التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج3

- الشيخ علي الغروي المزيد...
488 /
5

[تتمة كتاب الطهارة]

[فصل في النجاسات]

«الخامس»: الدم (1) من كل ماله نفس سائلة إنسانا أو غيره، كبيرا أو صغيرا.

[الخامس] نجاسة الدم

____________

(1) نجاسة الدم من المسائل المتسالم عليها عند المسلمين في الجملة، بل قيل انها من ضروريات الدين، و لم يخالف فيها أحد من الفريقين و ان وقع الكلام في بعض خصوصياته كما يأتي عليها الكلام. و ليس الوجه في نجاسته قوله عز من قائل قُلْ لٰا أَجِدُ فِي مٰا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلىٰ طٰاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلّٰا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ (1) و ذلك أما «أولا»: فلعدم رجوع الضمير في قوله «فإنه» الى كل واحد مما تقدمه، و إنما يرجع الى خصوص الأخير- أعني لحم الخنزير- و أما «ثانيا»: فلأن الرجس ليس معناه هو النجس و إنما معناه الخبيث و الدني المعبر عنه في الفارسية ب«پليد» لصحة إطلاقه على الأفعال الدنيئة كما في قوله تعالى إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصٰابُ وَ الْأَزْلٰامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطٰانِ (2). فان الميسر من الأفعال و لا معنى لنجاسة الفعل. بل الدليل على نجاسته- في الجملة- هو التسالم القطعي، و النصوص الواردة في المسألة كما تأتي، فالتكلم في أصل نجاسته مما لا حاجة اليه.

و حيث ان أكثر نصوص المسألة قد وردت في موارد خاصة كما في الدم الخارج عند حك البدن [3] و قلع السن [4] و نتف لحم الجرح [5] و دم القروح

____________

[3] كما ورد في رواية مثنى بن عبد السلام عن الصادق(ع) قال: قلت له: اني حككت جلدي فخرج منه دم، فقال: ان اجتمع قدر حمصة فاغسله و الا فلا. المروية في ب 20 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[4] علي بن جعفر عن أخيه(ع) عن الرجل يتحرك بعض أسنانه و هو في الصلاة هل ينزعه؟ قال: ان كان لا يدميه فلينزعه و ان كان يدميه فلينصرف، و عن الرجل يكون به الثالول أو الجرح هل يصلح له ان يقطع الثالول و هو في صلاته أو ينتف بعض لحمه من ذلك الجرح و يطرحه؟ قال: ان لم يتخوف أن سئل الدم فلا بأس و ان تخوف ان الدم يسيل فلا يفعله. المروية في ب 2 و 27 من أبواب قواطع الصلاة.

[5] علي بن جعفر عن أخيه(ع) عن الرجل يتحرك بعض أسنانه و هو في الصلاة هل ينزعه؟ قال: ان كان لا يدميه فلينزعه و ان كان يدميه فلينصرف، و عن الرجل يكون به الثالول أو الجرح هل يصلح له ان يقطع الثالول و هو في صلاته أو ينتف بعض لحمه من ذلك الجرح و يطرحه؟ قال: ان لم يتخوف أن سئل الدم فلا بأس و ان تخوف ان الدم يسيل فلا يفعله. المروية في ب 2 و 27 من أبواب قواطع الصلاة.

____________

(1) الأنعام 6: 145

(2) المائدة 5: 90

6

..........

____________

و الجروح [1] و دم الحيض [2] و دم الرعاف [3]. و غير ذلك من الموارد الخاصة فالمهم أن يتكلم في انه هل يوجد في شيء من أدلة نجاسته ما يقتضي بعمومه نجاسة كل دم على الإطلاق حتى يتمسك به عند الشك في بعض أفراده و مصاديقه، و يحتاج الحكم بطهارته الى دليل مخرج عنه أو أن الحكم بنجاسته يختص بالموارد المتقدمة و غيرها مما نص على نجاسته؟ و الأول هو الصحيح،

و يمكن أن يستدل عليه بوجهين:

(أحدهما): ارتكاز نجاسته في أذهان المسلمين

على وجه الإطلاق من غير اختصاصه بعصر دون عصر، لتحققه حتى في عصرهم(ع) و الخلاف و ان وقع بين أصحابنا في بعض خصوصيات المسألة إلا أن نجاسته في الجملة لعلها كانت مفروغا عنها عند الرواة، و لذا تراهم يسألون في رواياتهم عن أحكامه من غير تقييده بشيء و لا تخصيصه بخصوصية و كذا

____________

[1] سماعة بن مهران عن الصادق(ع) قال: إذا كان بالرجل جرح سائل فأصاب ثوبه من دمه فلا يغسله حتى يبرأ و ينقطع الدم. المروية في ب 22 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[2] أبو بصير عن أبي عبد اللّٰه(ع) أو أبي جعفر(ع) قال: لا تعاد الصلاة من دم لا تبصره غير دم الحيض فإن قليله و كثيره في الثوب ان رآه أو لم يره سواء. المروية في ب 21. و عن سورة بن كليب عن أبي عبد اللّٰه(ع) عن المرأة الحائض أ تغسل ثيابها التي لبستها في طمثها؟ قال: تغسل ما أصاب ثيابها من الدم .. المروية في ب 28 من أبواب النجاسات من الوسائل.

[3] محمد بن مسلم عن أبي جعفر(ع) قال: سألته عن الرجل يأخذه الرعاف أو القيء في الصلاة كيف يصنع؟ قال: ينفتل فيغسل أنفه .. المروية في ب 2 من أبواب قواطع الصلاة من الوسائل.

7

..........

____________

أجوبتهم(ع) فإنهم لم يقيدوا الحكم بنجاسته بفرد دون فرد و هذا كما في صحيحة ابن بزيع قال: كتبت الى رجل أسأله أن يسأل أبا الحسن الرضا(ع) عن البئر تكون في المنزل للوضوء فتقطر فيها قطرات من بول أو دم أو يسقط فيها شيء من عذرة كالبعرة و نحوها ما الذي يطهرها حتى يحل الوضوء منها للصلاة؟

فوقع(ع) بخطه في كتابي: ينزح منها دلاء (1) و موثقة أبي بصير عن أبى عبد اللّٰه(ع) قال: ان أصاب ثوب الرجل الدم فصلى فيه و هو لا يعلم فلا اعادة عليه، و إن هو علم قبل أن يصلي فنسي و صلى فيه فعليه الإعادة (2) و غيرهما من الأخبار. و الأمر بالنزح في صحيحة ابن بزيع و ان كان استحبابيا لا محالة إلا أن السؤال عن تأثير مطلق الدم في البئر مستند الى ارتكاز نجاسته، إذ لو لا مغروسيتها في أذهانهم لم يكن وجه للسؤال عن حكمه، و قد كانوا يسألونهم عن بعض مصاديقه غير الظاهرة كدم البراغيث و نحوه [3] فهذا كله يدلنا على أن نجاسة طبيعي الدم كانت مفروغا عنها بينهم، فان النجس لو كان هو بعض أقسامه كان عليهم التقييد في مقام السؤال و قد عرفت انه لا عين و لا أثر منه في الأخبار المتقدمة.

و «ثانيهما»: إطلاق موثقة عمار عن أبي عبد اللّٰه(ع)

قال: سئل عما تشرب منه الحمامة، فقال: كل ما أكل لحمه فتوضأ من سؤره و اشرب، و عن ماء شرب منه باز، أو صقر، أو عقاب فقال: كل شيء من الطير يتوضأ مما يشرب منه، إلا أن ترى في منقاره دما، فإن رأيت في منقاره دما فلا توضأ

____________

[3] ففي صحيحة الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّٰه(ع) عن دم البراغيث يكون في الثوب هل يمنعه ذلك من الصلاة فيه؟ قال: لا، و ان كثر .. المروية في ب 20 و 23 من أبواب النجاسات من الوسائل.

____________

(1) المروية في ب 14 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

(2) المروية في ب 40 من أبواب النجاسات من الوسائل.

8

..........

____________

منه و لا تشرب (1) لأن الدم الواقع في كلامه(ع) مطلق فيستكشف من حكمه بعدم جواز الوضوء من الماء في مفروض السؤال نجاسة الدم على إطلاقه.

و «قد يقال»: الرواية غير واردة لبيان نجاسة الدم حتى يتمسك بإطلاقها، و إنما هي مسوقة لإعطاء ضابط كلي عند الشك في نجاسة شيء و طهارته و ان نجاسة المنقار و منجسيته للماء القليل تتوقفان على العلم بوجود النجاسة فيه.

«يدفعه» انها غير واردة لإعطاء الضابطة عند الشك في نجاسة شيء لأنها تقتضي الحكم بطهارة الماء في مفروض السؤال حتى مع العلم بوجود الدم في منقار الطيور سابقا من دون أن يرى حال ملاقاته للماء، مع ان الضابط المذكور يقتضي الحكم بنجاسة الماء حينئذ للعلم بنجاسة المنقار سابقا. فالصحيح أن يقال ان الرواية إما وردت لبيان عدم تنجس بدن الحيوان بالنجاسات- كما هو أحد الأقوال في المسألة- و من هنا حكم(ع) بطهارة الماء عند عدم رؤية الدم في منقاره و لو مع العلم بوجوده سابقا، لطهارة المنقار على الفرض و أما مع مشاهدة الدم في منقاره فنجاسة الماء مستندة الى عين النجس لا إلى نجاسة المنقار، و إما انها مسوقة لبيان طهارة بدن الحيوان بزوال العين عنه و ان كان يتنجس بالملاقاة كما هو المعروف، و إما انها واردة لبيان عدم اعتبار استصحاب النجاسة في الحيوانات تخصيصا في أدلة اعتباره- كما ذهب اليه بعض الأعلام- و كيف كان فدلالة الرواية على نجاسة الدم غير قابلة للإنكار، و لا نرى مانعا من التمسك بإطلاقها. و ليست الرواية من الكبرى المسلمة في محلها من ان الدليل إذا كان بصدد البيان من جهة و لم يكن بصدده من جهة أخرى لا يمكن التمسك بإطلاقها إلا من الناحية التي وردت لبيانها كما في قوله تعالى:

____________

(1) المروية في ب 4 من أبواب الأسئار و في ب 82 من أبواب النجاسات من الوسائل.

9

..........

____________

فَكُلُوا مِمّٰا أَمْسَكْنَ (1) حيث يجوز التمسك بإطلاقه في الحكم بجواز أكل ما يصيده الصيود و ان مات قبل دركه، لأنه ورد لبيان أن إمساكه تذكية للصيد و كأنه استثناء من قوله تعالى إِلّٰا مٰا ذَكَّيْتُمْ (2) و لا يسوغ التمسك بإطلاقه من جهة تنجسه بريق فم الكلب أو بنجاسة أخرى حتى يحكم بجواز أكله من غير غسل، لعدم كونه بصدد البيان من هذه الجهة. و ذلك لأن الموثقة سيقت لبيان نجاسة الدم على جميع المحتملات الثلاثة فيصح التمسك بإطلاقه و يكفينا ذلك في الحكم بنجاسته و ان لم يكن في البين دليل آخر، لأن عدم جواز التوضؤ من الماء في مفروض الرواية يكشف عن عدم طهارة الدم المشاهد في منقار الطائر.

بل يمكن أن يقال ان الشارع جعل الدم في منقاره امارة كاشفة عن انه من الدماء النجسة و إلا لم يكن وجه للحكم بعدم جواز التوضؤ من الماء لأن الدم على قسمين: طاهر و نجس فمن أين علمنا ان الدم في منقار الطائر من القسم النجس؟

و حيث ان الشبهة موضوعية فلا بد من الحكم بطهارته إلا ان الشارع جعل وجوده في منقاره امارة على نجاسته و لو من باب الغلبة، لأن جوارح الطيور كثيرة الانس بالجيف، و المتحصل أن الموثقة تقتضي الحكم بنجاسة الدم مطلقا سواء كان من الدم المسفوح أم من المتخلف في الذبيحة و سواء كان مما له نفس سائلة أم كان من غيره إلا أن يقوم دليل على طهارته و خروجه عن إطلاق الموثقة كما يأتي في الدم المتخلف في الذبيحة و دم ما لا نفس له و «دعوى»: ان الرواية تختص بدم الميتة لأنه الذي يتلوث به منقار الطيور الجارحة دون غيره «غير مسموعة» لأنا و ان سلمنا غلبة ذلك إلا أن اختصاصه مسلم العدم لجواز أن يتلوث بدم مثل السمك أو غيره مما لا نفس له أو بدم المتخلف في الذبيحة

____________

(1) المائدة 5: 4

(2) المائدة 5: 3

10

قليلا كان الدم أو كثيرا (1)

____________

أو الصيد الذي أمسكه الصيود. فالموثقة باقية على إطلاقها، و لا يمكن حملها على صورة العلم بمنشإ الدم المشاهد في منقار الطيور و الحكم بنجاسته فيما إذا علم انه مما له نفس سائلة أو من الدم المسفوح لأنه حمل لها على مورد نادر، إذ الغالب عدم العلم بمنشئه و كيف كان فلا مناقشة في شمولها لمطلق الدماء إلا انها مختصة بدم الحيوان، لأنه الذي يتلوث به منقار الطيور و لا تشمل الدم النازل من السماء آية كما في زمان موسى(ع) أو الموجود تحت الأحجار عند قتل سيد الشهداء(ع) هذا على أن للمناقشة الصغروية في مثله مجال واسع، لاحتمال أن يكون الدم اسما لخصوص المائع الأحمر المتكون في خصوص الحيوان دون ما خرج من الشجر أو نزل من السماء و نحوهما، فإطلاق الدم على مثلهما إطلاق مسامحي للمشابهة في اللون.

[لا فرق في النجاسة بين قليله و كثيرة]

(1) لأن مقتضى الوجهين المتقدمين هو الحكم بنجاسة كل ما صدق عليه انه دم و خالف في ذلك الشيخ و جماعة و ذهبوا الى عدم نجاسة الدم القليل الذي لا يدركه الطرف نظرا إلى صحيحة علي بن جعفر عن أخيه(ع) قال: سألته عن رجل رعف فامتخط فصار بعض ذلك الدم قطعا صغارا فأصاب إناءه هل يصلح له الوضوء منه؟ فقال: ان لم يكن شيئا يستبين في الماء فلا بأس و ان كان شيئا بينا فلا تتوضأ منه .. (1) و يندفع بأن الصحيحة لا دلالة لها على طهارة ما لا يدركه الطرف من الدم، لعدم فرض اصابة الدم لماء الإناء و إنما فرض فيها اصابته للإناء و من هنا حكم(ع) بعدم البأس بالماء و قد قدمنا تفصيل الجواب عن هذه الصحيحة في بحث انفعال الماء القليل فراجع (2). ثم ان في المقام

____________

(1) المروية في ب 8 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

(2) راجع ص 161

11

و اما دم مالا نفس له فطاهر (1) كبيرا كان أو صغيرا كالسمك، و البق، و البرغوث

____________

خلافا ثانيا و هو عدم نجاسة ما دون الحمصة من الدم ذهب اليه الصدوق (ره) و لعله استند في ذلك الى رواية الفقه الرضوي: و ان كان الدم حمصة فلا بأس بأن لا تغسله إلا أن يكون الدم دم الحيض فاغسل ثوبك منه و من البول و المني قلّ أو كثر و أعد منه صلاتك علمت به أو لم تعلم (1) فإن عبارة الصدوق في الفقيه- كما في الحدائق- موافقة لعبارة الفقه الرضوي بل هي هي بعينها إلا في مقدار يسير. نعم في عبارة الفقيه: و ان كان الدم دون حمصة. و قد سقطت كلمة «دون» من عبارة الفقه الرضوي. كما يحتمل استناده إلى رواية مثنى بن عبد السلام المتقدمة (2) إلا أن ما ذهب اليه مما لا يمكن المساعدة عليه لضعف الروايتين بل و عدم ثبوت كون الفقه الرضوي رواية فضلا عن اعتباره و لعل مراده (قده هو العفو عما دون الحمصة من الدم في الصلاة لا طهارته.

بقي في المسألة خلاف ثالث و هو عدم نجاسة دون الدرهم من الدم و البول و غيرهما من الأعيان النجسة غير دم الحيض و المني ذهب اليه ابن الجنيد و لعله- كما قيل- اعتمد في نفي نجاسة ما دون الدرهم من الدم على الأخبار الواردة في العفو عنه في الصلاة و قاس عليه سائر النجاسات و لا بعد في عمله بالقياس لأن فتاواه كثيرة المطابقة لفتاوى العامة و كيف كان فإن أراد من ذلك عدم نجاسة ما دون الدرهم من النجس فهو دعوى من غير دليل و مقتضى إطلاقات أدلة النجاسات عدم الفرق بين كونها أقل من مقدار الدرهم و كونها أكثر، و ان أراد العفو عما دونه فهو مختص بالدم و لا يتم في غيره من النجاسات.

[دم ما لا نفس له]

(1) كما هو المشهور و عن الشيخ في المبسوط و الجمل و غيره في غيرهما

____________

(1) ص 6 السطر 6

(2) في ص 5

12

..........

____________

ما يوهم نجاسته و ثبوت العفو عنه، و قد استدل للمشهور بوجوه: «الأول»:

الإجماع على طهارة الدم مما لا نفس له و «يدفعه»: ان الإجماع على تقدير تحققه ليس بإجماع تعبدي، لاحتمال استنادهم في ذلك الى قوله تعالى إِلّٰا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً (1) بدعوى عدم شموله لدم ما لا نفس له، و دلالته على طهارته و ان كان قد عرفت عدم دلالته على نجاسة الدم المسفوح فكيف بالاستدلال بها على طهارة غيره أو استنادهم إلى أحد الوجوه الآتية في الاستدلال.

«الثاني»: ما عن أمير المؤمنين(ع) من انه كان لا يرى بأسا بدم ما لم يذك يكون في الثوب فيصلي فيه الرجل، يعني دم السمك (2) و قد رواه في الوسائل عن السكوني، و نقل ان الشيخ رواه بإسناده عن النوفلي و «يرده»: انه على تقدير تمامية سنده فإنما يدل على ثبوت العفو عن دم السمك في الصلاة و كلامنا في طهارته لا في ثبوت العفو عنه. «الثالث»: الأخبار الواردة في نفي البأس عن دم البق و البرغوث «منها»: ما رواه عبد اللّٰه بن أبي يعفور قال: قلت لأبي عبد اللّٰه(ع): ما تقول في دم البراغيث؟ قال ليس به بأس، قلت: انه كثير و يتفاحش، قال: و ان كثر .. (3) و «منها»: مكاتبة محمد بن ريان قال: كتبت إلى الرجل(ع): هل يجري دم البق مجرى دم البراغيث؟ و هل يجوز لأحد أن يقيس بدم البق على البراغيث فيصلي فيه، و أن يقيس على نحو هذا فيعمل به؟ فوقّع(ع): يجوز الصلاة و الطهر أفضل (4) و منها غير ذلك من الأخبار. و «الجواب عن ذلك»: ان هذه الأخبار إنما وردت في خصوص البق و البرغوث و لا مسوغ للتعدي عن موردها، ثم لو تعدينا فإنما نتعدى إلى مثل الذباب و الزنبور و غيرهما مما لا لحم له لا إلى مثل

____________

(1) الانعام 6: 145

(2) المرويات في ب 23 من أبواب النجاسات من الوسائل.

(3) المرويات في ب 23 من أبواب النجاسات من الوسائل.

(4) المرويات في ب 23 من أبواب النجاسات من الوسائل.

13

و كذا (1) ما كان من غير الحيوان كالموجود تحت الأحجار عند قتل سيد الشهداء- أرواحنا فداه- و يستثنى من دم الحيوان، المتخلف في الذبيحة (2) بعد خروج المتعارف،

____________

السمك الكبير و الحية و نحوهما و لم يرد دليل على عدم نجاسة الدم مما لا نفس له بهذا العنوان، و عليه فلا مناص من الحكم بنجاسة الدم مطلقا و لو كان مما لا نفس له كما يقتضيه عموم أدلة نجاسته على ما قدمناه و بنينا عليه. نعم من يرى عدم تمامية العموم في المسألة له أن يرجع إلى قاعدة الطهارة فيما لا نفس له، اللهم إلا أن نعتمد على ما استدللنا به على طهارة بول ما لا نفس له أعني موثقة حفص بن غياث عن جعفر بن محمد عن أبيه(ع) قال: لا يفسد الماء إلا ما كانت له نفس سائلة (1) و غيرها مما ورد بمضمونها حيث أخذنا بإطلاقها و قلنا انها تقتضي عدم نجاسة الماء بدمه و بوله و ميتته و غيرها مما ينجس الماء إذا كان من الحيوانات التي لها نفس سائلة، و لكنا لم نر من الفقهاء من استدل بها على طهارة بوله و دمه

(1) قدمنا وجهه آنفا.

[المتخلف في الذبيحة]

(2) المسألة متسالم عليها بين الأصحاب و لم يقع في ذلك خلاف و إنما الكلام في مدركها.

و ما استدل به على طهارة الدم المتخلف أمور:

«الأول»: الإجماع

و قد مر غير مرة ان الإجماع إنما يعتمد عليه فيما إذا كان تعبديا كاشفا عن رأيه(ع) و ليس الأمر كذلك في المقام للاطمئنان و لا أقل من احتمال أن يكون مدرك المجمعين أحد الوجوه الآتية في الاستدلال

. «الثاني»: ان لحم كل ذبيحة يشتمل على مقدار من الدم

و لو مع المبالغة في غسله و قد حكم بحلية أكله شرعا مع ما فيها من الدم، و هي أخص من الطهارة، لأن حلية الأكل من طواري الأشياء الطاهرة لعدم جواز أكل النجس شرعا فهذا يدلنا

____________

(1) المروية في ب 35 من أبواب النجاسات من الوسائل.

14

سواء كان في العروق، أو في اللحم، أو في القلب، أو في الكبد، فإنه طاهر (1).

____________

على طهارة الدم المتخلف في الذبيحة. و هذا الوجه إنما يتم في ما يتبع اللحم من الأجزاء الدموية المستهلكة في ضمنه و لذا يحل أكله و الأمر فيه كما أفيد و نزيد عليه ان موضع الذبح لا يمكن تخليصه من الدم عادة بل ترى ان الدم يتقاطر منه إذا عصر و ان غسل متعددا، و معه حكم الشارع بطهارته بعد غسله و هذا كاشف عن طهارة الدم المتخلف في المذبح و غيره من أجزاء الذبيحة إلا انه لا يتم في الاجزاء الدموية المستقلة في الوجود كما يوجد في بطن الذبيحة أو في قلبها أو في سائر أجزائها بحيث إذا شق سال منه دم كثير فإنها غير محللة الأكل شرعا فهذا الوجه لا يقتضي طهارة الدم المتخلف مطلقا

«الثالث»: و هو الوجه الصحيح استقرار سيرة المتشرعة المتصلة بزمان المعصومين(ع)

على عدم الاجتناب عما يتخلف في الذبيحة من الدم كان تابعا للحمها أم لم يكن مع كثرة ابتلائهم بالذبائح من الإبل و الغنم و البقر، و لا سيما في الصحاري و القفار الخالية عن الماء فإنهم غير ملتزمين بتطهير لحمها و ما يلاقيه من أثوابهم و أبدانهم، بل و لا يمكن تطهيره بتجريده من الدم إلا بجعله في الماء مدة ثم غسله و عصره و نحو ذلك مما نقطع بعدم لزومه شرعا و مع هذا لو كان الدم المتخلف في الذبيحة نجسا لبان و ذاع و بهذه السيرة نخرج عن عموم ما دل على نجاسة الدم، و لولاها لم نتمكن من الحكم بطهارة الدم المتخلف بوجه لعموم نجاسته. نعم بناء على عدم نجاسة مطلق الدم لعدم تمامية العموم لا مانع من التمسك بقاعدة الطهارة في الحكم بطهارة الدم المتخلف.

(1) هل الحكم بالطهارة يختص بالمتخلف في الأجزاء المحللة أكلها أو انه يعم المتخلف فيما يحرم أكله أيضا كالطحال و النخاع و نحوهما من الحيوانات

15

نعم إذا رجع دم المذبح الى الجوف لرد النفس، أو لكون رأس الذبيحة في علو كان نجسا (1)

____________

المحللة؟ يختلف هذا باختلاف الوجوه المتقدمة في المسألة، فإن كان مدرك الحكم بطهارة الدم المتخلف هو الإجماع فلا مناص من الاقتصار في الحكم بالطهارة بما يتخلف في الاجزاء المحللة دون الأعضاء المحرمة في الذبيحة، لأنه دليل لي يقتصر فيه على مورد اليقين، بل و لا علم بانعقاد الإجماع على طهارة المتخلف في الأعضاء المحرمة أصلا مع وجود المخالف في المسألة فإذا لم يثبت المخصص فلا محالة يرجع إلى عموم العام اللهم إلا أن يقال بعدم ثبوت العموم فان المرجع على هذا إنما هو قاعدة الطهارة في المتخلف في العضو المحرم أكله، و كذلك الحال فيما إذا كان مدركه هو الوجه الثاني، لعدم حلية أكل مثل الطحال حتى يدعى ان الحلية أخص من الطهارة بالتقريب المتقدم. و أما إذا اعتمدنا في ذلك على الوجه الأخير أعني السيرة المتشرعية الجارية على عدم لزوم الاجتناب عن عن الدم المتخلف في الذبيحة فلا بد من الالتزام بطهارته مطلقا، بلا فرق في ذلك بين الدم المتخلف في الأعضاء المحللة و بين المتخلف في الأعضاء المحرمة لأن السيرة قائمة على طهارته في كلا الموردين.

(1) لا إشكال في نجاسة الدم الداخل إلى جوف الذبيحة بعد خروجه عن المذبح، للأدلّة المتقدمة التي دلت على نجاسته مطلقا كما لا إشكال في نجاسة ما أصابه ذلك الدم من لحم و دم و عرق و غيرها مما يلاقيه في جوف الذبيحة، هذا فيما إذا رجع الدم إلى جوف الذبيحة بنفسه أو لرد النفس بعد خروجه عن مذبحها. و أما فرض رجوع الدم إلى جوفها قبل خروجه عن المذبح بأن رجع اليه بعد وصوله إلى منتهى الأوداج فالظاهر انه فرض أمر مستحيل و ذلك لأن الذبح إنما يتحقق بقطع أوداج أربعة: «أحدها»: الحلقوم و هو مجرى

16

..........

____________

الطعام و مدخله و «ثانيها»: مجرى النفس. و «ثالثها» و «رابعها»: عرقان من اليمين و اليسار يسميان بالوريد و هما مجرى الدم فإذا قطع الوريد فلا محالة يخرج الدم من مفصله فكيف يرجع إلى الجوف قبل خروجه عنه؟! و لا يمكن للنفس أن يجذب الدم من الوريد الذي هو مجرى الدم، نعم يجذبه من مجرى النفس إلا انه بعد خروج الدم من الوريد و لا يمكنه ذلك قبل خروجه ثم ان هناك صورة أخرى و هي عدم خروج الدم من الذبيحة أصلا و هذا قد ينشأ من الخوف العارض على الحيوان و انجماد الدم بسببه، و اخرى يحصل بوضع اليد على مقطع الذبيحة و سد الطريق، و ثالثة يتحقق بالنار فان وضعها على المقطع يوجب التيامه و به ينسد الطريق من دون أن يرجع الدم إلى الداخل كما في الصورة المتقدمة فهل يحكم بطهارته حينئذ؟ الصحيح انه محكوم بالنجاسة بل الذبيحة ميته محرمة و الوجه في ذلك ان التذكية تتحقق بأمرين أعني خروج الدم و تحرك الذبيحة، لأنه مقتضى الجمع بين ما دل على اشتراط التذكية بخروج الدم فحسب [1] و ما دل على اعتبار تحرك الذبيحة في تحققها [2] و حيث ان مفروض المسألة عدم خروج الدم من الذبيحة فلا يمكن الحكم بتذكيته ثم انه إذا اكتفينا في تحقق التذكية بمجرد الحركة أو قلنا بكفاية كل واحد من الأمرين كما ذهب اليه بعضهم فلا إشكال في جواز أكل الذبيحة، لوقوع التذكية عليها على الفرض، و لا يمكن الحكم بطهارة دمها، لأن الدليل على طهارة الدم المتخلف منحصر بالسيرة المتشرعية، و لم نتحقق سيرتهم على عدم

____________

[1] ففي ما رواه زيد الشحام: إذا قطع الحلقوم و خرج الدم فلا بأس. المروية في ب 12 من أبواب الذبائح من الوسائل.

[2] عبد الرحمن بن أبي عبد اللّٰه عن أبي عبد اللّٰه(ع) قال: في كتاب علي(ع) إذا طرفت العين أو ركضت الرجل أو تحرك الذنب فكل منه فقد أدركت ذكاته. الى غير ذلك من الأخبار. المروية في ب 11 من أبواب الذبائح من الوسائل.

17

و يشترط في طهارة المتخلف أن يكون مما يؤكل لحمه على الأحوط، فالمتخلف من غير المأكول نجس (1) على الأحوط.

(مسألة 1) العلقة المستحيلة من المني نجسة، من إنسان كان أو من غيره، حتى العلقة في البيض

____________

الاجتناب من دم الذبيحة في مفروض المسألة لندرة الابتلاء به و معها لا طريق إلى إحراز السيرة بوجه. هذا كله في صورة العلم بالحال و ان الدم الموجود من المتخلف في الذبيحة أو مما دخل الى الجوف بعد الخروج. و أما إذا شككنا في ذلك و لم نحرز انه من المتخلف أو من غيره فيأتي حكمه عند ما يتعرض له الماتن ان شاء اللّٰه.

[يشترط في طهارة دم المتخلف]

(1) أما إذا كان مدرك الحكم بطهارة الدم المتخلف في الذبيحة هو الإجماع فلأنه دليل لبي و لا بد من الاقتصار فيه على المورد المتيقن و هو الدم المتخلف في الحيوانات المحللة. و أما إذا كان مدركه هو الوجه الثاني فلوضوح اختصاصه بما إذا كانت الذبيحة محللة الأكل و هو مفقود في الحيوانات المحرمة.

و أما إذا اعتمدنا في ذلك على الوجه الأخير أعني السيرة المتشرعية فالسر في عدم الحكم بطهارة الدم المتخلف في الحيوانات المحرمة إنما هو قلة الابتلاء بذبح ما لا يؤكل لحمه كالسباع و لا يمكن معها إحراز سيرتهم بوجه فلا مناص من الحكم بنجاسة الدم المتخلف في غير الحيوانات المحللة للعموم و ان كان الذوق يقتضي إلحاق الحيوانات المحرمة بالمحللة طهارة و نجاسة و لكن الدليل لا يساعد عليه إلا أن نمنع العموم فإنه لا مانع حينئذ من الرجوع الى قاعدة الطهارة في الدم المتخلف في الحيوانات المحرمة، لأن المتيقن إنما هو نجاسة الدم المسفوح أعني الخارج بالذبح، و غيره مشكوك النجاسة و مقتضى قاعدة الطهارة طهارته.

18

و الأحوط الاجتناب عن النقطة من الدم الذي يوجد في البيض (1). لكن إذا كانت في الصفار و عليه جلدة رقيقة لا ينجس معه البياض (2) إلا إذا تمزقت الجلدة.

[الدم الذي يوجد في البيض]

____________

(1) ما أفاده (قده) في الموارد الثلاثة إنما يتم عند من يرى تمامية العموم لأن اللازم حينئذ أن يحكم بنجاسة كل ما صدق عليه انه دم سواء أ كان من أجزاء الحيوان أم لم يكن. و أما إذا ناقشنا في العموم و لم نحكم بنجاسة مطلق الدم فلا مناص من الاقتصار على المقدار المتيقن منه و هو الدم المسفوح الذي يعد من أجزاء الحيوان أو الإنسان و أما العلقة التي لا تعد من أجزائهما لاستقلالها و هما ظرف لتكونها فللتردد في الحكم بنجاستها كما عن الأردبيلي و الشهيد و كاشف اللثام «قدهم» مجال واسع بل جزم صاحب الحدائق بطهارتها، و عليه فان تم الإجماع على ان المتكون في الحيوان كاجزائه فهو و إلا فلا بد من الحكم بطهارة العلقة في مثل الحيوان و الإنسان. ثم انه لو بنينا على التعدي إلى المتكون في جوفهما و قلنا بنجاسته فنطالب الدليل على التعدي الى ما لا يعد جزءا منهما و لا هو متكون فيهما- كالعلقة في البيض- فلو تعدينا الى كل ما هو مبدأ نشو حيوان أو آدمي و قلنا بنجاسة العلقة في البيض أيضا فلنا أن نطالب الدليل على التعدي الى ما لا يعد جزءا من الحيوان أو الإنسان و لا يتكون فيهما و لا هو مبدأ نشوء للحيوان أو الآدمي- كالنقطة من الدم الموجودة في صفار البيض لعدم كونها مبدأ لنشوء شيء.

(2) لأن الجلدة مانعة من سراية النجاسة إلى البياض، و كذلك الحال فيما إذا كانت النقطة على الغطاء الرقيق الذي هو محيط بالصفار، فان النقطة بعد أخذها منه يبقى كل من الصفار و البياض على طهارتهما، لعدم ملاقاتهما مع الدم.

19

(مسألة 2) المتخلف في الذبيحة و إن كان طاهرا لكنه حرام (1)

[المتخلف في الذبيحة]

____________

(1) أشار بذلك الى خلاف صاحب الحدائق (قده) حيث ذهب الى عدم حرمة الدم المتخلف مطلقا ناسبا عدم الخلاف في حليته إلى الأصحاب و استدل عليه بوجوه: «منها»: قوله عز من قائل قُلْ لٰا أَجِدُ فِي مٰا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلىٰ طٰاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلّٰا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً .. (1)

بدعوى أنه يقتضي حلية أكل الدم المتخلف في الذبيحة و «منها»: الأخبار الواردة في عد محرمات الذبيحة و لم تذكر الدم من محرماتها، ثم استضعف دلالتها و الوجه في استضعافه ان الأخبار المذكورة غير واردة في مقام حصر المحرمات كي تدل على حلية غير ما عد فيها من المحرمات و إنما وردت لبيان حرمة الأمور المذكورة فيها فحسب و معه يمكن أن يكون في الذبيحة محرم آخر، كيف و قد دل قوله تعالى حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ وَ لَحْمُ الْخِنْزِيرِ .. (2) كبعض الروايات (3) على ان الدم من جملة المحرمات. و من هذا يظهر ان نسبة عدم الخلاف في حلية أكل الدم المتخلف إلى الأصحاب غير واقعة في محلها، لأنه مع دلالة الآية المباركة و الأخبار على حرمة أكله مطلقا كيف يمكنهم الذهاب الى حليته. و دعوى: ان الحرمة مختصة بالدم المسفوح تحتاج الى دليل و هو مفقود على الفرض و أما الوجه الأول من استدلاله ففيه: انه لم يبين كيفية استدلاله بالآية المباركة، و كلامه في تقريب دلالتها مجمل فان كان نظره الى ان الآية المباركة دالة على حصر المحرمات فيما ذكر فيها من الأمور كما هو مقتضى كلمة «إلا» الواقعة بعد النفي و لم يعد منها الدم المتخلف فيدفعه: ان الحصر في الآية المباركة لا يمكن أن يكون حقيقيا لاستلزامه تخصيص الأكثر المستهجن

____________

(1) الانعام 6: 145

(2) المائدة 5: 36

(3) راجع الوسائل ب 1 من أبواب الأطعمة المحرمة.

20

..........

____________

لوضوح ان المحرمات غير منحصرة في تلك الأمور فإن منها السباع و منها المسوخ و منها أموال الناس بغير إذنهم و منها غير ذلك مما يحرم أكله شرعا فلا محيص من تأويله إما بحمله على الحصر الإضافي بدعوى ان المحرمات بالإضافة الى ما جعلته العرب محرما على أنفسها في ذلك العصر منحصرة في تلك الأمور، و إما بحمله على زمان نزول الآية المباركة و انحصار المحرمات فيها في ذلك الزمان للتدرج في بيان الاحكام، و على أي حال لا يستفاد من الآية المباركة حلية أكل الدم المتخلف بوجه و ان كان نظره (قده) الى توصيف الدم في الآية المباركة بكونه مسفوحا و ان مفهوم الوصف يقتضي حلية غير المسفوح منه فيتوجه عليه: انا و ان التزمنا بمفهوم الوصف أخيرا إلا أن مفهومه على ما شرحناه في محله ان الحكم لم يترتب على طبيعة الموضوع أينما سرت لاستلزام ذلك لغوية التوصيف إلا فيما إذا كان له فائدة ظاهرة، فيستفاد منه ان الحكم مترتب على حصة خاصة منها- مثلا- إذا ورد أكرم الرجل العادل يدل توصيف الرجل بالعدالة على ان طبيعية على إطلاقه غير واجب الإكرام و إلا لم يكن وجه لتقييده بالعدالة بل إنما يجب إكرام حصة خاصة منه و هو الرجل المتصف بالعدل، و لكن لا دلالة له على ان فاقد الوصف أعني المتصف بصفة أخرى غير محكوم بذلك الحكم و لو بسبب وصف آخر، و على الجملة أن التوصيف و ان كان ظاهرا في الاحتراز إلا انه لا يدل على نفي الحكم عن غير موصوفة فالآية لا دلالة لها على عدم حرمة الدم غير المسفوح، و يشهد بذلك ان صاحب الحدائق (قده) لا يرى طهارة غير المسفوح من الدماء كالدم الخارج عند حك البدن و الخارج من الجروح و دم الحيض و غيرها مما لا يصدق عليه عنوان المسفوح. بل يمكن أن يقال ان المسفوح بمعنى المراق فكل دم تجاوز عن محله فهو مسفوح و مراق و لا اختصاص له بالدم الخارج بالذبح فإذا شق بطن الذبيحة فسال منه الدم فهو

21

إلا ما كان في اللحم مما يعد جزءا منه (1).

(مسألة 3) الدم الأبيض إذا فرض العلم بكونه دما نجس (2) كما في خبر (3) فصد العسكري- (صلوات اللّٰه عليه)- و كذا إذا صب عليه دواء غيّر لونه الى البياض.

(مسألة 4) الدم الذي قد يوجد في اللبن عند الحلب نجس (4) و منجس للبن.

____________

دم مسفوح و مراق فيحرم أكله، و ينحصر غير المسفوح بما يتبع اللحم و يعد جزءا منه. هذا كله مضافا الى دلالة الآية المتقدمة و بعض الأخبار على حرمة مطلق الدم.

[الدم الأبيض]

(1) بأن كان تابعا للحم و ان لم يكن مستهلكا في ضمنه بحيث لو عصر قطرت منه قطرات من الدم كما هو الحال في الكبد غالبا لأن الدم فيه أكثر و الوجه في ذلك- كما قدمناه- هو السيرة المتشرعية، و عدم إمكان تخليص اللحم من الدم إلا ببعض المعالجات المعلوم عدم لزومه في الشرع كما مر

(2) لأنه بعد العلم بكونه دما و عدم انقلابه شيئا آخر لا مناص من الحكم بحرمته و نجاسته، لأنهما مترتبان على طبيعي الدم و ان زال عنه لونه بدواء أو بغيره، فان اللون لا مدخلية له في نجاسته و حرمته.

(3) ورد في بعض الأخبار انه(ع) فصد و خرج منه دم أبيض كأنه الملخ (1) و في بعضها الآخر: فخرج مثل اللبن الحليب .. (2).

(4) لما مر من عموم نجاسة الدم. بل يمكن ان يقال انه من الدم

____________

(1) كما رواه في الوسائل في ب 10 من أبواب ما يكتسب به

(2) رواه في المجلد الثاني عشر من بحار الأنوار ص 160

22

(مسألة 5) الجنين الذي يخرج من بطن المذبوح و يكون ذكاته بذكاة أمه تمام دمه طاهر (1) و لكنه لا يخلو عن إشكال.

(مسألة 6) الصيد الذي ذكاته بآلة الصيد في طهارة ما تخلف فيه بعد خروج روحه إشكال (2) و ان كان لا يخلو عن وجه. و أما ما خرج منه فلا إشكال في نجاسته (3).

____________

المسفوح بالتقريب المتقدم و لا نعيد.

[حكم الجنين]

(1) تبع الماتن (قده) في حكمه هذا ثم الاستشكال فيه صاحب الجواهر (قده) فإنه أيضا- بعد ان نفى البعد من إلحاق ما حكم الشارع بتذكيته بذكاة امه و الحكم بطهارة تمام دمه- استشكل فيه. و الاشكال في محله لأن مدرك طهارة الدم المتخلف منحصر في السيرة كما عرفت، و المتيقن من موارد قيامها إنما هو طهارة الدم المتخلف في الحيوان بعد ذبحه و خروج المقدار المتعارف من دمه.

و أما تمام دم الجنين بعد ذبح امه فقيام السيرة على طهارته غير معلوم فلا مناص من الحكم بنجاسته بمقتضى عموم ما دل على نجاسة الدم، اللهم إلا أن يذبح ثانيا. نعم بناء على عدم تمامية العموم المذكور يمكن الحكم بطهارة تمام دم الجنين بقاعدة الطهارة إلا انه فرض أمر غير واقع لتمامية العموم.

[حكم الدم المتخلف في الصيد]

(2) لا إشكال في طهارة الدم المتخلف فيما صاده الكلب المعلم أو صيد بآلة الصيد لعين ما قدمناه في طهارة الدم المتخلف في الذبيحة من قيام السيرة القطعية على طهارته فإن المتشرعة يعاملون مع الدم المتخلف في كل من الصيد و الذبيحة معاملة الطهارة، و لا يجتنبون عنه، و لم يسمع الى الآن أحد ذبح ما صاده من الحيوانات ذبحا شرعيا ليخرج منه المقدار المتعارف من الدم و لم يردع الشارع عن عملهم هذا و بذلك نخرج عن عموم ما دل على نجاسة الدم مطلقا.

(3) لعموم ما دل على نجاسة الدم، و لأنه من الدم المسفوح كما مر.

23

(مسألة 7) الدم المشكوك في كونه من الحيوان (1) أولا محكوم بالطهارة (2) كما ان الشيء الأحمر الذي يشك في انه دم أم لا كذلك (3) و كذا إذا علم أنه من الحيوان الفلاني و لكن لا يعلم أنه مما له نفس أم لا (4) كدم الحية و التمساح و كذا إذا لم يعلم انه دم شاة أو سمك (5) فإذا رأى في ثوبه دما لا يدرى أنه منه أو من البق أو البرغوث يحكم بالطهارة. و أما الدم المتخلف في الذبيحة إذا شك (6) في أنه من القسم الطاهر أو النجس فالظاهر الحكم

[الدم المشكوك]

____________

(1) بأن علمنا بكون مائع دما و شككنا في انه دم حيوان أو غيره، لاحتمال كونه آية نازلة من السماء أو مما كان يوجد تحت الأحجار عند قتل سيد الشهداء- أرواحنا فداه.

(2) إما لاستصحاب عدم كونه من الحيوان على نحو استصحاب العدم الأزلي أو لأصالة الطهارة و قد ذكرنا سابقا ان عموم ما دل على نجاسة الدم مختص بدم الحيوان و لا يشمل غيره.

(3) لأصالة الطهارة أو لاستصحاب عدم كونه دما على نحو العدم الأزلي و لا يعارضه أصالة عدم كونه شيئا آخر لعدم ترتب اثر عليها.

(4) بان يكون الشك في نجاسة دمه ناشئا عن الشك في نفسه كما إذا شك في انه مما له نفس سائلة أو لا نفس له، و لا إشكال في الحكم بطهارته إما لأصالة الطهارة أو لأصالة عدم كون الحيوان مما له نفس سائلة.

(5) بأن يكون الشك في نجاسة الدم ناشئا عن الجهل بحاله، و انه من الشاة أو من السمك- مثلا- مع العلم بحالهما و أن أحدهما المعين ذو نفس سائلة دون الآخر فيحكم بطهارته لأصالة الطهارة أو لأصالة عدم كونه من الشاة.

(6) الشك في ذلك إما من ناحية الشك في رجوع الدم الخارج الى

24

..........

____________

جوف الذبيحة لرد النفس و إما من ناحية الشك في خروج المقدار المتعارف من الدم بالذبح لاحتمال كون رأسه على علو. أما إذا شككنا في نجاسته من ناحية رجوع الدم فلا إشكال في الحكم بطهارته، و هذا لا لأصالة عدم رد النفس كما اعتمد عليها الماتن (قده) لوضوح انه ليس بحكم شرعي و لا هو موضوع له و استصحابه مما لا يترتب عليه أثر إلا على القول بالأصول المثبتة لأن استصحاب عدم رد النفس و عدم الرجوع لا يثبت ان الباقي من الدم المتخلف الطاهر إلا بالتلازم العقلي. بل الوجه في ذلك هو استصحاب بقاء الدم المشكوك فيه في الجوف و عدم خروجه الى الخارج حين الذبح فيحكم بطهارته و طهارة ما لاقاه من الدم المتخلف، و على تقدير الإغماض فيرجع الى استصحاب الطهارة أو الى أصالة الطهارة و قد «يتوهم»: ان الدم المتخلف المردد بين القسم الطاهر و النجس بما انه مسبوق بالنجاسة للعلم بنجاسته حال كونه في عروق الحيوان في حياته فإذا شككنا في طرو الطهارة عليه نستصحب بقائه على نجاسته. و «يدفعه»:

انه لا دليل على نجاسة الدم حال كونه في العروق، و إنما يحكم بنجاسته بعد خروجه عنها، على انه لو صح ذلك كان ما ذكرناه من الاستصحاب حاكما على استصحاب النجاسة. و قد «يقال»: ان الأصل في الدماء هو النجاسة فكل دم شك في طهارته و نجاسته يبنى على نجاسته، و ذلك لموثقة عمار في ماء شرب منه باز، أو صقر، أو عقاب فقال: كل شيء من الطير يتوضأ مما يشرب منه إلا أن ترى في منقاره دما فإن رأيت في منقاره دما فلا تتوضأ منه و لا تشرب (1) لأن ظاهرها نجاسة الدم و ان احتمل انه من الدم الطاهر. و أما ما يتوهم من ان إطلاق الموثقة يعارضه إطلاق ذيلها حيث رواها الشيخ (قده) مذيلة بقوله:

و سئل عن ماء شربت منه الدجاجة، قال: ان كان في منقارها قذر لم يتوضأ

____________

(1) المروية في ب 4 من أبواب الأسير و في ب 82 من أبواب النجاسات من الوسائل.

25

..........

____________

منه و لم يشرب و ان لم يعلم ان في منقارها قذرا توضأ منه و اشرب، لأنه صريح في اختصاص المنع عن التوضؤ بالماء المذكور بصورة العلم بوجود القذر في منقار الدجاجة فيدور الأمر بين رفع اليد عن صدر الرواية و حمله على صورة العلم بنجاسة ما في منقار الطيور من الدم و بين رفع اليد من إطلاق ذيلها و تقييده بغير الدم من القذارات و حيث انه لا قرينة على أحد التصرفين فتصبح الرواية مجملة و يرجع في غير صورة العلم بنجاسة الدم الموجود في منقار الطيور إلى أصالة الطهارة «فيندفع»: بقيام القرينة على تعين الأخذ بإطلاق صدر الموثقة و هي ما أشرنا إليه آنفا من ان تخصيصها بصورة العلم حمل للرواية على المورد النادر لأن العلم بنجاسة ما في منقار الطيور قليل الاتفاق غايته و عليه فالأصل في الدماء هو النجاسة. هذا غاية ما يمكن أن يقال في تقريب الدعوى المتقدمة إلا انه مما لا يمكن المساعدة عليه لأن صدر الموثقة و ان دل على أن الأصل الأولي هو النجاسة في الدماء إلا انه في خصوص موردها و هو منقار الطيور لا في جميع الموارد و «سره» ان الموثقة قد دلت بإطلاقها على نجاسة كل دم في نفسه، و قد خرجنا عن هذا الإطلاق بما دل على طهارة بعض الدماء و منه ما تخلف في الذبيحة بعد الذبح، كما دلت بإطلاقها على عدم جواز الشرب أو الوضوء من الماء الذي شرب منه الطير و في منقاره دم و ان احتمل انه من الدم الطاهر، فإذا شك في دم أنه من المتخلف أو من غيره لم يمكن التمسك بإطلاقها، لأنه من التمسك بالمطلق في الشبهات المصداقية و هو ممنوع كما قررناه في محله و أما إذا شك في نجاسة ما في منقار الطير من الدم فلا مانع فيه من التمسك بإطلاقها و الحكم بنجاسته، لما مر من ان تخصيصها بصورة العلم غير ممكن لاستلزامه حمل الرواية على المورد النادر فكأن الشارع جعل الغلبة امارة على النجاسة في مورد الموثقة تقديما للظاهر على الأصل، لأن الغالب في جوارح الطيور مساورة

26

بنجاسته- عملا بالاستصحاب- و إن كان لا يخلو عن اشكال. و يحتمل التفصيل بين ما إذا كان الشك من جهة احتمال رد النفس فيحكم بالطهارة لأصالة عدم الرد و بين ما كان لأجل احتمال كون رأسه على علوّ فيحكم بالنجاسة، عملا بأصالة عدم خروج المقدار المتعارف.

(مسألة 8) إذا خرج من الجرح أو الدمّل شيء أصفر يشك في أنه دم أم لا محكوم بالطهارة (1) و كذا إذا شك من جهة الظلمة أنه دم أم قيح، و لا يجب عليه الاستعلام (2).

(مسألة 9) إذا حك جسده فخرجت رطوبة يشك في أنها دم أو ماء أصفر يحكم عليها بالطهارة (3).

____________

الجيف و عليه فلا أصل لأصالة النجاسة في غير مورد الموثقة فلو شككنا في طهارة دم و نجاسته فلا مناص من الحكم بطهارته بمقتضى قاعدة الطهارة. و أما إذا شككنا في نجاسته من ناحية عدم خروج المقدار المتعارف من الدم بالذبح فلا مناص من الحكم بنجاسته لاستصحاب عدم خروجه كذلك، فان مدرك طهارة الدم المتخلف إنما هو السيرة و لا ريب في ثبوتها فيما أحرز خروج المقدار المتعارف من الدم. و أما ثبوتها عند الشك في ذلك فغير محرز و معه يرجع الى عموم ما دل على نجاسة الدم.

(1) لأصالة الطهارة أو لاستصحاب عدم كونه دما و كذا الحال فيما إذا شك من جهة الظلمة انه دم أم قيح.

(2) لعدم وجوب الفحص في الشبهات الموضوعية و ان أمكن بسهولة.

(3) لأصالة الطهارة أو أصالة عدم كونه دما لأن الأصل يجري في الاعدام الأزلية كما يجري في غيرها.

27

(مسألة 10) الماء الأصفر الذي ينجمد على الجرح عند البرء طاهر (1) إلا إذا علم كونه دما، أو مخلوطا به، فإنه نجس (2) إلا إذا استحال جلدا (3).

(مسألة 11) الدم المراق في الأمراق حال غليانها نجس، منجس (4) و ان كان قليلا مستهلكا، و القول بطهارته بالنار- لرواية ضعيفة- ضعيف.

____________

(1) إما للأصل الموضوعي و هو أصالة عدم كونه دما أو لأصالة الطهارة

(2) و ان كان منجمدا لأن الانجماد ليس من أحد المطهرات.

(3) فيحكم بطهارته لتبدل الموضوع بالاستحالة كما يأتي في محله.

[ما استدل به على طهارة الدم بالنار]

(4) هذه المسألة أجنبية عما نحن بصدده و هو نجاسة الدم، و كان من حقها أن تؤخر إلى بحث المطهرات و يتكلم هناك في ان النار هل هي مطهرة للدم؟ كما ذهب اليه بعض الأصحاب، و لكنا نتعرض لها في المقام- على وجه الاختصار- تبعا للماتن (قده) فقد ادعى بعضهم ان النار من جملة المطهرات و ما يمكن أن يستدل به على مطهريتها جملة من الاخبار: «منها»: مرسلة ابن أبي عمير عن الصادق(ع) في عجين عجن و خبز، ثم علم ان الماء كانت فيه ميتة قال: لا بأس أكلت النار ما فيه (1). و فيه «أولا»: ان الرواية مرسلة و دعوى ان مراسيل ابن أبي عمير كمسانيده مندفعة: بما مر غير مرة من انه لا اعتبار بالمراسيل مطلقا كان مرسلها ابن أبي عمير و نظراءه أم غيره و «ثانيا»:

ان الظاهر من جوابه(ع) لا بأس أكلت النار ما فيه. ان السؤال في الرواية لم يكن عن مطهرية النار و عدمها و إلا لكان المتعين أن يجيب(ع) بأن النار مطهرة أو ليست بمطهرة كما أجاب بذلك في صحيحة الحسن بن محبوب قال:

____________

(1) المروية في ب 14 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

28

..........

____________

سألت أبا الحسن(ع) عن الجص يوقد عليه بالعذرة و عظام الموتى ثم يجصّص به المسجد أ يسجد عليه؟ فكتب إليّ بخطه: ان الماء و النار قد طهراه (1)، بل الظاهر ان السؤال فيها إنما هو عن حلية الخبز و حرمته نظرا الى اشتمال ماء العجين على الأجزاء الدقيقة من الميتة لأنه المناسب لقوله: لا بأس أكلت النار ما فيه، و على هذا لا مناص من حمل الميتة على ميتة ما لا نفس له لطهارتها.

و «منها»: ما عن احمد بن محمد بن عبد اللّٰه بن زبير عن جده قال: سألت أبا عبد اللّٰه(ع) عن البئر تقع فيها الفأرة أو غيرها من الدواب فتموت فيعجن من مائها أ يؤكل ذلك الخبز؟ قال: إذا أصابته النار فلا بأس بأكله (2)، و هذه الرواية- مضافا الى ضعف سندها و لو من جهة أحمد بن محمد بن عبد اللّٰه بن زبير حيث ان الرجل لم يوجد له ذكر في الرجال بل قد نص بجهالته فليراجع- قاصرة الدلالة على المقصود لأن الاستدلال بها على مطهرية النار يتوقف على القول بانفعال ماء البئر بملاقاة النجس و قد قدمنا في محله ان ماء البئر معتصم بمادته و استدللنا على ذلك بعدة من الاخبار فلتكن منها هذه الرواية، و عليه فالغرض من نفي البأس عن أكله معلقا بإصابة النار للخبز إنما هو دفع الاستقذار المتوهم في الماء نظرا الى ملاقاته الميتة. فكأن اصابة النار تذهب بالتوهم المذكور.

و «منها»: ما رواه الكليني و الشيخ عن زكريا بن آدم قال: سألت أبا الحسن(ع) عن قطرة خمر أو نبيذ مسكر قطرت في قدر فيه لحم كثير و مرق كثير، قال:

يهراق المرق، أو يطعمه أهل الذمة، أو الكلب و اللحم اغسله و كله، قلت: فإنه قطر فيه الدم، قال: الدم تأكله النار ان شاء اللّٰه .. (3)، و فيها مع ضعف

____________

(1) المروية في ب 81 من النجاسات و في ب 10 من أبواب ما يسجد عليه من الوسائل.

(2) المروية في ب 14 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

(3) المروية في ب 38 من النجاسات و في ب 26 من أبواب الأشربة المحرمة من الوسائل.

29

..........

____________

سندها بابن المبارك ان قوله: الدم تأكله النار إنما يناسب السؤال عن حلية أكل الدم الواقع في المرق، و من هنا أجاب(ع) عن حكم الدم و لم يجب عن طهارة المرق و نجاسته إذ لو كان السؤال عن طهارته بالنار و عدمها لكان المتعين أن يجيب بأن النار مطهرة أو ليست بمطهرة كما قدمناه في الجواب عن الرواية الاولى، و معه لا مناص من حمل الدم على الدم الطاهر و ان كان يحرم أكله إلا انه لا مانع من أكل المرق و اللحم إذا انعدم الدم الموجود فيهما بالنار أو استهلك في ضمنهما، و كيف كان فلا دلالة للرواية على ان الدم الواقع في المرق كان من القسم النجس و لا على مطهرية النار بوجه «منها»: ما عن سعيد الأعرج قال: سألت أبا عبد اللّٰه(ع) عن قدر فيها جزور وقع فيها قدر أوقية من دم أ يوكل؟ قال: نعم فان النار تأكل الدم (1). و «منها»: ما عن علي بن جعفر في كتابه عن أخيه قال: سألته عن قدر فيها الف رطل ماء يطبخ فيها لحم وقع فيها أوقية دم هل يصلح أكله؟ فقال: إذا طبخ فكل فلا بأس (2) و يتوجه على هاتين الروايتين ما أوردناه على الأخبار المتقدمة من ان السؤال و الجواب فيهما ناظران الى حلية الدم المذكور و حرمته لا إلى طهارة الدم بالنار.

و مع الإغماض عن ذلك كله و فرض ان الاخبار المتقدمة ناظرة الى كل من النجاسة و الحرمة تقع المعارضة بينها و بين ما دل على عدم جواز التوضؤ بالماء الذي قطرت فيه قطرة من الدم مطلقا سواء طبخ أم لم يطبخ و هو صحيحة علي بن جعفر عن أخيه قال: و سألته عن رجل رعف و هو يتوضأ فتقطر قطرة في إنائه هل يصلح الوضوء منه؟ قال: لا (3) فتتعارضان في الدم المطبوخ و بعد تساقطهما يرجع الى استصحاب نجاسة الماء قبل طبخ الدم. نعم هذا إنما يتم على مسلك من يرى جريان الاستصحاب في الاحكام و أما على مسلكنا

____________

(1) المرويتان في باب 44 من أبواب الأطعمة المحرمة من الوسائل.

(2) المرويتان في باب 44 من أبواب الأطعمة المحرمة من الوسائل.

(3) المروية في ب 8 و 13 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

30

(مسألة 12) إذا غرز إبرة أو أدخل سكينا في بدنه، أو بدن حيوان فان لم يعلم ملاقاته للدم في الباطن فطاهر (1) و ان علم ملاقاته، لكنه خرج نظيفا فالأحوط الاجتناب عنه (2).

(مسألة 13) إذا استهلك الدم الخارج من بين الأسنان في ماء الفم فالظاهر طهارته، بل جواز بلعه (3). نعم لو دخل من الخارج دم في الفم فاستهلك فالأحوط الاجتناب عنه (4) و الاولى غسل الفم بالمضمضة أو نحوها.

____________

من عدم جريانه في الأحكام الكلية الإلهية فلا مناص من الرجوع الى قاعدة الطهارة بعد تساقطهما. و الذي يسهل الخطب عدم تمامية الأخبار المتقدمة كما مر

(1) لأصالة عدم الملاقاة للدم.

(2) و لعل وجهه شمول ما دل على نجاسة الدم للدم الداخلي و قد عرفت منعه و انه لا دليل على نجاسته فلا إشكال في طهارة الإبرة أو السكين في مفروض المسألة بل الحال كذلك و لو قلنا بنجاسة الدم و هو في الباطن، فان المقام حينئذ من موارد ما إذا كان الملاقي من النجاسات الداخلية الباطنية و لا دليل على نجاسة الملاقي حينئذ كما قدمنا تفصيله في مثل شيشة الاحتقان فليراجع.

(3) لما ذكرناه في المسألة الاولى من أحكام البول و الغائط من انه لا دليل على نجاسة الدم و البول و غيرهما من النجاسات في الجوف فلا يحكم بنجاسة ماء الفم بملاقاة الدم الخارج من بين الأسنان. نعم يحرم أكل الدم و ان لم يحكم بنجاسته لكنه إذا استهلك كما هو المفروض لم يبق ما يقتضي حرمة البلع لانتفاء موضوعها.

(4) و كأنه (قده) يريد بذلك التفرقة بين النجاسة الداخلية و الخارجية

31

(مسألة 14) الدم المنجمد تحت الأظفار أو تحت الجلد من البدن إن لم يستحل و صدق عليه الدم نجس (1) فلو انخرق الجلد و وصل الماء اليه تنجس، و يشكل معه الوضوء، أو الغسل، فيجب إخراجه إن لم يكن حرج، و معه يجب (2) أن يجعل عليه شيئا مثل الجبيرة فيتوضأ أو يغتسل. هذا إذا علم أنه دم منجمد، و ان احتمل كونه لحما صار كالدم من جهة الرض- كما يكون كذلك غالبا (3)- فهو طاهر.

(السادس و السابع): الكلب و الخنزير (4) البريان.

____________

بالحكم بطهارة ماء الفم بملاقاة الأولى دون الثانية إلا ان التفصيل بينهما في غير محله، لما ذكرناه في المسألة الاولى من أحكام البول و الغائط من انه لا دليل على تنجس الاجزاء الداخلية بملاقاة شيء من النجاسات الداخلية و الخارجية و يدل عليه ما رواه عبد الحميد بن أبي الديلم قال: قلت لأبي عبد اللّٰه(ع):

رجل يشرب الخمر فيبصق فأصاب ثوبي من بصاقه، قال: ليس بشيء (1).

(1) لوضوح ان الانجماد ليس من أحد المطهرات. نعم إذا لم يعلم انه دم أو كان و لكنه استحال لحما فلا إشكال في طهارته للاستحالة.

(2) بل يجب عليه التيمم حينئذ كما يأتي في محله.

(3) بل الغالب ان السواد المتراءى تحت الجلد انما هو من جهة انجماد الدم تحته و كونه من اللحم المرضوض نادر جدا.

[السادس و السابع: الكلب و الخنزير البريان]

(4) أما الكلب فلا إشكال في نجاسته عند الإمامية في الجملة و الأخبار في نجاسته مستفيضة بل متواترة و قد دلت عليها بالسنة مختلفة ففي بعضها:

____________

(1) المروية في ب 39 من أبواب النجاسات من الوسائل.

32

..........

____________

ان الكلب رجس نجس (1) و في آخر: ان اللّٰه لم يخلق خلقا أنجس من الكلب (2) و في ثالث: لا و اللّٰه انه نجس لا و اللّٰه إنه نجس (3) و في رابع:

إن أصاب ثوبك من الكلب رطوبة فاغسله (4) و في خامس: سألته عن الكلب يشرب من الإناء قال: اغسل الإناء (5) الى غير ذلك من النصوص.

و في قبالها ما يدل بظاهره على طهارة الكلب و لأجله قد يتوهم حمل الأخبار المتقدمة على التنزه و الاستحباب «منها»: صحيحة ابن مسكان عن أبي عبد اللّٰه(ع) قال: سألته عن الوضوء مما ولغ الكلب فيه و السنور أو شرب منه جمل أو دابة أو غير ذلك أ يتوضأ منه أو يغتسل؟ قال: نعم إلا أن تجد غيره فتنزه عنه (6) و قد حملها الشيخ على ما إذا كان الماء بالغا قدر كر مستشهدا له برواية أبي بصير عن الصادق(ع) في حديث و لا تشرب من سئور الكلب إلا أن يكون حوضا كبيرا يستقى منه (7) و نفى المحقق الهمداني (قده) البعد عن حملها عليه، لقوة احتمال ورودها في مياه الغدران التي تزيد عن الكر غالبا. و التحقيق انه لا مناص من تقييد إطلاق صحيحة ابن مسكان بما دل على انفعال الماء القليل

____________

(1) كما في صحيحة أبي العباس المروية في ب 1 من الأسئار و 11 و 12 و 70 من أبواب النجاسات من الوسائل.

(2) كما ورد ذلك في موثقة ابن أبي يعفور المروية في ب 11 من أبواب الماء المضاف من الوسائل.

(3) كما في رواية معاوية بن شريح المروية في ب 1 من أبواب الأسئار و 12 من أبواب النجاسات من الوسائل.

(4) ورد في صحيحة أبي العباس المروية في ب 12 من النجاسات و 1 من أبواب الأسئار من الوسائل.

(5) ورد في صحيحة محمد بن مسلم المروية في ب 12 من النجاسات و 1 و 2 من أبواب الأسئار من الوسائل.

(6) المروية في ب 2 من أبواب الأسئار من الوسائل.

(7) المروية في ب 9 من الماء المطلق و 1 من أبواب الأسئار من الوسائل.

33

..........

____________

بملاقاة الكلب التي منها رواية أبي بصير المتقدمة و ذلك لأن النسبة بينهما هي العموم المطلق، فإن الصحيحة دلت على طهارة الماء الذي باشره الكلب مطلقا قليلا كان أم كثيرا. و الاخبار المتقدمة قد دلت على انفعال الماء القليل بملاقاة الكلب و عليه فمقتضى الصناعة العلمية و قانون الإطلاق و التقييد حمل الصحيحة على ما إذا كان الماء بالغا قدر كر فهو جمع دلالي و ليس من الجمع التبرعي في شيء كما يظهر من كلام الشيخ و غيره. ثم لو سلمنا ان الصحيحة واردة في خصوص القليل فغاية ما يستفاد منها عدم انفعال الماء القليل بالملاقاة و هي إذا من الأدلة الدالة على اعتصام الماء القليل و قد عرفت الجواب عنها في محلها و لا تنافي بينها و بين الاخبار الدالة على نجاسة الكلب بوجه. هذا.

و قد نسب الى الصدوق (قده) القول بطهارة كلب الصيد حيث حكى عنه:

ان من أصاب ثوبه كلب جاف فعليه ان يرشه بالماء و ان كان رطبا فعليه ان يغسله و ان كان كلب صيد فان كان جافا فليس عليه شيء و ان كان رطبا فعليه ان يرشه بالماء. و «تدفعه» النصوص المتقدمة الظاهرة في نجاسة الكلب على وجه الإطلاق مضافا الى حسنة محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد اللّٰه(ع) عن الكلب السلوقي قال: إذا مسسته فاغسل يدك (1) فإنها ظاهرة في نجاسة الكلب السلوقي بخصوصه. هذا كله في الكلب و أما الخنزير فنجاسته أيضا مورد التسالم بين الأصحاب و تدل عليها صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى(ع) قال: سألته عن الرجل يصيب ثوبه خنزير فلم يغسله فذكر و هو في صلاته كيف يصنع به؟ قال: ان كان دخل في صلاته فليمض، و ان لم يكن دخل في صلاته فلينضح ما أصاب من ثوبه، إلا ان يكون فيه أثر فيغسله قال: و سألته عن خنزير يشرب من إناء كيف يصنع به؟ قال:

____________

(1) المروية في ب 12 من النجاسات و 11 من أبواب نواقض الوضوء من الوسائل.

34

دون البحري منهما (1)

____________

يغسل سبع مرات (1) و غيرها من الاخبار. و أما ما في بعض الروايات مما ظاهره طهارة شعر الخنزير أو جلده فيأتي الجواب عنه عن قريب إن شاء اللّٰه.

[طهارة الكلب و الخنزير البحريين]

(1) قد ذهب المشهور إلى طهارة الكلب و الخنزير البحريين و خالفهم في ذلك الحلي (قده) و التزم بنجاسة البحري منهما أيضا بدعوى صدق عنوانهما على البحريين كالبريين، إلا ان ما ذهب اليه المشهور هو الصحيح و ذلك لأن الكلب و الخنزير البحريين ان كانا خارجين عن حقيقتهما واقعا و قد سميا بهما لمشابهتهما للبريين في بعض الجهات و الآثار كما هو الظاهر- لوضوح ان البحر لا يوجد فيه ما يكون كلبا أو خنزيرا حقيقة فلو وجد فإنما يوجد فيه ما هو من أقسام السمك و قد يعبر عنه بأحد أسماء الحيوانات البرية لمجرد مشابهته إياها في رأسه أو بدنه أو في غيرهما من أجزائه و آثاره و منه إنسان البحر- كما يقولون- أو بقر البحر- كما شاهدناه- فإنه من الأسماك من غير أن يكون بقرا حقيقة و انما سمي به لضخامته و كبر رأسه و من هذا الباب إطلاق الأسد على العنكبوت حيث يقال له أسد الذباب، لأنه يفترس الذباب كما يفترس الأسد سائر الحيوانات، و كذا إطلاقه على التمساح فيقال إنه أسد البحر لأنه أشجع الحيوانات البحرية كما ان الأسد كذلك في البر- فلا إشكال في طهارتهما، لأنهما من الأسماك و خارجان عن الكلب و الخنزير حقيقة و انما سميا بهما مجازا فلا موجب للحكم بنجاستهما بوجه. و أما إذا قلنا انهما من الكلب و الخنزير حقيقة- و لكن البحري منهما طبيعة أخرى مغايرة لطبيعة الكلب أو الخنزير البريين- بان يكون لفظ الكلب أو الخنزير مشتركا لفظيا بين البحري و البري منهما حتى يكون إطلاقه على كل منهما حقيقة فأيضا لا يمكننا الحكم بنجاستهما،

____________

(1) المروية في ب 13 من النجاسات و 1 من أبواب الأسئار من الوسائل.

35

و كذا رطوباتهما، و أجزاؤهما، و ان كانت مما لا تحله الحياة (1) كالشعر، و العظم، و نحوهما.

____________

و ذلك لأنا و ان صححنا استعمال اللفظ المشترك في أكثر من معنى واحد في محله إلا انه يتوقف على قيام قرينة تدل على ذلك لا محالة، و بما انه لم تقم قرينة على ارادة ذلك من الكلب و الخنزير الواردين في أدلة نجاستهما فلا يمكننا الحكم بإرادة الأعم من البريين و البحريين فيختص الحكم بالأولين، للقطع بإرادتهما على كل حال هذا. ثم لو تنزلنا و قلنا ان الكلب و الخنزير البحريين من طبيعة البري منهما و هما من حقيقة واحدة و طبيعة فأرده و لا فرق بينهما إلا في أن أحدهما بري و الآخر بحري فأيضا لا موجب للحكم بنجاسة البحري منهما لا لانصراف أدلة نجاسة الكلب و الخنزير الى خصوص البحري منهما كما ادعاه جماعة من الأصحاب فإن عهدة إثبات هذه الدعوى على مدعيها، بل لصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال: سأل أبا عبد اللّٰه(ع) رجل و انا عنده عن جلود الخزّ فقال ليس بها بأس فقال الرجل: جعلت فداك إنها علاجي (في بلادي) و انما هي كلاب تخرج من الماء فقال أبو عبد اللّٰه(ع): إذا خرجت من الماء تعيش خارجة من الماء؟ فقال الرجل: لا فقال: ليس به بأس (1) لأنها نفت البأس عن جلود ما يسمى بكلب الماء، و هي و ان وردت في خصوص كلب الماء إلا ان سؤاله(ع) عن انه هل تعيش خارجة من الماء؟ و نفيه البأس بعد ذلك كالصريح في ان العلة في الحكم بالطهارة كون الحيوان مما لا يعيش خارجا عن الماء، و بذلك تشمل الصحيحة كلّا من الكلب و الخنزير البحريين فيحكم بطهارتهما كما في المتن

[نجاسة رطوبات الكلب و الخنزير]

(1) للأدلّة المتقدمة الدالة على نجاسة الكلب و الخنزير بجميع أجزائهما

____________

(1) المروية في ب 10 من أبواب لباس المصلي من الوسائل.

36

..........

____________

و ان كانت مما لا تحله الحياة و لا خلاف في المسألة إلا عن السيد المرتضى وجده «قدهما» حيث ذهبا إلى طهارة ما لا تحله الحياة من أجزائهما. و السيد (قده) و ان لم يستدل على مرامه بشيء من الأخبار إلا انه ادعى ان ما لا تحله الحياة- كالشعر و العظم و نحوهما- لا يكون من أجزاء الحيوان الحي ثم أيد كلامه بدعوى إجماع الأصحاب عليه. و لا يخفى فساد ما ذهب اليه و ذلك لمنافاته لإطلاقات أدلة نجاسة الكلب و الخنزير حيث دلت على نجاستهما بما لهما من الأجزاء من غير فرق في ذلك بين ما تحله الحياة و ما لا تحله الحياة، و دعوى الإجماع على طهارة ما لا تحله الحياة من أجزائهما جزافية. بل الإجماع منعقد على خلافه، و إنكار ان ما لا تحله الحياة جزء من الحيوان مكابرة كيف و هو معدود من اجزائه عند العرف و الشرع و اللغة. و أما ما نسب اليه من الاستدلال على ذلك بان ما لا تحله الحياة من أجزائهما نظير شعر الميتة و عظمها و غيرهما مما لا تحله الحياة فيدفعه: انه قياس و العمل بالقياس منهي عنه في الشريعة المقدسة.

هذا على انه قياس مع الفارق، لوضوح ان نجاسة الكلب و الخنزير نجاسة ذاتية و غير مستندة الى موتهما و نجاسة الميتة عرضية مستندة الى الموت مع الحكم بطهارتها قبله، و الموت انما يعرض الأجزاء التي تحلها الحياة دون ما لا تحله و معه لا وجه لنجاسة ما لا تحله الحياة من أجزاء الميتة فما ذهب اليه علم الهدى و جده مما لا دليل عليه. نعم هناك جملة من الاخبار لا تخلو عن الإشعار بطهارة شعر الخنزير و جلده و كان ينبغي له (قده) أن يستدل بها على مسلكه «منها»: صحيحة زرارة عن أبي عبد اللّٰه(ع) قال: سألته عن الحبل يكون من شعر الخنزير يستقى به الماء من البئر هل يتوضأ من ذلك الماء؟

قال لا بأس (1) و الجواب عن ذلك انه لا دلالة لها على طهارة شعر الخنزير

____________

(1) المروية في ب 14 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

37

..........

____________

بوجه، لعدم فرض العلم بملاقاته لماء الدلو «أوّلا» لجواز ان يتخلل بينه و بين الدلو حبل طاهر، و لعل السؤال في الرواية من جهة احتمال حرمة الاستقاء للوضوء بحبل من شعر الخنزير لاحتمال حرمة الانتفاع بشعره شرعا و بما ان الوضوء أمر عبادي فيكون الاستقاء له بما هو مبغوض للشارع موجبا لحرمته فنفيه(ع) البأس راجع الى نفي حرمة الانتفاع به لا الى نفي نجاسة الماء.

و «ثانيا»: ان الرواية على تقدير دلالتها فإنما تدل على عدم انفعال الماء القليل بملاقاة النجس فهي إذا من أدلة القول باعتصام الماء القليل و لا دلالة لها على عدم نجاسة شعر الخنزير بوجه، و عليه فالأخبار الدالة على نجاسته بلا معارض و «منها»: رواية أخرى لزرارة قال: سألت أبا عبد اللّٰه(ع) عن جلد الخنزير يجعل دلوا يستقى به الماء قال: لا بأس (1) و يرد على الاستدلال بها ان ظاهرها السؤال عن حكم الانتفاع بجلد الخنزير و غاية ما يستفاد منها ان الانتفاع به بالاستقاء أمر غير محرم شرعا- كما إذا كان الاستقاء للدواب و لا دلالة لها على طهارة جلده بوجه، و يحتمل ان يكون السؤال عن انفعال ماء البئر بملاقاة جلد الخنزير النجس فنفيه(ع) البأس يرجع الى عدم انفعال مائها لا إلى طهارة جلد الخنزير، و مع الإغضاء عن ذلك كله و فرض ان السؤال فيها انما هو عن حكم الماء القليل و جواز استعماله فيما يشترط فيه الطهارة أيضا لا مجال للاستدلال بها في المقام لأن الرواية حينئذ من أدلة عدم انفعال الماء القليل و قد تقدم الجواب عنها في بحث المياه و «منها»: خبر الحسين بن زرارة عن أبي عبد اللّٰه(ع) «في حديث» قال: قلت له: شعر الخنزير يعمل حبلا و يستقى به من البئر التي يشرب منها أو يتوضأ منها؟ فقال: لا بأس به (2)

____________

(1) المروية في ب 14 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

(2) المروية في ب 14 من الماء المطلق 33 من أبواب الأطعمة المحرمة من الوسائل.

38

و لو اجتمع أحدهما مع الآخر أو مع آخر، فتولد منهما ولد، فان صدق عليه اسم أحدهما تبعه (1) و إن صدق عليه اسم أحد الحيوانات الأخر، أو كان مما ليس له مثل في الخارج، كان طاهرا (2)

____________

و لا يمكن الاستدلال بهذه الرواية أيضا لأن ظاهرها- بقرينة تأنيث الضمير و التوصيف بكلمة التي- عدم البأس بالشرب و التوضؤ من البئر المذكورة في الحديث فهي ناظرة الى عدم انفعال ماء البئر بملاقاة النجس و أجنبية عن الدلالة على طهارة شعر الخنزير رأسا، على ان الرواية ضعيفة لعدم توثيق الحسين بن زرارة في الرجال حيث ان مجرد دعاء الامام(ع) في حقه لا يدل على وثاقته.

هذا و قد أثبت صاحب الحدائق و المحقق الهمداني «قدهما» رواية أخرى في المقام و أسندها في الحدائق إلى الحسين بن زياد و عبر عنها بالموثقة و أسندها في مصباح الفقيه الى الحسين بن زرارة عن الصادق(ع) قال قلت له: جلد الخنزير يجعل دلوا يستقى به من البئر التي يشرب منها أو يتوضأ منها قال:

لا بأس. و لم نعثر نحن على هذه الرواية بعد ما فحصنا عنها في جوامع الاخبار و اللّٰه العالم بحقائق الأمور. و المتحصل ان الكلب و الخنزير محكومان بالنجاسة بجميع اجزائهما الأعم مما تحله الحياة و ما لا تحله، لما مر. مضافا الى أن الغالب في الاخبار الواردة في نجاستهما انما هو السؤال عن مسهما أو أصابتهما باليد و الثوب و من الظاهر ان اليد و الثوب انما يصب شعرهما عادة- لا على بشرتهما- لإحاطته ببدنهما و الشعر مما لا تحله الحياة و قد دلت على نجاسته فيما إذا أصابته اليد أو الثوب مع الرطوبة.

[حكم الحيوان المتولد من الكلب و الخنزير]

(1) لصدق انه كلب أو خنزير.

(2) لأن النجاسة و غيرها من الأحكام انما ترتبت على ما صدق عليه عنوان الكلب أو الخنزير خارجا فما لم يصدق عليه عنوان أحدهما لا دليل على

39

..........

____________

نجاسته سواء أصدق عنوان حيوان آخر طاهر عليه أم لم يصدق هذا.

و الصحيح أن يقال: ان المتولد منهما إذا كان ملفقا من الكلب و الخنزير- بان كان رأسه رأس أحدهما و بدنه بدن الآخر أو كان رجله رجل أحدهما و يده يد الآخر كما شاهدنا ذلك في الحيوان المتولد من الكلب و الذئب- فلا مناص من الحكم بنجاسته بلا فرق في ذلك بين صدق عنوان أحدهما عليه و عدمه، و ذلك لأن مقتضى الفهم العرفي ان المتركب من عدة أمور محرمة أو نجسة أيضا محرم أو نجس و ان لم يصدق عليه شيء من عناوين أجزائه- مثلا- إذا فرضنا أن خمسة من الأجزاء المحرمة أو النجسة مزجنا بعضها ببعض و دققناها على وجه تحصل منها معجون لا يصدق عليه شيء من عناوين تلك الأجزاء المحرمة أو النجمة فلا يشك العرف في الحكم بنجاسته و حرمته، كما انه يفهم من أدلة حرمة استعمال آنية الذهب و الفضة حرمة استعمال الآنية المصوغة منهما معا و ان لم يطلق عليها عنوان الإناء من الذهب أو الفضة و هذا ظاهر. و اما إذا لم يكن المتولد منهما ملفقا من الكلب و الخنزير و لم يتبع أحدهما في الاسم فلا بد من الحكم بطهارته، لما مر من أن النجاسة و غيرها من الأحكام مترتبة على عنوان الكلب و الخنزير و مع انتفائهما ينتفي الحكم بنجاسته سواء صدق عنوان حيوان آخر طاهر عليه أم لم يصدق، فان الحيوانات طاهرة بأجمعها إلا ما دل الدليل على نجاسته و هو مفقود في المقام، اللهم إلا أن يتبع أحدهما في الاسم، فإنه محكوم بالنجاسة حينئذ لصدق انه كلب أو خنزير و إطلاق ما دل على نجاستهما كما هو الحال في المتولد من غيرهما- كالمتولد من الفرس و الحمار- فإنه إن تبع أحدهما في الاسم حكم عليه بأحكام متبوعة. و أما التبعية في الحكم مطلقا فلم يقم عليها دليل.

40

و ان كان الأحوط الاجتناب عن المتولد منهما، إذا لم يصدق عليه اسم أحد الحيوانات الطاهرة (1)

____________

(1) و عن الشهيدين في الذكرى و الروض الحكم بنجاسة المتولد من النجسين و ان باينهما في الاسم و لا يمكن المساعدة عليه و ذلك لأن الوجه في ذلك ان كان تبعية الولد لأبويه فيدفعه: انه لا ملازمة بين نجاسة الأبوين و نجاسة ولدهما لما عرفت من عدم قيام الدليل على التبعية مطلقا. و ان كان الوجه فيه هو استصحاب نجاسة الولد المتيقنة حال كونه علقة لكونها دما و الدم نجس، كما اعتمد عليه بعضهم في الحكم بنجاسة أولاد الكفار و به حكم بنجاسة ولد الكافر و ان لم يكن كافرا. فهذا الوجه لو تم- فكما يجري في المتولد من النجسين كذلك يجري فيما إذا كان أحد أبويه نجسا دون الآخر و ذلك للعلم بنجاسته حال كونه علقة، بل يكون كتأسيس أصل كلي في جميع الحيوانات فيحكم بنجاسة كل حيوان لسبقه بالنجاسة حال كونه علقة إلا ما خرج بالدليل. إلا انه غير تام و ذلك أما «أولا»: فلعدم جريان الاستصحاب في الأحكام الكلية الإلهية في نفسه على ما مر منا غير مرة و أما «ثانيا»: فلعدم بقاء موضوعه، لأن ما علمنا بنجاسته انما هو الدم و ما نشك في نجاسته هو الحيوان و أحدهما غير الآخر و معه لا مجرى للاستصحاب بوجه.

هذا كله إذا أريد به استصحاب نجاسته المتيقنة حال كونه دما. و أما إذا أريد به استصحاب نجاسته المتيقنة حال كونه مضغة بدعوى: ان المضغة تابعة لامها و معدودة من أجزائها و المفروض نجاسة أمه بما لها من الاجزاء فحيث انه مقطوع النجاسة سابقا و نشك في بقائها و ارتفاعها بعد تولده فالأصل يقتضي الحكم ببقائه على نجاسته «ففيه»: «أولا»: انه لو تم لجرى في المتولد من الأم النجس أيضا و ان كان أبوه طاهرا و «ثانيا»: انه من

41

بل الأحوط الاجتناب (1) عن المتولد من أحدهما مع طاهر إذا لم يصدق عليه اسم ذلك الطاهر، فلو نزى كلب على شاة، أو خروف على كلبة، و لم يصدق على المتولد منهما اسم الشاة، فالأحوط الاجتناب عنه، و ان لم يصدق عليه اسم الكلب.

(الثامن) الكافر بأقسامه (2)

____________

استصحاب الحكم الكلي و قد عرفت عدم جريانه في الأحكام الكلية الإلهية و «ثالثا»: ان المضغة غير تابعة لامها و لا هي معدودة من أجزائها و انما هي موجودة بوجود مستقل متكونة في جوف أمها فجوفها محل للمضغة لا انها من أجزاء أمها. نعم لو كانت المضغة- و هي المتشكلة بشكل الحيوان قبل أن تلج فيها الروح- صورة كلب أو خنزير لحكمنا بنجاستها لكونها كلبا أو خنزيرا لا من جهة عدّها من أجزاء أمها إلا انه خلاف مفروض الكلام فان الكلام انما هو فيما إذا كانت المضغة بصورة غيرهما من الحيوانات و معه لا وجه للحكم بنجاستها. و نجاسة المضغة عندنا و ان كانت مستندة الى كونها جيفة إلا انها انما تصدق على المضغة فيما إذا انفصلت من أمها فما دامت في جوفها لا تطلق عليها الجيفة بوجه. فالمتحصل ان المضغة لم تثبت نجاستها حتى يحكم على المتولد من الكلب و الخنزير بالنجاسة باستصحابها فلا وجه للحكم بنجاسته.

نعم لا بأس بالاحتياط استحبابا و لو من جهة وجود القائل بنجاسته.

(1) قد ظهر الحال فيه مما ذكرناه آنفا فلا نعيد.

[الثامن الكافر]

(2) المعروف بين أصحابنا من المتقدمين و المتأخرين نجاسة الكافر بجميع أصنافه بل ادعي عليها الإجماع و ثبوتها في الجملة مما لا ينبغي الإشكال فيه، و ذهب بعض المتقدمين إلى طهارة بعض أصنافه و تبعه على ذلك جماعة من

42

..........

____________

متأخر المتأخرين. و توضيح الكلام في هذا المقام انه لا اشكال و لا شك في نجاسة المشركين بل نجاستهم من الضروريات عند الشيعة و لا نعهد فيها مخالفا من الأصحاب. نعم ذهب العامة إلى طهارتهم [1] و لم يلتزم منهم بنجاسة المشرك إلا القليل [2] و كذا لا خلاف في نجاسة الناصب بل هو أنجس من المشرك على بعض الوجوه ففي موثقة ابن أبي يعفور (3) فان اللّٰه تبارك و تعالى لم يخلق خلقا أنجس من الكلب، و الناصب لنا أهل البيت لأنجس منه كما انه ينبغي الجزم بنجاسة غير المشرك من الكفار فيما إذا التزم بما هو أسوأ

____________

[1] اتفق فقهاءهم على طهارة أبدان المشركين كما في ج 4 من التفسير الكبير «طبعة استامبول» ص 614 و في المغني ج 1 ص 49 ان الآدمي طاهر و سؤره طاهر سواء كان مسلما أو كافرا عند عامة أهل العلم. و في البديع ج 1 ص 63 سؤر الطاهر المتفق على طهارته سؤر الآدمي بكل حال مسلما كان أو مشركا .. و به صرح ابن نجيم الحنفي في البحر الرائق ج 1 ص 126. و قال الشربيني الشافعي في اقناعه ج 1 ص 74 الحيوان كله طاهر العين حال حياته الا الكلب و الخنزير و ما تولد منهما أو من أحدهما. و يقرب منه عبارة الغزالي في الوجيز ج 1 ص 4 و به قال ابن حجر في فتح الباري «شرح البخاري» ج 1 ص 269 و العيني في عمدة القارئ ج 2 ص 60 و كذا في الفقه على المذاهب الأربعة ج 1 ص 11 فليراجع

[2] ذهب الى نجاسة المشرك الفخر في تفسيره ج 4 ص 614 من الطبع لمتقدم ذكره آنفا حيث قال: اعلم ان ظاهر القرآن «إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ» يدل على كونهم أنجاسا فلا يرجع الا بدليل منفصل. ثم نقل وجوها في تأويل الآية المباركة و عقبها بقوله: اعلم ان كل هذه الوجوه عدول عن الظاهر بغير دليل و نقل عن صاحب الكشاف عن ابن عباس ان أعيانهم نجسة كالكلاب و الخنازير و عن الحسن من صافح مشركا توضأ و قال هذا قول الهادي من أئمة الزيدية. و نسب القول بالنجاسة في فتح الباري ج 1 ص 269 لي أهل الظاهر. و ممن صرح بالنجاسة ابن حزم في المحلى ج 1 ص 129- 130 و تعجب عن القول بطهارة المشركين قائلا: و لا عجب في الدنيا أعجب ممن يقول فيمن نص اللّٰه تعالى انهم نجس: انهم طاهرون ثم يقول في المني الذي لم يأت قط بنجاسته نص: انه نجس و يكفي من هذا القول سماعه و نحمد اللّٰه على السلامة.

____________

(3) المروية في ب 11 من أبواب الماء المضاف من الوسائل.

43

..........

____________

و أشد من الشرك في العبادة كإنكار وجود الصانع رأسا، لأن المشركين غير منكرين لوجوده سبحانه و انما يعبدون الأصنام و الآلهة ليقربوهم الى اللّٰه زلفى و يعتقدون ان الموت و الحياة و الرزق و المرض و غيرها من الأمور الراجعة إلى العباد بيد هؤلاء الشفعاء، و من البديهي ان إنكار وجوده تعالى أسوة من ذلك و أشد فهو أولى بالحكم بالنجاسة من المشرك بالضرورة. و أما غير هذه الفرق الثلاث من أصناف الكفار كأهل الكتاب فقد وقع الخلاف في طهارتهم و هي التي نتكلم عنها في المقام فقد يستدل على نجاسة الكافر بجميع أصنافه بقوله عز من قائل إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلٰا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرٰامَ بَعْدَ عٰامِهِمْ هٰذٰا (1) بتقريب ان اللّٰه سبحانه حكم بنجاسة المشركين و فرّع عليها حرمة قربهم من المسجد الحرام، و ذلك لأن النجس بفتح الجيم و كسره بمعنى النجاسة المصطلح عليها عند المتشرعة، فإنه المرتكز في أذهانهم و بهذا نستكشف ان النجس في زمان نزول الآية المباركة أيضا كان بهذا المعنى المصطلح عليه لأن هذا المعنى هو الذي وصل الى كل لاحق من سابقه حتى وصل الى زماننا هذا، و بما ان أهل الكتاب قسم من المشركين لقوله تعالى حكاية عن اليهود و النصارى وَ قٰالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّٰهِ وَ قٰالَتِ النَّصٰارىٰ الْمَسِيحُ ابْنُ اللّٰهِ الى قوله سُبْحٰانَهُ عَمّٰا يُشْرِكُونَ (2) فتدل الآية المباركة على نجاسة أهل الكتاب كالمشركين. و قد أجيب عن ذلك بأمور و نوقش فيها بوجوه لا يهمنا التعرض لها و لا لما أورد عليها من المناقشات بل الصحيح في الجواب عن ذلك ان يقال: ان النجس عند المتشرعة و ان كان بالمعنى المصطلح عليه إلا انه لم يثبت كونه بهذا المعنى في الآية المباركة لجواز ان لا تثبت النجاسة- بهذا المعنى الاصطلاحي- على شيء من الأعيان النجسة في زمان نزول

____________

(1) التوبة 9: 28

(2) التوبة 9: 30- 31

44

..........

____________

الآية أصلا، و ذلك للتدرج في بيان الاحكام، بل الظاهر انه في الآية المباركة بالمعنى اللغوي و هو القذارة و أي قذارة أعظم و أشد من قذارة الشرك؟

و هذا المعنى هو المناسب للمنع عن قربهم من المسجد الحرام، حيث ان النجس بالمعنى المصطلح عليه لا مانع من دخوله المسجد الحرام فيما إذا لم يستلزم هتكه فلا حرمة في دخول الكفار و المشركين المسجد من جهة نجاستهم- بهذا المعنى- و هذا بخلاف النجس بمعنى القذر لأن القذارة الكفرية مبغوضة عند اللّٰه سبحانه و الكافر عدو اللّٰه و هو يعبد غيره فكيف يرضى صاحب البيت بدخول عدوه على بيته؟ بل و كيف يناسب دخول الكافر بيتا يعبد فيه صاحبه و هو يعبد غيره هذا كله «أولا» و «ثانيا»: إن الشرك له مراتب متعددة لا يخلو منها غير المعصومين و قليل من المؤمنين و معه كيف يمكن الحكم بنجاسة المشرك بما له من المراتب المتعددة؟ فإن لازمة الحكم بنجاسة المسلم المرائي في عمله حيث ان الرياء في العمل من الشرك و هذا كما ترى لا يمكن الالتزام به فلا مناص من ان يراد بالمشرك مرتبة خاصة منه و هي ما يقابل أهل الكتاب و «ثالثا»:

ان ظاهر الآيات الواردة في بيان أحكام الكفر و الشرك- و منها هذه الآية- ان لكل من المشرك و أهل الكتاب أحكاما تخصه- مثلا- لا يجوز للمشرك السكنى في بلاد المسلمين و يجب عليه الخروج منها. و أما أهل الكتاب فلا بأس أن يسكنوا في بلادهم مع الالتزام بأحكام الجزية و التبعية للمسلمين فحكمهم حكم المسلمين و غير ذلك مما يفترق فيه المشرك عن أهل الكتاب، و منه تبرّيه سبحانه من المشركين دون أهل الكتاب و معه كيف يمكن ان يقال ان المراد من المشركين في الآية أعم من أهل الكتاب، فان ظاهرها ان المشرك في مقابل أهل الكتاب فالإنصاف ان الآية لا دلالة لها على نجاسة المشركين فضلا عن دلالتها على نجاسة أهل الكتاب. إلا انك عرفت ان نجاسة المشركين مورد التسالم القطعي بين

45

..........

____________

أصحابنا قلنا بدلالة الآية أم لم نقل كما ان نجاسة الناصب و منكري الصانع مما لا خلاف فيه و عليه فلا بد من التكلم في نجاسة غير هذه الأصناف الثلاثة من الكفار و

يقع الكلام أولا في نجاسة أهل الكتاب

ثم نعقبه بالتكلم في نجاسة بقية الأصناف فنقول: المشهور بين المتقدمين و المتأخرين نجاسة أهل الكتاب بل لعلها تعدّ عندهم من الأمور الواضحة حتى ان بعضهم- على ما في مصباح الفقيه- ألحق المسألة بالبديهيات التي رأى التكلم فيها تضييعا للعمر العزيز و خالفهم في ذلك بعض المتقدمين و جملة من محققي المتأخرين حيث ذهبوا الى طهارة أهل الكتاب و المتبع دلالة الأخبار فلننقل- أولا- الأخبار المستدل بها على نجاسة أهل الكتاب ثم نعقبها بذكر الأخبار الواردة في طهارتهم ليرى أيهما أرجح في مقام المعارضة «فمنها»: حسنة سعيد الأعرج سألت أبا عبد اللّٰه(ع) عن سؤر اليهودي و النصراني فقال: لا (1) و لا إشكال في سندها كما ان دلالتها تامة لأن ظاهر السؤال من سؤرهم نظير السؤال عن سؤر بقية الحيوانات انما هو السؤال عن حكم التصرف فيه بأنحاء التصرفات و قد صرح بالسؤال عن أكله و شربه في رواية الصدوق (2) فراجع و «منها»: صحيحة محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر(ع) عن آنية أهل الذمة و المجوس فقال: لا تأكلوا في آنيتهم و لا من طعامهم الذي يطبخون، و لا في آنيتهم التي يشربون فيها الخمر (3) و هذه الرواية صحيحة سندا إلا انها قاصرة الدلالة على المدعى فان دلالتها على طهارة أهل الكتاب أظهر من دلالتها على نجاستهم و ذلك لأن الحكم بنجاستهم يستلزم

____________

(1) المروية في ب 3 من الأسئار و 14 من أبواب النجاسات من الوسائل.

(2) المروية في باب 54 من أبواب الأطعمة المحرمة من الوسائل.

(3) المروية في ب 54 من الأطعمة المحرمة و 14 و 72 من أبواب النجاسات من الوسائل.

46

..........

____________

الحكم بالتجنب عن جميع الأواني المضافة إليهم حتى الآنية التي يشربون فيها الماء و لا وجه معه لتقييد الآنية بما يشربون فيه الخمر و لا لتقييد طعامهم بما يطبخونه فمن تقييد الآنية و الطعام بما عرفت يظهر عدم نجاسة أهل الكتاب.

و النهي عن الأكل في آنيتهم التي يشربون فيها الخمر مستند إلى نجاسة الآنية بملاقاتها الخمر و أما النهي عن أكل طعامهم المطبوخ فيحتمل فيه وجهان:

«أحدهما»: ان أهل الكتاب يأكلون لحم الخنزير و شحمه و المطبوخ من الطعام لا يخلو عن اللحم و الشحم عادة فطعامهم المطبوخ لا يعرى عن لحم الخنزير و شحمه و «ثانيهما»: ان آنيتهم من قدر و غيره يتنجس بمثل طبخ لحم الخنزير أو وضع شيء آخر من النجاسات فيها لعدم اجتنابهم عن النجاسات و من الظاهر انها بعد ما تنجست لا يرد عليها غسل مطهر على الوجه الشرعي لأنهم في تنظيفها يكتفون بمجرد ازالة قذارتها و هي لا يكفي في طهارتها شرعا و عليه يتنجس ما طبخ فيها بملاقاتها و من هنا نهى(ع) عن أكل طعامهم الذي يطبخونه. و يمكن أن يكون هناك وجه آخر لنهيه(ع) و نحن لا ندركه و «منها»: حسنة الكاهلي قال: سألت أبا عبد اللّٰه(ع) عن قوم مسلمين يأكلون و حضرهم رجل مجوسي أ يدعونه الى طعامهم؟ فقال:

أما أنا فلا أو أكل المجوسي، و اكره أن أحرّم عليكم شيئا تصنعون في بلادكم (1) و لا يخفى عدم دلالتها على نجاسة المجوس و هو(ع) انما ترك المؤاكلة معه لعلو مقامه و عدم مناسبة الاشتراك مع المعاند لشريعة الإسلام لإمام المسلمين فتركه المؤاكلة من جهة الكراهة و التنزه و «منها»: صحيحة محمد بن مسلم، عن أبي جعفر(ع) في رجل صافح رجلا مجوسيا، فقال: يغسل يده و لا يتوضأ (2) بدعوى ان الأمر بغسل اليد ظاهر في نجاسة المجوسي

____________

(1) المرويتان في ب 14 من أبواب النجاسات و غيرها من الوسائل.

(2) المرويتان في ب 14 من أبواب النجاسات و غيرها من الوسائل.

47

..........

____________

إلا ان الصحيح عدم دلالتها على المدعى فان الرواية لا بد فيها من أحد أمرين «أحدهما»: تقييد المصافحة بما إذا كانت يد المجوسي رطبة لوضوح أن ملاقاة اليابس غير مؤثرة في نجاسة ملاقية لقوله(ع) كل شيء يابس زكي (1) و «ثانيهما»: حمل الأمر بغسل اليد على الاستحباب من دون تقييد إطلاق المصافحة بحالة الرطوبة كما التزم بذلك بعضهم و ذهب الى استحباب غسل اليد بعد مصافحة أهل الكتاب و لا أولوية للأمر الأول على الثاني بل الأمر بالعكس بقرينة ما ورد في رواية القلانسي قال: قلت لأبي عبد اللّٰه(ع) ألقى الذمي فيصافحني، قال: امسحها بالتراب و بالحائط. قلت: فالناصب؟

قال: اغسلها (2) و لعل ذلك إشارة إلى انحطاط أهل الكتاب أو من جهة التنزه عن النجاسة المعنوية أو النجاسة الظاهرية المتوهمة. هذا على ان الغالب في المصافحات يبوسة اليد فحمل الرواية على صورة رطوبتها حمل لها على مورد نادر فلا مناص من حملها على الاستحباب بهاتين القرينتين و «منها»: ما رواه أبو بصير عن أحدهما (عليهما السلام) في مصافحة المسلم اليهودي و النصراني، قال من وراء الثوب، فان صافحك بيده فاغسل يدك (3) و دلالتها على استحباب غسل اليد بعد مصافحة أهل الكتاب أظهر من سابقتها لأن الأمر بغسل يده لو كان مستندا الى نجاستهم لم يكن وجه للأمر بمصافحتهم من وراء الثياب و ذلك لاستلزامها نجاسة الثياب فيلزمه(ع) الأمر بغسل الثياب إذا كانت المصافحة من ورائها و بغسل اليد إذا كانت لا من ورائها و «منها»: ما عن علي بن جعفر عن أخيه أبي الحسن موسى(ع) قال: سألته عن مؤاكلة المجوسي في قصعة واحدة، و أرقد معه على فراش واحد، و أصافحه؟ قال:

____________

(1) المروية في ب 31 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل.

(2) المرويتان في ب 14 من النجاسات و غيرها من الوسائل.

(3) المرويتان في ب 14 من النجاسات و غيرها من الوسائل.

48

..........

____________

لا (1) و نظيرها رواية هارون بن خارجة قال: قلت لأبي عبد اللّٰه(ع):

إني أخالط المجوس فآكل من طعامهم؟ فقال: لا (2) و لا دلالة فيهما على نجاسة المجوس إذ لم تفرض الرطوبة في شيء من الروايتين و لا بد من حمل النهي عن المؤاكلة و المراقدة معهم على التنزه لئلا يخالطهم المسلمون، لوضوح ان الرقود معهم على فراش واحد لا يقتضي نجاسة لباس المسلم أو بدنه حيث لا رطوبة في البين و كذا الأكل معهم في قصعة واحدة لعدم انحصار الطعام بالرطب و «منها»: صحيحة أخرى لعلي بن جعفر عن أخيه(ع) عن النصراني يغتسل مع المسلم في الحمام، قال: إذا علم أنه نصراني اغتسل بغير ماء الحمام، إلا ان يغتسل وحده على الحوض فيغسله ثم يغتسل الحديث (3) و هي صحيحة سندا و دلالتها أيضا لا بأس بها لأن الأمر باغتساله بغير ماء الحمام لو كان مستندا الى تنجس بدن النصراني بشيء من المني أو غيره- كما قد يتفق- لم يكن هذا مخصوصا به لأن بدن المسلم أيضا قد يتنجس بملاقاة شيء من الأعيان النجسة فما وجه تخصيصه النصراني بالذكر؟ فمن هنا يظهر ان أمره(ع) هذا مستند إلى نجاسة النصراني ذاتا و «منها»: ما ورد في ذيل الصحيحة المتقدمة من قوله «سألته عن اليهودي و النصراني يدخل يده في الماء أ يتوضأ منه للصلاة؟ قال: لا إلا ان يضطر اليه» و عن الشيخ انه حمل الاضطرار على التقية و انه لا مانع من التوضؤ بالماء المذكور تقية. و لا يخفى بعده لأنه خلاف ظاهر الرواية بل الصحيح انه بمعنى عدم التمكن من ماء آخر غير ما باشره اليهودي أو النصراني و معنى الرواية حينئذ انه إذا وجد ماء غيره فلا يتوضأ مما باشره أهل الكتاب و أما إذا انحصر الماء به و لم يتمكن من غيره فلا مانع من أن يتوضأ مما باشره أهل الكتاب و على هذا فلا دلالة لها على

____________

(1) المروية في ب 14 من أبواب النجاسات و غيرها من الوسائل.

(2) المروية في ب 14 من أبواب النجاسات و غيرها من الوسائل.

(3) المروية في ب 14 من أبواب النجاسات و غيرها من الوسائل.

49

..........

____________

نجاستهم و إلا لم يفرق الحال في تنجس الماء و عدم جواز التوضؤ به بين صورتي الاضطرار و عدمه فلا يستفاد منها غير استحباب التجنب عما باشره أهل الكتاب و «منها»: صحيحة ثالثة له عن أخيه(ع) قال: سألته عن فراش اليهودي و النصراني ينام عليه؟ قال: لا بأس، و لا يصلى في ثيابهما، و قال: لا يأكل المسلم مع المجوسي في قصعة واحدة، و لا يقعده على فراشه و لا مسجده و لا يصافحه، قال: و سألته عن رجل اشترى ثوبا من السوق للبس لا يدري لمن كان هل تصلح الصلاة فيه؟ قال: ان اشتراه من مسلم فليصل فيه. و ان اشتراه من نصراني فلا يصلى فيه حتى يغسله (1) و لا دلالة لها أيضا على نجاسة أهل الكتاب حيث لم تفرض الرطوبة فيما لاقاه المجوسي أو النصراني، على ان الصلاة في الثوب المستعار أو المأخوذ من أهل الكتاب صحيحة على ما يأتي عن قريب و معه تنزل الرواية على كراهة الأمور المذكورة فيها. هذا تمام الكلام في الأخبار المستدل بها على نجاسة أهل الكتاب و قد عرفت المناقشة في أكثرها و لكن في دلالة بعضها على المدعى غنى و كفاية بحيث لو كنا و هذه الأخبار لقلنا بنجاسة أهل الكتاب لا محالة.

[طهارة أهل الكتاب]

إلا ان في قبالها عدة روايات معتبرة فيها صحاح و غير صحاح دلت بصراحتها على طهارتهم و إليك نصها: «فمنها»: صحيحة العيص بن القاسم قال: سألت أبا عبد اللّٰه(ع) عن مؤاكلة اليهود و النصراني و المجوسي فقال: إذا كان من طعامك و توضأ فلا بأس (2) و مفهومها عدم جواز مؤاكلتهم إذا كان من طعامهم أو لم يتوضئوا و من ذلك يظهر ان المنع حينئذ مستند إلى نجاسة طعامهم أو نجاسة أبدانهم العرضية الحاصلة من ملاقاة شيء

____________

(1) المروية في ب 14 من أبواب النجاسات و غيرها من الوسائل.

(2) المروية في ب 53 من الأطعمة المحرمة و 54 من النجاسات من الوسائل.

50

..........

____________

من الأعيان النجسة كلحم الخنزير و غيره إذ الطعام في كلامه(ع) لا يمكن ان يراد به الجامد منه كالتمر و الخبز و نحوهما لأن كل يابس زكي و انما أريد منه الرطب و هو الطعام المطبوخ غالبا و قد تقدم النهي عن أكل طعامهم المطبوخ في بعض الأخبار و وجهناه بأحد وجهين فراجع و كيف كان فالصحيحة بصراحتها دلت على طهارة أهل الكتاب بالذات و جواز المؤاكلة معهم في طعام المسلمين إذا توضئوا إذ لو لا طهارتهم لم يكن وجه لجواز مؤاكلتهم سواء توضئوا أم لم يتوضئوا و عليه فيكون المنع عن المؤاكلة من طعامهم مستندا الى نجاستهم العرضية لا محالة و «منها»: ما رواه زكريا بن إبراهيم قال: دخلت على أبي عبد اللّٰه(ع) فقلت إني رجل من أهل الكتاب و اني أسلمت و بقي أهلي كلهم على النصرانية و أنا معهم في بيت واحد لم أفارقهم بعد فآكل من طعامهم؟

فقال لي: يأكلون الخنزير؟ فقلت: لا، و لكنهم يشربون الخمر فقال لي:

كل معهم و اشرب (1) و هي صريحة الدلالة على طهارتهم بالذات و ان المانع عن مؤاكلتهم ليس إلا ابتلائهم بالنجاسة العرضية الناشئة من أكل لحم الخنزير و غيره فإذا لم يأكلوه فلا مانع عن مؤاكلتهم، و أما ابتلاؤهم بشرب الخمر فعدم منعه عن المؤاكلة فلعله من جهة ان السائل لم يكن يبتلي بالآنية التي يشربون فيها الخمر و ان شارب الخمر لا ينجس في الغالب غير شفتيه و هما تغسلان كل يوم و لا أقل من مرة واحدة فترتفع نجاستهما فلا يكون ابتلاؤهم بشرب الخمر مانعا من مؤاكلتهم. أو ان هذه الرواية كغيرها من الاخبار الدالة على طهارة الخمر فلا بد من طرحها أو تأويلها من هذه الجهة بما دل على نجاسة الخمر و «منها»: صحيحة إسماعيل بن جابر قال: قلت لأبي عبد اللّٰه(ع):

ما تقول في طعام أهل الكتاب؟ فقال: لا تأكله ثم سكت هنيئة ثم قال:

____________

(1) المروية في ب 54 من أبواب الأطعمة المحرمة من الوسائل.

51

..........

____________

لا تأكله ثم سكت هنيئة ثم قال: لا تأكله، و لا تتركه تقول انه حرام و لكن تتركه تتنزه عنه، ان في آنيتهم الخمر، و لحم الخنزير (1) و دلالتها على طهارة أهل الكتاب و كراهة مؤاكلتهم ظاهرة و «منها»: ما رواه عمار الساباطي عن أبي عبد اللّٰه(ع) قال: سألته عن الرجل هل يتوضأ من كوز أو إناء غيره إذا شرب منه على انه يهودي؟ فقال: نعم فقلت: من ذلك الماء الذي يشرب منه؟ قال: نعم (2) و دلالتها على المدعى واضحة إذ لو لا طهارتهم لتنجس ماء الكوز و الإناء بشربهم و لم يجز منه الوضوء و «منها»:

صحيحة إبراهيم بن أبي محمود قال: قلت للرضا(ع) الخياط، أو القصار يكون يهوديا، أو نصرانيا و أنت تعلم انه يبول و لا يتوضأ ما تقول في عمله؟

قال: لا بأس (3) و هذه الرواية و ان أمكن حملها- بالإضافة إلى الخياط- على صورة عدم العلم بملاقاة يده الثوب رطبا إلا انها بالإضافة إلى القصار مما لا يجري فيه هذا الاحتمال لأنه يغسل الثوب بيده و حيث انه(ع) نفى البأس عن عمله فتستفاد منه طهارة أهل الكتاب و عدم تنجس الثوب بملاقاتهم رطبا و «منها»: صحيحته الثانية قلت للرضا(ع): الجارية النصرانية تخدمك و أنت تعلم أنها نصرانية لا تتوضأ و لا تغتسل من جنابة، قال:

لا بأس، تغسل يديها (4) و هي كالصريح في المدعى و ذلك لان السؤال في تلك الرواية يحتمل أن يكون قضية خارجية بأن كانت عنده(ع) جارية نصرانية تخدمه و قد سأله الراوي عن حكم استخدامها و عليه فيكون قوله(ع)

____________

(1) المروية في ب 54 من أبواب الأطعمة المحرمة من الوسائل.

(2) المروية في ب 3 من أبواب الأسئار من الوسائل.

(3) رواه في التهذيب في ج 2 ص 115 من الطبعة الاولى و عنه في الوافي في باب التطهير من مس الحيوانات ج 1 ص 32 م 4

(4) المروية في ب 14 من أبواب النجاسات من الوسائل.

52

..........

____________

لا بأس تغسل يديها جملة خبرية و معناها عدم البأس بخدمتها لطهارة يديها و ارتفاع نجاستها العرضية بالغسل. و لكن يبعّد هذا الاحتمال ان السائل من كبراء الرواة و لا يكاد يحتمل في حقه أن يسأله(ع) عن فعله فان اعتبار فعل الامام كاعتبار قوله مما لا يخفى على مثله فهل يحتمل في حقه أن يسأله(ع) عن حكم استخدام الجارية النصرانية بعد قوله: يجوز استخدام الجارية النصرانية؟ فكذلك الحال بعد فعله(ع) و يحتمل أن يكون السؤال فيها على نحو القضية الحقيقية كما هو الأظهر لأن السؤال يقع على أنحاء مختلفة «فتارة»: يسأل عن الغائب بقوله الرجل يفعل كذا و «أخرى»: يفرض السائل نفسه مبتلا بالواقعة من غير أن يكون مبتلا بها حقيقة كقوله: إني أصلي و أشك في كذا و كذا و «ثالثة»: يفرض المسئول عنه مبتلى بالواقعة كقوله: إذا صليت و شككت في كذا. كل ذلك على سبيل الفرض و التقدير و عليه فقوله(ع) تغسل يديها جملة إنشائية و تدل على وجوب غسل اليد على الجارية و على كلا التقديرين الرواية تدل على طهارة أهل الكتاب و انه لا مانع من استخدامهم إلا نجاستهم العرضية المرتفعة بالغسل و «منها»: ما ورد في ذيل صحيحة على بن جعفر المتقدمة حينما سأل أخاه(ع) عن اليهودي و النصراني يدخل يده في الماء من قوله «لا إلا ان يضطر إليه» فإن حمل الاضطرار في الرواية على التقية كما عن الشيخ (قده) بعيد و قد قدمنا انه بمعنى عدم وجدان ماء غيره و بذلك تكون الرواية ظاهرة في طهارة اليهود و النصارى و عدم نجاسة الماء بملاقاتهما و إلا لم يفرق الحال بين صورتي وجدان ماء آخر و عدمه. و منها غير ذلك من الاخبار التي يستفاد منها طهارة أهل الكتاب و هي كما عرفت تامة سندا و صريحة دلالة و بعد ذلك لا بد من ملاحظة المعارضة بينها و بين الاخبار الواردة في نجاستهم فنقول: مقتضى الجمع العرفي

53

..........

____________

بين الطائفتين حمل أخبار النجاسة على الكراهة لأن الطائفة الثانية صريحة أو كالصريحة في طهارتهم و الطائفة الأولى ظاهرة في نجاسة أهل الكتاب لأن العمدة في تلك الطائفة موثقة سعيد الأعرج أو حسنته المشتملة على قوله(ع) «لا» و صحيحة علي بن جعفر المتضمنة لقوله(ع) «فيغسله ثم يغتسل» و هما كما ترى ظاهرتان في النجاسة و قابلتان للحمل على الاستحباب و الكراهة و أما الطائفة الثانية التي منها صحيحة إسماعيل بن جابر المتقدمة فهي كالصريح في ان النهي عن مؤاكلة أهل الكتاب تنزيهي و ليست بحرام فتدل على طهارتهم بالصراحة و معه لا مناص من رفع اليد عن ظاهر الطائفة الأولى بصراحة الثانية كما جرى على ذلك ديدن الفقهاء «قدهم» في جميع الأبواب الفقهية عند تعارض النص و الظاهر و من هنا ذهب صاحب المدارك و السبزواري «قدهما» الى ذلك و حملا الطائفة الأولى على الكراهة و استحباب التنزه إلا ان معظم الأصحاب لم يرتضوا بهذا الجمع بل طرحوا أخبار الطهارة- على كثرتها- و عملوا على طبق الطائفة الثانية و المستند لهم في ذلك- على ما في الحدائق- أمران: «أحدهما»: دعوى ان أخبار الطهارة مخالفة للكتاب لقوله عز من قائل إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ .. (1) و أخبار النجاسة موافقة له و قد بينا في محله ان موافقة الكتاب من المرجحات و «يدفعه»: ما تقدمت الإشارة إليه سابقا من منع دلالة الآية المباركة على نجاسة المشركين فضلا عن نجاسة أهل الكتاب و قد بينا الوجه في ذلك بما لا مزيد عليه فراجع و «ثانيهما»: ان أخبار النجاسة مخالفة للعامة لأن معظم المخالفين- لو لا كلهم- يعتقدون طهارة أهل الكتاب (2) و قد ورد في روايات أئمتنا(ع)

____________

(1) التوبة 9: 28

(2) قدمنا شطرا من كلماتهم في هذه المسألة في ص 42 فليراجع.

54

..........

____________

الأمر بأخذ ما يخالف مذهب المخالفين من المتعارضين و مقتضى ذلك الأخذ بما دل على نجاسة أهل الكتاب و حمل أخبار الطهارة على التقية و لقد تعجب في الحدائق من صاحب المدارك و السبزواري «قدهما» و حمل عليهما حملة شديدة و ذكر في ضمن ما ذكره استنكارا عليهما ما هذا نصه: فعدولهم عما مهّده أئمتهم الى ما أحدثوه بعقولهم- حمل الظاهر على النص- و اتخذوه قاعدة كلية في جميع أبواب الفقه بآرائهم من غير دليل عليه من سنة و لا كتاب جرأة واضحة لذوي الألباب و ليت شعري لمن وضع الأئمة(ع) هذه القواعد المستفيضة الى ان قال و هل وضعت لغير هذه الشريعة أو ان المخاطب بها غير العلماء الشيعة؟ ما هذا إلا عجب عجاب من هؤلاء الفضلاء الأطياب انتهى و لا يخفى ان رواياتنا و ان تضمنت الأمر بعرض الأخبار الواردة على مذهب المخالفين و الأخذ بما يخالفه إلا انه يختص بصورة المعارضة و اين التعارض بين قوله(ع) لا في أخبار النجاسة و بين تصريحه(ع) بالكراهة و التنزيه في نصوص الطهارة؟ فهل ترى من نفسك انهما متعارضان؟ فإذا لم تكن هناك معارضة فلما ذا تطرح نصوص الطهارة على كثرتها؟ و لم يعرض صاحب المدارك و السبزواري و من حذا حذوهما عن قول أئمتهم و انما لم يعملوا باخبار النجاسة لعدم معارضتها مع الطائفة الدالة على الطهارة كما عرفت و حمل الظاهر على النص أمر دارج عند الفقهاء و عنده (قدس اللّٰه أسرارهم) في جميع أبواب الفقه و ليت شعري ما ذا كان يصنع صاحب الحدائق (قده) في كتابه لو لا ذلك في موارد حمل الظاهر على النص- على كثرتها-؟ هذا كله على ان حمل أخبار الطهارة- على تضافرها- على التقية بعيد في نفسه و ذلك لأن التقية إما ان تكون في مقام حكمه(ع) بجواز مؤاكلة أهل الكتاب و إما ان تكون في مقام العمل بان يكون مرادهم(ع) معاملة السائلين و غيرهم معاملة الطهارة مع