أنوار الفقاهة (كتاب الهبة)

- الشيخ حسن كاشف الغطاء المزيد...
18 /
1

[في معنى الهبة]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ و به نستعين

كتاب الهبة

الهبة و الصدقة، بالمعنى الخاص، و العطية و الهدية، قيل: إن الصدقة و الهبة و الهدية بمعنى واحد، و هو بعيد، و قيل: إن الهبة و العطية و النحلة بمعنى واحد و هو بعيد لأن الظاهر أن العطية تشمل الهبة و الهدية فلا يكونان بمعنى واحد و قيل إن العطية أعم من الوقف و الصدقة و الهبة و الهدية و السكنى و هو بعيد أيضاً أو قيل إن الهبة أعم من الصدقة لاشتراط الصدقة بالقربة دونها و أعم من الهدية لاشتراط نفل المهدي في الهدية على وجه التعظيم و الإكرام و على ذلك فمن نذر الهبة بالصدقة و الهدية و من حلف إن لا يهب حنث بأحدهما دون العكس و هو بعيد و قيل إن الفرق بين الهبة و الهدية إن الهبة تلزم الإيجاب و القبول اللفظيين و الهدية أعم منها و من الفعلين أو أنها تختص بالفعلين دون القولين و الفرق بين الهبة و الصدقة اقتران الصدقة بالقربة دون الهبة و إن احتاج كل منهما إلى إيجاب و قبول لفظين و هو بعيد و قد يظهر من كثير عدم افتقار الصدقة إلى العقد اللفظي و تفتقر إلى الفعلي و يظهر من آخرين إن الهبة تفيد إباحة لا تمليكاً للزوم الإيجاب و القبول اللفظيين في الهبة فيحصل بهما النقل دون الهدية فإنها لا تفيد نقلًا فلا يحل بها الاستمتاع لو كانت الهدية جارية و هو ضعيف لمنع عدم حصول النقل و الانتقال بالإيجاب و القبول الفعليين و منع عدم حصول الملك و التمليك في الهدية لجريان السيرة المعلومة و الطريقة المعهودة على جريان حكم الاملاك على الهدايا و معاملتها معاملة الملك و قد ورد عن الأئمة (عليه السلام) ما يقضي بذلك من أفعالهم و طريقتهم و لم تزل الهدايا تهدى من بعيد و تجري عليه أحكام الاملاك و يظهر من بعضهم نقل الاتفاق على افتقار الهبة إلى الإيجاب و القبول اللفظيين

2

و أن ما يقع من الأفعال لا يكون هبة و لا عقداً بل يكون هدية يجرى عليه ما تقدم من الأحكام و فيه ما تقدم و يظهر أيضاً من بعضهم نقل الاتفاق على اشتراط الإيجاب و القبول في الصدقة فعلين أو قولين لأنها من العقود و فيه تأمل و نسب بعضهم لجماعة من الأصحاب انه أشترط في الصدقة ما أشترط في العقود اللازمة و ضعفه ظاهر و الذي يظهر إن الهبة من العقود الجائزة فيكفي فيها كل ما يدل عليها من الألفاظ و يكفي فيها الدفع و الأخذ المقترنان بالقرائن الدالة على الهبة فيكونان بمنزلة المعاطاة في عقود المعاوضة و في كفاية الأفعال غير الدفع و الأخذ من الإشارة و الكتابة إذا لم يقترنا بلفظ دال عليها وجهان و الأظهر عدم الاكتفاء بهما و أن تعقبهما القبض المشترط في صحة الهبة و الهدية و أن الهدية قسم من الهبة تختص بنوع خاص منها و هو النقل بدون صيغة على جهة التوقير و التعظيم و أن الصدقة بالمعنى الخاص ليس من العقود بل هي من العبادات المالية كالزكاة يكفي فيها الأخذ و الدفع و الإشارة و الكتابة مع الإذن في القبض و القبض و ربما يعيّنها العزل كما يعين الزكاة و ربما يدخل في ماهيتها نية دفع البلاء و السوء عن صاحبها

و على أي تقدير فهنا مقامات:

المقام الأول: في الصدقة

الخاص بالمنع و هي تمليك عين بغير عوض على وجه القربة من دون إيجاب و قبول لفظين دالين على النقل و إن اقترنا بإيجاب و قبول دالين على التصدق و الأظهر انضمام قيد منويّاً بها دفع البلاء و السوء و الصدقة بالمعنى العام يشمل الوقف و السكنى و الحبس و الوقف و الصدقة بالمعنى الخاص يختص بما قدمنا و الأظهر اختصاص الصدقة بالعين فلو نوى التصدق بما في الذمة و احتسابه صدقة لم يصح الإبراء مع القربة فيكون بحكم الصدقة مع احتمال جواز ذلك قياساً على الزكاة و يكفي على الظاهر نية التصدُّق عن نيّة الملك تفصيلًا و إن استلزمه و يشترط فيها نيّة القربة لما ورد إن لا صدقة إلا ما أريد بها وجه الله تعالى و لو خلت عن نية القربة عادت هدية أو تفيد إباحة للعين دون الملك مع احتمال صيرورتها صدقة فاسدة فلا يستباح بها التصرف و تصحُّ الصدقة بالعين المشاعة و بالكلي إذا كان في عين شخصيته فقبض المتصدق عليه الجميع في وجه

3

قوي و في صحّة التصدق بالمنفعة وجهان و الأظهر العدم كما ذكرنا في البيع و يشترط في صحّتها القبض من المتصدق عليه أو وكيله أو وليه و بدونه لا يفيد لزوماً و لا صحة للإجماع المنقول و لعدم دليل على الصحة سوى عمومات العقود و هي كالمجملة و إطلاقات الصدقة و هي لا تنصرف بغير المقبوض كما قيل و للأخبار الواردة في الصدقة الدالة على ذلك كالخبر في الرجل يتصدق على ولد له قد أدركوا فقال: إذا لم يقبضوا حتى يموت فهو ميراث و نحوه غيره و يشترط في القبض حصوله بإذن المالك لحرمة الصادر بغير إذنه فلا أثر له أو لعدم انصراف إطلاق القبض الشرط لغير المحلل و في صحة القبض بالفضولي مع إجازة المالك ونية القربة حال الإجازة إشكال و تصح صدقة إنسان بماله عن غيره فيقع ثمرتها عن غيره و يصل ثوابها إليه أيضاً على الظاهر و لو تصدق بماله عن غيره بنية الرجوع فأجاز المتصدق عنه ففي جواز رجوع المتصدق على المتصدق عنه وجه قوي و لو تصدق بمال غيره عن صاحب المال فأجاز المتصدق عنه احتسب ثوابها و ثمرتها له إلا مع اقتران نية القربة بالإجازة و لو تصدق بمال غيره

عن نفسه فأجاز صاحب المال على نحو ذلك احتسبت الصدقة عن المتصدق و لم يضمن المتصدق إذا حصل القبض بإذن المالك مقروناً بنية القربة لزمت الصدقة و لم يجز الرجوع بها للاستصحاب القاضي ببقاء ما كان على ما كان و للإجماع المنقول المعتضد بفتوى الأكثر و الأشهر و لأن الأجر بمنزلة العوض و لا يجوز الرجوع في الهبة المعوض عنها و للأخبار منها لا ينبغي لمن أعطى لله شيئاً إن يرجع فيه إنما مثل الذي يتصدق بالصدقة ثمّ يعود فيها مثل الذي يقيء ثمّ يعود في قيئه و ظاهرها و إن كان إلا إن ما تقدم من القرائن تخص أحد فردي القدر المشترك أو تصرف الظاهر عن ظاهره و يظهر من الشيخ (رحمه الله) جواز الرجوع في الصدقة بعد القبض كالهبة و نقل على ذلك الإجماع و فضل الصدقة عظيم و خطرها عظيم و ثمرتها عظيمة كما ورد في الأخبار و أنها تنفي ميتة السوء الدبيلة و الحرق و الغرق و الهدم و الجنون إلى إن عد سبعين باباً من السوء و صدقة السر أفضل من الجهر لما ورد من استحباب الإسرار في المندوبات و سيما في الصدقة و استحباب الإعلان في الواجبات و قال سبحانه و تعالى: [وَ إِنْ تُخْفُوهٰا

4

وَ تُؤْتُوهَا الْفُقَرٰاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ] (سورة البقرة الآية 271) و الزكاة محرمة على بني هاشم إجماعا و النصوص بها مستفيضة و المندوبة تحل لهم سواء كانت عامة كالأوقاف و شبهها أو خاصة كما يظهر من الأخبار و كلام الأصحاب و لا يبعد تحريم الخاص على الأئمة (عليه السلام) لرفعة محلهم عنها و أما الصدقة المفروضة في الأصل غير الزكاة كالكفارات ففي تحريمها على بني هاشم لما ورد من تحريم الصدقة عليهم على وجه الإطلاق و ما ورد من تحريم الصدقة الواجبة عليهم و لما يظهر من الأخبار من إن علة تحريم الصدقة هي كونها أوساخ أيدي الناس و ظاهر التعليل العموم أو العدم لانصراف الواجبة إلى الزكاة فتنصرف إليها الأخبار و لظهور التعليل في الزكاة لأنها الأصل في ذلك و لما ورد في الخبر عن الصدقة المحرمة عليهم ما هي فقال الزكاة المفروضة و في أخر عن الصدقة التي حرمت على بني هاشم فقال الزكاة قولان و الأخير أقوى و الأول أحوط و أما ما وجب بالعارض كالصدقة المنذورة أو ما وجبت على غير المالك كالصدقة بمجهول المالك عن صاحبه فالأقوى جواز دفعها لبني هاشم و الأحوط العدم إلا إن الاحتياط هاهنا أقل من الأول و على كل حال فيجوز للهاشميين عند الاضطرار تناول جميع الصدقات الواجبة حتى الزكاة و كذا يجوز تناول هاشمي من هاشمي أخر و الظاهر صحة الصدقة على الكافر مطلقاً لأن لكل كبد حرى أجراً فإذا قصد المتصدق ذلك جاز و لو قصد المودة إليهم و الركون حرم و يقوي الجواز لو كان الكافر ذمياً و يتأكد لو كان رحماً و يتزايد لو كان أباً أو أماً و يصح إن يرث المتصدق مال الصدقة من غير إشكال للأخبار و فتوى الأصحاب و الأكثر بل قد يدعى الإجماع عليه جواز شرائه و اتهابه و ما ورد في بعض الأخبار و أفتى به بعض الأصحاب من منع ذلك محمول على الكراهة.

المقام الثاني: في الهبة

و هي تمليك عين لا منفعة و لا دين على وجه التبرع بصيغة أو أخذ و دفع مع دلالة بالقرائن على أرادتها مقرونة بالقربة أم لا أو على وجه المعاوضة من دون قصد النقل

5

يقصد في البيع و الصلح فيكون قصد المعاوضة في الهبة ثانياً و بالعرض لا أو لا و بالذات و قد تطلق الهبة على العقد الدال على ذلك و قد يفرق بينها و بين الصدقة باشتراط نيّة القربة و عدمها فتكون الصدقة أخصُّ منها بناءً على اشتراط العقد في الصدقة قولًا أو فعلًا و قد يفرق بينهما بعدم احتياج الصدقة إلى العقد القولي أو الفعلي و احتياج الهبة إلى ذلك فيكون بينهما عموم من وجه و قد يفرق بينهما بدخول عدم العقد في مفهوم الصدقة بخلاف الهبة فيكون بينهما تباين و قد يفرق بينهما و بين الهدية باشتراط نقل الهدية إلى المهدي على جهة الإكرام فتكون أخص و قد يفرق بينهما باشتراط الصيغة اللفظية فمع الهدية دون الهدية في الهبة فتكون أعم و قد تقيد الهدية بالنقل على جهة التعظيم مع ذلك فيكون بينهما عموم من وجه و قد يفرق بينهما بدخول عدم العقد في الهدية فيكون بينهما تباين و قد يفرق بينهما بدخول العقد الفعلي دون اللفظي مع قيد التعظيم في الهدية دون الهبة فإنها أعم من اللفظي و الفعلي فيكون بينهما عموم مطلق و قد يفرق بينهما باختصاص الهبة بالعقد اللفظي و اختصاص الهدية بالفعلي فيكون بينهما تباين و على كل حال فالهبة من العقود الجائزة يكفي فيها كل لفظ دال في الإيجاب (كوهبتك أو ملكتك أو أعطيتك في القبول كرضيت و قبلت و اتهبت) و لا يتفاوت في ذلك بين الاسميّة و الفعلية و بين العربية و غيرها و بين الموالاة في الإيجاب و القبول أو الفصل و يكفي فيها الدفع مع القرينة الدالة على ذلك و لا تكفي الإشارة و الكتابة و لو وقع بعدهما القبض و لو وقع ذلك لم تكن هبة و قد تنصرف للهدية في وجه إلا إن الظاهر أنها لا تنصرف إلى الهدية بحيث يملك القابض ما قبضه إلا إن تكون بعنوان التعظيم و التوقير فيملكها حينئذٍ لحصوله الملك في الهدية بدون العقد قولياً أو فعلياً كما تقضي به السيرة القطعيّة و الأولى الاقتصار في الهدية على الدفع الأخذ الفعليين دون غيرهما من الأفعال

و هنا أمور:

أحدها: لا تصحُّ هبة المنفعة و لا الحق و لا الكلي إذا لم يتشخص بفرد

إلا إذا كان في عين محصورة كصاع من صبرة ففي صحة هبته وجه قوي و تصح هبة الدين لمن هو عليه فيكون إبراء بصيغة الهبة لعدم اشتراط صيغة خاصة في الإبراء لأنه إسقاط لما

6

في الذمة و أعراض عنه فيسقط بما دل عليه هذا مع قصد الإسقاط في لفظ الهبة فلو قصد بها التمليك كما يقصد بالهبة فالذي تقضى به القواعد البطلان لو وقع العقد على ما لا يصح وقوعه عليه و لكن ظاهر الأصحاب حصول الإبراء به مطلقاً و كذا ظاهر جملة من الإخبار كالصحيح عن الرجل يكون له على الرجل الدراهم فيهبها له أَ لَهُ إلى أن يرجع فيها قال: لا و الآخر عن رجل كانت عليه دراهم لإنسان فوهبها له ثمّ رجع فيها و وهبها له ثمّ رجع فيها ثمّ وهبها له ثمّ هلك قال هي للذي وهب له و احتمال إن استعمال الهبة هاهنا بمعنى الإبراء إنما كان في الأخبار عنه لا في إنشائه بعيد مخالف للظاهر كاحتمال إن الموهوب ليس نفس ما في الذمة بل هو بعد إفرازه و تعينه لبعده عن الظاهر و لمنع الرجوع فيها بعد الهبة في الخبر و هو قرينة على أنه إبراء فاتباعهم و الأخذ بإطلاقهم أجود و لا ينافي ذلك اشتراط القبض لأن ما في الذمة بمنزلة المقبوض و هل يشترط القبول في هبة الدين لمن هو عليه بناء على اشتراط القبول في الإبراء للشك في حصول الانتقال بدونه و الأصل بقاء الدين على ما كان و لأن ما شك في كونه عقداً أو إيقاعاً فالأصل كونه عقداً و لأن الإبراء لا يخلو منه فلا يتحملها من عليه الدين قهراً أو لا يشترط لإطلاق الفتوى و الآيات في قوله تعالى: [إِلّٰا أَنْ يَعْفُونَ] (سورة البقرة آية 237) و ظاهر العفو الإسقاط من دون افتقاره إلى قبول و كذا قوله تعالى: [وَ أَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ] (سورة البقرة آية 280) بعد قوله: [فَنَظِرَةٌ إِلىٰ مَيْسَرَةٍ] (سورة البقرة آية 280) و لأن الإبراء إسقاط و أعراض لا نقل و انتقال فلا يفتقر إلى إيجاب و قبول فلا موجب للشك في كونه عقداً أو إيقاعاً و لمنع حصول المنَّة في الإبراء لأن المنّة إنما تكون فيما يستدعي طلباً و سؤالًا و أخذا و قبضا و نقلا و انتقالًا لا فيما كان إسقاطاً و إعراضاً فكان حكمه حكم التحرير للعبد و إسقاط حق الإنسان على غيره و الأخير أقوى و الأول أحوط و هل تصحُّ هبة الدين لغير من هو عليه لعموم أدلة العقود و اطلاقات أدلة الهبة و في الخبر المعتبر في رجل كان له على رجل مال رجل فوهبه لولده إشارة إليه أيضاً و لعدم منافاة هبة الدين لغير من هو عليه لاشتراط القبض في صحة الهبة لإمكان قبض الدين بقبض فرده الخارجي بناءً على إن الفرد عينه أو

7

هو بمنزلته شرعاً و عرفاً كما يصح بيع الدين و يكون قبضه بقبض فرده أو لا يصحّ للشك في صحّة الاستدلال بالعمومات للفرد المشكوك بناءً على أنها كالمجمل أو إن التعريف فيها للعموم و كذا الاستدلال باطلاقات الهبة لانصرافها إلى المعهود من الهبة و المتعارف منها و هو الأعيان و لضعف دلالة الرواية على الجواز و لأنَّ الظاهر من اشتراط القبض هو كون نفس الموهوب مما يمكن قبضه كي يتحقّق القبض فيه بعد العقد و الفرد هنا غير الكُلّي و قيامه مقامه في البيع و شبهه إنما كان للدليل من إجماع أو غيره و الأول قوي إلا إن الأخير أقوى.

ثانيها: الأقوى اشتراط القبض في صحة الهبة

وفاقاً للمشهور شهرة محصلة و محكية و للإجماع المنقول على لأبدية القبض و اشتراطه الظاهر في اشتراطه في الصحة كما نقل ظاهر جماعة من أصحابنا و للمعتبرة منها الموثق و المرسل القريب إليه بفاضل و ابان في النحل و الهبة ما لم يقبض حتى يموت صاحبها قال: (هي بمنزلة الميراث و إن كان الصبي في حجره و أشهد فهو جائز و قريب منهما الخبر الهبة لا يكون هبة أبداً حتى يقبضها صاحبها و الظاهر إن شرط القبض ناقل كما هي القاعدة في الشروط لا كاشف كما قد يتخيّل و ربما يدعي إن لفظ الهبة قاض بدخول القبض في ماهيتها عرفاً فلا تكون الهبة هبة إلا مقبوضة و قيل إن القبض شرط في اللزوم لا في الصحة لاقتضاء عمومات أدلة العقود و إطلاقات أدلة الهبة صحة العقد من دون توقف على أمر آخر و للمعتبرة المستفيضة منها الصحيح (الهبة جائزة قبضت أو لم تقبض قسمت أو لم تقسم و النحل لا يجوز حتى يقبض) و إنما أراد الناس ذلك فأخطئوا و الموثقان بابان المجمع على تصحيح رواياته و روايات الراوي عنه و فيهما (إذا تصدق الرجل بصدقة أو هبة فقبضها صاحبها أو لم يقبض علمت أو لم تعلم فهي جائزة) و في الجميع نظر لإجمال العمومات أو لكون التعريف فيهما للعهد فينصرف للمعهود و هو ما تعقبه القبض و لانصراف إطلاق الهبة إلى العقد الواقع بعده القبض لأن المعروف من الهبة ما وقع القبض فيها فالمجردة عنه لا ينصرف إليه الإطلاق و لضعف الأخبار عن مقاومة ما تقدم من الأخبار المعتضدة بفتوى الأصحاب و الاحتياط و الإجماعات المنقولة لحصول

8

الإجمال فيها بحسب الدلالة من حيثية تردُّد المقصود فيها بين إرادة جواز هبة ما لم يقبضه الواهب بقرينة بيان جواز هبة ما لم يقبضه المتهب و منع قيام الاحتمال يبطل الاستدلال و لاحتمال ورودها مورد التقية بناء على إن المراد من الجواز اللزوم كما يعبر عنه في كثير من الأخبار في هذا الباب و منها يجوز الهبة لذي القرابة و الذي يثاب من هبة و يرجع في غير ذلك أنشأ و نحوه غيره و اللّزوم من دون القبض لا يقول به أحد من أصحابنا فلتحمل على التقية على إن اشتراط القبض في اللّزوم دون الصحة ينافي ما عليه أصحابنا من جواز الرجوع في الهبة و لو بعد القبض إلا في مواضع خاصة و تنزيل ذلك الإطلاق على تلك المواضع الخاصة بعيد جداً فما حمل كلام الأصحاب عليه في الدروس من اشتراطه القبض في اللزوم على إرادة اشتراطه في الصحة جيد وجيه و تظهر الثمرة بين القولين في النماء المتخلل بين العقد و القبض فانه للواهب على المختار و للمتهب على القول الثاني و كذا لو مات الواهب قبل القبض فإنها تبطل الهبة على المختار و على الثاني تصح و يتخير الوارث بين الإقباض و عدمه و كذا في فطرة المملوك و في نفقة العبد و الحيوان إلى غير ذلك و هل يتنزل إتلاف المتهب منزلة القبض وجهان و الأقوى عدمها.

ثالثها: بناءً على اشتراط القبض صحة أو لزوماً لا بد فيه من إذن الواهب

فلا اعتبار بغير المأذون فيه للنهي عنه و عدم انصراف القبض المشترط إليه و نقل على اشتراط الإذن في صحة القبض و ترتب الأثر عليه الإجماع أيضاً هذا إن لم يكن مقبوضاً بيد المتهب أصلًا أو كان مقبوضاً غصباً و لم يعلم بغصبه الواهب أما لو كان مقبوضاً بإذن الواهب فإن كان قبضه لأن يهبه بعد القبض فلا إشكال و إن كان قبضه بعارية أو رهن أو وديعة و بالجملة كان القبض لغير الهبة فهل يحتاج إلى إذن جديد في القبض و يحتاج إلى قبض متجدد من المتهب بنية أنه للهبة أو إلى مضى زمان يسع القبض فيما لم يكن حاضراً بحيث يتمكن المتهب من قبضه أو لا يحتاج إلى شيء من ذلك أصلًا أو يحتاج إلى الإذن إذا لم يعلم الواهب بقبض المتهب له حين الهبة و لا يحتاج إذا علم به لتنزيل العلم منزلة الإذن أو يحتاج مطلقاً فيما إذا كان مغصوباً علم

9

به الواهب أم لا دون غيره وجوه أقواها الافتقار إلى الإذن مطلقاً إلا إذا كان العلم به وهبته بعد العلم بأنه عنده و عدم طلبه منه قرينة على الإذن به و وجهه حصول الشك في اعتبار القبض المستدام المجرد عن الإذن بعد الحكم بشرطية القبض لأن الشك في الشرط شك في المشروط و نسب للمتأخرين كفاية القبض المستدام و لو من دون إذن و هو بعيد إن لم يكن ذلك إجماعاً و على تقدير اشتراط الإذن فهل يكفي الإذن في حصول القبض المعتبر مطلقاً أو يشترط التصريح بكونه للهبة أو يشترط إن لا يصرح بكونه لغيرها وجوه و الوجه الأخير و على ذلك فهل يشترط تجديد القبض للمتهب بنية أنه للهبة أو لا يشترط مطلقاً أو يشترط التجديد و إن لم ينو إنه للهبة للمعتبر أو يشترط التجديد ما لم ينوِ الخلاف وجوه أوجهها الأخير و ظاهر المتأخرين كفاية القبض مطلقاً للهبة أيضاً سواء نوي القابض أنه للهبة أم لا و سواء نوي الإذن أنه للهبة أم لا و لكن ينبغي تقييده بما إذا لم ينو الخلاف و الذي يظهر من الإخبار المتقدمة فيما لو وهب للطفل الأب أو الجد ما هو مقبوض بأيديهما لزم من غير تقييد بنية قبضه جديداً عن الهبة و نسب للمشهور كفاية ذلك أيضاً و قد مر في القبض المشروط في الوقف ما يشعر بذلك أيضاً و حينئذ فالقول به و الاقتصار عليه في خصوص الأب و الجد قوي و لا يبعد الحاق الوصي بهما لقوله (عليه السلام): و إن كان لصبي في حجره و أشهد فهو جائز و اشترط المصنف تجديد نية القبض على الولي فيما وهبه و أن كان مقبوضاً له و هو على موجب القواعد حسن إلا إن إطلاق الأخبار و كلام الأصحاب ينافيه و لو وهب للطفل غير الولي فإن كان المال بيد الولي فاشتراط تجديد الإذن في القبض و تجديد نية القبض عن الهبة هو الأقوى و الكلام فيه كالكلام المتقدم بل هو أقوى في الاشتراط و إن كان بيد غيره اشترط قبض الولي الإجباري أو الوصي أو الحاكم مع المصلحة له في القبض و لو وهب الولي للطفل ما هو ملكه إلا أنه ليس تحت يده كمال ورثه أو اشتراه و لم يقبضه أفتقر إلى قبضه عنه في صحة الهبة و لو كان المال وديعة أو عارية عند غيره بعد إن كان مقبوضاً ففي لزوم تجديد القبض له وجهان و الأظهر لزوم التجديد و لو كان المال بيد الطفل فوهبه له فإن كانت يد الطفل تحت يده جاء فيه الكلام السابق و لو لم

10

تكن افتقر إلى تجديد القبض من الولي و لا اعتبار لقبض الصبي و القبض هاهنا كالقبض في البيع فيكفي التخلية في غير المنقول و يفتقر المنقول إلى نقله في المكيل و الموزون إلى كيله و وزنه و في المقبوض باليد إلى إمساكه و يقوي هاهنا احتمال كفاية التخلية مطلقاً كما يقوي ذلك في قبض الوقف و الصدقة لأنه هو المتيقن من اشتراط القبض من صدقه على الفرد المشكوك فيه و لكنه لا يخلو من نظر و يجوز هبة المشاع كهبة المقسوم و قبض المشاع بقبض جميعه إن كان لمالك واحد و أن كان لمالكين فيجوز هبته أيضاً للإجماع المنقول بل المحصل و للإطلاقات الدالة و لخصوص الأخبار الدالة على جواز الهبة قسمت أو لم تقسم و الصحيح عن دار لم تقسم فتصدق بعض أهل الدار بنصيبه من الدار فقال يجوز قلت أ رأيت إن كان هبة قال يجوز و قبضه بقبض الجميع إن إذن الشريك فإن لم يأذن فالظاهر الاكتفاء به أيضاً و إن تعلّقَ النهيُ به لعدم اقتضاء النهي الفساد و يكفي فيما يكفي فيه التخلية مطلقاً و لو لم يأذن الشريك و أحتمل الشهيد عدم الاكتفاء بها مطلقاً لعدم حصول كمال السلطنة من دون إذنه و هو حسن و لا يجوز للمُتّهب الانفراد بقبض المشترك من دون إذن الشريك و لا الواهب الإقباض من دون إذنه نعم لو أمتنع الشريك من الإذن احتمل الاكتفاء بالتخلية هاهنا تنزيلًا لحرمة القبض من دون إذن الشريك منزلة امتناعه و الأظهر الاكتفاء بالتخلية فيما يكفي التخلية فيه دون غيره خلافاً للشهيد فمنع من الاكتفاء بالتخلية هنا مطلقاً لعدم إمكان حصولها و حصول السلطنة مع عدم رضا الشريك في القبض و التصرف و هو حسن كما إن الأظهر في غير ما يكفي فيه التخلية الرجوع إلى الحاكم فينصب للقبض عدلًا يقبض نصيب الواهب للمتهب و يبقى نصيب الشريك عنده أمانة و الأولى الفورية في القبض لشبهة أنه من أركان العقد فيعتبر فيه التوالي و الأقوى عدم لزومها و الإقرار بالهبة ليس إقراراً بالقبض فلو أنكره الواهب بعد الإقرار بها لم يكن عليه سوى اليمين مع احتمال انصراف الإقرار بالهبة إلى الهبة التي يتعقبها القبض فيكون بمنزلة ما لو قال وهبتك و ملكتك و هو قوي إلا إن ظاهر الأصحاب على خلافه.

11

رابعها: الأصل في الهبة بعد الحكم بصحتها هو الجواز

إلا فيما دل الدليل على لزومه للإجماع المنقول بل المحصل على جوازها في الجملة و للأخبار المتكثرة مفهوماً و منطوقاً الدالة على جوازها في الجملة في غير ما استثني و ما دل على المنع من الرجوع من الأخبار المتكثرة الخاصة و من قوله (عليه السلام): (من رجع في هبة فهو كالراجع في قيئه) محمول على الكراهة أو على أحد الصور المستثناة من الرجوع و الرجوع يكون بالقول الدال عليه كفسخت و رجعت و نقضت الهبة و نحو ذلك و قد يكون بالفعل مع اقترانه بما يدل على قصد الرجوع كوطء الجارية أو بيعها أو نحو ذلك و هل يشترط قصد الرجوع منضماً إلى الفعل أو يكفي مطلق ذلك أو يشترط أن لا يقصد العدم وجوه و هل يشترط وقوع الرجوع قبل الوطء لجواز الوطء و قبل البيع لصحة البيع أو يكفي وقوع الوطء و البيع لوقوع البيع و لجواز الوطء بعدها كون البيع رجوعاً قهراً قصد الرجوع أم لا قصد عدمه أم لا و بالجملة كون البيع رجوعاً مع قصد الرجوع به لا كلام فيه إنما الكلام في كونه كذلك مع الإطلاق أو قصد عدمه إذا كان البيع لنفسه أو ليس كذلك ثمّ مع الحكم بكونه رجوعاً فهل يكون نافذاً عن الواهب أو باطلًا أو فضولياً هذا كله فيما لو قصد البيع لنفسه و لو قصد البيع للمتهب على وجه الفضولية فلا إشكال في عدم كونه رجوعاً و لو قصد الزنا بالوطء فالأظهر عدم كونه رجوعاً لما تقدم و لو باع الواهب ما وهبه هبة فاسدة صح البيع عن نفسه و جهله بكونه ملكه لا ينافي في صحة البيع بعد صدوره من أهله في محله و جهله بكون المال في ملكه لا ينافي القصد إلى النقل و الانتقال الذي هو شرط في البيع غاية ما في الباب أنه قصد نقلًا و انتقالًا عرفياً زعما أنه لا يترتب عليه أثرهما الشرعي و قصد ترتب الأثر الشرعي ليس شرطاً في صحة العقود و نظير ذلك ما لو باع شيئاً لغيره فتبين شراء وكيله له أو ميراثه له أو اشترى شيئاً له فتبين إنه قد باعه وكيله أو طلق أجنبية فتبينت إنها زوجته أو تزوج أختاً له فتبينت إنها أجنبية إلى غير ذلك أو أوصى بعتق حرة عنده فتبينت أنها أمة أو أوصى بمال لغيره فتبين انه له و مع ذلك فلا يخلو الحكم في جملة مما ذكرنا من إشكال سيما في الوصية و شبهها لشبهة الخلو عن القصد للأثر الشرعي و ربما يتبعه الأثر العرفي.

12

خامسها: يخرج عن الأصل المتقدم في جواز الهبة أمور

منها ما تقع الهبة فيها لازمة قطعاً و منها ما هو محل الخلاف يتبع فيها نظر الفقيه فالكلام في مواضع الأول لو تلف العين الموهوبة بعد قبضها لم يجز الرجوع لأصالة اللزوم في العقد بعد تمامه خرج ما لم تتلف الهبة و بقي الباقي و قد ينظر في ذلك و لأصالة عدم ضمان المتهب ما تلف مثلًا أو قيمة و الحكم بالجواز قاض بالضمان و الأصل عدمه و للإجماعات المتكثرة المنقولة على اللزوم المعتضدة بفتوى الأصحاب و للخبر المعتبر إذا كانت الهبة قائمة بعينها فله إن يرجع فيها و إلّا فليس له و ظاهر الفتوى شمول التلف للكل و البعض لعدم صدق قيامها بعينها مع تلف البعض نعم لو تلف بعض يصدق معه قيام العين عرفاً كسقوط ظفر من العبد أو بعض شعرات منه فلا بأس فيه و لو عيب بما يقضي بنقصانه و صدق عدم قيام العين (كخصي العبد) كان بمنزلة البعض التّالف و يحتمل إن نقصان بعض العين غير قادح في جواز الرجوع في الباقي لقيامه بعينه و للاستصحاب و كذلك ظاهرها عدم الفرق بين كون التلف بفعل الواهب أو بفعل المتهب أو بآفة سماوية و في لحوق إخراجه عن التمول بالتلف وجه و نقله بعقد لازم أو استيلاد حكمه حكم التلف الثاني لو تقرب في هبة عند صدور الصيغة أو عند الإجازة على الأظهر لزمت الهبة للاستصحاب و لحصول الشك في الجواز بعد أصالة اللزوم في العقد و للإجماعات المنقولة و للأخبار المعتبرة منها تجوز الهبة لذي القرابة و الذي يثاب و يرجع في غير ذلك و منها لا ينبغي لمن أعطى لله شيئاً إن يرجع فيه و منها هل لأحد إن يرجع في صدقته أو هبته قال أما تصدق به لله تعالى فلا و لأن ما يتقرب به لله تعالى يدخل في الهبة المعوضة فيشمله ما يشملها.

المقام الثالث: لو عاوض عن هبة لزمت الهبة

لما ذكرنا و للإجماعات المنقولة المعتضدة بفتوى المشهور و للأخبار المعتبرة ففي الصحيح (إذا عوض صاحب الهبة) فليس له إن يرجع و نحوه الخبر المتقدم فيما يثاب عليه و نحوه غيره و لصيرورتها عقد معاوضة و الأصل في عقود المعاوضة اللزوم و ظاهر إطلاق الفتوى و النص أنه لا فرق بين العوض الكثير و القليل ما لم يخرج عن التمول و لا بين

13

كون العوض عيناً أو منفعة أو ديناً أو حقاً و لا بين كون العوض ركناً كوهبتك هذا بهذا أو شرطاً كوهبتك هذا على إن يكون هذا لي أما لو قال وهبتك هذا بشرط إن تهبني هذا فالأوجه إلحاقه بالهبة المعوضة و يشترط قبول الموهوب له في اللزوم فلو لم يقبل لا يكون لازماً و هل يصح إن يكون العوض بعض الموهوب كوهبتك هذا على إن يكون لي بعضه أو تهبني بعضه وجهان و لا يصح إن يكون العوض الكل لاشتراط المغايرة بين العوضين و هل يكفي في اللزوم بذل العوض من المتهب بعد وقوع الهبة من الواهب الظاهر ذلك إلا أنه إذا وقع التعويض بعد تمام الهبة من الإيجاب و القبول و القبض فاللزوم لا يخلو من إشكال و على كل حال فيشترط هاهنا قبول الواهب للعوض لأنه بمنزلة هبة جديدة و لا يشترط المعلومية في العوض فيكفي العوض المجهول بل يكفي لو شرط عوضاً ما على جهة العموم و يجوز إن يدفع له أقل ما يتمول و إن لم يجز الواهب على قبوله و لو أطلق العوض فقبل المتهب فالأظهر انصرافه إلى المثل و القيمة لأنه هو الغالب في المعاوضات و لو وهب و لم يذكر العوض فإن صرح بالمجاز فلا كلام و إن لم يصرح فقبل المتهب فهل يلتزم بالعوض مثلًا أو قيمة مطلقاً أو لا يلتزم بشيء مطلقاً تغليباً للظاهر لأن الظاهر في الهبة المجانية أو يفرق بين هبة الأعلى و المساوي فلا يلتزم بشيء وهبة الأدنى للأعلى فيلتزم بالعوض مثلًا أو قيمة و للواهب

الرجوع في الهبة المعوضة قبل قبض المعوض للخبر عن الرجل يهب الجارية على أن يثاب فلا يثاب أله إن يرجع فيها قال نعم إذا كان شرط له عليه قلت أ رأيت إن وهبها له و لم يثبه أ يطؤها أم لا قال نعم إذا كان لم يشترط عليه حين وهبها و ظاهر صدرها عدم الفرق بين اشتراط ثواب مطلق أو معين في جواز الرجوع قبل قبض الثواب من الواهب و احتمال أنه ليس للواهب الرجوع في هبته بل له جبر المتهب على تأدية الثواب و تعلق المعين بذمته إن كان معيناً و المثل و القيمة إن كان مطلقاً قوي لو لا ما يظهر من بعضهم نقل الإجماع على جواز رجوع الواهب في هبته قبل القبض مطلقاً أو يمكن الفرق بين أخذ الثواب شرطاً فله الفسخ و بين أخذه ركناً فليس له و ذلك لتسلط المشترط على الفسخ عند عدم قيام المشروط عليه بالشرط و هل يجوز للمتهب الرجوع

14

قبل دفع العوض قيل له ذلك فيتخير بين دفع العوض فتلزم الهبة و بين عدمه فيفسخ أو لا يجوز له الامتناع عن دفع العوض بل يجب عليه الدفع و يجبر عليه و ربما أشعر بالجواز مضمون الخبر المتقدم المانع من وطي الجارية قبل دفع العوض لمكان تزلزل العقد إذا لم يكن حمله على عدم الملك بناءً على حصول الملك بمجرد عقد الهبة أو القبض و لو تلفت العين بيد المتهب قبل قبض الواهب الثواب أو عابت فهل يضمن المثل أو القيمة أو الأرش لأنه ملك بشرط العوض و لم يسلم للملك العوض فله الرجوع بعينه أو لا يضمن لحدوث النقص في ملك المتهب فلا يلزمه ضمان به و لأن المتهب لا يجب عليه دفع العوض و للواهب الرجوع في العين فالتفريط إنما جاء من حيث تركها في يد من سلطه على التصرف فيها مجاناً وجهان و قد يضعف الأخير بأن المتهب إنما ملكه بشرط العوض لا مجاناً بل ليؤدي عوضها فلم يفعل فالواجب عليه أحد أمرين أما ردها أو رد عوضها فإن تعذر الأول بقي الثاني و على تقدير الضمان فهل الواجب مثل الموهوب أو قيمته أو أقل الأمرين منه و من المعوض وجهان أوجههما الأخير لأن المتهب مخير بين الأمرين و المحقق لزومه هو الأقل لأنه إن كان العوض هو الأقل فقد رضي به الواهب في مقابلة العين و إن كان الموهوب هو الأقل فالمتهب لا يتعين عليه العوض بل هو مخير بينه و بين بذل العين فلا يجب عليه مع تلفها أكثر من قيمتها ثمّ إن الثواب لو كان منفعة كان قبضها بقبض عينها أو استيفائها كلًا أو بعضاً و لو كان حقاً فسقوطه بمنزلة القبض و هل إتلاف العوض كالقبض من الواهب لو كان هو الذي أتلفه وجهان.

المقام الرابع: لو وهب الوالدان لأولادهما أو الأولاد لآبائهما

لزمت الهبة ايضاً للإجماع المنقول على لزومها بعد القبض إذا كانت لأحد الوالدين و كذا الإجماع المنقول على عدم جواز رجوع الوالد في هبة ولده مطلقاً أو هبة ولده الصغير خاصة و للإجماع المنقول أيضاً و ظاهر فتوى الأصحاب إلحاق الأم بالأب فما يظهر من بعض و ظاهر العبارات من وقوع الخلاف في لزوم هبة الأولاد لآبائهم أو لزوم هبة الأب للولد الكبير أو لزوم هبة الأم ضعيف و في الحاق الأجداد بالآباء

15

و الجدات بالأمهات وجهان و ظاهر بعضهم أنه لا إشكال في الإلحاق و لا يلحق الأب و الأم الرضاعيان و في أولاد الزنا إشكال و لو وهب ذوي الرحم بما سمي رحماً عرفاً فالأقوى اللزوم أيضاً إذا حصل القبض للإجماع المنقول و لأصالة اللزوم في العقد و لإطلاق الأخبار الدالة على لزوم الهبة كما دل على إن الراجع في هبته كالراجع في قيئه و ما دل على إن الخيار في الهبة ما دامت في يدك فإذا خرجت إلى صاحبها فليس لك أن ترجع فيها إلى غير ذلك و للأخبار الخاصة المعتضدة بفتوى المشهور منها الهبة و النحلة يرجع فيها صاحبها أجيزت أو لم يجز إلا لذي رحم فإنه لا يرجع و منها عن الرجل يهب الهبة يرجع فيها إن شاء أم لا فقال تجوز الهبة لذي القرابة و الذي يثاب في هبته و يرجع في غير ذلك إلى غير ذلك و يراد بالجواز اللزوم بقرينة السياق و فهم المشهور و باقي الأخبار و منها في هبة الولد للأم و قد ماتت و قد قبضت الذي أعطاها و بانت به قال هو و الورثة فيها سواء قيل و لا قائل بالفرق و جوز السيد المرتضى الرجوع بالهبة لذي الرحم مطلقاً سواء في ذلك الأبوان و الأولاد و غيرهما استناداً لما نقله من الإجماع و هو ضعيف لمعارضته لفتوى الأكثر و للإجماعات المنقولة على

الخلاف و لبعض الأخبار الدالة على جواز الرجوع في الهبة مطلقاً و الدالة على خصوص جواز الرجوع لذي القرابة و منها أما الهبة و النحلة فإنه يرجع فيها جازها أو لم يجزها و إن كانت لذي قرابة و هو ضعيف أيضاً لمعارضة أخبار الجواز لأخبار المنع الدالة على لزوم الهبة مطلقاً و للأخبار الخاصة الدالة على لزوم هبة الرحم المعتضدة بفتوى الأصحاب و الإجماعات المنقولة مع احتمال الخبر على كون و إن كانت لذي قرابة قيداً لقوله و إن لم يجزها فقط و هو معنى صحيح و أما حمل أخبار المنع على الكراهة في الرجوع فهو فرع المكافأة و هي في المقام مفقودة و لأن الحمل على الكراهة يقضي بخروج الدليل عن ظاهره أصلًا بخلاف تقييد أخبار الجواز مطلقاً بما دل على اللزوم فإنه لا يستلزم ذلك و العرف قاض به و اعتضاد ما دل على جواز الرجوع لذي القرابة بما دل على الجواز لا يقابل ما دل على اللزوم فيها المعتضدة بأخبار اللزوم مطلقاً و بالأصل و بالاحتياط و بفتوى المشهور و الإجماعات المنقولة و أصالة لزوم

16

العقود و أما ما ورد من جواز رجوع الوالد في هبة ولده مطلقاً كالخبر فيمن له على رجل مال فوهبه لولده قلت يطيب ذلك له و قد كان وهبه لولد له قال نعم يكون وهبه له ثمّ نزعه فجعله لهذا و خصوص ما إذا كان كبيراً كالخبر في رجل وهب لابنه شيئاً أ يصلح إن يرجع فيه قال نعم إلا إن يكون صغيراً فلا يقاوم الأدلة المتقدّمة فلا بد من طرحها أو تأويلها بهبة لم يتبعها قبض بقرينة التفصيل بين الصغير و الكبير في الثاني لأن الغالب في المال الموهوب للصغير أنه مقبوض للأب و بقرينة كون الموهوب في الأول هو ما في الذمة قبل قبضه و هو إمّا ممنوع أو جائز.

المقام الخامس: لو وهب أحد الزوجين دواماً أو متعة لآخر

ففي لزوم الهبة و عدمه وجهان من أصالة اللزوم و الاستصحاب و الأخبار الدالة على لزوم الهبة و خصوص الصحيح لا يرجع الرجل فيما يهبه و لا الامرأة فيما تهبه جيز أو لم تجز لأن الله تعالى يقول: [وَ لٰا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمّٰا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً] (سورة البقرة آية 229) و قال: [فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً] (النساء الآية 4)، و هو يشمل الصداق و الهبة و من الأخبار المتقدمة الحاكمة بجواز الرجوع في الهبة مطلقاً أو جواز الرجوع في من ليس قرابة كما في الأخبار الصحيحة الخاصة المتقدمة و الإجماع المنقول على جواز الهبة مطلقاً خرج ما خرج و بقى الباقي و للإجماع المنقول على الجواز مع الكراهة و للخبر الخاص الوارد في رجل كانت له جارية فقال: (لامرأته هي عليك صدقة قال إن كان ذلك لله تعالى فليمضها و إن لم يكن فله إن يرجع إن شاء فيها) و هو و إن ورد في الصدقة إلا إن الظاهر أنه لا فرق بينهما من هذه الجهة و هي عدم التقرب قولان و الأخير أقوى لاعتضاد الأدلة الأخيرة بفتوى المشهور نقلًا بل تحصيلًا فلا تصلح الصحيحة المتقدمة لمقاومتها و تخصيصها و إن اعتضدت تلك الصحيحة بالأصل و بأخبار اللزوم المطلقة و ذلك لأن ما اعتضدت به هذه الأخبار أقوى مما اعتضدت به الصحيحة المتقدمة فلتحمل تلك الصحيحة على الكراهة أو على

17

ما إذا كان أحد الزوجين رحماً للآخر و قد يختص الخلاف بما إذا كانت الزوجة دائمة دون المنقطعة لانصراف الزوجة إلى الدائمة و في المطلقة الرجعية بحث.

المقام السادس عدم لزوم الهبة بالتصرف

الأقوى عدم لزوم الهبة بالتصرف من حيث أنه تصرف بالهبة لعموم النصوص المتقدمة الدالة على جواز الهبة خرج ما مضى و بقي الباقي و للإجماع المنقول نعم لو استلزم التصرف تغيراً للعين بنقصان أو عيب يؤدي إلى التغير الحسّي دون العيب المعنوي أو بتغير صفة أو هيئة كقصارة الثوب و تركيب خشب السرير بصدق عدم قيام العين الموجب لعدم الرد كما دلت عليه المعتبرة المتقدمة و ذهب جمع من أصحابنا إلى لزوم الهبة بالتصرف أما مطلقاً كما نسب للمشهور أو إذا كان التصرف مخرجاً عن الملك أو مغيراً للعين كما نسب لجمع من المتأخرين و ظاهرهم عدم الفرق بين عوده إلى ملكه بعد خروجه عنه و بين عدمه و ألحقوا بذلك الاستيلاد و العتق بل و الوطء للأمة و إن لم يتعقبه استيلاد و استدل على لزوم الهبة بالتصرف مطلقاً مضافاً إلى الأدلة المتقدّمة الدالة على اللزوم الروايات المرسلة حيث قال الشيخ (رحمه الله) و قد روي الأصحاب إن المتهب متى تصرف في الهبة فلا رجوع فيها و هو يدل على وجود روايات و أن جواز الرجوع يقتضي تسليط الواهب على ملك المتهب و هو خلاف الأصل و أن المتهب قد ملك بالعقد و الاقباض فظهر أثر الملك بالتصرف فقوي وجود السبب فكان تامّاً فلا يتحقق النقد إلا بسبب طارئ و الرجوع ليس سبباً هنا و إلا كان سبباً في غيره و أن جواز الرجوع يقضي على المتّهب بالضرر و الإضرار فيما لو بني و غرس و أن الموهوب قد صار مُلكاً للمتهب بعقد فلا يعود لملك الواهب إلا بعقد جديد و أن هذا الحكم إجماعي فلا يضر وجود المخالف لأنه معروف الاسم و النسب و الكل ضعيف لأن ما دل على اللزوم معارض بما دل على الجواز و هو أقوى و الروايات المرسلة ضعيفة لا تعارض ما تقدم و اقتضاء الرجوع تسليط الواهب على ملك المتهب مدفوع بأن تسليطه عليه من مقتضيات العقد كما إن الرجوع بنفسه ليس سبباً في النقل لو لا اقتضاء العقد الجواز و اقتضاء الرجوع الضرر و الإضرار مانع لو لا

18

أنه إنما جاء من قبل نفسه لإقدامه على التصرف فيما للواهب الرجوع فيه و منع عدم العود لملك الواهب إلا بعقد جديد لاقتضاء جواز العقد عود الملك بمجرد الفسخ و منع الإجماع المذكور مع مصير الكثيرين إلى خلافه و بالجملة فالتصرف ما لم يكن مغيراً للهبة عيناً أو صفة أو ناقلًا بعقد لازم يجوز الرجوع فيه على إشكال في تغير الصفة للشك في صدق عدم قيامها بعينها معه و كذا في العقد اللازم و أما الجائز فلا إشكال في أنه ليس من التصرف الملزم و أما موت المتهب ففي كونه مقتضياً للزوم لانتقاله عنه إلى ورثته وجهان و أما موت الواهب فالأظهر بقاء الجواز للورثة مع احتمال اختصاص الجواز بالواهب نفسه فيدخل الباقي في أصالة لزوم العقد.

تم كتاب الهبة و لله الحمد و المنَّة