أنوار الفقاهة (كتاب القضاء)

- الشيخ حسن كاشف الغطاء المزيد...
196 /
1

المقدمة

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

خلق الله الخلق ليعبدوه كما نص في الكتاب المجيد قال: (وَ مٰا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلّٰا لِيَعْبُدُونِ) (الذاريات: من الآية 56) و من المعلوم أنه لا يعود نفع العبادة إليه لاستغنائه بل يعود لعباده فخلقهم لتكليفهم و تكليفهم لإيصال الثواب إليهم و إيصاله إليهم محض جود منه و لطف و توسط التكليف لهذه الإفاضة مما تقتضيه الحكمة و يحكم بحسنه العقل و إلا فهو الجواد المطلق و الفياض الحق و لا ينافي كون العلة في الخلق هو العبادة و ما ورد إني أحببت أن اعرف فخلقت الخلق لكي أعرف لأن التكليف مظهر من مظاهر معرفته و لأنه المعرفة من العبادة إذن هي السبب الموصل للنظر في إثبات ذاته و مفاده فغاية الخلق تكليفهم لإيصال اللطف إليهم و غاية ذلك هو الوصول إلى معرفته و قد ترتب على التكليف غايات أخر كالإهداء إلى المعرفة بمظاهر الصفات الجلالية و الكمالية كما أحب أن يظهر أنه العفو و الغفور و التواب و المحسن و الحليم بواسطة التكليف حيث ان من خالف ما أمر به و عصاه تاب عليه و غفر له و عفى عنه و أحسن إليه و حلم عليه في الدنيا و إظهار الصفات الجلالية صفة جلال و كمال و بالجملة فالخلق كله و تكليفهم من مظاهر المعرفة العائدة إلى إثبات تلك الصفات ثمّ انه عز و جل لما كلف عباده و جعل لهم واسطة منهم و هو النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم )كما تقتضيه الحكمة ثمّ انه قرن مع النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم )كتاباً معجزاً مصدقاً له ثمّ أمر النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم )بنصب الوصي و أمر الأوصياء بنصب العلماء و القضاة كي ينتشر العلم في العالم و لا يبقى جهل لبني آدم و قد فعل النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم )ما أمر به و كذا الأوصياء و إن خالفهم الأشقياء و نقضوا الغرض من بعث الأنبياء ثمّ ان الأوصياء لم يقصروا في زمن ظهورهم بما تمكنوا منه من نصب العلماء و الأمر بالرجوع إليهم و نصب القاضي العام للرجوع إليه في السياسات و الأحكام

2

و لكنهم يتخفون بذلك لمكان التقية إلى أن ولد الصاحب روحي له الفداء فغاب فكان الواجب عليه أن يفعل كما فعلوا و نصب كما نصبوا بحسب الإمكان كي تبقى لله طاعة و عبودية و لا ينسى ذكره و لا تعود جاهلية و حينئذ فإن الواجب عليه أن ينصب منصوباً عاماً حيث لا يتمكن من المنصوب الخاص كما نصبوا و ضرورة التكليف أيضاً قاضية بنصب مرجع للأحكام مميز بين الحلال و الحرام أمراً بالمعروف على حسب الإمكان قاطع للخصومة بحكمه و فاصل للدعوى بفصله و قضائه فنصب المجتهد من إمام العصر ضروري مقطوع به من إمام العصر و لو لم يجيء فيه دليل لعلمنا بوجوب النصب عليه و علمنا بعدم قابلية غير المجتهد الجامع للشرائط لهذا المنصب بل قد يقال أن بعد غيبة إمام العصر و لزوم الهرج و المرج و ضرورة بقاء التكليف مما يقضي العقل القاطع به لزوم الرجوع للعالم الجامع للشرائط في اخذ الأحكام منه و في قطع الخصومة لديه و في إرجاع أمور السياسة إليه بل قد دل الدليل النقلي على تقديم العلماء و الرجوع إليهم قال تعالى: (فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ) (النحل: من الآية 43)، و قال: (هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَ الَّذِينَ لٰا يَعْلَمُونَ) (الزمر: من الآية 9)، و قال: (أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لٰا يَهِدِّي إِلّٰا أَنْ يُهْدىٰ) (يونس: من الآية 35) فيلزم من ذلك لزوم الرجوع للعلماء المجتهدين و إمضاء أحكامهم و إنفاذ قضائهم و لو لم يجيء دليل على نصب الأئمة لهم كيف و قد دلت الأدلة كما سيجيء إن شاء الله تعالى على نصب الأئمة (عليهم السلام) للعلماء بل نصب صاحب الأمر لهم على ما يجيء إن شاء الله و بالجملة فالرجوع إلى المجتهد على ما نحن عليه و عموم ولايته و إنفاذ حكمه دليله العقل و النقل فهو منصوب نائباً عن الأئمة (عليهم السلام) بل يجب تنصيبه و تقديمه على الناس كافة و لو لم يقوموا به الناس لعصوا بذلك كما عصوا في تركهم الرجوع للأئمة (عليهم السلام) و عدم مضرتهم و من تخاذلهم عنهم و عدم الرضا بحكمهم فيكون هذا من الواجبات على الأمة و إن لم يبلغهم به نص من الأئمة و بالجملة يجب على الناس تقديم رئيس مستحق للتقديم عليهم في الرجوع إليه

3

في سياساتهم و أحكامهم لاستقامة النظام بذلك و لتوقف الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و بقاء النوع الإنساني دوام التكليف عليه و على نصبه و هذه فذلكة يجيء تمامها إن شاء الله.

كتاب القضاء

[هنا مباحث]

[أحدها في معاني القضاء]

للقضاء معانٍ عديدة لغة ورد استعمالها في الكتاب و السنة على جهة الحقيقة و المجاز و الاشتراك اللفظي في الجميع و اللفظي في بعض و المعنوي في آخر و يعرف بيانها في كتب اللغة و التفسير و في الشرع حقيقة شرعية أو متشرعية ولاية شرعية على الحكم بين المتخاصمين و الفصل بينهما أو ولاية شرعية على ذلك و على الحكم على الرعية فما لم يعلموا ثبوته من الموضوعات العامة كرؤية الهلال أو من الموضوعات الخاصة كالحكم بالعيب و الساترية و الترابية للمشكوك بستره و ترابيته أو ولاية شرعية على ذلك و على المصالح العامة من جبر الممتنع و أخذ المقاصة و إجراء الحدود و التعزيرات و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و تجهيز الجنود و تعظيم أمر السياسة و تربية الأيتام و النظر في الأوقاف العامة و حفظ مال القاصر و الغائب و غير ذلك و الأظهر المعنى الثاني فلا ينصرف الإطلاق عند قول القائل: هذا قضاء فلان و نصبت فلاناً قاضياً و اجعلوه إلا إلى ذلك و أما غيره فلا يدخل فيه إلا بنص من الغاصب كأن يقول: و جعلتك قيما على الأطفال و ناظراً على الأوقاف و متولياً على الحدود و قد يقال إن هذه الأمور و إن لم ينصرف إليها إطلاق لفظ القضاء و لكنها تتبع هذا المنصب عرفاً شرعياً فكل من نصب للقضاء لزمه تولي الأمور العامة من الناصب له إلا أن ينص على خلافه فيكون دلالته على غير ولاية الحكم من باب دلالة ما يدخل في اللفظ تبعاً أو يقال أنه من باب القدر المشترك بين الجميع و البعض لكن بشرط دخول الحكم في ذلك البعض فلا بد من بيان غير الحكم في النصب و الولاية و على كل حال فلو تخلى المنصب عن منصب الحكم لم يُسمّ المنصوب قاضياً و كذا الكلام في لفظ الحاكم في قوله (عليه السلام): جعلته حاكماً فإن الظاهر انصرافه للحكم بين المتخاصمين أو للحكم في الأمور المشتبهة عامة أو خاصة مع احتمال إرادة الفصل منه بكل شيء بمعنى جعلته فصل الأمور بيده و جعلته والياً

4

لجميعها و مرجعاً فيها و قد فهم الفقهاء (رحمهم الله) من ذلك كذلك و قد يطلق القضاء على نفس الحكم من ذي الولاية و نفس الإلزام منه يجزئ الحكم بجزئي الشرعي على أشخاص معينين أو على عامة الخلق في مقام الدعوة أو في مقام الشك في موضوع إثباتاً أو نفياً و بهذا الإطلاق يقابل الفتوى لتعلق الفتوى ببيان الحكم الشرعي و إظهاره و الاخبارية ظناً عن الله سبحانه و تعلق القضاء بالإلزام بنفس جزئي الفتوى بالمورد الخاص على شخص معين أو على عام و اسم القضاء و الفتوى و يشمل الصحيح و الفاسد فالمصادرة ممن له أهل الولاية سمي قضاء و فتوى صحيحة و إلا ففاسدان و كذا القضاء بمعنى الولاية فالولاية الصحيحة الجامعة للشرائط قضاء صحيح و إلا ففاسد اصل كل عالم بحكم شرعي أو ظان به ظناً فله أن يفتي به و يحكم و يلزم و لكن لا تكون الفتوى صحيحة يترتب عليها وجوب العمل لنفسه إلا مع العلم القطعي أو الظن المعتبر و هو ظن المجتهد المطلق أو المتجزي في وجه و لا يترتب عليها وجوب العمل من غيره و تقليده إلا أن يستجمع الصفات الأخر من العدالة و الظبط و الإيمان و استفراغ الوسع و يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر و يحكم بالبينة و بالإقرار و بالشياع و نحو ذلك و بالجملة له الحكم بما أنزل الله تعالى مطلقاً بين المتداعين و غيرهم و في كل أمر كان حكماً بالقسط و العدل إلا إن الحكم لا يكون حكماً نافذاً بحيث لا ينقض بالاجتهاد الظني من الحاكم نفسه أو من غيره بل و لا بالقطعي النظري من غيره و إن لم يجز لغيره تنفيذه فلا يجوز رده و لا تنفيذه و حينئذ فلا يكون الحكم حكماً نافذاً أو أمراً ملزماً لمن وقع عليه في مقام الخصومة و غيرها في مقام عموم أو خصوص مع البينة أو مع الإقرار أو مع النكول أو مع اليمين المردودة أو مع العلم به أو ظن يقوم مقامه من شياع أو يد أو تصرف إلا ممن دل الدليل على نفوذ حكمه و الإلزام به و عدم إعادة الدعوى بعده و المقطوع به من الأدلة نقلًا كتاباً و سنة و إجماعاً و عقلًا هو حكم الإمام (عليه السلام) أو من نص على نصبه عموماً أو خصوصاً لان تنفيذ الحكم في نفسه من الولايات و الرئاسات العامة فمنصبها يرجع إلى أهل المنصب الحق فمن نصبوه في زمانهم خصوصاً يقل فائدة البحث فيه من اشتراط الاجتهاد فيه و عدمه بعد القطع بأنه يحكم بحكم الإمام

5

(عليه السلام) قطعاً أو ظناً شرعياً يجوز له العمل به و من اشتراط عدالته و ضبطه لو راعى الإمام حكمه إنما الكلام في غير المنصوب الخاص و بعد القطع ان الأصل في الحكم عدم نفوذه و عدم ترتب أحكام النصب عليه فلا بد من إثبات أحد أمرين أمّا إثبات الأذن في الحكم لكل من يحكم بالحق علماً أو ظناً عن اجتهاد أو عن تقليد أو عن رواية قطعية أو إجماع مقطوع به أو كتاب نص بحيث يكون حكمه نافذاً أو إثبات حاكم موصوف بصفات معلومة ينفذ حكمه و يرجع إليه في حالة الحضور و الغيبة أمّا الثاني هو إثبات حاكم منصوب منصف بصفات خاصة فهو مقطوع به في حالة الحضور و عدم التمكن و في حالة الغيبة بل في حالة الحضور و التمكن في زمن الصادقين (عليهم السلام) و هو نصب المجتهد المطلق الجامع للشرائط فانه منصوب عموماً من أئمتنا (عليهم السلام) بدليل الإجماع و الروايات المتكثرة عن صاحب الأمر (عجل الله فرجه) الذي هو إمام العصر كقوله فيها: و أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا فانهم حجتي عليكم و أنا حجة و رواية و عن غيره ممن تقدم كرواية أبي خديجة عن أبي عبد الله و قوله: انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا فاجعلوه بينكم قاضياً فاني جعلته قاضياً فتحاكموا إليه و رواية بن حنظلة عن أبي عبد الله (عليه السلام) عن رجلين من أصحابنا يكون بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان أو إلى القضاة أ يحل ذلك؟ قال: من تحاكم إلى الطاغوت فحكم له فإنما يأخذ سحتا و إن كان حقه ثابتاً لأنه اخذ بحكم الطاغوت و قد أمر أن يكفر به. قلت: كيف يصنعان؟ قال: انظروا إلى من كان منكم قد روى حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا فارضوا به حاكماً فقد جعلته عليكم حاكماً فإذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه فإنما بحكم الله استخف و علينا رد و الراد علينا كالراد على الله و هو على حد الشرك بالله تعالى. قال: فإن كان كل واحد اختار رجلًا من أصحابنا فرضيا أن يكون الناظران في حقهما و اختلفا فيما حكما و كلاهما اختلاف في حديثكم؟ فقال: الحكم ما حكم أعدلهما و أفقههما و أصدقهما في الحديث و أورعهما و لا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر. قال:

6

فقلت: فإنهما عدلان مرضيان عند أصحابنا لا يفضل واحد منهما على صاحبه؟ قال: فقال: ينظر إلى ما كان من روايتهم عنا في ذلك الذي حكما به المجمع عليه عند أصحابك فيؤخذ به من حكمنا و يترك الشاذ و الذي ليس بمشهور عند أصحابك فإن المجمع عليه لا ريب فيه قال: قلت: فإن كان الخبران عنكم مشهورين قد رواهما الثقات عنكم؟ قال: ينظر إلى ما وافق حكمه حكم الكتاب و السنة و خالف العامة اخذ به. قال: قلت: جعلت فداك فإن وجدنا أحد الخبرين موافقاً للعامة و الآخر مخالفاً لها بأي الخبرين يؤخذ؟ قال: بما يخالف العامة فإن فيه الرشاد قال: قلت: جعلت فداك فإن وافقهما الخبران؟ قال: ينظر ما حكامهم إليه أميل و قضاتهم فيترك و يؤخذ بالآخر قلت فإن وافق حكامهم و قضاتهم الخبران جميعاً؟ قال: إذا كان كذلك فأرجه حتى تلقى إمامك فإن الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات. و رواية أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) يا أبا محمد لو كان لك على رجل حق فدعوته إلى حكام أهل العدل فأبى عليك إلا أن يرافعك إلى حكام أهل الجور ليقضوا له لكان ممن حاكم إلى الطاغوت. و رواية أخرى عنه (عليه السلام) أي رجل كان بينه و بين أخ له مماراة في حق فدعاه إلى رجل من إخوانه ليحكم بينه و بينه فأبى أن يرافعه إلى هؤلاء كان بمنزلة الذين قال الله تعالى: (أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَتَحٰاكَمُوا) إلى غير ذلك من الروايات الدالة على نصبهم العام للعارف بحلالهم و حرامهم و شيئاً من أحاكمهم و من المقطوع به أن مثل هذا المنصب لا ينعزل صاحبه بعد موت الإمام (عليه السلام) الناصب له لأنه بمنزلة بيان الحكم فيه و بيان أن الله عز و جل جعله منصوباً بسبب الاضطرار إليه حيث كان الأئمة (عليهم السلام) حيث كان الأئمة (عليهم السلام) في زاوية الخمول و أيديهم غير منبسطة فأذنوا للمجتهدين بذلك عن إذن الله تعالى و الأظهر أن يقال أن ظاهر الرواية النصب منهم (عليهم السلام) لا بيان حكم و لكنه ظاهر في النصب الدائم كما فهم الفقهاء و للإمام (عليه السلام) أن ينصب منصوباً على الدوام بحيث تمضي أحكامه من بعده في كل زمن مع كل إمام (عليه السلام) لعلم الإمام الأول بالمصالح و السياسات و الأئمة حجج الله تعالى في أرضه

7

أمواتاً و أحياء لا يقال إن الإمام (عليه السلام) الآخر لا يجتمع معه المنصوب من الأول لصيرورته حاكماً من الإمام الأول فلا يكون محكوماً عليه و الإمام الثاني حاكم مطلقاً قلنا: لا باس بصيرورة المنصوب حاكماً من الأول و محكوماً عليه و تابعاً للثاني و يكون الإمام الثاني مقرراً لنصب الأول و منفذاً له على إن أولهم و آخرهم سواء فمنصوب الأول و الثاني منصوب واحد و يؤيد ذلك أن الأئمة من بعد (صلّى الله عليه و آله و سلّم )أقروا على ذلك و جرت السيرة به و الطريقة في زمانهم إلى زمن الصاحب جعلت فداه على أن في الإجماع و ضرورة النظام القاضية بذلك المنصب كفاية و يلحق للمجتهد المطلق المجتهد المتجزي فإن حكمه نافذ فيما اجتهد فيه لشمول الأدلة له و عموماً و خصوصاً كمرفوعة ابن أبي خديجة كما ان فتواه لنفسه و لغيره جائزة لعموم الأدلة نعم ليس تلك الرئاسة العامة في الحدود و السياسات و الاستيلاء على مال الإمام و رجوع بيت المال إليه و نحو ذلك و أما الأول و هو نفوذ حكم كل عالم بكلّي ذلك قطعاً أو ظناً شرعياً و لو بتقليد مجتهد حي جامع للشرائط فهو في حد ذاته بمعنى كونه حكماً شرعياً من الله سبحانه و تعالى لا يقول به أحد بل الإجماع محصلًا فضلًا عن أن يكون منقولًا عليه و إن ظهر من العمومات جواز الحكم لكل أحد بالقسط و العدل و الحق و لزوم الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر لكل من عرف الحق بل يلزم على سامع البينة و الإقرار الحكم على من قامت عليه البينة فيأمره بالمعروف و ينهاه عن المنكر و يحكم بموجب إقراره و لكن الشأن في نفوذ هذا الحكم من غير المجتهد المنصوب و ترتب آثاره عليه و أبى لنا بنفوذه و الاجماع محصلًا فضلًا عن أن يكون منقولًا على عدمه و به بخصوص عمومات لزوم الحكم بالحق على كل أحد و الأمر بالحكم بالعدل و القسط و الأدلة الخالية من ذكر المجتهد العامة له و لغيره و حكم هذه العمومات كحكم عمومات البينة و اليمين و الإقرار و الحكم بالنكول و الحكم بالشاهد و اليمين حيث مخصصة و مقصورة على قيامه و حصولها من المجتهد المطلق كي تكون نافذة ماضية و لا يجوز تكريرها أو إعادتها و لا تجديد الحكم بها نعم قد يقال: ان حكم العارف بالحلال و الحرام على وجه القطع أو على وجه التقليد من الفرقة الاثنى عشرية منصوب عن الإمام (عليه السلام) نصباً آخر أمّا

8

مطلقاً كما هو ظاهر من أخبار نصب الحاكم أو مع الاضطرار عند فقد المجتهد المطلق و يناقش في ثبوت الإجماع على عدم نصب الإمام (عليه السلام) لغير المجتهد المطلق و إن ثبت الإجماع على عدم جواز الحكم للعامي ابتداء بالعمومات الدالة على جواز الحكم بالعدل و الحق و القسط فلا يثبت الإجماع على عدم نصب الأئمة للعامي العارف كيف و في زمن الأئمة (عليهم السلام) كثير من نوابهم في الفتوى و القضاء لم يكونوا مجتهدين نعم يعرفوا الحكم بعينه عن الإمام (عليه السلام) فيفتي به و يحكم بل للمجتهد نفسه حيث انه منصوب عام أن ينصب قاضياً يقضي بفتواه المعلومة عند مقلده و يحكم بالبينة المعلومة القبول عند مجتهده و يحلف يميناً عنده و يحكم بالحق و يجوز للمجتهد أن يستنب عنه من يقول: حكمت فيشاء الحكومة عنه بعد سماع المجتهد البينة أو بعد حلف المدعي و حينئذ فلا فرق بين أن يقول المقلد: حكمت بنفسي بفتوى مجتهدي أو حكمت عنه عند استنابته له و لا فرق في قيام البينة عند المجتهد أو المقلد بعد علنه بمواقع البينة تقليداً و كذا اليمين يمين المنكر أو المردودة بل لو حكم العامي و لم يعرف وجه حكمه حملناه على الصحة و كان نافذاً. هذا كله قد يظهر من ظواهر الأخبار و يستشعر من مطاوي أحاديث الأئمة (عليهم السلام) و فعلهم و لكنه خلاف إجماع أصحابنا و طريقتهم خلفاً عن سلف و لا يختلفون في أن المراد من الأخبار هو المجتهد المطلق و هو العارف بالحلال و الحرام بل هو العارف بشيء من القضايا لأن العامي لا دراية له و لا ينسب إليه المعرفة المطلقة بل نصوا في قاضي التحكيم أنه لا بد فيه من وصف الاجتهاد و لم يكتفوا برضا الخصمين على مجرد العارف بحكم تلك الواقعة تقليداً أو علماً نظرياً و لا ينفذ حكم العامي عندهم بوجه من الوجوه يظهر مما قررنا أن نفوذ الحكم و فصل النزاع و قطع الخصومة بحيث لا تقبل العود و لا تقبل الرد و لا تقبل الرجوع إلى آخر في تلك الدعوة و يكون رد ذلك الحكم كالرد على منصب في مناصب النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم )و الأئمة لقوله (عليه السلام): أجلست مجلساً لا يجلسه إلا نبي أو وصي نبي أو شقي. و قوله (عليه السلام): اتقوا الحكومة فإن الحكومة إنما هي للإمام (عليه السلام) العالم بالقضاء العادل في المسلمين

9

كنبي أو وصي، و لقوله تعالى: (فَلٰا وَ رَبِّكَ لٰا يُؤْمِنُونَ حَتّٰى يُحَكِّمُوكَ فِيمٰا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) (النساء: من الآية 65) و لما دل على أن فصل الخطاب عندهم و للإجماع خرج منه تنصيبهم للمجتهد مطلقاً أو متجزياً لظهور لفظ عرف و نظر فيه و لوقوعه من الأئمة (عليهم السلام) في زمانهم و بقي الحكم من العامي و أن كان بالحق مندرجاً تحت وجوب الحكم لا تحت لزوم تنفيذه و دعوى خروج المتجزي من إطلاق الأدلة ضعيفة لشمول رواية أبي خديجة له بل و رواية ابن حنظلة لأن المقصود من الجمع المضاف فيها مطلقاً لماهية بقرينة قوله (عليه السلام): روى حديثنا و لأن اكثر نواب الأئمة (عليهم السلام) لم يثبت لهم الاجتهاد المطلق بل و لو لا الإجماع لكان ظاهر الرواية جواز الحكم لكل من روى حديثنا و عرف حكماً في تلك الواقعة المتنازع فيها سواء عن اجتهاد أو تقليد أو سماع بعلم أو ظن شرع و يكون حكماً و حكمه نافذ و بالجملة فرواية بن حنظلة و إن أشعرت بنصب المجتهد المطلق فليس فيها منافاة لنصب المتجزي إلا على الأخذ بالمفهوم الضعيف فلا إشكال في نفوذ حكم المتجزي بل قد يقال أنه مع تراضي الخصمين بغير المتجزي في الحكم المقطوع به عنده الذي لا يحتاج إلى اجتهاد في طريقه و لا في إثباته و لا يتوقف على النظر في عدالة و جرح و نحوهما فيه فإذا حكم عليهما مضى حكمه.

ثانيها: يجوز الرجوع في الحكم و الفتوى و الحقوق و الولايات إلى المفضول مع وجود الفاضل

لدخول كل منهما تحت عموم أدلة النصب و الولاية في الأخبار سيما المرفوعة و المقبولة و فيهما إلى رجل منكم لا إلى أفقهكم نعم ذكر الأفقه بعد ذلك عند الاختلاف و للسيرة القطعية من لدن زمن الأئمة (عليهم السلام) و لتقريرهم أصحابهم على ذلك و للزوم العسر و الحرج لولاه لعسر معرفة الفاضل من المفضول على العوام نعم لو علم اختلاف الفاضل و المفضول في حكم و علم المقلد ذلك الاختلاف فلا يبعد القول بحرمة الرجوع إليه في الفتوى و الحكم لما يظهر من المقبولة في مقام اختلاف الراوين بل قد يخص ذلك فيما لو رجع المترافعان إليهما معاً و اختلفا فهناك لا بد من الترجيح و أما مع الرجوع لواحد و هو المفضول فإنه يلتزم بقوله و إن علم ان الفاضل قد خالفه و على كل

10

حال فلو قلد فاضلًا أو اخذ حكمه منه فعاد مفضولًا لفاضل آخر لا يجوز له العدول عنه إليه و لو قلد المفضول مع عدم علمه بالخلاف أو حكم له فتبين له الخلاف لم يجز العدول و لم ينقض الحكم و كذا لو لم يعلم بالفاضل و المفضول فقلد المفضول أو اخذ منه الحكم لزمه ذلك أيضاً و بالجملة فلو قلنا بلزوم تقديم الفاضل مع الاختلاف فهو شرط علمي لا وجودي و شرط في الابتداء لا في الاستدامة كل ذلك لعموم الأدلة و لم يثبت إجماع على لزوم تقديم الفاضل مطلقاً و الركون إلى القبح العقلي في تقديم المفضول ضعيف إذ لعل المفضول أصاب ما لم يصب الفاضل و لأن الظن بكلي جواز الرجوع إلى المفضول أقوى من الظن الحاصل بفتوى الفاضل على أن القبح ذلك مخصوص بمنصب الإمامة المبنية على الرئاسة العامة و على العلم بالأحكام و على سياسات النظام و على التأسي بهم أفعالًا و أقوالًا في الأحكام فالفرق جلي و الأمر غير خفي.

ثالثها: للفاضل أن ينفذ حكم المفضول و إن كانت فتواه

إن حكم المفضول لا ينفذ مع وجود الفاضل إذا علم أن حكمه وقع على موجب فتواه و موجب ما يفتي به من الجرح و التعديل بل و لو لم يعلم لأصالة صحة حكمه فيما عدا مانعية المفضولية بل للمجتهد أن ينفذ حكم العامي إذا علم انه حكم على طريقة ما يفتي به و يكون من قبيل إجازة الحكم و لا باس بإجراء حكم الفضولي في الحكم كمن باع مال غيره لنفسه فأجاز المالك له.

رابعها: لا بد في القضاء من النصب عموماً أو خصوصاً

من الله سبحانه أو من النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم )أو من الأئمة (عليهم السلام) و لا يكفي نصب الرعية لو اجتمعوا على واحد، نعم لو تراضى الخصمان على واحد بالتحاكم إليه نفذ حكمه عليهما و إن لم يكن منصوباً من قبل أهل النصب لفحوى النبوي من حكم بين اثنين تراضيا به فلم يعدل فعليه لعنة الله و لعمومات الأخذ بالحكم بما انزل الله و بالقسط و بالعدل و ظاهر الأصحاب قلة ثمرة هذا في زمن الغيبة بل في زمن الأئمة كالباقرين (عليهما السلام) لحصول النصب منهم لمن عرف حلالهم و حرامهم في زمن حضورهم و غيبتهم حتى لو كانوا متمكنين من

11

الرجوع إليهم جاز الرجوع إلى منصوبهم نعم له ثمرة في زمن النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم )و في زمن علي (عليه السلام) و قد يقال: أن ثمرته في زمن الغيبة عدم رجوع الخصمين عمن تراضيا عليه إلى غيره أو ثمرته حصول كونه قاضياً عليهم بالاعتبارين و ظاهر الأصحاب لزوم اشتراط شرائط القاضي الأصلي فيه من الاجتهاد و غيره و قد يناقش في لزوم الاجتهاد فيه لإطلاق الأدلة نعم لا بد من كونه عارفاً باليقين أو بالظن الشرعي الاجتهادي أو التقليدي بكلي الحكم في الواقعة الخاصة و بطريق كيفية الشهادة و اليمين و النكول و نحوها فيها و حينئذ فيمكن كون هذه ثمرة قاضي التحكيم في زمن الغيبة و هو انه لا يشترط فيه الاجتهاد في الحضور و الغيبة بخلاف القاضي المنصوب و لكن مخالفة ما عليه الأصحاب لا يقتحم عليها فقيه و على طريقة الأصحاب فقاضي التحكيم لا يتصور نصبه حال الغيبة بل حال الحضور و عدم انبساط اليد بل و مع انبساط اليد في زمن الصادقين (عليهما السلام) لأن في نصب المجتهد كفاية عنه و كل من يتراضى به الخصمان من المجتهدين فهو منصوب من قبلهم نعم في حال الحضور قبل زمان الصادقين (عليهما السلام) قد تكون ثمرته بيان أن حكمه نافذ حكماً شرعياً أو الأذن في نفوذ الحكم منه بالخصوص و أن كان القاضي المنصوب موجوداً بل و الإمام موجوداً بل قد يقال انه منصوب مخصوص على جهة مخصوصة و الفرق بينه و بين المنصوب الخاص انه لا يتعدى إلى غير الحكم في الواقعة الخاصة ولاية له على حد أو تعزير أو قاصر أو غائب نعم له أن يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر كغيره ممن يجب عليهم الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و نقل عن السيد و الشيخ جواز تولي الحدود منه لقوله (عليه السلام): في رواية حفص إقامة الحدود إلى من إليه الحكم و هو ضعيف لظهور من إليه الحكم في الإمام أو منصوبه الخاص و العام و قد استند بعض في الاستدلال على قاضي التحكيم برواية أبي خديجة و المقبولة و فيه ضعف لظهور موردهما كما فهم الأصحاب في المنصوب العام و هو المجتهد المطلق فالعمدة في الاستدلال على ثبوت قاضي التحكيم الإجماع و أيضاً قاضي التحكيم لا يحكم على الممتنع و لا على الغائب بخلاف المنصوب فإنه يحكم على الجميع

12

و أيضا يجوز الرد على قاضي التحكيم قبل الحكم و يجوز عزله قبل حكمه من المدعي و المنكر بخلاف المنصوب فإنه لا يجوز للمنكر عزله و لا الرد عليه بوجه.

خامسها: المجتهد المطلق منصوب نصباً عاماً

فمنزلته منزلة الولي المتصرف و معناه إعطاؤه هذا المنصب لا من باب الوكالة و لا من باب الأذن فلا ينعزل بموت الناصب لأن الظاهر أنها نصب من الله على لسان الإمام (عليه السلام) و لو كانت الوكالة صرفة لانعزل بموت الموكل و يمكن أن يقال أن المجتهد وكيل عن صاحب الأمر روحي فداه و منصوب من قبل الأئمة (عليهم السلام) الذين قبله و لا منافاة بينهما و الفرق بينه و بين المنصوب الحاضر أن نصبه يتبع ما نصب فيه من بلد أو صقع أو أمر خاص من حكم أو غيره أو يعمها صريحاً أو فحوى بخلاف المنصوب العام فإن ولايته غير مقصورة و لا محصورة و أيضا المنصوب الخاص ينعزل بموت الناصب و ينعزل إذا طرأ عليه فسق أو جنون و لا يعود إلا بنصب جديد بخلاف المنصوب العام فإنه يدور مدار الوصف المنصوب لأجله فمتى تحقق الوصف تحقق النصب.

سادسها: لا يشترط في الإفتاء سوى الاجتهاد و استفراغ الوسع من المجتهد

لتحصيل الظن بالحكم الشرعي و لا يشترط في الاستفتاء من المقلد سوى ذلك و إحراز عدالته للوثوق بفتواه نعم لو كان الغالب عليه السهو و النسيان و عدم الضبط بحيث لا يركن إلى فتواه لم يجز استفتاؤه و أما الحكم في حالة الغيبة فلما كان منصباً من المناصب يقتصر فيه على ما يقطع بثبوته و نصبه و أيضا فالأصل عدم نفوذ الحكم و أيضا فالأصل عدم نفوذ الحكم إلا ما دل الدليل على نفوذه بالمشكوك في شرطيته لنفوذ الحكم بخلعه شرطاً و المشكوك في مانعيته بخلعه مانعاً إلا أن يقوم إطلاق معتبر بنفي الشرطية و المانعية و مما انعقد الإجماع على اشتراطه و قضت ظواهر الروايات به هو اشتراط البلوغ و العقل و الذكورة و الإيمان و العدالة و طهارة المولد و العلم و كل ذلك لا كلام فيه سوى العلم فالمتيقن منه هو العلم الاجتهادي للإجماع المنقول و لظاهر روايات القضاء و أنه منصب للعلماء لا لسائر من عرف و لو مسألة جزئية يمكنه القضاء بمضمونها و كذا ظاهر رواية أبي خديجة و المقبولة تدل على ذلك نعم هل يكفي الاجتهاد التجزي في القضاء

13

فقط دون باقي الولايات أو يكفي فيه و في الولايات المترتبة على ذلك القضاء أو لا يكفي مطلقاً وجوه بل أقوال و يقوى القول بكفاية القضاء للمجتهد المتجزي فيما تجري فيه لدخوله تحت إطلاق العالم و العارف و تحت ما دل على الحكم بالقسط و العدل بل قد تشمله الروايتان المتقدمتان سيما رواية أبي خديجة فإنها كالصريحة فيه و لكن ظواهر الإجماعات المنقولة و الاحتياط و الأصول العقلية و انصراف نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا إلى المجتهد المطلق مما يبعد نفوذ حكم المتجزي و يقرب اشتراط الاجتهاد المطلق و تحمل رواية أبي خديجة على معرفة استخراج الفرع من الأصل و هو بالحقيقة شيء أو بعض شيء من قضاياهم و اشترط جمع الحرية و القول به قوي في المنصوب الخاص و العام لانصراف الأدلة إلى الاحرار و اصالة عدم النفوذ و لأنه عبد مملوك لا يقدر على شيء و اشترط بعضهم البصر فلا ينفذ قضاء الأعمى لافتقار القاضي إلى التميز بين الخصوم و الكتابة و للأصل و الأقرب نفوذه للعمومات و التميز يكفي فيه غير البصر من الحواس و المعرفين فلو عرضناه لم يميز بحكومته لم تنفذ حكمه و اشترط بعضهم الكتابة لأصالة عدم النفوذ إلا معها و هو ضعيف و اشترط بعضهم الضبط و هو حق إذا كان نسيانه غالبي و سهوه أكثري سيما لو لم تكن له تقوى تامة تمنعه عن التسرع في الفتوى بل لا يمضي حكم بعض المتسرعين في الفتوى المتهجمين عليها قبل النظر التام و كذا من كانت لهم حالة اللجاجة و الشجاعة و الاقدام على أدنى ظن يخطر لهم بالبال و كذا من يرى نفسه ان ما يصل إليه لا يصل إليه أحد فيتهور و يفتي و لا يبالي و كذا من يقودهم إلى الفتوى حب الشيء يعمي و يصم و كل هذا لا ينافي العدالة لوقوعه من الشخص غالباً من غير اختيار و تأمل و إن كانت مقدماته اختيارية و اشترط بعضهم السلامة من الخرس للأصل و الشك في نفوذ الحكم و لظاهر قوله: و روى حديثنا و بعضهم السلامة من الصم كذلك و الأقرب شمول الأدلة للأخرس و الاصم إلا إذا أدى خرسه و صممه إلى عدم الوثوق بإشارته و عدم الوثوق بفهمه بحيث استرابت النفس بإصابته لخطئه غالباً و لعدم معرفته كثيراً لفوات المطالبة السمعية و النطقية عليه غالباً و على كل حال فلو قلنا باشتراط الكتابة و البصر و السمع في

14

المنصوب الخاص فلا نقول به في العام و لا في قاضي التحكيم لعموم الأدلة من غير معارض و مجرد الشاك مع الإطلاق لا يكون شكاً معتبراً.

سابعها: إذا اختلف المتداعيان في الرجوع إلى أي المجتهدين لزم اتباع المنكر للمدعي

أو اتباع من أراد الأسهل طريقاً و الأقرب وصولًا مع احتمال لزوم من طلب الرجوع إلى الفاضل مطلقاً و هو بعيد و كذا احتمال القرعة نعم لو علم اختلاف الفاضل و المفضول في ذلك الحكم رجعا إلى الفاضل على الأظهر و لو اختار كل منهما الرجوع إلى مجتهد و كان أحدهما فاضلًا و الآخر مفضولًا فلما رجعا إليهما اختلفا في الحكم فلا شك في لزوم تقديم الأفضل إلا إذا علم المقلد أو المتداعيان أن حكم الأفضل مخالف للمشهور أو مخالف للكتاب أو موافق للعامة و بالجملة عرف ضعف دليل الفاضل بنفسه أو بنظر العارفين المطلعين له فالأقرب عدم وجوب الرجوع إليه.

ثامنها: لو رجع المتداعيان إلى غير المجتهد أو إلى حكام الجور من غير ضرورة كانا غاصبين قطعاً

و لو أدت الضرورة إلى تخليص مال أحدهما بالرجوع إلى هذين فلا بأس لأن الضرورات تبيح المحظورات و لانصراف ما دل على المنع من الرجوع إلى غير أهل الحق و انه رجوع إلى الجبت و الطاغوت و قد أمروا أن يكفروا به منصرف إلى غير الضرورة و من الضرورة الرجوع إليهم تقية و في الأخبار أن الأخذ بقولهم سحت و ان المال لا يحل بحكمهم و هو في دعوى الغير مع التهمة متجه لو أقام بينة عليها و لو عادله عند حاكم الجور فأخذها بحكمه نعم له أن يأخذها بمجرد البينة من دون ملاحظة حكم الحاكم الباطل في وجه قوي أمّا لو كان قاطعاً بأن العين عينه و ماله فلا يكون أخذها حراماً نعم قد يقال ان اخذها بهذا العنوان حرام و إن كان التصرف بها حلالًا لأنها ملكه أمّا لو كانت الدعوى على دين فأخذه بحكم الجائر فالظاهر شمول الأخبار له و أنه سحت و لا يكون وفاءً له بذلك الأخذ إلا إذا امتنع الغريم بعد ذلك من الوفاء فيكون مقاصة أو يرضى الدافع بكونه وفاء له بعد الحكم و لو كانت دعوى الدين تهمة فأخذه بحكم الحاكم الجائر فلا شك أيضاً انه سحت صرف نعم لو أخذه من جهة البينة كان له وجه.

15

تاسعها: منصوب المجتهد للولاية على الأيتام و الأوقاف و الغياب ينعزل بموته و جنونه

ان كان النصب على جهة الوكالة عنه و إن كان على جهة الوكالة عن الصاحب أو على جهة أنه منصوب عن الصاحب لم ينعزل بناء على عموم ولاية الحاكم حتى في النصب عنه (عليه السلام) و قد يقال: ان نصب المجتهد في زمن الأئمة السابقين إن كان على جهة أنه منصوب عنهم أو وكيل لهم ينعزل و إن كان على أنه منصوب من الله تعالى أو منصوب عن كل إمام بعده لم ينعزل و هذا الذي فهمه الفقهاء من نصب المجتهد المطلق في أزمنة الأئمة السابقين.

عاشرها: ولاية الحاكم عامة لكل ما للإمام (عليه السلام)

ولاية فيه لقوله (عليه السلام): حجتي عليكم و قوله (عليه السلام): فاجعلوه حاكماً حيث فهم الفقهاء منه انه بمعنى الولي المتصرف لا مجرد أنه يحكم في القضاء و لأن الضرورة قاضية لمثل هذا المنصب و لأن النائب في القضاء الذي هو اعظم كيف لا ينوب فيما هو اقل و يتولى المنصوب الخاص لجميع ذلك فالعام مثله و لما ورد في جملة من الأخبار من الأذن في ولاية الأيتام لجملة من أصحابهم و كذا الحاكم الشرعي وكيل عن الصاحب فيما يعود إليه من أمواله و أنفاله و قبضه قبضه لكان الضرورة و الإجماع و ظواهر أخبار النيابة و الولاية و لعموم ما على المحسنين من سبيل بل لو فقد الحاكم الشرعي قامت عدول المؤمنين مقامه في الولايات و فيما يرجع إلى الحاكم و فيما يختص بالإمام (عليه السلام) لمكان الضرورة و لعموم أدلة الإحسان و عموم المؤمنين بعضهم أولياء بعض بل قد يقال: انه مع الاضطرار ينوب العدل العارف بالحكم الشرعي عن الإمام في الحكم و الفصل بين المتنازعين لمكان الضرورة القاضية بلزوم قطع الخصومات و رفع المنازعات و بالجملة فرواية أبي خديجة فاجعلوه قاضياً فإني قد جعلته قاضياً يفهم منها التسرية إلى كل ما يدخل تحت نصب القاضي ذلك اليوم و المعلوم ذلك اليوم إن من نصب قاضياً رجعت إليه جميع الأمور العامة فيما نصب فيه من البلدان بل ربما يدعي أن مجرد غيبة الإمام (عليه السلام) و ارتفاع سلطنته قاضية بمقتضى اللطف بقولي جميع ما يعود إلى العالم بأحكامه و إلا

16

لزم الهرج و المرج و تعطيل الحقوق و ضياع الأموال و تشتت الأمور العامة و كما قضت الضرورة بالأخذ بالظن بعد انسداد باب العلم و قضت بجواز الاجتهاد و التقليد قضت بتفويض الأمور إلى العالم بالأحكام الشرعية الفرعية نعم ما دام موجودا لا يرجع إلى غيره اقتصاراً في الضرورة على قدرها.

حادي عشرها: إذا كان الحاكم غير عدل فهل له تولي القضاء

و الأمور العامة و الفتوى للغير و قبض حق الإمام (عليه السلام) و إن لم يجز للغير الركون إليه في شيء من ذلك أو ليس له لأن المتيقن من نصب الإمام (عليه السلام) للمجتهد هو ما إذا كان واقعاً عدلًا بحيث يعرف من نفسه العدالة و إلا لم يكن منصوباً و كذا في المنصوب الخاص لو نصبه الإمام (عليه السلام) و كان يعرف من نفسه الفسق وجهان و الأظهر في الفتوى و القضاء جوازهما و أما في غير الفتوى و القضاء فإن عرف من نفسه الأمانة جاز له تولي الأموال و إلا فلا يجوز له و يكون تصرفه فضولياً.

ثاني عشرها: حكم المجتهد يمضي على مقلديه

في كلي ذلك الحكم و أما على مجتهد آخر يخالفه فيه أو على مقلد مجتهد آخر يخالفه فيه بعد تقلده له فيمضي ظاهراً و يلزم المجتهد تنفيذه و الإذعان به و لا يجوز له الرد عليه في الظاهر لعموم الأدلة و أما في الباطن فهل يلزمه إمضاؤه و إن كان ظنه بخلافه ما لم يكن قاطعاً بالخلاف فلا يمضيه مع القطع إجماعاً أو يلزمه باطناً العمل على اجتهاده وجهان من عموم لزوم الحكم و عدم جواز الرد و ضعف المعارض لعدم ما يصلح للمعارضة سوى الدليل الظني الواجب عليه العمل به و وجوب العمل به حتى في معارضة الحكم مشكوك به و الأصل عدم جواز العمل بالظن و من ان المجتهد لا حكم لله في حقه سوى ما أدى إليه اجتهاده و عموم وجوب العمل بظنه مقطوع به في الكتاب و السنة و لا معارض له سوى ما دل على عدم جواز الرد فيجمع بينها بالأخذ بظنه باطناً و عدم رده ظاهراً و على هذا فلو حكم على مجتهد بطلاق زوجته أو بحرمة ماله أو بزوجية امرأة و كان المجتهد لا يرى ذلك نفذ حكمه ظاهر و أجاز له باطناً الاستمتاع بالزوجة واخذ المال و نحو ذلك و الاحوط تنفيذه ظاهراً و باطناً و أما لو خالف المجتهد مجتهداً آخر في الفتوى و كانت لا

17

تعود إليه فمن المقطوع به عدم جواز ردها و لزوم تنفيذها بمعنى ان إمضاء صحة حكمه و الإلزام بالعمل لا بمعنى أن يحكم به.

ثالث عشرها: للمجتهد أن يحكم بحكم مجتهد آخر

إذا علم إن الأول قد حكم على طريقة مذهبه واخذ على نحو ما يأخذ به من البينة و اليمين بل يجوز التداعي عند شخص و إقامة البينة عنده و يجوز صدور الحكم من الآخر و يجوز الحلف من المنكر عند حاكم الجور بل اليمين المردودة و الحكم عند آخر إذا علم بصدور اليمين منه عند الحاكم الأول و كل أمر يتعلق بصحة أو بطلان في عبادة أو معاملة من غير وقوع نزاع أو اختلاف أو نظر إلى شيء خاص كحكمت عليك فهو فتوى لا يلزم المجتهد الآخر و لا مقلديه اتباعها فلو ذهب إلى أن من فع كذا كان كافراً أو من ترك كذا صح قتله أو من اعتقد كذا كان نجساً أو من باع كذا صح بيعه كان الجميع فتوى يجوز للمجتهد الآخر نقضها أو الأخذ بما أدى إليه نظره فيها و لو كان ذلك في مقام خصومة أو نظر إلى شيء خاص كحكمت على هذه العين بكذا كما إذا اختلفا في صحة البيع أو النكاح أو الطلاق أو فسادها أو في نجاسة شيء و طهارته عيناً بعد بيعه أو في جواز قتله و عدمه فحكم بجواز قتله أو في جواز استرقاقه و عدمه فحكم بجواز استرقاقه كان ذلك حكماً لا يجوز نقضه و تبديله.

مسائل

الأولى: القاضي إماماً كان أو غيره يقضي بعلمه في الجملة [فهنا مقامات]

إجماعاً محصلًا و منقولا إنما الكلام في تفصيل هذه الجملة فهنا مقامات:-

الأول: في الإمام و كذا من هو أعلى منه درجة

كالنبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم )و خلاصة القول في ذلك ان للإمام (عليه السلام) علم ناشئ من الأسباب العادية على حد علم غيره من البشر و له علم غيبي ناشئ من أسباب إلهية و هل هو عالم بكل شيء فعلًا؟ في بعض الأخبار ما يدل على ذلك و في بعضها و هو الأكثر و الموجود في كتب السير أنه لا يعلم كل شيء فعلًا و على الأخير فهل يعلم الأحكام كذلك فعلًا فقط أو إن الأحكام كغيرها كذلك أيضاً؟ في بعض الأخبار ما يدل على الأول و في بعضها ما يدل على الأخير إلا

18

ان الأقوى في الأحكام الأول و هو المناسب لارتفاع مرتبتهم و علو شأنهم و أنهم فوق المخلوق و دون مرتبة الخالق و أنكم قولوا فيهم ما شئتم إلا الربوبية و ما ورد من انتظار الوحي منهم في الأحكام محمول على تأخير البيان بعد العلم به لمصلحة أو ان الانتظار لخوف البداء الذي تقوله الشيعة و لو قلنا أنهم غير عالمين فعلًا لجميع الأشياء أو لجميع الأحكام فلا بد أن نقول: إنهم إذا شاءوا أن يعلموا علموا في حكم شرعي أو غيره و طريق علمهم بذلك بإلهام أو بجفر أو بجامعة أو بغير ذلك مما يعلمون به و هل لهم أن يشاءوا علموا جميع الأشياء دفعه أو الأحكام أو ليس لهم ذلك إلا بما شاءوا من الجزئيات كلام يحتاج إلى البحث و لا يستبعد من فحاوى ما دل على مرتبتهم و علو منزلتهم ذلك و إن كان الظاهر أنهم ما شاءوا ذلك ثمّ على تقدير توقف علمهم الغيب على المشيئة فما علموه من الغيب بالمشيئة و لم يكن على جهة العلم العادي فهل يجوز لهم العمل به أو يجب عليهم أو لا يجوز لهم بمعنى سقوط أثره بالنسبة إليهم و كذا غيرهم لو علم بالعلم الغيبي من إخبار إمام أو من مكاشفة أو نحو ذلك جرى فيه الكلام و هل ينفذ حكمهم بالعلم العيني على غيرهم أو لا ينفذ أو لا يجوز الحكم به نفذ أم لم ينفذ وجوه و بالجملة لو عرف الإمام بالعلم الغيبي ان شيئاً مغصوباً أو ميتةً أو بخساً فهل له أكله أو يحرم عليه؟ و هل له أن يحكم عليه بما علم أو ليس له؟ و هل له أن يحكم بضده على ما هو الظاهر من الحل و الطهارة و التذكية؟ و هل له أن يتزوج الامرأة المعقود عليها بالعلم الغبي و كذا الام و الاخت؟ و هل له أن يحكم بذلك أو يحكم بعدمه أو يتوقف عن الحكم؟ و هل ينفذ حكم أم لا؟ ظاهر سيرة النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم )و الأئمة (عليهم السلام) بعده عدم اعتبار العلم الغيبي لمباشرته للمنافقين و مساورته و مناكحته و إجرائه أحكام الإسلام عليهم و من المعلوم علمهم فعلًا أو بالمشيئة بكفرهم و نفاقهم و في الخبر عنه (عليه السلام): لو كنت راجماً من غير بينة لرجمتها ما يدل على عدم اعتبار العلم الغيبي و عدم جواز العمل و الحكم به و كذا قوله خمسة يؤخذ فيها بظاهر الإسلام المناكح و الشهادات نعم لو اقتضى الإعجاز الحكم به جرى حكمه به و لو حكم بتنفيذه لزم إنفاذه و استبعاد إن الإمام يأكل الميتة و النجس و المغصوب و يتزوج

19

المحرمة و هو عالم بها مردود أن هذا انقلاب تكليف فيعود بالنسبة إليه طاهر حلال واقعاً ثانوياً بتبدل الموضوع أو انه تكليف ثانوي ظاهري بالنسبة إليه كتكليف العالم و الجاهل و كذا حكم كل من اطلع عليه بالعمل الغيبي غير الإمام و قد يفرق بين ما كان الجهل عذراً فيه كالطهارة و النجاسة و بين غيره كالميتة و الزنا نعم لو علم الإمام (عليه السلام) بالعلم العادي لزمه العمل به و إنفاذ حكم فيه إجماعاً و كتاباً و سنة كما سيجيء إن شاء الله. و لو قنا: ان علم الإمام (عليه السلام) بالمشيئة فما لم يشأ يعلم بالظن الشرعي و هل له أن يعمل بحكم غيره من مناصبيه؟ كما إذا حكم أحد مناصبيه بالهلال أو يجب ان يباشره هو محل تأمل و هل تجري على الإمام الإدراكات الباقية التابعة للجهل من الشك و الظن والوهم فيعمل بالمشكوك به و المظنون و الموهوم عملنا في عبادته و معاملاته ما لم يتقدم ذلك سهو و نسيان فيصلي على القبلة المظنونة عادةً و يعمل بالأصل في مقام الشك والوهم و يصلي بالوقت المظنون في محله أم لا يجري عليه الجهل بالموضوع كما لا يجري عليه الجهل بالحكم لنقصان الجهل و علو مرتبته عنه أمّا لو علم خلاف المظنون عادة و خلاف المشكوك به عادة بالعلم الغيبي فتركه و العمل بما يظن به عادة مما يشكل القول به و كذا غير الإمام (عليه السلام) من الحكام لو علموا ذلك بالغيب و سيما لو تعلق الغيبي الغيبي بعدم صدور القتل ممن قامت عليه البينة بالقتل و عدم صدور شرب الخمر أو الزنا فأمر الإمام (عليه السلام) بقتله و رجمه مع العمل الغيبي بانتفاء ذلك ظلم و لعلك تقول: لا ظلم لعلم الحسين (عليه السلام) بقتله بالظن، و علم الحسن (عليه السلام) بسمه و علم علي (عليه السلام) بقتله و علم رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم )بإفشاء عائشة الرد مع ذلك أقدموا على القتل و إفشاء السر و لا يكون ذلك إلا بعدم الاعتبار بالعلم الغيبي نعم العلم العائد للإمام (عليه السلام) ينفذ به حكمه و يجب عليه و المثل به و احكم مثال بل يجب عليه الحد به و القصاص و لا يجوز العدول عنه و لا تجوز معارضته و قد قتل علي (عليه السلام) الإعرابي بتكذيبه رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم )و صدق قول رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم )من العلم العادي

20

لعلي (عليه السلام) و إنكار الصحابة على أبي بكر في رد قول فاطمة (عليها السلام) و شهادة الحسنين (عليهما السلام) من جهة عدم حكمه بالعلم العادي الحاصل من صدق قول المعصومين (عليهم السلام) و يظهر من ذلك ان المحاريب التي قد صلى إليها إمام أو الجهة التي دفن فيها لا تدل على الكعبة واقعاً و قطعاً و قد يقال ان الإمام اظهر أحكامنا بالعلم الغيبي فحكم بها كقضية الجلي و غيرها و نفذ حكمه فيها قلنا: نعم قد نفذ فنفذ و كونه نفذ من غير ان ينفذه محل كلام و بالجملة فالإمام لو صدر منه القول الواحد فإن كان بصورة الخبر أو الشهادة وجب تصديقه و أن كان بعنوان الإلزام و الحكم أو بعنوان العمل بحد أو قصاص فإن كان حكمه بالعلم العيني ففي نفوذه و العمل به كلام و إن كان بالعلم العادي فلا شك في نفوذه و أما غيره من الحكام فالقول الصادر منهم ان كان خبرا و قصد الجزية أو شهادة و قصدها كذلك كان حكمه حكم المخبرين و الشاهدين و كذا لو كانت فتوى لزم قبولها و إن صدر بعنوان الإلزام فهو الحكم المبحوث عنه في انه يحكم بعلمه لا بمعنى انه ينفذ حكمه أم لا و لا ملازمة بين قبول شهادته بعلمه و بين نفوذ حكمه كما لا ملازمة بين قبول حكمه وحده و بين عدم سماع شهادته وحده من انضمام شاهد آخر أو يمين في كثير من المقامات نعم قد يقال: انه يلزم القائل بنفوذ حكمه انه لو حكم بأن هذا قول رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم )حيث انه علم به لزم إنفاذه عند جميع الحكام و العمل به و هو لا يلتزم أحد إلا ان يمنع نفوذ حكمه بالموضوعات مطلقاً أو فيما إذا حكم بعلمه أو يقال ان هذا لا ينفك عن الفتوى فهو فتوى قطعية لا حكم العلم بالعلم و من محل المسألة ان المجتهد هل يعمل بعلمه من حد و قصاص و أمر بمعروف و نهي عن منكر و يجب عليه ذلك أم لا؟ و هل يجب على غيره تسليم ذلك له و الإذعان له لو علم بعلمه في حكومته بل و لو لم يعلم غيره بعلمه لزمه التسليم بمجرد دعواه فلو نهب مال زيد أو تزوج امرأته و قتله و قال حكمت بكفره بعلمي أو حكمت بأن ماله لغيره كذلك لم ينازعه و لا يحكم بفسقه و يجوز اخذ المال من يده و تزويج الامرأة لغيره و محل البحث ما في العلم العادي و هو المأخوذ من الطرق العادية لا المأخوذ من طرق المكاشفات و الالهامات لأن ذلك من العلم الغيبي و الأقرب عدم نفوذ

21

حكمه به لو صدر منه الحكم بذلك العلم و علمنا ان مستند حكمه ذلك العلم الغيبي أمّا لو لم يعلم المستند اخذ بصحة الحكم منه ظاهراً و لو ادعى المحكوم عليه انه حكم عليه بالعلم الغيبي فهل القول قول المجتهد من دون يمين أو بيمينه لأصالة صحة الحكم فينفذ لا أصالة الصحة أو لقول قول المحكوم عليه لا أصالة عدم النفوذ فيطلب البينة من الحاكم على الحاكم بعلمه العادي أو استناده إلى بينة أو شياع وجوه و لا يبعد الاكتفاء بقول المجتهد بيمينه لأصالة الصحة و طلب البينة في الحكم أمر صعب غالباً بل لا يبعد عدم سماع الدعوى من المحكوم عليه لإفضاء سماعها فساد المحكومات غالباً أو إدخال المهانة و الفضاضة على الحكام أو ليس من المسألة قضاء القاضي بعلم المستند إلى الطرق الشرعية كالبينة و الشياع لأنها حجة و إن لم تفده علماً فكيف و لو أفادته و للأصحاب في حكم نفوذ الحكم بالعلم العادي من غير الإمام أقول النفوذ مطلقاً و جواز العمل به مطلقاً و هو المشهور بل ظاهر اطلاقهم شموله للعلم الغيبي و لكنه بعيد و المنع مطلقاً و هو المنقول عن المرتضى عن ابن الجنيد و ظاهر النقل عدم نفوذ الحكم و عدم العمل بالعلم في حد أو حق الهي غير الحد أيضاً و المنع في حقوق الله حداً أو غيره نفوذاً و عملًا دون حقوق الناس نقل ذلك عن ابن إدريس و ابن حمزة لبناء حقوق الله على التخفيف و على درئها بالشبهة و لقوله: لو كنت راجماً من دون بينة لرجمتها و المنع من حقوق الناس دون حقوق الله و نقل عن ابن الجنيد في المختصر الأحمدي و المنع منه إذا لم يحضر الخصم و يجتمع المتداعيان فيعلمهم بعلمه و يذكرهم بالقضية إن ذكروها و يقول لهم: هل تحلفون أم لا؟ فإذا أبلى العذر قال لهم: أنا عالم بها فيحكم بعلمه و جنح إليه بعصر المتأخرين و ظاهره عدم التفاوت بين حق المخلوق و الخالق حداً أو غيره فلا ينفذ حكمه على هذا القول مع غيبة الخصم أو غيبة ذي الحد أو ابتداء من حضور الخصوم و إبداء الدعوة و شرحها و استند لأصالة عدم النفوذ و للزوم التهمة في الحكمة و لاختلال النظام بصدور هذه المبادرة من الحكام و أقصى ما للمانعين مطلقاً الأصل و رواية لو كنت راجماً أ الخ و ان فيه تزكية النفس المنهي عنها بقوله: يقال: لا تزكوا أنفسكم و ان فيه التجسس المنهي عنه و لأن فيه تهمة و الحكومة لا تسمع معها

22

كالشهادة و قد يستدل له بخلو الأخبار عن الحكم بالعلم و إنها إنما علقت القضاء في جميع الأخبار بالبينات و الايمان و لم يذكر معها الحكم بالعلم و ان الرسول و الأئمة لم يزالوا يحكموا بالبينة و اليمين مع علمهم بالحلال فعلًا أو بالمشيئة و من المعلوم عدم المطابقة بين علمهم و البينة و اليمين في جميع أحكام الدعاوي و لم يزالوا يقفوا عن الحكم و الحد على وجود البينة و لم ينقل عنهم أنهم ردوا بينة في حد أو قصاص أو قطع خصومة لعلمهم بخلافها أو حكموا ابتداء على شخص بحق مخلوقي أو خالقي و اسندوا ذلك الحكم إلى علمهم و قد يرد جميع ذلك بأن الأصل مقطوع و الرواية ضعيفة و في دلالتها إجمال و انه ليس بالحكم بالعلم تجسس و لا تزكية نفس و نمنع التهمة في الحكم في العلم مطلقاً نعم إذا عادت إلى نفسه أو إلى وليه أو إلى ما أوصى به لأمكن رد قضائه بها لمكان التهمة فإذا لم يعد الحكم إليه بوجه فعدالته تمنعه عن وصول التهمة في حقه و كذا منصبه و أما دعوى خلو الأخبار عن التعرض للحكم بالعلم فللاتكال على ما هو معلوم من قوة الحكم به و تقديمه على البينة و كونه أحق به و مع ذلك فلندرة وقوعه عند القضاة و لو وقع لم يحتج إلى بيان لأنه ما وراء العلم شيء ترك التعرض له بل كلما علق الحكم فيه على الأمر الواقعي من حد أو قصاص كان دالّا على لزوم العمل و الحكم به عند العلم و القطع من الفقيه فيه و قد يستدل على الأول بأن العمل بالبينة المفيدة للظن مما يستفاد منه العمل بالنفي بطريق أولى بالاستقراء القطعي في المقامات الفقهية و الأحكام الشرعية من لزوم العمل بالعلم و القطعي و هذا منها و بجميع ما دل على حد السارق و الزاني و ما دل على الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر فإنها كلها معلقة على الأمور الواقعية فإذا أصاب الحاكم الواقع بعلمه لزمه امضاء ما أمره الله تعالى به و بالإجماعات المحكية على لسان غير واحد من الأعاظم و بإنكار الصحابة على أبي بكر حيث انه لم يحكم بعلمه من فدك مع أخبار فاطمة و الحسنين (عليهم السلام) المعلوم صدقهما عنده و يحكم علي (عليه السلام) بالناقة أنها لرسول الله لعلمه بصدق النبي حيث اخبر إنها له و قتل الإعرابي لتكذيبه النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم )بشهادة ذي الشهادتين بما قاله النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم ): لعلمه به و الشهادة كالحكم و بحديث

23

علي (عليه السلام) حيث قال لشريح حيث طلب منه شاهدا: ان إمام المسلمين يؤمن على ما هو اعظم من ذلك و بان عدم القضاء بالعلم يؤدي إلى إيقاف الحكم أو الفسق من الحاكم كما إذا أطلق أحد ثلاثاً بحضرته فأنكر فلو لم يحكم بعلمه للزم أمّا تسليمها إليه فهو فسوق و اعانة على الإثم و العدوان و أما ترك الحكم و قد قال سبحانه و تعالى: (يٰا دٰاوُدُ إِنّٰا جَعَلْنٰاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النّٰاسِ بِالْحَقِّ) (ص: من الآية 26) و إذا حكمت فاحكم بالعدل و لا ريب ان الحكم بالحق و العدل هما الواقعيان و الطريق إلى الواقع العلم ضرورة و بديهة و لم يكلفنا بغيره بل ما دل على النهي غيره دليل على التعبد بل ما دل على نصب المجتهد حاكماً و انه حجتي عليكم و أنا حجة الله دليل على جواز حكمه بعلمه كالإمام و انه بمنزلته و حكمه حكمه و علمه علمه و إذا جاز العمل عليه بما عمل جاز له الحكم لعدم القائل بالفرق بل العمل حكم و زيادة.

المقام الثاني: لا يجب على الحاكم الثاني تتبع أحكام الأول

بل فلا أحكام نفسه لأصالة الصحة و النهي عن التجسس ربما يمنعه في بعض المقامات نعم لو اقتضى المقام التتبع جاز كما إذا ادعى على الحاكم أو التمس منه مخافة لزوم فساد أو نحوه و كذا المفتي لا يجب عليه تتبع فتاوي غيره و لا فتاوي نفسه و لا يلزمه تجديد النظر و إن كان في بعض المقامات أحوط و لو وقع التتبع في المقامين فوجد الحكم أو الفتوى قطعاً عنده لا ظناً مخالفتان للقطعي و بالجملة قطعي البطلان نقصهما سواء كانت الفتوى مبنية على الدوام كالعقود و الطلاق و العتق أو التجدد كالعبادات و أعاد و أعاد مقلدوه و أمر مقلدي غيره بذلك و نقص اثر الفتوى المبنية على الدوام و كذا الحكم لظهور انه حكم بغير ما انزل الله و التصويب ليس من مذهبنا و نقل عن الشيخ (رحمه الله) في المبسوط ان الحكم المخالف للقاطع ان كان في حقوق الله نقض و إن كان في حقوق الناس لم ينقض لاحتمال إسقاط صاحب الحق حقه و في القواعد ميل إليه و هو ضعيف و يلزم الفتوى كذلك و نقل الشيخ و ابن حمزة جواز نقض الحكم عند تبين المخالفة للقطعي أو الظني بالقطعي أو الظن المعتبر شرعاً؟؟؟ على الأظهر و تردد السيرة القطعية في الظني

24

في الجملة و الاستصحاب و منهم كالشهيد فصل بالظن فإن كان قطعي السند كنص الكتاب أو السنة المتواترة أو منصوص العلة و ظهر مخالفة الحكم له و الظاهر انه لفتوى مثله جاز نقضه و ان كان ظنياً قد تغير فيه اجتهاد المجتهد الأول أو اختاره الثاني جاز نقضه كأنواع التراجيح في الأخبار و مسائل الدوران و تقديم الصحيح أو المشهور و تقديم التخيير أو الترجيح أو غير ذلك جاز نقضه ثمّ إذا نقض مجتهد حكم آخر لزم على مقلديه النقض و هل يلزم على المجتهد الآخر و مقلديه أم لا؟ و إذا سمع الآخر بنقضه فحكم بنقض النقض فهل يتبع أو يبطل نقض كل منهما نقض الآخر؟ ثمّ ان نقض الحكم قد يكون لخلل في الحاكم حين الحكم أو المفتي حين الفتوى الجنون أو فسق أو غيرهما مما هو شرط في القضاء أو الفتوى أو الخلل في استنباطه و ان كان حكمه موافقاً للأدلة إلا انه لم يأخذه عن دليل أو الخلل في دليله كما إذا ركن إلى الشاذ و ترك الصحيح المشهور على نحو ما تقدم في جميع هذه الصور لو كان الحكم موافقاً لراي المجتهد الثاني هل له إمضاؤه و إجازته؟ و الظاهر ان الحكم مما لا يجري فيه الإجازة لنفسه أو لغيره و لو ترتب على الحكم و الفتوى عمل موافق كبيع مال الطفل أو إعطاء الخمس أو الزكاة لأهله أو طلاق جبري يجوز للحاكم أو بيع كراهة له توليه أو اخذ مال من حق الميت للفقراء و المساكين فهل له إجازة ذلك؟ الظاهر ان له ذلك و بالجملة العدالة هل هي شرط في إنفاذ الحكم على الغير واخذ الفتوى منه و تسليم الحقوق و نحو ذلك؟ أو هي شرط له في نفسه أو في نصبه من حيث هو فلا يجوز ان يحكم و لا يقبض حقا و لا يبيع مال غائب أو يتيم و لا يطلق كرها في مقامه و لا يجب أحداً و تصرفاته كلها فضولية و الثاني قريب فيما عدا الفتوى فإن له العمل بنفسه قطعاً و لو تغير رأي المجتهد من ظن إلى آخر في العبادات عدل هو و مقلدوه للإجماع و لولاه لأمكن المناقشة في وجوب العدول و لا يجب عليهم القضاء مع المخالفة سواء كان تغير الاجتهاد في الشرائط الواقعية أم العلمية للإجماع و لولاه لأمكن المناقشة لصدق الفوت و لو تغير اجتهاد المجتهد في العقود أو الايقاعات أو الأحكام و قد عمل برأيه الأول السبب لكن بقي مسببه أو عمل حكماً لكن بقي اثره كما إذا باع و اشترى معاطاة أو

25

اخذ المارة فباعها أو صالح على مجهول أو زارع شرط بشيء معين أو استعبد بشرط الرقية أو نكح أمته من دون خوف العنت أو تزوج المطلقة ثلاثاً مرسلة أو طلق زوجته ثلاثاً مرسلة أو اخذ الحبوة عيناً أو صاد السمك بالخروج لا بالإخراج أو زكى بغير حديد أو غير ذلك فعدل عن الجميع و عين الثمن و المثمن عنده و كذا الزوجة و اللحم و العبد فهل يحرم عليه الجميع؟ و يجب عليه الرد مطلقاً أو لا يجب مطلقاً؟ أو يفرق بين العدول في الأنساب من العقود و الايقاعات فيمضي عليه و بين الأحكام كالذبح و المواريث مع بقائها و التحليل و التحريم المضافان للأعيان صح بقاؤها فلا يمضي أو بين ما تصرف فيه فنقله كالعبد باعه و السمكة نقلها و الميراث اتلفه و بين ما لم يتصرف فيه فيمضي اثره فلا بد من التأمل و أما اختلاف فتوى المجتهدين أمّا في العبادات فكل منهما يبني على صحة عمله و لا استبعد جواز إتمام أحدهما بالآخر سوى ترك القرابة و جواز استئجاره و نيابته و الاحوط ترك الأيتام مع فقد الشرائط الواقعية و أما في غيرها كالفتاوى العامة فما كان الاختلاف فيه في السبب جاز للآخر اخذ اثره فيجوز لمن لا يرى بيع المعاطاة ان يأخذ ثمن من يرى جوازها و قد باع معاطاة و قبض الثمن و لا يجوز معاملته لمن لم ير جوازها لأن العقد لا يصح من جانب دون آخر و قد يحتمل الصحة فيكون مجموع العقد صحيحاً لمن يرى جوازها و مجموعه فاسداً لمن يرى فسادهما و هو قوي فتأمل و أما اختلافهما بالأحكام فالظاهر انه لا يجوز أكل صيد من يرى ان صيد السمك بالخروج لمن لا يرى انه بالإخراج و لا يجوز أكل العصر الزبيبي لمن يرى حرمته و لا أكل من فقد شيئاً من التذكية عنده و إن ذكاه من يرى جواز و لا يجوز تزويج المطلقة ثلاثاً مرسلة لو طلقها المجيز لذلك لمن لا يرى ذلك و لا استخدام من شرطت رقية لمن لا يرى ذلك و كذا لو اختلفا في الحكم بكون هذه مطلقة أو مزوجة أو ان هذا نجس أو طاهر أو ان هذا مال زيد أو عمر أو ان هذا مذكى أو ميتة و بالجملة فاختلافهم في الفتوى المتعلقة بالعقود أو الايقاعات أو آثارهما أو في نفس الأحكام أو اختلافهم في الحكم الصادر عنهم مما يوجب العمل لكل منهما بما أدى إليه نظره و لا يجوز له متابعة الآخر و لا استعمال ما يستعمله سوى آثار العقود و الايقاعات فيما عدا الخروج فلا

26

يبعد جواز استعماله للآخر للسيرة و لليسر و عدم العسر و يجب على كل منهما الإذعان للآخر و عدم الرد عليه فلو حكم حاكم بالهلال لزم حكمه على جميع الحكام إذا لم يكن بنظرهم و اجتهادهم انه خطأ أمّا لو كان بنظرهم انه خطأ كما لو حكم بشاهد واحد و كان عندهم ان الشاهد لا يحكم به الحاكم لزمهم الإذعان به ظاهراً و تسليمه و لكن لا يجوز لهم الإفطار بحكمه لظنهم خطأ في طريق الحكم و خيال أنه يجب عليهم الإفطار تعبداً بعيداً.

المسألة الثانية: العدالة ملكة أو فعل ناشئ عن ملكة

أو فعل يصدر متكرراً من الشخص من فعل الواجبات و اجتناب المحرمات من دون نظر إلى أمر آخر أو أمر عدمي و هو عدم الفسق عما من شأنه الفسق و الذي يظهر من المتأخرين الأول و أتباعهم حسن لأن العدالة من المسوغات الشرعية فلا يقصرون فيها عن أهل اللغة في بيان معاني الألفاظ و الذي يظهر من الأخبار هو الثالث و لا تخلو الأخبار عن الإشارة عن الملكة لأن فيها بما يعرف و يعرف و لأن الغالب صدور هذا الفعل المتكرر عن الملكة و دعوى ان العدالة هي نفس حسن الظاهر و أنها ظاهر الإسلام ضعيفان لا يساعد عليهما نعم الطريق إلى الملكة قد يكون الصحة المتكررة و الخلطة المتأكدة الواصلة إلى حد العلم أو الظن بالملكة لمكان تعسر العلم غالباً فيؤخذ بالأقرب و الأقرب و هل يكون الطريق حسن الظاهر وجه قريب للزوم العسر و الحرج لولاه و تعطل الأحكام و لكن ليس كل ظاهر حسن بل ما أنبأنا عن حسن الباطن من الأقدام على الطاعات و اجتناب المحرمات و نحو ذلك و هل يكفي الظاهر من الإسلام و لو كان محكوماً به للتبعية أو الدار ذهب الشيخ إلى ذلك و جعل الأصل في المسلم العدالة حتى يقوم دليل على خلافها و استدل بالإجماع و ظواهر جملة من الأخبار و الأصل مقلوب و الإجماع ممنوع لضعفه عن مقاومة الإجماع أو المشهور حتى كاد أن يكون إجماعاً على خلافه و الأخبار ضعيفة محمولة على التقية و الصحيح منها يمكن حمله على الأخبار المصرحة باشتراط الاطلاع على أعماله و معرفته بالستر و العفاف و التجنب عن المعاصي و الملازمة على الجماعة كصحيحة بن أبي يعفور و أضعف من قول الشيخ قول من منع

27

اشتراط العدالة في الشهادة و جعل الفسق مانع و مع الشك في الفسق جعل الأصل عدمه لمخالفة الإجماع و أصالة عدم العمل بالظن و أصالة عدم نفوذ الحكم و مخالفته ظاهر الكتاب و السنة على ان الأمر تعلق بوجود التشبث عند خبر الفاسق و لا يتم إلا بالعلم به على ان خبر الفاسق منهي عنه و يجب في مقدمة الحرام الاجتناب كمقدمة الواجب على الأظهر.

فائدة: تتجزى ملكة العدالة فتكون متعلقة ببعض الكبائر دون بعض

و بعدم الإصرار على بعض الصغائر دون بعض و على اجتناب بعض منافيات المروة دون بعض و لكن الفرد الكامل الذي هو شرط في القبول هو المتعلق باجتناب جميع الكبائر و بعدم الإصرار على جميع الصغائر و باجتناب جميع منافيات المروة أو بعدم الإصرار عليها في وجه آخر و قد تترقى الملكة فتتعلق باجتناب جميع الصغائر و هي مرتبة المتقين بل تترقى فتتعلق باجتناب جميع الشبهات و هي مرتبة الورعين و قد تتعلق باجتناب المكروهات و فعل جميع المندوبات و هي مرتبة المقدسين بل قد تترقى فتتعلق باجتناب جميع المباحات و فعل جميع الطاعات و هي مرتبة الأبرار بل قد تترقى فيكون صارفاً كل ذماته و حركاته و سكونه في العبادة مع الخشية و الخضوع و هي مرتبة الأولياء و المقربين إلى غير ذلك و لكن الشرط في قبول الشهادة المعنى المعروف بل هو كافٍ في كل ما يشترط فيه العدالة نعم قد يقال في منصب القضاء و الإفتاء و الولايات انه لا بد من الزيادة على العدالة من ورع و خشوع و مواظبة على كثير من المندوبات و القيام بالمواعظ و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و الزهد في الجملة و تجنب الشبهات إلى غير ذلك كما يفهم ذلك من طريقة نصب أمير المؤمنين و نصبة الأئمة لأبان بن تغلب و قوله (عليه السلام): هذا مقام شقي أو ولي و لظهور جملة من الأخبار في ذلك و لو لا ان الفقهاء على خلافه لكان القول به متجهاً و هل يخل بالعدالة ترك جميع المندوبات عمداً وجه قوي بل ربما يؤذن بمنافاته للمروة و عدم مبالاته بالطاعات و الاكتراث في الدين و سيما ترك الجماعة لأنه منصوص و تاركها يستراب فيه و يراد باجتناب الكبائر اجتنابها بعد التفطن لها و القدرة عليها لا مجرد الاتفاق و قد يشكل ان اجتناب الكبائر

28

لا يكون إلا للعارف بها و معرفتها مما يشكل على العامي فلا بد من الالتزام أن يعرف باجتناب كل كذب حتى تدخل في اجتنابه الكبائر و لا تقبل شهادة غير العارف بالكبائر و قد يقال بكفاية معرفة انه عنده ملكة لو عرف الكبيرة لاجتنبها و الكل محتاج إلى التأمل و الكبيرة قد تحد فيقال هي ما أوعد الله عليها النار كما في صحيحة ابن أبي يعفور حيث قال: و يعرف باجتناب الكبائر التي اوعد الله عليها النار بناء على ان الصفة موضحة لا مخصصة و يراد بالوعد عليها بالخصوص كما هو الظاهر و إلا فقد توعد الله العصاة و قيل: ما توعد الله عليها العقاب في الكتاب أو على لسان نبيه (صلّى الله عليه و آله و سلّم )و قيل: ما قام على حرمته قاطع و قيل: كل معصية تؤذن بقلة المبالاة في الدين و قيل: ما سمي عند أهل الشرع بالكبيرة و قيل كل ذنب كبيرة إلا إنها تختلف بحسب الإضافة و هؤلاء عندهم كل ذنب مخل بالعدالة إلا ان يتوب عنها أو عندهم لا يخل بالعدالة إلا الكبائر المتوعد عليها أو انه عندهم يخل كل ذنب عند ظهوره و مع عدم ظهوره بل ظهور الصلاح منه تقبل شهادته و أهل هذا القول جعلوا الكبائر و الصغائر اضافية فالقبلة صغيرة إلى ما فوقها من الزنا و كبيرة بالنسبة إلى النظر إلى ان تنتهي إلى اصغر ما لا اصغر منه و الظاهر انه لو تحقق هذا عندهم كان صغيرة و يحتمل ان المخل بالعدالة عندهم هو خروج الشخص عرفاً عن سمة التقوى و الورع بحيث يقال عند أهل الشرع: ليس من أهل الديانة و التقوى و هذا القول محكي عن الشيخ المفيد و ابن البراج و أبي الصلاح و ابن الجنيد و ابن إدريس و نقل عليه الإجماع و استدل لهم بما جاء من الأخبار ان كل معصية عظيمة و كل ذنب يوجب النار و ما جاء من التحذير عن استحقار الذنب و استصغاره كقوله (عليه السلام): لا تستحقروا شيئاً من الشر و إن صغر و لا تستحقرن صغيرة فربما كمن فيها غضب الله تعالى و هو ضعيف لمعنى الإجماع و للزوم القول به إلى انتفاء العدالة غالباً و لقوله تعالى: (وَ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبٰائِرَ الْإِثْمِ وَ الْفَوٰاحِشَ) (الشورى: من الآية 37) و في الخبر ان الأعمال الصالحة تكفر الصغائر و أيضا من اجتنب الكبائر كفر الله عنه جميع ذنوبه و ورد في بعض الأعمال إنها تكفر الذنوب إلا

29

الكبائر و أيضا في تفسير قوله تعالى: (وَ يَغْفِرُ مٰا دُونَ ذٰلِكَ لِمَنْ يَشٰاءُ) (النساء: من الآية 48) من الكبائر و ما ورد في تعدادها و خصرها أقوى شاهد و كذا ما هو المشهور عند الإمامية ان الصغائر تقع مكفرة و هو التكفير و قيل إنها سبع الشرك و قتل النفس و قذف المحصنة و اكل مال اليتيم و الزنا و الفرار من الزحف و العقوق و قيل تسع بزيادة السحر و الظلم في بيت الله و قيل عشر بزيادة الربا و قيل اثنا عشر بزيادة شرب الخمر و السرقة و قيل عشرون السبع الأول و اللواط و السحر و الربا و الغيبة و النميمة و اليمين الغموس و شهادة الزور و شرب الخمر و استحلال الكعبة و السرقة و نكث الصفقة و التعرب بعد الهجرة و اليأس من روح الله و الأمن من مكره و قيل مع ذلك زيادة أربع عشرة أكل الميتة و الدم و لحم الخنزير و ما أهل به لغير الله و السحت و القمار و البخس في الكيل و الوزن و معونة الظالمين و حبس الحقوق من غير عسر و الإسراف و التبذير و الخيانة و الاشتغال بالملاهي و الإصرار على الذنوب و قيل بعد ذلك القيادة و الدياثة و الغصب و النميمة و قطيعة الرحم و تأخير الصلاة عن وقتها المفروض و المكذب على الله و رسوله و ضرب المسلم ظلماً و كتمان الشهادة و السعاية إلى الظالم و منع الزكاة و ترك الحج و الظهار و المحاربة و قطع الطريق. و عن ابن عباس إنها إلى السبعمائة اقرب منها إلى السبع و في الخبر انه كل ما عد كبيرة لأن الله تعالى يقول و ذكر ما جاء فيها من الوعيد من الكتاب و هو ظاهر في المعنى المتقدم و كذا الخبر المتقدم و هما ظاهران في انهما ما توعد الله عليهما في الكتاب و الظاهر ان هذه اكبر الكبائر و إلا فالكبائر معرفتها موكولة لنظر أهل الشرع و لما جاء في الأخبار من عظم الذنب و من المعلوم بديهة ان هنا كبائر كالحكم جوراً فيها و الفتوى كذباً اللتان يؤديان إلى تحليل الفروج و الأموال المغصوبة و الفتها و المكر و تشيع الفاحشة و اهداء الكفار على المسلمين إلى غير ذلك و قد تصير الصغيرة كبيرة مع عدم المبالاة بالمعصية و عدم الاكتراث بطاعة الله تعالى بل قد يقال يكون كفراً و هل تجب الشهادة على من كان فاسقاً وجه و هل يجوز للفاسق التقدم للجماعة و القضاء و تولي أموال الأيتام وجهان الأول لأن النهي تعلق بالإتمام به و نصبه قيماً و تقبضه الحق و الترافع إليه دون فعله لذلك فتبقى العمومات شاملة و الثاني

30

لظهور التلازم بين النهي عن الاقتداء و بين تقدمه للقدرة و بين دفع الحق إليه و بين قبضه له لما نرى كثيراً من أحكام الشرع يبين منها أحد المتلازمين و يوكل بيان الآخر إليه و يجري ذلك في شرائط الإمامة و ربما كان في تقدمه و قضائه إغراء بالجهل و لاستبعاد أن يقول الشارع ترافعوا إلى الفاسق و يقول للفاسق اقض بينهما و قد يفرق بين حالة العلم من المترافعين بفسقه فيحرم عليهما و عليه و بين الجهل فينفذ و لا يحرم على أحد منهما أو يحرم عليه خاصة و المراد بعدم الإصرار هو الإكثار من نوع أو أنواع من الصغائر فعلًا أو تركاً أو ملفقاً سواء تخللت بينهما التوبة أم لا و يحتمل مع تخلل التوبة و الإكثار و المراد بالإكثار العرفي سواء كان في يوم أو أيام و تشتد في اليوم أو المجلس الواحد و يحتمل حصول الإصرار بالفعل مرة مع العزم على العود إليها مرات بل مرة واحدة في وجه و يحتمل إنها الإكثار مع الغرم على العود و الظاهر انه يكفي الإكثار و لو مع عدم العزم على شيء و لا ينافي الإكثار مع تخلل التوبة إلا إذا خرج عن حد التائب بحيث تكون توبته كلا توبة و المقتحم على الذنب مع جهله بصغره و كبره تسقط عدالته في وجه و يحتمل العدم و لو فعلها صغيرة فبانت كبيرة احتمل الإخلال و عدمه و كذا العكس و المراد بمنافاة المروة هي اتباع محاسن العادات و اجتناب مساوئها و هو يختلف باختلاف الزمان و البلدان و الأغراض الصحيحة و قد تجامع الكبيرة و الصغيرة و قد تنفك عنهما و لا بد من الإخلال بها معرفة ذلك انه مما ينافي المروة عند الفاعل و هل حكمها كالكبيرة يقدح فيها المرة أو كالصغيرة شرطها الإصرار و لا حد لها بل ما يؤذن فعلها بدناءة النفس و الهمة و خساستها و عدم المبالاة بشيء و في الأخبار المروة غير ما في كلام الأصحاب و الأخذ بالجميع حسن لأن كلامهم مبني عن تعريف العدالة في لسان الشرع و الظن في الموضوعات الشرعية الراجعة للوضع كافٍ و كيف و قد كاد أن يكون إجماعاً و لأن الإعراض عن الأخبار المصرحة بأن المروة كذا و كذا ان ذلك طريق لمعرفة حصول اجتناب المروات العرفية من صاحبها إذا ظهر منه ذلك.

المسألة الثالثة: ثبوت العدالة و الفسق مطلقين و لا يحتاج إلى التفصيل

من المعدل نعم لا يجوز له ان يطلق و يريد المقيد من مذهبه أو مذهب مجتهد للإغراء بالجهل

31

الظاهر من الإطلاق إرادة المطلق على جميع المذاهب و مثله الشهادة في رضاع أو طهارة أو نجاسة و لا يجب على الحاكم الاستفسار عن السبب حملًا لظاهر قوله على الظاهر نعم يجوز له استظهاراً بل لا يبعد لزوم الاستفسار عند التعارض لضعف الظاهر حينئذ كما إذا تعارضت بينة الجارح و المعدل و من الغريب لزوم الاستفسار عن بيان الجرح لحصول الخلاف و الاختلاف فيه مع عدم عسر البيان فيه بخلاف العدالة فإنه يعسر ضبطها فالاستفسار عنها مما يؤدي إلى تعطيل الأحكام و بذلك حكم المشهور مع احتمال لزوم الاستفسار عنها دون الجرح لشدة الاختلاف و الخلاف فيها مع لزوم التدقيق فيها و صعوبة العلم بها لافتقارها إلى المعاشرة و المخالطة دون الجرح فانه و إن حصل فيه الاختلاف و الخلاف كالعدالة لأنهما متقابلان إلا انه لا يحتاج إلى زيادة خلطه و تكرار صحته بل يكفي فيه المعاينة و الاحوط الاستفسار فيهما معاً لضعف الظهور و للاحتياط في الشهادة و طريقة أهل الرجال ذكر سبب الجرح غالباً دون العدالة لعسر ذلك عليهم و لكن مع ذكر سبب الجرح غالباً يكتفون بالإطلاق مع اختلاف المذاهب فيما يجرحون به ولول علم المعدل اتفاقات مذهبه مع مذهب الحاكم جاز الإطلاق مع إرادة مذهبه و كذا لو علم الحاكم ذلك مطلقاً حكم الاستفسار في حقه و هذا كله فيما لو كان العدل عارفاً بالمذاهب أمّا لو كان جاهلًا لا يعرف معنى العدالة و الجرح إلا بكلام العوام و السماع من الناس و مع ذلك كان فاقد البصيرة و عرف الحاكم منه ذلك لزم الاستفسار منه في التعديل و الجرح قطعاً و هل يجب على الحاكم بعد تعديل الشهود طلب تزكيتهم في انهم مقبولي الشهادة و ليس فيهم ما يمنع القبول من نسب أو شركة أو عداوة الظاهر عدم الوجوب إلا إذا جرحهم المدعى عليه وقف عن الحكم حتى يأتي بالجارح فلو لم يثبت الجرح لم يسمع جرحه مع احتمال لزوم طلب الحاكم التزكية في ذلك كله سيما لو طلبه المدعي عليه و يقوى ذلك في النسب كما لو قام احتمال ان الشاهدين أولاد المدعى عليه أو ان العدلين كذلك.

المسألة الرابعة: لو تعارضت شهادة التزكية و الجرح

في تعديل أو تفسيق أو في كونه مقبول الشهادة أم لا لنسب أو غيره أو نحو ذلك فإن كانتا مطلقتين كما تقول

32

أحدهما هو عدل و الأخرى انه فاسق أو تقول أحدهما انه مقبول الشهادة و تقول الأخرى مردودها أو فيه ما يمنع قبولها سأل الحاكم عن تاريخهما فإن أرخا متقدماً و متأخراً عمل على المتأخر إذا أمكن ان يكون ناسخاً للأول كطرو الفسق بعد العدالة أو العدالة بعد فعل الكبيرة بمجرد التوبة أو بعد إصلاح العمل و ان ذكر الوقوع و السبق و اللحوق و لم يعلما السابق من اللاحق ردت شهادته ترجيحاً لجانب الفسق أو تساقط الأمرين فيبقى مجهول الحال و ان دخل معه الشك في الاقتران رجح جانب الفسق و قد يجعل مثل معلوم تأريخ فيهما ما إذا علم التاريخ أحدهما و شك من الآخر فيكون المجهول متأخراً و إن أرخاها في وقت واحد و أطلقا لم يمكن السؤال قدم الجارح لأنه بمنزلة المثبت دون المعدل و لأنه بينة كبينة الخارج و لأنه كالرواية المؤسسة دون المؤكدة مع احتمال تقديم المعدل بناء على تقديم الموافق للأصل و تقدم المقلد دون المؤسس و قد يلحق بعلم التاريخ و الأخذ بالمتأخر ما إذا ظهر خبر و تقديم يمكن الجمع به بين المتعارضين كما إذا جرحه أهل بلده فسافر فعدله أصحابه في كفره أو العكس و الجمع مهما أمكن أولى من الطرح و إن كانتا مقيدتين مع الإطلاق أو ابتداء فإن أرخهما متقدماً و متأخراً عمل على المتأخر و مثله ما لو كان أحدهما معلوم التاريخ و مثله ما لو كانا كالمؤرخين كما إذا ذكر أهل بلده سبباً و أهل سفره سبباً فإن أرخاهما في وقت واحد أو جهل تاريخهما فحكم بتأخرهما معاً أو لم يعلم السابق من اللاحق قوي القول بتساقطهما فبعود مجهول الحال فلا تقبل شهادته و لا يحكم بفسقه مع احتمال انه لو كان عدلًا عند الحاكم فجرحه الجارح فقال: رايته يوم الجمعة يلعب بالعود في بغداد فقال الآخر: هذا اليوم معتكفاً معي بمسجد الكوفة تساقطت البينتان فعاد عدلًا و يحتمل بترجيح الجارح مطلقاً لأنه مثبت و خارج أو متشبث بهما و يحتمل تقديم المعدل لموافقته الأصل و حسن الظن و يحتمل تقديم قول المعدل لاحتمال وقوع الجرح خطأ أو نسياناً و احتمال ترجيح أحد البينتين بالأعدلية و الأكثرية و الأعلمية و احتمال القرعة بعيد هذا كله ان لم يكن قيد الخارج نفياً كما يقول: ما صلى اليوم الفلاني فقال الآخر: صلى معي و ان اطلقت أحدهما و قيدت الأخرى فكما تقدم مع تقدم أحدهما

33

و تأخر الأخرى أو ما كان يحكم ذلك من معلوم التاريخ و مجهوله و ان كانا تاريخهما واحداً فإن كان سبب الجرح مقدماته قدم على المعدل و ان كان سبب العدالة مقيداً بها فإن لم يناف الجرح قدم الجرح عليه و لو كانا مقيدين فيذكر السبب و لكن قول شهادة الجرح إلى النفي قدم المعدل كله بقول المعدل: يصلي الفرائض مع جماعة فيقول الجارح: لا يصلي فريضة أو يقول المعدل: يزكي فيقول الجارح: ترك الزكاة.

المسألة الخامسة: الرشوة محرمة

لأنها أكل مال بالباطل إجماعاً كتاباً على العموم و سنة لعن الراشي و المرتشي و ورد إنها كفر و ضرورة مذهب الشيعة و هي في اللغة الجعل و شرعاً بل لغة دفع المال إلى الحاكم ليحكم له بالباطل كما عن النهاية أو ليحكم له مطلقاً حقاً أو باطلًا كما يظهر من القاموس و المجمع أمّا لو دفع له ليحكم له حقاً كما إذا كان من علماء الباطل فخشي الباطل فخشى منه فدفع له للحكم بالحق فالظاهر إنها رشوة أيضاً نعم يجوز دفعهما للراشي توسلًا إلى تخليص حقه كما يجوز الترافع لتخليص الحق عيناً بل و ديناً في وجه إلى غير أهله نعم يحرم أخذها على المرتشي و الفرق بينها و بين الهبة و الإجارة على الحكم و الجعالة و الصلح و الهبة المعوضة يحتاج إلى بيان أمّا الهدية فيحتمل في الفرق بينهما ان الرشوة ما شرط بأذنها الحكم بالباطل كما يظهر من بعض و هو بعيد كما قدمنا أو ما جعل الحكم فيها مطلقاً شرطاً بخلاف الهدية فإنها استجلاب و تميل لقلب الحاكم أو ان الهدية ما بذلت للتحبب و التودد أو العلم و نحو ذلك بخلاف الرشوة فإنها ما بذلت للحكم و الفرق بينها و بين الجعل و الإجارة ان الرشوة ما صدرت ممن يريد الحكم له فهي ما صدرت من معين و مثله ما لو صدرت ممن لا يريد الحكم و يريد رفعه خوفاً ان يقع عليه و هذا منها اسماً أو حكماً بخلاف الجعالة أو الإجارة فإنها ما يشرطها الحاكم على ما يقع الحكم له أو عليه أو عليهما فهي شرط على غير المعين بعد صدور الحكم منه و تحقيق المسألة يتوقف على بيان أمور هو ان الحكم و الإفتاء من الواجبات الكفائية و كذا مقدماتها من سماع كلام المستفتي و كلام المدعي و الشهود و التزكية و كذا استفراغ الوسع لهما فدفع المال

34

إلى الحاكم و المفتي أن كان على وجه المعاوضة فإن كان على باطل بطل العوض و المعوض و صار سحتاً و أكل مال الباطل و إن كان على حق فدفع المال على الواجب

الكفائي إجارة أو جعالة أو هبة معوضة باطل أيضاً للإجماع المحكى و لفتوى المشهور و لا يتفاوت بين كون الإجارة من المتخاصمين أو من أحدهما أو من متبرع أو من بيت المال نعم لا بأس بالارتزاق من بيت المال بأنه معدود لمصالح المسلمين كالجهاد و نحوه و لا يتفاوت بين كونه محتاجاً لذلك أو عدمه لأن بيت المال من المصالح و لا يشترط فيه الفرق و الإجماع منقول على عدم جواز اخذ الأجرة و نحوها على الواجب كفاية و يكفي الشك في شمول الأدلة من الإجارة و الجعالة لمثل ذلك هذا كله فيما علم فيه إطلاق لوجوب كفاية و فيما شك في إطلاقه و شرطيته لأصالة الإطلاق و أما ما ظهر ان وجوده مشروط بالعوض فذلك لا يجب إلا بالعوض لا انه يجب فيعارض عليه و قد يستدل على منع الاستئجار على الواجب كفاية بمنافاته القربة و فيه ان الاستئجار يؤكدها و قد يستدله بأنها مملوكة لله تعالى أو للعامل و لو بعد الاستجارة و لا يتوارد مالكان على مملوك واحد و فيه ان ملك الله تعالى و ملك العامل غير حقيقي و قد يستدل على أنها لو ملكت لجاز الإبراء و نحوه و فيه انه يصح الإبراء بالنسبة إلى ملكه لا بالنسبة إلى اصل العمل و قد يستدل بعدم قبوله النيابة فلا يصح الاستئجار و فيه ان العمل ذو جهتين فإن لاحظ صدوره عن العامل نفسه سقط عن المؤجر و انفسخت الإجارة و إن لاحظ انه على المؤجر صح عده عن المؤجر و سقط عنه الوجوب.

الكلام في التداعي مع الحاكم و فيه أمور:

أحدها: لا شك ان الحاكم كغيره في غير الحكومة مدعياً و منكراً [فهنا مقامات]

سوى انه لا يستدعى قبل بيان كدعوى احتراماً له كذا قال و هو جيد و أما فيها فهنا مقامات:-

أحدها: ان الحاكم لا تمضي حكومته فيما يعود إلى نفسه

لا بعلمه و لا بنيته فلا يصح حكمه بمال لنفسه و لا لولده المولى عليه و لا ليتيم هو وصي عنه و لا لثلث هو وصيه و لا لمجنون هو وليه و لا على مال يرثه و لا على نفس قصاصها إليه أو ديتها له

35

و كذا لا يصح الحكم على والده و على خصمه و لا على مولى له و لو كانت عنده بينة رفعها إلى حاكم آخر و أما الحقوق العامة كحكمه على آخر بزكاة أو خمس أو مجهول مالك أو وقف عام أو وصية تعود لحاكم الشرع فالأظهر نفوذ حكمه بعموم الأدلة و بعد التهمة و الأولى ان ينسب قيماً من قبل الإمام لا وكيلًا من نفسه فيدعي و يعم البينة فيحكم له بل لا يبعد هنا ان ينفذ حكمه بعلمه أيضاً بعد دعوى القيم.

الثانية: الأصل في الحكم بعد صدوره صحته

و كذا الظن لأن الظن استظهار الحكام في الأحكام فلو ادعى فساده المحكوم عليه لخلل في الحاكم من جنون أو جهل أو فسق أو الخلل في مدركه دليلًا أو استنباطاً أو سهواً أو غفلة أو انه وقع و لو لم تكن بينة فهل يصدق الحاكم بقوله لأنه أمر يرجع إليه و هو أكثرية به و لأن الحكومة منصب نبوة أو إمامة و قد جعله الإمام حاكماً و أميناً و مقتضى تنفيذ حكمه لو اخبر بصحته و وقوعه كيف و يمضى إنشاؤه الحكم من غير رد و هو محتمل لجميع ذلك و يكون رده كفراً فكيف لا يصدق مع دعوى المدعي و الحال ان المحكوم عليه متهم بالعداوة و الفضاضة كما نراه اليوم فدعوى افتقار الحاكم إلى البينة على صحة حكمه ضعيفة نعم هل يفتقر معها إلى اليمين لأنه كالغير و اليمين على من أنكر وجه توافقه القواعد و الأوجه عدمه لعلو منصبه في الحكومة عن طلب اليمين منه في ذلك ما كان عالما به و مفوضاً عليه و موكلًا أمره إليه و لأن في اليمين امتحاناً للحاكم المنصوب لقطع الخصومات و الدعاوى هذا كله إن الحاكم للمدعى عليه حاضراً بمجلس الدعوى و إن كان غائباً فقد ذكر الأصحاب انه لا يلزم بالحضور مع المدعي إلا ان يبين دعواه خوفاً من احضاره فيبين دعوى غير مسموعة فيلزم منه الامتياز بل قال جمع انه لا يلزم بالاحضار إلا ان يقول المدعي عندي بينة على فساد كلامه و إلا فلا يسمع دعواه من غير بينة و هو قوي إلا ان الأقوى سماعها لأنه لعله يقر بفساد حكمه فيلزمه الضمان في مقام يلزمه لاستيلاء يده أو لعدم تحصيل المال من المباشر فيضمن مع العدم في ماله و مع الخطأ من بيت المال.

36

الثالثة: المحكوم عليه له ان يدعي المحكوم له

و له ان يدعي الحاكم لو كان الحاكم ممن يضمن المال لو ثبت خطأه و إلا ليس له ان يدعي الحاكم حتى لو كانت عنده بينة لعدم الفائدة بل لو اقر الحاكم بفساد حكمه لم يثبت باقراره حق على المحكوم له لأنه إقرار في حق الغير نعم لو قامت بينة على فساد الحكم كحكم الحاكم الآخر على المحكوم له إذا حضر للدعوى واخذ منه المال لو كان هو المباشر و كان عالماً بفساد الحكم أو غير عالم في وجه.

الرابعة: لو ادعى المحكوم عليه فساد الحكم بما لا يجري فيه الأصل و الظاهر

كما إذا ادعى ان الحكم قبل اجتهاد الحاكم أو قبل بلوغ الحاكم أو قبل تميزه أو رشده افتقر الحاكم إلى بينة فيما إذا كانت الدعوى مسموعة و يحتمل ان اصل الصحة يثبت الشرائط العائدة للحاكم كما يثبت رفع الموانع و يثبت شرائط المحكوم به كما يثبت موانعه فيما يحكم بصحة الحكم من جهة الاستنباط و عدم الجور و عدم الخطأ و السهو النسيان فكذا يثبت البلوغ و العقل و الرشد و الاجتهاد و لو جن الحاكم بعد عقله و شك في صدور الحكم حال عقله أو حال جنونه حكم به في حال عقله و ان كان الأصل تاخر الحكم إلى حال الجنون المتأخر فأصالة الصحة تحكم على اصل تأخر الحادث و تحكم على المشكوك في صدوره حال الصغر أو بعده أو الاجتهاد أو بعده مع تعارض اصلي تاخر البلوغ أو الاجتهاد عن الحكم و تأخر الحكم عنهما.

ثانيها: في سماع الدعوى بالمجهول الأوجه في المسألة

أن يقال ان الدعوى بالمجهول إن آل أمرها إلى حصول العلم بالمدعى به في الجملة بعد الحكم سمعت الدعوى به كما إذا ادعاه بحيوان أو أحد الحيوانين و لكنه ذكر انه موجود في بيته أو طعام مردد بقدر خاص أو لا بقدر و ذكر انه في حجرته أو أحد الثياب أو ثوباً و ذكر انه في داره أو قال: صالحني على شيء محمول و هو الآن في كمه أو اطلبه مالا موجوداً اقدره في دفتره أو قال: صالحني على ما تثمر شجرته أو تحمل دابته أو تزرع أرضه أو ورثت معه مالًا بقدر ما ورثه اخوه منه إلى غير ذلك ففي الجميع تسمع الدعوى لحصول الفائدة الكلية المترتبة على سماعها عند قيام البينة على المدعى عليه أو نكوله

37

عند توجه اليمين و مثله في سماعها ما لو ادعى الوصية بالمجهول المنصرف إلى المعلوم شرعاً أو الوصية بالمبهم الجائزة فيجعل الخيار للوارث في الدفع كالوصية بأحد العبدين أو السيفين أو الوصية بسيف أو ثوب أو بعيد من سيوفه أو ثيابه أو عبيده أو بما يقع عليه اسمه عرفا و كذا لو ادعت الامرأة بمهر المثل أو بالمتعة في المعوضة أو ادعى الواهب بعوض الهبة لو وهبه بعوض و لم يبين فينصرف إلى قدر الموهوب أو ادعى عليه ارش عيب يعلم قدره بمعرفة العيب و المعيب أو غبن يعرف بمعرفة القيمة السوقية أو ادعى عليه قيمة أو ثوب موصوفين يعلم قيمهما بعد معرفة وصفهما و هكذا فهذه كلها و ما شابهها تسمع فيها الدعوى و يلزم بالإحضار و يطلب من المدعي البينة و يتوجه على المنكر اليمين و يعرف قدر المدعى به بعد ذلك و أما ما كان من الدعاوى التي لا تؤول إلى العلم فثبت مجهولة فيلزم المدعى عليه بعد الحكم بالقدر المتيقن و يكون الغرض من الدعوى إثبات شيء مجهول إلى ما بعد الحكم و تصير فائدة الحكم الأخذ بالمتيقن فالذي يظهر عدم لزوم سماع الحاكم لها بل عدم نفوذ الحكم بها للشك في شمول أدلة الأمر بالحكم على الحاكم لها و الشك في شمول أدلة نصب الحاكم للحكومة لمثلها و كذا ما دل على ان البينة على المدعي و اليمين على من أنكر و قياسه على سماع الإقرار المجهول فيلزم بتفصيله أو يأخذ بالمتيقن ليس من القياس القطعي فعلى هذا لا تسمع دعوى أن لي عنده مالًا ما لم يبين جنسه و قدره أو حيواناً ما لم يبين نوعه و وصفه ان كان قائماً أو قيمته ان كان تالفاً أو ثوباً ما لم يبين كذلك أو طعاماً ما لم يبين جنسه و قدره لتردده هذه الأمور بين أفراده لا يسوغ للحاكم ان يحكم بدفع أحدهما معيناً فاخذ المدعي لواحد معين ظلم فاخذ غير المعين غير ممكن و الصلح القهري لا دليل عليه و القرعة لا تمكن لتكثر الأفراد و إلزام المحكوم عليه بالتفسير تخليد في السجن و عقوبة لم يثبت موجبها و كون موجبها حكم الحاكم موقوف على نفوذه في المجهول و هو أول المسألة لأصالة عدم نفوذ حكم الحاكم و كذا الكلام في مجهول القدر لتردده بين اقل ما يتمول و أكثره و الحكم بأقل ما يتمول موقوف على نفوذ حكم الحاكم و الأصل عدمه للشك في دخوله تحت العمومات باعتبار قلة فائدته لتردد المدعى به فيما

38

لو ادعاه بحنطة أو دخن أو ذهب أو قيمة شيء بين الحبة فما فوقها بل و اول من ذلك فتخلو الدعوى عن الثمرة و سيما لو احتمل فيها دخول ما لا يتمول من الحبات الصغار و نحوها و يلحق بدعوى المجهول ما لو تداعيا على قدر من القروش الرائجة كما يتعامل بها اليوم لعدم وجوده في الخارج فيتردد بن أفراد و انواع يعسر على الحاكم الحكم بنوع منها إلا إذا اتفقا على قدر من القيمة فأبرز الدعوى على تلك القيمة و يلحق بالدعوى على المجهول الدعوى على الأفراد بالمجهول الذي لا يؤول على العلم لو لا دعوى الشيخ (رحمه الله) الإجماع على جواز سماع الدعوى بالاقرار المجهول فإن ثبت الإجماع قلنا به و إلا فلا و قد يقال ان فائدته إلزام المحكوم عليه به بالتفسير لا الأخذ بالمتيقن فتأمل.

ثالثها: لا يسمع الحاكم الدعوى لو بينها المدعي بصورة أتوهم أو اتخيل أو اشك

و لو مع التهمة إلا ان يكون مع المدعي بينة أو يقر المدعي عليه فيسمعهما و يحكم للمدعي بمكان البينة أو الإقرار و لو خلت الدعوى من ذلك ردت، و لا يتوجه بيمين على المنكر و لا يردها على المدعي و هل تسمع لو قال المدعي أظن إذا لم تكن له بينة أو إقرار من المدعى عليه مطلقاً و لا تسمع مطلقاً فلا يتوجه اليمين على المنكر حينئذ للشك في شمول أدلة المدعي و المنكر لها و الشك في شمول أدلة لزم الحكم و نصب الحاكم لها حيث ان ظاهرها الجزم و ظاهر إطلاق الحكم و الحاكم هو ما كان لقطع الخصومة و النزاع و لا يكون إلا مع الجزم لأن الظن لا يغني عن الحق شيئاً و الرمي بالمظنة منهي عنه أو تسمع في مقام التهمة و هي الدعوى فيما يخفى كالقتل و السرقة و كان المتهم قابلًا للاتهام أقوال أقواها الثالث لمكان الضرورة إليها غالباً و وقوعها بين الناس كثيراً فتدخل تحت إطلاق الأدلة و ربما جاء في الأخبار في دعاوي الوصي عن الميت و في الدعوى عن الأمين على ما ذكر ما يؤذن سماعها نعم لا ترد اليمين على المدعي و ما كل دعوى يلزمها جواز الرد بل جواز الرد من آثار الدعوى الجازمة فلا يلزمه من عدمه عدم سماعها مطلقاً و كذا الحكم بالنكول لا يلزم من عدمه عدم سماعها مع احتمال جواز القضاء بالنكول هنا و جعله بمنزلة الإقرار و لكنه بعيد و لو ابرز المدعي

39

الظان دعواه بصورة الجزم سمعها الحاكم و إن علم انه ظان بل و لو علم انه شاك لدخوله تحت المدعي على إشكال فيطلب منه البينة فإن لم تكف وجه اليمين على المنكر فإن نكل قضى عليه بالنكول على الأظهر فإذا رد اليمين على المنكر فهل للحاكم ان يحلفه أخذاً بالظن و اثمه عليه أو ليس له لأنه إعانة على الإثم فيقف عن الحكومة حينئذ وجهان و الأخير أوجه بل قد يقال ان الحاكم في غير مقام التهمة لا يسمع دعوى الظان و الشاك و لو أبرزها بصورة الجزم لأنه كاذب معلن حيث ان ظاهر الجزم القطع و المفروض انه ظان أو شاك و دعوى الظن و الشك غير مسموعة و إبرازها بصورة الجزم ما أفاد الكذب و التزوير و احتمال ان هذا الكذب مفتقر لتخليص الحق المظنون أو ان الدعوى إنشاء فلا تتصف بالكذب لا وجه لهما نعم قد يحتمل الجواز لو قال المدعي: أنا ادعي إلى فلان بألف و لا يقول: لي عليه ألف للاحتمال الصيغة الأولى للإنشاء و شبهه.

فصل في إلزام المنكر بالإقرار أو الإنكار

يلزم المنكر بالجواب أمّا بالإقرار أو الإنكار على الأقوى و لا يكتفى منه بالسكوت فيحكم عليه بالنكول به كما أختاره الشيخ و لا بد من الجزم بالإقرار أو الإنكار فلو قال: أظن ان لك عندي أو أتوهم لم يكن إقرار و لو قال: أظن أو أتوهم ان ليس لك عندي أو لا أعلم ان لك عندي لم يكن إنكار فلو أجاب بذلك احتمل ان يلزمه بالجزم بالعدم و لا كذب عليه لموافقة قوله لأصل البراءة و الموافق للأصل بجواز إظهاره بالجزم بل يجوز الحلف عليه مورياً بأنه ليس لك شيء شرعاً و احتمل ان يكتفي منه بقول: لا اعلم فيحلفه على نفي العلم و لا شيء عليه و هو قوي فيما إذا كان المدعي به خفياً كدعوى سبق العيب الخفي أو الذي يستبعد اطلاع البائع عليه أو اختياره و يحتمل ان يلزمه برد اليمين على المدعي و ان حلف اخذ و إلا سقط حقه و يحتمل ان يقضي عليه بدفع الحق تنزيلًا له منزلة الساكت الممتنع عن الجواب أو منزلة الممتنع عن اليمين و لأن المدعي مسلم يدعي دعوى من غير معارض فيأخذ حقه منه لعدم صلاحية قول: لا اعلم لمعارضة دعوى المسلم و خير الوجوه رد اليمين على

40

المدعي فإذا لم يكن كدعوى التهمة أو ادعى الوصي الزم بالجزم أو اخذ الحق منه و احتمال سقوط الدعوى قريب و احتمال الفرق بين ما إذا كان مما لا يطلع عليه المدعي غالباً فيقبل منه نفي العلم و بين غيره فيلزم بالجزم وجيه و إذا اقر المدعى عليه الزم بالحق و لا يحتاج إلى حكم الحاكم فيجوز اخذ المقر به منه و ان كان المدعي ظاناً يكون الحق عليه بل و لو كان شاكاً أو ظاناً بالعدم و يجوز لكل من سمع الإقرار ان يلزمه الحق و يأمره بأدائه من غير توقف على حكم الحاكم نعم لو طلب المدعي الحكم من الحاكم لقطع مادة الخصومة و المرافعة بعد ذلك وجب على الحاكم إجابته على الأظهر لكونه منصوباً لذلك و لو طلب من الحاكم كتابة و ختماً على الحكم فإن توقفت على بذل مال من الحاكم لم يجب عليه و إن بذل المال كالقرطاس و نحوه المدعي ففي لزوم إجابة الحاكم له وجهان و الإجابة أحوط و لا بد في الحكم من اللفظ فلا تكفي الإشارة و الكتابة إلا للأخرس و لا بد من لفظ يدل على الحكم صريحاً كحكمت أو مع القرينة كادفع ماله إليه و حكم الفقهاء ان اخذ المدعي بالنسبة مع ظنه أو إلزام سامع البينة للمدعى بالحق موقوف على حكم الحاكم و لا تستقل البينة بإثبات الحق من دون حكم الحاكم و للمناقشة ان لم يكن إجماعاً فيه مجال بل لا يبعد جواز الأخذ بالبينة و جواز الأمر بالحق لمن سمعها و إلزامه به لعموم دليلها نعم فائدة حكم الحاكم عدم جواز تجديد المرافعة من المدعى عليه مع المدعي مرة أخرى و لزوم إنفاذ حكم الحاكم لدى كل حاكم و غير ذلك فتأمل.

رابعها: إذا اقر المدعى عليه بعين الزم بأدائها

فإن امتنع حبس حتى يؤدي للأخبار و كلام الأصحاب و إن كانت الدعوى ديناً حبس أيضاً ان علم ان له مال واخذ الحاكم منه الوفا قهراً و جبره على بيع ماله أو باع عنه الحاكم و لا يتفاوت بين مستثنيات الديون و غيرها و إن لم يعلم ان له مال فإن علم ان كان له مال و لو ما تداعيا عليه كما إذا كانت الدعوى على مال فادعى تلفها أو قرض فادعى الإعسار و حبس على ما يراه الحاكم من كيفية الحبس حتى يؤدي أو يثبت إعساره فإن ثبت إعساره خلي سبيله و إلا خلد في السجن للأخبار الدالة على أن علياً كان يحبس في الدين فإن

41

تبين إعساره خلى سبيله و هي مشهورة الفتوى و العمل و اكتفى المحقق الأردبيلي بتحليفه على الإعسار استناداً لأمور احتياطية و تعليلات تقريبية لا تصلح المعارضة ما ذكرنا نعم في الصحيح انه كان علياً لا يحبس في السجن إلا ثلاثة الغاصب و من أكل مال اليتيم ظلماً و من أؤتمن على أمانة و هي لا تعارض ما قدمنا لعدم القائل بهذا التفصيل فيحمل على عدم الحبس فذهب بها في السجن لا مطلقاً مما هو منطوقها أو عدم الحبس عقوبة أو دواماً و إن لم يعلم ان له اصل مال اكتفى منه باليمين على عدمه و تصديق قوله من غير يمين بعيد و يخلي سبيل المعسر إذا لم يملك سوى المستثنيات و هي الدار اللائقة بحاله و الجارية أو العبد المحتاج إليهما و ثيابه اللائقة بحاله و ثياب عياله الواجبي النفقة عليه و قوت يومه و ليلته و كذا قوت عياله الواجبي النفقة عليه أو ما كانوا كالواجبين و هو ما يخشى من ترك الإنفاق من حدوث ما يسوء و يلحق بقوت يومه و ليلته ما يحتاج القوت إليه من آنية و قدور و حطب و ماء للأخبار الدالة على تخلية سبيله مطلقاً من دون بيان لأمر آخر و قوله عز و جل: (وَ إِنْ كٰانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلىٰ مَيْسَرَةٍ) (البقرة: من الآية 280) بناءً على ان المعسر من لا مال له و إن كان قادراً بالقوة على المال أمّا باكتساب أو بحرفة أو بصنعة حتى لو كان غنياً بها بحيث يدفع زكاة الفطرة و الخمس و لا يأخذ الزكاة فلا منافاة بين المعسر و الغني لأن المعسر من لا يملك المال بالفعل و ذهب الشيخ إلى ان المعسر يسلم إلى الغرماء ليؤجروه أو يستعملوه لرواية السكوني و هي ضعيفة مخالفة للقواعد و دعوى ان وفاء الدين واجب مطلقاً فيجب من باب المقدمة وفاؤه و لو بالكسب و لو ببذل منافعه لأن منافع الحر مال مردود بمنع ان وفاء الدين واجب مطلق بل هو مشروط بوجود المال فلا يجب التكسب له و لا بذل البضع من الزوجة لوفاء الدين و لا قبول الهبة و لا الاصطياد و الاحتشاش و الدليل عليه الآية و الرواية الدالة على تخلية السبيل و يمنع ان منافع الحر مال عرفاً فلا تدخل في اسم مالك المال على انه لو وجب الوفاء لكان واجباً عليه التكسب و الوفاء و يجبره الحاكم على ذلك لأنه يدفع إلى الغرماء ليستعملوه أو يؤجره و ذهب ابن حمزة إلى ان صاحب

42

الحرفة و الصنعة يدفع إلى الغرماء لأنه غني بصنعته و حرفته فيستعملوه أو يؤجروه و هو ضعيف لعدم الدليل عليه نعم غايته ما يقال ان صاحب الصنعة غني فيجب عليه وفاء الدين لأن مطل الغنى ظلم و وفاء الدين واجب مطلقاً و هذا غير ما ذهب إليه على إنا قلنا ان الغنى لا ينافي الإعسار فيراد بالغنى في الرواية غير هذا و هو من كان عنده مال أو يقال انه يجب عليه الوفاء لأنه قادر و غني و لكن لا تجوز مطالبته و لا يباح استعماله و مؤاجرته و لا منافاة بين عدم جواز مطالبته و بين وجوب الوفاء عليه و لكن كان ظاهر الأصحاب الملازمة فتأمل.

فصل إنكار المدعى عليه

إذا أنكر المدعى عليه كان للحاكم أن يقول للمدعي: إذا أردت إثبات حقك فأتِ ببينة و يعرفه إذا كان جاهلًا بأن عليه البينة و ليس له إلزامه بإتيان البينة لأن الحق يعود إليه و للحاكم ان يسكت إلا إذا أدى سكوته إلى الإضرار بالمنكر لطول حضوره و جلوسه فيقول له: أمّا ان تاذن له بالقيام أو تأتي بالبينة و لو أصر المدعي على السكوت مع الإضرار سقط حقه في هذا المجلس بل لو عاود إلى ذلك ضراراً يلزم فيها الإضرار على المدعى عليه بحيث يحضره مراراً ثمّ يؤخر دعواه سقط حقه من الدعوى لظهور قصد الإضرار منه و الاستهزاء فلا يسمعه الحاكم بعد ذلك فإن لم توجد عند المدعي بينة أو وجدت و اعرض عنها أو نسيها أو جهلها و لم يتمكن من شاهد و يمين في مقام يصح ذلك عرفه ان لك اليمين عليه فإذا طلب اليمين أجابه الحاكم و أمر به المنكر لزوماً لأن اليمين على من أنكر و ليس للحاكم ان يستبد به بمعنى ان لا يؤثر في قطع الخصومة حتى يسأله المدعي و يأذن له لأن الحق له فلعله أراد تأخير يمينه لمصلحة تعود إليه كما انه ليس للمدعي تحليفه من دون إذن الحاكم بل من دون حضوره مع الإمكان لانصراف الأخبار المطلقة و لو بضميمة فتوى الأصحاب الآمرة باليمين إلى اليمين المأذون بها من الحاكم بل إليها مع حضورهما أمكن حضور المدعى عليه عنده لعدم مرض أو عدم تقية أو حياء و بالجملة فلا تؤثر في رفع الخصومة لو صدرت اليمين تبرعاً من المدعى عليه أو صدرت بإذن المدعي فقط أو صدرت بإذن المدعي و الحاكم من

43

دون حضوره مع الإمكان على كلام في الأخير فإذا حلف المنكر على الميت لا على نفي العلم في مقامه برأ ظاهراً و سقطت عنه الدعوى عند الحاكم المحلوف عنده و عند غيره و لا يجوز للمدعي تجديدها و سقطت مقاصته مطلقاً سواء كانت الدعوى على عين أو منفعة أو دين نعم لو تمكن من اخذ العين نفسها فالأظهر جواز أخذها منه من غير دعوى منه بها و لا إثبات للنهي عن الدعوى بعد اليمين مطلقاً و في الأخبار ما يشعر بعدم جواز اخذ العين المدعى بها نفسها و لكنه مخالف للضوابط و القواعد و لا يسقط ما في ذمته واقعاً للاستصحاب و ظاهر كلام الأصحاب فيجوز إبراؤه و يجوز احتسابه عليه زكاةً أو خمساً و يجوز ضمانه عنه و في جواز بيعه عليه أو على غيره فيطالب بثمنه أو الصلح عليه له أو لغيره أو جعله عوضاً لأحد العقود من إجارة أو مهر وجه أقوى و لو اقر المنكر بعد اليمين بالحق للمدعي و جاء بالمال جاز الأخذ منه للرواية المعتبرة و كذا لو اقر له و لم يأت لعدم الظاهر القول بالفصل و لظاهر اتفاقهم على أبطال الإقرار حق اليمين مطلقاً أتى بالمال أما لو اقر عند غير المدعي فعلم بإقراره المدعي أو قامت عنده بينة فالأظهر انه كذلك و لكن على إشكال و لو ادعاه المدعي بعد الحلف انه اقر بالحق سمع الحاكم دعواه على الأظهر لأنها ليست دعوى على اصل المعنى و يحتمل عدم سماعها لإطلاق صحيحة بن يعفور انه لا تسمع دعواه و لو أتى بخمسين قسامة خرج من ذلك ما إذا سمع المدعي إقراره بالنسبة إلى المقاصة فقط و أما إذا سمع الحاكم إقراره ثمّ تداعيا بعد ذلك عنده في صحة الإقرار و فساده أو نحو ذلك و لا فرق في عدم سماع دعواه و عدم قبوله بينته بعد تحليف المنكر بين ما كانت عنده بينة فاعرض عنها و طلب اليمين المنكر و بين ما كانت عنده بينة فجهلها أو نسيها فأحلفه و بين ما اشترط المنكر سقوط الحق أو سقوط البينة بيمينه و بين عدم ذلك كله تمسكاً بإطلاق الفتوى و النصوص الدالة على انه ذهبت اليمين بما فيها مطلقاً و في بعض و مقيداً بأنه و لو أتى بينته في آخر خلافاً للشيخ فتسمع البينة مطلقاً في بعض فتاويه أو تسمع مع الجهل بها أو نسيانها في بعض آخر و قواه جملة من الأصحاب و خلافاً لما عن المفيد و ابن حمزة و القاضي حيث ذهبوا إلى سماعها ما لم يشترط الحالف سقوط حق الدعوى بيمنه

44

و على كل حال فذهاب اليمين بما فيها حكم مخالف للقواعد فيقتصر فيه على يمين الحاكم دون اليمين المصالح بها على إسقاط دعوى المدعي فإن المدعي لو علم بكذبه جاز له عند عثوره على بينة مطالبته و تجوز له مطلقاً مقاصة و دون اليمين الصادرة على نفي العلم و دون اليمين المردودة لو اقسم بها المدعي كاذباً فاخذ المال ظلماً فانه لا يبعد جواز مقاصته لو علم ببطلان يمنيه و دون اليمين المنضمة مع الشاهد و يجوز للمدعي بعد يمين المنكر ان يقيم بينة على مجرد شغل ذمته لا مؤمن الأمور و إن لم تسمع على نحو يترتب عليها اثر البينة من اخذ المال بها و جواز المقاصة و جبره على الأداء و نحو ذلك و لو وجه الحاكم اليمين على المنكر فادعى ان المدعي حلفه سمعت دعواه و توجهت اليمين على المدعي قبل يمينه فلو ادعى المدعي انه حلفني على إني ما ما حلفه توجهت اليمين على المنكر و لو عرف الحاكم تسلسل هذه الدعوى طرحها و أبطلها و لم يسمعها و لو حلف المنكر على نفي العلم لم تذهب بما فيها للشاك في شمول الأدلة الدالة فيجوز للمدعي إقامة البينة بعد ذلك اصل للمنكر ان يرد اليمين على المدعي و لو لم يعرف عرفه الحاكم لزوماً في وجه قوي و لو عرف المدعي ذلك دون المنكر لم يلزم المدعي تعريفه و إذا رده عليه فحلف ثبت حقه و يلزم ان يكون حلفه عند الحاكم و ان يكون بإذنه و اذن المنكر و يكفي في إذن المنكر نفس الرد و إن لم يحلف سقط في ذلك المجلس و المقام حقه من الدعوى و المطالبة عند الحاكم و لا تسمع بينته و لو كانت حاضرة فاعرض عنها و ليس له ان يلزم المنكر بعد يمين لو جدد الدعوى و لا ان يحلف يميناً كل ذلك للأخبار المعتبرة الدالة على ان المدعي إذا لم يحلف لا حق له نعم لا تسقط مقاصته للمنكر واخذ عينة منه اقتصار على المورد اليقين من الرواية و الفتوى و الرواية و إن كانت عامة و لكن لا ينكر ظهورها في نفي حق الدعوى و توابعها و يعين الحمل على هذا الظاهر فهم الفقهاء ذلك على الظاهر و كذا لا تسقط جواز مطالبته بالحق عند غير الحاكم أو بينه و بينه في وجه قوي و هل يسقط حقه في كل مجلس دائم إلى أن يموت؟ الظاهر ذلك لإطلاق الأخبار و الظاهر من المشهور ذلك أيضاً و هل يسري حكمه لوارثه وجه قوي لا بأس به و لو امتنع لعذر مانع عن اليمين بقي حقه و لو امتنع لعذر

45

تعود مصلحته إليه كما إذا ادعى تذكر البينة أو النظر في الحساب أو سؤال الفقهاء أو نحو ذلك ففي سقوط حقه و عدمه وجهان و لا يبعد عدم السقوط لانصراف أدلة السقوط لغير هذا الغرض و للزوم الضرر و الضرار لأن الظاهر من الامتناع هو ما كان لغير عذر و هل يتقدر إمهاله بعقد أم لا وجهان من لزوم ضرر نقل الدعوى على المنكر و من عموم الأخبار خرج المقطوع به من سماع عذره فيبقى الباقي و من أصالة عدم لزوم التقدير عليه و ان الحق له بخلاف يمين المنكر فإن الحق عليه و الأوجه ان يتقدر بقدر زمان يسع تأدية ما اعتذر به عرفاً و لا يفتقر سقوط حق المدعي بعد نكوله عن اليمين المردودة إلى حكم الحاكم.

خامسها: سقوط رد اليمين على الوصي و الولي و الاجباري و الحاكم الشرعي

و المدعي حسبه للشك في شمول أدلة الرد لهم و عدم انصرافها إلا بمالك الحق و يعنى على ذلك فهم الفقهاء و عملهم فلو ادعى الوصي على شخص ديناً أو على الوارث ان الميت أوصى بخمس أو زكاة أو صدقة للفقراء أو المدعي الولي عن المولى عليه مالًا أو ادعى الحاكم الشرعي ميراثاً لمن لا وراث له أو ادعى خمساً أو زكاة أو حقاً مما يعود للحاكم أو ادعى أحد عدول المؤمنين زكاة أو حقاً لهم إلى غير ذلك لم يكن للمنكر رد اليمين بل لا بد من إلزام المدعي باليمين أو دفع الحق بل للحاكم ان يحبسه على الأظهر و الحبس و ان كان عقوبة و لكنه جاز لمكان المماطلة عن الحق و قد يقال ان سقوط اليمين عن الوصي رخصة لا عزيمة بمعنى انه لا يلزم به و لا يسقط بنكوله عنه و إلا فلو رضي باليمين جاز للمنكر رده و جرى عليه اليمين المردودة؟؟؟ ولايته فيمينه يمين المولى عليه و عموم ما دل على رد اليمين على المدعي من غير تفصيل و استثناء و كذا لو كان المدعي وكيلا و لو طلب المنكر نفس الموكل ليرد عليه الزم بالحضور للرد مع احتمال سقوط الرد مع غيبة الموكل فيلزم المنكر بالحلف أو التأدية و أما المنكر فلا بد من حضوره لو توجه عليه اليمين إلا ان يوكل على الرد عند توجه اليمين عليه من المدعي فيسقط لزوم حضوره فلو كان للمدعي و للمنكر كذلك فطلب وكيل المدعي اليمين من موكل المنكر الزم إحضاره أو يرد وكيل المنكر على المدعي اليمين فيلزم

46

إحضاره أو تسقط هذه الدعوى بين الوكيلين إذا لم يحضر المدعي و من لزوم إحضاره وجه و يسقط الرد مع دعوى و لو كان المدعي متهماً و المنكر لا يعلم سقطت الدعوى إلا إذا قلنا بكفاية الحلف على نفي العلم أو قلنا بأخذ الحق ما لم يحلف المنكر على الجزم و هل يجوز للوصي و الولي و الحاكم الشرعي ان يرد اليمين على المدعي بمال على الميت أو على المولى عليه فيدفعه إليه الظاهر لا الشك في شمول أدلة الرد لمثل ذلك و للاحتياط في مال الغير نعم لو رأى المصلحة جاز له ذلك لعموم الولاية في وجه قوي نعم يلزم الوصي الحلف على نفي العلم إذا لم يكن للمدعي بينة أو يؤخر المدعي دعواه إلى بلوغ الطفل و افاقة المجنون و كذا المدعي على الوصي إذا لم يحلف الوصي فانه له تأخير الدعوى إلى بلوغ اليتيم فيرد عليه اليتيم و لا يوقف المال في هذه المقامات إلى بلوغ الطفل للزوم الضرر و الضرار و هل اليمين المردودة بمنزلة الإقرار لرضاء المنكر بها و صدور اسبابها باختياره و لإشعار امتناعه من الحلف ان الحق ثابت عليه أو بمنزلة البينة للمدعي في حق المدعي لأن الأصل في حجة المدعي وجوه أوجهها الأخير لعدم دليل على عموم المنزلة لأحد من القسمين فعلى ما ذكرنا لا يفتقر ثبوت الحق بعد اليمين إلا حكم الحاكم لا لكونه بمنزلة الإقرار بل لعموم الأدلة الدالة على الثبوت من غير بيان توافقه على أمر آخر و يحتمل قوياً التوقع لأصالة عدم ثبوت الحق بحيث تنقطع الدعوى و الخصومة إلا بحكم الحاكم و يكون إطلاق الأخبار كإطلاق أخبار البينة و نحوها في توقفها على حكم الحاكم و يحتمل ان حكم اليمين المردودة حكم يمين المنكول يقتصر معها إلى حكم الحاكم و كذا الحال فيما إذا حلف المدعي على ثبوت الحق ثمّ بعد يمينه أقام المنكر بينته لعموم دليلها و على جعلها بمنزلة الإقرار لا تسمع لتكذيب بينته بإقراره و على جعلها بمنزلة البينة يكون من تعارض البينتين نعم لو قلنا ان اليمين المردودة بمنزلة يمين المنكر تذهب بما فيها لم تسمع بينة المنكر و لا دعواه بعد ذلك و لا مقاصة المدعي لو كان كاذباً بما أخذه بدعواه و لكن القول بذلك لا دليل عليه سوى بعض العمومات كمن حلف لكم فصدقوها و من حلف بالله فليرض و هي ضعيفة السند و الدلالة و غيرها من الأخبار ظاهرة في خصوص يمين المنكر أمّا لو كانت

47

الدعوى بأصل القرض فنفاه المنكر فطلب منه اليمين فرد اليمين عليه فحلف فادعى بعد ذلك بالإيصال سمعت دعواه و بينته قطعاً لأنها دعوى جديدة و لو ادعى أحد على عبد دعوى مال أو قصاص فرد العبد اليمين على المدعي لم يثبت على العبد شيء لأنه يعود على غيره و لم يثبت ان اليمين المردودة ثبت حقاً متعلقاً بعين الراد نفسه و المفروض لغيره حق فيه و دعوى انها كالبينة؟؟؟ غير ثابتة و أولى لو كان بمنزلة الإقرار نعم قد ثبت المال في ذمته بعد العتق لا حين كونه مملوكاً و كذا لو ادعى أحد على السيد قصاصاً على العبد فيرى؟؟؟ فرد السيد اليمين على المدعي فإن العبد لا يقتص منه للشك في ثبوت القصاص عليه برد يمين السيد على مدعيه و امر الدماء عظيم نعم يثبت المال في رقبة السيد لأن العبد مال فأزداد اليمين على المدعي في جناية استقر العبد لأن اليمين حجة على مال الراد و العبد من ماله و إذا كانت الدعوى تعلق بذمة العبد بعد العتق بعد حلف المدعي اليمين المردودة تذهب بما فيها كيمين المنكر الأوجه خلافه و هل للمنكر بعد الرد أن يعود؟ الظاهر ذلك تفويض لا إسقاط و هو أحد فردي الواجب المخير فيه فيجوز العدول عن أحد إلى الآخر قبل فعله و هل نكول المدعي عن اليمين مع الشاهد بمنزلة نكوله عن اليمن المردودة وجه و الأوجه خلافه للأصل و عموم الأدلة و الدليل الدال على سقوط الحق بالنكول هو ما إذا كان النكول عن اليمين المردودة دون كل يمين على المدعي خلافاً لما نقل عن الشيخ (رحمه الله) في المبسوط و على القول بأن اليمين المردودة بمنزلة البينة يراد منها البينة في حق المدعي لا مطلقاً فلو رد الشريك على مدعيه اليمين فحلف على الشركة لم يثبت على جميع الشركاء و كذا لو ادعى اخوة شخص ليرث معه فرد عليه اليمين لم تثبت اخوته مطلقاً لجميع اخوته و كذا لو رجع المنكر على رده قبل حلف المدعي عليه فالأقرب جوازه إلا إذا رد إلى التسلسل فيمنعه من الرجوع.

سادسها: لو امتنع المنكر عن اليمين عن ردها اعتباطاً لا عن عذر

و لو امتنع عن عذر معلوم كتأمل في حساب و نحوه منه المدعي و اراد الميت على الميت الحلف أمهل على الأظهر خلافاً لكثير من الاطلاقات ما لم يلزم ضرر على المدعي و أحل إمهاله

48

و لم يعتبر امتناعه قطعاً و هل الجهل بحكم المنكول عذر فلو ادعى الجهل سمع وجه لا بأس به و لكن يحكم عليه بالحق بمجرد النكول و لا يحتاج معه إلى أمر آخر بمعنى يقول له: حلفت أو رددت و إلا جعلتك ناكلًا و حكمت عليك بالحق ثلاثاً أو اثنين أو واحدة و لا يجب التكرار نعم يندب للاستظهار و هل يجب قولها مرة أم يكفي انه لو امتنع حكم عليه بالنكول؟ ظاهر بعض العبارات الوجوب سيما لو كان جاهلًا بأن الممتنع يحكم عليه بالنكول ربما يدعي ان الجهل عذر أو يحكم عليه بالحق بعد رد اليمين من الحاكم على المدعي فيحلف المدعي فيثبت له الحق بيمينه فلو لم يحلف سقط حقه لأنها بمنزلة اليمين المردودة أو لا يسقط حقه بالامتناع اقتصاراً في محل السقوط على المورد اليقيني و هو اليمين المردودة من المدعي نفسه وجهان على هذا القول و هل له بعد رد الحاكم اليمين ان يرجع المنكر على يمينه وجهان العدم لحكم الحاكم بالنكول و جعل الحق و تحويل حق اليمين منه إلى المدعي فلا يعود و من الشك من كونه حكماً لأن جعله ناكلًا أعم من الحكم عليه برفع الحق عنه من اليمين و لا يبعد الأخير إلا إذا تعدد بعد ذلك فانه لا شك بسقوطه من الرجوع بيمينه و لو لم يمكن رد اليمين على المدعي على هذا القول فدعواه التهمة أو كونه وصياً أو أمكن و لكن لا يلزم به على وجه فالظاهر انه يلزم بالحق بمجرد النكول لأن الرد كان احتياطاً فحيث لا يمكن سقط عن المدعي و بامتناع المنكر عن اليمين يثبت الحق هنا لأن اليمين على من أنكر في رفع الحق عنه و حيث لم يحلف لم يرتفع الحق عنه فيؤديه و هل للمنكر الرجوع بعد نكوله إلى يمين النفي؟ الظاهر ان له ذلك ما لم يحلف المدعي سواء كان الحاكم بثبوت الحق بعد يمينه إلى حكم الحاكم وجهان على ما تقدم و الأوجه هنا ان يمين المنكر اقرب من البينة من الإقرار و الأقرب التوقف و كذا ليس الرجوع إلى يمينه إذا حكم الحاكم عليه بالحق بعد نكوله و أما بعد امتناعه فسقط أو بعد حكم الحاكم بنفس النكول أو بعد رد اليمين قبل حلف المدعي لو قلنا بثبوت توقف الحكم عليها فالأوجه جواز رجوعه و إن كان الحكم بجواز الرجوع بعد حكم الحاكم بنفس النكول أو بعد رد اليمين لا يخلو من إشكال و يظهر من كثير من الفقهاء انه يسقط حق رجوعه بمجرد حكم الحاكم عليه بالنكول

49

تنزيلًا له منزلة الحكم بالحق سيما لو قال للمنكر: احلف فكأنه انتزعه منه إلى غيره بل ربما يظهر من قوله: جعلتك ناكلًا يعني حكمت عليك بسقوط حق اليمين و انتزعته منك لامتناعك عنه فتأمل.

استدل القائلون بجواز الحكم عليه بالحق بمجرد النكول بأصالة عدم لزوم رد الحاكم و أصالة براءة ذمة الحاكم من الرد و أصالة براءة ذمة المدعي من لزوم اليمين و أصالة عد كونها حجة للمدعي و أصالة عدم كون النكول عنها مبطل للحق و أصالة عدم توجه اليمين على غير المنكر و أصالة عدم صحة تولي الحاكم الرد بعد كونه من وظائف المنكر و بقوله (عليه السلام): البينة على المدعي و اليمين على المنكر حيث حصر البينة في المدعي فلا تلزم على المنكر و حصر اليمين على المنكر فعند نكوله يلزم بالحق لأن اليمين عليه و حيث لا يمين على المدعي و كان اليمن على المنكر فعند نكوله يلزم بالحق لأن اليمن عليه في دفع الحق فمن لم يحلف ثبت الحق عليه لأن دفعه موقوف على اليمين كما ان إثبات الحق موقوف على البينة بالنسبة إلى المدعي و إلزام المدعي بالبينة على سبيل الوجوب الشرطي في ثبوت حقه و إلزام المنكر باليمين على جهة الوجوب الشرطي في رفع الحق عنه و هل يجب على المنكر اليمين وجوباً شرعياً تخييرياً بينه و بين الرد فإن لم يفعل أحدهما عصى وجه لا يبعد من سياق الرواية و لكن ظاهر الأصحاب عدم الوجوب الشرعي و عدم جواز عقوبته و حبسه نعم لو ترك الجواب و عدم جوازها على ترك اليمين و النكول نعم يجب عليه مخيراً بين دفع الحق و بين اليمين عليه و يجوز حبسه على ذلك و قد يحتمل هنا أيضاً جواز القضاء بالنكول من دون حبسه و إلزامه باليمين لأن الحبس عقوبة لا يثبت موجبها و احتمال سقوط الدعوى هنا احتمال بعيد و برواية الأخرس عن علي حيث كتب له اليمين و أمره بشربها فامتنع فألزمه الدين الظاهر في ترتب إلزامه الدين على الامتناع و تعقيبه له لمكان إلقاء و هو ينافي تخلل اليمين على انه لو كان هناك يميناً لنقل و لا يجوز عدم بيانه للزوم تأخير البيان عن وقت الحاجة و الرد عليه ان التقدير لازم في الخبر لأن مجرد الامتناع عن اليمين لا يثبت الحق إلا بالامتناع عن الرد إلى المدعي أيضاً فحين لا بد من التقدير و تقدير هذا

50

ليس بأولى من تقدير الرد على المدعي بمعنى فامتنع فرد اليمين فألزمه الحق و ان البيان متأخر عن وقت الخطاب لا عن وقت الحاجة لأن الحاجة إلى كيفية بيان حلف الآخر لا بيان حكم امتناعه و ان الرواية حكاية حال فلا عموم فيها و ان ما اشتملت عليه الرواية من طريق حلف الأخرس لا يقول به الأصحاب فيضعف الاستناد إليها و ان مضمونها مخالف لما اطبق عليه الجمهور من نسبة رد اليمين إلى علي (عليه السلام) ضعيف لظهور الامتناع في الامتناع عن اليمين وردها بل كان الامتناع عن ردها مفروغاً منه و إلا لم يحتج إلى تحمل مئونة كتابة اليمين و غسلها و أمره بشربها و كان يكفي دون ذلك من البيان و التغليظ و لمنع القول بالفصل بين الأخرس و غيره و كونها حكاية حال لا تنافي لزوم التأسي و لأن ورودها مورد بيان الكيفية في اليمين ظاهر في إرادة كيفية اليمين المترتب عليه أداء الحق بقرينة ترتبه عليه على ان تأخير البيان عن وقت الحاجة و الخطاب كلاهما ممنوع و لمنع كونه عن الكيفية التي عند الفقهاء من تحليف الأخرس بل هو فرد منه عند إرادة التغليظ و لمنع الاعتماد على رواية الجمهور خلافه عن علي (عليه السلام) بعد ورود الرواية الصحيحة فيه و برواية الأخرس المعتبرة في الرجل يدعي الرجل و لا بينة له قال: بيمين المدعي عليه فإن حلف فلا حق له و إن لم يحلف فعليه و ليس من طريقها سوى ياسين و هو من أهل الأصول و الرد عليه بوجود نسخة أخرى من الفقيه بدل محل الشاهد و ان يرد اليمين على المدعي فلم يحلف فلا حق له ضعيف لأن تعدد النسخة كتعدد الرواية حجة من المقامين و بان الضمير عليه محل لاحتمال عوده إلى المدعي و خبره اليمين و احتمال عوده إلى المنكر و مبتدئه غير الحق بل بقاء الدعوة و شبهها و منه بقاء اليمين المردودة لإثبات حق المدعي و هو بعيد لأن الاحتمال لا ينافي الظاهر و بان في ذيل الرواية ما يؤذن بلزوم رد الحاكم اليمين لقوله: و لو كان المدعى عليه حيّاً الزم باليمين أو الحق أو يرد اليمين عليه بصيغة المجهول و العدول عن المعلوم إليها أمارة على ان الراد ليس خاص بالمنكر و ليس غيره إلا الحاكم و فيه المنع من ثبوت صيغة المجهول و ليس بمسلم فالمنع خاص من انحصار الفائدة فيما ذكر و بان مضمونها موافق لفتوى العامة فيضعف بها الاستدلال و فيه انه موافق للحنفية مخالف