أنوار الفقاهة (كتاب الوقف)

- الشيخ حسن كاشف الغطاء المزيد...
76 /
1

[في معنى الوقف]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

كتاب الوقف

و هو في اللغة الحبس من الوقوف عند الشيء و نقل شرعا بناءً على ثبوت الحقيقة الشرعية كما هو الاقوى لحبس خاص بعلاقة الاطلاق و التقييد أو الجزء و الكل و احتمال الوضع الابتدائي بعيد جدا لحبس المال عن التصرف فيه أو لحبس صاحبه عن التصرف في المال أو للعقد الدال على ذلك، و الاول اقرب للاستعمال، و الثاني اقرب لظاهر كلام الفقهاء لكثرة اطلاقهم اسماء العقود على نفس العقد و يحتمل كونه حقيقة في الأول و الثاني معاً و يحتمل كونه مجازا شرعيا في الثاني و ان صار في لسان الفقهاء حقيقة و لا يبعد ان وضعه للصحيح احراما لحكم اسماء العبادات عليه لانه منها و هو مشروع بالنص و الاجماع و يشمله عموم الكتاب و السنة و قد جرت عليه الشرائع السالفة و الامم السابقة في بنى المساجد و البيع و الكنائس و إن لم يسم عندهم باسم الوقف و هو من اقسام الصدقات الملحوظ فيها القربات كما يظهر من الفتاوى و الروايات و من مقوماته الدوام على ممر الليالي و الايام و من ذاتياته كونه من الاعيان القابلة للانتفاع بها مع بقائها و جميع ما ذكره الفقهاء من حدوده ليست حدوداً تامة بحيث تكون مطردة منعكسة و انما هي رسوم و تعريف ببعض الخواص كما عرفه الشهيد (رحمه الله) بانه الصدقة الجارية تبعا لما ورد في الحديث من اطلاقها عليه و هو صادق على الوصية بالصدقة على الدوام و على نذرها كذلك و على وقوعها على نحو لم تستكمل شرائط الوقف و كما عرفه غيره بانه عقد ثمرته تحبيس الأصل و اطلاق المنفعة أو نفس تحبيس الأصل و اطلاق المنفعة و قد يبدل الاطلاق بلفظ التسبيل و المراد فيهما واحد تبعا للحديث الوارد في الوقف حبس الأصل و سبل ثمره و المراد بتحبيس الأصل منعه عن التصرف فيه باحد النواقل الناقلة له عن الجهة المحبوس عليها و المراد بتسبيل الثمرة اباحتها للجهة الموقوف عليها على أن يتصرف فيها باي انواع التصرف شاء و هو غير مانع لصدقه على السكنى مقصورة و اخويها و ان قيد بالدوام و قلنا بظهور وصف

2

الدوام منه كان غير جامع لخروج منقطع الآخر عنه و يدخل فيه أيضا نذر الشيء على ذلك الحال أو الوصية به بل يرد عليه كل مال قد منع المالك من التصرف بعينه و اجاز التصرف بمنافعه ابتداءً أو بشرط في عقد لازم و على كل حال فالامر في الحدود سهل

و هنا أمور:

أحدها: الوقف فيه امران توقيفيان لا يجوز التعدي فيهما على غير المقطوع به

من النص أو الاجماع و هما كونه من العبادات الخاصة المشروط فيه القربة و كونه من العقود اللازمة و حينئذٍ فيجري عليه ما يجري على اسماء العبادات الموضوعة للصحيح عند الشك في اجزائه و شرائطه و موانعه لإجمال معناه و عدم بيانه على وجه الحقيقة و يجري عليه ما يجري على العقود اللازمة من الشرائط المعتبرة في صيغته و في المتعاقدين و في غيرهما مما يشترط فيها فلا يقال إن الوقف من العبادات المبينة و ان اسمه ليس من الاسماء المجملة بل هو من المطلقات يتمسك باطلاقه عند الشك في صحة فرد منه أو فساده لأن المشكوك في اطلاقه و اجماله مجمل و المشكوك بانه من العبادات الخاصة أو غيرها نجعله منها لرجوع الشك للجزئية الراجع إلى الشك في الماهية و لا يقال إنه ليس من العبادات لفساده كما يأتي إن شاء الله تعالى و لا يقال انه ليس من العقود بل هو من قبيل الايقاعات الدالة على نقل الملك عن المالك و جعله لله تعالى فهو اشبه شيء بالتحرير فلا يفتقر إلى قبول و لا إلى ايجاب خاص لان المشكوك في كونه عقدا أو ايقاعا فالاصل كونه عقدا لرجوع الشك إلى نفس الماهية و الأصل عدم تحققها و في عد الأصحاب الوقف من العقود ما يؤذن بكونه عقدا و لأصالة بقاء الملك على ملك مالكه إلا بما يقطع بخروجه و للإجماع المنقول على لزوم القبول مطلقا و الاستدلال على عدم افتقاره للقبول بالاصل و بخلو الأخبار الواردة عنهم (عليهم السلام) عن ذكر القبول مع كثرتها عموما و خصوصا في العام و الخاص ضعيف لانقطاع الأصل بما ذكرنا و لان الأخبار مسوقة مساق الطوامير و الحجج في اثبات الوقوف الصادرة عن الأئمة (عليهم السلام) لا مساق بيان الوقف و مشروعيته و صيغه أو إنشاء الوقف فيها أو نحو ذلك كي يتمسك بعدم ذكر القبول فيها و عدم ذكر صيغة خاصة للايجاب على نفي اشتراط القبول و اشتراط

3

الصيغة الخاصة و دعوى كون الوقف كالاباحة فيكفي فيه الايجاب مصادرة على المطلوب و ممنوع أيضا في الوقف الخاص لكونه نقلا للملك و لا يدخل الملك للمالك في الاسباب الاختيارية من دون رضاه فيبطل بما ذكرنا قول من ادعى استغناء الوقف عن ذكر القبول مطلقا و قوله من ادعى استغناءه في الوقف العام فقط لانه كالتحرير دون الخاص لانه كالتمليك و لا يملك الشخص مال غيره قهرا في غير ما جعله الشارع سببا و كونه من تلك الاسباب ممنوع و هو في الوقف الخاص حسن و في العام ضعيف و على اشتراط القبول فلا يشترط سوى قبول البطن الأول قطعا للانفاق و السيرة القطعية على ذلك سواء قلنا إن البطن اللاحق يتلقى من الواقف أو من الموقوف عليه فمناقشة بعض المتأخرين في الحكم المذكور ليس في محلها جدا و يتولى القبول في الوقف العام الناظر الشرعي كالحاكم و أمينه لأنه ولي الحقوق العامة و ولي أهليها في القبض عنهم و الدفع اليهم في الزكوات و الاخماس و النذور العامة فإن لم يوجد الحاكم تولى ذلك أحد عدول المسلمين عنهم لمكان الضرورة و على ما اخترناه فلا بد في الوقف من صيغة لفظية صادرة من المالك نفسه و لا يجري فيه الفضولي لمنافاة القرية له لأنها إن صدرت من العاقد فلا معنى لتقربه بمال شخص آخر سيما لو كان غاصباً و إن صدرت من المالك حين الاجازة أشكل الحال فيه من جهة عدم المقارنة بين الصيغة و بينها فيحصل الشك في حصول سببية الوقف للشك في كفاية القربة المتاخرة و إن صدرت من المالك حين العقد لو فرضنا ذلك اتجه لها وجه صحته تنزيلا لها منزلة الوكالة في الوقف لبعد اشتراط كون الصيغة و القربة من فاعل واحد بل هو اولى بالصحة من وقف الوكيل لتولي القربة هنا من المالك بنفسه و لا ينافيه تولي العقد غيره لان شأن العقد ذلك بخلاف ما لو تولى القربة غير المالك فإنه إن تقرب بنفسه فلا معنى له و إن تقرب عن المالك احتاج تعقل ذلك و صحته إلى نظر و تأمل و لكن ظاهر الأصحاب و السيرة عدم منع التوكيل فيما شرط صحته القربة حال الدفع في خمس أو زكاة أو صدقة أو وقف و إن حكمه حكم النيابة في العبادات البدنية و ان كان بينهما فرق من جهة.

4

ثانيها: لا يكفي في الوقف الفعل في ايجاب أو قبول أو خاص أو عام أو معاطاة

كان الفعل أو غيرها إلا فيما كان فعله بمنزلة قوله كالاخرس و جواز المعاطاة في عقود المعاوضات لا يستلزم جوازها هاهنا لأن الوقف من العقود المجانية أو من اقسام العبادات التوقيفية المفتقرة إلى الأخذ بالمقطوع به فما يوضع اليوم في المساجد أو الحضرات من فرش و اسباب و أسلحة أو بناء و ما يبني من الخانات و الرباطات و المدارس من دون التلفظ بصيغة الوقف ليس وقفا لعدم الايجاب القولي فيها و عدم القبول فيها مطلقا و احتمال كفاية الايجاب الفعلي فيها و كفاية القبول الفعلي فيها أيضا و لو من غير الحاكم فيكفي صلاة واحدة من المسلمين أو عبور واحد منهم على القنطرة أو دخول واحد منهم إلى الخان بعيد لا وجه له و مخالف للضوابط و ارتكابه ليس باولى من ارتكاب ما نفذ من المالك إلى جهة عامة و تحقق منه الاعراض عنه لها انصرف إليها و خرج عن ملكه بحكم الشارع لدلالة السيرة القطعية عليه و لاستمرار عمل المسلمين على ذلك و عدم اجراء حكم الاملاك على ذلك م مواريث و نحوها و على كل حال فارتكاب انه وقف ارتكاب امر بعيد و اكتفى بعض المحققين بالقبول الفعلي في الوقف العام دون الايجاب بناء على اشتراط القبول و بعضهم اكتفى بالقول الفعلي حتى في الوقف الخاص و كلاهما مخالف للقواعد و الاحتياط و العاجز عن النطق تكفيه الاشارة و ان تمكن من التوكيل و الاحوط التوكيل و العاجز عن الاشارة تكفيه الكتابة مع عدم التمكن من التوكيل و مع التمكن فالاحوط عدمه و لا بد من صدور الصيغة على وجه محلل فلو صدرت بلسان مغصوب أو على نحو محرم كغناء و نحوه فسد الوقف و لو صدرت في مكان مغصوب ففي الصحة و الفساد وجهان و يشترط كون الصيغة بلفظ عربي لعربي أو اعجمي و الاكتفاء بالعجمي مطلقا لا يخلو من وجه و مع عدم امكان العربي فلا باس بالعجمي و إن أمكن التوكيل و الأحوط الاقتصار على الجواز مع عدم الامكان و لو اختص العجز أو الفارسية أو عدم القدرة على النطق بجانب دون آخر جرى على كل منها حكمه و يشترط في الصيغة العربية في البنية اقتصاراً على مورد اليقين إلا مع العجز فجوازه غير بعيد و لا يبعد اشتراط عدم اللحن في الاعراب

5

للاحتياط إلا ان عدم اشتراطه اقوى و يشترط في الايجاب و القبول الترتيب و عدم الفصل المخل بينهما عرفا و يشترط فعليتهما مع قصد الانشاء فلا تكفي الجملة الاسمية و ان كانت اقوى في الانشاء و اجزاؤها في الرهن للدليل أو الشبهة بالعقود الجائزة و يشترط فيهما الماضوية فلا يجزي الامر و المستقبل و اجزاههما في النكاح و المزارعة لو قلنا به فللدليل و يشترط في الصيغة الصراحة بحيث يدخل الوقف في مدلولها أو تدخل في مدلوله و الصريح هو الموضوع له مطابقة كوقفت أو أوقفت في لغة شاذة في الايجاب أو قبلت و رضيت في القبول أو الموضوع للأعم القريب من الخاص المستعمل فيه مع القرينة على ارادته منه كتصدقت و سبلت و حبست في الايجاب و امضيت و اخذت في القبول أو الموضوع على جهة الاشتراك اللفظي مع القرينة أو الموضوع للأخص إذا كان استعماله فيه استعمالا شائعا و كذا الموضوع لمعنى آخر يقارب معناه و كان استعمال فيه غير بعيد كحرمت و ملكت و أبدت مع نصب القرينة على ارادة ذلك منه و هل يشترط التلفظ في القرائن أو تكفي قرائن الاحوال وجهان و الاقرب الأول و لا يجوز بالالفاظ البعيدة عن الاستعمال و ان اقترنت بالقرائن الدالة على المقصود للشك في حصول النقل بها و لإعراض الأصحاب عن الحكم بجوازها و بالجملة فلفظ وقفت لا يفتقر عقد الوقف معه إلى قرينة بل يحكم على من صدرت منه بالوقف الا إذا لم يقصد معناها و غيرها من الالفاظ المقاربة لها التي لا تنكر استعمالها فيها و في كلام الأصحاب يفتقر الحكم بالوقف معها إلى قرينة مصرحة بذلك و مع عدمها يحتمل الحكم عليه باطنا بالوقف لو نواه و إن لم يحكم عليه ظاهراً و يحتمل عدم الحكم عليه ظاهرا أو باطنا للشك في سببيته مثل ذلك عند تجرده عن القرينة و أما الالفاظ البعيدة كوهبت و أجرت و بعت و اتهبت و استأجرت و اشتريت و شريت في ايجاب أو قبول فلا يحكم عليه بالوقف لا مع القرينة و لا بدونها و للاصحاب هنا كلام مختلف فمنهم من جعل الصريح وقفت فقط و نقل عليه الاجماع و جعل غيره موقوفا على القرينة و نقل الاجماع على توقف، حرّمت، و ابّدت، و تصدقت على القرينة و منهم من جعل حبست و سبلت و احبست كوقفت لا يفتقر إلى قرينة لاستعمالهما في العرف مجردين و لورودهما في

6

الأخبار كذلك و منهم من جعلهما مفتقرين إلى قرينة لأن الاستعمال أعم من الحقيقة و المجاز و لا يبعد ان اجتماعهما في مورد واحد صريح في الوقف ثمّ منهم من يظهر منه ان القرينة المصححة لا بد فيها من لفظ كما يقول صدقة مؤبدة أو حبستها تحبيسا لا بيع بعده و لا هبة و لا نقل و لا انتقال و منهم من يظهر منه الاطلاق في القرينة و منهم من يظهر منه ان وقفت و حبست و سبلت و تصدقت كافية في صيغة الوقف من دون انضمام قرينة و منهم من يظهر منه ان تصدقت ان تعلقت بجهة عامة كانت من الصريح و إلا فمن غير الصريح و منهم من يظهر منه ان تصدقت و حرمت صيغة واحدة فلا تغني الثانية عن الاولى و تغني الاولى عن القرينة و منهم من يظهر منه ان غير الصريح يجزي في الوقف باطنا و يدان الواقف بنيته و يصدق قوله فيه لانه ابصر بنيته و هو امر لا يعلم إلا من قبله و يظهر من آخرين إن انضمام القرينة شرط في الصحة و الاجزاء لأصالة عدم نفوذ المشكوك في تاثيره و صحته و العقود اللازمة و العبادات توقيفية و يظهر من بعضهم الركون إلى الاقتصار على لفظ وقفت و تصدقت لاستعمالها في الأخبار دون غيره و لا سيما لفظ الصدقة و يظهر من الوالد تجويز الجملة الاسمية و جعل الاولى كونها وقفا دون هذا موقوف و الاقوى في النظر ما تقدم ذكره.

ثالثها: يشترط في الصيغة قصد لفظها بعينه

فلو اتى بصيغ متعددة و قصد التأثير باحدها لا بعينه فالاظهر الفساد و لو قصد التأثير بالجميع صح في الأول و لغا الباقي و لو قصد التأثير بالمجموع ففي الصحة اشكال و لو صدر منه لفظ من غير قصد لغلط أو ذهول أو دهشة لم يكن له تاثير و لو قصد لفظا فغلط بغيره و إن كان مراد فاله فالاقوى البطلان و لو كرر اللفظ غير قاصد بواحد بعينه كما يفعله الوسواسية كان بحكم غير القاصد على الاظهر و يشترط مقارنتهما لقصد الانشاء فلو قصد الأخبار بطل و كذا لو ردد بين الأخبار و الانشاء و يشترط قصد معناها المطلوب من وقف أو حبس أو غيرهما و لا يفتقر إلى معرفة التفصيل فلو لم يقصد ذلك أو ردد في قصده بطل و يشترط قصد التأثير بها بما يريده من الاثر فلو لم يقصد التأثير أو ردد في قصده بطل و يشترط استمرار هذه القصود إلى تمام العقد في كل من الايجاب و القبول فلو علم الموجب خلو

7

القابل عن احدها أو العكس بطل و يكفي في الحكم بوجودها التمسك باصالة الصحة و يشترط صدور هذه القصود عن اختيار من دون تقية أو خوف و ان لم تبلغ حد الالجاء المزيل للقصد بالكلية و يشترط وجود كل من الموجب و القابل ساعة العقد في مجلس الآخر فلو اوجب و القابل غير حاضر فحضر بعد الايجاب بلا فصل فقبل بطل و يشترط سماع كل منهما لما يصدر من الآخر فلا يكفي مجرد العلم بوقوعه على الاوجه و لو لم يكن أحدهما السماع كفى افهامه و اعلامه بوقوع الصيغة باي نحو كان و قد يشترط قصد الاسماع و الافهام من كل منهما لكل منهما و لا باس به و يشترط تعين كل من الموجب و القابل عند الآخر بالاسم و الاشارة فلو قصد أحدهما أو قصد مبهما أو ردد في قصده بطل و يشترط تعيين المنوه عنه لو صدرت الصيغة من ولي أو وكيل فلو قصد واحداً لا بعينه من المولى عليهم أو الموكلين أو ردد بطل و يشترط الجزم بوقوع الاثر في وجه قوي فلو عقدا مع الشك في حصول الشرائط حين العقد و لكنهما وطنا انفسهما على حصولهما فبان حصولها بطل العقد هذا في عقد الوقف لمكان القربة و الاقوى في غيره عدم الاشتراط و يشترط في المتعاقدين البلوغ و العقل و الرشد و الاختيار مستمرة من ابتداء الإيجاب إلى انتهاء القبول لكل منهما حتى لو عقد البالغ على غير البالغ فبلغ عند قبوله بطل على الاظهر و مع الشك في عروض الجنون يبني على عدمه و في عروض البلوغ يبني على عدمه فلو صدر عقد ممن تلبس بوصف مبطل له فشك في زواله حين العقد يبني على فساد العقد وز لا يجزي أصل الصحة هذا إذا حصل الشك عند التلبس بالعقد و لو حصل بعد الدخول في عمل آخر احتمل البناء على الصحة لعموم قوله (عليه السلام): (إذا شككت في شيء و قد دخلت في غيره فشكك ليس بشيء). و لو صدر منه حال عقل و جنون و لم يعلم السابق و اللاحق و صدر منه عقد أيضا و لم يعلم وقته بنى على اصالة الصحة و علم زمان الجنون و لم يعلم زمان العقد حكم بفساده على الاظهر و ان كان العكس حكم بصحة و لو علم وقوعهما و شك في السابق و اللاحق قام احتمال الصحة و الفساد و احتمال الصحة قوي و كذلك لو علمنا وقوع العقد و البلوغ و شككنا في السابق ففيه الوجهان و احتمال الصحة هو الاقوى

8

سيما إذا وقع بعد الفراغ و الدخول في عمل آخر لعموم إذا شككت في شيء و قد دخلت في غيره و قد يناقش في الحكم بالصحة فان اصالة الصحة لا تحكم على وجود الشرط المشكوك في وجوده لأصالة عدمه و لعدم قيام دليل يقوي أصل الصحة على اصالة عدم احراز الشرط نعم يحكم على عدم وجود المفسد و عدم طرو المانع من جنون أو سفه أو إكراه و يناقش في الرواية بظهورها في أجزاء العبادة الواردة في سياقها كما الفتوى و الاعتبار فلا يجوز التعدي عن الظاهر و إن كان خصوص المورد لا يخصص الوارد.

رابعها: يشترط في صحة الوقف القربة

بمعنى إيقاع الفعل لوجهه تعالى و لا حاجة إلى نية الوجه كالندب و يشترط اقترانها بابتداء الصيغة و استمرار حكمها إلى آخر الإيجاب و الأحوط إلى آخر القبول و يتولاها المباشر للصيغة و لا يبعد جواز توليها من الأصيل و جواز تولي الصيغة الوكيل فيشكل حالها في الفضولي و سيما لو كان غاصباً إلى أن يكتفي بالنية الصورية الحاصلة منه أو بالنية المقارنة للإجازة و كلاهما جوازه محل نظر و تأمل و الدليل على اشتراطها ظواهر الأخبار و المشعرة بأن الوقف لله تعالى و أنه يراد به وجهه و في جملة من اخبار الأئمة (عليهم السلام) تعليل الوقف بذلك و لو ان الوقف كسائر العقود و الافعال الصادرة عنهم (عليهم السلام) لما صلح التعليل في خصوص الوقف دون غيره لان افعالهم كلها راجحة و كلها تصدر عنهم عن محض التقرب فان قلت فاذا كانت القربة امرا قلبيا فما الحاجة إلى ذكرها في اللفظ في تلك الأخبار قلنا فائدتها بيان تاكيد الصحة تحرزا عن شبهة الوقف الفاسد كما يقولون وقفا مؤبدا لا يباع و لا يوهب و نحو ذلك و يدل على اشتراط القربة أيضا قوله (عليه السلام) في الصحيح و في الموثق: (لا صدقة و لا عتق أما اما اريد به وجه الله تعالى و ظاهر النفي نفي الصحة لأنه الاقرب إلى نفي الذات مع احتمال ارادة نفي الذات كما ان الظاهر بل المقطوع به شمول لفظ الصدقة في لسان الشارع للوقف على سبيل الحقيقة لاستعمالها في وقوف الأئمة (عليهم السلام) على الاطلاق من دون نصب قرينة و ما تضمنته من لفظ التاييد و شبهه ظاهر في كونه من القرائن المعينة لأحد فردي القدر المشترك لا صارفة عن المعنى

9

الحقيقي و لئن سلم كون لفظ الصدقة فيه مجاز في الوقف لكان اطلاقها عليه من الاستعارة و التشبيه القاضيين بسريان حكم المستعار للمستعار له و يدل عليه أيضا ان ما يشك في كونه عبادة بالمعنى الأخص ام لا فالاصل يقضي بانه عبادة بالمعنى الاخص لرجوع الشك فيه إلى الجزئية الراجع إلى الشك في تحقق الماهية لان القربة جزء من العبادة بالمعنى الاخص و دعوى ان الوقف معلوم المعنى و انه من العقود فالمشكوك في شرطيته ينفي بالاصل لاحراز صدق اسمه و احراز كونه عقدا فيشمله عموم (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) و الأصل عدم اشتراط شيء آخر يدعيه الخصم مردودة بمنع كون الوقف معلوم المعنى بل هو مصادرة محضة و منع كونه عقدا فلعله من الموضوعات الشرعية التي من جملة اجزائها العقد و ليست نفس العقد على أن عموم (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) (و المؤمنون عند شروطهم) يراد به العقود و الشروط المعهودة و كون الوقف الخالي عن القربة منها أول البحث و لا يمكن ابقاء عمومها على حقيقته بعد أن علمنا الداخل مستهلك في جنب الخارج ان فقهاءنا قد اعرضوا عن عمومها فلا بد من حملها على العهد أو رميها بالاجمال فيسقط بها في غير المعهود الاستدلال و يدل أيضا على اشتراط القربة الاجماع المنقول على لسان الفحول المؤيد بفتوى الاعاظم و بالاحتياط و بما ذكرنا يتجه الرد على من نفى اشتراط القربة مستنداً للاصل و لإطلاق ادلة الوقف و عموم (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) فالمشكوك في شرطيته منفي بالاطلاق و يظهر ضعفه مما ذكرنا.

خامسها: يشترط في صيغة الوقف الدوام

بمعنى أن لا يؤقت إلى وقت معلوم أو مجهول و ينقطع عليها أما لو وقف على اشخاص سنة أو اكثر ثمّ من بعده على المساكين احتملت صحته و نقل الاجماع على جواز مثله في التذكرة و هو محل نظر و تأمل و لا باس بتحديده إلى يوم القيامة أو النفخ بالصور أو إلى أن يرث الله تعالى الأرض و من عليها لأنه من الدائم و لا يشترط ذكر لفظ التأبيد أو الدوام و شبهها بل يكفي عدم ذكر التحديد كما يظهر من اطلاقاتهم و هل يجوز اقترانه بمدة يعلم زيادتها على بقاء الماء الموقوف أو لا يجوز و الاظهر عدم الجواز لظاهر الادلة و كما يشترط الدوام بنفس الصيغة يشترط الدوام بنفس الموقوف عليه بمعنى كونه مما يدوم و لا ينقرض غالبا سواء

10

كان لا ينقرض بمرتبة واحدة أو بمراتب متعددة لا تنقرض جميعها أو لا ينقرض اخيرها أو لا ينقرض اولها أو وسطها و كما يشترط الدوام في الموقوف عليه يشترط الدوام في الموقوف عليه يشترط الدوام في الموقوف عليه يشترط الدوام بنفس الموقوف بمعنى أن لا يكون مبنى الانتفاع به على اضمحلال له كالدهن و الشمع و المأكول و المشروب أو كان الوقف فيها على تلك الجهة

فهنا أحكام ثلاثة:

الأول منها: عدم جواز تحديد الوقف بنفس العقد

و يدل عليه الاجماع المنقول و ظواهر الأخبار الواردة في وقوف الائمة (عليهم السلام) الظاهرة في نفي التحديد بل المقيدة لها بالدوام و التأبيد و فتوى المشهور بل كاد أن يكون اجماعا و تقضي له القواعد المتقدمة و الاصول السابقة القاضية باصل عدم حصول اثر الوقف بغير المقطوع به من النصوص و الفتاوى و قد بينا أن الاستناد لإدخال الفرد المشكوك في صحته في الصحيح إلى عمومات ادلة العقود و الشروط و اطلاقات ادلة الوقف من دون جابر من شهرة أو اجماع منقول أو نحوهما مما لا يرتضيه الفقيه و قد يدعي ان الدوام مفهوم من لفظ الوقف عرفا و شرعا فلا يقع غير المؤبد وقفا نعم قد لا ينافي التاييد الوقف على أولاده سنة ثمّ على غيرهم كذلك ثمّ على المساكين و نقل الاجماع على صحة مثل ذلك و هو محل منع لمنافاته ظواهر الادلة و قياسه على الوقف الدائر مدار الوصف أو الشرط المنتقل بانتقالهما قياس مع الفارق و هنا كلام يخر و هو انه لو قرن عقد الوقف باجل معين فهل يقع وقفا باطلا أو حبسا و تحقيق ذلك ان المذكور في العقد اما لفظ وقفت أو لفظ حبست و شبهها و على كلا التقديرين فاما أن يقصد بهما الوقف أو يقصد الحبس أو لا يقصد شيئاً فإن قصد الحبس فالظاهر انه لا كلام في وقوعه حبسا أما بلفظ الحبس فلو صنعه له و أما بلفظ الوقف فلصحة استعماله في الحبس استعمالا شائعا في الأخبار و في العرف العام و ان اطلق و لم يقصد شيئا فالظاهر انه كذلك أيضا في كل من الصيغتين لانصراف اللفظ إلى المصحح مهما أمكن و لأن الوقف و الحبس متقاربان في المعنى فاذا قرن الوقف بالمدة صار حبسا كما إذا قرن الحبس بالدوام فإنه يكون وقفا و نسب الحكم بذلك إلى المشهور من اصحابنا بل و إلى اجماع المتاخرين نقلا بناءً على

11

تحققهما في المسألة الآتية و اتحاد المسألتين في الحكم من حيث اشتراكهما في عدم التاييد المشترط في الصحة و فيه نظر نعم يمكن الاستناد في ذلك إلى الخبران كل وقف إلى وقت معلوم فهو واجب على الورثة و كل وقف إلى وقت مجهول فهو باطل مردود على الورثة و إلى آخر عن الوقف الذي يصح هو ثمّ روى الرواية الاولى ثمّ قال: (قال قوم ان المؤقت هو الذي يذكر فيه انه وقف على فلان و عقبه فان انقرضوا فهو للفقراء و المساكين إلى أن يرث الله تعالى الأرض و من عليها قال و قال آخرون هذا مؤقت إذا ذكر انه لفلان و عقبه ما بقوا و لم يذكر في آخره للفقراء و المساكين إلى أن يرث الله تعالى الأرض و من عليها و الذي غير مؤقت أن يقول هذا وقف و لم يذكر أحداً فما الذي يصح من ذلك و ما الذي يبطل) فوقع (عليه السلام) الوقوف بحسب ما يوقفها اهلها حيث انه صحح الوقف المؤقت في الاولى و هو ظاهر في المحدود بغاية زمانية أو المراد به ما ذكره في الرواية الاخيرة و هو أن يذكر أنه لفلان و عقبه ما بقوا و لم يذكر في آخره للفقراء و المساكين إلى أن يرث الله تعالى الأرض و من عليها و على كلا التقديرين فهو شاهد على جواز المحدود تصريحا في الاولى و تلويحاً في الثانية لاشتراكهما في علة المنع و لا شك ان المراد بجوازه وقوعه حبسا لا وقفا لندور القائل بالوقف جدا هنا بل لم نعثر على قائل به و كون رجوعه ارثا قرينة على ذلك أيضا و أما ابطال غير المؤقت فلا شك فيه على ما فسرته الرواية الثانية و على ما هو الظاهر منه لا باس بالتزامه في الحبس لأن حكمه حكم الاجارة مفتقر إلى بيان المدة و بالجملة فالموقت قد صرحت الرواية بصحته و المعنى الحقيقي له هو المغيا بزمان خاص فلا ينافيه المعنيان الآخران اللذان قد صرحت الرواية بصحتهما سواء كان استعماله فيها على وجه الحقيقة او المجاز مع ان المعنى الأول فيه دلالة على تصحيح المؤقت الحقيقي على ما قدمنا وجهه و إن قصد نفس الوقف المشروع وقفا و المترتب عليه ثمراته فالاقوى البطلان مطلقا لتبعية العقود للقصود و قصد الوقف ينافيه التأجيل فيعود عليه بالنقص فيبطله.

الثاني: عدم جواز كون الموقوف عليه غير مبني على الدوام

فلو وقف على من ينقرض غالبا بطل الوقف للاصل المتقدم و لأخبار وقوف الائمة (عليهم السلام) المشعرة بشرطية

12

ذلك و للمفهوم من لفظ الوقف شرعاً و عرفاً و المعهود وقوعه كذلك بالنسبة إلى وقوف السالفين و لاشتراطهم الدوام في الوقف عدا النادر منهم و هو مشعر بذلك و الاستناد إلى عموم ادلة العقود و الشروط تبين ضعفها كالاستناد إلى عموم الوقوف على حسب ما يقفها اهلها فإن التمسك بعمومه موقوف على بيانية مفردة و انه ليس على حد غيره من المجملات و هو أول الكلام في المسألة و على ما ذكرنا فلو نوى الوقف المشروع كان وقفاً باطلًا لأن العقود تابعة للقصود فما قصده إذا لم يقع فلا يقع ما لم يقصده نعم لو قصد الحبس بلفظ الحبس أو بلفظ الوقف أو اطلق في نيته فيهما صح حبسا لقابلية الصادر منه لذلك من غير معارض فيحمل عليه و لان استعمال الوقف في الحبس غير منكور في الشرع و قد ورد استعماله كثيرا في الأخبار و كلام الأصحاب و قد صرحت الرواية الاخيرة بصحة ذلك تصريحا مرة و تلويحا أخرى على أن الحكم بكونه حبساً و هو المشهور نقلا بل تحصيلًا و نسب لعامة المتأخرين ايضاً و حينئذٍ فالاقوى عدم بطلانه و صحته حبسا و هو أحد الأقوال في المسألة و القول ببطلانه مطلقاً ضعيف و التعليل بانه يكون من الوقف على المجهول أضعف لأنه بعد الانقراض لا موقوف عليه نعم يتجه القول به فيما إذا كان القصد نفس الوقف المؤبد و هو الثاني من الاقوال فيها و القول الثالث هو صحته وقفاً و نسب لجملة من اصحابنا و يظهر منهم صحته وقفا مع قصد الوقف و مع الاطلاق و حينئذ فالوقف دائم منه و منه منقطع و يحتج لهم عليه بأنه نوع تمليك و صدقة فيتبع اختيار المالك في التخصيص و غيره و لأصالة الصحة و عموم الامر بالوفاء بالعقد و لان تمليك الاخير لو كان شرطا في تمليك الأول لزم تقدم المعلول على العلة و لأن الوقوف على ما يقفها أهلها و لعموم لزوم الوفاء بالعقد و لزوم القيام بالشرط و للتوقيع المتقدم الدال على صحة الوقف على من ينقرض مستدلا عليه بأن الوقوف على حسب ما يقفها أهلها و للخبر في وصية فاطمة (عليها السلام) بحوائطها السبعة إلى علي (عليه السلام) ثمّ الحسن (عليه السلام) ثمّ الحسين (عليه السلام) ثمّ الاكبر من ولدها و في الجميع نظر المنع جواز التوقيت في التمليك و الصدقة لان المعهود من مشروعيتهما بنائهما على الدوام فلا يتبع فيهما اختيار المالك و الحبس انما جاء الدليل بجواز التوقيت في التمليك به

13

و لولاه لما قلنا به و لمنع تمشية أصل الصحة فيما يقع الشك في اشتراط شيء فيه و عدمه في اجتماع شرائط الصحة و الأصل عدمها و لمنع شمول العمومات و شمول الوقوف على حسب ما يقفها أهلها للفرد المتنازع فيه لأن صدق لفظ الوقف على الفرد المتنازع فيه و كذلك اندراجه تحت لفظ العقد المعهود أول البحث و مجرد تسميته عقدا لا يكفي في اندراجه في عموم الادلة لأنها مجملة أو منصرفة للمعهود و لجواز كون تمليك الاخير شرطاً في تمليك الأول فيقع التمليكان معاً إن قلنا بملكية البطن الأخير حين العقد و إن قلنا كما هو الاظهر بامتناع تمليك المعدوم كان شرط تمليك الأول ذكر الاخير لبيان المصرف و بيان أنهم يملكون بعد وجودهم بحيث يكون الملك عن الواقف فيقعان دفعة و ليس فيه تقدم معلول على علته و لمنع كون ما وقع من فاطمة (صلوات الله عليها) وقفا بل هو وصية و لئن سلمنا كونه وقفا فما ذكرتهم فيه تريد به النظارة على الوقف لا انهم هم الموقوف عليهم و لئن سلمنا كونهم كذلك فهي عالمة ببقائهم إلى أن يرث الله تعالى الأرض و من عليها و لقوله (صلّى الله عليه و آله و سلّم): (حبلان متصلان لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض) فإنه ظاهر في بقائهما ما دام لله على الناس حجة و لا ينافيه ما قيل أن افتراقهما لازم من بعد الموت إلى البعث فعدم الافتراق كناية عن الاجتماع باعتبار بقاء النفوس الناطقة أو على ضرب من المجاز و معهما لا يفيد المطلوب لأن الرواية ظاهرة في المبالغة باتصالهما و طول زمان وجودهما و لزوم التمسك بهما و استمرارهما على الاعصار و هذا كاف في صحة الوقف و على ما ذكرنا من صحته و وقوعه حبساً فلا بد من اجراء أحكام الحبس عليه من الالتزام بفساده لو نوى مقامه الوقف لأن العقود تابعة للقصود و من بقاء المحبوس على ملك مالكه في كثير من الاحوال و من بقائه على جوازه فيما إذا حبس على معين و من رجوعه إليه الحابس بعد موت المحبوس عليه أو إلى روثته أما ورثته حين انقراض الموقوف عليه كالولاء أو ورثته حين موت الواقف مسترسلًا و تظهر الفائدة فيما لو مات الواقف عن ولدين ثمّ مات أحدهما عن ولد قبل الانقراض فعلى الأول يرجع إلى الولد الباقي خاصة و على الثاني يشترك هو مع ابن اخيه لتلقيه عن ابيه كما لو كان حيا و الظاهر الاخير لبقاء المال على ملك الواقف إلى موت الموقوف

14

عليه و إن لم يجز له التصرف قبل الانقراض عملا بمقتضى الحبس و نقل بعض اصحابنا عدم الخلاف في انتقاله إلى ورثة الواقف على القول بالحبس و به قطع بعض اصحابنا و أما على القول بوقوعه وقفا فلاصحابنا فيه قولان فقيل برجوعه إلى ورثة الموقوف عليه حين الانقراض بمعنى كونه ميراثا يرثه وارث المنقرض الاخير لانه قد ملك و به انتهى الوقف مع احتمال أنه يرثه وارث الموقوف عليه ابتداء و يسترسل و لكنه بعيد و استدل لهذا القول بأن الوقف خرج عن ملكه فلا يعود و بان الموقوف عليه يملك الوقف فينتقل الى ورثته و في الجميع نظر لمنع خروج كل وقف عن ملك صاحبه و لمنع ملكية الموقوف عليه له لاحتمال كونه ملكا لله تعالى و لمنع كون كل مملوك لا بد من انتقاله للوارث و في الغنية انتقاله إلى وجوه البر و قيل بانتقاله إلى ورثة الواقف على الوجهين المتقدمين استنادا إلى أنه لم يخرج عن ملكه بالكلية و إنما تناول اشخاصا فلا يتعدى إلى غيرهم و إلى ان الواقف على حسب ما يوقفه أهله و إنما وقفوه هنا على من ذكر فلا يتعدى و يبقى أصل الملك لهم كالحبس و إلى الخبر عن رجل اوقف غلة له على قرابة من أبيه و قرابة من امه و اوصى لرجل و لعقبه من تلك الغلة ليس بينه و بينه قرابة بثلاثمائة درهم في كل سنة و يقسم الباقي على قرابته من ابيه و أمه قال جائز للذي أوصى له بذلك قلت: أ رأيت إن مات الذي له قال: إن مات كانت الثلاثمائة درهم لورثته يتوارثونها ما بقي أحد منهم و إن انقطع ورثته و لم يبق منهم أحد كانت الثلاثمائة درهم لقرابة الميت يرد إلى ما يخرج من الوقف و هذا القول جيد للاستصحاب و لما تقدم من منع خروج الوقف غير المؤبد عن الملك و لهذه الرواية المجبورة بالشهرة المحكية بل المحصلة سنداً و دلالة و المعتبرة بوجود صفوان في سندها و بنقل بن زهرة بان على مذهبهم رواية و ينقل الخلاف عليه روايات و بمجموع ذلك يحصل الظن بأن الثلاث مائة درهم وقعت شرطا في الوقف فعند انقطاع المشروط له عادت لورثة المشروط دون ورثة المشروط له و دون الموقوف عليهم و لا فرق بين المال المشترط من الموقوف و بين الموقوف نفسه ثمّ ان ما تقدم كله انما هو فيما إذا انقرض الموقوف عليه و لو لم ينقرض فلا شك في بقائه سواء قلنا انه حبس أو وقف الا إذا قلنا ببطلانه ابتداءً فلا شك في

15

بقائه على ملك الواقف ثمّ ان القائلين بكونه وقفا يشكل عليهم بما إذا قصد الواقف المؤبد فان صيرورته وقفا قهرا مشكل جدا لان الوقف يكون عندهم قسمين منقطع و غير منقطع فتعين أحدهما مما ينافي وقوع الآخر.

الثالث: منها كون العين مما ينتفع بها مع بقائها

لفتوى الأصحاب و الاجماع المنقول في الباب و للشك في صدق الوقف على ما لا ينتفع به الا بذهاب عينه و لاخبار الائمة (عليهم السلام) المشعرة باعراضهم عن وقف ذلك و الفرد المشكوك في كونه مما يبقى كذلك أو عدمه احتمل البطلان به لعدم احراز الشرط و احتملت الصحة استصحابا لبقائه و لو كان مما ينتفع به مع بقائه الا انه قصير لا أمد له كوقف بعض النباتات للشم مع سرعة زوالها فلا يبعد جوازه و لو كان الشيء مما يضمحل بالانتفاع تدريجا و لكن ليس المقصود ابتداء اتلافه جاز وقفه.

سادسها: يشترط في الوقف التنجيز

بمعنى أن لا يعلق على امر مشكوك وقوعه و عدمه كقدوم الحاج و ادراك الغلة و يشترط فيه مقارنة اثره لوقوع صيغته فلا يصح وقفت غداً و اذا هل الهلال و بالجملة فلا بد من مقارنة الانشاء و المنشأ من الملك و التمليك و الأثر و التأثير لنفس الصيغة فلو أخر واحداً منها فسد الوقف للشك في صحته و اندراجه تحت قوله (عليه السلام): (الوقوف على حسب ما يقفها أهلها) و اندراجه تحت المعهود من العقود و لا بد فيه من الجزم فلو علق على شرط أو صفته متوقعين فسد و كذا لو ورد بين وقفين أو ايجابين أو قبولين أو بين موقوف عليهم اثنين أو بين موقوفين أو بين موقوفين على موقوف عليهم اثنين على تقديرين أو بين حبس و وقف فسد كذلك و لو علق على شرط واقع حين العقد أو صفته كذلك و كان العاقد عالما بوقوعه صح كوقفت عليك إن طلعت الشمس و هو عالم بطلوعها لعموم الادلة و خصوصها من غير معارض و ربما يدعي الاتفاق على صحته و لا يجوز اشتراط الخيار في عقد الوقف فلو اشترط فيه الخيار فسد و لا يدخله خيار فوات الشرط لانه من العبادات النافذة فلا يعود نعم يلزم الشرط لعموم الادلة كما سيجيء إن شاء الله.

16

سابعها: يشترط في صحة الوقف القبض للموقوف من الموقوف عليه بنفسه أو بوكيله

بدفع الواقف أو بإذنه على نحو قبض البيع امساكا و نقلًا وكيلًا و وزناً و تخلية على وجه محلل غير منهي عنه و يشترط استمرار نية التقرب إليه لانه به يتم الوقف و هو جزء السبب الناقل عن الملك فلا ينتقل المملك قبله و يجوز الرجوع به و يبطل الوقف بالموت أو الجنون أو الفسخ قبله و ليس شرطاً في اللزوم كما قد تخيل و لا ان عدمه فاسخ من حينه فالنماء حينئذٍ قبله للموقوف عليه و لا أن حصوله كاشف عن وقوع العقد صحيحاً ابتداء و الظاهر أن الحكم بذلك غير مختلف فيه على نحو ما ذكرنا و قواعد الشرائط تقضي به و اجمال لفظ الوقف و اصالة عدم السببية في غير المقطوع به يقتضيه ايضاً و في الصحيح ما يؤذن به عن الرجل يوقف الصيغة ثمّ يبدو له أن يحدث في ذلك شيئا قال ان كان وقفها لولده و لغيرهم ثمّ جعل لها قيماً لم يكن له أن يرجع و إن كانوا صغارا فيحوزها لهم لم يكن له أن يرجع و إن كانوا كباراً لم يسلمها اليهم و لم يخاصموا حتى يحوزوها عنه فله أن يرجع و إن كانوا فيها لأنهم لا يحوزونها و في آخر و أما ما سألت عنه من الوقوف على ناحيتنا و ما يحل لنا ثمّ يحتاج إليه صاحبه فكل ما لم يسلم فصاحبه بالخيار و كل ما سلم فلا خيار فيه لصاحبه احتاج أو لم يحتج افتقر إليه أو استغنى و في ثالث و مورده الصدقة و هو ظاهر في الوقف و شامل له في رجل تصدق على ولد له و قد ادركوا قال إذا لم يقبضوا حتى يموت فهو في ميراثه فإن تصدق على من لم يدرك من ولده فهو جائز لأن الولد هو الذي يلي أمره إلى غير ذلك و الظاهر من موت الموقوف عليه مبطل للوقف كموت الواقف إذا كان قبل القبض و لا يصح قيام البطن الثاني مقامه مع احتمال قيام وارثه مقامه و يفرق بينهما بأن بموت الواقف ينتقل المال إلى وارثه بخلاف الموقوف عليه فإن المال بحاله لم ينتقل إلى غيره لعدم تمامية الملك و هو ضعيف و على اشتراط القبض في الصحة فهل يشترط تعقيبه للعقد فوراً لانه ركن كالقبول و للشك في الصحة بدونه أو لا يعتبر لأن الشرط تحققه كالقبض في بيع الصرف لا فوريته و لأن اعتبار الفورية في القبول قضى بها العقد لارتباط القبول بالايجاب و لابتنائه عليه حتى كأنه كلمة لا استقلال لها بخلاف الفورية

17

في القبض فإنه لا يقضي بها شيء و في الروايتين المتقدمتين الدالتين على تعليق البطلان بعدم القبض إلى الموت اشعار بعدم الفورية ثمّ إن القبض إنما يعتبر في البطن الأول خاصة كما هو اللائح من الأخبار و عليه ظاهر اتفاق الأصحاب و السيرة أيضا قاضية به فلا عبرة في البطون اللاحقة قبضت أو لم تقبض.

ثامنها: يقوم الولي مقام المولى عليه في قبول الوقف و قبضه

لأن يده يده سواء كان الولي اجباريا كالأب و الجد أو جعلياً كالمنصوب من قبل الواقف من النظار أو المنصوب ولياً على اليتيم كالوصي و الحاكم و التردد في ولاية الوصي هنا لضعفها ضعيف و ذلك لأن يدا الوصي بالنسبة إلى الطفل كيد الموصي في قبض و منع و قبول لعقد معاوضته أو مجاني و تضعيفها بعد قيام الدليل ضعيف ثمّ إن المال لو كان بيد الولي فوقفه على المولى عليه فإن نوى قبضاً جديداً عن المولى عليه فلا كلام و إن لم ينو القبض عنه فإن نوى العدم فلا كلام في بطلانه و لا يقع قهراً كما قد يتخيل و إن لم ينو شيئاً احتملت صحة القبض لان الشرط تحقق القبض بعد الوقف و قد حصل الشرط و عدمها لأن الشرط وقوع القبض عن الوقف و لم يحصل فلا يجزي و الأظهر أنه إن نوى القبض لغير الوقف لم يجز للوقف كما إذا اتهب من المولى عليه و لو وقف و باع صرفاً فعين القبض عن أحدهما فلا اشكال في انصرافه للمعين ابتداء و استدامة و بطلان غيره و إن لم يعين فإن نوى العدم كان قبضه بمنزلة العدم و إن لم ينو فلا يبعد أجزاء القبض من دون نية كونه للقبض و من دون تجديد فعلي له و لو وقف الواقف على من بيده الموقوف فإن كان لا يعلم بكونه بيد الموقوف عليه فلا يجزي القبض قطعاً لتوقفه على الاذن و لم يحصل و إن علم به فإن كان مقبوضا سابقا للواقف اجزأ و لم يحتج إلى قبض جديد و لا إلى اذن جديدة و ان كان مقبوضا على وجه آخر من رهن أو عارية أو وديعة احتمل اجزاؤه تنزيلا للعلم به و الوقف بعده منزلة الاذن و احتمل العدم لأن الوقف مع العلم لازم اعم فلا يدل على الاذن ثمّ لو جعلنا ذلك بمنزلة الاذن فهل يفتقر إلى تجديد قبض ليكون القبض عن الوقف وجهان و الاقرب عدم اشتراط نية كون القبض للوقف في الاستدامة و إن اشترط ذلك في الابتداء بالنسبة إلى الواقف و إن كان

18

مقبوضاً من غير إذن كغصب و نحوه فالظاهر عدم اجزاء صيغة الوقف في الاذن و افتقار الغاصب إلى إذن في القبض للوقف و لا يكفي مجرد القبض الأول لأنه قبض منهي عنه و قد وقع من دون إذن المالك فلا يترتب عليه السبب الشرعي نعم لو قلنا ان الوقف على الغاصب رضا له بقبضه و تسليطاً له عليه اتجه كفاية استمرار القبض الأول و إن كان في الابتداء منهيا لارتفاع النهي بقرائن الرضا التي صدور الوقف احدها و هل يشترط فيما يكون القبض فيه التخلية مضى زمان يمكن وصوله إلى الموقوف عليه أو وكيله أم لا و كذا فيما قبضه غير التخلية و كان تحت يد الودعي أو المستعير فهل يشترط مضي زمان يمكن امساكه فيه أو نقله إليه أو كيله أو وزنه أو غير ذلك أو لا يشترط مضي الزمان كما لا يشترط تجديد الامساك و النقل و الكيل و الوزن.

تاسعها: لو كان الوقف على جهة عامة كان القبض عنهم موكولا للحاكم بنفسه

أو بوكيله لأنه المتولي للجهات العامة نقلا أو انتقالا و لا يكفي قبض واحد من أهل تلك الجهة و الحق بعض علمائنا بقبض الحاكم قبض القيم المنصوب من طرف الواقف للقبض فانه يقوم مقام قبض الحاكم و اطلق بعضهم تحقق لا قبض في وقف المسجد و المقبرة بصلاة واحد و دفن واحد و قيده آخرون بوقوع ذلك باذن الواقف لاشتراطه الاذن في القبض و قيده ثالث بوقوع الصلاة و الدفن بنية القبض للوقف فلو وقع لا بنيته أو بنية الغصب أو مع عدم العلم لم يجز و هذا كله لا يخلو من اشكال لانا بعد ان حكمنا بلزوم القبض من الموقوف عليه أو من بحكمه من الولي العلم أو الخاص أو الحاكم الشرعي في الاوقاف على الجهات العامة أو على الاصناف الخاصة أو العامة فلا وجه لتجويز الاكتفاء بقبض من نصبه الواقف فيما للقبض أو الاكتفاء بصلاة واحد في المسجد فرضا أو نفلا أو بدفن واحد أو نزول واحد في الرباط أو قراءة واحد في المدرسة الا ان ينعقد اجماع على ذلك و في انعقاده كلام و قد يوجه الاكتفاء بقبض القيم المنصوب من الواقف بما ورد في الرواية السابقة انه لو وقفها على ولده و على غيرهم ثمّ جعل لها قيما لم يكن له أن يرجع فان الظاهر ارادة الولد الكبار لأن الصغار ذكرهم بعد ذلك و الظاهر ان نصب القيم للقبض لعدم مدخلية غيره من عدم

19

جواز الرجوع إليه و قد يشير إليه خبر التوقيع أيضا و قد يوجه الاكتفاء بالفعل أيضا فيما لو كان القبض على الجهة ان قبض الجهة غير معقول بغير هذا النحو فقبضها صدور الفعل من واحد أو اكثر على ذلك النحو و في هذا الاخير نظر لأن الوقف على الجهة وقف على المسلمين فيتولى القبض وليهم كما يتولى القبول عنهم نعم لو قلنا ان الوقف العام مطلقاً و الوقف على الجهات بمنزلة التحرير غير مفتقر إلى قبول و إلى قبض لاتجه ذلك و لما احتجنا أيضا إلى صلاة واحد أو دفنه بالكلية و لكن لا نقول به و قد يقال ان القبض هو التخلية في امثال هذه و لا شك ان الواقف قد خلى بين الموقوف و بين الموقوف عليه و هو سائر المسلمين و لما لم يمكن اعلامهم كفى قبض العالم منهم أو يقال ان رئيسهم و امامهم و وليهم عالم بذلك و قد يرد على ذلك انه لا حاجة إلى فعل فرد من افراد تلك الجهة من صلاة أو دفن أو غيرهما لحصول التخلية و كفايتها في القبض عن صدور الفعل من القابض ثمّ ان القبض هنا قد يقوي كفاية التخلية فيه مطلقا و كفاية صدوره باذن المالك و لو بالإجازة المتأخرة من دون حاجة إلى انضمام نية القربة إليه بل لو وقع على وجه محرم كما إذا قبض بآلة محرمة أو في مكان محرم اجزأ و لكن الاظهر ما قدمناه و الناظر إذا جعله الواقف ناظرا في الوقف كان قبضه كافيا في الوقف العام كما تقدم و في الخاص كما تشعر به الرواية و لا يفتقر إلى قبض من الموقوف عليهم بعد ذلك و لا يكفي قبوله عن الموقوف عليه في الخاص و العام للاصل و عدم الدليل و لو جعل الواقف قيما لمجرد القبض لا لغيره من المصالح ففي صحة ذلك و كفاية قبضه وجهان.

عاشرها يشترط في الوقف اخراجه عن نفسه و تخليتها عنه ملكا و انتفاعا و عودا إليه وقت الحاجة على وجه الشرطية أو على وجه الركنية فيما يصح جعله ركناً

فهنا امور:

الأول: لا يصح وقف الانسان على نفسه شيئا

اجماعا و شهرة منقولين بل محصلين و لان الوقف ازالة ملك و ادخاله على الموقوف عليه كما نقل عليه الاجماع و الملك متحقق هنا فلا يمكن ادخاله و تجديده بالنسبة إلى المالك و لانه تمليك منفعة أو

20

عين و منفعة و لا يعقل بالنسبة إلى المالك و يظهر من ذلك انه لو شرط في الوقف ان لا يخرج الوقف من ملكه و لا يدخل في ملك الموقوف عليه بناءً على ان الوقف يملكه الموقوف عليه أو قصد ذلك بطل الوقف لمنافاته لمقتضى العقد و في الأخبار الآتية ان شاء الله تعالى ما يؤذن بمنع وقف الانسان على نفسه.

الثاني: على ما ذكرنا لو وقف الانسان على نفسه فقط بطل

لانه منقطع الأول و الاخير و الوسط و لو اشرك مع نفسه غيره في الوقف بطلا معا لان تبعيض الصفقة على خلاف الأصل و لان القصد إلى وقف المجموع فما لم يسلم المجموع لم ينفذ في البعض لانه لا يقع ما لم يقصد و لتعلق النهي الاصلي أو التشريعي به فلا يجامع القربة المشروطة به لانه عقد واحد و يحتمل الصحة فيما يصح و البطلان فيما يبطل لان العقد و ان لم يتبعض بنفسه الا انه يتبعض اثره فيؤثر في القابل و ينصب عليه دون غير القابل و لان القصد إلى الجميع لا المجموع بشرط المجموعية فاذا بطل شيء منه لا يبطل الجميع و للمنع من عدم اجتماع القربة مع النهي لحيثيتين مختلفتين فتصح القربة فيما تصح فيه و تفسد فيما تفسد و في هذا الاخير تامل و الاقرب الأول و على الصحة فيما يصح فيه فلو اوقف على نفسه و على زيد احتملت الصحة بالتنصيف و احتملت الصحة في الكل فيعود كله لزيد تغليبا لجانب الصحة في قصده و لانه قد اخرجه من نفسه فينصب على ما يمكن انصبابه عليه و فيه ان القصد توزيع الموقوف على الموقوف عليه فانحصاره في واحد خلاف قصده و العقود تابعة للقصود و لو وقفه على نفسه و الفقراء احتملت الصحة بالنصف أو الجميع على ما تقدم و بالثلاثة ارباع للفقراء لان اقل الجمع ثلاثة و لو وقف على نفسه و المسجد احتملت الصحة بالتنصيف و احتمل كونه بمنزلة الجمع لانه وقف على المصلين من المسلمين.

الثالث: لو وقف الانسان على نفسه ثمّ على غيره كان منقطع الأول فيبطل في الأول

اجماعا و في صحته بالنسبة إلى ما قبله قولان فقيل بالبطلان للشك في دليل الصحة و لمنافاته للتقرب بالصيغة و للزوم أحد امور باطلة اما صحة الوقف على نفسه ان صححناه في الجميع أو صحة الوقف المعلق ان صححناه بعد مضي زمان وجوده في

21

الباقي أو وقوع الوقف المشروط على غير ما شرطه الواقف ان صححناه في الباقي في الحال و المفروض ان الوقوف على حسب ما يقفها اهلها و هذا هو الاقوى و نسب للاكثر و لمذهب اصحابنا و قيل بالصحة لعموم: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) و: (المؤمنون عند شروطهم) و: (الوقوف على حسب ما يقفها اهلها) و في الجميع نظر لضعف العمومات و انصرافها إلى المعهود و اجمال لفظ الوقوف مضافا إلى انصراف لفظ العقد و الوقف إلى كله بتمامه فهو المأمور بالوفاء به و تمامه لا يجب الوفاء به هنا اجماعا و البعض غير مأمور بالوفاء به فلا يصح التمسك بالعمومات لإثبات الصحة في البعض المشكوك به و على القول بالصحة في الاخير فهل يحكم بها بعد اجراء صيغة الوقف لصدور صيغة الوقف و عدم قبول محل لها سوى ما بعد نفسه فيؤثر العقد في القابل دون غيره أو يحكم بها بعد موت الواقف و ذهاب نفسه لان القصد في الوقف ذلك و العقود تتبع القصود و الوقوف على حسب ما يقفها اهلها و هذا الاخير اوجه و لو لا لزوم بقاء العقد معلقا من دون تأثير إلى ما بعد انقضاء الأول و هو في العقود غير معقول لاشتراط التنجيز فيها و يلحق بالوقف على نفسه ابتداءً كل وقف غير صحيح ابتداءً كالوقف على الملك و الجن و البهائم و الطيور و المعدوم و الميت و المملوك و ما يحرم الوقف عليه و كما ان هذه لو وقعت في الابتداء كان من منقطع الأول فكذلك لو وقعت في الاثناء كان من منقطع الوسط و جاء في الكلام في صحة ما بعده و فساده كالكلام في منقطع الأول و لو صححنا الآخر بعد انقطاع زمن الأول ففي تقديره في الملك و الجن و الجمادات و الميت التي لا يعقل ذهابها و عود الوقف إلى من بعدها اشكال و لا يبعد هنا الحكم بالبطلان لا غير و يجيء الاشكال في تقدير زمن البهائم و الطيور فلا بد من التأمل و سيجيء ان شاء الله تعالى تمام الكلام.

الرابع: لو وقف واقف على جهة من الجهات كوقف مسجد أو قنطرة أو مدرسة أو دار على المسلمين

أو الفقهاء أو العلماء أو وقف على نفس المسجد شيئا أو على نفس القنطرة أو على نفس الدار الموقوفة وقفا عاما فان اطلق و لم يلاحظ نفسه بادخال أو بإخراج صحّ الوقف قطعاً و على ذلك جرت طريقة الاوقاف خلفاً و سلفاً

22

و جاز للواقف ان يشارك الموقوف عليه بالمنافع و النماء و الانتفاع و يكون حاله حالهم بل و يختص به عند انحصاره فيه نعم و لا يكون من الجهة التي يبطل مصرفها و الظاهر انه يكون من الافراد الموقوف عليهم بحكم الشارع و يمكن الاستدلال على ذلك بالسيرة و عمل المسلمين المستمر على ذلك و بفتوى المشهور و الاجماع المنقول على جواز المشاركة الظاهرة في كونه واحدا منهم و لا يتفاوت الحال بين اتصافه بالوصف حين الوقف أو بعده و ربما يؤيد ذلك أيضا بان الوقف على مثل ذلك ليس وقفا على الاشخاص المتصفين بتلك الصفة أولا و بالذات بل و على الجهة المخصوصة لانتفاع المتصف منهم بذلك الوصف به و لذا لا يعتبر قبولهم و لا قبول بعضهم و لا قبضهم و لا يجب صرف النماء إلى جميعهم و لا ينتقل الملك اليهم و على هذا فالواقف يدخل تبعا باعتبار اتصافه فلا يكون ملحوظا ابتداءً و دخول الواقف تبعا على هذا النحو لا دليل على منعه و قد يورد على هذا التأييد بان الوقف على الجهة وقف على الاشخاص بالحقيقة لعدم معقولية الوقف على ما لا يملك و لا يعقل و اخذ الجهة في الوقف انما كان عنوانا للتوصل به إلى افراد ذلك النوع في مثل الوقف على العلماء و الفقهاء أو للتوصل به إلى المصلين و الزائرين و المدرسين في مثل الوقف على المسجد و المدرسة و الخان فعلى أي تقرير فافراد ذلك النوع ملحوظة للواقف في الجملة و دعوى عدم انتقال الملك اليهم و عدم اعتبار قبولهم و قبضهم في حيز المنع فيعود الكلام إلى الواقف قد دخل في الوقف على الجهة و يعود المحذور فإذن العمدة في الاستدلال ما قدمناه سابقا و بذلك يظهر ضعف ما ذهب إليه الحلي من منع المشاركة للاجماع على لزوم اخراج الواقف نفسه و لا يمكن ذلك مع بقاء المشاركة و ذلك لان الاجماع ظاهر في لزوم ذلك في الوقف الخاص أو العام مع ذكر نفسه صريحا أو القصد إليها ضمناً لا مطلقا لفتوى مشهورهم و اجماعهم المنقول بجواز المشاركة عند اتصاف الواقف بصفة الموقوف عليه ابتداءً أو استدامة فلا يمكن الاستناد إلى ما ذكروه من الاجماع و من ذلك يظهر انه لو ادخل نفسه صريحا أو قصد ادخال نفسه فالاقرب البطلان و ان ظهر من فتاوى المشهور و اطلاقاتهم جواز المشاركة مطلقا و لو مع ذكر نفسه أو قصد ادخالها

23

معهم لامكان صرف اطلاقاتهم إلى صورة عدم ذكر نفسه و عدم القصد إلى ادخالها و ليس من القصد إلى ادخالها العلم بدخوله شرعا بعد اجراء صيغة الوقف على الاطلاق كما هو الظاهر من الفتاوى و سيرة المسلمين اما لو شرط خروجه و عدم المشاركة فلا يبعد صحة الشرط و عدم جواز مشاركته لهم حينئذ و احتمال فساد الوقف لمنافاة الشرط لمقتضاه أو فساد الشرط فقط فتجوز له المشاركة قهرا بعيدان و نقل عن العامة (رحمه الله) التفصيل بين الوقف على المصالح العامة كالمساجد و القناطر و بين الوقف على ارباب الصفة كالفقراء و العلماء فأجاز المشاركة في الأول دون الثاني و فيه نظر لانه ان اراد بالاول ما يوقف على المسلمين من المساجد و القناطر و شبهها فيتجه عليه عدم الفرق بينه و بين الاخير سوى ان الأول اعم و الثاني اقل منه عموما و هو لا يصلح للفرق و ان اراد به ما يوقف على نحو المساجد و القناطر فيتجه عليه ان كلا منهما وقف على الاشخاص و ان اخذت المساجد و القناطر عنوانا في الأول دون الثاني و اختلاف العناوين لا يصلح فارقا نعم نقل أيضا عن العلامة (رحمه الله) الفرق بين ما ينتقل فيه الوقف لله تعالى كالمساجد فتصح للواقف المشاركة لان مال الله تعالى تتساوى جميع خلقه فيه و لانه ليس وقفا على أحد من خلقه و بين ما لا ينتقل إليه بل إلى المخلوقين فلا تصح فيه و هو جيد بناءً على انتقال الملك لله تعالى في المساجد.

الخامس: يبطل الوقف إذا شرط الواقف قضاء ديونه منه أو اداء مئونته

أو ان له حصة من نمائه أو انه ينتفع به بسكنى أو لباس أو نحوها و نقل عن الأصحاب القطع به في الجملة و نقل عليه الاجماع و يستدل عليه بالاصل و عدم انصراف ادلة الوقف لمثل ذلك لعدم معهوديته فلا يدخل تحت قوله (عليه السلام) (الوقوف على حسب ما يقفها اهلها) و يمكن الاستدلال له بالخبرين في أحدهما رجل تصدق بدار له و هو ساكن فيها فقال الحسين: صلى الله عليه و آله اخرج منها. و لم يسأله عن انه اشترط له السكنى ام لا و في الثاني بعد ان سأل عن أكل الواقف من الصيغة التي دفعها ليس لك ان تاكل منها فان انت أكلت منها لم ينفذ فان كان لك ورثة فبع و تصدق ببعض ثمنها في حياتك فان تصدقت امسك ما يقوتك مثل ما صنع امير المؤمنين (عليه السلام) فان ظاهر عدم النفوذ هو

24

اشتراط عدم الاكل منها إذ الاكل بمجرده لا يصلح لابطال الوقف و لو شرط الواقف اكل اضيافه و عياله الغير واجبي النفقة فلا باس و كذا لو شرط اكل واجبي النفقة لا من حيثية الانفاق اما لو شرط خروج نفقة عياله الواجبة من الوقف أو خروج نفقة مملوكه أو دابته فسد الشرط و الوقف لعود الاشتراط إلى نفع نفسه و ادرار مئونته فيدخل تحت دليل المنع نعم لو شرط أكل عياله و كانوا ارحاما فاستغنوا به فسقطت عنه النفقة لاستغنائهم صح و يشعر بجواز ذلك وقف النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) و وقف فاطمة على ما روي عنهما و لو وقفه على الزائرين له أو المصلين عنه أو الصائمين صح لو قصد الوصف حتى لو كان هو الداعي له للوقف لهم للعمل أيضا و لو وقف لأن يصلى عنه أو يصوم عنه في حياته أو بعد موته بمعنى صرف منافعه في وجوه القربات عنه فسد الوقف على الأظهر لأنه في معنى عود الوقف إليه و صرفه على منافع نفسه من دون تفاوت بين الموت و الحياة على الاظهر.

السادس: لو وقف الواقف و شرط عوده إليه عند الحاجة

فالاظهر البطلان لمنافاة هذا الشرط لمقتضى عقد الوقف عرفاً و شرعاً لابتنائه على الدوام و على خروج الملك عنه بحيث لا يعود إليه و للإجماع المنقول المعتضد بالقواعد و الاصول و لظاهر الخبرين المعتبرين في أحدهما عن الرجل يتصدق ببعض ماله في حياته في كل وجه من وجوه الخير و قال إذا احتجت إلى شيء من المال فانا احق به ترى ذلك له و قد جعله الله سبحانه ان يكون له في حياته فاذا هلك الرجل يرجع ميراثا أو يمضي صدقة قال: (يرجع ميراثا على اهله). و في الثاني (من اوقف ارضا ثمّ قال انا احتجت إليها فانا احق بها ثمّ مات الرجل فانها ترجع إلى ميراث).

و الظاهر عدم التفاوت بين اشتراطه عود عينه إليه على وجه الملك أو الوقف و بين عود منفعته و بين اشتراط عوده وقفا بعد الاستغناء و بين عدمه و قيل بالصحة فيكون وقفا إلى وقت الحاجة فيعود طلقا و نقل عليه الاجماع و نسب للاكثر و استدل عليه بعموم الوفاء بالعقود و ادلة لزوم الشروط و عموم الوقوف على حسب ما يقفها اهلها و بالصحيحين المتقدمين لاشتمالهما على لفظ يرجع الظاهر في صيرورته وقفا ثمّ

25

يرجع بعد ذلك و في الجميع نظر لضعف التمسك بالعمومات كما تقدم غير مرة و ضعف الاجماع المنقول بمعارضته بمثله و مخالفته للقواعد و الضوابط المتقدمة في شرائط الوقف و ضعف دلالة لفظ الرجوع على ما ذكر لان الاطلاق و الرجوع ميراثا ارادة حقيقة غير ممكن هنا قطعا فان المرجوع إليه هو كونه ميراثا و هو شيء لم يكن في حال حياة الواقف اصلا فاذا لم يمكن ارادة الحقيقة تعين المجاز فيحمل الرجوع على ما يجتمع مع البطلان بقرينة السؤال في الأول حيث سال عن صحة هذا الوقف مع ما هو عليه من كونه صدقة فلا بد من حمل الجواب على ذلك ليطابق السؤال و المرجع في الحاجة إلى العرف و يتحقق بعدم ملك قوت يومه و ليلته و بعدم وجود ما يحتاج إليه من لباس و فراش و آنية و يتحقق بافتقاره إلى السؤال فيما لا يمكنه الاستغناء عنه عاد و ليس كل فقير محتاجا عرفا فلا يتحقق الاحتياج بمجرد الفقر و على القول بعوده إليه بمجرد الحاجة فهل يعود بمجرد ذلك أو يتوقف على اختياره وجهان و ظاهر الشرط الأول لانه اشتراط للغاية و هو بعيد عن قواعد الشرط فالاقرب للقواعد الثاني و لو مات الواقف و لم يحتج فهل يكون وقفا لعموم دليل الوفاء بالعقود و الشرط ام يكون حبسا فيرجع إلى ورثة الواقف بعد موته و موت المحبوس عليه لظاهر الخبرين المتقدمين و لأن الوقف إذا بطل يكون حبسا و الحبس من خواصه ذلك و في ذلك نظر لان الحبس يبطل بموت المحبوس عليه فيرجع إلى الحابس أو إلى ورثته لا بموت الحابس كما دلت عليه الروايتان فحملها على بطلان الوقف من اصله اولى من حملها على صحته حبسا فان قيل إذا جعل نهاية الحبس حصول الحاجة فاذا مات قبل أن تحصل الحاجة فيرجع بما حبس لزم بقاؤه محبوسا دائما لعدم حصول الغاية و حينئذ فتحديده بالموت يؤول إلى جعل ما ليس بغاية غاية قلنا الحاجة قد تتحقق بالموت لأنه فقير بالموت و قد يحتاج إلى صلة أو مبرة من ثلثه فيعود إليه و قد يكون الموت غاية اخرى قهرية لانفكاك الحبس بعد فوات الانفكاك الاختياري لان المال ينتقل بالموت إلى الوارث فيزول الحبس بانتقاله إلى الوارث.

26

السابع: بناء على صحة اشتراك العود إليه عند الحاجة لا بد من الاقتصار فيه على مورد النص و الفتوى

فلا يصح اشتراط عوده إليه عند حصول امر آخر أو دخول زمان آخر و غاية اخرى و لا يصح اشتراط أن يكون له الخيار فيه في وقت خاص أو على وصف خاص أو له الخيار مطلقا للاصل و لعدم دليل على ثبوت خيار الشرط في الوقت و صحة اشتراط عوده إليه عند الحاجة لا يدل على صحة اشتراط الخيار في عقد الوقف لأنه لازم اعم و العام لا يدل على خاص و مثل اشتراط الخيار اشتراط اخراج من يريد من الوقف إذا شاء فان هذا الشرط فاسد منه لمنافاته مقتضى لزوم العقد نعم لو وقف على قوم و اشترط عليهم القيام بعمل أو الاتصاف بوصف أو انهم متى قاموا أو اتصفوا دخلوا و متى لم يقوموا و لم يتصفوا خرجوا جاز الشرط و صح المشروط و كان من افراد الوقوف التي على حسب ما يقفها اهلها قطعا و مثله لو وقف على قوم و شرط ادخال من سيولد له اولهم معهم على وجه التشريك في المنفعة و النماء فانه جائز أيضا اما لو شرط دخول من سيولد على انه موقوف عليه فهو مبني على ان الشرط يقوم مقام صيغة الوقف ام لا نعم يصح ذلك عند الاتيان بصيغة الوقف على المعدوم تبعا للموجود منظماً إليه و في صحته كالشرط بحث إلا إن ظاهر الأصحاب على جوازه و نقل عليه الاجماع و لو شرط الواقف ادخال من يريد دخوله بعد الوقف كما يقول ادخلت فلانا فيه بعد وقوع صيغته احتملت صحة ذلك لعموم ادلة الشرط و قوله (عليه السلام) (الوقوف على حسب ما يقفها اهلها) و لأنه في قوة اشتراط دخول من يريد لأنه عند ارادة دخوله استحق الدخول باتصافه بتلك الصفة و احتمل البطلان لما قدمنا من فقدان صيغة الوقف نعم لو اجرى عليهم صيغة الوقف و شرط الادخال و الاخراج على نحو يصح فلا باس و لو شرط نقله عن الموقوف عليه إلى من سيوجد فان اراد ترتيب الوقف على المذكورين على حسب الصفة بأن يكون الوقف على الاولين ما داموا منفردين فاذا ولد لهم ولد كانوا خارجين عن الوقف و ينتقل الوقف إلى ولدهم صح و يدخل تحت عموم قوله (الوقوف على حسب ما يقفها اهلها) و لانه بمنزلة الوقف على متصفين باوصاف ينتقل الوقف من احدهم إلى الآخر على حسب

27

الوصف و لجواز الوقف على أولاده سنة ثمّ على المساكين كما نقل العلامة (رحمه الله) على صحة الاجماع فجواز هذا اولى و ان اراد انتقال الوقف عنهم إلى من سيوجد بعد ثبوته بطل الوقف لمنافاة ذلك للدوام و على ذلك ينزل اجماع الشيخ المنقول على البطلان و ليس هذا كالوقف على أولاده سنة ثمّ على المساكين و لو سلمنا جوازه و الا فقد نقل الرجوع عن الاجماع المنقول عن العلامة (رحمه الله) في القواعد إلى الاشكال.

حادي عشرها: إذا وقف على أولاده الاصاغر

فحكمه حكم الاكابر و غيرهم لا يجوز أن يشترك معهم غيرهم بعد حصول الوقف و القبض و لا يتفاوت الحال بين اشتراط قصره على الاصاغر و بين اطلاق الوقف عليهم كل ذلك للاصل و الاستصحاب و لفتوى مشهور الأصحاب بل قد يدعى منهم الاجماع من بعضهم و لرواية جميل في رجل يتصدق على ولده بصدقة و هم صغار أله أن يرجع فيها؟ قال: لا الصدقة لله تعالى و الاشتراك غيرهم معهم بعد ان كان لهم نوع رجوع و رواية علي ابن يقطين في الرجل يتصدق ببعض ماله على ولده و بيَّنه لهم أ له أن يدخل معهم من ولد غيرهم بعد ان أَبانهم بصدقته؟ قال: ليس له ذلك إلا ان يشترط من ولد مثل من تصدق عليه فذلك له و المراد بالصدقة هنا الوقف و ما يشمله كما هو الظاهر من استعمالها في الأخبار و في كلام الفقهاء و نقل عن الشيخ (رحمه الله) في النهاية و القاضي جواز ان يشترك الواقف على أولاده الصغار غيرهم معهم و قيده القاضي بما إذا لم يشترط قصره على الموجودين و كان مستندهم صحيحة عبد الرحمن في الرجل يجعل لولده شيئا و هم صغار ثمّ يبدو له يجعل معهم غيرهم من ولده قال لا باس و رواية محمد بن سهيل عن الرجل يتصدق على بعض ولده بطرف من ماله ثمّ يبدو له بعد ذلك أن يدخل معه غيره من ولده قال لا بأس و مثلها رواية علي بن يقطين إلا أن اعراض الأصحاب عن العمل بمضمونها و مخالفتها الأصول و القواعد و اشتمال سند الأول على محمد بن إسماعيل عن الفضل و فيه كلام و اشتمال الثاني على محمد بن سهيل و لا يخلو عن ضعف مما يوجب طرحهما أو تأويلها بارادة يريد ان يجعل او يتصدق من دون وقوع ذلك او بوقوع ذلك من دون اجتماع شرائط الوقف و الصدقة من تميز

28

الموقوف او الاقباض او نحوهما و يشهد بذلك قوله في الرواية المتقدمة في السؤال و تبيينه لهم و قوله بعد ذلك بعد أن ابانهم بصدقة فانه رتب المنع على الابانة فيترتب الجواز في الروايات الاخر على عدمها و أما تفصيل القاضي بين اشتراط قصره على الموجودين فلا يصح و بين عدمه فيصح فهو و إن كان أقل مخالفة للقواعد إلا أنه لا شاهد عليه سوى ما يتخيل من الجمع بين الروايات المجوزة و المانعة و ما يتخيل من ارادة اشتراط قصره على الموجودين من لفظ الابانة في الرواية المانعة و كل منهما محل نظر لأن الجمع فرع المقاومة و حمل الابانة على ارادة اشتراطه قصره خلاف الظاهر ثمّ انه على قول الشيخ (رحمه الله) و على ظاهر الروايات المجوزة ينبغي الاقتصار على خصوص اشتراك ولده الباقين مع ولده الاصاغر دون اشتراك غير ولده مع ولده أو اشتراك ولده مع غيرهم أو غيرهم مع غيرهم فما يظهر من بعض العبارات من جواز ادخال الغير مع الولد مطلقاً نقلا عن الشيخ و من بعض الروايات كرواية الحميري عن رجل يتصدق على ولده بصدقة ثمّ بدا له أن يدخل الغير فيه مع ولده أ يصلح ذلك؟ قال نعم يصنع الوالد بمال ولده بما احب) ضعيف فتوى و نقلا و مخالف للفتوى و النصوص.

ثاني عشرها: لو وقف الواقف على اشخاص على الاطلاق و قبضهم

لم يصح ادخال غيرهم معهم و لا تغيير الوقف أو تبديله أو الرجوع فيه فيما عدا ما اختلف فيه في الصورة المتقدمة و يدل على ذلك الاستصحاب و اتفاق الأصحاب سوى النادر الذي لا يعتد به و عمومات الادلة و خصوصاتها المشعرة بأن الوقف بعد حصوله لا يغير و لا يبدل و الاجماع المنقول فما نقل عن المفيد (رحمه الله) من جواز التغيير في الوقف و الادخال فيه لو حدث في الموقوف عليه حدث يمنع الشارع من صلته و التقرب إليه به و الصدقة عليه من كفر أو فسق يستعين بالوقف عليهما و نفي عنه البعد بعضهم ضعيف جداً مخالف للادلة المتقدمة و لو أن حدوث ما ذكر مناف للوقف لكان منافيا لسائر ما يملكه الموقوف عليه فينبغي جواز تغييرها و هو ظاهر البطلان و الظاهر من مذهبهم اختصاص الحكم بحدوث الحادث فلا يسري لما كان حاصلا في ابتداء الوقف و لو شرط الواقف في الوقف ادخال غير الموقوف عليه معه إذا وجد أو اتصف بالصفة الخاصة

29

فالظاهر صحة ذلك و لو بلفظ الشرط كما يظهر من المشهور و ربما نقل عليه الاجماع تمسكا بعموم دليل الشروط و إن الوقوف على حسب ما يقفها أهلها و لو شرط ادخال من يريد بعد الوقف ادخاله فأراد دخول أحد صح الشرط و دخل من اراد على ما قطع به بعض الأصحاب حيث أن جعله كالاول في الحكم لرجوعه إلى اشتراط دخول من تعلقت الارادة بدخوله فكما صح الأول اتفاقا صح الثاني و احتمال فساده بانه يكون في قوة نقل حصة الموقوف عليه لتقليلها بدخول الثاني وارد عليهما معا و جوابه ان القصد ليس إلى ذلك ابتداءً و ان لزمه اخيرا كالوقف التشريكي على البطون المتلاحقة و لا بأس بذلك و مع ذلك ففي صحة ذلك مع الشرط بل بنفس الوقف كما إذا قال وقفت هذا عليك و على كل من اريد دخوله بعد ذلك اشكال و تأمل و لو شرط اخراج من يريد من أهل الوقف بعد تمامه و مضيه بطل اتفاقا منقولًا بل محصلًا و لو جعله بصورة الوصف كان يقول وقفت هذا عليكم ما دمت مريداً لدخولكم فاذا انقرضتم أو كنت مريداً لخروجكم فعلى الفقراء ففي صحته وجه إلا أن ظاهر الأصحاب منعه مطلقا و لو شرط نقله من الموقوف عليه إلى من سيوجد فان جعله بصورة الوصف فللصحة وجه قوي و إن جعله بصورة الشرط كأن يقول وقفت هذا عليكم بشرط أن ينتقل منكم إلى من يوجد من اولادكم قيل ببطلانه و نسب للمشهور و حكي عليه الاجماع و استند فيه للأصل في محل الشك و لعدم دخوله تحت العقود المعهودة أو الوقوف كذلك و قيل بصحته و نقل عن العلامة (رحمه الله) أنه ادعى على ذلك الاجماع و استقر به في الدروس بناءً على أنه مثل الوقف على الوصف المنتقل من صنف إلى صنف و ربما جعل بمنزلة الوقف على أولاده سنة ثمّ من بعدها على المساكين ورد الاجماع بالاجماع المتقدم المعتضد بفتوى المشهور ورد القياس على الوصف بانه مع الفارق لأن الوقف على المتصف وقف على الجهة فيدور مدارها الوقف وجودا و عدما بخلاف الوقف على قوم و اشتراط نقله فانه وقف و نقل و هو مما ينافي اللزوم و الدوام و كذا القياس على الوقف على أولاده سنة ثمّ من بعدها على المساكين بمنع المقيس عليه أو لا و تسليمه و كونه مع الفارق ثانياً لأن الوقف مدة معينة ثمّ من بعدها

30

على من لا ينقرض وقف ينتقل من وقت إلى وقت و من حال إلى حال بخلاف اشتراط النقل فانه وقف و نقل عن الموقوف عليه بعد كونه وقفاً فهو مناف للدوام و لو وضع الوقف و في هذا الاخير نظر و تأمل و الحق التفصيل بين ما إذا جعل النقل بصورة الوصف في الوقت فيصح و بين ما يجعله بصورة الشرط للشك في تأثير الشرط النقل عن أهل الوقف ما لم يدخل في الوصف و شبهه و لا يبعد حمل كلام الشهيد (رحمه الله) عليه.

رابع عشرها: يشترط في الموقوف امور منها كونه عينا لا ديناً و لا كلياً

و ان وصف بصفات السلم و لا مبهماً مردداً و لا منفعة و لا حقا للاصل في محل الشك و لانصراف ادلة الوقف عموما و خصوصاً للعين المقابلة لجميع ما ذكرناه و للإجماع المنقول على اشتراط ان لا يكون ديناً و لا منفعة و لا مبهماً بل قد يدعي الاجماع المحصل على اشتراط أن لا يكون الوقف من أحدهما على الوقف المتلقي من الشارع و هو تحبيس الأصل و اطلاق المنفعة فوقف المنفعة مناف لذلك مما تنقضي شيئا فشيئاً و كذلك وقف المبهم لأنه لا وجود له في الخارج و أما وقف الدين و الكلي إن أمكن القول بصحتهما كما يصح بينهما و يكون قبض الفرد قبضا لهما كما يصح هبة ما في الذمة لغير من هو عليه كما اجاز بعضهم و يكون قبض الفرد قبضاً لها سيما لو قلنا ان الفرد المقبوض ينصب العقد عليه و يكون هو المعقود عليه حقيقة و احتمال ان المانع من وقفهما كونهما معدومين و لا يصح وقف المعدوم أو كون مقتضاهما التعليق و الوقف بشرط التنجيز ضعيف لأن الكلي ليس من الامور المعدومة قطعاً لتعلق الاحكام الوضعية و التكليفية به و لجواز جعله ثمنا و مثمناً و مهراً و كذا الدين و ليسا معا من الامور المقتضية للتعليق لتنجيز بهما في بيع و مهر و شبههما فيملكان في الذمة منجزاً و ان توقف تعينهما على قبض فردهما في الخارج و حينئذٍ فلا مانع من تعلق وقف الكلي أو الدين في الدين في الذمة منجزاً إلا انه لا يتعين إلا بالقبض إلا أن الظاهر الاتفاق على منع وقفهما و اشتراط القبض و التسليم في لا وقف و ما يشعر بذلك و إن لم يكن بينهما ممانعة ذاتية و منها كون العين مقدوراً على تسليمها أو تسلمها عرفاً فلا يصح وقف غير

31

المقدور على تسليمه كالطير في الهواء و نقل على ذلك الاجماع و الظاهر أنه اتفاقي و اشتراط القبض مما يشعر به و إن لم يكن بين اشتراط القبض و تعذر التسليم منافاة لبقاء عقد الوقف موقوفا إلى امكان تسليمه فإن أمكن صح الوقف و إلا فلا و منها أن تكون معلومة فلا يصح وقف المجهول عند الواقف بل و عند الموقوف عليه إذا لم يكن له تمييز في الجملة لعدم انصراف ادلة الوقف لمثله و للشك في اندراج وقف المجهول تحت ادلة الوقف و إلا فلا ممانعة بين المجهول و وقفه لأن الوقف ليس من عقود المعاوضات التي قد نهي فيها عن الغرر سيما لو كانت الجهالة مما تؤول إلى العلم و سيما لو كانت من الموقوف عليه و منها أن تكون للعين منفعة ظاهرة مقصودة للعقلاء و أن تكون محللة و أن تكون مما يمكن الانتفاع بها مع بقائها بحيث لا يؤدي الانتفاع بها إلى اتلافها و لو كانت للشيء منفعتان محللة و محرمة فقصد المحلل صح لو كان المحلل مقصوداً للواقف إلا انه غير مقصود للعقلاء بطل الوقف و لا يشترط في المنفعة دوامها و لا وجودها فعلًا فيصح وقف ريحان يسرع الفساد إليه و وقف تفاحة للشم على الاظهر و إن أمكن المناقشة بعدم انصراف الادلة إليه و عدم كونه معهوداً أو منافاته للدوام المبني عليه الوقف في الجملة و يصح وقف ما يتوقع منفعته و إن لم تكن له منفعة فعلية كالدابة الصغيرة قبل امكان الانتفاع بها و يشترط كون المنفعة أمراً لا يؤدي إلى تلف العين بحيث يتوقف الانتفاع على التلف كوقف الخبز و الماء و كونها متمولة عرفاً على وجه و الاوجه خلافه لأنه ليس من عقود المعاوضات و منها أن لا يكون الموقوف نجسا أو متنجسا لا يقبل التطهير للشك في شمول أدلة الوقف لمثله و لا يبعد جواز وقف كلب الصيد بعد القول بملكه و أن لا يكون مما لا يملك كالسنانير و الوحوش و السباع و أن لا يكون معيناً على معصية كوقف السلاح على اعداء الدين و الحرب قائمة أو وقف ما يتوصل به إلى محرم من حيثية التوصل كل ذلك لمكان النهي المنافي للقربة و لما في من الاعانة على الاثم و العدوان و لا يصح وقف كل كل مشترك بين المسلمين كالاراضي المباحة و الخراجية و الطرق النافذة و شبهها و أما ما لا يملكه الواقف ففي صحته وجهان من كون الوقف عقداً فيشمله ما دل على صحة الفضولي في العقود و من عدم كونه عقداً مجرداً

32

لاشتراط القربة في صحته و هي بملك الغير غير حاصلة سيما في الغاصب و سيما فيما وقف على نفسه لأن القربة الصادرة من الفضولي لا اثر لها و القربة الصادرة من المجيز حين الاجازة مشكوك في تاثيرها أما لاشتراط مقارنة القربة للصيغة بنفسها أو للشك في تحقق القربة المشترطة في الوقف في القربة الصادرة من المجيز بعد وقوع العقد مع ان الأصل عدم النقل و بقاء الملكية إلا أن يفرض صدور القربة من الفضولي جهلا و صدور القربة من المالك حين الإجازة و أن يقع الوقف عن مالكه و تكون الاجازة على طبقة فلا يبعد حينئذٍ صحة الوقف الفضولي لو نوى الفضولي الوقف عن نفسه فاجاز المالك كذلك كان تمليكاً له و وقفا عليه و لو اجاز المالك عن نفسه أو نوى الفضولي عن المالك فاجاز المالك عن الفضولي ففي الصحة اشكال و لو اختلفا الصادر من الفضولي مع الاجازة بطل الوقف فلو وقف خاصا أو تشريكا أو مقيدا بقيد أو مشروطا بشرط فاجاز عاما أو مرتبا أو مطلقا أو غير مشروط أو مشروطا بشرط آخر بطل الوقف الا ان يجيز مرة اخرى و بالجملة فالفضولي في الوقف لا يخلو من اشكال و هل فضولي القبض كفضولي العقد يحتمل ذلك لاشتراط استمرار القربة معه فيجري عليه ما يجري عليه و يحتمل كفاية القربة المقارنة للصيغة من المالك مع القربة المقارنة لإجازة القبض و هو قريب و هل فضولي القبول كفضولي الايجاب فيجري فيه الاشكال المتقدم أو انه ماض عند الاجازة من غير اشكال لعدم منافاة القربة له وجهان و لا يبعد الاخير و لو وقف ما يملك و ما لا يملك صح في المملوك دون غيره و تفرقت الصفقة و انصب العقد على القابل دون غير القابل لان الاسباب الشرعية معرفات لا علل عقلية و نفذت القربة فيما يصح و فسد فيما لا يصح هذا إن لاحظ الوقف على الجميع فلو لاحظ المجموع من حيث هو ففي صحة الوقف وجهان و لا يبعد عدم صحته و يجوز وقف الاسلحة و الذهب و الفضة على الحضرات و المشاهد للتزين و التعظيم لها و بالحقيقة هو وقف على المسلمين لا لانتفاعهم فيه لتعظيم مساجدهم و حضراتهم و كيد اعدائهم و اغماض عيون حسادهم و يصح وقف الدراهم و الدنانير و للتزين و التعظيم و لجلب المال و الاعتبار و لمنافع أخر كما ورد في الأخبار من

33

جواز الانتفاع بها مع بقاء عينها كما سيجيء ان شاء الله تعالى في كتاب العارية فتدخل تحت ما يصح وقفه عموما و خصوصا و منع جماعة من وقفها و نقل عن الشيخ (رحمه الله) في المبسوط الاتفاق على المنع الا من شذ و ندر و لعله بذلك يحصل الاشكال في صحة وقفها و شمول ادلة الوقف لها و منها أن يكون الموقوف موجودا فلا يصح وقف المعدوم ابتداءً سواء كانت له مادة واصل أولم يكن له لعدم دخوله تحت دليل الوقف و يجوز وقف المعدوم تبعا للشرط كما يقف الامة بشرط أن يكون ولدها وقفاً و يقف الشجرة على أن يكون ثمرها وقفا و هو و إن لم يكن وقفا حقيقة ففائدته فائدة الوقف و لا يجري ذلك في المعدوم من غير توابع الأصل فلا يصح وقف كتاب بشرط ان ما تحمله الامة وقف لعدم دليل على صحته و عموم دليل الشرط لا يقضي بجوازه كما تقدم غير مرة و لو وقف معدوما فبان موجودا فالاقرب الفساد مع احتمال الصحة و لو قارن القربة على فرض وجوده و لو وقف موجوداً و معدوماً صح في الموجود دون المعدوم و منها أن يكون مذكورا بلفظه أو بالاشارة إليه من قرينة حال أو مقال فلو لم يذكر فسد الوقف و لو ذكر شيئا فبان خلافه كما إذا زعم انه جارية فبان عبدا كان من تعارض الاسم و الاشارة فان كان القصد أولا و بالذات نفس المسمى و وقع التعبير بالاسم زعما صح في المسمى و إن كان القصد الاسم و وقع صدقه على المسمى منه زعما صح في الاسم و إن لم يكن له قصد أولًا و بالذات فسد الوقف و كذا لو قصد المسمى أو الاسم فبان خلافه و لو وقف شيئا بزعم انه صغير أو معيب أو بقيمة دنيا فبان كبيراً أو صحيحا أو بقيمة عليا تصريحا له فالظاهر صحة الوقف و مضيه و احتمال البطلان لتبعية العقود للقصود أو الصحة متزلزلًا فله الخيار بين الامضاء و الفسخ احتمالان قويان الا ان الأول اقوى.

خامس عشرها: يصح وقف المشاع كما يصح وقف المقسوم

لعمومات الادلة و اطلاقاتها و للإجماع المنقول بل قد يدعى المحصل و لامكان القبض في المشترك مطلقا إن قلنا انه التخلية مطلقا أو ما يكون القبض فيه هو التخلية و إن كان القبض باذن الشريك و الواقف في مقام لا يكون القبض هو التخلية بإذن الشريك فان لم يأذن

34

الشريك جُبر على القسمة و قبضه الموقوف عليه مقسوما و احتمال بطلان القبض هنا لان المقبوض حينئذٍ غير الموقوف ضعيف لان القسمة مميزة و مثبتة له نعم قد يشكل الحال فيما لو امتنع الشريك من التقبيض و لم يكن الموقوف مما يجبر الممتنع على قسمته فهنا يحتمل البطلان و يحتمل الصحة مراعاة بالقبض و لو بعد حين و يحتمل ان للحاكم نصب ثالث عند امتناع الشريك للقبض عن الموقوف عليه باذن الواقف و يحتمل ان القبض يكون هاهنا هو التخلية لتعسر غيرها بل قد يجعل القبض كله هو التخلية في باب الوقوف و الصدقات و لو عصى الشريك فقبض المال المشترك من دون اذن الشريك فالاقرب فساد القبض لمنافاته للقربة و قد ورد في الأخبار ما يدل على جواز الوقف المشاع كقول النبي (صلّى الله عليه و آله و سلّم) لعمر في سهام خيبر: الأصل و سبل الثمرة و قد كانت السهام مشاعة و كالأخبار الواردة في الصدقة الظاهرة جملة منها في الوقف أو الشاملة له بترك الاستفصال فمنها الخبران في الرجل يتصدق بالصدقة المشتركة قال: جائز. و في ثالث عن صدقة ما لم يقبض و لم يقسم قال: جائز. و في رابع عن دار لم تقسم فيتصدق بعض أهل الدار بنصيبه قال: يجوز. و نحوهما الخامس و في سادس مشهور بصحته كذلك و في سابع عن صدقة ما لم يقسم و لم يقبض فقال: جائزة إلى غير ذلك و المراد فيها الصدقة بالشيء قبل القبض من المتصدق و قبل تقبيضه له و ليس المراد ان الصدقة لا يفتقر إلى قبض و تقبيض كما هو الظاهر.

سادس عشرها: تقدم اشتراط اجتماع شرائط التكليف في الواقف من البلوغ و العقل و الرشد

و عدم الحجر عليه بفلس أو مرض أو نذر لما ينافي الوقف أو عهد أو يمين للادلة على منع اولئك من التصرف كتابا و سنة و اجماعا و قد وقع الخلاف في صحة وقف من بلغ عشرا فقيل بصحته للخبر: (إذا اتى على الغلام عشر سنين فانه يجوز له في ماله إذا عتق أو تصدق على وجه معروف) و في آخر: (يجوز طلاق الغلام إذا كان قد عقل و صدقته وصلته و إن لم يحتلم) و في ثالث عن صدقة الغلام ما لم يحتلم قال: (نعم إذا وضعها موضع الصدقة و الوقف من الصدقة) كما تدل عليه النصوص و الفتاوى و للاخبار الدالة على جواز وصيته فتدل على جواز وقفه

35

لاتحادهما في التصرف بالمال و قيل بالبطلان للاخبار الدالة على الحجر على الصبي حتى يبلغ و المراد به الاحتلام أو بلوغ خمس عشرة أو اربع عشرة و هي اخبار معتبرة معتمدة موافقة للاستصحاب و للمشهور بل المجمع عليه نقلا بل تحصيلا بين الأصحاب فلا تعارضها تلك الأخبار الضعيفة سندا القليلة عددا الخالية عن ذكر العشر في ما عدا رواية ضعيفة غير قابلة لحمل الباقي عليها المشتملة على جواز طلاقه و هو مردود متروك المقيس مضمونها على اخبار جواز الوصية و كل من المقيس عليه و القياس ممنوع فطرحها لمخالفتها للجمهور احرى و اجدر.

سابع عشرها: للواقف أن يطلق الوقف بحسب النظارة

فلا يتعرض لها سواء كان الوقف عاما أو خاصا و له ان يعين ناظرا له عاما كان أو خاصا لعموم ادلة الشروط و الوقوف على حسب ما يقفها أهلها و لأن الناس مسلطون على اموالهم و يجوز أن يجعل الناظر نفسه لفتوى المشهور بل كاد أن يكون اجماعا و للإجماع المنقول المعتضد بالعمومات و بفتوى الأصحاب و يجوز أن يجعل الناظر غيره لما مر من الادلة و لما ورد في صدقة مولاتنا فاطمة الزهراء (عليها السلام) في حوائطها السبعة و انها جعلت النظر لعلي (عليه السلام) و للحسن (عليه السلام) و هكذا و ما ورد في صدقة علي (عليه السلام) و فيه يقوم على ذلك الحسن (عليه السلام) ثمّ من بعده الحسين (عليه السلام) و هكذا و ما ورد في صدقة الكاظم (عليه السلام) بارضه قد جعلت الولاية فيها للرضا (عليه السلام) و ابنه ابراهيم ثمّ من بعدهم على الترتيب المذكور و أما ما ورد في التوقيع: (و أما ما سألت عن أمر الرجل الذي يجعل لناحيتنا ضيعة يسلمها من قيم يقوم بها و يعمرها و يؤدي من دخلها خراجها و مئونتها و يجعل ما بقي من الدخل لناحيتنا) فان ذلك لمن جعله صاحب الضيعة انما لا يجوز ذلك لغيره فان لم يجعل الواقف ناظرا كان النظر للموقوف في الخاص و للحاكم الشرعي في العام لأنه الولي للمصالح العامة و عليه النظر فيها و احتمال كون النظر للمسلمين كفاية بعيد و منهم من بني المسألة على انتقال الوقف عن الواقف و عدمه فان قلنا بعدم الانتقال فالنظر إليه و إن قلنا بالانتقال فان قلنا ينتقل إلى الموقوف عليهم فالنظر اليهم مطلقا عاما

36

أو خاصاً و إن قلنا ينتقل في العام إلى الله تعالى كان النظر للحاكم الشرعي و الاولى ما ذكرناه ثمّ ان الواقف ان اشترط النظر لنفسه فالظاهر انهم كالولي الاجباري فلا يشترط عدالته ابتداءً و لا استدامته بحيث انه ينعزل لو كان عدلًا ففسق كل ذلك للاصل و لتنزيله منزلة المالك من حيث صدور الوقف عنه و إن اشترطه لغيره فالظاهر اشتراط عدالته ابتداءً و انعزاله بالفسق المتجدد و ذلك لانه امين عند نصبه من الواقف على مال الغير فلا يصح تولية غير العدل على مال الغير سيما و ان حق البطون اللاحقة متعلقة بالوقف فلا بد من ملاحظة عدالة من يتولاها مضافا إلى ان الاتفاق محكي على ذلك و الشهرة المحصلة فالحكم لا اشكال فيه و في الأخبار ما يشعر بذلك ففي النص المتضمن لصدقة امير المؤمنين (عليه السلام) بعد ذكر نظارة الحسن (عليه السلام) و الحسين (عليه السلام) فان حدث بهما حدث فان الآخر منهما ينظر في بني علي (عليه السلام) فان وجد منهم من يرضى بهديه و اسلامه و امانته فانه يجعله إليه إن شاء الله تعالى و إن لم ير فيهم الذي يريد فانه يجعله إلى رجل يرضى به من بني هاشم و هنا امور منها انى اشتراط العدالة هل هو ظاهري بنظر الواقف أو واقعي وجهان و مقتضى قواعد الشروط الاخير و لو اشترط الواقف عدالة الناظر فلا شك في عدم اجزاء الفاسق و منها أنه لا يجب القبول على المنصوب من قبل الواقف و احتمال وجوب القبول كفاية أو وجوب القبول عينا ما لم يعلم الواقف بالرد فيكون بمنزلة الوصية بعيدان لمخالفتهما الأصل من غير دليل يدل على ذلك نعم يحتمل ذلك فيمن نصبه الحاكم الشرعي للنظارة لوجوب اتباعه في سياسة المصالح العامة و لحرمة الرد عليه و منها ان النظارة كالوصاية لا تفتقر إلى ايجاب يواجه به و لو قلنا بافتقارها إلى ذلك فلا تفتقر إلى ايجاب لفظي و لا إلى قبول لفظي و ان لزم القبول و الرضا من الناظر و احتمال الالتزام بالنظارة بمجرد جعل الواقف بعيد و لا يتفاوت الحال بين امكان الرد عليه و بين عدمه نعم يلتزم الناظر فيما إذا أوصي إليه ناظر ماذون له بالوصاية و لم يردها تعذر عليه نصب غيره على الاظهر و منها إذا قبل الناظر النظارة فهل له ردها بعد ذلك لانه بمعنى التوكيل أو ليس له ردها للاستصحاب وجهان و لا يبعد الاخير و على الأول فاذا ردها عاد الوقف بلا ناظر فيكون بمنزلة

37

الوقف الذي لا ناظر له ابتداءً مع احتمال ان النظارة تكون للحاكم الشرعي هنا لا للموقوف عليهم لان الواقف لم يرض بنظرهم ابتداء فترجع النظارة لولي المال الذي لا ولي له لتعلق حق البطون به و منها انه هل للواقف عزله بعد قبوله لانه بمعنى الوكالة أو ليس له وجهان و الاقوى العدم قضاءً لحق الشرط و الاستصحاب إلا إذا اشترط أن له عزله فإنه له و منها أنه هل للواقف نصب ناظر بعد تمام صيغة الوقف و القبض حيث لم يكن ناصبا قبل أو كان ناصباً فيعزل الأول و ينصب غيره أو يضم إلى الأول غيره وجهان و لا يبعد العدم لانتقال الوقف عنه و مضي سلطنته عنه الا إذا اشترط أن ينصب ناظرا و منها لو رتب النظارة فجعلها أولا للموجودين ثمّ إلى البطون اللاحقة فهل يشترط في لزومها عليهم قبولهم و رضاهم أو لا يشترط بل يلتزمون به كالوصية سيما بعد موت الواقف وجهان و لا يبعد الاخير و منها انه لا يجوز أن يجعل النظر لنفسه فينصب ناظراً أو وكيلًا عنه بعد ذلك فيجوز له عزله حينئذٍ و يجوز أن يشترط في الوقف نصب ناظر على حسب ما يريده بعد الوقف فينصبه الواقف فيلتزم به و ليس له حينئذٍ و يجوز أن ينصب ناظراً أو يشترط ان له عزله و يجوز أن يشترط نصب ناظر امره إليه نصبا و عزلا و تبديلا فينصب من شاء و يعزل من شاء و منها أنه لو فسق الناظر المنصوب من طرف الواقف أو جن أو اغمي عليه انعزل و عاد أمر الوقف إلى اهله أو إلى الحاكم مطلقاً لأنه الولي على مال الغائب و شبهه و لو عاد إلى العدالة أو الكمال ففي عود النظارة وجهان من أنها كالوكالة فلا تعود و للاستصحاب و من انها كالولاية و قد منع من نفوذها مانع فاذا زال عادت و الاخير اقوى و منها أنه لو مات الناظر فهل تعود النظارة لأهل الوقف أو للحاكم وجهان و الاحوط الاخير و منها أن الناظر إن شرط له شيء عوض عمله كان له و ليس له غيره و لو كان دون اجرة المثل إن رضي به ابتداء و إن لم يرض به ابتداء و كان دون اجرة المثل احتمل انه ليس له سواه و احتمل أن له اجرة المثل قهراً سيما فيما لو كان المسمى قليلا و إن لم يشترط له شيئا فإن أقدم متبرعا فليس له شيء و إن اقدم على عوض و كان العمل مما له أجرة عادة لزم اجرة المثل من الوقف أو من مال الواقف و يحتمل أن لا شيء له لوجوب النظارة عليه من الواقف

38

و المفروض أنه لا يستحق على الواقف شيئا من ماله للانفاق على ذلك فلا يستحق من الموقوف شيئا لانتقاله عن ملك الواقف فلا سلطان له عليه و منها أنه لو شرط الواقف النظارة لنفسه مع استحقاق أجرة المثل له اشكال و أشكل منه ما لو شرط له شيئاً في مقابل النظارة في عقد الوقف و لم يكن زائداً عن اجرة المثل و منها أنه لا يجوز التصرف لغير الناظر فيما له النظر فيه إلا مع غيبته أو امتناعه فيرجع إلى الحاكم الشرعي فان فقد رجع لعدول المسلمين حسبة و قد يشكل لزوم الرجوع للناظر الخاص أو العام في الاوقاف العامة من مدارس و قناطر و مساجد للزوم تفويت كثير من اغراض الواقف عند لزوم الرجوع اليهم من رفع و وضع و تعمير و اصلاح و سكنى و غيرها إلا أن يقال إنما يضطر إليه سائغ بالاذن الفحوائية و بالسيرة القطعية و ما لا يضطر إليه فان قضت الاذن الفحوائية من نزول و سكنى و عبور فلا بأس به و إن لم تقض به الإذن لزم الرجوع فيه إلى ما قدمنا و بالجملة فما قضت به السيرة القطعية من التصرفات و الاوقاف العامة من دون سؤال عن وجود ناظر لها أو عن رضاه بعد العلم بوجوده لا بأس به و منها أنه لو شك الانسان في نصب ناظر على الوقف من الواقف فالاصل عدمه و لو شك في اشتراط شيء زائد من توابع النظارة فالاصل عدمه أيضا و منها أنه لو تصرف أحد بالوقوف العامة من دون إذن الناظر أو اكل من ثمرها فهل يقع التصرف فضوليا موقوفا على اجازته أو يقع صحيحاً إلا أن المتصرف آثم بترك الاستئذان وجهان و لا يبعد الأخير فيما إذا قطع بعدم الاحتياج إلى الثمرة في تعمير أو دفع خراج أو نحو ذلك و الاول في غير ذلك و منها ان الناظر من الواقف إن صرح له بشيء خاص من الاعمال كان ناظرا عليه و إن اطلق كان له مع الاطلاق تولي مصالح الموقوف و دفع المفاسد عنه فله تعمير الوقف من نمائه و من غيره و دفع القذارات عنه و منع الداخلين من المفسدين إليه و له الاجارة و تحصيل الغلة و قسمتها على اربابها و له فتح الباب المحتاج إليه وسد الاخرى و له هدم ما يضر بقاؤه و له قلع ما يضر غرسه و ليس للموقوف عليهم التصرف في شيء من ذلك من دون إذنه إلى ما قضت به السيرة و الاذن الفحوائية أو كان الموقوف عليه متحداً و كان للواقف غلة لا يحتاج إليها في الوقف قطعا اما لو

39

احتمل الموقوف عليه الاحتياج إليها لتعمير أو دفع أو خراج أو اصلاح حرم عليه التصرف من دون إذن الناظر و لا يملك على الظاهر و منها أن الواقف لو اشترط عدم الناظر في الوقف العام و اجاز لكل أحد التصرف من دون رجوع إلى الحاكم فالظاهر أنه لا عبرة بقوله لخروج الوقف عن ملكه و انتقاله إلى غيره فلا يسمع قوله فيما يعود إلى الوقف ضرر فيه نعم لو اجاز اكل كل أحد من دون استئذان الحاكم و لم يتعلق به ضرر على الواقف فلا يبعد الجواز من دون استئذان و منها انه كما يشترط كون الناظر المنصوب من قبل الواقف عدلًا لا يشترط كونه له اهتداء في التصرف فلو لم يكن له الاهتداء بطلت نظارته ابتداءً حتى لو كان المشروط نظارته هو الواقف منه نفسه و منها أنه لو نصب الواقف ناظرا عدلا و غيره صح في العدل و فسد في غيره و لكن لا يجوز للعدل التصرف حتى يضم الحاكم إليه آخر بدلا عن الفاسق و كذا لو نصب ناظرين أحدهما أغمي عليه أو مات و منها أنه يجوز جعل النظارة للموجودين فقط إذا وجدوا مشتركا و لهما مرتبا الموجود أو لا ثمّ المعدوم أو بالعكس و منها أنه لو عدد النظار فله أن يصرح بالاستقلال فيجوز لكل منهما الاستقلال و مع فقد أحدهما فلا يبعد عدم لزوم ضم واحد بدله إلى الآخر من الحاكم و له أن يصرح بالاجتماع و هنا لا بد من الانضمام و له أن يصرح باستقلال واحد دون الآخر و إن أطلق فالظاهر إرادة الاجتماع و إن عطفت بالواو فالظاهر ارادة التشريك و إن كان العطف بالفاء أو بثم فالمراد الترتيب و إن عدّد النظارة و جعل لكل واحد عملًا اختص به و إن أطلق فالظاهر اشتراكهم في كل الأعمال و منها لو تشاح النظارة المستقلون اقترعوا بينهم فان عطلوا المال جبرهم الحاكم أو قام مقامهم و لو تشاح المجتمعون جبرهم الحاكم فان ادى التشاح إلى الفسق عزلهم و إن عرف الفساد من واحد بعينه عزله و نصب بدله و منها لو ادعى شخص النظارة في الوقف العام و كان صاحب يد فلا يبعد لزوم تصديقه و ليس للحاكم رفع يده و لو ادعى من دون استيلاء يد كان للحاكم منعه لانه الولي حيث لا يثبت ولي و لو ادعى في الوقف الخاص كان مدعياً مطلقا و عليه البينة و منها انه لو انعزل الناظر من قبل الواقف انعزلت وكالته و لو أذن له بالواقف بأن ينصب ناظراً عن

40

الواقف فنصب عنه لم ينعزل و منها أنه لو صار الحاكم الشرعي ناظراً لم يجز للحاكم الاخير عزله و لا مزاحمته و لو نصب ناظراً لم يجز للآخر عزله من دون مصلحة للوقف يريدها الآخر للزوم الفساد في تجويز ذلك و عدم استقرار وكلاء الحاكم لوقوعهم بين نصب و عزل فلا يستقيم النظام و هل ينعزل الناظر المنصوب من قبل الحاكم بموته الظاهر لا لأنه كالمنصوب من قبل الامام (عليه السلام) نعم لو جعله وكيلا عنه في النظارة انعزل بموته و لو جن منصوب الحاكم أو فسق فالاظهر عدم عود نظارته بعود كماله و عدالته و لو رأى الحاكم صلاحا بنصب الفاسق إلى حين فلا يبعد جواز نصبه فاذا اقتضت المصلحة منه انعزل و منها أنه يجوز نصب العبد ناظراً باذن مولاه و في نصب الحاكم له اشكال و لا يجوز نصب الطفل قبل بلوغه و يجوز نصبه بأن يجعل له التصرف بعد البلوغ و يكون أمر الوقف ما بين الوقف و بلوغه راجعا إلى الموقوف عليه و في جواز نصب المجنون إذا عقل و السفيه إذا أرشد اشكال و منها ان الحاكم الشرعي لو فقد فالنظارة في الوقوف العامة أو الخاصة الناقصة أهلها بجنون و شبهه تكون لعدول المؤمنين فإن لم يمكن فلكل من له القابلية حسبة لانه احسان و ما على المحسنين من سبيل و منها أن الناظر يصح أن يكون خاصا بعينه و يصح كونه عاما كأن يقول و النظر للتقي من ارحامي أو الارشد من اقاربي أو لمن كان جار الموقوف فإن اتحد كان النظر له وحده فإن تعدد كان لهم جميعا و الظاهر انه على جهة الاستقلال و لا يصح جعل ناظر مردداً مع احتمال جواز جعل أحد الرجلين ناظرا فيكون كالواجب الكفائي على جهة الوجوب على الجميع و سقط بفعل أحدهما لا على جهة الابهام و يصح جعله على التخيير بينهما و الخيار يكون بايديهما و منها أنه يجوز جعل الناظر ناظراً على حال دون آخر و يجوز أن يقيد النظارة بمدة معينة و يجوز أن يتعدد النظارة على عدد المدد أو الاوصاف أو الاحوال و يجوز أن يجعل الناظر نفس الموقوف عليه فيكون شرطاً مؤكداً و يجوز أن يشرك نفسه و غيره مع الموقوف عليه بالنظر و يجوز أن يجعل ناظرا على الناظر يرجع إليه في التصرف و يجوز أن يجعل الرأي لواحد و العمل لآخر و لو شرط على

41

الناظر أنه لو فعل كذا في الموقوف انعزل ففي صحة هذا الشرط اشكال إلى غير ذلك من الفروع المتكثرة.

ثامن عشرها: الوقف عام و خاص

و العام هو الوقف على ما ينحصر عرفاً بحيث كان حصره متعذراً أو متعسراً و من لوازمه انه لا ينقرض غالبا و ذلك كالوقف على المسلمين و الفقراء و السادات و المؤمنين و الزائرين و الحجاج و اهل البلد الفلاني أو القرية الفلانية المتسعة عرفا و يدخل فيه الوقف على المطلق إذا اريد بالوقف الوقف على الطبيعة كالوقف على طبيعة الرجل و على طبيعة المؤمن و على طبيعة الزائر و نحو ذلك و من اقسام العام الوقف على المصالح كالوقف على المصالح كالوقف على المدارس و المساجد و القناطر و نحوها فإنه يعود الوقف على أهلها من المدرسين من المسلمين و لمصلين و المستطرقين منهم و هو في الحقيقة وقف عليهم لأن المصالح لا تملك و لا تعقل فلا يصح الوقف عليها و عود الوقف اليهم بحكم الشارع لظاهر الاتفاق على جوازه و إن نوى الواقف إن الموقوف عليه هو المسجد مثلا إما لانحلال قصد الواقف إلى ذلك عند التفصيل و إما لإرادته من المسجد المصلين مجازا بقرينة الحال و الخطاب أو تصحيحا للوقف مهما امكن وجوه و احتمالات اوجهها الثاني و الوقف الخاص ما كان الموقوف عليه منحصرا عادة و ينقرض غالبا كالوقف على الاقارب و الأخوة و الأولاد و أهل قرية صغيرة أو بيوت قليلة و من لوازم الأول عدم وجوب صرف نماء الوقف على جميعهم لمكان التعذر و التعسر و كون تولية الوقف بيد الحاكم و من لوازم الثاني لزوم صرف النماء في جميعهم على نسبة القسمة الموظفة لهم و كون تولية الوقف بايديهم مع عدم جعل ناظر من الواقف و لو عاد الخاص عاما بحيث انتشرت افراده و كان لا ينحصر احتمل اجراء حكم العام عليه و احتمل بقاء حكم الخاص عليه فيجب التوزيع عليهم مهما امكن و صرفه في جميعهم مهما تيسر و الأخير أقوى و لو عاد العام خاصاً بحيث انحصرت افراده فالاظهر بقاء حكم العام و يجوز أن يفيد الواقف العام بصنف خاص أو بوصف خاص فيجب اتباعه فلو وقف القنطرة و المدرسة على الفقراء جاز و هل يجوز التقييد في المسجد كأن يقف المسجد على الفقراء يحتمل الصحة لعموم ادلة

42

الشروط و الوقوف على حسب ما يقفها أهلها و يحتمل العدم لعدم معقولية الاختصاص بالمسجد لأن وضعه شرعاً على عموم الانتفاع به في العبادة و الصلاة فالتخصيص مناف لعقد وقفه و على العدم فهل يبطل الوقف لبطلان الشرط أو يصح لكونه فك ملك على وجه التبرع و قد حصل فيبطل الشرط و يصح الوقف وجوه و لا يبعد أن خيرها أوسطها ثمّ ان الوقف قد يترتب خاصا بعد خاص و هكذا و قد يكون أوله خاصا ثمّ بعده عاما و قد يترتب بالعكس و قد يترتب عاما فعاما و هكذا ثمّ ان الوقف قد يكون وقف تشريك و قد يكون وقف ترتيب و قد يكون فيه تشريك و فيه ترتيب و قد يترتب العام و قد بين عامين و قد يشرك بين عام و خاص و قد يخص الترتيب أو التشريك بزمان دون زمان أو بحال دون حال أو بمكان دون مكان أو بسنة دون سنة في وجه و قد يخص أحدهما و يطلق الآخر إلى غير ذلك من الفروع المتكثرة القاضي بجوازها ظواهر ادلة الشروط و الوقوف و ظاهر اتفاق الفقهاء و لو شك في أن الوقف عام أو خاص و كان الخاص داخلا في العام احتمل الحكم بالعموم لخروج الوقف عن ملك الواقف و الأصل عدم اختصاصه بموضوع خاص و احتمل الحكم بالخصوص لأنه المتيقن و ينفي ما زاد بالاصل و لو عرف الموقوف عليه و شك في اشتراط وصف زائد أو قيد زائد فالاصل عدمه و لو شك بين عام و خاص و لم يكن الخاص داخلا في العام أو بين خاصين فالقرعة أو التوزيع عليهما أو بقاء العين موقوفة و يكون حكم النماء حكم مجهول المالك و احتمال رجوع العين في حكم مجهول المالك بعيد و لو دار الامر بين الوقف التشريكي و الترتيبي احتمل الحكم بالتشريك لانتفاء الترتيب بالاصل و احتمل الحكم بالترتيب لانه المتيقن و احتمل القرعة و قد يقال إن الأصل فيما يدور بين العام و الخاص هو العام لانتقال الملك عن الواقف و اصالة عدم الخصوصية و يعرف التشريك بالعطف بالواو أو التقييد بلفظ مع أو الاتيان بلفظ جامع للكل و يعرف التشريك بالعطف بثم أو الفاء لظهورهما في الترتيب الحكمي دون الذكري أو الاتيان بلفظ بعد و نحوها و من الترتيب أن يقول وقفت على اقاربي الأقرب فالاقرب أو اولادي الأعلى فالأعلى و الاكبر فالاكبر و لو ذكر عدة اسماء و قال الأول فالاول أو المقدم فالمقدم أو

43

السابق فالسابق أو واحدا بعد واحد افاد الترتيب و لو لم يذكر عدة أسماء بل قال وقفت على اولادي واحداً بعد واحد فالظاهر التشريك و إرادة ان المعدوم بعد الموجود و كذا لو قال وقفت على اولادي بطنا فبطنا و ظهرا فظهراً و لو قال بطناً بعد بطن و ظهراً بعد ظهر احتمل إرادة الترتيب و احتمل إرادة التشريك و بيان أن المعدوم بعد الموجود فيفيد الاستغراق و الاول أظهر.

تاسع عشرها: لو وكل في الوقف مطلقاً للجهالة و لو وكل على الإطلاق أو العموم صح

و كان للوكيل الخيار و لو أقر الواقف بوقف حكم عليه بوقوعه صحيحاً مقبوضاً فيخرج من أصل ماله لو أقر بوقوعه حال الصحة و لو اقر بوقوع وقف منه لا يعلم وقوعه منه حال الصحة و المرض ففي خروج من الأصل أو الثلث اشكال و نماء الوقف ليس بوقف بل يملكه الموقوف عليه إلا مع الشرط و كان بحيث يمكن وقفه فإن الظاهر صيرورته وقفاً أو بحكم الوقف بالشرط نعم قيمة الوقف إذا اتلفه متلف فاشترى بها شيئاً كان بمجرد الشراء وقفاً و لا يحتاج إلى صيغة على الاظهر لأنه يغتفر في الثواني ما لا يغتفر في الاوائل و في التابع ما لا يغتفر في المتبوع و لو ضمن لمثله كان مثله بعد قبضه وقفا و المفصول من الاوقاف العامة من الاراضي ما عدا المساجد يملكه اخذه كالمأخوذ من الطرق و الاراضي الخراجية لأنه بمنزلة النماء و المسيرة و الظاهر جواز هدم الوقف الخاص و تغييره إلى موضوع آخر إذا تعلقت للموقوف عليهم مصلحة بذلك و لم يكن اشترط الواقف بقاءه على وصف خاص و إلا لزم اتباع شرطه للاصل و لملاحظة الواقف نفع الموقوف عليه فيدور الحكم مدارها و لأن الدارية و الحمامية لم تؤخذ حين الوقف شرطاً كي يجب اتباعهما و إنما اخذت عنوانا و لا يجب اتباع العناوين و أما العام فإن كان مسجدا فلا يجوز تغييره و إن كان غيره فإن بطل الانتفاع على هيئة الموقوف عليها فلا شك في جواز تغييره لأن بقاءه مناف لغرض الواقف حينئذٍ و لرجوع امره إلى الحاكم الشرعي فيفعل فيه ما فيه صلاح للموقوف عليهم و لأن الواقف إذا لم يشترط وضعه على هيئة خاصة يعود وقفه على تلك الهيأة من الاوصاف العنوانية فلا يجب اتباعها لأنها لم تؤخذ قيداً إلا إذا فهم من حاله ارادة ذلك و ان لم يبطل الانتفاع

44

به بتلك الجهة فالاظهر عدم جواز تغييره مجاناً لأن الظاهر من حال الواقف في الاوقاف العامة ارادة بقائه على الحالة الموقوف عليها سيما لو كان الموقوف بستانا أو حماما أو مدرسة و لو لم يفهم ذلك جاز للحاكم التغيير مع المصلحة لأنه الولي على المصالح العامة.

العشرون: يثبت الوقف بالبينة و باخبار العدل في وجه قوي

سيما مع عدم المعارض و باخبار صاحب اليد و باستقلال الموقوف به و كونه من توابعه كفرش المسجد و سرجه و آلاته و جميع ما هو بايدي الموقوف عليهم من توابعه و بالشياع المفيد للظن القوي و باستعمال المسلمين له استعمال الاوقاف و اجراء حكمها عليه و بحكم المجتهد به و بوجود علائم الوقف المفيدة للظن الغالب عادة به كنصب محاريب و نحوها في المساجد و كتابة لفظ الوقف على سطر القرآن الشريف كتابة يظهر منها الصدق أو كتابة وقفية عليه يظهر منها الصحة أو كبناء القباب و المشاهد اليوم في المقامات التي يدعون أن أهلها اولياء أو غير ذلك و هذه العلائم الاخيرة لا تعارض اليد المدعية للملكية النافية للوقفية و انما تثبت الوقفية حيث لا معارض.

الحادي و العشرون: الوقف عامة و خاصة ينتقل عن الواقف

كما هو المشهور شهرة محصلة و منقولة و كما نشعر به اطلاق لفظ الصدقة عليه في الأخبار فانه لا يعقل للفظ الصدقة عرفا و شرعا معنى سوى ما انتقل عن صاحبه لغيره ابتغاء وجه الله تعالى و في الخبر ان صدقة رسول الله (صلّى الله عليه و آله و سلّم) و فاطمة (عليها السلام) لبني هاشم و بني عبد المطلب و ظاهر اللام الانتقال و في أخبار الوقف ما فيه أنه صدقة بتا بتلا و هما بحسب العرف و اللغة المنقطعة عن صاحبها و يؤيد الانتقال أن الوقف يزيل التصرف بالعين و المنفعة اللازمان للملك و زوال اللازم يدل على زوال الملزوم و أنه لو لم ينتقل لرجع ضمانه إلى المالك فلا يلتزمه أحد و ما نقل عن بعض الأصحاب عدم الانتقال لجواز ادخال من يريد مع اصاغر ولده و لأن الوقف تحبيس و من شأنه عدم الملك للمحبوس عليه فلا ينافي ملك الحابس له بل العدول عن النقل إلى التحبيس دليل على عدم الانتقال و الكل ضعيف لانا لا نقول بالاول و لو قلنا به فللدليل و لأن المراد بالتحبيس التحبيس على الموقوف

45

عليه من التصرف فيه بنقل عنه أو انتقال بمعنى أن لا ينتقل إليه مطلقا بل على الوجه الذي نقله إليه و دعوى أن كل حبس شأنه عدم الملك ممنوع لأن من افراد الحبس هو الوقف و العدول من النقل إلى الحبس للدلالة على أن الموقوف محبوس على الموقوف عليه ثمّ على القول بانتقاله من ملك الواقف فهل يعود لله تعالى لثبوت انتقاله عن الواقف و عدم ثبوت انتقاله إلى غيره استصحابا و معنى انه لله تعالى أنه لا يملكه أحد من الآدميين فيكون كالتحرير و ليس كسائر المباحات لاختصاص الموقوف عليه به و عدم جواز مزاحمته في عينه و لا منفعته و لا في قيمته لو ضمن بقيمته بحيث لم يمكن جعل القيمة وقفا أو يعود ملكا للموقوف عليه مطلقاً كما نسب للاكثر و إن لم يجز نقله و بيعه كأم الولد لأنه قال مضمون بالمثل و القيمة و ليس ضمانه للواقف و لغيره فيكون للموقوف عليه و نقض ذلك ببواري المسجد و آلاته فانها تضمن بالقيمة و ملكها لله تعالى ورد بأن النقض إنما يتم لو جعلنا المضمون في الوقف مطلقاً وقفا و لو جعلناه للموقوف عليه طلقا لم يتم النقض و نظر فيه بان جعله مما يؤكد النقض بخلاف جعله وقفا لبقاء أصل الشبهة و في النظر نظر لان الغرض الفرق بين بواري المسجد و غيرها للزوم كون المضمون في الأول وقفا دون الثاني و قد يستدل على انتقاله للموقوف عليه برواية سليمان النوفلي في ارض موقوفة على قوم منتشرين فاجاب بانها لمن حضر البلد الذي فيه الملك لمكان اللام المفيدة لملك رقبة الأرض لأنها المسئول عنها للحاضرين و قد ينظر

فيه بعدم افادة اللام الملك و بعدم تعلق الملك بنفس رقبة الأرض ضرورة أن الغائب له سهم فيها لأنه لو دفع إليه شيء من نمائها لاستحقه غاية ما في الباب لا يجب التوزيع و الدفع إلى الغائب و قد يناقش في عدم افادة اللام الملك لظهورها فيه و في جواز دفع شيء للغائب قبل حضوره و قد يستدل على أصل الملك باطلاق لفظ الملك الظاهر في كونه للآدميين إن ثبت اشتمال لفظ الرواية على لفظ الملك كما في المشكاة أو يفرق بين كونه وقفا على منحصر فيملكه الموقوف عليهم لظاهر الأخبار الدالة على انها لهم و لثبوت جملة من لوازم الملك فيه و لعود النظارة فيه اليهم و لعود قيمته أو مثله مع عدم امكان جعلهما وقفا اليهم قطعا و بين كونه وقفا على غير منحصر سواء كان وقفا على

46

نوع أو صنف أو على مصلحة من مسجد و قنطرة فيعود لله تعالى كما اختاره جماعة لتساوي نسبة كل واحد من المستحقين إليه و استحالة ملك كل واحد أو واحد معين أو غير معين للاجماع و استحالة الترجيح و لا المجموع من حيث هو لاختصاص الحاضرين به و فيه نظر لجواز كون الملك لكل واحد كالطرق و الشوارع و لكن لا يجب توزيع النماء عليهم و جواز كون المالك هو الطبيعة و لا نسلم كونها معدومة لوجودها في ضمن الافراد أو يفرق بين الوقف على الآدمي فيملكه الموقوف عليه و بين الوقف على المصالح فيعود لله تعالى كما اختاره بعض و ذلك لعدم معقولية ملك الجهة لعدم القابلية لذلك و لأنه بمنزلة التحرير كالعتق و لعدم اشتراط القبول و القبض فيها بل يكفي فيها صلاة واحدة و دفن واحد و فيه نظر لمنع عدم تملك الجهة فلعلها تقبل الملك كما تقبل الوقف و لمنع كون الوقف على الجهة وقفا عليها بل هو وقف على المسلمين كما تقدم فيملكه المسلمون و منع عدم اشتراط القبض و القبول فيها و لو من الحاكم بل هو عين الدعوى أو يفرق بين وقف المسجد بالخصوص فيعود لله تعالى لان المساجد لله تعالى و لجريان احكام كونه له عليه و لاحترامه و إعظامه الظاهر من كونه له تعالى و لظاهر الأخبار و السيرة و الآثار و بين غيره فيملكه الموقوف عليه مطلقاً لما دل من الأخبار المشتملة على كون الوقف لهم الشاملة للخاص و العام و من جملة العام صدقة بني هاشم و بني عبد المطلب كما تقدم ما ظاهرها الملكية و هذا الاخير اقوى.

فروع:

الأول: تثبت دعوى الوقف بشاهد و يمين

لو قلنا بانتقاله إلى الموقوف عليه و لو قلنا بانتقاله إلى الله تعالى احتمل اثباتها بهما نعم لو تجردت دعوى العين عن المنافع اشكل ثبوتها بهما و يتولى الدعوى في المنحصر نفس الموقوف عليه و في غيره يتولاها الناظر أو الحاكم و لكن في توجه اليمين عليهما مع الشاهد اشكال ينشأ من كونهما اولياء للوقف و لا يمين على الولي و من كونهما داخلين في الموقوف عليهم فلهم تشبث بالملك في الجملة فيصح منهما اليمين و الأول أوجه.

47

الثاني: لا يصح عتق العبد الموقوف لتعلق حق البطون به

و لما يظهر من الأخبار من منع نقل الوقف و التصرف فيه على غير جهة الوقف و موردها و إن كان غير العتق من هبة و بيع و ميراث إلا انه مثال كما هو الظاهر هذا إن قلنا بانتقاله إلى الموقوف عليه و إن قلنا بانتقاله إلى الله تعالى فوجه عدم صحة عتقه ظاهر لأن العتق فك الملك فلو جاز في الوقف للزم تحصيل الحاصل و لو قلنا ببقائه على ملك الواقف فهو محجور عليه بالتصرف فيه قطعا للاخبار و الفتوى.

الثالث: لو كان العبد بين اثنين فوقف أحدهما نصفه و عتق الآخر

فالاقوى أنه لا يسري العتق هنا إما على القول بانتقال الوقف لله تعالى فللزوم تحصيل الحاصل و أما على القول بانتقال للموقوف عليه فكذلك للشك في شمول دليل السراية المخالفة للاصل لمثل ذلك و لتعلق حق البطون اللاحقة و لعدم نفوذ العتق في الوقوف مباشرة فلا ينفذ سراية بطريق اولى و لظاهر الاجماع المنقول و ظاهر الأخبار ايضاً المشعرة بأن الوقف بعد وقوعه و صحته صار محجوراً عليه و لا ينفذ فيه شيء من التصرفات المزيلة لما هو عليه و كذا على القول ببقائه على ملك الواقف فإن الظاهر عدم السراية للشك في شمول دليل السراية لمثل ذلك و لتعلق حق الموقوف عليه به فلا يقدم عليه حق العتق و قد يحتمل سراية العتق على نصيب الموقوف عليهم و يضمن عوضه المعتق لأنه يكون بمنزلة الاتلاف و يشتري بعوضه ما يكون وقفاً و يفرق بين العتق مباشرة و بينه سراية لأن السراية مع اجتماع شرائطها تكون بمنزلة الاتلاف القهري فتنفذ في المحل بخلاف العتق الاختياري فانه بمنزلة التصرفات الاختيارية و هي محجور عليها و لتوقف صحة العتق الاختياري على انحصار الملك في المباشر أو فيه و في شريكه دون عتق السراية و هذا الاحتمال جار على جميع الاقوال لعموم من اعتق شركاء من عبد و له مال قوم عليه الباقي إلا انه يقوى على القول بانتقال الوقف إلى الموقوف عليه بل خصه بعضهم بذلك و لكن التخصيص منظور فيه بل الاظهر ما قدمناه من الاقربية لقوة ملك الموقوف عليه و إن تلاحق فتقوى فيه الشركة فيقوى احتمال شمول العموم المتقدم له و يضعف هذا الاحتمال لو قلنا بعدم انتقاله عن الواقف لضعف ملكه على القول بها لارتفاع

48

سلطانه عنه بعد تعلق حق الموقوف عليه به فيضعف حينئذٍ احتمال دخوله تحت العموم المتقدم كما يزداد ضعفاً على القول بانتقال الوقف لله تعالى و الحق ان دليل السراية معارض لدليل الوقف إلا أنه لا يقاومه لظهوره في غيره و لاعتضاد دليل الوقف بفتوى المشهور و ظواهر كثير من الأخبار فلا يسمع دليل السراية بالنسبة إليه و يصرف إلى غيره.

الرابع: عمارة الوقف تخرج من غلته و من نمائه مقدماً على حق الموقوف عليه

لأن غرض الواقف بقاء عين الوقف للانتفاع به فما يتوقف عليه البقاء يقدم اخراجه على حق غيره و حينئذٍ فالناظر له أخذ النماء و له اجرة الأرض لتعميرها و لا يعارضه الموقوف عليهم بل له اخراج الموقوف عليهم من سكنى الوقف و ايجارها لتعميرها خاصاً كان الوقف أو عاماً و تمضي اجارته على البطون اللاحقة و لو لم يكن للوقف الخاص ناظر أجره الموقوف عليهم ايضاً لذلك و تمضي اجارتهم ايضاً على البطون اللاحقة لكون مصلحة الإجارة لهم ايضاً و لا يختص بها المؤجر و لو امتنع الموقوف عليهم من ايجار العقار لتعميره حتى آل إلى الاضمحلال ففي جبر الحاكم لهم على ذلك وجه قوي و اذا طلب احدهم الايجار للتعمير لزم الآخرين اجابته و أما نفقة الحيوان فلتزم الموقوف عليه بناءً على ملكه أو مطلقاً لانحصار منافعه فيه فتلزمه نفقته و على القول بعدم انتقاله عن الواقف احتمل كون النفقة عليه و كونها على الموقوف عليه و على القول بانتقاله لله تعالى احتمل كونها على الموقوف عليه و كونها على بيت المال و لو كان الموقوف عليه عاما كانت نفقته على بيت مال المسلمين فتخرج مما لهم من اخماس و زكوات و نحوها و أما نفقة العبد فإن قلنا بملك الموقوف عليه له احتمل كونها على الموقوف عليه تبعا للملك و هو الاظهر و احتمل كونها في كسبه لان نفقته من شروط بقائه كعمارة العقار و هي مقدمة من غلته على حق الموقوف عليه و إن قلنا يملكه لله تعالى احتمل كون نفقته على الموقوف عليهم لأنهم المستحقون للمنفعة بناءً على انه مالك المنفعة كالأجير الخاص و الموصى بخدمته متعلق بهم نفقته ما ملكوا منافعه و احتمل كونها من بيت المال ابتداءً و احتمل تعلقها بكسبه أولا فإن لم يكن ففي بيت

49

المال و إن قلنا بعدم انتقال الوقف عن المالك احتمل كون النفقة على الموقوف عليه لاستحقاقهم المنفعة و احتمل كونها على الواقف و احتمل كونها من كسبه فإن قصر فعلى بيت المال و احتمل كونها على بيت المال مطلقاً لاستعداد بيت المال لعمل المصالح و في الأخبار ما يشعر بتقديم رعاية تعمير الموقوف من الغلة على حق الموقوف عليهم و عليه ظواهر كلام الأصحاب كما تقدم و لو اقعد العبد الموقوف أو ازمن انعتق و تسقط نفقته عن الواقف و الموقوف عليه بالخصوص و تثبت على المسلمين كفاية عند الاضطرار و الموقوف عليه و الواقف أحد المسلمين.

الخامس: لو جنى العبد الموقوف عمداً فعليه القصاص

لعموم ادلته الحاكم على ادلة دوام الوقف لقوتها عليه إن كانت دون النفس بقي الباقي وقفاً و أن كانت نفساً بطل الوقف فيه و هل للمجني عليه الاسترقاق لأن له القتل و ابطال الوقف به فله الاسترقاق بطريق اولى و لأن الجمع بين حق المجنى عليه و بين فضيلة العفو و بقاء النفس المحرمة إنما يحصل بالاسترقاق أو ليس له ذلك لأنه ابطال لحق الوقف المقتضى للتاييد و الدوام فينافيه و شمول ادلة استرقاق المجنى عليه للجاني في هذا المقام محل شك و بالجملة فقد جاء ما دل على التاييد في الوقف و ما دل على جواز استرقاق الجاني و بينهما تعارض و لا يبعد أن القوة لجانب ادلة الوقف و لو جنى خطأ احتمل تعلق الجناية بمال الموقوف عليه بناءً على أنه يملكه لتعذر استيفائها من رقبته إذ لا يتعلق الارش إلا برقبة من يباع فيلزم على المالك التغذية و احتمل تعلقها بكسبه لأن المولى لا يعقل عبداً و لا يجوز اهدار الجناية و لا طريق إلى عتقه فيتوقع منه الوفاء و احتمل تعلقها برقبته لما دل على جواز استرقاق المجنى عليه للجاني مطلقاً فيقدم حق الجناية على حق الوقف و احتمل التفصيل بين كونه كسوباً ففي كسبه و بين كونه غير كسوب ففي رقبته أو في مال الموقوف عليه و الاوجه في النظر تقديم حق الموقوف عليه من الدوام و شبهه على القول بانتقال الملك لله تعالى احتمل كون الجناية من بيت المال و احتمل تعلقها بكسبه و الأخير أوجه و لو قلنا بعدم انتقاله عن ملك الواقف احتمل كون الجناية في مال الواقف و احتمل تعلقها بكسبه و ثمرة التعلق بالكسب هو أنه و إن كان من مال المالك إلا

50

انه مال خاص لو لم يمكن الوفاء منه لم يرجع إلى مال آخر و لو جنى على العبد الموقوف فإما ان تكون الجناية عمداً أو خطأً و على التقديرين فإما في نفس أو طرف و على كل التقادير فالموقوف إما أن يملكه الموقوف عليهم أم لا ثمّ إن المالك إما أن يختار القصاص في صورة العمد أو يختار الصلح بالمال أو يختار العفو و في غير صورة العمد إما أن يختار المال أو العفو و مقام النظر في هذه الاقسام هو أنه لو كان الحق القصاص فالقصاص بيد الموقوف عليه لو قلنا بانتقال الملك إليه و لا يمنع من القصاص حق البطون اللاحقة لأنه شرع للتشفي فلكل واحد من الملاك أن يفعله و إن قلنا بانتقاله لله تعالى احتمل كون حق القصاص إلى الحاكم لأنه الولي و احتمل كونه للموقوف عليه لرجوع منافع العبد و نمائه إليهم و إن قلنا بعدم انتقاله عن الواقف كان حق القصاص له و احتمل كونه للموقوف عليهم و أنه لو صار الحق مالًا كالدية في حالة الخطأ أو المصالح عليه في حالة العمد فهل يجب أن يشتري به عبداً أو بعض عبد يكون وقفاً أو يختص بها الموجود من الموقوف عليهم لأنه بمنزلة النماء وجهان و وجه الأول ان الدية عوض الرقبة و الرقبة لا يختص بها الموجود بل يشاركهم المعدومون بالقوة القريبة للفعل لحصول السبب المملك و المعدات للملك فلا سبيل إلى ابطال حقهم فيجب أن يشتري عبداً أو بعض عبد فيكون وقفاً ابقاءً للوقف بحسب الإمكان و صيانة له عن الأبطال و توصلًا إلى غرض الواقف مهما أمكن و لأن الوقف تابع لبقاء المالية و لهذا يجب الشراء بقيمة الوقف حيث يجوز بيعه ما يكون وقفاً و وجه الثاني كون الوقف معلقاً بالعين الشخصية و قد بطل باتلافها فامتنع أن يكون لمن سيوجد من البطون حق متعلق به لأنهم حال الجناية غير مستحقين و وقت استحقاقهم قد خرج التالف عن كونه وقفاً و قد يضعف الأخير بأن القيمة بدل عن العين فيملكها من يملكها و يستحقها و الوقف و ان لم يتناول القيمة مطابقة لكنه يتناولها اقتضاءً من حيث أنها قائمة مقام العين و لأن حق الوقف أقوى من حق الرهن و حق الرهن يتعلق بالقيمة و الاول أوجه و قد يفرق في المال بين الدية و الارش فيجعل الارش للموجود دين قطعاً لأنه بمنزلة النماء دون الدية و هو قريب و قطع به بعضهم إلا أن الظاهر أن الخلاف واقع