أنوار الفقاهة (كتاب الوديعة)

- الشيخ حسن كاشف الغطاء المزيد...
24 /
1

[في معنى الوديعة]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ و به نستعين

كتاب الوديعة

و هي فعيلة بمعنى مفعولة من ودع يدع إذا استقر و سكن أو من يدع إذا ترك أو من الدعة و هي الحفظة و الراحة يقال ودع الرجل فهو وديع لأنها في دعة عند المودع لا تتغير و لا تتبدل و لا تستعمل و الوديعة في العرف العام هو المال المستودع عند الغير ليحفظه و أودعته كذا إذا دفعت إليه الوديعة و أودعته كذا إذا دفعها إليك فقبلتها و هو من الأضداد في الشرع هي الاستنابة في حفظ العين من المالك أو ممن يقوم مقامه أصالة بمعنى كون المقصد الأصلي فيها ذلك فخرجت العين المستأجرة بيد المستأجر و العارية بيد المستعير و العين الموكل على بيعها أو نقلها أو غير ذلك و المال المضارب عليه و نحو ذلك و في عرف المتشرعة أنه عقد قولي أو فعلي أو مركب منهما ثمرته الاستنابة في الحفظ أصالة و ليست من باب الإذن المجردة التي لا تفتقر إلى إيجاب و قبول بل هي من العقود الجائزة بالإجماع و قد تلزم إذا وقعت شرطاً في عقد لازم و يكفي في إيجابها القول بأي لفظ كان و الفعل الدال على ذلك و كذا يكفي في قبولها ذلك و لا يتفاوت في الفعل بين كونه معاطاة أو غيرها إلا أن الفرق أن الدفع و القبض لو حصل بين المودع و المستودع التزم بالحفظ إلى أن يرد المال إلى أهله و لو لم يحصل لم يلزم عليه الحفظ سيما لو كان المال باقياً في بيت مالكه سواء كانت الوديعة بلفظ أو بفعل دال عليها و لو كانت الوديعة في موضع غير موضع المالك و غير موضع الودعي ففي تحقق الاستيداع بمجرد القول و لزوم الحفظ إشكال و مشروعية الوديعة ثابتة (كتاباً و سنة و إجماعاً محصلًا و منقولًا) و هي واجبة كفاية للمضطر للاستيداع على كافة المؤمنين لأنها من المصالح العامة و ضروريات النظام و إن انحصر الاستيداع فيه كان واجباً عيناً و قد يناقش في وجوبه الكفائي و العيني و مستصحبه عند عدم الاضطرار لما فيها من قضاء حاجة

2

المؤمن و إدخال السرور عليه و المعاونة على البر و محرمة على الودعي إذا كان الودعي عاجزاً من الحفظ غاراً للمستودع أو كان عليه في قبول الوديعة ضرراً على نفسه أو على ماله أو أهله و قد تكون مكروهة إذا كانت مشتملة على شبه محرمة أو كانت لكافر لا يتعلق بحفظ ماله جهة رجحان و قد تكون مباحة إذا خلت عن رجحان في الفعل و رجحان في الترك بحيث لم تشتمل على نية التقرب أو لم يمكن اشتمالها عليها

و هنا أمور:

أحدها: الوديعة عقد الإذن

فلو قال شخص لآخر (أذنت لك في قبض مالي و حفظه كان بحكم الوديعة لا وديعة شرعية و عقدها قولي و فعلي و مركب منهما و الفعلي دفع و قبض أو غيرهما) و كل الصور جائزة على الظاهر و لا يفتقر في القولي عربية أو صراحة أو فعلية أو ماضوية أو ترتيب و في اشتراط عدم الفصل الطويل بين الإيجاب و القبول إشكال كما أن العقد القولي المجرد عن القبض أو الفعلي المجرد عنه من إشارة أو كتابة لا يخلو الحكم من إجراء حكم الوديعة عليها لو كان المال في غير يد المالك أو مطروحاً من إشكال و لو طرح شخص مالًا عند آخر بقربه أو ببيته أو عليه فإن لم يفهمه بكونه وديعة لم تكن وديعة قطعاً و مجرد الطرح لا يقضي بذلك و لكن إن لم يقبل المطروح عنده المال يجب حفظه و إن قبله قولًا أو فعلًا و قد قبضه جرى عليه حكم الوديعة من وجوب الحفظ و الضمان لعموم على اليد ما أخذت و إن لم يسم وديعة و إن قبله و لم يقبضه كما إذا كان مطروحاً بقربه و لم ينقله أو يمسكه فلا يسمى وديعة و لا يجري عليه أحكامها و الظاهر أن المال الموضوع في البيت أو تحت اليد إذا قبله صاحب البيت أو الموضوع تحت يده بمنزلة القبض الجديد فيجري عليه أحكام الضمان و أحكام القبض فإذا قبله لفظاً أو فعلًا و الحال ذلك ألزم بحفظه و ضمنه بدون ذلك و إن فهمه بكونه وديعة فإن قبضها أو كانت بحكم المقبوض كانت وديعة و جرى عليه أحكامها و إن قبلها من دون قبض فإن كانت بيد المالك لم تجرِ عليها أحكام الوديعة و إن لم تكن في يده ففي جريان حكم الوديعة إشكال و لو طرح المالك الوديعة عنده و لم يقبل فغاب المالك فهل يلتزم بالحفظ لأنه من باب المعاونة على البر و إعانة المحتاج

3

أو لا يلتزم للأصل و لتعريض المالك ماله للتلف وجهان أوجههما الأخير و لو غاب المستودع بعد قبض الوديعة و قبولها و المالك حاضر لم يكن رداً ما لم ينضم إلى الذهاب قرائن تدل على إرادة الرد و حينئذِ فيضمن الودعي لو تلفت الوديعة بعد ذهابه و لو أكره المودع على الإيداع لم تكن وديعة و كانت أمانة شرعية يجب إيصالها إلى أهلها فوراً لعموم وجوب رد الأمانة الظاهر في الفورية و لا يقبل قوله في الرد بخلاف الوديعة فإنه لا يجب ردها إلا مع مطالبة المالك أو من هو بحكمه و كأنه موضع وفاق و لو أكره على قبض الوديعة و لم تكن وديعة و لا تجري عليها أحكامها أيضاً و لو زال الإكراه فإن لم يضع يده عليها فلا كلام و إن وضع يده اختياراً فإن كان بنية الاستيداع جرى عليها أحكام الوديعة لعموم على اليد و هل تكون وديعة شرعية لحصول القبض الاختياري بعد استيداع المالك و لا يضر الفصل بينهما أو تكون أمانة شرعية وجهان و لا يبعد الأول و حينئذ يجري عليها حكم الأمانات الشرعية و وجوب الرد فوراً من دون مطالبة المالك و إن كان وضعه لا بنية الاستيداع بل بنية الغصب أو بلا نية كان ضامناً ابتداءً و كانت أمانة شرعية يجب إيصالها إلى أهلها فوراً و لا يقبل قوله في الرد.

ثانيها: إذا قبض المستودع الوديعة وجب عليه الحفظ لوجوب الرد و التأدية

(كتاباً أو سنةً) و لا يتم إلا بوجوب الحفظ و فيه نظر بل وجوب الحفظ دل عليه الإجماع و ظاهر أخبار الضمان مع عدم الحفظ كما سيأتي إن شاء الله تعالى و وجوب الحفظ مشروط ببقاء الوديعة و إلا فله فسخها ورد الوديعة فيبرأ من وجوب الحفظ لا يضمن المستودع الوديعة ما لم يفرط فيها أو يتعدَّ للإجماع و الأخبار ففي المعتبر صاحب الوديعة و المضاربة مؤتمنان و في الآخر كل ما كان من وديعة و لم تكن مضمونة فلا يلزم، و في الثالث: فيمن استودع رجلًا ألف درهم فضاعت فاختلفا في أنها وديعة أو قرض فقال المال لازم له إلا أن يقيم ببينة أنها كانت وديعة، و في الرابع: في الرجل يستودع المال فيهلك أو يسرق أعلى صاحبه ضمان فقال ليس عليه غرم بعد أن يكون أميناً، و في الخامس فيمن استأجر أجيراً فقعده على متاعه فسرق فقال هو مؤتمن إلى غير ذلك.

4

ثالثها: لو دفع الودعي الوديعة لغير المودع ملجأً و إكراهاً أو تقيةً على نفس أو مال يضر بحاله

سواء كان أكثر أو أقل و سواء دفعها بيده أو أخذها الظالم بنفسه لم يضمن الودعي لعموم (لا ضرر و لا ضرار) و لو أمكنه الدفع بما لا يضر بحاله من غيبة أو ادّخار للوديعة أو إنكار لزم و لا يلزمه تحمل الضرر الذي لا يليق بحاله من جرح أو شتم أو سب أو إهانة و لو أمكنه الدفع بدفع بعض الوديعة دون بعض لزم لوجوب حفظ الكل عليه و لا يترك الميسور بالمعسور و لو أهمل و الحال ذلك ضمن المقدار الزائد الذي يمكن حفظه لأن الباقي مأخوذ على التقديرين مع احتمال ضمان الجميع لتفريطه في حفظه في الجملة و المفرط ضامن و إن تلفت بغير تفريطه و لو أمكنه الدفع بمال آخر للمودع عنده أقل من الوديعة ففي لزومه بحث و لو أمكنه الدفع بمال منه بنية الرجوع على المودع ففي لزومه و جواز الرجوع لأنه محسن و [مٰا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ] وجه قوي و لو أخبر الظالم بالوديعة ابتداءً ضمن و كذا لو أخبر السارق بمكانها أو بها إذا ترتب على ذلك علمه بمكانها و كذا لو سأله الظالم عنها فأقر بها أو بمكانها خوفاً من الكذب لأن الكذب جائز و تركه تفريط و قد ورد أن الله تعالى يبغض الصدق في الإفساد كما يحب الكذب في الإصلاح ثمّ إن المودع يرجع على الظالم بالوديعة لو قبضها بيده أو دخلت في خزائنه في وجه قوي و نسب العلامة (رحمه الله) جواز رجوع المودع على المستودع لو دفعها بيده إلى الظالم قهراً أو يرجع هو على الظالم لعموم على اليد و فيه نظر لأن دفعها بالإذن الشرعية و الأصل فيها عدم ثبوت الضمان و إن لم تنافه و كلاهما ظاهر الأصحاب و لو أراد الظالم الوديعة فتوقف دفعه على اليمين الكاذبة بأنها ليست عنده لزم عليه الحلف الكاذب لتخليص الوديعة و يضمن مع تركه أو مع الإقرار بها لارتفاع قبح الكذب و اليمين الكاذبة حينئذ كما يظهر من الأخبار و كلام الأصحاب ففي الخبر (ما صنعتم من شيء أو حلفتم عليه من يمين في تقيته فأنتم منه في سعة) و في آخر (احلف بالله كاذباً و نجّ أخاك من القتل) و في آخر (فيمن يمر به العشار فيطلب منه أن يحلف له بالله و يخلي سبيله فقال فاحلف لهم إنه أحلى من التمر و الزبد) و في رابع مثله و في خامس (التقية في كل ضرورة و صاحبها أعلم بها حين تنزل به) و في

5

سادس (فيمن تصدقت عليه أُمُّهُ بدار فادعى شراءها و دفع الثمن ليأخذها فسأل الإمام (عليه السلام) بعد موت الأم فقال احلف و خذ ما جعلت لك) نعم مهما أمكن الحالف أن يوري بيمينه وجب تخلصاً من الكذب بحسب النية و إن تساويا بحسب الظاهر و لأنه أقل القبيحين و في الخبر عن الرجل يحلف و ضميره على غير ما حلف عليه قال اليمين على الضمير و في آخر مثله و إن لم تمكنه التورية لزمه قصد اللفظ فقط دون نية عقد اليمين.

رابعها: الوديعة تبطل بالفسخ من المودع و المستودع

سواء كانت إذناً أو عقداً جائزاً لأن العقد الجائز للمتعاقدين فسخه متى شاءا و هل يجري يعد الفسخ عليها حكم الوديعة المالكية أو الأمانة الشرعية وجهان أقواهما الأول و لو وقع عقد الوديعة فاسداً لفساد صيغته فالأظهر إجراء حكم الوديعة المالكية عليه تبعاً لبقاء الإذن المطلقة في القبض و لو كان الفساد لاشتراط شرط فاسد كاشتراط الضمان فلا يبعد أنها تعود أمانة شرعية و لو طرأ على المودع أو المستودع موت أو جنون أو سفه انفسخ عقد الوديعة و بقيت أمانة شرعية يجب ردها فوراً و إن لم يطالب بها المالك و لا يقبل قوله في الرد كما يقبل قول المستودع في الوديعة المالكية للأصل و لأنه لم يقبض من يد المالك لمصلحته و لم يستأمنه المالك فيها فحكمها كحكم مال اللقطة و مجهول المالك و مال المضاربة و العارية و الإجارة في عدم قبول قول المؤتمن في الرد و حكم ما لو أطارت الريح ثوباً في بيته و لم يعلم صاحبه أو اشترى صندوقاً فوجد فيه متاعاً لصاحب الصندوق أو أخذ من يد الصبي أو المجنون مالًا ببيع أو إجارة أو عارية أو وديعة أو نزع المغصوب من غاصبه حسنة لصاحبه أو وجد بيد من ولي عليه مالًا من سرقة أو لعب بالجوز و القمار إلا أن من هذه ما يكون مضموناً على القابض و منه ما لا يكون كذلك ثمّ الميت إذا كان المودع لزم على المستودع السؤال عن الوارث و دفع الوديعة إليه أو إلى وكيله أو وليه و إن كان غائباً أو لم يتمكن من الوصول إليه دفع الوديعة إلى الحاكم الشرعي أو إلى عدول المسلمين إن لم يحد من نفسه الأمانة فإن سُئل لم يقرّ على وارث دفعها إلى الحاكم الشرعي ليتطلب الوارث فإن لم يجد كان هو الوارث لمن لا وارث له و إن وجد وارثاً واحداً و لم يعلم غيره جاز دفع المال إليه لأصالة عدم وارث آخر

6

و جاز أن يمنع عنه قدر ما يحتمله أنه لغيره لأصالة عدم استحقاقه جميع الإرث و الظاهر أنه لا ضمان عليه لو منع لاحتمال وارث آخر و لا ضمان عليه لو دفع لأصالة عدمه و لثبوت كون الموجود وارثاً و الأصل عدم مانع آخر له عن الإرث و يحتمل ضمانه مع الدفع لواحد لأن الإذن الإلهية لا تنافي الضمان و إن كان الأصل فيها عدمه.

خامسها: قد تقدم الحكم بوجوب الحفظ على الودعي

فالمرجع فيه إلى العرف و العادة حيث لم يكن له حد شرعي فيجب حفظ الدراهم و الدنانير في خزانة أو صندوق مقفولين و مثلهما ما يكون بحكمهما عرفاً و عادةً من الثياب و الأواني و الجواهر و يجب حفظ الطعام في البيت و كذا كثير من الفرش و الأواني و يجب حفظ الدابة في المكان المعتاد لها و الشاة في مراحها و كذا البقر و الإبل و يجب حفظ الجارية في بيته فلو خالف من الأعلى إلى الأدنى ضمن و لو عكس لم يضمن إلا إذا كان محل خطر كما إذا وضع الشاة في مكان مقفول فاحتصرت فماتت مع احتمال الضمان مطلقاً لأن مخالفة العادة تعدي و لا فرق في لزوم حفظ كل في محله المعتاد للحفظ فيه بين كون الودعي مالكاً له و حاصلًا عنده و بين ما لم يكن فيجب عليه تحصيله و بين ما كان المودع عالماً بكونه عنده أو لم يكن إلا إذا فهم من حال المودع أنه أَذِنَ في وضعه في غير الحرز المعتاد و لا يجوز وضع الوديعة في المكان المشترك بينه و بين غيره و لو كان أميناً ما لم يأذن له المودع فلو وضع الوديعة في صندوق مشترك أو بيت كذلك بحيث يدخل فيه غيره ضمن و هذا ظاهر جملة من الأصحاب و لكنه لا يخلو من ضعف بل الحق أن الاشتراك إن كان بين الودعي و بين أجنبي مجهول الحال عنده ضمن و لو كان بين عياله و أولاده أو إخوانه أو جواريه الذي يأمن منهم عادة و يضع أمواله بأيديهم غالباً فإنه لا ضمان لجريان العادات بحفظ الودائع على ذلك النحو و الاحتياط غير خفي.

سادسها: لو أودع عنده دابة و قبلها المستودع

وجب على الودعي الإنفاق عليها كما يجب عليه حفظها و حراستها من العوارض و من المؤذي من الحيوان صغيراً كان أو كبيراً و لا يجب عليه المباشرة بنفسه بل مما تقضي به العادة منه أو من وكيله أو من عبيده أو أزواجه بشرط الائتمان و كونه مما لا يباشر بنفسه عادة و لا يثبت له أجرة المثل لظهور

7

التبرع في عمل الودعي إلا مع الشرط أو جريان العادة بالأجرة هذا إن كانت النفقة من مال المالك فإن لم يدفع المالك النفقة و أمره بالإنفاق وجب عليه أيضاً بذل المال للنفقة و رجع بها إلى المالك لظهور الأمر بالرجوع عليه و لو أطلق المودع فلم يأمرهُ بالإنفاق و لا ببذل المال و لم ينهه عنهما لزمه أيضاً الإنفاق و بذل المال و لكن إن كان المالك موجوداً توصل إلى إذنه أو إذن وكيله و يرجع عليه بعد ذلك و إلا رجع إلى الحاكم فإن أنفق منه أو من بيت المال فلا كلام و إلا أذن للمستودع بالإنفاق بنية الرجوع فإذا انفق رجع و للحاكم أن يأذن للمستودع بالاستدانة و الرجوع على المالك و له أن يأذن له ببيع بعض الوديعة أو قبولها بالإنفاق عليها و حفظ باقيها و لو أنفق المستودع من دون رجوع إلى الحاكم جاز و لا ضمان عليه بل لا يبعد أن له أن ينفق بنية الرجوع و يرجع مع الإشهاد من غير حاجة إلى الرجوع إلى الحاكم لأنه محسن و [مٰا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ] بل قد يقال إن الإيداع مع الإطلاق بمنزلة الإذن الضمنية في الإنفاق و لو لم يوجد الحاكم انفق بنية الرجوع و رجع على المودع و الأحوط الرجوع إلى عدول المسلمين و يصدق قول المستودع في نيته الرجوع عملًا بالظاهر و لأنه أبصر بنيته و الأحوط انضمام اليمين إليه و لو اختلفا في قدر النفقة أو طول زمانها فالقول قول المودع عملًا بالأصل و في حكم النفقة الدواء المحتاج إليه في الحفظ و الظرف المحتاج إليه في حكم الحيوان غيره كسقي الشجر و الزرع و لو نهى المالك عن الإنفاق بعد قبول الوديعة وجب على المستودع الإنفاق إن لم يكن حيواناً و لا ضمان عليه بعدم الإنفاق على أي تقدير لإذن المالك له في إتلاف ماله كما يأمره بقتل حيوانه و لكن لو أنفق مع الوجوب فإن كان بإذن الحاكم ونية بنية الرجوع رجع و إن لم يكن بإذن الحاكم ففي رجوعه مع نية الرجوع إشكال بل قد يقال إن إنفاقه بعد نهي المالك من دون رجوع إلى الحاكم تعدي مقتضى للضمان فاللازم حينئذ الرجوع إلى الحاكم لينفق هو أو يبيع بعضاً من الوديعة لحفظ باقيها أو يأمر المستودع بالاستدانة أو بالإنفاق بنية الرجوع نعم لو لم يوجد الحاكم لزمه الإنفاق و كان نهيُ المالك لا عبرة به و جاز له الرجوع بعد نيته.

سابعها: لو عين المودع للوديعة حرزاً على جهة تعيين الجنسية أو النوعية أو الشخصية

لزم المستودع ذلك و لا يجوز له وضعه في غيره أو نقله منه بعد وضعه فيه

8

سواء في ذلك الأدنى و المساوي في الحفظ بل و الأعلى إذا لم يفهم أن القصد في التعيين هو نفس الحفظ فيكون الأعلى داخلًا بمفهوم الأولوية و مثله المساوي في دخوله بمفهوم المساواة و أما إذا لم يظهر من المودع أن المقصود هو نفس الحفظ سواء ظهر خلافه أو شك في قصده فالحكم فيه بعدم جواز التغيير و النقل مطلقاً هو الأظهر نعم قد يقال إن ظاهر الإيداع يقضي بأن المقصود هو نفس الحفظ لا غيره و حينئذ فيتجه الجواز مطلقاً و التفصيل بين الأعلى فيجوز و بين المساوي فلا يجوز للفرق بين مفهوم المساواة و الأولوية قوي و لو قلنا بأن الظاهر من الإيداع هو إرادة نفس الحفظ لصدق التعدي عرفاً مع مخالفة المالك فيما نص عليه.

ثامنها: تضمن الوديعة بالتعدي و التفريط

للإجماع بقسميه على الظاهر و للصحيح (في رجل وضع عند رجل وديعة فوضعها في منزل جاره فضاعت هل يجب عليه إذا خالف أمره و أخرجها عن ملكه فوقع (عليه السلام) هو ضامن لها) و مرجع التعدي و التفريط إلى العرف و مرجع التعدي إلى فعل ما لا يجوز فعله في الأمانة مع عدم إذن المالك به و مرجع التفريط إلى ترك ما لا يجوز تركه مع عدم إذن المالك به فمن الأول لبس الثوب و ركوب الدابة و إنكار الوديعة مع مطالبة المالك أو مطلقاً على قول أو نقلها إلى مكان آخر أو السفر بها أو فتح قفلها أو فتح الكيس المختوم أو تناول شيء منه أو النسخ على الكتاب مع فتحه و التصرف فيه و أما النسخ عليه مفتوحاً أو النقش على الوديعة من بعد فالظاهر أنه ليس من التعدي و من التعدي خلط الوديعة مع غيرها سواء كان مما يتميز أم لا و ليس منه جعل الودائع في مكان واحد و بالجملة فالضابط ما يعد به خائناً و من الثاني ترك نفقة الدابة و ترك التحفظ عليها و ترك جعلها في الجرز و ترك نشر الثوب و طيه و لبسه في مقام لزوم لبسه و ترك نقلها أو السفر بها مع لزومهما إلى غير ذلك و قد حكى الإجماع على الضمان في كثير مما ذكرنا و يلحق غيره به للمساواة نعم قد يظهر من المنقول عن الصدوق في الرهن الذي هو بحكم الوديعة عدم الضمان بترك نشر الثوب و لو احتاج إليه كما يظهر من جملة من الأخبار ذلك كالصحيح (في رجل رهن عنده ثياباً تركها مطوية لم يتعهدها و لم ينشرها حتى هلكت

9

قال هذا نحو واحد يكون حقه عليه) و نحوه غيره و كذا في المنقول عن المحقق (رحمه الله) و في الجميع قصور عن الدلالة على نفي الضمان و غايته أنه دال على بقاء الدين و لا ملازمة بينه و بين عدم الضمان إلا على القول بوقوع التهاتر القهري بين الدينين و هو محل كلام.

تاسعها: لا تصح الوديعة من المجنون و الصبي

و في صحتها من السفيه بحيث لو أودع الصبي أو المجنون مالًا ضمنه القابض و لا يبرأ برده عليهما بل لا بد من رده فوراً على الولي أو الوصي أو الحاكم الشرعي و لو خيف من التلف على ما في يد الطفل أو المجنون فقبضهما القابض حسبة لم يضمن إلا مع التعدي أو التفريط أو تأخير الرد إلى وليهما فوراً بحسب الإمكان و لو أودع الكامل طفلًا أو مجنوناً غير مميزين لم يضمنا سواء كان جاهلًا بهما أو عالماً و سواء تلفا بتعدّ أو تفريط أو بغيرهما و سواء تلف المال لنفسه أو أتلفاه كل ذلك للأصل و لأن الأصل في الضمان مترتبة على وجوب الحفظ و لا وجوب عليهما فلا ضمان و لو أودع مميزاً احتمل ضمانه مطلقاً لعموم على اليد و هو من خطاب الوضع فلا يختص بالمكلفين خاصة و احتمل عدمه مطلقاً لانصراف الخطاب إلى المكلفين لأن الغالب تبعِيّة خطاب الوضع للخطاب الشرعي و احتمل التفصيل بين ما إذا تعدى أو فرط فإنه يضمن و بين ما لم يتعدَ أو يفرط فلا و الأوجه التفصيل بين مباشرة الإتلاف فيضمن و بين عدمه فلا تمسكا بعموم ما دل على ضمان من أتلف مال غيره.

عاشرها: يجب رد الوديعة على المالك أو وكيله إن كان حاضراً

و إن كان غائباً انتظره و لا يجوز له أن يدفعها إلى غيره و لو إلى الحاكم إلا لضرورة كالخوف عليها أو التقية أو إرادة السفر المضطر إليه فيجوز دفعها إلى الحاكم و إلا فإلى عدول المسلمين و يحتمل جواز دفعها إلى الحاكم إذا لم يكن المالك حاضراً مطلقاً سواء اضطر إلى الدفع أم لم يضطر إليه لعموم ولاية الحاكم على مال الغائب و لكنه ضعيف لمخالفته لظاهر فتوى الأصحاب و هل يجب على الحاكم القبول عند الرد إليه لأنه معد للمصالح العامة و ولي على من لا ولي له أو لا يجب وجهان و الأحوط الأول و يجري الحكم في

10

كل أمانة و في الدين عند غيبة الغريم و إرادة صاحبه الوفاء و في المغصوب عند إرادة إرجاعه.

حادي عشرها: يجب رد الوديعة إلى المالك عند المطالبة

بمعنى رفع يده عنها و التخلية بينه و بينها للإجماع و الآية و الأخبار و منها فيمن استودع آخر و هو خارجي شيطان و لم أدع شيئاً فقال قل له يرده عليه فإنه ائتمنه بأمانة الله تعالى و في آخر دال على لزوم رد الوديعة و لو إلى قاتل ولد الأنبياء و في ثالث و لو كان سيف قاتل علي (عليه السلام) و يفهم منها أنه لا يتفاوت في وجوب الرد بين كون المال لمسلم أو كافر حربي أو غيره و لا ينافي ذلك كون مال الحربي فيئاً للمسلم للزوم تخصيص ذلك بالوديعة أو الحكم بكونه للمسلم و مع ذلك فيجب رده على الكافر و أوجب بعضهم رد وديعة الحربي إلى سلطان المسلمين و هو ضعيف و ظاهر الأصحاب لزوم الرد فوراً و ناقشهم بعض المتأخرين لعدم عموم دلالة الأمر على الفور و هو ضعيف و ذلك لأن المقتضى الفور ليس مجرد الأمر بل هو حرمة وضع اليد على مال الغير في جميع الأزمان خرج زمن الفور و بقي الباقي و يراد بالفور الفور العرفي فلا يجب على المستودع الركض و السرعة في المشي على غير النحو المعتاد و لا يجب عليه قطع الفريضة أو ترك ما يضر بحاله تركه عادة أو شرعاً فلا يجب عليه قطع النافلة و لا قطع الحمام و لا قطع الأكل و الشرب و لا المسير في المطر و الاحتياط غير خفي و هل تفسد العبادة الموسعة عند فعلها بوقت المطالبة يبني على أن الآمر بالشيء هل يقتضي النهي عن ضده الخاص أم لا و قد يقال على القول بالاقتضاء يعدم فساد العبادة للسيرة الدالة على عدم الفساد و للزوم العسر و الحرج لو قلنا بالفساد و هل الاشهاد على المودع في رد الوديعة عذر عن الفورية مطلقاً أو ليس بعذر مطلقاً أو التفصيل بين ما يكون أخذها بالإشهاد فيكون التأخير إليه عذراً أو بين ما لم يكن فلا يكون عذراً و الأوجه أنه في الوديعة ليس بعذر لتصديق قول الودعي في الرد دون غيره إلا أن يقال إن الإشهاد لدفع ضرر اليمين و لو صادقاً و مثل الإشهاد علم الناس بها.

11

ثاني عشرها: لو نهى المالك صريحاً عن جعل الوديعة في مكان معين

لزم اتباعه و ضمن المستودع بمخالفته سواء كان مساوياً أو أحرز و فرق بين النهي الصريح و النهي الضمني التابع للأمر بوضعها في مكان معين حيث احتملنا أن نقلها إلى المساوي أو إلى الأحرز لا يوجب ضماناً بل ربما ادعى الإجماع على أن نقلها إلى الأحرز جائز و غير موجب للضمان و إن كان لا يخلو عن مناقشة هذا كله إن لم يخف على الوديعة من التلف جزماً ناشئاً عن علم أو ظن متاخم أو مطلقاً بل لا يبعد حتى مع الشك لصدق الخوف معه عرفاً فإن خاف جاز النقل بل وجب على ما يظهر من جملة من الأصحاب و لو مع النهي الصريح و لا ضمان حيث فهم من نهيه أن المقصود منه الحفظ أو لم يفهم شيء من ذلك فإن نهاه عن النقل مع التصريح بأنه و لو مع الخوف فهل يجوز النقل لبطلان نهيه لأنه بمنزلة السفه و مؤدٍ إلى إضاعة المال المنهي عنها فيلغو و يجب لوجوب حفظ المال المحترم كما يظهر من جملة من الأصحاب أو لا يجوز لأنه تصرف بمال الغير مع نهيه عنه و الأقوى الأول و هو ظاهر الفقهاء و عليه فلا ضمان لو نقل أما لو لم ينقل فتلف فالظاهر أنه لا ضمان كذلك لسقوط احترام المال بإسقاط صاحبه له و لو احتاج النقل إلى أجرة لزم دفعها على المستودع حين وجوبه عليه و هل يرجع بها على المودع مع نية الرجوع مطلقاً أو يرجع على عدم النهي عن النقل لا معه وجوه أقواها الأخير للأصل و أما كونه محسناً و ما على المحسنين من سبيل فموهون بنهي المالك نعم في غير صورة النهي يكون محسناً و تحمل الأجرة عليه ضرر منفي و له الرجوع حينئذ و هل يجب مع النقل كونه إلى الأحرز أو إلى المساوي أو يجوز و لو إلى الأدنى وجهان من لزوم الاقتصار في التصرف بمال الغير على المقطوع به و لأنه بمنزلة الوكيل في اتباع الأصلح و من الأصل و استواء الأمكنة في الحرز كما إذا قبل الوديعة ابتداءً فإنه لا يجب عليه تحري الاحرز و هذا الأخير أقوى.

ثالث عشرها: لو تصرف المستودع في الوديعة ببيع أو شراء

كان التصرف فضولياً موقوفاً على الإجازة فإن لم يجز المالك وقع التصرف باطلًا و إن أجاز صح و لو كان هناك ربح كان الربح للمالك و على أي تقدير فالمستودع ضامن و في الخبر المعتبر بوجود ابن محبوب في سنده المنقول الإجماع على تصحيح ما يصح عنه (فيمن استودع

12

رجلًا مالًا ثمّ جاءه بعد ذلك بالمال قال فهذا مالك فخذه و هذه أربعة آلاف ربحها في مالك فهي لك مع مالك و اجعلني في حل و أخذت منه المال و أبيت أن آخذ الربح منه و أتيت حتى أستطلع رأيك فما ترى قال فقال خذ نصف الربح و أعطه النصف إن هذا رجل تائب و الله يحب التوابين) و ظاهره صحة عقود الودعي قهراً و انتقال الربح للمودع كذلك و الأمر بإعطائه النصف عوضاً عن عمله للاستحباب لمكان توبته كما هو ظاهره و هو مخالف للقواعد القاضية بعدم نفوذ عقد الفضولي إلا مع الإجازة و حينئذ فحمله على وقوع الإجازة من المالك كما هو الغالب أوجه و يمكن الأخذ بظاهره تعبداً في صورة عدم إمكان استرداد عين الوديعة كما هو الظاهر من مورد الخبر لمكان الضرر على المودع بعدم استرداد عين ماله و بحبس المال منه تلك المدة كما يشير إليه ما جاء في التجارة بمال اليتيم بغير وجه شرعي من أن الربح لليتيم فإن كون الربح له غير موقوف على إجازة الولي و تنزيله على الإجازة الإلهية كما نزله الوالد ( () ليس على نهج القوانين العادية بل من الأمور الخفية و ربما عاد إلى ما ذكرناه أما مع إمكان استرداد العين فالأخذ به بعيد جداً اقتصاراً في مخالفة القواعد على القدر الممكن و قد يظهر من إطلاق الخبر أيضاً عدم الفرق في استحقاق المالك الربح بين أن يأذن للودعي في التجارة بشرط الضمان و بين أن لا يأذن و هو في الثاني كما تقدم و خالف ابن الجنيد في الأول فجعل الربح للودعي و نفى عنه البأس في المختلف لانقلاب الوديعة قرضاً عنده و ربما شهدت به الأخبار الواردة في المضاربة و لكنه بعيد أيضاً لمخالفته القواعد من جهة أخرى و هو تبعية الربح لرأس المال و ما ورد في المضاربة لو قلنا به فللدليل ثمّ إنا لو أخذنا بظاهر الخبر المتقدم فالظاهر عدم التفاوت بين كون الشراء بنفس العين و بين كونه بالذمة سواء اشترى بذمة المالك أو بالذمة مطلقاً إذا دفع عنهما من نفس العين بل لو اشترى بذمته فدفع عنها من الوديعة كما هو الغالب في معاملة الخائن كان مشمولًا لإطلاق الخبر المتقدم و لكنه مشكل جداً لاقتضاء القاعدة كون الربح للودعي و كون الدفع فضولًا عما في الذمة فلا يؤثر فساداً.

13

رابع عشرها: لو ظهرت على المستودع أمارات الموت لزمه رد الوديعة إلى المالك

أو الحاكم عند تعذره و تعذر الرد إلى وكيله أو إيداعها عند ثقة أو الإشهاد عليها على نحو الشهادة المقبولة و الإيصاء بردها لثقة مأمون و إلا كان مفرطاً ضامناً حتى لو تبين كذب إمارة الموت كان ذلك من التفريط الموجب للضمان و لو لم تظهر له أمارات الموت فمات فجأةً فلا شيء عليه و يكفي في الإشهاد شهادة العدل الواحد لجواز ثبوت الحق بشهادته مع اليمين و يمين الاستظهار و قد يقال بوجوب الترتيب بين تلك الأفراد المتقدمة الرد ثمّ الإشهاد ثمّ الإيصاء و لا شك أنه أحوط إلا أن الإيداع عند الثقة قد يساوي الإيصاء و الإشهاد و قد يتقدم الإشهاد عليه و لو لم يوصِ و لو لم يشهد فأنكر الورثة الوديعة كان القول قولهم و للمودع عليهم اليمين على نفي العلم بها لا على البت كما هي القاعدة في الحلف على نفي فعل الغير و لو أقر الوارث بالوديعة و أنكر كونها في جملة التركة الموجودة كان القول قوله مع يمينه على نفي العلم و كذا لو ادعي المودع على الوارث تفريط المستودع بها و لو بترك الرد أو الإشهاد أو الوصية كان القول قول الوارث مع يمينه لأصالة براءة ذمة المورث من الضمان.

خامس عشرها: لو كانت الوديعة غصباً

فإن كان المودع مقهوراً و لا ضمان عليه و الضمان على الدافع إلا أن يزول عنه القهر و لم يردها إلى مالكها فيضمن حينئذٍ و إن لم يكن مقهوراً فإن كان جاهلًا فتلفت عنده جاز رجوع المالك عليه و على الدافع فإن رجع عليه رجع هو على الدافع لغروره و إقدامه على عدم الضمان و المغرور يرجع على من غره فإن رجع على الدافع فلا رجوع له و إن علم بالغصب في الأثناء وجب عليه إرجاع الوديعة إلى صاحبها إن تمكن و علم به فإن لم يتمكن سقط عنه الضمان و إن لم يعلم بصاحبها كان حكمها حكم اللقطة يعرف بها حولًا و من بعد ذلك يتصدق بها عن صاحبها و نسب ذلك للمشهور و دل عليه الخبر بفتوى المشهور نقلًا بل تحصيلًا عن رجل من المسلمين أودعه رجل من اللصوص دراهما أو متاعاً و اللص مسلم هل يرده عليه قال لا يرده فإن أمكنه أن يرده على صاحبه فعل و إلا كان في يده بمنزلة اللقطة بعينها يعرّفها حولًا فإن أصاب صاحبها ردها عليه و إلا تصدق بها فإن جاء بعد ذلك خيره بين الأجر و الغرم فإن أختار الأجر فله و إن اختار الغرم غرم له

14

و كان الأجر له و ظاهر جعلها بمنزلة اللقطة إنها إذا كانت أقل من درهم لا يجب التعريف بها سيما و إن موردها الدراهم و المتاع و الغالب أنهما أكثر من درهم و الاحتياط بخلاف ذلك لإطلاق الفتوى بوجوب التعريف و كذا ظاهر ذلك أنه يجوز بعد التعريف بها سنة أن ينوي بهما التملك مع الغرم و أن يبقيها أمانة و أن يدفعها إلى الحاكم كما هو الشأن في اللقطة على ما هو التحقيق إلا أن ذيل الرواية مما يؤذن بلزوم التصدق عليه فيكون كالمخصص لعموم المنزلة و الاحتياط أيضاً قاض بذلك و نسب للمفيد (رحمه الله) أن الوديعة إذا لم يعرف أربابها أخرج منها الخمس لفقراء السادة و الباقي لفقراء المؤمنين و نسب لأبي الصلاح لزوم حملها إلى الإمام فإن تعذر ذلك لزم حفظها و الوصية بها و نسب لابن إدريس ذلك أيضاً و جعله جملة من المحققين أنه الأحوط و نسب للشهيد (رحمه الله) التخيير بين الصدقة بها و التعريف و بين إبقائها أمانة و ظاهرهم قبل التعريف و بعده و هو قريب إلى الأخبار الواردة في مجهول المالك و الأخذ بالاحتياط في هذه الموارد أجمل و لو مزج الغاصب الوديعة بماله و أودع الجميع فإن أمكن الودعي تمييز كل منهما رد كلًا منهما على صاحبه و إن لم يمكنه رد الجميع على الغاصب لأن منعه منه يقضي بمنعه عن ماله و يحتمل لزوم رد الجميع على المغصوب منه و عليه رد غير المغصوب و الأوجه لزوم الرجوع إلى الحاكم لتمييز المغصوب من غيره فإن و لم يمكن الرجوع تولّى ذلك عدول المسلمين فإن لم يمكن تولّى ذلك المستودع و لو أراد الغاصب الوديعة من المستودع ليردها إلى المالك لم يجز دفعها إليه و لو لم يعرف المستودع المالك بحث عنه و لا يجوز أن يردها إلى الغاصب و إن عرفه.

سادس عشرها: لو أراد المستودع السفر بعيداً أو قريباً شرعياً أو عرفياً

جاز له كما هو ظاهر الفقهاء و لا يلزمه الامتناع للأصل و لما ورد عن النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) أنه لما أراد الهجرة سلم الودائع لأم أيمن و أمر علياً (عليه السلام) بردها و الظاهر بل المقطوع به أن أهل الودائع لم يأذنوا له بالسفر و لا بالإيداع و مثل السفر أيضاً التردد في محال البلد و حدودها فلا يجب على الودعي المقام عند الوديعة و نظارتها ما لم يخش عليها عادة في ذهابه عنها الذهاب للأصل و لقضاء السيرة بذلك و بالجملة فالواجب معاملة الوديعة

15

معاملة صاحب المال الحريص عليه و لا يجوز للمستودع اصطحابها معه في السفر من غير عذر لأن السفر بها تعد و تغرير سواء كان الطريق مأموناً أو مخوفاً بل يجب عليه ردها إلى المالك أو وكيله فإن لم يمكن فإلى الحاكم لأنه الولي العام في مثل هذا المقام فإن لم يمكن أودعها عند من يوثق به مع الإشهاد مهما أمكن الاحتياط عليها و في الخبر المتقدم ما يدل على جواز الإيداع فإن لم يمكن ذلك دفنها في بلده و أوصى بذلك من يأمنه و يثق به و لا يجوز دفنها سراً لتأديته إلى تلفها و اضمحلالها عند موته و شبهه و إن خاف عليها من الإبقاء في البلد من حرق أو نهب أو غرق و أمن عليها في السفر لزمه اصطحابها معه في السفر لوجوب حفظها عليه و لا يتم إلا به و كذا لو كان خطر السفر أقل من خطر الحضر و لو تساوى في الخطران رجح خطر الحضر لأن السفر في نفسه مظنة الخطر زيادة على الحضر و لو لم يمكنه السفر بها أو كان عليها خطر في السفر و لم يمكنه في الحضر تسليمها إلى المالك أو من بحكمه و لا إلى الحاكم و لا إيداعها من المأمون حرم عليه السفر و وجب عليه البقاء لحفظها لوجوب ما لا يتم الواجب إلا به و الأحوط ثبوت الضمان عليه لو سافر بها من غير ضرورة إلى السفر و لم يكن في إبقائها خطر عليها و لكن لم يجد من يبقيها عنده و لو استودع الوديعة مسافراً كان حالها حاله إلى أن يرجع من سفره و في حكمه في سفر آخر وجهان أحوطهما عدم السفر بها هذا كله مع الإطلاق و أما مع الإذن فحكمها تبعية الإذن فلو أذن له باصطحابها في السفر جاز و كما و لا يجوز السفر بالوديعة اختياراً كذلك لا يجوز التردد بها في الطرق و الأسواق إذا كانت مما يوضع في مكان خاص أما لو كان مما بنى على النقل و الانتقال أو ما توضع في الجيب و نحوه جاز.

سابع عشرها: لو أودع الوديعة عند غيره من دون إذن المالك

ضمن من غير خلاف سواء في ذلك البعيد و القريب و الزوجة و غيرها إلا إذا أراد السفر و لم يمكن إيصالها إلى المالك أو وكيله أو إلى الحاكم أودعته للإيداع ضرورة كالخوف عليها من نهب أو حرق أو كان الرجل ممن تجري عادته بعدم تولي مفتاح الصندوق أو الغرفة أو عدم اختصاصه بمكان خاص عن عياله بحيث لا يدخل عليه أحد منهم و كان المودع عالماً بذلك أو يكون المستودع قد أعلمه بذلك جاز حينئذ الإيداع عند الغير و المشاركة

16

معه فيها و تسليط غيره عليها على ذلك النحو المذكور و لو لم يمكن حفظ الوديعة إلا بلبس الثوب أو النوم على الفراش أو الركوب على الدابة لزم ذلك و يتولاه المستودع و لا أجرة عليه للمودع لو فعل ذلك و لو لم يفعل ضمن.

ثامن عشرها: لو قبض المستودع الوديعة ابتداءً بقصد الخيانة

أو قصد الخيانة في الأثناء و احتمل القول بلزوم الضمان مطلقاً لعموم على اليد مع الشك في الخروج عنه للشك في صدق الوديعة الشرعية ابتداءً أو استدامة مع قصد الخيانة عليها و احتمل العدم لصدق الوديعة عرفاً عليها و منع تسميته خائناً بمجرد النية و منع لزوم الضمان للخيانة مطلقاً إذا لم يصدق عليها اسم التعدي و التفريط.

تاسع عشرها: التفريط سبب في الضمان و لو لم تتلف الوديعة به

فعلى ذلك لو ترك سقي الدابة و علفها على النحو المعتاد ضمن الدابة سواء ماتت بترك السقي أو غيره و سواء ماتت في زمان يموت مثلها عادة بترك السقي فيه أو في أقل منه و يظهر من بعضهم اشتراط الضمان بأن تموت بنفس الترك في زمان يموت مثلها فيه بتركه حتى أنها لو ماتت قبل المدة التي يموت مثلها فيها بالترك لم يضمن و لو لم تمت مع مضي تلك المدة ضمن النقصان و هو محل نظر و تأمل.

العشرون: لو أمره المالك بدفع الوديعة إلى الوكيل

وجب و هل له التأخير إلى الإشهاد يبني على ان الودعي يصدق قوله في الرد إلى الوكيل كما يصدق قوله في الرد إليه و ان المأمور بالدفع إلى شخص يصدق قوله بالدفع إليه لأنه وكيل على الرد و الوكيل أمين و الأمين مصدق على ما اؤتمن عليه أو لا يصدق أحدهما فعلى الأخير يجوز له ذلك مخالفة التضمين و الظاهر الأول لأن يد الوكيل يد الموكل نعم لو حلف الوكيل على عدم وصولها إليه صدق و لم يغرم للمالك بمجرد يمين الودعي على الإيصال إليه و إنما فائدة يمين الودعي رفع الضمان عنه و يحتمل أن للودعي التأخير للإشهاد و إن صدق قوله بالدفع إلى الوكيل و ذلك لرفع مئونة اليمين عنه و لو صادقاً لو أذن المودع للمستودع بالإيداع فهل له أن يودع بلا إشهاد و هل يصدق قوله بالإيداع الظاهر ذلك في المقامين:

17

أما الأول: فلأن أمر الودائع مبني على الإخفاء بخلاف الدين و شبهه و لأن قول الودعي مقبول في الرد فلا حاجة للإشهاد عليه.

و أما الثاني: فلأنه وكيل في التصرف بهذا النوع الخاص و الوكيل يقبل قوله فيما وكل فيه أما لو أمره بدفع الوديعة لوكيله ففي لزوم الإشهاد وجهان من أن عدم الإشهاد تفريط لاحتمال إنكار الوكيل ما دفع إليه فيحلف على عدمه و يحلف الودعي على إيصاله إلى المالك فلم يبق للمالك حق على أحد منهما فيعود عليه الضرر و من أن أمر الودائع مبني على الإخفاء أخذاً و دفعاً فلا يلزمه الإشهاد ما لم ينص عليه و لا يبعد الأخير استناداً للسيرة.

الحادي و العشرون: لو جحد الودعي الوديعة من غير عذر كتقية أو نسيان أو خوف عليها من ظالم أو سارق

و كان ذلك بعد طلب المالك لها ضمنها لو أقر بها بعد ذلك أو قامت عليه البينة لأن الجحود خيانة فتكون يده عليها حالة يد خيانة لا يد أمانة متلقاة عن المالك و العمدة في ذلك فتوى الأصحاب و أصالة الضمان مع الشك في شمول إطلاق أدلة عدم ضمان الأمانة لمثل ذلك و لو ادعى أن الجحود لعذر فأنكر المالك كان القول قول المالك لأصالة عدم العذر و كذا الحكم في كل تعد أو تفريط صدر من الودعي فادعى أنه لعذر و لو لم يكن المالك طالباً لها بل كان سائلًا عنها ففي الضمان وجهان من أن إنكاره خيانة فلا تكون يده عن رضا المالك فليست يد أمانة و نفي الملزوم بإنكاره نفي للازمه و هو كونها متلقاة عن يد المالك و إذنه و من أن الجواب بالنفي لازم أعم فلعله عازم على التأدية و كان الإنكار لمجرد الكذب و التحكم فلا تكون يده بغير رضا المالك وجهان و لا يبعد الأخير.

الثاني و العشرون: لو مزج الوديعة بماله أو بمال المالك

أو بمال ثالث مزجاً لا يتميز أو يعسر تمييزه ضمن و لو أخذ من دراهم المالك درهماً ثمّ اعاده بعينه ضمنه دون غيره و إن امتزج بغيره و إن أعاد غيره فإن امتزج في الباقي ضمنه و غيره و إن لم يمتزج ضمنه بنفسه هذا إذا كانت درهماً منثورة فلو كانت في صندوق أو في كيس أو صرة ففتحها و أخذ منها درهماً ضمن الجميع نفس المأخوذ لصدق التعدي على الجميع في ضمان الظرف مع المظروف وجهان و لا يبعد الضمان هذا إن كان الظرف قد شده أو

18

قفله المودع أو صدر الشدة أو القفل بأمره و إلا فلا ضمان و لو فتح الكيس غير مريد أخذ شيء منه ضمن أيضاً لتعديه عليه عرفاً و كذا لو فتحه فدار في كيساً آخر أمكن تمييزه أم لا و لو شقه أو بقره من أسفل ضمن الظرف و الأظهر ضمان المظروف أيضاً و لو أودع عنده شيئاً واحداً عرفاً فتصرف ببعضه ضمن الجميع و لو كانت أشياء لم يضمن سوى ما تصرف فيه و إن كانت الوديعة مرة واحدة فالمثليات المجتمعة شيء واحد و القيميات أشياء متعددة و في الدراهم إشكال.

الثالث و العشرون: لو أجري على الوديعة عقود معاوضة

من بيع و إجارة أو صلح أو هبة أو غيرها من وقف و سكنى أو صدقة و عتق ففي الضمان و عدمه وجهان من أن مجرد اللفظ الخالي عن دفع ليس من التعدي عرفاً و لأنه مع قصد النقل و الانتقال متعد عرفاً لزيادته على مجرد نية الخيانة بانضمام النواقل إليها و لو أذن المالك للودعي بحمل الأخف فحملها الأثقل ضمن الدابة و ضمن الأجرة إن تغاير الجنس كما إذا أذن له بقطن فحملها حديداً و لو كان لزيادة الوزن ضمن تفاوت أجرة الزيادة دون المأذون فيه مع احتمال ضمان جميع أجرة الحمل و ضمن جميع قيمة الدابة لو تلفت به لا نسيئة قيمتها إلى المأذون فيه و قدر الزيادة.

الرابع و العشرون: لا يجوز التصرف بالوديعة من غير إذن صاحبها

و لو بالفحوى لقبح التصرف بمال الغير عقلًا و نقلًا كتاباً و سنة و إجماعاً و في بعض الأخبار كخبر قرب الأسناد و جامع البيزنطي ما يؤذن بجواز التصرف مع نية الرد و هما محمولان على حصول الإذن بالفحوى كما يفعله اليوم كثير من الناس.

الخامس و العشرون: لو تصرف المستودع بالوديعة حتى ضمن تعلق به الضمان

و لا يبرأ بمجرد إرجاعها إلى الحرز أو ترك التصرف بها بعد ذلك أو تدارك التفريط الذي صدر منه بل يبرأ إما بإرجاعها إلى المالك و إيداعها عنده جديداً أو أذن المالك له بقبضها للوديعة بعد الإذن أو إسقاط الضمان عنه لأنه حقه فله إسقاطه و قد يستشكل في البراءة من الضمان بالإسقاط لأنه إسقاط ما لم يجب و فيه أن كونه مضموناً ثابت بالفعل و كذا فيما لو قال أودعتكها أو أنت نائب عني في حفظها أو استأمنتك عليها

19

و لم يأذن له في قبضها جديداً لاستصحاب الضمان و عدم منافاته للاستيداع في الاستدامة كما لو أودعه مغصوباً و هي بيده فإنه ضامن و لا يزول ضمانه بمجرد صدور عقد الوديعة من المالك و الإشكال في محله و التحقيق و التفريط لا يخرجان الأمانة المالكية عن كونها مالكية و لا يخرجان الوديعة عن حكم الودعي سوى حكم الضمان من حيث أن الوديعة من دونهما غير مضمونه و معهما مضمونه فعَلى ذلك لو تعلق الضمان بالودعي من حيثية التعدي و التفريط فلا يزول إلا بإسقاطه بناءً على جواز إسقاط مثل هذا الحق أو بالإيداع جديداً أو لا يزول بمجرد قول (أودعتك هذا أو استنبتك في الحفظ أو شبههما) لأنه لم يفد فائدة أحرى سوى تأكيد الاستيداع المتقدم و هو مجامع للضمان فلا يرتفع بما دل عليه.

السادس و العشرون: في جملة مما يتعلق بالدعوى

و فيه أمور:

أحدها: لو اختلفا في أصل الوديعة

كان القبول قول منكرها للأصل و لو اتفقا على صدورها و اختلفا في التلف و عدمه كان القول قول الودعي في حصول التلف لأنه أمين في الحفظ و قول الأمين مسموع فيما اؤتمن عليه و للإجماع المنقول على ذلك و للزوم الضرر و الضرار على الودعي بطلب البينة منه و الظاهر عدم الفرق بين دعوى التلف مطلقاً و بين دعواه مستنداً إلى سبب خاص و لا فرق في السبب بين كونه ظاهراً أو خفياً خلافاً لمن يظهر منه الفرق بين السبب الظاهر و الخفي حيث أنه لم يقبله من دون بينة في الأول و قبله مطلقاً في الثاني و الأقوى أن قبول قوله مفتقر إلى اليمين اقتصاراً في سماع قول المدعي على المورد اليقين و قيل بسماع قوله من دون يمين استناداً إلى قوله (عليه السلام) في المودع (إذا كان غير ثقة هل يقبل قوله قال نعم و لا يمين عليه) و إلى قوله (عليه السلام) (لم يخنك الأمين و لكنك ائتمنت الخائن) و إلى قوله (عليه السلام) (ليس لك أن تتهم من ائتمنته و لا تأمن الخائن) و إلى قوله (عليه السلام) (ليس لك أن تأمن من خانك و لا تتهم من ائتمنت) إلى غير ذلك مما دل على النهي عن اتهام الأمين و هو يلازم تصديقه من دون اختلاف و فيه ضعف لعدم معارضة الإجماع المنقول المنجبر بفتوى الفحول و قد يقال بالفرق بين كونه متهماً و غير مأمون فلا يقبل قوله إلا مع اليمين و بين كونه ثقة مأموناً فيلزم تصديق قوله من دون يمين و ربما قيل في

20

الاخبار دلالة عليه.

ثانيها: لو ادعى الودعي الرد

فإن كان على المالك صدق قوله بيمينه على الأظهر الأشهر لأنه قابض لمصلحة المالك فلا يكلف البينة و كذا لو كان الرد على الوكيل لأن يد الوكيل يد الموكل و كذا لو كان على غيرهما و كان مأموراً بالدفع إليه لأنه حينئذ وكيل في الدفع فيصدق قوله فيه و لا يصدق قوله في الرد على الوارث للأصل و لأنه لم يدفع المال إلى الودعي و إن انتقل إليه بعد ذلك و لو ادعى الودعي الرد إلى من أذن له المالك بالرد إليه فأنكر المالك الإذن كان القول قوله بيمينه فإذا حلف المالك نظر فإن أقر المدفوع إليه بالقبض و العين باقية ردت إلى المالك فإن تعذر ارتجاعها لغيبة أو نحوها تخير المالك بين الرجوع إليه و الصبر و بين الرجوع على الودعي لمكان الحيلولة فإن رجع على الودعي فأخذ منه البدل رجع الودعي على المدفوع إليه و أخذ منه عين الوديعة عوضاً عما دفعه أو ردها على المالك و أخذ البدل الذي دفعه إليه إن كان موجوداً و إن كانت العين تالفة فإن رجع على الودعي لم يرجع على المدفوع إليه لاعترافه بظلم المالك له و كذا لو رجع على المدفوع إليه لاعتراف الودعي بظلمه فلا يرجع إليه و إن أنكر القبض فالقول قوله بيمينه فإذا حلف اختص الغرم بالمستودع و إذا أقر المالك بالإذن فإن دفعها مع الإشهاد لزم تصديقه لأنه وكيل حينئذ في الدفع و قد أخبر به و إن دفعها بدونه احتمل عدم لزوم الضمان عليه لأن الإذن بدفع الوديعة لا يقضي بلزوم الإشهاد كما يقضي به بقضاء الدين و أحتمل لزومه لأن الدفع بدون الإشهاد تفريط كقضاء الدين من دونه و اعتراف المالك بوصول الوديعة إلى المأذون لا ينافي الضمان من جهة عدم الإشهاد.

ثالثها: لو اختلف المالك مع من في يده المال

فقال المالك وديعة و قال الآخر رهن فالقول قول المالك و لو قال المالك هي وديعة و قال الآخر هي قرض كي يجوز له دفع مثلها أو قيمتها دون عينها كان القول قول المالك و لو اختلفا بعد تلفها من غير تفريط فقال المالك هي قرض كان القول قول المالك مع يمينه لعموم دليل ضمان ما أخذت اليد و خصوص الموثق عن رجل استودع رجلًا ألف درهم فضاعت فقال الرجل

21

كانت عندي وديعة و قال الآخر إنما كانت عليك قرضاً قال المال لازم له إلا أن يقيم البينة إنها كانت وديعة و نحوه غيره و لابن إدريس هنا تفصيل ضعيف.

رابعها: لو اختلفا في قدر قيمة الوديعة بعد تلفها إذا كانت مضمونة

فالقول قول الودعي للأصل لا لكونه أميناً كي يقال بارتفاع أمانته بالخيانة في التعدي و التفريط و قيل إن القول قول المودع و نقل أن فيه رواية و هو ضعيف و الرواية لم تثبت.

خامسها: لو اختلفا في أصل الوديعة أو في قدرها أو في اشتراط أمر زائد فيها

أو في التعدي أو التفريط فيها أو في مخالفة أمر المالك فيها كان القول قول الودعي في ذلك كله.

سادسها: إذا مات المودع سلمت الوديعة إلى المعلوم أنه وارث أو من أقامت عليه البينة

و في جواز تأخيرها لاحتمال وجود وارث آخر وجهان تقدم الكلام عليهما و يقوي جواز التأخير فيما لو ادعى شخص أنه وارث بقدر إثبات دعواه عرفاً و يجب دفعها فوراً و إن لم يطالب الوارث سواء علم أو لم يعلم لأنها تعود أمانة شرعية و لو كان الوارث متعدداً سلّمها إلى الجميع أو وكيلهم أو وصيهم و لو سلمها لواحد ضمن حصة الباقين و لو كان الحاضر أحدهم و أراد حصته لم يجز للودعي القسمة بل لا بد من الرجوع إلى الحاكم في القسمة و دفع حقه إليه و لو امتنع الودعي من الرجوع إلى الحاكم ضمن حصة المطالب و لا يلزم الودعي مئونة الرد بل عليه الإعلام فوراً و التخلية و الدفع.

سابعها: لو مات الودعي

فإن علمت الوديعة فلا كلام و إن لم تعلم بعينها فإن علمت أنها في جملة أعيان التركة الموجودة كان المودع شريكاً للوارث في القدر المعلوم أو ما قامت عليه البينة و إن لم يعلم وجودها في أعيان التركة فإن علم تفريط الودعي فيها بترك الوصية أو شبهها كانت ديناً في ذمته و حكمها كحكم سائر ديون الميت و إن لم يعلم التفريط بها فالأظهر عدم لزوم إحراجها من التركة لأصالة عدم كونها في جملة أعيان التركة كي يحكم بشركة المودع للوارث و أصالة عدم التعدي و التفريط عليها و بها كي يحكم بضمان الودعي فتعامل معاملة الدين و أصالة بقائها في الوجود الخارجي أو تحت يد المودع أو في بيته لا يقضي بكونها في جملة أمواله إلا إذا علم

22

كونها في جملة أمواله قبل الموت أو قبله و يعده و نسب للمشهور أن الميت إذا اعترف بالوديعة و جهلت عينها فإنها تخرج من أصل تركته و لو كانت له غرماء و ضاقت التركة حاصرهم المودع لأن اعترافه بالوديعة زمن حيويته أوجب ثبوت يده عليها و التزامه بها إلى أن يردها إلى مالكها فإذا لم تعلم كان ضامناً لعموم على اليد و لأنه بترك تعينها ضامن لها لتفريطه بها و لأصالة بقائها في يده إلى الموت و بعده تكون في جملة التركة فإذا تعذر الوصول إلى عينها وجب البدل فتكون بمنزلة الدين فيحاجوا صاحبها الغرماء و في هذا الكلام ضعف يظهر مما تقدمه و قد تقدم نظير ذلك غير مرة.

ثامنها: لو أنكر الوديعة ثمّ أقر بها ابتداءً

أو قامت عليه البينة فصدقها ثمّ ادعى بعد الإقرار و التصديق تلفها مطلقاً أو تلفها بعد الإنكار ضمن و إن ادعى تلفها قبل الإنكار فقيل لا تسمع دعواه و لا تقبل بينته لتكذيبه إياها و لا يتوجه بها عليه يمين و لا على المدعي و قيل تسمع دعواه و يقبل يمينه لاحتمال استناد الإنكار لسهو أو نسيان أو غفلة أو نحو ذلك و قيل أنه لا تسمع دعواه و لا تقبل بينته و لا يتوجه عليه يمين و لكن يتوجه بها يمين على المودع لو طلب إحلافه على نفي العلم و قيل إنه أظهر لإنكاره تأويلًا ممكناً كأن يقول أردت ليس عندي وديعة يلزمني ردها أو ضمنها و نحو ذلك سمعت دعواه و بينته و إلا فلا تسمع و قيل إن كان الإنكار لأصل الإيداع لم تقبل دعواه و لا بينته و إن كان الإنكار لشغل ذمته أو لعدم وجود الوديعة الآن عنده أو لعدم لزوم شيء عليه أو نحو ذلك سمعت دعواه و قبلت بينته بل قيل إن هذا ليس من محل الخلاف في المسألة و الأظهر القبول و السماع إن أظهر تأويلًا ممكناً لعدم ثبوت التعدي عليه الموجب للضمان و لأن تكذيب بيّنة إنما يثبت بالمحقق لا بالموهوم.

تاسعها: إذا كانت عنده وديعة فادعاها اثنان

فإما أن يقر الودعي بكونها لأحدهما خاصة أو يقر بكونها لهما أو يكذبهما أو لا يدري لمن هي منهما مع علمه بأنها لأحدهما أو لا يدري بأنها لهما أو لغيرهما فإن أقر بها لأحدهما وجب عليه تسليمها إليه و لزمه الحلف للآخر فإن حلف سقطت دعوى الآخر عنه و للآخر تحليف المقر له على عدم كونها له فإن حلف استقر ملكه عليها و إن نكل أو رد اليمين فحلف

23

الآخر عادت إليه و إن نكل الودعي عن اليمين لمن لم يقر له و قضينا بالنكول أوردت اليمين على من لم يقر له فحلف على إنها له غَرم الودعي المثل و القيمة لحيلولته بينها و بينه بإقراره لصاحبه و لا يتفاوت الحال بين كون اليمين المردودة بمنزلة إقرار المنكر أو بمنزلة بينة المدعي لأنها لو كانت بمنزلة البينة فهي بمنزلتها في حق المتداعيين لا مطلقاً فلا تنتزع الوديعة من المقر له حينئذ على كل حال فإن أقر بها لهما فقد كذب دعوى كل منهما الجميع و صدقه في البعض و حينئذ فتقسم بينهما و يبقى النزاع بينهما بالنصف فإن حلفا معاً أو نكلا قسم بينهما أيضاً و إن حلف أحدهما خاصة قضى له بها و لا خصومة للناكل مع الودعي و لكل منهما الدعوى مع الودعي في النصف الآخر فإن حلف سلم من الغرم و إن رد اليمين أو نكل غرم للحالف النصف كما تقدم في الكل و إن كذبهما معا كان لهما إحلافه فإن نكل عن اليمين ردت إليهما و صارا في الدعوى سواء لخروج يد كل منهما فإن حلفا أو نكلا قسمت بينهما نصفين و إن اختص أحدهما باليمين اختص هو بالوديعة و إن قال لا أدري لأيكما فإن وافقاه على عدم التعيين فلا خصومة و إلا كان لهما عليه اليمين على نفي العلم بأنه لأحدهما خاصة و هل عليه يمين واحدة لأنها دعوى واحدة فيكتفي فيها بيمين واحدة أو عليه يمينان لكل واحد منهما يمين لعموم البينة على المدعي و اليمين على من أنكر وجهان و الأقوى الأخير فإذا حلف سقطت الدعوى عنه و إن نكل و حلفا على علمه اغرم القيمة و جعلت مع العين في أيديهما لمكان الحيلولة و تراضيا على ما أخذاه و اصطلحا عليه و متى وقعت المنازعة بينهما بعد يمينه قيل إنه يقرع بينهما فمن خرجت له القرعة حلف و سلمت إليه الوديعة و قيل أن الأمر يقف إلى أن يصطلحا أو تقوم بينة أنها لأحدهما و قيل تقسم بينهما نصفين بعد تحالفهما و هو الأظهر للزوم الضرر في الإيقاف و على كل حال فالأظهر انتزاع الوديعة من يده لانحصار الحق فيهما و مطالبتهما بها مع احتمال الرجوع للحاكم و احتمال إبقائها في يده ضعيف و إن قال لا أدري لكما أم لغيركما كان لهما عليه اليمين على نفي العلم بأنها لهما أو نفي العلم لكل واحد منهما فإذا حلف بقيت في يده لأنها وديعة عنده إلى أن تقوم البينة و ليس لأحدهما تحليف الآخر لأنه لم يثبت لواحد منهما فيها يد استحقاق و لو نكل عن اليمين ففي تسليمها إليهما مع حلفهما على الاستحقاق

24

و غرامته لهما القيمة لو حلفا على علمه لانحصار الحق فيهما ظاهراً و لا منازع لهما الآن أو إبقاؤها في يده لعدم حصر ذي اليد الحق فيهما إشكال و لا يبعد الأول.