أنوار الفقاهة (كتاب الكفالة)

- الشيخ حسن كاشف الغطاء المزيد...
10 /
1

القول في الكفالة:

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ و به نستعين

كتاب الكفالة

و هي التعهد بالنفس إحضاراً و تسليماً أو العقد الدال على ذلك و مشروعيتها ثابتة بالنص و الإجماع و قد ورد ما يدل على كراهتها و إنها خسارة غرامة ندامة و أنها أهلكت القرون الأولى و هي من العقود اللازمة المفتقرة إلى إيجاب و قبول عن رضا من طرفي الكفيل بمعنى الكافل و المكفول له لعدم إمكان إيجاب حق و التزامه من آخر من غير رضا الموجب و الملتزم و الإجماع يدل عليه و لا بد لها من لفظ صريح في الإيجاب و القبول و عدم الفصل بينهما بفاصل كثير و الأحوط اشتقاق اللفظ من نفس مادتها و كونها ماضوية و كون القبول كذلك أو بلفظ قبلت و لا بد أن يكون متعلقها النفس أو البدن أو ما يعبر به عنهما كرأس فلان و وجهه و عينيه و لو أريد نفس العضو فالأظهر عدم الانعقاد و معنى لزومها من طرف المكفول له انه لا يجوز ل له فسخ العقد و إن جاز له إسقاط حقه عن الكافل كما أن المضمون له إسقاط المال عن الضامن أو بمعنى أنه لا يجوز له الفسخ فيعود حق الإحضار إليه بعد انتقاله منه إلى الكافل بناء على أن المكفول له بعد الكفالة حق الإحضار على المكفول و لا يجب على المكفول إجابته و لا على لا الكافل قبوله و هل يشترط رضا المكفول لأنه مع عدم رضاه أو التزامه بها لم يلزمه الحضور مع الكافل فلا يتمكن من إحضاره فلا تصح كفالته لأنها تعلقت بغير المقدور أو لا يشترط كما نسب للمشهور بل كاد أن يكون مجمعا عليه للأصل و لو وجوب الحضور على المكفول مع طلب المكفول له بنفسه أو بوكيله و الكافل بمنزلة الوكيل في ذلك غايته انه التزم بعقد الكفالة و على اشتراط الرضا فيكفي رضاه بأي دليل كان من لفظ و غيره مقارنا أو متأخراً و لو أتى الكفيل بلفظ ظاهر في غير النفس من الإذن و اليد و الرجل و لم ينصب قرينة على إرادة التجوز بالكل بطلت الكفالة و لو

2

أتى بلفظ محتمل فوجهان من الحمل على الصحة مهما أمكن و من أصالة عدم وقوع اثر العقد

و هنا أمور:

أحدها: تصح الكفالة حالة و مؤجلة

و لا بد من تعيين الأجل في صحتها على الأظهر للزوم الغرر و الضرر و لا بد من تعيين المكفول شخصه أو اسمه أو وصفه فلا يصح الترديد فيه و لا في الكفيل و لا في المكفول و يصح فيها العموم كان يقول كفلت لك كل من تريد إحضاره و يصح تعيينه واقعاً كأن يقول كفلت لك كل من تطلبه مع كونه واحد أو أول من تطلبه مع التعدد أومن دخل الدار من غرمائك و لا تصح كفالة من يؤول إلى العلم ككفلت لك من يدخل الدار أومن يقدم إلى البلد من غرمائك و الكفالة المطلقة كالحالة في لزوم مطالبة المكفول بها و لو كانت مؤجلة أو مشروطة في مكان خاص لزم الكفيل إحضاره في الأجل أو المكان الخاص و لو أحضره في غير المكان الخاص أو قبل الأجل لم يبرأ حتى لو كان الأجل لمصلحة الكفيل لا المكفول له على الأظهر مع احتمال قبوله لو كان الأجل لمصلحة الكفيل و هل يجب من باب المقدمة تحصيل المكفول إذا كان غائبا قبل الأجل ليصادف تسليم الأجل اخذ بظاهر الإطلاق أو لا يجب للأصل و المقدمة لا تجب إلا بوجوب ذيِّها و قبل الأجل غير واجب و فيه أن وجوبه عقلي و إطلاق العقد يقضي بتسليمه مكان العقد إذا وافق بلد الجميع فلا يبرأ بالتسليم في غيره لو كان في نقله كلفة و لو كان بلدهما غير بلد العقد انصرف إلى بلدهما و كذا لو كانا في غربة أو برية و لو كان لكل منهما بلد انصرف إلى البلد الموافق لبلد العقد فإن لم يوافق أحدهما فهل يبطل أو ينصرف إلى بلد المكفول له أو إلى بلد الكفيل أو التخيير أو القرعة بعد الحكم بصحة العقد أو الموافق لبلده المكفول حيث لا بلد للعقد و الموافق لبلده و بلد العقد حيث يكون للعقد بلد و الموافق لبلده و بلد أحد المتعاقدين وجوه.

ثانيها: يلزم الكفيل إحضار المكفول للمكفول له و تسليمه تاما

بحيث يمكنه التسليط عليه بنفسه أو بجنده أو بمعاون فلو عجز المكفول له عن الكل سقطت الكفالة و لا يجب على الكفيل تقويته و رفع عجزه و لا يجوز أن يسلمه في غير المكان اللازم أو

3

الزمان كذلك و لا ليسلمه و هو بيد ظالم أو هو قوي غير ضعيف أو مستند إلى مانع يمنعه عن تسليط المكفول فإذا سلمه لزم على المكفول له قبوله فإن لم يقبله برأ و ينبغي الإشهاد عليه و لا يجب و هل يجب على الكفيل الرجوع إلى الحاكم و تسليمه إياه مقدماً له على تسليمه إلى المكفول له و الإشهاد وجهان أحوطهما ذلك هذا كله أن سلمه الكفيل و أحضره فإن امتنع من التسليم و الإحضار من غير عذر حبسه الحاكم حتى يحضره كما في الأخبار و فتاوى الأخيار فإن لم يؤثر الحبس عوقب إلى أن يحضره من باب الأمر بالمعروف كما في فتاوى الأصحاب ثمّ إن كانت الكفالة على غير مال خلد في السجن إلى أن يخلص من الحق الذي عليه كالكفالة في حد أو قصاص أو زوجة بناء على جواز الكفالة في الحدود و إن كانت على مال ففي فتاوى الأصحاب ما يدل على كفاية بذل ما على المكفول عن إحضاره و ليس للمكفول له المطالبة بإحضاره و عدم قبول المبذول له لحصول الغرض من الكفالة و لأنه وفاء دين عنه و بوفائه ينتفي موجب الكفالة إلا أن ظاهر الأخبار الحبس إلى أن يتحقق الإحضار لأنه هو المطلوب به أو لا لوقوع العقد و لجواز تعلق الغرض بالتأدية من نفس الشخص المكفول نعم لو رضي المكفول له بالمال و اسقط حقه فلا كلام في سقوطه و يمكن حمل كلام الأصحاب في قولهم يحبس حتى يحضر المكفول أو يؤدي عنه على الغالب من أن الغرض تأدية المال فإذا أداه أسقط حقه ثمّ أن الكفيل لو أدى المال بإذن المكفول فلا كلام في الرجوع عليه و كذا لو أداه عند امتناعه من الحضور و كانت الكفالة بإذنه لأنه سبب الغرامة عليه باستدعائه الكفالة و أما لو أدى المال بغير إذنه و كانت الكفالة من غير إذن أو كانت بإذنه و لكن لم يمتنع من الحضور فإنه لا يرجع إليه بما أدى للأصل و عدم موجب للرجوع عليه لتبرعه في الدفع و يقوى القول برجوعه عليه بما أدى إذا امتنع من الحضور و إن كانت الكفالة من دون إذنه عقد صحيح لا يتوقف على رضاه فيجب عليه الانقياد مع الكفيل و حيث لم يؤد ما وجب عليه و قد التزم به الكفيل ضمن ما غرمه الكفيل بسببه و لو كانت الكفالة على أمر له بدل عن النفس كالقصاص في العمد فادى الكفيل البدل فإنه لا يلزم المكفول الإجابة حتى على القول بأنه تأدية ما على المكفول سقطة

4

للزوم الإحضار على الأظهر نعم لو رضي المكفول له بالبدل جاز و لو تعذر احضار المكفول على الكفيل لغيبية بحاكم أو امتناع بحاكم أو مثله لزم الكفيل تأدية المال إن كانت الكفالة على مال مع احتمال عدم اللزوم و انفساخ عقد الكفالة أو الانتظار إلى الإمكان و إن لم تكن على مال فإن كان للمكفول بدل من المال كالقصاص و رضي به المكفول ففي إلزامه به أو سقوط الكفالة وجهان و لا يبعد السقوط و إن لم يكن للمكفول بدل سقط عنه وجوب الإحضار للزوم تكليف ما لا يطاق أو العسر و الحرج و لا ينفسخ العقد بل ينتظر حصوله على الأظهر و لو توقف تحصل المكفول على بذل مال يسير وجب و إن توقف على كثير أو على ما يضر بالحال سقط وجوب الإحضار على الأظهر.

ثالثها: مما يلحق بالكفالة الاختيارية شرعا إطلاق من عليه الحق من صاحب الحق قهرا

سواء كان الحق مالا محققا أو حقا كحق الزوجية و الدعوى و سواء كان له بدل من المال كالقصاص أو لا بدل له كالحد و سواء أطلقه من يد الغريم أو من سجنه أو من بيته و سواء أطلقه بيده أو أغرى به طفلا أو مجنونا أو كلبا و سواء كان الإطلاق إلجاءً أو كان تهديدا أو توعيداً و سواء كان الإطلاق محللا أو محرما بل لو كان واجبا كان أطلقه لينقذ غريقاً أو حريقا أو أطلقه لرؤيته له على كل حال الطلب فيستغيث و لم يثبت عليه شيء فأغاثه على إشكال في الأخير من جهة عدم انصراف النص و الفتوى إليه و لا يلحق بالإطلاق المنع من قبض من عليه الحق لذي الحق لعدم كونه من مورد المنع و يدل على اصل الحكم في الجملة فتوى الأصحاب و كونه بالاطلاق غاصباً ضامناً لمن غصبه لاستيلاء يده على من تعلق به حق للغير عدواناً فيدخل تحت عموم (فَمَنِ اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ) و قوله (عليه السلام) على اليد ما أخذت و للصحيح الدال على إلزام من أطلق القاتل من يد الأولياء و حبسه حتى يأتي به فإن مات القاتل كان عليه الدية و ظاهر الأصحاب أن من أطلق الغريم قهراً و كان الحق مالا التزم إما بنفسه أو بما عليه و التخيير فيجب على الغريم قبول المال حينئذ و ظاهر الأخبار في الكفالة الاختيارية و هنا أن الكفيل ملتزم بالنفس أبداً و لا يجب على المكفول له أو المأخوذ منه

5

قهرا قبول المال أن يرضاه فتكون من قبيل المعاوضة على إسقاط حقه و كذا لو كان الحق قصاصاً فإنه لا يلتزم إلا بالنفس و لا يجب عليه قبول الدية إذا بذلها إلا إذا مات المكفول فإنه يلتزم حينئذٍ بالدية كما هو مورد الرواية إلا أن ظاهر الأصحاب على لزوم القبول نعم لو لم يكن الحق مالا و لا بدل له من المال ألزم بإحضار النفس ليس إلا و لو كان الحق دعوى فإن ثبتت حقيتها ألتزم القاهر بإحضاره أو تأدية المال و إن لم تثبت التزم بالإحضار و هل يلتزم بالمال قبل الإثبات الظاهر العدم يقوم مقام من أطلقه في الدعوى للإثبات عليه فإن ثبت عليه اخذ منه و إلا فلا ثمّ أن المطلق قهرا لو دفع المال لعدم إحضاره النفس لم يكن الرجوع على من أطلقه لتبرعه بالدفع و لو تمكن الغريم بعد قبض المال من القاهر من غريمه لم يكن له قبضه و لا إرجاع المال على القاهر إلا في القصاص فإنه لو تمكن منه لزم إرجاع المال القاهر لان اخذ المال إنما كان للحيلولة و قد زالت و عدم القتل إنما كان مستندا إلى اختيار المستحق و يلحق بتخليص الغريم قهرا في الالتزام به تخليص المكفول من يد كفيله لفتوى الأصحاب و التنقيح القطعي في الباب و إن لم يرد به خبر من الأئمة الأطياب (عليهم السلام).

رابعها: لا تصح الكفالة معلقة على شرط أو صفة متوقعان و لا على شرط مجهول عند الكفيل أو المكفول

للشك في اندراج هذه الكفالة تحت إطلاقات الأدلة و عموماتها نعم لو كان الوصف و الشرط محققين حين العقد و معلومتين عند الكفيل و المكفول له جاز لانتفاء التعليق كان يقول كفلت لك هذا إن طلعت الشمس و كانت طالعة و معلوم طلوعها و لا يصح الإبهام في الكفالة و لا في الكفيل و لا في المكفول له و لا في المكفول و لا الجهالة بها و إن آلت بعد ذلك إلى العلم كأن يقول لك: كفلت لك من يدخل الدار من غرمائك و يجوز لو كان معلوما واقعا و لو بوصف متقدم كأن يقول كفلت لك من دخل دارك من غرمائك على الأظهر و لو قال كفلت لك زيدا فإن لم أحضره فعمرا فإما قصد الخيار له في الإحضار و عدمه بطل عقد الكفالة أصلا للترديد و إن قصد الجزم بالأول و علق الثاني على فرض عدم الإحضار بطل الثاني فقط و يجوز إطلاق الزمان و المكان في الكفالة فينصرف في الأول إلى الحلول و في الثاني إلى

6

بلد العقد ما لم يصرفه عرف آخر كأن يكون بلد العقد بلد غربة أو في طريق فينصرف إلى بلد المتعاقدين فإن اختلف بلدهما وجب البيان و مع الشرط يجب اتباع الشرط مكاناً و زماناً و يجوز التعيين فيهما و مع التعيين فلا بد من التشخيص فلو وقع فيهما ترديد بطل و قد وردت في روايتين معتبرتين أن من كفل بآخر فقال إن جئت به و إلا فعلي خمسمائة درهم أو فعليك خمسمائة درهم كما في نسخة الكافي فإنه يلتزم بنفسه و لا شيء عليه من المال و إن قال علي خمسمائة درهم إن لم أدفعه فإنه يلزمه الدراهم إن لم يدفعه هكذا في واحدة و في أخرى فيمن يكفل برجل فإن لم يأت به فعليه كذا و كذا درهما قال: إن جاء به إلى الأجل فليس عليه مال و هو كفيل بنفسه أبداً إلا أن يبدأ بالدراهم فإن بدأ بها فهو ضامن و إن لم يأت به إلى الأجل الذي أجله و هما مضطربتا المتن مجملتا الدلالة مخالفتا القواعد من لزوم صراحة عقد الكفالة و صراحة عقد الضمان و لزوم عدم تعليقهما و لزوم عدم جمعهما في عقد واحد لتنافي موردهما بالنسبة إلى المكفول لأن الضمان رافع لشغل الذمة و الكفالة مبنية على تحققه و لزوم اتحاد معنى الجملة الشرطية مع تأخر الجزاء و تقدمه مع أن فيهما الفرق بينهما و لزوم كون الجعالة إنما يجعله الجاعل لمصلحته إن جعلنا المال فيهما حوالة لا مال الكفالة و لزوم كون الشرط في أثناء العقد أن جعلنا المال مالا مشترطاً و لزوم تأدية المال مع التأخير و التقدم بل و عدم الذكر على كل حال بعد الأجل إن جعلنا مال الكفالة إلى غير ذلك و حينئذ فطرحهما أحرى و الإعراض عنهما أجمل إلا أن أصحابنا منهم من أخذ بالروايتين تعبداً و إن خرجتا عن القواعد فينبغي الاقتصار على المتيقن منهما في الخروج عنها إلا بتنقيح مناط أو شبهه سيما لو قلنا أن ما اشتملتا عليه من قبيل الأسباب الشرعية كالوصية بالجزء و السهم و الظاهر من هؤلاء كون المال الملتزم به خارجا عن مال الكفالة و لا تعلق له بمالها ثمّ أن منهم من قيد لزوم المال بما إذا لم يحضره قبل الأجل و منهم من أطلق لزومه و منهم من اخذ بالروايتين للإجماع على مضمونهما و دون ثبوته خرط القتاد و منهم من علل الأخذ بمضمونهما في الفرق المشتملتين عليه من التقديم و التأخير بأنه يضمن النفس أن بدأ بضمانها و يضمن المال

7

إن بدأ بضمانه و فيه أنه عين الدعوى و منهم من علل الفرق بأن المال لو قدم كان ضماناً فتفرغ ذمة المضمون عنه فتمتنع الكفالة و إن الكفالة لو قدمت كان الضمان المتعقب لها معلقاً على شرط فيبطل و فيه أنه يلزم منه وقوع الكفالة بلفظ الشرط و وقوع الضمان معلقاً و كلاهما غريب و إن كان الكلام مبنياً على كفالة متقدمة مضمونة كما قد تشعر به الرواية فلا معنى لقوله أن المال لو قدم امتنعت الكفالة لظهوره في تأخرها و يلزم منه أن المال لازم على كل حال مع أنه مقيد لزومه في الرواية بعدم إحضاره على أن الرواية مشعرة على ذلك بصحة الكفالة و إن تأخرت فلا معنى للحكم بفسادها مع التأخير و أيضاً الضمان شروط في الرواية بعدم الإحضار فلا معنى لبراءة ذمة المضمون عنه مطلقاً و يلزم منه أيضا أن المال الملتزم به هو مال الكفالة نفسه لا مال آخر و هو خلاف ظاهر الرواية و منهم من علل الفرق بان مع تقدم الشرط قد التزم بما ليس عليه كأن يكون عليه دينار فالتزم بعشرة دراهم و ما تأخره التزم بما عليه و فيه إنه بعيد عن الرواية لفظاً لظهور الدراهم فيها مع تأخر الشرط بالدراهم الأولية و عن القواعد المتقدمة معنى و منهم من علل الفرق بأنه مع تقديم الشرط.

تصح الكفالة و تعقبها بذكر المال من باب التأكيد لمقتضاها حيث أن تأدية المال مع عدم الإحضار و من لزوم الكفالة و مع تأخره يكون ضماناً بناء على صحة الضمان المعلق أو على أن التعليق لغو كما في الإقرار و فيه أنه مبني على أن المال مال الكفالة و هو غير ظاهر من الرواية و إن الضمان المعلق صحيح أو أن التعليق في الضمان كالتعليق في الإقرار و الأخبار و الكل غير صحيح و أيضا يلزم منه صحة الكفالة بغير اللفظ الصريح أو حذف صيغة الكفالة إيجاباً و قبولًا لا كما تشعر به الرواية و كلاهما بعيد و منهم من علل الفرق بأن صيغة الكفالة قد وقعت مطوية و إن المال أما أن يراد به نفس المال المتعلق بالكفالة فيكون مؤدى الروايتين صحيحاً لأنه ضامن له على كل حال أن لم يحضره لانه من لوازم الكفالة من الرواية الأولى مثبته للمال على كل حال و لكنه جعل عليه نفسه دون المال في الفقرة الأولى فيما إذا كان قبل الأجل و عليه الدراهم في الفقرة الثانية إذا لم يحضره بعد الأجل كذا الرواية الثانية مثبتة للمال أيضاً على كل

8

حال إلا أنه في الفقرة الأولى بالمفهوم و في الثانية بالمنطوق و الاستثناء فيهما منقطع و أما أن يراد به المال الخارج عن الكفالة فيكون من باب الجعالة الصحيحة و يلتزم بالمال في المقامين مفهوماً في الأول و منطوقاً في الثاني فإن كانت الكفالة لا تتعلق بالمال فهو التزام و تبرع محض و إن تعلقت بالمال فينبغي الحكم باحتسابه منه عينا أن كان مجانا و قيمة أن لم يمكن و فيه أنه تكلف و خروج عن الظاهر و التزام ما لا يلتزم و تفكيك للروايتين و منهم من بنى على نسخة الكافي و جعل المال إلزاما من المكفول له لا التزاماً من الكفيل فلا ثمرة له و جعله في الرواية الأولى تصريحاً و في الثانية تلويحاً و فيه أنه بعيد لفظاً و معنى و خبط بين الاشتراط و الجعالة و مال الكفالة و تجشم بغير دليل.

خامسها: لو اتفقا على الكفالة فقال الكفيل لا حق لك عليَّ بإحضاره

أو لا حق لك عليه من دعوى أو مال يجب علي الإحضار فالقول قوال المكفول له لأصالة صحة الكفالة و هي ملازمة لثبوت الحق نعم لا تثبت كون الحق خصوص المال لأصل البراءة فيكتفي فيها بمجرد الإحضار لدعوى و شبهها و كذا لو ادعى الكفيل سقوط الحق بعد ثبوته كان القول قول المكفول بيمينه و لو تكفل رجلان برجل فسلمه أحدهما أو سلم المكفول نفسه للمكفول له أو سلمه آخر برأ الكفيل لأنه كالدين إذا حصل وفاؤه من غير الغريم و الظاهر عدم التفاوت بين تسليمه عن الكفيل أو عدمه بل لو سلمه عن نفسه لكفى و حصل المقصود مع احتمال أنه لو سلم نفسه أو سلمه آخر لا عن الكفيل لمن يجب على المكفول له قبوله و لم يبرأ الكفيل من وجوب الإحضار عليه و هو قوي لأن الكفيل كفل إحضاره لا حضوره و يصح كفالة الزوجة لأداء حق الزوج و كفالة العبد لأداء الخدمة و كفالة المكاتب لأداء ما عليه لأنه مشغول الذمة و يصح ترامي الكفالة فيكفل الكفيل كفيلًا آخر و هكذا لأن أداء الكفالة حق تصح كفالة من هي عليه و لو احضر الكفيل الأول مكفوله برأ و لو أحضر الأخير مكفوله لم يبرأ إلا هو و لو أحضر الوسط برأ و ما بعده دون ما قبله و لو أبرأ المكفول له المكفول الأول من الحق برأ الجميع و لو أبرأ من حق الكفالة غيره أبرأ ما بعده دون ما قبله و لو مات المكفول الأول برأ الجميع و إن مات غيره برأ ما بعده و كل كفيل مات برأ الذي بعده و لو ادعى

9

الكفيل أن المكفول له أبرأ المكفول كانت عليه البينة و اليمين على المكفول له فإن حلف المكفول له لزمت عليه الكفالة و إن رد عليه اليمين بطلت الكفالة و لا تسقط مطالبة المكفول له للمكفول لأنها دعوى ثانية و أما المكفول فله دعوى الإبراء و له تحليف المكفول له على عدمه ثانيا و لا يسقط حقه يمينه للكفيل لأنها دعوى ثانية نعم لو تقدمت دعواه على دعوى الكفيل فرد المكفول له اليمين عليه فحلف على الإبراء برأ الكفيل لانتفاء موجبها بل و لو تأخرت و قد حلف المكفول له للكفيل على عدم الإبراء فإن الكفالة تسقط أيضاً لسقوط موردها و لا ينفعه اليمين الأول و يظهر مما ذكرنا أيضاً حكم النكول من المكفول له و الكفيل و المكفول و لو مات المكفول سقط حكم الكفالة و لا يجب تأدية المال عنه للأصل و عدم الدلالة من منطوق أو مفهوم عليه و لا يجب إحضار الميت لأنه سفه و عبث حتى لو كان لفظ الكفالة كفلت بدنه و شبهها إلا أن تكون الكفالة لأمر به يتعلق ببدنه كالشهادة على شيء يتعلق بحسبه فيجب عليه إحضاره على الأظهر حتى لو قال كفلت نفسه تحصيلا للغاية مهما أمكن و لو كان مدفونا لزم نبشه لاغتفاره هنا مع احتمال عدم لزوم الإحضار لانصراف الكفالة إلى الأحياء و لا تجوز كفالة الميت بعد موته للأصل و لعدم انصراف أدلة صحة الكفالة لمثله و يصح أن يعبر عن المكفولة باسمه و بالإشارة إليه و بوصفه و بنفسه و ببدنه و يجسمه و بذاته عارية و بمادته و هيئته و برأسه و وجهه و عينه مريداً بها نفسه و كذا كل جزء تعبر به عن نفسه مع قيام القرينة على إرادة نفسه فإنه لا بأس به و مع عدم نصب القرينة فإن كان من الأجزاء الشائع إطلاقها على الكل انصرف إلى الكل و إن لم يكن معيناً كان كقلبه و كبده أو مشاعاً كنصفه و ربعه فهل ينصرف إلى الكل حملا للعقد على الصحة مهما أمكن أو لا ينصرف بل يبطل تقديماً للظاهر أو يفرق بين ما يمكن للحياة بدونه فيبطل و بين ما لا يمكن فيصح وجوه أوجهها الوسط و هذا كله بناء على الظاهر من بطلان الكفالة مع قصد نفس الجزء للشك في شمول ما دل على صحة الكفالة من عموم و إطلاق له سواء كان الجزء مما يمكن بقاء الحياة معه أو لا على الأظهر و لو كفل الاثنين بواحد وجب تسليمه لهما معاً إن كانت الكفالة على حق متعدد و إن كانت

10

على حق واحد لزم تسليمه لواحد منهما و لا يجب تسليمه لمجموعهما مع احتماله ذلك سيما في الكفالة بحق القصاص و شبهه و مبنى المسألة أن هذه الكفالة بمنزلة الواجب الكفائي فهو للكل و سقط بفعل البعض أو بمنزلة الواجب العيني فلا بد من تسليمه بيد المجموع هذا إن كفل دفعه و إن كفل تدريجاً صحة الأولى في حق القصاص و في صحة الثانية إشكال لعدم امكانها بعد الوفاء بالأولى.

تم كتاب الكفالة