماء المطر و إن شاركه في الحكم و كذا ما لم يتصل بمادة أن انقطعت في أصلها أو انقطع عنها في زمان يعتد به و كذا ما اتصل بمادة معلوم حصرها و عدم تجدد الماء فيها بعد نقصانه كماء المد و ماء كثير في الأراضي بعد فيض الماء عليها عند زيادة الماء إلا في صورة ما إذا علم عدم نفوذ الماء في تلك المادة

في ذلك المحصور بل كان بحيث كلما نقصت المادة تجدد فيها الماء بقدرة

الله تعالى فإن ذلك يكون من الجاري لكنه نادر الوجود و يدخل

في الجاري كلما اتصل بالمادة اتصالًا ظاهراً أو خفياً بجذب و جريان

أو من دون جذب و جريان لتساوي السطوح سواء اتصل بها بينبوع أو رشح أو نزيز إلا إذا قل الرشح جداً بحيث كان كالعرق الخفي فإن إدخاله في الجاري و حكمه لا يخلو من إشكال و لو كان اتصاله بالتقاطر فإن كان متتالياً فهو من الجاري و إن كان بينها فواصل معتد بها فهو في حال اتصال القطرة من الجاري و في حال انفصالها

ليس منه و ماء البئر هو كل ماء متصل بمادة يسمى محله

بئراً و سيجيء أحكامها إن شاء الله تعالى

و يقع الكلام في الجاري في مقامات.

أحدها: لا ينجس الجاري إلا إذا تغير الماء عن طبيعته الخلقية بنجاسة حلت فيه

تغيراً لونياً أو طعمياً أو ريحياً و هو معنى قولهم إذا تغير لونه أو طعمه أو ريحه لأن الماء لا ريح له بل و لا لون و طعمه ليس كسائر الطعوم و يدل على نجاسته بذلك الإجماع بقسميه و الأخبار العامة و الخاصة المعتبرة و المنجبرة بفتاوى الأصحاب و عملهم من غير مخالف يعتد به.

ثانيها: لا يشترط في تنجيسه بالتغير أن يكون التغير بنفس لون النجاسة أو طعمها أو ريحها

بل لو أحدثت لوناً آخر أو طعما آخر و ريحا آخر جرى عليه

22

الحكم و كذا لو اجتمعت عدة نجاسات ذوات ألوان فأحدثت لونا آخر كان الماء من المتغير بالنجاسة.

ثالثها: لا عبرة بتغير الماء بغير الثلاثة المتقدمة

من الأوصاف من برودة و سخونة و خفة و ثقل و غير ذلك اقتصاراً على المتيقن في الأخبار بعد إحراز أصل الطهارة و حملا لما دل على التّنجيس بالتغيّر على ما دل على خصوص هذه مطلقاً أو على سبيل الحصر حملا للمطلق على المقيد و العام على الخاص.

رابعها: لا عبرة بالتغيّر الناشئ من المجاورة

لظهور أخبار المُتغيّر في حلول المغير في الماء و هو المقتضي الأفعال دون مجاورته له.

خامسها: لو وقع في الماء نجس لا وصف له و لم يستهلك الماء و لا غيّره من الإطلاق إلى الإضافة

لم ينجّس الماء و لو كان بحيث لو قدر له وصفا لغيره للإجماع المنقول و للأصل السالم عن معارضة أخبار التغير لظهورها في التغير الحسي و الأقوى إلحاق مسلوب الوصف بعده إن وجده مما لا وصف له لما قدمناه من الأصل و اختصاص أخبار التغير بالتغير الحسّي و للشكّ في قاهرية النجس للماء ما دام خالٍ عن الوصف لقوة احتمال أن مقهورية الماء إنما تدور مدار واجد لصفة دون فاقدها فلا يلزم من مقهورية الماء بالنجس عند اتصافه بوصف فعلا يخالف الماء مقهوريته عند خلوه من ذلك الوصف إذا كان بحيث لو اتصف به لقهره على أنا لا نسلم الملازمة بين مقهورية الماء و تنجيسه لدوران التنجيس مدار الوصف دون المقهورية و ما يظهر من بعض الأخبار من اعتبار المقهورية منزل على المقهورية الخاصة و الغلبة الخاصة و دعوى أن المقهورية و الغلبة واقعيان و الوصف دليل عليها فلو قطع بحصول الوصف عند تقديره لحصلتا معاً و هما المقتضيان للتنجيس غير مسموعة بعد ما قدمنا من منع الصُّغرى و الكبرى.

سادسها: على القول بالتقدير في مسلوب الصفة فهل يقدّر الوصف الذي عليه كان سابقا

أو يقدر الوصف الأشد للاحتياط أو الأضعف للأصل أو الوسط لأغلبيته و لانصراف التقدير إليه وجوه أوجهها الأخير و كذا الكلام في فاقدها ابتداء و هل يحتاج

23

إلى تقدير وصف الماء خفة وصفاء و طعما و أضدادهما مما يختلف باختلافه تأثير وصف النّجاسة أم لا يحتاج؟ وجهان أقواهما عدم الاحتياج على ذلك التقدير.

سابعها: لو تغير الماء يوصف المتنجس اللّاحق له لذاته أو لطرو مُغيّر ظاهر له لم ينجس الماء

للأصل السالم عن معارضة ما يصلح أن يكون شاملا لهذا التغير لظهور أدلة التغير في المتغير بالنجاسة و كذا لو استند التغير إليهما بحيث كان كل منهما جزء تسبب في التغير، نعم لو كان بحيث لو انفرد كان مُغيّراً أو كان الماء على صفة عين النجاسة كما وقع فيه دم و كان أحمرا بصفته الأصلية كبعض المياه الكبريتية أو عارضية كالمخلوط بدبس أو خل أحمر و كان لو لا صفته لتغيّر بالنجاسة فإنه يحكم عليه بالتنجيس لحصول التأثير بالنجاسة حساً و إن منع من ظهورها مانع.

ثامنها: لو تغير الماء بالمتغير بوصف النجاسة الواقعة فيه

فإن صاحب المتغير نفس النجاسة نجس المتغير به و إن لم نصاحبه نفس النجاسة احتمل تنجسه به لإطلاق روايات التنجيس بالتغير و لإطلاق كثير من الأصحاب الحكم بنجاسة المُتغيّر بالمتغير و لحكمهم بنجاسة البئر المتغيرة بماء البالوعة المتغير بالنجاسة و لحكمهم بتطهير المتغير بإلقاء كُرّ فكرّ عليه دفعة حتى يزول تغيره و لو لا نجاسة التغير بالمتغير لكفى الكُرّ الأوّل لعدم انفعاله حينئذ و عدم تنجّسه و إن شاعت أجزاؤه في المتغير فيطهّر المتغير الأول بعد زوال تغيّره أيضاً لعدم حلول النجاسة فيه و قد لاقاه كُرّ طاهر بعد زوال النجاسة و التغير منه بل و قبل زوال التّغير أو من البعيد وجود ماء واحد طاهر و نجس في مكان واحد مختلط و لصدق أن الماء قد تغيّر بالنجاسة عليه و لأن نجاسة المُتغيّر بحلول النّجاسة فيه إنما هي بالمُتغيّر الملاقي للنجاسة لان الجزء الملاقي للنجاسة غير الجزء الذي يليه و الذي يليه غير ما يليه و هكذا فيلزم من ذلك تنجس كل متغير بالمتغير و هو المطلق و احتمل عدمه و بقاؤه على الطهارة للأصل و العمومات السالم عن المعارض سوى إطلاقات أدلة انفعال الماء بالتغير و هي ظاهرة بالتّغيّر بعين النجاسة لا بالمتنجّس بها و إن كان التغير لوصفها و كذا إطلاق كلام الفقهاء أيضاً ينزل على ذلك سوى كلام من ذهب إلى أن التغير بالمتنجّس من جهة وصفهِ اللازم أو العارض له منجس فإنه لا يمكن

24

تنزيله و لكنا لا نقول به و أما حكم الفقهاء بنجاسة البئر بالماء المتغير فالظاهر منه أنه لحلول عين النجاسة فيه كما هو الغالب في البالوعة و مع عدم حلولها فيه لا نقول به و أما حكمهم بتطهير المتغير بإلقاء كر فكر عليه حتى يزول تغيره فهو أما مبني على حالة بقاء عين النجاسة في الماء المتغير أولا أو على أن أجزاء الأول عند شيوعها في الثاني زال حكم الطهورية منها قضاء لحق الإشاعة لا من جهة التغير بالمتغيّر على أنا يمكن أن نقول ببقاء طهوريّته و بقاء نجاسة المتغير الأول حتى يزول التغير عنهما فيطهر الأول و يكون المجموع طاهر و يمكن أن نقول بتطهيره الأول أيضا و أن بقي وصف التغير إذا ارتفعت عين النجاسة منه و لا بأس به لما دل على أن الماء طهور و أما الحكم بصحة إطلاق التغير بالنجاسة عليه فممنوع و كذا الحكم بتنجّس المُتغيّر عند حلول النجاسة فيه من جهة تغيره بالمتغير الملاقي فإنه ممنوع و إنما نحكم بتنجيسه من جهة أنه ماء تغير بعين النجاسة الحالة فيه و كل ماء تغير بذلك فهو نجس من غير حاجة إلى معرفة أن هذا التغير كان بنفس تلك النجاسة أو بالمتغير بها.

تاسعها: لا يشترط في الجاري كرية نفس و لا كرية مادته و لا كريّتهما

على الأظهر الأشهر للأخبار الدالة على طهورية الماء مطلقاً و الدالة على طهوريته ما لم يتغير و الدالة على طهورية الجاري خصوصاً و الدالة على طهورية ذي المادة و أنه لا يفسده شيء لأن له مادة و الأخبار الدالة على طهورية ماء الحمام لأنه بمنزلة الجاري و لأن له مادة و الأخبار النافية للباس عن الماء الجاري يبال فيه و للإجماع المنقول و الشهرة المحصلة نعم لو علم انحصار المادة و عدم كونها مما تتجدد بنقصان الماء كان حكم هذا الماء حكم المحقون فإن بلغ هو كرا أو هو و مادته و كان بينهما اتصال عرفي لا كاتصال الرشح و العرق كان طهورا و إلا كان كالماء القليل تنجس بالملاقاة و اشترط العلامة كرية الماء الجاري بنفسه أو هو و مادته إذا كان بينهما اتصال عرفي لعموم الأدلة الدالة على انفعال ما لم يبلغ كرا و الأدلة الدالة على انفعال الماء القليل بالملاقاة و هو مردود أولا بمنع العموم في أدلة انفعال الماء القليل سوى عموم المفهوم الناشئ من قولهم (عليهم السلام): (إذا كان الماء قدر كر لم يحمل خبثاً) و هو ضعيف لا يقاوم تلك الأدلة

25

على أن في عمومه نظر و تأمل سيما في هذا المقام الظاهر في عدم إرادة العموم لابتنائه على جواب السؤال عن الماء الكائن في أرض الحجاز و هي في الأغلب غير جارية بل إما مياه غدران أو أواني و شبههما و السؤال و إن لم يخصص الجواب لكنه يوهن عمومه في أمثال هذه المقامات و ثانياً أن بين عمومه و عموم أدلة طهارة الماء مطلقاً (عموم مطلق) و شرط التخصيص المقاومة و بينه و بين أدلة الجاري عموم من وجه و يجب الأخذ فيه بالرّاجح عند التّعارض و لا شك أن أدلة الجاري أرجح لاعتضادها بما تقوى به عليه و كذا بينها و بين ما دل على طهورية ذي المادة و المناقشة في الرواية لمعلله لعدم فساد الماء بكونه له مادة بأن التعليل ليس له بل لطيب الماء طعماً و ريحاً كالمناقشة في الأخبار النافية لليأس عن البول لا في الماء الجاري بأنه لرفع الكراهة لا لبيان الطهورية ضعيفتان لا يلتفت إليهما.

عاشرها: لو جرى ماء البئر على وجه الأرض أو جرت الآبار بعضا على بعض كأن كان لها جاذب يجذبها من الأسفل كان من الجاري

و لا يلحقها حكم البئر على الأظهر.

حادي عشرها: إذا تغير بعض الماء الجاري دون بعض فله صور.

أحدها: أن تكون سطوحه متساوية

و لا يقطع التغير عموم الماء فلا شك في نجاسة المُتغيّر و طهارة غيره و لو كان دون الكُر على المختار.

الثانية: المصورة بحالها

و كأن المتغير قاطعها عمود الماء عرضا و عمقا و كان المنحدر عن المتغيّر كُراً و المتصل بالمادة كذلك و لا شك أيضا بنجاسة المُتغيّر و طهارة الفوق و التحت و كذا لو كان المُتّصل بالمادة دون الكُر على المختار بل حتى على كلام (العلامة) على وجه و هو أن المتصل بالمادة أعلى بالقوة فلا ينفعل بما تحته من التغير و هو ضعيف.

الثالثة: الصورة بحالها إلا أن ما تحت الماء المتغير دون الكر

و الظاهر بنجاسته و اتصاله بالمتغير المتّصل بالمُتّصل بالمادة غير مجد لأن المتغيّر قد اسقط الشارع اعتباره فلا يؤثر الاعتصام و ناقش بذلك بعضهم لصدق أنه ماء متصل بالمادة فلا ينفعل و لا أقل

26

من الشكّ و الأصل الطهارة و فيه أنه ماء قليل لاقى نجسا فالأصل متنجّسه ما لم يقطع باعتصامه و لا قطع عند قطع المُتغيّر عمود الماء.

الرابعة: أن تختلف السطوح و كان الماء منحدرا

و كان قدر الكر مستوى السطوح و لا يقطع التغير عمود الماء و لا شك في طهارة غير المتغيّر.

الخامسة: الصورة بحالها و كان ما وراء المتغيّر و المتغير أعلى مما اتصل بالمادة

و هذا حكم مبني على صحة اعتصام الأعلى بالأسفل.

السادسة: الصورة بحالها و كان ما وراء المتغيّر فقط أعلى مما تقدم

و الظاهر هنا طهارته إلا على القول بانفعال الأعلى من الأسفل.

السابعة: أن يقطع المتغير عمود الماء و السُّطوح مختلفة و كان المنحدر كُرّاً و ما فوق المتغيّر كذلك

فلا شك في الطهارة إذا تساوت سطوح قدر الكر.

الثامنة: الصورة بحالها و لكن كان كل من المنحدر و ما فوقه أقل من الكر

و الظاهر هنا طهارة ما فوق و نجاسة المنحدر.

التاسعة: الصورة بحالها و لكن كان المنحدر أعلى من النجاسة

و هذه مبنية على الفعال الأعلى بما تحته.

العاشرة: أن يكون الكرّ بنفسه غير متساوي السطوح

و هذه مبنية على أن تساوي السطوح شرط في اعتصام الكر أو ليس بشرط و سيجيء إن شاء الله تعالى بيانه فإن بينا على أن تساوي السطوح شرط تنجس الكر الغير المستوى السطوح و إلا فلا و لا نريد الغير المتساوي هو كل منحدر من الماء لاجتماع صفة الانحدار مع تساوي السطوح عرفا بل مع كونه أعلى و لو كان كل منحدر من الماء غير متساوي السطوح للزم تنجيس الأنهار الكبار و القنوات بملاقاة شيء من النجاسة في صدرها لعدم اعتصامها بالمنحدر عنها فكُلّما ينحدر يكون نجسا حينئذ ما دامت النجاسة باقية في صدرها بل و عند زوالها هذا في غير الجاري و في الجاري أيضا على ما ذهب إليه العلامة (رحمه الله) لعدم خروج كر دفعة يُطهّر ما بعده غالبا بل كلّما يخرج ينجس بما بعده و هكذا.

27

حادي عشرها: يطهر الجاري بزوال التغير عنه لكفاية الاتصال على الأظهر

لعموم أدلة طهورية الماء و خصوص قوله (عليه السلام): (ماء النهر يطهر بعضه بعضاً) و لأنّ الاتصال هاهنا بمعنى الامتزاج لأن كل جزء من النجس يلاقي الطاهر أما أن نحكم بطهارته و هكذا فيثبت المطلوب أو يبقى نجسا و لا معنى له لامتزاجه بآخر جزء من الطاهر و المفروض أن الامتزاج مطهر أو ينجس الطاهر و هو لا نقول به لأن ما له مادة لا ينجس و اشترط بعضهم الامتزاج أما الاشتراط في التطهير مطلقاً أو لاشتراطه هاهنا من جهة انخفاض المادة لأن الاتصال كافٍ مع علو المادة أو مساواتها و هو ضعيف لمساواة ما على من المادة له و لصدق الماء الواحد عرفا عليه و لأن الاتصال كاف مطلقا بعد صيرورة الماءين ماء واحد عرفا و على ما ذهب إليه العلامة (رحمه الله) من اشتراط الكرية لا بد في تطهير الجاري عند زوال تغيّره من بقاء كُر طاهر غير متغير ابتداء يمازج ما تنجس أومن إلقاء كُر من خارج عليه فيمتزج معه و بدون ذلك لا يطهر لأن كلما خرج من المادة تدريجاً دون الكر يتنجس بالماء النجس و هكذا فيبقى على النجاسة بدون احد الأمرين المتقدمين و كما لا يشترط الامتزاج لا يشترط التدافع من المادة عليه و اغلبيته له لعموم الأدلة و لو اتصل ماء واقف بماء جارٍ اعتصم به و إن كان نجسا بالغير متغير طهّرهُ و لا حاجة إلى الامتزاج إن كان الاتصال على سبيل تساوي السطوح أو انحدار الواقف و إن كان الواقف أعلى فإن عُدّ ماء واحد عرفا فكذلك و إلا فالأظهر عدم اعتصامه به و عدم تطهيره به لعموم أدلة نجاسة الماء القليل في الأول و لاستصحاب النجاسة في الثاني كما أن العالي لا ينجس بالسافل و لا ينفعل به للأصل و الاستصحاب.

بحث ورد في كثير من الأخبار أن ماء الحمام سبيله سبيل الجاري إذا كان له مادة

و أنه لا باس بِهِ إذا كانت له مادة و ورد أنه كماء النهر يُطهّر بعضه بعضاً و ورد أنه لا ينجسه شيء و ورد أنه طهور بعد السؤال عن اغتسال من لا يعرف أنه يهودي أو نصراني به و الجنب من غير الجنب و ورد نفي البأس عن مائه بعد استعمال الجنب له و مساورته له

28

و اغتساله فيه و غير ذلك و جاء في جملة من كلام الأصحاب أيضا إن ماء الحمَّام كماء الجاري إذا كان له مادة و يراد بالحمام في الأخبار و في كلام الأخيار هو ما نُسمّى حماما عرفا سواء جمع جميع الأماكن المعلومة له من المسلخ و النورخانة و الحوض الكبير و البيت الداخل و البيوت الصغار و الخزانة و بيتها و الحياض الكبار المتوسطة و الحوض الصغير و غير ذلك أو نقص عن ذلك إلى أن ينتهي إلى حوض الماء المسخن و البيت المشتمل عليه للجلوس و إزالة الوسخ و سواء كان مبنيا في دار أو في محله مستقل بنفسه أو كان محمولًا كما تحمله العظام من الأمراء و المراد بمائه كما يظهر من النص إطلاقا و الفتوى نصّاً هو الماء الكائن في الحياض الصغار لا الماء المرشوش في الأرض و لا ماء الغسالة المجتمع في الجية و لا الماء البارد الكائن في المجرز و لا الماء الحار المستمد منه الماء إلى الحياض الصغار لانصراف الإطلاق إلى ذلك و لقضاء قرائن السؤال و الجواب بذلك و كذا التعليل بالمادة و تشبيههِ بالجاري و في بعض الأخبار دلالة على ذلك أيضا فما تشعر به الأخبار من إرادة ماء أرضه أو الماء من المتقاطر ممن اغتسل فيه أو غير ذلك لا يصلح لمعارضة ما ذكرنا، نعم قد يقوى بشموله للحوض الكبير و يكون التساؤل عنه من جهة كثرة تردد الناس إليه و كثرة استعمال المجنبين له و كثرة حلول الأوساخ فيه و إن كان في الأغلب يبلغ كُرّاً فما فوق و لكن تعليله بالمادة و تشبيهه بالجاري مما يبعد ذلك لانقطاع الحوض الكبير عن مادته غالبا كما تراه اليوم و مقتضى التعليل بالمادة و شبيهه بالجاري أن الحكم بذلك مخصوص بحال اتصال ماء الحياض الصغار بالمادة فلو انقطع عنها كان حكمه حكم الماء القليل ثمّ أنه بعد ذلك فهل يشترط في طهورية ماء الحياض عند اتصالها بالمادة كرية المادة أو يكفي كرية المجموع أو يكفي مسمى المادة و أن نقص المجموع منها و من ماء الحياض عن الكرية و على أي تقدير فهل يشترط استواء السطوح بين المادة و بين ماء الحياض أو لا يشترط ذلك بل يكفي كونها أعلى تسريحيا أو تسنيميا بل و كونها أسفل وجوه و احتمالات و في كثير منها أقوال أقواها كفاية بلوغ المجموع كُرّاً إذا تساوت السطوح أو كانت المادة أعلى تسنيمياً أو تسريحياً لعموم أدلة طهورية الماء و خصوص أدلة طهورية ماء الحمام السالمة عن

29

معارضة أدلة انفعال ماء القليل مفهوماً و منطوقاً لضعفها أو لا عن مقاومتها بعد أن كان بينها عموم من وجه و يجب فيه تقديم الراجح و لعدم شمولها للبالغ كُرّاً عند اجتماعه مع المادة لصدق الكُريّة عليه عرفا و احتمال عدم صدق الكُريّة عليه باعتبار تعدّد محلّه و شرط الكُرّ في عدم الانفعال وحدة الماء و عدم صدق إنهما ماء ان عرفا ضعيف لأنه مع تساوي السطوح لا شبهة في كونه ماء واحداً عرفاً و مع علوّ المادة فهو إما كذلك سيَّما في التسريحي أو أقوى من ذلك لاعتصام السافل بالعالي و قوة العالي عليه فيشكُّ في شمول أدلة انفعال الماء القليل المجتمع على ذلك النحو لانصراف المفهوم في أخبار الكُرّ لغير المجتمع مطلقاً و موردها أيضا المياه المتفرقة في الأواني و الحياض الغير البالغة ذلك و لو لا الشك في اعتصام العالي بالسافل و في قوته به لقلنا بعدم انفعال العالي إذا بلغ مع السافل كرا أو لقلنا بعدم تنجيس العالي القليل إذا كان متصلا بالجاري و شبهه على نحو المساواة أو على نحو علو الواقف عليه بل و لقلنا بتطهير السافل للعالي المتنجس إذا اتصل به على أي نحو من أنحاء الاتصال و لكنا لا نقول ذلك لأن السافل لا يعصم العالي و لا ينفعل العالي به و ذهب جمع من أصحابنا منهم المحقق إلى كفاية الاتصال بالمادة في عدم الانفعال و لو لم يبلغ مجموع ماء المادة و الحياض كرا تمسكا بعموم أدلة طهورية ماء الحمام إذا كانت له مادة و بإطلاقات الأصحاب لذلك أيضا و فيه أن الأدلة بينهما عموم من وجه و الترجيح بجانب أدلة انفعال القليل لقوتها بفتوى المشهور و عمل الجمهور و الاحتياط و ظهور ماء الحمام في البالغ كرا فما زاد لندرة الناقص عن كُرّ إطلاقا و مصداقا و أطلق كثير من المتأخرين اشتراط كريّة المادة حين اتصالها بالحياض لملاقيه للنجاسة استنادا لعدم وحدة الماء و تعدده فلا يعتصم الحوض الصغير إلا بالكُر و فيه أن ذلك مع تساوي السُّطوح لا معنى له لاكتفاء جملة منهم في غير الحمام لبلوغها كُرّاً باستواء سطوح المياه إذا تعدّدت محالّها فإن لم يكن الحمّام أخف فلا يكون اشد و في مختلف السطوح بتسنم و انحدار و أن أمكن الميل إليه لشبهة إنهما ماء ان عرفا لكن لا نرتضيه أيضا لان الأقوى كونهما ماء واحداً عرفا فيعتصم السافل بالعالي مطاقا لضعفه و قوّة العالي عليه بل و يعتصم

30

مطلقاً لو لا ضعف السافل فيقع الأشكال من جهته و يحصل الشك فيما إذا تنجس العالي في اعتصامه بالسافل للشك في دخوله تحت إطلاق الكُر المحكوم بطهارته لعدم العموم المحقق بأن كل كر على أي نحو من أنحاء الوضع و أنحاء الملاقاة لم يحمل خبثاً و يمكن حمل كلام كثير منهم على خصوص العالي بتسنم كما هو الغالب في ماء الحمام فيهون الأمر أو يحمل على اشتراط الكريّة في الرفع عند نجاسة الحياض دون الدفع أو يحمل اشتراطها على المحافظة على عدم النقصان عن الكر من المجموع منها و من الحياض الصّغار.

فوائد

أحدها: لو شك ببلوغ مجموع ماء المادة و الحياض الكريّة أو شك في كريّة المادة

بناء على اشتراطها فالأظهر أنه إن علم الحالة المتقدمة استصحبها سواء قضت بتطهير أو تنجيس و استصحاب الموضوع حاكم على أصل الطهارة عند الشكّ و أن لم يعلم حالته الأولية فالأظهر الحكم هنا بالكرية عملا بالظاهر المعتضد بأصل الطهارة و بعمل المسلمين لاستعمالهم ذلك من غير سؤال عن المادة و اختبار لها من أحد و يكون الحمام ممتازا من غيره بهذه الخصوصية للزوم السؤال في غيره تحكيما لأصالة عدم الكرية حتى في الماء المشكوك به ابتداء الغير المعلوم حاله سابقاً و تحمل الخصوصية في الأخبار على ذلك و لا يتفاوت الحال بين الشك بالكريّة حالة الاتصال بالمادة أو حالة الانقطاع و تنجيس الحوض الصغير للسيرة و عمل المسلمين.

ثانيها: تثبت الكُريّة عند الشك بشاهدين أو شاهد واحد

على الأظهر مع العدالة في الكل و تثبت بقول صاحب الحمام لأنه ذو يد.

ثالثها: إذا تنجّسَ الحوض الصغير كفى اتصاله بالمادة

إذا كانت كرا أو كان مشكوكا بكريتها مع العلم بها سابقا أو مطلقا على الأظهر و عليه عمل المسلمين في جميع الأعصار و الأمصار و لو علم بعدم بلوغها الكرية لم تؤثر تطهيرا.

31

رابعها: يكفي في التطهير نفس الاتصال

و لا يشترط الممازجة و لا الإلقاء دفعة كما في غير الحمام من المياه عند تطهيرها و تخيل بعضهم أن للحمام هاهنا خصوصية بعدم اشتراط ذلك و ليس كذلك.

خامسها: لا يشترط زيادة المادة على الكُرّ عند اتصالها بالحياض في دفعه النجاسة عند الملاقاة

و لا في رفعها للنجاسة بعد حصولها بملاقاة الحوض الصغير لها لعموم طهورية الماء كتاباً و سنة و لصيرورة الجميع ماءً واحداً أو لأن ممازجة المتصل لما اتصل به و هكذا ما اتصل به ممازج للذي بعده و هكذا فاشتراط بعضهم في الرفع زيادة المادة على ما يحصل به الامتزاج مع ماء الحوض الصغير أو زيادتها على ما يحصل به الاتصال معه أو زيادتها بمقدار ما في الساقية و ما بعدها إلى أن يتصل بالحوض ضعيف مبني على ضعيف.

بحث في النجاسة ما دون الكر

يُنجّس ما دون الكر بملاقاة النجاسة للإجماع المنقول و الشهرة المحصّلة بل ربما يدعى الإجماع المحصل و خصوص الإجماع المنقول على نجاسة سؤر اليهودي و النصراني و الإجماع على غسل الإناء من الولوغ ثلاثا فإنهما بإطلاقهما شاملان لما إذا كان المائع ماء أو غيره و الإجماع المنقول على نجاسة ما يغتسل به الجنب إذا كانت على بدنه نجاسة و الإجماع المنقول على سبب الطهورية عن الماء المزيل للنجاسة و للأخبار المتواترة معنى في الدلالة على التّنجيس لدلالة كل جزء منها على معنى يلزمه التنجيس لما نفهم شرعا من لزوم وصف النجاسة لتلك الآثار كالنهي عن الوضوء فيه و الأمر بغسل الإناء من سُؤر الكلب في رواية و الأمر بغسله منه في اخرى و الأمر بغسله لسبع فيما شرب منه الخنزير في ثالثة و نهيه عن الوضوء من ماء قطرت فيه قطرة من رعاف في رابعة و تقيده بما إذا كانت اليد نظيفة للأخذ من الماء القليل في الساقية في خامسة و نفى الباس عن إدخال اليدين في الإناء قبل غسلها إذا لم يصب يده شيء في سادسه و الأمر يكفي الإناء إذا أدخلت فيه اليد القذرة في سابعه و تشبيه ماء الحمام بالجاري فيفهم منه أن غير الجاري ينفعل في ثامنه و تعليله بأن له مادة فيفهم أن منه ماء لا مادة له ينفعل

32

بالملاقاة في تاسعه و النهي عن سؤر اليهودي و النصراني في عاشره و نقي الياس عن إدخال اليد في الإناء إذا لم يصبها مني في حادية عشر و النهي عن الوضوء في ماء قد شرب منه طرفي منقاره دم في ثانية عشر و الأمر بإعادة الوضوء و غسل الثياب لمن تَوضّأ بماء قد وقعت فيه فارة فماتت في ثالثة عشر و الأمر باهراق الماء لمن أدخل يده في إناء و فيها منيّ أو بول في رابعة عشر و الأمر بالإهراق لمن أدخل اصبعه في ركوة و كانت قذرة في خامسة عشر و الأمر بإهراق الماء في ولوغ الكلب في سادسة عشر و الأمر بصبه في سابعة عشر و الحكم بتنجيس الحب من النبيذ في ثامنة عشر و الأمر بإهراق الحب إذا قطرت فيه قطرة من مسكر في تاسعة عشر و بيان عدم صلوحية ماء الحب للشرب و الوضوء إذا وقع فيه واقة بول في العشرين و الأمر بإهراق الماء و التيمُّم عند سقوط قذر في إحدى الإناءين في الواحد و العشرين و غير ذلك من الأخبار المتضمنة لحكم التنجيس بالملازمة الشرعية و لا قائل بالفرق بين أنواع النجاسات لأن العاصم للماء القليل عاصم له بجميع أنواعه من كل النحاسات على أن في جملة منها ترك الاستفصال و ترك التفصيل في مقام البيان و هو يفيد العموم إلا أن في شمولها للكيفية في التنجيس من ورود النجاسة على الماء أو وروده عليها محل بحث و تأمل و للأخبار الدالة على عدم انفعال الماء بالنجاسة و الخبث إذا بلغ كُرّاً فإنها تقضي بمفهومها نجاسة الأقل من كُرّ و تحمله الخبث و هي معتبرة حتى ادعى تواترها و مستفيضة قطعاً و معمول عليها بين الطائفة و موافقة للاحتياط و المناقشة فيها بعدم حجية المفهوم مطلقاً أو عدم حجيته إذا احتملت فائدة أخرى غيره و هي هنا محتملة لاحتمال أن التنصيص على الكر لكونه أقوى في رفع القذارة عن التغير بها و عن سلب الإطلاق عن مائه عند مخالطته لها أو غير ذلك أو عدم عموم المفهوم فيكفي فيه السلب الجزئي أو عدم عمومه لعدم عموم منطوقه أما لعدم عموم السؤر فيه أو عدم عموم الكر فيه أو لعدم عموم جواب الشرط بالنسبة إلى الخبث أو لعدم عموم الخبث المقدر في المفهوم لأنه نقيض عموم المنطوق فيكفي فيه ثبوت طبيعة الخبث أو عدم ثبوت إرادة المعنى الشرعي من لفظ النجاسة و الخبث فلعل المراد المعنى اللغوي ضعيفة جدا لأن الظاهر من

33

الأخبار و من قرائن السؤال و الجواب ضبط قاعدة كلية فيما لا ينفعل من المياه لأن فيها سألته عن قدر الماء الذي لا ينجسه شيء؟ فاجاب بأنه كر و المأتي به في مقام القاعدة و البيان يقضي بالعموم و إن كان من سور الإهمال على أن ترك التفصيل في جملة منها مما يقضي بالعموم و إلا لزم الاغراء بالجهل و لأن حمل الماء على معين ترجيح من دون مرجح و حمله على واحد ما يعود باللغو على كلام الحكيم فليس إلّا الحمل على الطبيعة المفيدة للعموم و دعوى انصراف لفظ الماء للمسئول عنه في بعض الأخبار كمياه الغدران فتكون اللام للعهد لا وجه لها لخلو أكثر الأخبار عن السؤال عن ذلك و لظهور ما فيه السؤال بإرادة بيان ضبط قانون الأصل حكم الماء لا للماء المسئول عنه فقط و لأن لفظ ينجّسه و خبثاً فكرة في سياق النفي فتفيد العموم و لأن الظاهر منهما المعنى الشرعي في لسان الأئمة (عليهم السلام) لثبوت كون النجاسة حقيقة شرعية في ذلك الزمان و كون المحتاج إلى البيان هو الخبث الشرعي و هو النجاسة دون المعنى اللغوي و لثبوت حجية المفهوم و لأن احتمال المفهوم الفائدة لا تسقطه عن الحجية و إلا لبطل المفهوم رأساً نعم طهورها مسقط و هو هاهنا ممنوع و لثبوت عموم المفهوم عرفا كما حقق في الأصول و لثبوت عمومه على نحو عموم المنطوق في الشرط و لثبوت عموم الخبث بالمفهوم في جهة عدم القول بالفعل إلا بالنسبة للفرق بين الورودين كما يأتي إن شاء الله تعالى أو من جهة فهم أن الكر علة في التطهير وجوداً و عدماً أو من جهة فهم عموم لفظ الخبث فيه كما هو في المنطوق للمقابلة في مقام البيان فظهر ضعف ما أورد على الرواية مفهوما و منطوقا و أما ما احتج به (ابن أبي عقيل) من عمومات أدلة طهارة الماء كتابا و سنة نبوية و إمامية ففيه إنها مخصوصة بما ذكرناه لقوة الخاص فيحكم على العام و من الأصول العقلية ففيه إنها معارضة باستصحاب شغل لذمة في العبادات المشروطة بها و من أنه لو لم يحكم بطهارة الماء القليل لما صَحّ تطهير متنجّس لأن المتنجس لا يطهر المتنجس ففيه أنه لا ملازمة بين الحكم بعدم الطهارة و الحكم بعدم التطهير بعد ورود الدليل أو أنه يحكم بطهارة هذا الفرد دون غيره للدليل كما يحكم بطهارة ماء الاستنجاء للدليل و من أن اختلاف الأخبار في الكر دليل الاستحباب و من

34

أن غالب أحوال المسلمين عدم الاجتناب عن مساورة الصبيان و الجوار و من لا يعرف النجاسة في أوانيهم المشتملة على الماء القليل و من أن الحكم بالتنجيس يؤدي للعسر و الحرج و المشقّة و يوصل للوسواس المنهي عنه و من أن حمل أخبار الكُرّ على الاستحباب أقرب لوجه الجمع بين الأخبار و كذا حمل أخبار المنهي على الكراهة و الأمر على الاستحباب في الأخبار المستدل بها على التنجيس و من أن أخبار التنجيس مفهومية و أخبار التطهير منطوقية و الأول لا يعارض الثاني و من أن ما دل على النهي عن الوضوء محمول على إرادة التنزه عن خصوص الوضوء لأن ماءه ليس كباقي المياه ففي جميع ذلك أنه بعد تسليمه إنما يصلح أن يكون إمارة أو مؤيدا للدليل عند خلوه عن المعارض القوي و مع المعارض الأقوى لا يصلح جميع ذلك لإثبات حكم شرعي لضعفه و عدم سلامته أكثره و بنائه على أصول و قواعد لا نقول بها نعم (لابن أبي عقيل) الاستدلال بالأخبار المتضمنة لجواز استعمال الغدير الواقع فيه الجيفة في رواية و استعمال الماء يمر به الرجل و فيه الميتة و الجيفة في اخرى و استعمال الماء الذي يلغ فيه الكلب في ثالثه و استعمال الماء فيه دابة ميتة قد أنتنت إذا لم يغلب النتن على الماء في رابعه و الأمر بالوضوء من الناحية التي ليست فيها الميتة في خامسه و جواز الوضوء في الغدير الذي يكون فيه العذرة و يبول فيه الصبي و الدابة المعلل بأن الدين ليس بضيق في السادسة و نفي اليأس عن الحياض التي يبال فيها إذا لم يغلب البول الماء في سابعه و نفي لباس عمن غمس يده في الماء و هي قذرة في ثامنه و تجويز النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) استعمال الماء الوالغة فيه الكلاب في تاسعة و غير ذلك من الأخبار الدالة بإطلاقها على طهارة الماء الشامل للقليل و الكثير و كذا بالرواية الدالة على طهارة الماء إذا لم يتغير بسقوط الفارة و الجرذ فيموتون و كذا الرواية الدالة على صلوحيّة لوضوء من ماء الإناء الذي أصابه دم من رعاف إذا لم يستبين و الرّواية الدالة على نفي البأس عن غسالة ماء الحمام و الرواية الدالة على تطهير العجين الواقع في مائه ميتة لأن النار أكلت ما فيه و هو لا يصلح للتعليل فليس إلا لعدم انفعال الماء القليل و الرواية الدالة على جواز استعمال الماء القليل بوصف القلة و يداه قذرتان و الرواية الدالة على نفي البأس عن

35

الاستقاء بجلد الخنزير و الأخرى النافية للبأس عن الاستقاء بحبل شعر الخنزير و الرواية الدالة على وضوء الامام (عليه السلام) من دلو خرجت فيه عذرة يابسة و الرواية الدالة على طهارة ماء الراوية الواقع فيها فارة أو جرذ و لم يتفسخا و الرواية الدالة على نفي البأس عن ماء الإناء الواقع فيه ماء واقع من أرض يبال فيها و الروايات الدالة على جواز استعمال الماء الملاقي للنجاسة عند الضّرورة أو عند عدم غيره و لو كان نجساً لما جاز استعماله مطلقا و الرواية المعلّلة لطهارة ماء الاستنجاء بأن الماء أكثر من القذر و مقتضى العلة تسرية الحكم و غير ذلك مما شابه ذلك و الجواب عن هذه كلها أنا لو خلينا و ورود هذه الأخبار من دون معارض يقوى عليها للزم الأخذ بمضمونها لتكثرها و موافقتها لعموم الكتاب و السنة و اعتضاد بعضها ببعض و لكن لماّ عارضها ما هو أقوى منها سندا و أكثر عددا و أشهر فتوى و ابعد عن فتاوى العامة و أقرب لمذاق الخاصة و انسب للاحتياط و أوفق للإجماع المنقول و لما عليهِ عمل القدماء الفحول وجب تقديم المعارض عليها و اطراحها أو تأويلها و لو أن الماء القليل حكمه كما يقول (ابن أبي عقيل) لما خفي على أهل الشرع جيلا بعد جيل و لكان أمره واضح السبيل و لجرت عليه سيرة الأمة و أصحاب الأئمة لتوفر الدواعي إلى ذلك و تكثر الرغبات لما هنالك و لو ضممنا إلى ذلك المناقشة في سند الأخبار لوجدناها غير نقية لو دققنا في دلالتها لوجدناها ضعيفة غير قوية لأن كثيراً منها عمومه من ترك الاستفصال و شرط عمومه عدم ظهور فرد ينصرف إليه الإطلاق و المفروض أن الفرد الظاهر منها كون الماء المسئول عنه كُراً و أزيد و ذلك كأخبار الغدران و جملة منها يدل على الطهارة بلوازم غير مسلمة كرواية حبل الخنزير و رواية العذرة و من المحتمل عدم أصابته و أصابتها الماء مع عدم تحقُّق إرادة العذرة النجسة و كرواية جلد الخنزير و من المحتمل أن السؤال عن جواز استعماله لا عن طهارة الماء أو عن سقي الخضروات به و الزرع و شبهه و كرواية الإناء و من المحتمل وقوعها فيه لا في الماء و كرواية الرعاف و من المحتمل إرادة العلم بالوقوع من لفظ الاستبانة لا الرواية البصرية و كرواية المركن و من المحتمل أن حكمه حكم ماء الغسالة و أن غسله في المرة الأخيرة بماء جديد و كرواية العجين و من المحتمل

36

طهره في النار أو تأخُّر وقوع الميتة في العجين و كرواية الحمَّام و من المحتمل طهارة غسالته لعدم العلم بنجاستها و كروايات الضرورة و من المحتمل حملها على التقية و كذا رواية الأذن مع عدم وجود غيره بل الظاهر ذلك إلى غير ذلك.

فوائد:

أحدها: لا فرق في انفعال القليل بالنجاسة بين النجس و المتنجس

لإطلاق مفاهيم الأخبار و ترك الاستفصال في جملة منها بين النجاسة و المتنجس لإطلاق الخبث و القذر فيها و لم نر مخالفا في ذلك يعتد به و لا فرق أيضاً بين كثير النجاسة و قليلها و بين من لا يدركه الطرف منها و ما يدركه و بين أن تكون ما لا يدركه الطرف و ما بين أن يكون غيره و بين أن يرد الماء على النجاسة و بين أن ترد عليه و بين أن يكون الوارد للغسل من الخبث و بين أن لا يكون كذلك وفاقا للمشهور لعموم المفهوم في أخبار الكُر لعموم الماء في المفهوم و لظهور إرادة التقسيم في المياه بين الكُر و الأقل منه سيما في مقام البيان فيقضي بحملان الخبث في القليل على أي نحو كان و بأي خبث كان لعدم القائل بالفصل إلا فيما سيأتي إن شاء تعالى و لترك الاستفصال في جملة من الأخبار بين وقوع النجاسة فيه أو وقوعه عليها لأن وجودها في الماء أعم منهما و لحكم الامام (عليه السلام) بنجاسة الماء الواقع فيه نجاسة مع احتمال وقوعه عليها و الأصل الطهارة و لتنقيح المناط بين الورودين نعم ما عَليَّ على الوارد نفسه المتصل بالنجاسة طاهر لا يسري إليه الخبث و إلا لنجّست كل الأواني عند غسلها لو سرت النجاسة من السافل إلى العالي و ذهب الشيخ (رحمه الله) إلى عدم نجاسة القليل مما لا يدركه الطرف من النجاسة مطلقا أو من نجاسة الدّم بالخصوص و استضعافا لعموم الخبث في المفهوم و لشمول أدلة نجاسة ماء القليل لما لا يدركه الطرف و لرواية (علي بن جعفر) الدالة على طهارة الماء إذا لم يستبين فيه الدم و فيه أن الخبث و إن لم يكن عاما في نفسه لكنه في مقام البيان و التفصيل ظاهر في العموم و كثير من أدلة نجاسة الماء القليل شامل للقليل من النجاسة و الكثير و صحيحة (علي بن جعفر) إن لم تكن ظاهرة في إرادة العلم بالوقوع من الاستبانة فهي محتملة لذلك احتمالا مساويا يسقط معه الاستدلال بها و ذهب المرتضى إلى عدم نجاسة

37

الماء بوروده على النجاسة استنادا للأصل مع الشك في شمول المفهوم الوارد من الماء و الشك في شمول الأدلة الباقية له و لرواية (عمر بن يزيد) الدالة على طهارة الماء الواقع على الأرض التي يبال فيها و يغتسل من الجنابة الواقع في الإناء و لأنه لو حكم بنجاسة الوارد لما طهر الماء نجسا يرد عليه ما عدا المعتصم لأن النجس لا يطهر و فيه أن العموم و إن لم يقضِ به اللفظ و لكنه يقضي به المقام و كثير من أدلة نجاسة ماء القليل شامل لذلك لترك الاستفصال فيها و الرواية ليست صريحة في وقوع الماء على الماء و من المحتمل وقوعها في الإناء فقط أو كون الماء الواقع لم يباشر نفس موضع البول بل الأرض المشتبهة و ما باشر المشتبه المحصور طاهر و الملازمة بين التطهير و الطهارة ممنوعة أولا أو نسلّمه لكن فيما تستوي نجاسة الماء لحالة التطهير ثانياً أو القول بها للدليل من سيرة أو إجماع ثالثاً أو الحكم باقتران التطهير للتنجيس إناء واحد رابعا على أن في رواية العيص دلالة على انفعال ماء الغسالة.

ثانيها: يطهر القليل النجس إذا لم يكن متغيراً باتصاله بالكثير

سواء كان متساوي السطوح مع الكثير أم كان أعلى و سواء امتزج به أو لم يمتزج و سواء القى عليه الكثير إلقاء من فوق أو نَزَّ عليه من تحت و سواء كان الإلقاء دفعة أو تدريجا كل ذلك لعموم أدلة طهورية الماء و أصالة عدم اشتراط شيء آخر من إلقاء أو امتزاج أو دفعة لسريان الطهارة من كل جزء إلى الجزء الآخر من الماء و لصيرورتهما ماء واحدا عرفا فلا يكون بعضه طاهر و بعضه نجس كما هي القاعدة المأخوذة من الاستطراد، نعم لو كان الكثير أسفل تسنيمياً أو تسريحاً لم يؤثر تطهيراً في الأعلى لضعف السافل عن رفع نجاسة الأعلى كما يضعف السافل عن سريان النجاسة منه إلى الأعلى في جميع المائعات لأن السراية على خلاف الأصل لأصالة الطهارة، نعم في المتساوي المائع تتحقق السراية لصدق أنه ماء و لاقته النجاسة مع قابلية كل جزء منه لتنجيس الجزء الآخر مع قابليته للانفعال دفعة بخلاف السافل مع العالي و بخلاف الجامد من المائعات كالشحم و العسل في الشتاء فإنه و إن أمكن أن يقال أن كل جزء منه لاقا جزء آخر رطبا فينجّسه لكنه مشكوك بقابليته للانفعال فيه لمنع كلّية هذه المقدمة في مفروض المسألة لأن

38

عمدة دليلها الإجماع و هو غير متحقق في مفروض المقام و على كل حال فمشترط الدفعة أو مشترط الإلقاء من فوق أو مشترط الامتزاج أو مشترط الفوقية أو المساواة لإخراج النابع من تحت كما يظهر من عباراتهم لا نقول به و لا يطهر القليل باتصاله بالقليل و إن على الطاهر عليه الانفعال كلما يصل إليه من الماء القليل و لأن المتيقّن من تطهير الماء هو اتصال ما لا ينفعل به من مادة و كر و شبههما كما تشير إليه الأخبار و أما القليل فلما كان شأن التطهّرية نفوذ ماء الغسالة من المُتطهّر به و كان ذلك غير ممكن في الماء فلم يكن القليل حينئذ قابلا لتطهير الماء بل كان الغالب عليه النجاسة لانفعاله و تنجسه فلا يحصل التطهير به حتى على القول بطهارة الماء القليل فإن القائل بطهارته لا يلتزم بلا يديه تطهيره للماء النجس نعم يلتزم بوجود ماء بعضه طاهر و بعضه نجس و أوجب بعض إلقاء الكر دفعة لتطهير الماء لأنه المتيقن و لرواية مرسلة و نسب لمشهور المتأخّرين و هما ضعيفان لا يصلحان سندا لمطلوبهم سواء فسرت الدفعة بوقوع الماء على الماء دفعة واحدة عرفية بمعنى أنه لا ينزل تدريجا أو فُسّرت بوقوع الماء على الماء متواصلا حتى يتم كرا بمعنى أنه لا ينقطع في الأثناء بحيث يكون وقوعه دفعات فإنا لا نوجبها بكلا المعنيين لكفاية الاتصال بالكر عندنا نعم لو ألقى شيء من الكر و عند نزول ذلك الشيء انقطع اتصاله بالكر قبل اتصاله بالماء النجس لم يكن مفيدا للتطهير و كان بخسا عند وقوعه على الماء النجس لأنه ماء قليل لاقى نجساً و يظهر من بعضهم وجوب الإلقاء من فوق فلا يكفي المساواة بين الماءين و هو أبعد من سابقه و يظهر من آخرين وجوب المساواة أو الفوقية فلا يكفي النبع من تحت و لا يكفي الرشح و إن كان دفعة و هو بعيد أيضا و ذهب جمع إلى اشتراط الامتزاج بين الماء الطاهر و الماء النجس لأنهما مع عدمه ماء ان فيلحق كل منهما حكمه استصحابا و لا شأن التطهر في الماء نفوذه فيما يطهره و ليس هنا إلا الامتزاج و لأن سراية الطهارة من جزء إلى آخر خلاف الأصل كسراية النجاسة إلا أنه قام الدليل على أن النجاسة متى حلت في ماء قليل أو مضاف نجست جميعه و لم يعلم أن ذلك من جهة السراية أو من جهة التعبُّد و لم يقم إجماع على أن طهارة البعض تسري إلى طهارة المجموع و لأنه مع عدم الامتزاج يجوز اتصاف

39

ماء واحد بأن بعضه نجس و بعضه طاهر و لا دليل على منع ذلك و لعدم عموم أدلة طهورية الماء لجميع كيفيات التطهير و أحواله حتى أنه ينقطع استصحاب النجاسة كما أنه لا عموم فيه لتطهير جميع أفراد المتنجّسات و كونه في سياق الامتنان إنما يقضي بعموم الماء لجميع أفراده من حيث قابليته للتطهر و لا يقضي بعموم أفراد المتطهر به و كيفيات التطهير و لم يقم دليل خاص على أن الماء يطهر الماء فكان بمقتضى القاعدة بقاؤه على النجاسة كغيره من المائعات و لا يطهر إلا بالاستهلاك و لكنا خرجنا عن القاعدة مع الامتزاج للإجماع فبدونه يبقى على القاعدة و لأنه ورد أن الماء يُطَهّر و لا يطهر خرج من ذلك مع الامتزاج و بقي غيره تحت الرواية و هذا المذهب قوي في النظر إلّا أنه لا يخلو عن نظر لأن الناظر في أخبار الحمام الدالة على أن ماءَه كالجاري يطهر بعضه بعضا و أنه لا ينجّسه شيء لأن له مادة و غير ذلك يجد أن للماء خصوصية من دون باقي المائعات في التطهير و أنه يكفي فيه مجرّد الاتصال و أنه لا يفتقر إلى نزوله من فوق و إلى وقوع الكر على الماء النجس دفعة و أن اتصال أجزاء الماء بعضها ببعض قاض بالتطهير دفعة واحدة كما تقضي بالتنجيس بل هو امتزاج بالحقيقة لامتزاج كل جزء بالجزء المتصل به و هكذا و أن اتصاف ماء واحد بان بعضه طاهر و بعضه نجس في محل واحد غير ممكن لأنه أما أن يغلب الطاهر فيطهر بعضه بعضا أو يغلب النجس فينجس الطّاهر كالماء القليل و لا قائل بالثاني في الكثير و ان اتصال القليل بالكثير يصيرهما ماء واحداً عرفاً فيدخل تحت قوله (عليه السلام): (إذا كان الماء قدر كر لم يحمل خبثا و لم ينجسه شيء و لا يكون ماء واحداً بعضه طاهر و بعضه نجس) كما يشهد به الاستقراء لموارد الأخبار و كلام الأخبار و على ما ذكرنا فيطهر الماء القليل باتصاله بالكثير و إن لم يغلب طعم الكثير عليه و لم تخلطه أجزاء منه بنية فيه و لا يتفاوت بين و ضعة في الكثير كقارورة فيها ماء حلو توضع في كيّ مالح بحيث لم يتغير طعم الحلو و بين وضع الكُر عليه و لا يشترط زيادة المطهر على الكُر على جميع الأقوال المتقدمة بناء على اعتصام السافل بالعالي و كونهما ماءً واحداً عرفاً، نعم على القول بعدم الاعتصام يلزم اشتراط الزيادة على الكر بقدر ما يجري منه إلى الماء القليل إذا كان

40

أسفل منه أو كانا في محَلين متغايرين قلنا لعدم اعتصام ما بينهما بالطاهر لتعدد المحل و لكنا لا نقول بشيء من ذلك لقوله (عليه السلام): (إذا بلغ الماء قدر كُر لم يحمل خبثاً).

ثالثها: لا يطهر القليل بإتمامه كُرّاً من الماء طاهر أو ماء نجس

للاستصحاب و الشك في كون بلوغ الكريّة من المطهّرات و للأخبار الناهية عن غسالة ماء الحمام و لأن كل قليل ينجس عند ملاقاة النجس فيحتاج للتطهير فلا يؤثر فيه إتمامه كرا و ذهب جمع إلى طهارته بإتمامه كرا من ماء طاهر و آخرون إلى طهارته بإتمامه مطلقاً و نقل عليه الإجماع و استند لروايته لم يحمل خبثاً و إلى أن الماء قد قوي بعد الاتّصاف بالكُريّة سقط فيرفع عن نفسه ذلك كما انه يدفعه و إلّا إنه لو لم يحكم بطهارة ماءٍ وجد فيه نجاسة لاحتمال يسقيها على الكُرّية و فيه أن الإجماع ممنوع الانفراد بفعله و مصير الأكثر إلى خلافه و الرواية ظاهرة في الرفع بعد طهارته لا في الدفع بعد نجاسته كما يقال (فلان لا يحمل الضيم) على أنها مرسلة و نقل الإجماع على مضمونها لم يثبت كما ذكرنا إن لم يثبت العدم و قياس الرفع على الدفع قياس مع الفارق لنقصان قوة الدفع عن الرفع بعد حصوله قطعاً و الحكم بطهارة الماء الواقع فيه نجاسة عند الشك في وقوعها إنما كان لأصالة الطهارة لا لطهارة الماء المجتمع من النجس.

رابعها: لا يطهر الكُرّ إذا كان نجساً إلا باتصاله بجار أو ماء مطر أو كر آخر

سواء وقع عليه أو وقع هو عليه أو اتصلا فقط و سواء كان الوقوع دفعة أو تدريجا و سواء امتزج به أو لم يمتزج لظاهر أخبار الحمام الدالة على أن المادة رافعة لنجاسة الماء الذي ما تحتها و دافعة لها مطلقا و لصيرورة الماءين ماء واحداً و المفهوم من الاستقراء عدم اتصاف ماء واحد بنجاسة بعض و طهارة آخر، نعم لو كان الكر الطاهر اسفل من الكر النجس بتسنيم و كان الكر النجس جاريا عليه لم يؤثر فيه تطهير العدم قوته و قاهريته و شرط المطهر القوة و القاهرية كما هو المتيقن من الأخبار و كلام الأصحاب و أن سمّي الماء ان ماءً واحداً كما أن الكُرّ المجتمع من الماء الأعلى و الأسفل إذا بلغ مقدار كر لا يعصم نفسه إلّا إذا وقعت النجاسة في أسفله و لو وقعت في أعلاه تنجّس الأعلى و أن سمي ماء واحداً الضعف اعتصامه بالسافل و لا يطهر الكر النجس

41

لنفسه عند زوال التغير عنه كما ذهب إليه جمع لعموم قوله (لم يحمل خبثاً) و لقوته في الرفع كقوته في الدفع لما ذكرناه من ضعف الرواية سندا و دلالة على المطلوب و من أن قياس الرفع على الدفع قياس مع الفارق.

خامسها: لو جمد الكُر كان كسائر الجامدات ينفعل بالملاقاة

و لا تسري نجاسته إلى جميعه لجموده و لأصالة عدم السراية و لو ذاب بعضه دون بعض جرى على الذائب حكم الماء المنفرد من القلة و الكثرة و على الجامد حكم الجامد و هل يطهر الجامد بغسله في الماء القليل أو لا يطهر وجهان أقواهما الطهارة.

سادسها: لو وجد في الكُر نجاسة شك في زمن وقوعها إنها بعد حصول الكرية أو قبلها

فالأصل طهارة الماء و إجراء أحكام الطاهر عليه لتعارض اصلي تأخّر كل من وصفي وقوع النجاسة و بلوغ الكُرّية عن الآخر و تساقطهما و بقاء أصل الطهارة سليما عن المعارض و يحتمل ضعيفاً الحكم بالتّنجيس لأصالة انفعال الماء إلا مع البلوغ كُراً و هو مشكوك فيه و الأصل عدمه و لأن الكرية شرط لعدم الانفعال و الأصل عدم حصول الشرط و يحتمل احتمالا موافقاً للاحتياط أنه إن علم تاريخ النجاسة حكم بتأخير بلوغ الكرّية عنها فيحكم بالنجاسة و إلا فيحكم بالطهارة و الأقوى الأول لقوة أصل الطهارة الشرعية و العقلية استصحابا و براءة و لو وجدنا في ماء نجاسة و شك في نقصانه عن الكُر بعد حصول وصف الكُرّية له فلا شك في الحكم بطهارته للأصل و الاستصحاب و لو شك في كريته ابتداء احتمل الحكم بطهارته و إن كان الأصل عدم حصول وصف الكُرّية لأصل الطهارة الشرعي و الاستصحابي و البرائي و احتمل الحكم تنجيسه مطلقاً لأن أصالة عدم الكُرّية أصل موضوعي فهو حاكم على الأصل الحكمي و مثبت للوازمه و احتمل الحكم بتنجيسه بالنسبة لاستعماله في الطهارات دون الأكل و الشرب لأصالة الشغل فيها و احتمل الحكم بتنجيسه بالنسبة إليهما أيضا دون تنجيس ما باشره الاستصحاب طهارة المباشر فهو نجس لا ينجس و احتمل وجوب اختباره عند وجوب استعماله للتطهير أو الأكل و الشرب و غير الوجوه الحكم بنجاسته مطلقاً.

42

سابعها: عدم انفعال الكُر شامل لكل ماء مطلق

بأي مكان كان في غدير أو حوض أو آنية أو قربة أو غير ذلك لعموم أدلة عدم الانفعال الناشئ من ترك الاستفصال في أكثر الأخبار و ما في بعض الأخبار من السؤال عن الغدران لا يخصص الباقي و دعوى انصراف ما في الأخبار إلى مياه الغدران و نحوها دون الحياض و الأواني ممنوع في ماء الغدران أكثر وجوده و الأكثرية لا تستلزم انصراف الإطلاق إليها على أن الأخبار خارجة مخرج القاعدة فلا تتصرف إلى المسئول عنه و لا إلى الأكثر وقوعا و قد ورد في خصوص الحياض التي بين مكة و المدينة رواية تقضي بأن حكم الحياض حكم غيرها كما هو فتوى المشهور و عليه عمل الجمهور و لا قائل بالفصل بينهما و بين الأواني و ذهب جمع إلى نجاسة الكر في الحياض و الأواني و كأنه استند إلى ترك الاستفصال في الحكم نجاسة ماء الأواني عند وقوع النجاسة فيها كما ذكرنا ذلك في أدلة نجاسة الماء القليل و هو ضعيف لانصراف مياه الأواني في السؤال و الجواب إلى الأقل من كُر كما هو المعهود إطلاقاً لقدرة بلوغ ماء الأواني كراً و بلوغ نفس الآنية قدر كر قطعاً.

بحث في الماء الكر

يدور اسم الكر مدار وحدة الماء عرفا فكل ماء صدق عليه أن قدره كر كان رافعا و الظاهر أنه يكفي في صدق الوحدة اتصال الماء بعضه مع بعض اتصالا ظاهراً أو خفياً من بليلة أو ساقية رفيعة أو انبوبة أو غير ذلك و لا يتفاوت الحال بين تعدد الإناءات و عدمه فلو وصل بين إناءات متعددة في حوب أو قرب أو غير ذلك من صغار أو كبار و لو بواصل ضيق كان كاف في ثبوت الموحدة كما أنه لا يتفاوت الحال بين استواء سطوح الماء و بين عدمه و لا في العالي و السافل بين كون العلو تسريحياً أو تسنيمياً لكن الذي يقوى في النظر أنه مع الحكم بالاتحاد يشترط في اعتصام بعضه ببعض قوة المعتصم بحيث يساويه في السطوح أو يعلو عليه و يكون أسفل منه تسريحيّاً أو تسنيميّاً لكنه ساكن فلو أصابت السافل أو المساوي نجاسة لم ينفعل الماء لانقهاره بالعالي المتمم له كُرّاً و لو أصابت العالي الجاري إلى السافل نجاسة لم يعتصم بالسافل

43

إذا كان السافل تسنيمياً لضعفه عن عصمة العالي لانقهاره به كما أنه في الرفع بعد حصول النجاسة لو تواصل الماء إن كان العالي عند بلوغه كُرّاً رافعا لنجاسة ما تحته و كذا المساوي و المنحدر و السافل غير رافع لنجاسة ما فوقه إذا كان ما فوقه جاريا إليه، نعم لو كان ما فوقه ساكنا غير واقع عليه اعتصم به أيضاً فعلى ذلك كل سافل يعتصم بالعالي في الدفع و يتقوى به و يتأثر بالعالي في الرفع و يطهر به إذا كان العالي معصوما و العالي إذا كان واقعاً على السافل لا يعتصم به في الدفع و لا يتأثر به في الرفع و دعوى أن القول بوحدة الماء مستلزم لاعتصام كل منهما بكل منهما لأنه داخل في عموم إذا بلغ الماء قدر كر لم يحمل خبثاً و مستلزم لتطهير كل منهما لكل منهما إذا كان المطهر معصوماً لاستحالة اتصاف ماء واحد بأن بعضه طاهر و بعضه نجس فما معنى للتفرقة مردودة بأن المتبادر من أدلة اعتصام الكر بعضه ببعض كونه متساوي السطوح أو مجتمع في مكان واحد أو في مكانين لا يضعف أحدهما عن عصمة الآخر و السافل ضعيف عن عصمة العالي كما أنه في الرفع لا يكفي وحدة الماء فقط بل لا بد من قوة المطهر و قاهريّته و الأسفل عند جريان الأعلى إليه يكون مقهورا فلا يؤثر به رفعا و كون أن الماء الواحد لا يصير بعضه طاهر و بعضه نجس مسلم في المجتمع في مكان واحد عرفا لا مطلقاً و يظهر من جمع من أصحابنا الحكم بتعدد الماءين عند اختلاف السطوح بالتسنيم أو مطلقاً فعلى ذلك لا يعتصم أحدهما بالآخر في الدفع و لا يؤثّر فيه في الرفع إلا إذا كان العالي معصوماً و وقع على السافل فإنه يعصمه و يرفع عنه النجاسة لا لكونهما ماءً واحداً بل لكون العالي مطهر و عاصم إذا كان معصوماً للدليل الدال على ذلك من أخبار الحمّام و شبهها المشتملة على التعليل بالمادة و المشبهة بالجاري.

بحث في حدّ الماء الكُر

الكُر من الماء ما بلغ وزنه ألف و مائتا رطل و الخليط الغير المعتاد لا يحتسب من الموزون على الأقوى و الأظهر لفتوى المشهور و عمل الجمهور و الأخبار المعتبرة المنزّلة منزلة الصحيح على المذهب الصحيح لأن مراسيل (ابن أبي عمر) مُنزّلة منزلة الصحاح إذا صح إليه السند و للإجماع المنقول كما يظهر من الفحول و المراد بالرطل

44

الرطل العراقي كما نسب لفتوى المشهور و نقل عليه الإجماع و لأن الراوي عراقي و كذا السائل بقرينة رواية (ابن أبي عمر) عنه و كونه من أصحابه فيحمل اللفظ على اصطلاحه لأن الظاهر من حال المتكلم العالم متعدد الاصطلاح المريد للبيان الجري على الاصطلاح المخاطب للتفهيم إلا مع نصب قرينة على إرادة اصطلاحه أو علم بعلم المخاطب باصطلاحه و حمل اللفظ من المخاطب عليه و كلامهما الأصل عدمه لأصالة عدم القرينة و عدم علم المخاطب باصطلاح المتكلم و دعوى أن الأصل في الكلام حمل اللفظ على اصطلاح المتكلم لأن استعماله في اصطلاح المخاطب مجاز لا يُصار إليه مُسلّمة فيما إذا علم كل منهما باصطلاح الآخر و علم كل منهما بعلم الآخر بالتعدُّد و إذا لم يعلم المتكلم بتعدد الاصطلاح أصلا و ممنوعة عند جهل المخاطب بالتعدُّد لأن وظيفة الشارع البيان كما أن دعوى استعمال اللفظ على اصطلاح المخاطب مجاز ممنوعة أيضاً لأنه تنزيل المتكلم نفسه منزلة المخاطب في الاصطلاح لا يصيره مجازا على الأظهر و يدل على أن المراد بالأرطال الأرطال العراقية ورود الصّحيح بأنه ست مائة رطل بحمله على المكية لأنها ضعف العراقي و هو خير من طرحها و لما قيل أن (محمد بن مسلم) طائفي و إشعار بعض الروايات بإرادة العراقي من الرطل في كلام الإمام (عليه السلام) مطلقاً و فهم المشهور أيضا فإن فهمهم معين لأخذ فردي المشترك لوجوب اتباع الظن في موضوعات الألفاظ و عدم معلومية كون السؤال بالمدينة كي يرجح الحمل على المدني و أن الكر في الأصل مكيال لأهل العراق و ذهب (المرتضى) و جمع إلى أن الأرطال هي الأرطال المدنية و هو رطل و نصف بالعراقي لأن المسئول مدني و الظاهر الحمل على اصطلاحه و للاحتياط و للإجماع المنقول منه و لقربه لرواية الأشبار المشهورة و فيه نظر لأن عزم السائل مقدمة هنا على عرف المسئول لما ذكرنا و الإجماع ممنوع لمصير المشهور إلى خلافه و معارضته بمثله و الاحتياط معارض بمثله كذلك في كثير من الموارد على أن الأصل شرعاً و عقلا الطهارة و غاية ما خرج منه ما ليس بكُر قطعاً فالمشكوك به على أصل الطهارة و هو أوان لم يخلو عن نظر لأن الأخبار دلّت على أن الكُر لا ينفعل و الأقل منه ينفعل فالمشكوك فيه ما يقضي الأصل

45

بعدم كُرّيته فيحكُم عليه بالنجاسة لكنه يصلح أن يكون مؤيدا كما يصلح أن يكون مؤيدا أصالة عدم زيادة الكر و عدم سعته و كثرته و لا يصلح أن يكون دليلا لأن الأصل لا يجري في معرفة الموضوعات اللفظية و أما قربه من رواية الأشبار فهي و إن صلحت للتأييد لكنها لا يعارض ما قدمنا و الرطل عبارة عن مائة و ثلاثين درهما وفاقا للمشهور و الاحتياط و عليه شهرة الفتوى و النقل و الدراهم كل عشرة سبعة مثاقيل شرعية و المثقال هو الذهب الصنمي الدينار فالرطل واحد و تسعون مثقالا شرعيا و الخليط المعتاد في الوزن يحتسب في الوزن و ذهب العلامة (رحمه الله) إلى أن الرطل مائة و ثمانية و عشرين درهما و اربعة أسباع دراهم فيكون عبارة عن تسعين مثقالا و الأول أقوى لقوة الأخذ بالمشهور في الموضوعات اللغوية و مكاتبة الهمذاني لأبي الحسن (عليه السلام).

بحث آخر في حد الكر

و للكُر حد بالمساحة و الأقوى فيها أنه ما بلغ ثلاثة أشبار طولًا في مثلها عرضا في مثلها عمقا فالمجموع من مساحته سبعة و عشرين شبرا كما ذهب إليه القُمّيون لقربها من رواية الأرطال على المذهب المشهور و قربها من رواية (الحب و القُلتين) و أكثر من رواية و أقربيته للجمع بين الروايات بحمل الزائد على الاستحباب و لصحيحة (إسماعيل بن جابر) الكر ثلاثة أشبار في ثلاثة أشبار و الظاهرة في مخاطبات أهل العراق في إرادة بيان الأبعاد الثلاثة و إن ترك البعد الثالث للاختصار و قد ورد كثير مثله في العرف و اللغة و ورودها بطريقين في أحدهما (محمد بن منان) غير ضائر لاشتمال الأخرى على عبد الله و لا كلام فيه و لوثاقة (محمد ابن سنان) على الأظهر و القول باشتباه (عبد الله) بمحمد في الثانية ليس بأولى من القول باشتباه محمد بعبد الله في الثانية و توسط كل منهما بين ابن خالد و ابن جابر و جائز لاستوائهما في الطبقة و لرواية المجالس المصرحة بما اخترناه و لصحيحة ابن جابر الأخرى المصرحة بان الكُر ذراعان عمقه في ذراع و شبر سعته بناء على أن الذراع شبران كما يلوح من أخبار المواقيت و بناء على أن المراد بالسعة هي قطر المستدير كما هو الظاهر من لفظ السعة و من أن

46

التعارف استدارة الكُر لأنه مكيال زمن الصدور لأهل العراق فإذا ضرب نصف القطر (القطر الخط المستقيم الواصل بين جانبي الدائرة مع وقوعه على مركزها) و هو واحد و نصف بنصف المحيط و هو أربعة و نصف لأن كل قطر في المستدير ثلث المحيط به بلغ ستة و ثلاثة أرباع فإذا ضربت في أربعة العمق حصل المكسر سبعة و عشرون شبرا و لقربه من رواية (أبي بصير) الدالة على القول المشهور عند حملها على خلاف ما ذهبوا إليه من بيان الأبعاد الثلاثة من إرادة بيان الشكل المستدير في الضّرب فيكون القُطر ثلاثة و نصف و العمق كذلك و يكون الحاصل من ضرب نصف القطر و هو واحد و ثلاثة من نصف المحيط و هو خمسة و ربع و المجموع في ثلاثة و نصف ثلاثة و ثلاثين تقريباً لا تحقيقاً و ابقاء صحيحة (إسماعيل) و رواية (أبي بصير) على ما فهمه كثير من الأصحاب منهما يؤدي إلى إرادة الستة و ثلاثين شبراً في الأول و اثنين و أربعين شبراً و سبعة أثمان في الثانية و لا قائل بالأولى و لا مقاربة لسائر الأخبار في الثاني و ذهب المشهور على النقل المشهور إلى أن الكُر ما بلغ مكسره اثنين و أربعين شبراً و سبعة أثمان و نقل عليه الإجماع و هو الأوفق بالاحتياط و استدل عليه برواية (أبي بصير) إذا كان الماء ثلاثة أشبار و نصف في مثله ثلاثة أشبار و نصف في عمقه في الأرض فذلك الكر من الماء و رواية (الحسن بن صالح الثوري) في تحديد الكر في البئر ثلاثة أشبار و نصف عمقها في ثلاثة أشبار و نصف عرضها و تحصيل الشهرة المحقّقة لم يثبت و منقول الإجماع مع معارضة فتوى الاساطين لا يفيد الظن و الاحتياط يفيد الاستحباب لا لإيجاب و الرواية الأخيرة ظاهرة في الشكل المستدير كما هو في شكل البئر و الرواية الأولى لا تخلو من ضعف في السند و الدلالة أما الأول فلاشتماله على (أحمد بن محمد بن يحيى) و هو مجهول و (عثمان بن عيسى) و هو واقفي و (أبي بصير) و هو مشترك بين الثقة و الضعيف و هذا و إن أمكن الجواب عنه بأن (أحمد بن محمد بن يحيى) وقع التهذيب كذلك و لكنه في الكافي و هو أضبط (محمد بن يحيى) عن (أحمد بن محمد) و الظاهر أنه (أحمد بن محمد) بن عيسى لروايته (عثمان بن عيسى) مكرراً و رواية (محمد بن يحيى العطار) عنه كذلك أو (محمد بن خالد) لروايته عنه أيضاً و كلاهما ثقة

47

فتحميل رواية التهذيب على التصحيف و أما (عثمان بن عيسى) فهو و إن كان واقفياً إلا أنه قد نقل الشيخ الإجماع على العمل بروايته و رواية أمثاله و نقل عن الكشّي قولًا بأنه من أهل الإجماع فيكون خبره حجة على أنه مجبور بالشهرة المنقولة و أما أبا بصير فالظاهر أنه (ليث المرادي) بقرينة رواية ابن مسكان عنه مكررا و الظاهر أنه (عبد الله) و هي قرينة في تعين المشتركات و لا يضر ما نقل بعضهم من أن ابن مسكان قد نقل عن (أبي بصير) الحي (ابن القاسم) لأنه لو سلم فهو من النادر و (عبد الله بن مسكان) من أهل الإجماع على أنه نقل بعض العلماء أن أبا بصير مشترك بين ثلاثة كلهم ثقاة و لكنه مع ذلك يؤثر ضعفا في الرواية عند التعارض و الترجيح بين الأدلة و أما الثاني فلظهور الرواية في الدوري لعدم اشتمالها على البعد الثالث و هو مشعر ببيان الشكل المستدير دون غيره كرواية الحسن بن صالح المتقدمة فيكون الحاصل من ضرب نصف القطر الذي هو ثلث المحيط بنصف المحيط و المجموع في العمق اثنين و ثلاثين و ثمن و ربع ثمن و ما تكلفه بعضهم من أن الرواية قد اشتملت على الأبعاد الثلاثة لظهور مثل هذا الخطاب في بيان الثلاث و أن ترك الثالث مدفوع بأن ذلك في الضرب المجرد عن ذكر بعض الأبعاد كثلاثة في ثلاثة لا الضرب المشتمل على أحدها كقوله في عمقه في الأرض فإن الظاهر اشتماله على بعدين أحدهما عمق لأن في عمقه نعت لثلاثة أو حال من مثله و ثانيهما أما الطول أو العرض فيكون مجملا و يسقط معه الاستدلال أو واحد يقوم مقامهما و هو القطر و هو الأقرب في أمثال هذه المقامات فلا يصلح أن يكون دليلا لهم بل هو قريب لقولنا و كذا ما تكلفه آخرون في بيان أنه مشتمل على الأبعاد الثلاثة من أن تأدية الطول و العرض في قوله في مثله و تأدية العمق من قوله ثلاثة، إلى آخره. و من أن إرجاع العمق في عمقه إلى المقدار فيكون المعنى في عمق ذلك المقدار في الأرض فيؤدي قدر الأبعاد الثلاثة كلاهما بعيد عن سوق الخطاب و صوغ الكلام فلا يلتفت إليهما بوجه و على كل حال فهذا القول و إن كان قوي جداً بفتوى المشهور و موافقة الاحتياط إلا أن الأول أقوى منه و نسب (لابن الجنيد) أن الكر ما بلغ مُكسّره مائة شبر و هو ضعيف لا يركن إليه و (للقطب الراوندي) أنه ما بلغت أبعاده الثلاثة عشر و نصف

48

و هو محتمل لأداة الضرب فيها فيؤول إلى المشهور و هو ما بلغ مُكسّرهُ اثنين و أربعين شبرا و سبعة أثمان و دليله دليلهم على إرادة معنى الجمع من دون الضرب و محتمل لإرادة ما يقرب منه كما لو فرض طوله ثلاثة و عرضه كذلك و عمقه أربعة و نصف و محتمل لإرادة ما يبعد عنه جداً كما لو فرض طوله ستة و عرضه أربعة و عمقه نصف شبر فإن مساحته تكون أثنى عشر شبر و كذا لو فرض أن كلا من طوله و عرضه شبر و عمقه عشرة أشبار و نصف فإنه يكون عشرة أشبار و نصف أو أثنى عشر و نصف أو أن طوله تسعة أشبار و عرضه شبر و عمقه نصف شبر فإن مساحته تكون أربعة أشبار و نصف و الكل ضعيف مخالف للمشهور بل الجمع عليه و خال عن المستند و (لابن طاوس) من العمل بكل ما روي على سبيل التخير و هو رجوع لمذهب القميين و حمل ما زاد على الندب أو على أن الكر متواطئ بين أفراد كثيرة ناقصة و زائدة فهو مكيال مختلف و هو يرجع إلى ما ذكرناه و للمحقق في المعتبر من أنه ما بلغ مكسره ستة و ثلاثين شبر استناداً للصحيحة الدالة على أنه ذراعان عمق و ذراع و شبر سعة و هو ضعيف لظهورها في المستدير أولًا و لعدم القابل بها ثانياً و لإجمال الذراع فيها ثالثا و ينبغي أن يعلم أن الكر إن علم بلوغه الوزن كفى عن تقديره بالمساحة و إن علم بلوغه المساحة كفى عن تقديره في الوزن فيكتفي بالسابق منهما و لا يفتقر إلى اجتماعهما اتفاقاً حتى لو علم اختلافهما بحيث علم تحقق أحدهما دون الآخر كفى و ذلك ظاهر من الأخبار و كلام الأخيار و يكون فائدة التحديد له بالحدين هي التسهيل في معرفة قدر الماء لا ينجسه شيء فإن قلت أن الكر مكيال خاص فأما أن يلاحظ قدره من الوزن فيراعى الوزن و لا معنى للمساحة حينئذٍ و أما أن يلاحظ المساحة فلا معنى للوزن حينئذٍ قلنا الكر قدر من الماء لا ينجسه شيء معلوم عند الشارع معين في نفسه و له علامتان يحصل بهما أحدهما الوزن و الآخر المساحة فأيتهما حصلت حصل ذلك المُعين أو أنّ الكُر قدر معلوم مشترك بين ما يبلغ وزنه الوزن المعلوم و بيان ما يبلغ قدره القدر المعلوم و أيهما بلغ يكتفي به لأن الحكم معلق على الاسم أو أن الكر مكيال أصله المساحة و لكن الشارع جعل الوزن مثله في الحكم و أطلق عليه الاسم فجاز

49

للمقاربة و المشارفة أو أنه أصله الوزن و الكيل علامة له فالكر وزن للماء المعلوم و الكيل قائم مقامه و على كل حال فالثمرة قليلة بل لا ثمرة بعد بيان الحكم و أنه يكتفي بالسابق من الأمرين في عدم الانفعال.

بحث في أحكام ماء البئر

(البئر) مجمع ماء نابع من الأرض لا يتعداها غالبا و لا يخرج عن مُسمّاها عرفا فيشترط في صدقها أن يكون مجمع ماء و المراد به المطلق فلو كانت مجمع غير ماء مطلق من المائعات أو المياه المضافة لم يكن بئر و أن يكون ذلك الماء نابعاً غير محقون أو ماء مطر أو جاري انحبس في مكان عميق لا على نحو شكل البئر فما لم يكن نابعا لم يكن ماء بئر و الظاهر أن النابع هنا شامل للخارج من ينبوع و من غيره كالرشح و النضح و النزُّ لحكم العرف بذلك نعم ما كان خروجه مثل العرق بحيث لا يبين للحس إبانة ظاهرة يشكل إدخاله في حكم البئر بل إلحاقه بالمحقون أولى و أن يكون الماء لا يتعداها في أغلب الأوقات بمعنى أنه غالباً غير متعد و مع التعدي نادراً لا يخل بصدق البئر و لو في حال التعدي لصدق عدم التعدي غالباً عليها زمن التعدي نادراً مع احتمال خروجها عن مسمى مع احتمال البئر عرفاً عند التعدي و لا يراد نادراً بعدم التعدي غالباً نفي غلبة التعدي حتى يكون المتساوي في التعدي و عدمه داخل في البئر فالمراد تقيده للنفي لا للمنفى كما يراد بالغلبة الغلبة بالزمان لا بالأفراد حتى يكون النادر من الأفراد لو تعدى غالباً داخلا في البئر و أن يكون مجمع الماء غير خارج عن مُسمّاها عرفا بمعنى أنه يصدق عليه اسم البئر عرفا فلو لم يصدق ذلك عرفا كالمحفور هيئة نهر طويل كبير أو هيئة البركة العظيمة المسرحة الحواشي في الأرض لم يُسم بئر أو بيان ذلك أن البئر ليس لها حقيقة شرعية بل يرجع فيها إلى العُرف و اللغة تستكشف بالعرف لأصالة عدم النقل فما علم صدق لفظ البئر عليه عرفا و شك في صدقه لغة حكمنا أنه كذلك لغة و ما علم عدم صدق البئر عليه عرفا أو صدقها عليه عرفا و لكن قطعنا بعدم صدقها عليه لغة كآبار النجف و الشام لم نحكم بجريان حكم البئر عليها زمن الصدور للقطع بأن البئر زمن الصدور هي النابعة من الأرض لا الجارية تحت الأرض من عين و شبهها

50

أو بئر أخرى كآبار النجف و الشام لا يقال أن الحكم هنا معلق على الاسم فيدور مداره و أن اختلاف العرف كالمأكول و المشروب و المكيل و الموزون لأنا نقول فرق ظاهر بين تعليق الحكم على وصف فيختلف الموصوف لاختلاف الزمان كالمكيل و الموزون فإنه لا يتبدل الحكم به و بين تعليقه على ذات قد وضع لها اللفظ زمن الصدور فيتبدل الوضع في زمن آخر لذات أخرى فإن الحكم هنا لا يتبع الاسم ضرورة أن الأحكام لا تتبع المنقولات الحادثة و البئر من هذا الأخير لا من الأول و دعوى أن البئر الآن تطلق على النابع و الجاري كآبار النجف عرفا على وجه الاشتراك المعنوي فتكون كذلك لغة لأصالة عدم النقل دعوى بعيدة لأن المفهوم منها في اللغة بشهادة الاستقراء و في العرف العام هو ما كان ماؤها نابعا لا ما كان جاريا.

بحث في احكام البئر

أحكام البئر مخالفة للأصل فيقتصر فيها على المتيقن الإرادة من إطلاق لفظ البئر في الأخبار و كلام الأصحاب و حينئذ فلو اتصل بها ماء جار أو ماء مطر أو كر أو تواصلت الآبار فجرى بعضها على بعض أو خرجت البئر عن هيئتها عرفا إلى اسم آخر لم يجرِ عليه أحكام البئر و لا بد في لحوق أحكام البئر لها من اتصال النبع عادة بها قطعا أو ظنا بعد العلم بتواصله لحجية الاستصحاب و ما لم يعلم بتواصله في آن من الآنات المتقدمة فإنه يحكم عليه بالانفعال إذا لم يبلغ كرا قطعا و هل ينفعل ماء البئر بالانفعال مطلقا أم لا ينفعل مطلقا أم ينفعل مع عدم البلوغ كرا و لا ينفعل مع البلوغ أقوال أحدها الانفعال مطلقا استنادا الإجماعات المنقولة و للعمومات الدالة على نجاسة الماء بوقوع أحد النجاسات إلا ما أخرجه الدليل و للشهرة المحكية عن قدماء الأصحاب و للأخبار الدالة على انفعال ماء القليل مطلقا و للصحيح الدال على أن نزح بع الدلاء يطهر البئر و الظاهر من الطهارة ضد النجاسة و للخبر الدال على نهي الجنب عن الوقوع في البئر و إيجاب التيمم حذرا من إفسادها مع أن جواز التيمم مشروط بفقد الماء الطاهر و الظهر من الافساد هو التنجيس و للمكاتبة المسئول فيها عن الذي يطهر البئر بعد أن يقطر فيها بول أو دم أو يسقط فيها عذرة فأجاب (عليه السلام) بأن ينزح منها