التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج4

- الشيخ علي الغروي المزيد...
552 /
5

[تتمة كتاب الطهارة]

فصل في المطهرات و هي أمور:

«أحدها»: الماء و هو عمدتها، لأن سائر المطهرات مخصوصة بأشياء خاصة بخلافه فإنه مطهر لكل متنجس (1) حتى الماء المضاف

فصل في المطهرات

«أحدها»: الماء و هو عمدتها

____________

(1) المتنجس إما من الأجسام الجامدة. و إما من المائعات. و المائع إما هو الماء و إما غيره و هو المضاف و ما يلحقه من اللبن و الدهن و نحوهما. أما الجوامد من الأجسام فمطهرها- على نحو الإطلاق- إنما هو الغسل بالماء و ذلك للاستقراء و ملاحظة الموارد المتعددة من الثوب و البدن و الحصر و الفرش و الأواني و غيرها مما حكم فيها الشارع- على اختلافها- بتطهيرها بالغسل، حيث سئل عن أصابتها بالدم أو المني أو البول أو غيرها من النجاسات و أمروا(ع) بغسلها بالماء. و من هذا يستفاد أن الغسل بالماء مطهر على الإطلاق فإن الأمر في تلك الموارد بالغسل على ما قدمناه في محله- إرشاد إلى أمرين: «أحدهما»:

كون ملاقاة الأعيان النجسة منجسة لملاقياتها. و «ثانيهما»: طهارة الملاقي المتنجس بغسله بالماء، و حيث أن المستفاد من تلك الأوامر حسب المتفاهم العرفي عدم اختصاص الطهارة المسببة من الغسل بمورد دون مورد لوضوح عدم مدخلية شيء من خصوصيات الموارد في ذلك فلا مناص من التعدي و الحكم بأن الغسل بالماء مطهر للأجسام المتنجسة على الإطلاق. و من ثمة لا نضايق من الحكم

6

..........

____________

بكفاية الغسل بالماء في تطهير الأجسام المتنجسة التي لم تكن متكونة في زمان صدور الأمر بالغسل في الموارد المتقدمة و ذلك كما في (البرتقان و الطماطة) و ليس هذا إلا من جهة أن الغسل بالماء مطهر مطلقا. نعم قد اعتبر الشارع في حصول الطهارة بذلك بعض القيود يأتي عليها الكلام في تفاصيل المطهرات إن شاء اللّٰه. هذا مضافا الى موثقة عمار الواردة فيمن يجد في إنائه فأرة ميتة و قد توضأ من ذلك الماء مرارا أو اغتسل منه أو غسل ثيابه قال(ع): إن كان رآها في الإناء قبل أن يغتسل أو يتوضأ أو يغسل ثيابه ثم يفعل ذلك بعد ما رآها في الإناء فعليه أن يغسل ثيابه و يغسل كل ما أصابه ذلك الماء .. (1) لدلالتها على أن المتنجس بالماء المتنجس مطلقا يطهر بالغسل، و كيف كان فبالموثقة و الاستقراء نحكم بأن الجوامد يطهرها الغسل بالماء هذا، و لكن بعض الجوامد غير قابل للتطهير بالاستهلاك و لا بالغسل لعدم استهلاكه في الاجزاء المائية و لا يتداخل الماء في أجزائه ليطهر بالغسل كما في الدهن الجامد إذا تنجس حال ميعانه، فان مثله لا يستهلك في الماء لانفصاله عن الاجزاء المائية بالطبع و لا يرسب الماء في جوفه و يأتي ذلك في المسألة التاسعة عشرة إن شاء اللّٰه.

نعم لم يستبعد الماتن (قده) الحكم بطهارة الدهن حينئذ فيما إذا جعل في ماء عاصم و غلى الماء مقدارا من الزمان فان الماء يصل بذلك إلى جميع أجزائه إلا أن الصحيح عدم كفاية ذلك في تطهيره على ما يأتي في محله، لان الغليان إنما يوجب تصاعد الأجزاء و تنازلها و هذا لا يقتضي سوى وصول العاصم الى السطح الظاهر من الأجزاء و لا يوجب تداخل العاصم و وصوله الى جوفها.

و نظيره: الفلزات كالذهب و الفضة و غيرهما إذا تنجست حال ذوبانها، حيث لا يمكن

____________

(1) المروية في ب 4 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

7

..........

____________

الحكم بتطهيرها بشيء لعدم استهلاكها في الماء و عدم رسوبه في جوفها حتى إذا فرضنا- فرضا غير واقع- أن الفلز كالدهن يذوب بالغليان في الماء لما مر من أن الغليان الذي هو تصاعد الاجزاء و تنازلها لا يوجب سوى وصول الماء الى السطح الظاهر من أجزائه و لا يقتضي تداخله و وصوله الى جوفه هذا كله في الأجسام الجامدة.

و أما المياه المتنجسة فقد قدمنا في محله أن مطهرها هو اتصالها بالماء العاصم أو بممازجتها معه- بناء على اعتبار الامتزاج في تطهيرها.

و أما المضاف النجس فقد أسلفنا في بحث المياه عدم قابليته للطهارة إلا بالاستهلاك و انعدام موضوعه و لا نعرف مخالفا في المسألة سوى ما حكي عن العلامة (قده) من الحكم بطهارة المضاف باتصاله بالكثير إلا أنه من الفلتات و لم يقم دليل على أن الاتصال بالكر مما يطهر المضاف. و إنما يطهره الاستهلاك كما ذكره في المتن، و لكن في إسناد التطهير الى الاستهلاك ضربا من المسامحة إذ لا موضوع مع الاستهلاك حتى يحكم بطهارته لأجله. نعم اسناد الطهارة بالاستهلاك الى الماء اسناد حقيقي لا تسامح فيه و ذلك لان الاستهلاك بما هو هو غير موجب للطهارة بوجه و من هنا لو استهلك المضاف المتنجس في ماء قليل حكمنا بنجاسة القليل لملاقاته المضاف المتنجس و إن استهلك فيه المضاف فلا بد في الحكم بالطهارة من أن يكون الماء كرا و غير منفعل بالملاقاة فمثله مطهر للمضاف مشروطا باستهلاكه فيه.

بل يمكن أن يقال: لا تسامح في إسناد التطهير الى الاستهلاك أيضا، و ذلك لان المضاف إذا استهلك في الماء العاصم ثم فصلناه عن الماء بالتبخير فهو محكوم بالطهارة لا محالة لأن أجزائه المستهلكة في الماء- المتحققة فيه عقلا قبل الانفصال- قد حكمت بطهارتها على الفرض و معه تكون طاهرة و لو بعد الانفصال

8

بالاستهلاك (1) بل يطهر بعض الأعيان النجسة كميت الإنسان فإنه يطهر (2) بتمام غسله. و يشترط في التطهير به أمور، بعضها شرط في كل من القليل و الكثير، و بعضها مختص بالتطهير بالقليل. أما الأول «فمنها»: زوال العين و الأثر (3) بمعنى الاجزاء الصغار منها لا بمعنى اللون و الطعم و نحوهما (4)

____________

فلا تستند طهارة الأجزاء المستهلكة إلا الى الاستهلاك السابق مع بقاء المضاف و وجود الموضوع لفرض انفصاله عن الماء فلا تسامح في إسناد التطهير الى الاستهلاك كما لا مسامحة في إسناده إلى الماء. و كيف كان الاستهلاك مطهر للمضاف. بل ذكرنا في بحث الماء المضاف أن المضاف المتنجس إذا أثر في الماء العاصم باستهلاكه. كما إذا قلبه مضافا بعد مضي زمان لم يحكم بنجاسة شيء منهما و ذلك لأن المضاف قد حكم بطهارته بالاستهلاك فإذا قلب المطلق إلى الإضافة لم يكن موجب للحكم بنجاسته فان ملاقاة من أجزاء المضاف محكوم بالطهارة و انقلاب الماء الطاهر مضافا ليس من أحد المنجسات.

(1) قد عرفت انه لا تسامح في اسناد الطهارة بالاستهلاك الى الماء و كذا في إسنادها إلى الاستهلاك.

(2) يأتي الكلام على ذلك في محله إن شاء اللّٰه تعالى.

(3) لا يخفى ما في عد ذلك من شرائط التطهير بالماء من المسامحة لأن زوال العين و الاجزاء الصغار التي تعد مصداقا للنجاسة لدى العرف مقوم لمفهوم الغسل المعتبر في التطهير و لا يتحقق غسل بدونه، لانه بمعنى إزالة العين و مع عدمها لا غسل حقيقة.

(4) و عن العلامة (قده) في المنتهى وجوب إزالة الأثر بمعنى اللون دون الرائحة، و في محكي النهاية وجوب إزالة الرائحة دون اللون- إذا كان عسر الزوال- و عن القواعد ما ربما يفهم منه وجوب ازالة كل من اللون و الرائحة

9

..........

____________

- إذا لم يكن عسر في إزالتهما.

و التحقيق وفاقا للماتن (قده) عدم اعتبار شيء من ذلك في حصول الطهارة بالغسل و ذلك إما «أولا»: فلا طلاق الروايات الآمرة بالغسل حيث لم تدل إلا على اعتبار الغسل في تطهير المتنجسات و قد أشرنا آنفا الى أن الغسل بمعنى إزالة العين و أما إزالة الرائحة أو اللون فهي أمر خارج عن مفهومه و اعتبارها فيه يتوقف على دلالة دليل و هو مفقود. و أما «ثانيا»: فلان النجاسات- بأكثرها- تشتمل على رائحة أو لون لا تزولان بزوال عينها كما في دم الحيض و الميتة و بعض أقسام المنى فترى أنها بعد ما غسلت و أزيلت عينها تبقى رائحتها أو لونها، و لم ترد- مع ذلك- إشارة في شيء من الاخبار الواردة في التطهير عن الأعيان المذكورة و غيرها إلى اعتبار زوال الرائحة أو اللون و انما دلت على لزوم غسلها فحسب. و يؤيده ما في جملة من الروايات (1) من الأمر بصبغ الثوب الذي أصابه دم الحيض بالمشق حتى يختلط فيما إذا غسل و لم يذهب أثره.

نعم لا يمكن الاستدلال على المدعى بما ورد في الاستنجاء من أن الريح لا ينظر إليها (2) و ذلك لان الموضع المخصوص له خصوصية من بين سائر المتنجسات بحيث لا يمكن قياس غيره به، و من هنا يكفي في تطهيره التمسح بالأحجار مع أن الاجزاء المتخلفة من النجس في المحل قد لا يقلعها التمسح بالأحجار، لوضوح أنه ليس من الأجسام الصيقلية حتى تزول عنه العين بالتمسح بها فمقايسة غيره من المتنجسات به في غير محله.

____________

(1) يراجع ب 25 من أبواب النجاسات و 52 من أبواب الحيض من الوسائل.

(2) كما في حسنة ابن الغيرة المروية في ب 25 من النجاسات و 13 من أحكام الخلوة من الوسائل.

10

..........

____________

و أما ما يقال من أن بقاء الأثر كاللون و الريح و غيرهما يكشف عن بقاء العين لا محالة، لأن انتقال العرض من معروضه أمر غير معقول. فيندفع «أولا»:

بأن الأحكام الشرعية لا تبتنى على التدقيقات الفلسفية و إنما تدور مدار صدق العناوين المأخوذة في موضوعاتها عرفا و بما أن الأثر المتخلف من العين من قبيل الاعراض لدى العرف و النجاسة مترتبة على عنوان الدم و العذرة و نحوهما و لا يصدق شيء من هذه العناوين على الأوصاف و الاعراض فلا يمكن الحكم بنجاسة الآثار المتخلفة في المحل و «ثانيا»: بان كبرى استحالة انتقال العرض و إن كانت مسلمة إلا انها غير منطبقة على المقام، لان عروض الرائحة أو اللون أو غيرهما من آثار النجس على الثوب- مثلا- كما يحتمل أن يكون مستندا إلى انتقال أجزاء ذلك النجس إلى الثوب لاستحالة انتقال العرض من دون معروضه، كذلك يحتمل أن يكون مستندا إلى المجاورة، لأنها ربما تسبب استعداد الشيء للتأثر بآثار مجاوره و هذا لا بمعنى انتقال اعراض ذلك النجس إليه حتى يدفع باستحالته. بل بمعنى تأهل الشيء لأن يعرض عليه مثل ذلك العرض من الابتداء كما عرض على النجس، و هذا كما إذا جعلنا مقدارا قليلا من الميتة في حب من الماء فان الماء يكتسب بذلك رائحة الجيفة إذا مضى عليه زمان، و لا يحتمل أن يكون ذلك مستندا إلى انتقال أجزاء الجيفة إلى الماء، حيث أن الجيفة لقلتها لا يمكن أن تنتشر في تلك الكمية من الماء فليس ذلك إلا من جهة تأهل الماء بالمجاورة لعروض الرائحة عليه من الابتداء، و يمكن مشاهدة ما ادعيناه بالعيان فيما إذا ألقينا كمية قليلة من اللبن على أكثر منها من الحليب لأنها يقلبه لبنا لا محالة من دون أن يكون ذلك مستندا إلى انتشار الاجزاء اللبنية في الحليب فلا وجه له سوى التأهل بالمجاورة.

11

و «منها»: عدم تغير الماء (1) في أثناء الاستعمال.

____________

(1) و تفصيل الكلام في هذه المسألة يقع في صور ثلاث: «الاولى»:

ما إذا تغير الماء بأوصاف عين النجس في الغسلة المتعقبة بطهارة المحل. «الثانية»:

الصورة مع حصول التغير في غير الغسلة المتعقبة بالطهارة. «الثالثة»: ما إذا تغير الماء بأوصاف المتنجس بلا فرق في ذلك بين الغسلة المتعقبة بالطهارة و غيرها.

أما «الصورة الاولى»: فلا مناص فيها من اشتراط عدم تغير الماء في التطهير به وفاقا للماتن (قده) و ذلك لإطلاق ما دل على نجاسة الماء المتغير بأوصاف النجس و لا موجب لرفع اليد عن إطلاقه، و مع الحكم بتقذره لا يمكن الحكم بطهارة المتنجس المغسول به.

و توضيح ذلك أن الغسالة غير المتغيرة بالنجس و إن التزمنا فيها بتخصيص أدلة انفعال الماء القليل بالملاقاة على جميع الأقوال المذكورة في الغسالة حيث أنا سواء قلنا بطهارتها مطلقا أم قلنا بنجاستها بالانفصال عن المحل أو قلنا بنجاستها مطلقا غير أن خروج المقدار المتعارف منها مطهر للاجزاء المتخلفة في المحل، نظير الدم المتخلف في الذبيحة، حيث أن خروج المقدار المتعارف منه بالذبح موجب لطهارة الاجزاء المتخلفة منه في الذبيحة لا بد من أن نلتزم بتخصيص أدلة انفعال الماء القليل بالملاقاة إما مطلقا أو ما دام في المحل أو بعد خروج المقدار المتعارف من الغسالة، لوضوح انه لو لا ذلك لم يمكن الحكم بطهارة شيء من المتنجسات بالغسل و به ينسد باب التطهير بالمياه و هو على خلاف الضرورة و الإجماع القطعي بين المسلمين. و أما الأدلة القائمة على نجاسة الماء المتغير بأوصاف النجس فلا ترى ملزما لتخصيصها بوجه و ليست هناك ضرورة تدعو اليه و لا تترتب على القول بنجاسة الماء المتغير مطلقا أي مفسدة و معه لا بد من الالتزام بعدم حصول الطهارة إلا بالماء غير المتغير بالنجس. نعم يستلزم ذلك

12

..........

____________

القول بتخصيص أدلة انفعال الماء القليل و هو مما نلتزمه كما عرفت هذا.

و قد يقال: لا مانع من التزام حصول الطهارة بالماء المتغير بالاستعمال- دون المتغير قبل الغسل به و استعماله- تمسكا بإطلاقات الأدلة الآمرة بالغسل كما في صحيحة محمد بن مسلم «اغسله في المركن مرتين فان غسلته في ماء جار فمرة واحدة» (1) و غيرها لأن إطلاقها يشمل ما إذا تغير الماء بغسله و استعماله و بهذا نلتزم بتخصيص ما دل على نجاسة الماء المتغير و حصول الطهارة بالماء المتغير بالاستعمال أو أنا نتحفظ بإطلاق ما دل على نجاسة الماء المتغير و ما دل على كفاية الغسل في تطهير المتنجسات، فنلتزم بزوال النجاسة السابقة الموجودة في المتنجس- حسب إطلاق ما دل على حصول الطهارة بالغسل- كما نلتزم بتنجسه ثانيا من جهة ملاقاته الماء المتغير- لإطلاق ما دل على نجاسة الماء المتغير بالنجس- و هاتان دعويان لا يمكن المساعدة على شيء منهما.

أما بالإضافة إلى الدعوى المتقدمة فلان النسبة بين إطلاقات ما دل على حصول الطهارة بالغسل و بين إطلاق ما دل على نجاسة الماء المتغير عموم من وجه، لأن الأولى مطلقة من حيث حصول التغير بالغسل و عدمه و الثاني أعم من حيث استناد التغير الى نفس استعمال الماء أو إلى أمر سابق عليه و مع التعارض في مورد الاجتماع- و هو الماء المتغير بالاستعمال- يتساقطان فلا بد من الرجوع إلى أحد أمرين: إما العموم الفوق كما دل على عدم جواز الصلاة في الثوب المتنجس، فإنه إرشاد إلى نجاسته و مقتضى تلك الإطلاقات أن النجاسة تبقى في أي متنجس إلى الأبد إلا أن يطرأ عليه مزيل شرعي كالغسل بالماء غير المتغير و هذا هو المستفاد من قوله(ع) في موثقة عمار «فإذا علمت فقد قذر (2) و لا يكفى الغسل بالماء المتغير لأجل الشك في مطهريته و مقتضى الإطلاق بقاء

____________

(1) في ب 2 من أبواب النجاسات من الوسائل.

(2) في 37 من أبواب النجاسات من الوسائل.

13

..........

____________

النجاسة ما لم يقطع بارتفاعها، و اما استصحاب النجاسة- مع الغض عن الإطلاق- فهو يبتنى على القول بجريان الاستصحاب في الاحكام و حيث أنا لا نقول به و قد عرف تمامية الإطلاقات الفوق فلا مناص من اشتراط عدم انفعال الماء و لو بالاستعمال.

و أما بالإضافة إلى الدعوى الثانية: أعني التحفظ على كلا الإطلاقين فلان ظاهر ما دل على طهارة المتنجس بالغسل أن ذلك سبب لحصول الطهارة بالفعل و الطهارة الفعلية لا تجتمع مع الحكم بنجاسة الماء بغسله من جهة ملاقاته مع الماء المتغير و هو نجس هذا كله في الصورة الاولى.

و أما «الصورة الثانية»: و هي ما إذا تغير الماء بأوصاف النجس في الغسلة غير المتعقبة بطهارة المحل فلا نلتزم فيها بالاشتراط فتغير الماء حين استعماله كعدمه اللهم الا أن يكون هناك إجماع تعبدي على اعتبار عدم تغير الماء حتى في الغسلة الاولى اعنى ما لا يتعقبه طهارة المحل أو ادعى انصراف أدلة المطهرية عن الغسل بالماء المتغير إلا أن قيام الإجماع التعبدي في المسألة مما لا نظنه و لا نحتمله، و دعوى الانصراف لو تمت فإنما يتم في الغسلة المتعقبة بالطهارة بأن يقال إن ظاهر الغسل المأمور به هو الذي يتعقبه طهارة المحل- بالفعل- فلا يشمل الغسل غير المتعقب بالطهارة كذلك. و أما الغسلة غير المتعقبة بالطهارة- كما في محل الكلام- فلا معنى لدعوى انصراف المطهرية عنها كما لعله ظاهر. على أن التغير في الغسلة الأولى أمر غالبي كما في الغسلة الأولى فيما اصابه بول كثير أو دم كذلك- فيما إذا قلنا بلزوم التعدد في مثله- فدعوى الانصراف ساقطة و إطلاقات أدلة الغسل هي المحكمة و مقتضاها عدم الفرق في الغسلة غير المتعقبة بطهارة المحل بين تغير الماء باستعماله و عدمه.

و «أما الصورة الثالثة»: أعني ما إذا استند التغير إلى المتنجس لا الى

14

و «منها»: طهارة الماء (1).

____________

عين النجس فاشتراط عدم التغير بذلك يبتنى على ما أسلفناه في محله من أن المتغير بالمتنجس كالمتغير بأوصاف النجس في الحكم بنجاسته أو أن التغير بالمتنجس مما لا اثر له؟ و قد عرفت في محله أن المتعين عدم نجاسته لانه المستفاد من الاخبار و لو بملاحظة القرائن المحتفة بها كقوله(ع) في صحيحة ابن بزيع «حتى يذهب الريح و يطيب طعمه» (1) على التفصيل المتقدم هناك و عليه لا اثر لتغير الماء بأوصاف المتنجس ما دام لم ينقلب مضافا بلا فرق في ذلك بين الغسلة المتعقبة بالطهارة و غيرها، و كلام الماتن و إن كان مطلقا في المقام إلا أنه صرح في محله بعدم نجاسة المتغير بأوصاف المتنجس فليلاحظ.

(1) لأن الطهارة الحاصلة للأشياء- المتنجسة- بغسلها، حسب ما هو المرتكز لدى العرف، مترتبة على الماء الطهور و هو ما كان طاهرا في نفسه و مطهرا لغيره و يمكن الاستدلال عليه بجملة من الروايات الواردة في موارد خاصة كالأمر بصب ماء الإناء إذا ولغ الكلب فيه (2) و الأمر بإهراق الماءين المشتبهين إذا وقع في أحدهما قذر و هو لا يدرى أيهما (3) إلى غير ذلك من الاخبار، حيث أن الماء المتنجس لو جاز غسل المتنجس به أو كان تترتب عليه فائدة أخرى مما يجوز استيفائه لم يكن للأمر بصبه و إهراقه وجه صحيح فالأمر بإهراقه أو بصبه كناية عن عدم قابليته للاستعمال.

و يؤيده الأخبار المانعة عن التوضؤ من الماء الذي تدخل فيه الدجاجة

____________

(1) المروية في ب 14 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

(2) كما في صحيحة البقباق و غيرها من الاخبار المروية في ب 3 من أبواب الأسئار و 12 من أبواب النجاسات من الوسائل.

(3) موثقة سماعة: المروية في ب 8 و 12 من أبواب الماء المطلق من الوسائل

15

و لو في ظاهر الشرع (1) و «منها»: إطلاقه (2) بمعنى عدم خروجه عن الإطلاق في أثناء الاستعمال.

____________

أو الحمامة و أشباههما و قد وطئت العذرة (1) أو الذي قطرت فيه قطرة من دم الرعاف (2) و الناهية عن الشرب و التوضؤ مما وقع فيه دم (3) أو مما شرب منه الطير الذي ترى في منقاره دما أو الدجاجة التي في منقارها قذر (4) لان الشرب و التوضؤ مثالان لمطلق الانتفاعات المشروعة و المتعارفة فتشمل مثل الغسل و الغسل.

و حيث أنا نقطع بعدم الفرق بين تلك النجاسات الواردة في الاخبار و بين غيرها من افرادها كما لا فرق بين مثل الشرب و التوضؤ و غيرهما من الانتفاعات و التصرفات المشروعة و المتعارفة فلا مناص من اشتراط الطهارة في الماء.

(1) كما إذا أثبتنا طهارته بالاستصحاب أو بقاعدة الطهارة في قبال إحراز أن الماء طاهر واقعا فلا فرق بين الطهارتين- في المقام- سوى أن الاولى طهارة ظاهرية و الثانية واقعية.

(2) لعدم مطهرية المضاف و غيره من أقسام المائعات فلا مناص من

____________

(1) ورد في صحيحة على بن جعفر المروية في ب 8 و 9 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

(2) كما في الصحيحة الأخرى لعلي بن جعفر(ع) المروية في ب 8 و 13 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

(3) راجع حديث سعيد الأعرج المروية في ب 13 و 8 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

(4) راجع موثقة عمار المروية في ب 4 من أبواب الأسئار و غيرها من الوسائل.

16

و «أما الثاني»: فالتعدد في بعض المتنجسات كالمتنجس بالبول (1) و كالظروف و التعفير (2) كما في المتنجس بولوغ الكلب. و العصر (3) في مثل الثياب و الفرش و نحوها مما يقبله.

____________

اشتراط بقاء الإطلاق في الماء مطلقا بلا فرق في ذلك بين الغسلة الاولى و الثانية بحيث لو انقلب مضافا قبل إكمال الغسلات أو قبل تمام الغسلة الواحدة- فيما لا يشترط فيه التعدد- حكم بعدم طهارة المغسول به.

(1) يأتي الكلام في تفصيل هذه المسألة عن قريب و نصرح هناك بان تعدد الغسل في المتنجس بالبول لا يختص بالماء القليل، بل يشترط ذلك حتى في الكثير، و إنما تكفي المرة الواحدة في المتنجس بالبول في خصوص الغسل بالجاري و ما يلحق به من ماء المطر- بناء على تمامية ما ورد (1) من أن كل شيء يراه ماء المطر فقد طهر- فتخصيص الماتن اشتراط التعدد بالقليل يبتنى على إلحاق الكثير بالجاري و فيه منع كما سيظهر.

(2) خص لزوم التعفير- في المتنجس بالولوغ- بما إذا غسل بالماء القليل، و هذا من أحد موارد المناقضة في كلام الماتن (قده) فإنه سوف يصرح في المسألة الثالثة عشرة بأن اعتبار التعفير في الغسل بالكثير لا يخلو عن قوة و يأتي هناك ما هو الصحيح في المسألة.

(3) لا ينبغي الإشكال في أن الغسل و الصب- لدى العرف- مفهومان متغايران و كذلك الحال في الاخبار حيث جعل الغسل- في جملة منها- مقابلا للصب فقد ورد في بعضها «إن أصاب ثوبك من الكلب رطوبة فاغسله و ان

____________

(1) ورد ذلك في مرسلة الكاهلي المروية في ب 6 من أبواب الماء المطلق من الوسائل.

17

..........

____________

مسه جافا فاصبب عليه الماء .. (1) و في آخر حينما سئل عن بول الصبي «تصب عليه الماء فان كان قد أكل فاغسله بالماء غسلا ..» (2) و في ثالث «عن البول يصيب الجسد «قال صب عليه الماء مرتين، فإنما هو ماء و سألته عن الثوب يصيبه البول، قال: اغسله مرتين ..» (3).

و على الجملة لا تردد في أن الصب غير الغسل و إنما الكلام في أن الغسل- الذي به ترتفع نجاسة المتنجسات، لما ذكرناه من أن الأمر في الروايات الآمرة بغسل الأشياء المتنجسة إرشاد إلى أمرين: «أحدهما»: نجاسة الثوب- مثلا- بملاقاة النجس و «ثانيهما»: أن نجاسته ترتفع بغسله- هل يعتبر في مفهومه العصر فلا يتحقق إلا بإخراج الغسالة بالعصر أو ما يشبهه كالتغميز و التثقيل و نحوهما أو يكفي في تحقق الغسل مجرد إدخال المتنجس في الماء أو صب الماء عليه حتى يرتوي؟ و إلا فلم يرد في شيء من الروايات اعتبار العصر في الغسل فنقول: إن مقتضى إطلاق ما دل على تقذر المتقذرات بالمنع عن استعمالها في الصلاة أو الشرب أو غيرهما مما يشترط فيه الطهارة أو بغير ذلك من أنحاء البيان بقائها على قذارتها إلا أن يرد عليها مطهر شرعي بحيث لولاه لبقيت على نجاستها إلى الأبد كما هو المستفاد من قوله(ع) في موثقة عمار «فإذا علمت فقد قذر» (4) و على ذلك إذا علمنا بحصول الطهارة بشيء من الأسباب الموجبة للطهارة فلا مناص من

____________

(1) كما في صحيحة الفضل أبي العباس المروية في ب 12 من أبواب النجاسات و 1 من أبواب الأسئار من الوسائل.

(2) مصححة الحلبي المروية في ب 3 من أبواب النجاسات من الوسائل.

(3) حسنة الحسين بن أبي العلاء المروية في ب 1 من أبواب النجاسات من الوسائل.

(4) المتقدمة في ص 15.

18

..........

____________

الأخذ به و تقييد الإطلاق المتقدم بذلك.

و أما إذا شككنا في أن الشيء الفلاني سبب للطهارة أو لا تحصل به الطهارة؟

فلا بد من الرجوع إلى الإطلاق المتقدم ذكره و مقتضاه الحكم ببقاء النجاسة و آثارها. إذا عرفت ذلك فنقول: الصحيح اعتبار العصر في الغسل و ذلك لانه مفهوم عرفي لم يرد تحديده في الشرع فلا مناص فيه من الرجوع إلى العرف و هم يرون اعتباره في مفهومه بلا ريب و من هنا لو أمر السيد عبده بغسل شيء- و لو من القذارة المتوهمة- كما إذا لاقى ثوبه ثوب رجل غير نظيف لا يكتفي العبد في امتثاله بإدخال الثوب في الماء فحسب، بل ترى أنه يعصره و يخرج غسالته. على أنا لو تنزلنا عن ذلك فلا أقل من أنا نشك في أن العصر معتبر في مفهوم الغسل الذي به ترتفع نجاسة المتنجس أولا اعتبار به و قد عرفت أن المحكم حينئذ هو الإطلاق و هو يقتضي الحكم ببقاء القذارة إلى أن يقطع بارتفاعها- كما إذا عصر.

و تؤيد ما ذكرناه حسنة الحسين بن أبي العلاء سألت أبا عبد اللّٰه(ع) عن الصبي يبول على الثوب قال: تصب عليه الماء قليلا ثم تعصره (1) و الوجه في جعلها مؤيدة أن الجملة المذكورة في الحديث مسبوقة بجملتين حيث سئل(ع) عن البول يصيب الجسد قال: صب عليه الماء مرتين و عن الثوب يصيبه البول قال: اغسله مرتين (2) و هاتان الجملتان قرينتان على أن المراد ببول الصبي في الرواية هو الصبي غير المتغذي و لا يجب فيه الغسل كي يعتبر فيه العصر فالأمر به محمول على الاستحباب لا محالة. و في الفقه الرضوي «و إن أصاب بول في ثوبك فاغسله من ماء جار مرة و من ماء راكد مرتين ثم أعصره» (3) و عن دعائم الإسلام عن على(ع) قال في المني يصيب الثوب: يغسل مكانه فان لم

____________

(1) المروية في ب 3- 1 من أبواب النجاسات من الوسائل.

(2) المروية في ب 3- 1 من أبواب النجاسات من الوسائل.

(3) المروية في باب 1 من أبواب النجاسات من المستدرك.

19

..........

____________

يعرف مكانه و علم يقينا أنه أصاب الثوب غسله كله ثلاث مرات يفرك في كل مرة و يغسل و يعصر (1) إلا أنهما لضعفهما مما لا يمكن الاستدلال به حيث لم يثبت أن الاولى رواية فضلا عن اعتبارها، و الثانية مرسلة. على انهما تشتملان على ما لا نقول به لان ظاهرهما اعتبار العصر بعد الغسل و لم نعثر على قائل بذلك حيث أن من يرى اعتباره فإنما يعتبره في نفس الغسل أو الغسلتين لا بعدهما و كذلك الكلام في اعتبار الغسل ثلاث مرات في المنى و اعتبار الفرك في كل غسلة لأنهما مما لا نلتزم به. هذا كله في الغسل بالماء القليل.

و أما الغسل بالمطر فقد يقال بعدم اعتبار العصر فيه لمرسلة الكاهلي عن أبى عبد اللّٰه(ع) «كل شيء يراه ماء المطر فقد طهر» (2) لدلالتها على كفاية رؤية المطر في التطهير فلا حاجة معها إلى العصر إلا انها لإرسالها غير قابلة للاعتماد عليها بل الصحيح أن للغسل مفهوما واحدا لا يختلف باختلاف ما يغسل به من أقسام المياه.

و أما الجاري فقد الحقه بعضهم بالمطر في عدم اعتبار العصر فيه و لعله من جهة ما بينهما من الشباهة في الجريان حيث أن المطر يجرى من السماء فيشبه الماء الجاري على وجه الأرض و فيه أن ذلك لو تم فإنما يقتضي أن يكون المطر كالجاري لما مر و أما عكسه و هو كون الجاري كالمطر فلا إذ انه لم يثبت بدليل فلا تترتب عليه احكام المطر التي منها عدم اعتبار العصر في الغسل به، على أن ذلك في المطر أيضا محل منع فما ظنك بما الحق به؟! و أما الماء الكثير فعن أكثر المتأخرين عدم اعتبار العصر في الغسل به و لعل المستند في ذلك هو ما أرسله العلامة (قده) عن أبي جعفر محمد بن علي(ع)

____________

(1) المروية في باب 3 من أبواب النجاسات من المستدرك.

(2) المروية في.

20

و الورود (1) أي ورود الماء على المتنجس دون العكس على الأحوط.

____________

من أن هذا «مشيرا به الي ماء في طريقه فيه العذرة و الجيف» لا يصيب شيئا إلا طهره .. (1) و لكن الرواية مرسلة لا يثبت بها شيء من الأحكام الشرعية، على انها لم توجد في جوامع الاخبار فالصحيح أن مفهوم الغسل أمر مطرد في جميع أقسام المياه فلا يفرق في اعتبار العصر فيه بين القليل و غيره من المياه المعتصمة.

(1) اختلفت كلماتهم في الحكاية عما سلكه المشهور في المسألة فقد ينسب إليهم القول بالاشتراط و قد ينسب إليهم القول بعدمه و عن بعضهم أن الأكثر لم يتعرضوا لهذا الاشتراط، فلو كان معتبرا لكان موجودا في كلماتهم و كيف كان المتبع هو الدليل و قد استدلوا على اعتبار ورود الماء على المتنجس- في التطهير بالماء القليل- بوجوه: «منها»: التمسك بالاستصحاب لأنه يقتضي بقاء المتنجس على نجاسته حتى يقطع بزوالها. و «منها»: أن الغالب في إزالة القذرات العرفية ورود الماء على القذر و حيث إن الشارع في إزالة القذارات الشرعية لم يتخط عن الطريقة المألوفة لدى العرف فلا مناص من حمل الأخبار الواردة في الغسل على الطريقة العرفية و غلبة الورود فيها مانعة عن شمول إطلاقات مطهرية الغسل لما إذا كانت النجاسة واردة على الماء فندرة العكس توجب انصراف المطلق إلى الفرد الغالب. و «منها»: الروايات الآمرة بصب الماء على الجسد عند تطهيره (2) حيث أن مقتضى الجمود على ظواهرها يقتضي الحكم باشتراط الورود، لان الظاهر من «الصب» انما هو ارادة ورود الماء على الجسد و «منها»: غير ذلك من الوجوه. و لا يمكن المساعدة على شيء من ذلك

____________

(1) المروية في ب 9 من أبواب الماء المطلق من المستدرك.

(2) راجع ب 1 من أبواب النجاسات من الوسائل.

21

..........

____________

أما الوجه الأول فلان الأصل محكوم بإطلاق ما دل على مطهرية الغسل و الا فيرجع الى إطلاق ما دل على تقذر المتقذر و عدم جواز شربه أو غيره مما يشترط فيه الطهارة و على كلا التقديرين لا يبقى مجال للتمسك بالاستصحاب مع ان الشبهة حكمية.

و أما الثاني من الوجوه فلان مقتضى إطلاق ما دل على مطهرية الغسل بالماء عدم الفرق بين ورود الماء على المتنجس و عكسه و «دعوى» أن الدليل منصرف إلى صورة الورود «تندفع» بان الغلبة لا تقتضي الانصراف، على أن الأغلبية غير مسلمة، لأن الغسل بإيراد المتنجس المتقذر على الماء- كما في إدخال اليد المتقذرة على الماء القليل- أيضا متعارف كثير و غاية الأمر أن الغسل بإيراد الماء عليه أكثر و هذا لا يوجب الانصراف بوجه.

و أما الوجه الثالث و هو العمدة من الوجوه المستدل بها في المقام فلانه يرد عليه أن الأمر بالصب في الاخبار لم يظهر كونه بعناية اعتبار ورود الماء على النجس بل الظاهر أن الصب في قبال الغسل و انما أمر به تسهيلا للمكلفين فلم يوجب عليهم الغسل- كما أوجبه عند تنجس ثيابهم- فكان الصب غسل و محقق لمفهومه في الجسد، و لا سيما أن مواضع الجسد مما يصعب إيراده على الماء القليل- كما إذا تنجس بطن الإنسان- مثلا- و يدل على ما ذكرناه حسنة الحسين بن أبي العلاء المتقدمة (1) حيث أمر فيها الامام(ع) بصب الماء على الجسد مرتين فيما إذا اصابه البول معللا بقوله: فإنما هو ماء. و دلالتها على أن إيجاب الصب- دون الغسل- بعناية التسهيل مما لا يقبل المناقشة فإن الجسد غير الثوب و نحوه مما يرسب فيه البول و بما أنه أيضا ماء فيزول عنه بالصب من غير حاجة إلى الغسل.

____________

(1) في ص 17.

22

..........

____________

هذا و قد يبدو من بعضهم أن بعض المطلقات كالصريح في عدم اعتبار الورود و هذا كما في صحيحة محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد اللّٰه(ع) عن الثوب يصيبه البول قال: اغسله في المركن مرتين فان غسلته في ماء جار فمرة واحدة (1) لأن الغسل في المركن- بقرينة التقابل- كالغسل في الجاري لا محالة، فكما أن الغسل فيه إنما هو بإيراد النجس على الماء- لوضوح انه لو انعكس بأخذ الماء و صبه على النجس لخرج عن الغسل بالماء الجاري- فكذلك الغسل في المركن لا بد أن يراد به إيراد النجس على الماء فإذا الصحيحة كالصريح في عدم اعتبار الورود.

و لكن الصحيح عدم الفرق بين هذه الرواية و غيرها من المطلقات فإنها ليست بصريحة في الدلالة على المدعى فان دعوى الصراحة إنما تتم فيما إذا كانت الرواية هكذا: اغسله في الماء القليل مرتين، بان يبدل المركن بالماء القليل و يكون ظرف الغسل هو الماء فتتم دعوى الصراحة حينئذ بالتقريب المتقدم، إلا أن الأمر ليس كذلك و ظرف الغسل في الصحيحة هو المركن و الغسل في المركن على نحوين: فإنه قد يتحقق بإيراد النجس على الماء و قد يتحقق بطرح المتنجس في المركن أولا ثم صب الماء عليه فدلالة الصحيحة على كفاية مورودية الماء القليل بالإطلاق دون الصراحة. و الصحيح أن يفصل في المسألة بين الغسلة المطهرة و الغسلة غير المطهرة.

بيان ذلك: أن القاعدة: المرتكزة في أذهان المتشرعة التي دلت عليها جملة كثيرة من الاخبار أعني انفعال الماء القليل بملاقاة النجس تقتضي الحكم بنجاسة الماء عند إيراد المتنجس عليه لانه قليل و مع الحكم بنجاسته لا يتيسر التطهير به. و أما إذا عكسنا الأمر و أوردنا الماء على النجس فمقتضى القاعدة المتقدمة

____________

(1) المروية في ب 2 من أبواب النجاسات من الوسائل.

23

(مسألة 1) المدار في التطهير زوال عين النجاسة دون أوصافها فلو بقيت الريح أو اللون مع العلم بزوال العين كفى (1) إلا أن يستكشف من بقائهما بقاء الاجزاء الصغار، أو يشك في بقائها فلا يحكم حينئذ بالطهارة.

____________

و ان كان هو الحكم بنجاسة الماء كسابقه إلا أن الإجماع و الضرورة يقضيان بتخصيصها إما بالالتزام بعدم نجاسة الغسالة مطلقا كما هو المختار في الغسلة المتعقبة بطهارة المحل. و إما بالالتزام بعدم نجاستها ما دامت في المحل و يحكم بنجاستها بالانفصال. و أما بالالتزام بطهارتها بعد خروج المقدار المتعارف منها عن الثوب فإنه لو لا ذلك لم يمكن التطهير بالماء القليل أصلا و هو خلاف الضرورة و الإجماع القطعي بين المسلمين و من هنا فصل السيد المرتضى (قده) في انفعال الماء القليل بين الوارد و المورود نظرا إلى أن الحكم بانفعال الماء عند وروده على النجس يؤدى إلى سد باب التطهير بالقليل و ينحصر بإيراده على الكرا و إيراده عليه و هو أمر عسر. فإذا لا مناص من اشتراط الورود في التطهير بالماء القليل. هذا كله في الغسلة المتعقبة بالطهارة.

و أما غيرها فمقتضى إطلاق ما دل على حصول الطهارة بالغسل عدم الفرق في ذلك بين ورود الماء على النجس و عكسه لانه دل بإطلاقه على أن الغسلة غير المطهرة معدة لعروض الطهارة على المحل عند الغسلة المطهرة سواء أ كان ذلك بإيراد الماء على النجس أم بإيراد المتنجس عليه و لا يلزمه تخصيص القاعدة المتقدمة فإن الماء يوجب استعداد المحل و قابليته للحكم بطهارته و لو مع الحكم بنجاسة الماء بالاستعمال.

(1) أسلفنا تفصيل الكلام في ذلك عند التكلم على شرائط التطهير بالماء فليراجع.

24

(مسألة 2) إنما يشترط في التطهير طهارة الماء قبل الاستعمال فلا يضر (1) تنجسه بالوصول إلى المحل النجس. و أما الإطلاق فاعتباره إنما هو قبل الاستعمال و حينه، فلو صار بعد الوصول إلى المحل مضافا لم يكف (2) كما في الثوب المصبوغ، فإنه يشترط في طهارته بالماء القليل بقاؤه على الإطلاق حتى حال العصر، فما دام يخرج منه الماء الملون لا يطهر إلا إذا كان اللون قليلا لم يصر إلى حد الإضافة. و أما إذا غسل في الكثير فيكفي (3) فيه نفوذ الماء في جميع أجزائه بوصف الإطلاق، و إن صار بالعصر مضافا، بل الماء المعصور المضاف أيضا محكوم بالطهارة (4) و أما إذا كان بحيث يوجب إضافة الماء بمجرد وصوله

____________

(1) لأن نجاسة الماء بالاستعمال لو كانت مانعة عن التطهير به لانسد باب التطهير بالماء القليل رأسا هذا كله في غير الغسلة المطهرة.

و أما الغسلة المتعقبة بطهارة المحل فقد عرفت أن الالتزام فيها بطهارة الغسالة مما لا مناص عنه و هو مستلزم لتخصيص أدلة انفعال الماء القليل بالملاقاة فإذا لم يكن الماء محكوما بالنجاسة قبل استعماله لم يحكم بنجاسته بالاستعمال.

(2) لان المطهر انما هو الغسل بالماء فإذا خرج الماء عن كونه ماء بالإضافة- و لو بالاستعمال- لم يتحقق الغسل بالماء.

(3) هذا انما يتم بناء على ما سلكه الماتن (قده) من التفرقة في اشتراط العصر بين الغسل بالماء القليل و الكثير.

و أما بناء على ما ذكرناه من أن الغسل قد اعتبر في مفهومه العصر بلا فرق في ذلك بين أقسام المياه فلا مناص من اشتراط بقاء الماء على إطلاقه و عدم صيرورته مضافا و لو بالعصر، لانه لولاه لم يتحقق الغسل بالماء و لا يفرق الحال في ذلك بين القليل و الكثير.

(4) لانه قد انقلب مضافا عن الماء الطاهر و لم يلاق شيئا يقتضي

25

اليه و لا ينفذ فيه الا مضافا فلا يطهر ما دام كذلك، و الظاهر أن اشتراط عدم التغير أيضا كذلك (1).

____________

نجاسته، إذ المتنجس المغسول بالكثير قد طهر بغسله- بناء على عدم اعتبار العصر في مفهومه- فلا موجب لنجاسة الماء المعصور المضاف لوضوح أن الانقلاب ليس من أحد المنجسات. نعم بناء على ما سلكناه لا بد من الحكم بنجاسة الماء المعصور حينئذ لملاقاته المتنجس قبل تحقق غسله لاعتبار العصر في تحققه كما مر فلاحظ.

(1) بمعنى أن التغير بالاستعمال كالإضافة الحاصلة بسببه مانع عن حصول الطهارة بالغسل و كذا التغير بالعصر إذا غسل المتنجس بالماء القليل. و أما إذا غسل بالكثير فلا يضره تغير الماء بعصره، و ذلك لتمامية الغسل في الكثير بمجرد نفوذ الماء في اجزائه من دون حاجة إلى العصر. هذا ما اراده. الماتن (قده) في المقام.

و لكنه من الندرة بمكان، على أن المراد بالتغير هو التغير المستند إلى عين النجس، و هي إذا كانت مقتضية لذلك لا وجبت التغير من حين ملاقاتهما، لا أن الماء يتغير- لأجلها- لدى العصر. بل لو تغير بسببه فهو تغير مستند إلى المتنجس و لا ينفعل الماء بذلك بوجه.

ثم إن هذه المسألة أيضا مبتنية على الكلام المتقدم في العصر و انه معتبر في الغسل بالماء القليل دون الكثير. و قد عرفت أن الصحيح عدم الفرق في اعتباره بينهما و عليه فلو حدث التغير بالعصر لم يحكم بطهارة المتنجس و لو في الماء الكثير لتغير الماء قبل تمامية غسله و الماء المتغير مما يغسل منه و ليس مما يغسل به هذا كله في الغسلة المتعقبة بطهارة المحل. و أما غيرها فلا يضره تغير الماء بوجه لان مقتضى إطلاق ما دل على لزوم الغسل عدم الفرق بين تغير الماء و عدمه،

26

فلو تغير بالاستعمال لم يكف ما دام كذلك (1) و لا يحسب غسلة من الغسلات فيما يعتبر فيه التعدد.

____________

حيث أنه غير مطهر للمحل حتى يقال: الماء المتغير لا يكفي في تطهير المحل، فإن الغسلة غير المطهرة معدة لأن يكون المحل قابلا للحكم بطهارته عند الغسلة المطهرة

(1) اى ما دام الماء يتغير بغسل المتنجس فيه مرة أو مرتين أو أكثر فكل مرة يتغير الماء بغسل المتنجس فيه لا تحسب من الغسلات و لا يمكن أن يحصل بها الطهر. هذا.

ثم إن في المقام مسألة أخرى ربما يفسر قول الماتن: ما دام كذلك.

بتلك المسألة. و هي أن الماء إذا تغير بغسل المتنجس فيه ثم زال عنه تغيره بنفسه أو بالعلاج بحيث لم يكن متغيرا بقاء و إن كان كذلك بحسب الحدوث فهل يكفى الغسل به في تطهير المتنجس؟ قد يقال بكفايته تمسكا بإطلاق ما دل على مطهرية الغسل. و يندفع بان ما استدللنا به على عدم مطهرية الماء المتغير بحسب الحدوث و البقاء يأتي بعينه في الماء المتغير بحسب الحدوث و إن لم يكن متغيرا بقاء.

و حاصل ما ذكرناه في وجهه أن قاعدة انفعال الماء القليل بملاقاة النجس و إن رفعنا عنها اليد في الغسلة المتعقبة بالطهارة حيث أن التحفظ بعمومها يقتضي سد باب التطهير بالماء القليل إلا أن رفع اليد عما دل على نجاسة الماء المتغير مما لا موجب له إذ لا إجماع و لا ضرورة تقتضيه بل مقتضى إطلاقه بقاء الماء على نجاسته لانه كان متغيرا بالنجاسة و لم يطرأ عليه مطهر شرعي بعد ما زال عنه تغيره، و من الظاهر أن مجرد زوال التغير لا يقتضي الحكم بطهارته. هذا كله في أصل المسألة.

و أما تفسير عبارة الماتن بذلك و حمل قوله: ما دام كذلك. على معنى ما دام متغيرا بحيث لو ذهب عنه التغير لكان موجبا للطهارة فقد عرفت أن

27

(مسألة 3) يجوز (1) استعمال غسالة الاستنجاء في التطهير على الأقوى و كذا غسالة سائر النجاسات على القول بطهارتها، و أما على المختار من وجوب

____________

زوال التغير لا يقتضي الحكم بذلك ما لم يطرأ عليه مطهر شرعي. على أن الظاهر عدم ارادة الماتن ذلك و انما مراده بقوله: ما دام .. هو ما دام الماء متغيرا بغسل المتنجس فيه فكل مرة يتغير الماء بذلك لا يكفي في الحكم بطهارة المغسول به و لا انها تعد من الغسلات المعتبرة في التطهير، و يشهد لذلك قوله: و لا يحسب غسلة من الغسلات فيما يعتبر فيه التعدد. و معه لا مسوغ لتفسيره بما عرفت.

(1) لطهارتها مع الشروط المتقدمة في محلها و كذلك الحال في بقية الغسالات- على القول بطهارتها- كما هو الصحيح في الغسلة المتعقبة بالطهارة.

و الوجه في جواز استعمالها في إزالة الخبث ثانيا و ثالثا و هكذا إنما هو إطلاق الروايات الآمرة بالغسل كقوله(ع) اغسل ثوبك من أبوال مالا يؤكل لحمه (1) و قوله (عليه السلام) صب عليه الماء مرتين (2) و قوله اغسله في المركن مرتين (3) و غيرها فإنه لا فرق في صدق الغسل بالماء بين الغسل بالغسالة و غيرها نعم في ارتفاع الحدث بالماء المستعمل في إزالة الخبث كلام قدمنا تفصيله في محله و قلنا إن القول بعدم جواز استعماله في رفع الحدث هو الصحيح إن تمت الإجماعات المنقولة في المسألة و لم نناقش في رواية عبد اللّٰه بن سنان «الماء الذي يغسل به الثوب أو يغتسل به الرجل من الجنابة لا يجوز أن يتوضأ منه

____________

(1) حسنة عبد اللّٰه بن سنان المروية في ب 8 من أبواب النجاسات من الوسائل.

(2) صحيحة البزنطي المروية في ب 1 من أبواب النجاسات من الوسائل.

(3) صحيحة محمد بن مسلم المروية في ب 2 من أبواب النجاسات من الوسائل.

28

..........

____________

و أشباهه، (1) بحسب السند و الدلالة فالا فهو مبنى على الاحتياط.

و أما إزالة الخبث به ثانيا و ثالثا و هكذا فقد عرفت انها هو الصحيح للإطلاق المتقدم تقريبه. و قد يقال بعدم الكفاية لموثقة عمار (2) الآخرة بصب الماء- في الإناء- و تحريكه ثم تفريغه من الماء ثم صب ماء آخر فيه مع التحريك و الإفراغ و هكذا إلى ثلاث مرات. بتقريب أن الغسالة لو جاز أن يغسل بها المتنجس ثانيا و ثالثا لم يكن وجه للأمر بإفراغ الإناء من الماء المصبوب فيه أولا ثم صب ماء آخر فيه بل كان تحريم ذلك الماء فيه بعينه مرة ثانية و ثالثة كافيا في تطهير الإناء من دون حاجة إلى تفريغه عنه أبدا، فالأمر بتفريغه من الماء المصبوب فيه أولا كاشف قطعي عن عدم كفاية الغسالة في إزالة الخبث بها ثانيا و ثالثا. هذا ما ربما يتوهم في المقام. و لكنه من الفساد بمكان لا ينبغي التعرض له و ذلك لان الموثقة أجنبية عما نحن بصدده حيث انها من أدلة نجاسة الغسالة و كلامنا إنما هو في الغسالة الطاهرة و قد بينا في مورده أن غير الغسالة المتعقبة بطهارة المحل محكوم بالنجاسة و عليه فالوجه في امره (عليه السلام) بإفراغ الإناء من الماء المصبوب فيه أولا و ثانيا إنما هو نجاسة الغسالة في المرتين لعدم كونها فيهما متعقبة بالطهارة و من الظاهر أن الماء المتنجس لا يكفي في تطهير مثله من الأشياء المتنجسة و أما أمره(ع) بالافراغ في الغسلة الثالثة فهو أيضا مستند إلى نجاسة الماء- بناء على أن الغسالة مطلقا نجسة و لو ما دامت في المحل- و أما بناء على ما هو الصحيح من طهارة الغسالة حينئذ فالوجه في امره (عليه السلام) أن الغسلة الثالثة لا يتحقق من غير إفراغ الإناء، حيث أن مجرد صب الماء فيه لا يكفي في صدق الغسل عليه ما دام لم يفرغ من الماء. فليس

____________

(1) المروية في ب 9 من أبواب الماء المضاف من الوسائل.

(2) المروية في ب 53 من أبواب النجاسات من الوسائل.

29

الاجتناب عنها احتياطا فلا.

(مسألة 4) يجب في تطهير الثوب أو البدن بالماء القليل من بول غير الرضيع الغسل مرتين (1).

____________

الوجه في امره (عليه السلام) بالصب في الغسلة الثالثة أن الغسالة الطاهرة لا تزال بها الخبث ثانيا و ثالثا.

(1) أسنده في الحدائق و محكي المدارك و غيرهما إلى الشهرة مطلقا و قيدها في الجواهر ب«بين المتأخرين» و عن المعتبر أنه مذهب علمائنا. و عن الشهيد في البيان عدم وجوب التعدد إلى في إناء الولوغ، و عنه (قده) في ذكراه اختيار التعدد ناسبا إلى الشيخ في مبسوطة عدم وجوب التعدد في غير الولوغ و قد استظهر القول بذلك عن العلامة في جملة من كتبه و لكنه في المنتهى ذهب إلى التفصيل بين صورتي جفاف البول و عدمه بالاكتفاء بالمرة في الصورة الأولى دون الثانية. و عن صاحبي المدارك و المعالم الاكتفاء بالمرة في البدن دون الثوب. هذه هي المهم من أقوال المسألة و قد يوجد فيها غير ذلك من الوجوه.

أما ما ذهب اليه الشهيد في البيان و العلامة في جملة من كتبه من كفاية الغسل مرة واحدة في غير الولوغ فلم يقم عليه دليل فيما نحن فيه سوى الأخبار الآمرة بغسل ما اصابه البول (1) من غير تقييده بمرتين. و فيه أن هذه الاخبار غير واردة في مقام البيان من تلك الناحية أعني كفاية الغسل مرة واحدة و عدمها.

بل انما وردت لبيان أصل الوجوب. على انها على تقدير كونها مطلقة لا بد من تقييدها بمرتين على ما دل عليه غير واحد من الاخبار.

و لعل نظرهم من الاكتفاء بالمرة الواحدة إلى صورة زوال العين و جفافها

____________

(1) كما في صحيحة و حسنة ابن سنان و موثقة سماعة المروية في: ب 8 من أبواب النجاسات من الوسائل.

30

..........

____________

كما حكى ذلك عن العلامة (قده) في المنتهى حيث فصل بين صورتي جفاف البول و عدمه و اكتفى بالمرة الواحدة في الأولى دون الثانية، و لعله من جهة أن الغسلة الأولى للإزالة و الثانية للتطهير- و لو بدعوى استفادة ذلك من المناسبات المركوزة بين الحكم و موضوعه فمع زوال العين بنفسها لا حاجة الى تعدد الغسلتين.

و هذا الاحتمال و إن كان امرا معقولا في نفسه إلا أن الظاهر من الاخبار الآمرة بالغسل مرتين أن للغسلتين دخالة في التطهير لا أن إحداهما من باب الإزالة كما ادعى. بل لو سلمنا أن الغسلة الأولى للإزالة فلا مناص من اعتبار كون الإزالة بالماء فلا يكون الإزالة على إطلاقها موجبة للطهارة و إن كانت مستندة إلى أمر آخر غير الماء كما إذا جف البول أو تمسح بخرقة و نحوها فان ظهور الاخبار في مدخلية الماء في الطهارة أمر غير قابل للإنكار، و من الجائز أن تكون الغسلة الأولى موجبة لحصول مرتبة ضعيفة من الطهارة لتشتد بالثانية و لا يكون الأمر بها لمجرد الإزالة حتى يكتفى بمطلقها هذا كله، على أن حمل الروايات الآمرة بالتعدد على صورة وجود العين حمل لها على مورد نادر، لان الغالب في غسل الثوب و الجسد إنما هو غسلهما بعد الجفاف، و لا أقل من أن ذلك أمر غير غالبي هذا.

و يمكن الاستدلال لهذه الدعوى بما رواه الشهيد (قده) في الذكرى عن الصادق(ع) «في الثوب يصيبه البول، اغسله مرتين: الأولى للإزالة و الثانية للإنقاء» (1) فإن الغرض من الغسلة الأولى إذا كان هو الإزالة فالمطهر هو الغسلة الثانية حقيقة فيصدق أن الغسلة الواحدة كافية في تطهير نجاسة البول، و الإزالة قد تتحقق بالجفاف و قد تتحقق بغيره كما مر هذا.

____________

(1) في البحث الثالث من احكام النجاسات ص 15.

31

..........

____________

و قد سبقه الى ذلك المحقق (قده) في المعتبر (1) حيث نقل رواية الحسين ابن أبي العلاء المتقدمة (2) بزيادة «الأولى للإزالة و الثانية للإنقاء» و هي كما ترى صريحة الدلالة على مسلك الشهيد (قده) إلا أن الكلام في ثبوت تلك الزيادة لأنها على ما اعترف به جملة من الأكابر لم يرد في شيء من كتب الحديث فهذا صاحب المعالم (قده) ذكر في محكي كلامه «و لم أر لهذه الزيادة أثرا في كتب الحديث الموجودة الآن بعد التصفح بقدر الوسع» و نظيره ما ذكره صاحب الحدائق و الفاضل السبزواري في ذخيرته فليراجع.

و الظاهر اشتباه الأمر على الشهيد حيث حسب الزيادة من الرواية مع انها من كلام المحقق (قده) ذكرها تفسيرا للرواية. على أنا لو سلمنا أن المحقق نقل الزيادة تتمة للرواية أيضا لم يمكننا المساعدة عليها لما عرفت من انها مما لا عين له و لا أثر في كتب الحديث فالأمر مشتبه على المحقق (قده). و لو تنزلنا عن ذلك و سلمنا عدم اشتباه الأمر عليه و هي رواية حقيقة فالواسطة التي وصلت منها الرواية إلى المحقق (قده) مجهولة عندنا و لم يظهر انها من هو فلا يمكن الاعتماد عليها بوجه.

و أما ما ذهب اليه صاحبا المعالم و المدارك من التفصيل بين الثوب و البدن و الاكتفاء بالمرة في البدن دون الثوب فهو مستند إلى استضعاف الأخبار الواردة في التعدد في البدن. و يرد عليه ما أورده صاحب الحدائق (قده) و حاصله أن ما دل على التعدد في الجسد عدة روايات:

«منها» صحيحة أو حسنة أبي إسحاق النحوي عن أبى عبد اللّٰه (عليه السلام)

____________

(1) في أحكام النجاسات ص 162.

(2) في ص 17.

32

..........

____________

قال: سألته عن البول يصيب الجسد قال: صب عليه الماء مرتين (1) و «منها»: حسنة الحسين ابن أبي العلاء قال: سألت أبا عبد اللّٰه(ع) عن البول يصيب الجسد قال: صب عليه الماء مرتين فإنما هو ماء (2) و «منها»:

صحيحة البزنطي المروية في آخر السرائر (3) و هي بعين الألفاظ المنقولة من الحسنة و مضمونها. و هذه الاخبار كما ترى بين صحيحة و حسنة فلا مجال فيها للمناقشة سندا. فإلى هنا ظهر أن الصحيح هو ما ذهب اليه الماتن وفاقا للمشهور من وجوب التعدد في البول.

بقي الكلام في جهات:

«الاولى»: هل الحكم بالتعدد يخص الثوب و البدن فيكتفى بالغسلة الواحدة في غيرهما أو أنه يعم جميع الأشياء المتنجسة بالبول؟ الأخبار الآمرة بالتعدد إنما وردت في الثوب و البدن و لا يمكننا التعدي إلى غيرهما من الأشياء الملاقية له إلا بدعوى دلالة الاخبار على العموم بإلغاء خصوصيتى الثوب و الجسد، و هذا مما لا سبيل إليه.

لأنا و إن قلنا أن الأمر بغسل ما لاقاه بول أو دم أو غيرهما من الأعيان المذكورة في الروايات إرشاد إلى نجاسة الملاقي و تعدينا عن مواردها إلى جميع ما يلاقي الأعيان النجسة حسب ما يقتضيه الفهم العرفي من مثله، إذا الانفعال عندهم ليس من الأمور المختصة بملاقاة الأعيان المذكورة في الاخبار. بل المستفاد منه أن ملاقاة مطلق العين النجسة سبب في تأثر الملاقي إلا انه في خصوص المقام ليس لنا جزم بعدم خصوصيتى الثوب و البدن في وجوب التعدد في الغسل لانه من المحتمل القوي أن الشارع أراد فيهما المحافظة على المرتبة الشديدة من الطهارة، و مع هذا الاحتمال ليس لنا أن نتعدى إلى غيرهما.

____________

(1) ب 1 من أبواب النجاسات من الوسائل.

(2) ب 1 من أبواب النجاسات من الوسائل.

(3) ب 1 من أبواب النجاسات من الوسائل.

33

..........

____________

و على الجملة إنما يمكننا التعدي إلى غير الثوب و الجسد فيما إذا علمنا بعدم دخل خصوصيتهما في الحكم المترتب عليهما و جزمنا بوحدة المناط في الأشياء الملاقية مع البول بأسرها. و أما مع عدم القطع بذلك فلا لأنا نحتمل دخل خصوصيتى الثوب و البدن في حكمهما لوضوح أن الاحكام الشرعية يختلف باختلاف موضوعاتها مع انها مما قد تجمعه طبيعة واحدة.

فترى أن الشارع حكم بوجوب الغسل ثلاث مرات في الإناء و لم نر من الأصحاب من تعدى عنه إلى غيره مما صنع من مادته من صفر أو خزف أو غيرهما، مع العلم بان الجميع صفر أو غيره من المواد إلا انه إذا اصطنع بهيئة الإناء يعتبر في تطهيره الغسل ثلاث مرات و إذا كان على هيئة أخرى كفى في تطهيره الغسل مرة واحدة- مثلا.

و كذا نرى أن الشارع حكم بطهارة مخرج الغائط بالتمسح بالأحجار أو بغيرها من الأجسام القالعة للقذارة، و لا يحكم بطهارة هذا الموضع- بعينه- إذا تنجس بغير الغائط من النجاسات بمجرد إزالتها كما إذا تنجس بدم قد خرج من بطنه أو اصابه من الخارج. بل يجب غسله بالماء.

و لأجل هذا و ذاك لا يحصل القطع لنا بعدم الفرق بين الثوب و الجسد و غيرهما من المتنجسات بالبول، و لا يصغى إلى ما قيل من أن التوقف في ذلك من الخرافات. بل الحكم بتعدد الغسل أو الصب يختص بمورد النصوص و هو الثوب و الجسد، و أما في غيرهما فاطلاقات مطهرية الغسل محكمة و هي تقتضي الاكتفاء بالغسل مرة واحدة.

«الجهة الثانية»: هل الصبة الواحدة المستمرة بقدر زمان الغسلتين أو الصبتين و الفصل بينهما كافية عن الصبتين أو الغسلتين المأمور بهما في تطهير الثوب و البدن أو يعتبر تحققهما بالانفصال؟ فلو فرضنا امتداد كل من الصبتين دقيقة

34

..........

____________

واحدة و الفصل بينهما أيضا كذلك بحيث كان زمانهما مع الفصل بينهما ثلاث دقائق لم تكف الصبة الواحدة المستمرة ثلاث دقائق أو أكثر في الحكم بطهارة البدن أو الثوب بل لا بد من صب الماء عليهما مرتين بانفصال كل منهما عن الآخر أو غسلهما كذلك.

حكي عن الشهيد في الذكرى القول بكفاية الصبة الواحدة بقدر الغسلتين أو الصبتين و تبعه جماعة ممن تأخر عنه و لعله من جهة أن الاتصال بين الغسلتين بالصب ليس بأقل من القطع بينهما بالفصل.

إلا أن الصحيح هو اعتبار الفصل بين الغسلتين أو الصبتين لأنه الذي يقتضيه الجمود على ظواهر الأخبار الآمرة بالصب أو الغسل مرتين، حيث أن ظواهرها أن للتعدد دخلا في حصول الطهارة المعتبرة. و دعوى: أن وصل الماء ليس بأقل من فصله مندفعة: بأنه وجه استحساني لا مثبت له، فإنه على خلاف ما عليه أهل المحاورة، حيث أن السيد إذا أمر عبده بالسجدة مرتين أو برسم خطين مستقيمين لم يكتف العبد في امتثاله بالسجدة الواحدة الممتدة بقدر زمان السجدتين و الفصل بينهما أو برسم خط واحد كذلك. فرفع اليد عن ظهور الاخبار في التعدد بمثل ذلك من الوجوه الاستحسانية مما لا مسوغ له.

«الجهة الثالثة»: هل الحكم بوجوب التعدد يختص ببول الآدمي أو أنه يعم غيره من الأبوال النجسة؟

ظاهر الأسئلة الواردة في الروايات- حسب المتفاهم العرفي- هو الاختصاص لأنهم كانوا يبولون على وجه الأرض و هي على الأغلب صلبة فكان يترشح منها البول إلى أبدانهم و أثوابهم و من أجل ذلك تصدوا للسؤال عن حكمه و لا يبعد- بهذه المناسبة- دعوى انصراف الاخبار إلى بول الآدمي و أنه المنسبق إلى الأذهان من الأسئلة، و لعل هذا هو الوجه في عدم استفصالهم عن كون البول مما يؤكل لحمه أو من غيره مع طهارة البول مما يؤكل لحمه. و من ذلك يظهر أن

35

..........

____________

نظرهم إنما هو السؤال عن خصوص بول الآدمي فتعميم الحكم إلى مطلق الأبوال النجسة مما لا وجه له.

بل يمكن التمسك في ذلك بإطلاق قوله (عليه السلام) اغسل ثوبك من أبوال مالا يؤكل لحمه (1) لان مقتضى إطلاقه جواز الاكتفاء بالمرة الواحدة في بول غير الآدمي فلا يجب التعدد في مطلق الأبوال النجسة حينئذ.

«الجهة الرابعة»: أن الظاهر من أسألتهم عن أن البول يصيب الثوب أو البدن هو اختصاص السؤال و الجواب بما قد يصيبه البول و قد لا يصيبه فيعتبر في مثله الغسل مرتين.

و أما ما كان في معرض الإصابة دائما فلا تشمله الروايات بوجه و عليه فلا يجب التعدد في مخرج البول حينئذ إذ لا يصح أن يقال إنه مما يصيبه البول بل إن كان هناك دليل يدل على اعتبار التعدد فيه فهو و إلا فيقتصر فيه بالصبة الواحدة أو الغسل مرة.

«الجهة الخامسة»: هل يعتبر إزالة العين النجسة قبل الغسلتين أو الصبتين أو أن إزالتها بالغسلة الأولى كافية في حصول الطهارة بالثانية؟

قد يتوهم أن الغسلتين أو الصبتين لا بد من أن تقعا بعد إزالة العين بشيء فلا تكفي إزالتها بالغسلة الاولى من الغسلتين. و يتوجه عليه أن الحكم بذلك يتوقف على دلالة الدليل و لا دليل على اعتبار وقوع الغسلتين بعد إزالة العين. بل الأمر بغسل ما اصابه البول مرتين أو صب الماء عليه كذلك يقتضي بإطلاقه كفاية الإزالة بأولى الغسلتين و عدم اعتبار وقوعهما بعد إزالة العين بمزيل. بل المناسبة المرتكزة بين الحكم و موضوعه أن الغسلة الأولى للإزالة و الثانية للإنقاء كما

____________

(1) حسنة عبد اللّٰه بن سنان المروية في ب 8 من أبواب النجاسات من الوسائل.

36

..........

____________

نقلناه عن المحقق (قده) هذا.

و قد يقال إن مقتضى الإطلاق في الروايات كفاية إزالة العين و لو بالغسلة الثانية فلا يعتبر إزالتها بأولى الغسلتين و «يندفع»: بأن الأخبار الواردة في المقام منصرفة إلى البول المتعارف الذي يكفي في إزالة الغسل أو الصب مرة واحدة كما يرشدنا اليه قوله في بعض الاخبار المتقدمة «فإنما هو ماء» (1) تعليلا لما أمر به من صب الماء عليه مرتين فان ظاهره بيان ان الماء كما أنه لا لزوجة له، و يكفي في إزالته صب الماء عليه مرة واحدة فكذلك الحال في البول فتكون الغسلة الثانية مطهرة لا مزيلة، و معه فالاخبار مختصة بالبول الذي يكفي في إزالته الغسل مرة واحدة فإذا فرض بول لا يكفي ذلك في إزالته فهو خارج عن مورد الروايات هذا.

و يمكن أن يوجه المدعى بتقريب آخر و هو أن الاخبار الواردة في المقام و إن أخذت فيها الإصابة كما في قوله: يصيب الثوب أو البدن. و ظاهر الإصابة الحدوث فإنها لا تطلق على بقاء البول. إلا أن من المقطوع به عدم الفرق في نجاسة البول بين الحدوث و البقاء. و عليه فإذا أصاب الثوب أو البدن وجب غسله أو صب الماء عليه مرتين كما دلت عليه الاخبار المتقدمة. فإذا غسلناه مرة واحدة و لم يزل بذلك فهو أيضا بول متحقق في الثوب أو البدن فيجب غسله مرتين بمقتضى إطلاق الروايات و عليه فمقتضى الإطلاقات هو العكس اعنى اعتبار كون الغسلة الأولى مزيلة للعين و إلا وجب غسله مرتين لانه بول متحقق في الثوب أو البدن و لا فرق في تحققه بين الحدوث و البقاء.

____________

(1) راجع ب 1 من أبواب النجاسات من الوسائل.

37

و أما من بول الرضيع غير المتغذي بالطعام فيكفي صب الماء مرة (1) و ان كان المرتان أحوط.

____________

(1) الكلام في هذه المسألة يقع من جهات:

«الاولى»: أن الصبة الواحدة هل تكفي في إزالة بول الرضيع غير المتغذي بالطعام أو لا بد في تطهيره من صب الماء عليه مرتين؟ المشهور بل المتسالم عليه بينهم كفاية الصب مرة خلافا لما حكي عن كشف الغطاء من اعتبار الصب مرتين، و لعل الوجه فيه أن حسنة الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن بول الصبي قال: تصب عليه الماء (1) الدالة على كفاية الصبة الواحدة مطلقة. و مقتضى قانون الإطلاق و التقييد تقييدها بما دل على اعتبار التعدد في مطلق البول كما في حسنة أو صحيحة أبي إسحاق النحوي (2) و حسنة الحسين بن أبي العلاء (3) و غيرهما من الاخبار المشتملة على قوله (عليه السلام): صب عليه الماء مرتين. بعد السؤال عن اصابة البول للجسد هذا.

و لكن الصحيح هو ما ذهب إليه المعروف في المسألة و ذلك لان حسنة الحلبي و إن كانت مطلقة إلا أن حسنة الحسين المتقدمة ظاهرة الدلالة على كفاية الصبة الواحدة في بول الصبي قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن البول يصيب الجسد قال: صب عليه الماء مرتين فإنما هو ماء، و سألته عن الثوب يصيبه البول قال: اغسله مرتين، و سألته عن الصبي يبول على الثوب قال: تصب عليه الماء قليلا ثم تعصره (4).

و الوجه في الظهور: أن التفصيل قاطع للشركة فإنه (عليه السلام) فصل بين بول الصبي حيث اكتفى فيه بالصب مره و بين غيره فأوجب فيه الصب مرتين و هذا

____________

(1) راجع ب 1 و 3 من أبواب النجاسات من الوسائل.

(2) راجع ب 1 من أبواب النجاسات من الوسائل.

(3) راجع ب 1 من أبواب النجاسات من الوسائل.

(4) راجع ب 1 و 3 من أبواب النجاسات من الوسائل.

38

..........

____________

يدلنا على أن التعدد إنما هو في بول غير الصبي. و أما بول الصبي فيكفي فيه الصب مرة واحدة كما التزم به المعروف.

«الجهة الثانية»: هل العصر بعد الصب معتبر في بول الصبي أو يكفي في إزالته مجرد الصب؟ قد يقال: باعتبار العصر في تطهيره نظرا إلى ما ورد في ذيل حسنة الحسين المتقدمة «تصب عليه الماء قليلا ثم تعصره» و لا سيما بناء على أن الغسالة نجسة، فإن الماء ينفعل بملاقاة البول لا محالة، و لا مناص في تطهير المتنجس حينئذ من إخراج الغسالة بالعصر.

و لكن الظاهر عدم الاعتبار و ذلك لان الأمر بالعصر في الحسنة يحتمل أن يكون جاريا مجرى العادة و الغلبة، فإن الغالب عصر المتنجس بعد الصب عليه كما يحتمل أن يكون مستحبا للقطع بكفاية العصر- على تقدير القول به- مقارنا مع الصب فالتقييد بكونه بعد الصب قرينة على ما ذكرناه فلا دلالة للحسنة على اعتبار العصر بعد الصب.

و أما غسالة بول الصبي فإن قلنا بطهارة الغسالة المتعقبة بطهارة المحل كما هو الصحيح فلا كلام. و أما إذا قلنا بنجاستها فالأمر أيضا كذلك لانه لا يجب إخراج الغسالة في التطهير عن بول الصبي للحكم بطهارتها ما دامت باقية في محلها تبعا له فلا يحكم بنجاستها بالانفصال.

«الجهة الثالثة»: هل الرش كالصب في التطهير عن بول الصبي؟ الصحيح عدم كفاية الرش عن الصب لان الوارد في السنة الأخبار المتقدمة إنما هو الصب فلا دليل على كفاية الرش و النضح و إن استوعبا الموضع النجس فان ظاهر الاخبار اعتبار القاهرية في الماء و غلبة المحل دفعة.

نعم ورد في روايتين الأمر بالنضح في بول الصبي ففي «إحداهما»:

39

..........

____________

يغتسل من بول الجارية و ينضح على بول الصبي ما لم يأكل (1) و «ثانيتهما»:

أن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) أخذ الحسن بن علي (عليه السلام) فأجلسه في حجره فبال عليه قال: فقلت له: لو أخذت ثوبا فأعطني إزارك فاغسله فقال: إنما يغسل من بول الأنثى و ينضح من بول الذكر (2) إلا أنهما عاميان و لا يمكن أن نرفع اليد لأجلهما عن الاخبار المعتبرة الآمرة بالصب كما تقدم.

«الجهة الرابعة»: هل الحكم بكفاية الصب خاص بالصبي أو يعم الصبية أيضا؟ قد يطلق الصبي و يراد به الجنس فيشمل الأنثى و الذكر إلا أن إرادته من لفظة الصبي في روايات الباب غير ظاهرة فبما أن الوارد فيها هو الصبي فلا مناص من أن يقتصر في الحكم بكفاية الصب عليه و يرجع في بول الصبية إلى عموم ما دل على أن البول يغسل منه الثوب أو البدن مرتين لان المقدار المتيقن من تخصيص ذلك إنما هو التخصيص ببول الصبي. و أما بول الصبية فيبقى مشمولا لعموم الدليل أو إطلاقه.

و أما ما ورد في ذيل حسنة الحلبي من قوله (عليه السلام) و الغلام و الجارية في ذلك شرع سواء (3) فلا يمكن الاستدلال به لإجمال المشار إليه في قوله:

«في ذلك» لان المتقدم عليه أمران: أحدهما قوله (عليه السلام) يصب عليه الماء و ثانيهما: قوله فان كان قد أكل فاغسله بالماء غسلا. و لم يعلم أن الجارية كالغلام في كفاية صب الماء في تطهيره، أو أن المماثلة إنما هي في لزوم الغسل بالماء فيما إذا كان يأكل الطعام و معه نشك في التحاق بول الصبية ببول الصبي فلا مناص حينئذ من الاكتفاء في الخروج عن مقتضى الأدلة الدالة على لزوم غسل البول

____________

(1) أخرجه أبو داود في سننه ج 1 ص 154 بتغيير يسير و كذا غيره.

(2) نفس المصدر و عنه في تيسير الوصول ج 3 ص 57.

(3) راجع ب 3 من أبواب النجاسات من الوسائل.

40

و أما المتنجس بسائر النجاسات عدا الولوغ (1) فالأقوى كفاية الغسل مرة (2)

____________

مرتين بخصوص بول الصبي.

«الجهة الخامسة»: أن عنوان الرضيع لم يرد في شيء من الروايات المعتبرة و إنما ورد فيها عنوان الصبي مقيدا في بعضها كما إذا لم يأكل الطعام و حيث أن الصبي غير المتغذي بالطعام لا ينفك عن كونه رضيعا فعبر عنه الأصحاب بالرضيع و عليه فالمدار إنما هو على صدق عنوان الصبي سواء بلغ عمره سنتين أم زاد عليهما فما في بعض الكلمات من تخصيص الحكم بالصبي الذي لم يبلغ سنتين ضعيف.

(1) قد كتبنا في تعليقتنا أن استثناء الولوغ في المقام من اشتباه القلم بلا ريب و الصحيح «عدا الإناء» لوضوح أن الولوغ لا خصوصية له في وجوب التعدد فيه، حيث أن الأواني بأجمعها كذلك و الإناء قد يتنجس بالولوغ و قد يتنجس بغيره و لكل منهما و ان كان حكم على حدة الا أن الجميع يشترك في وجوب التعدد فيه كما يأتي في محله.

(2) و ذلك لإطلاقات الروايات الآمرة بالغسل في مثل البول- من غير الآدمي- (1) و المنى (2) و الكافر (3) و الكلب (4) و غير ذلك من

____________

(1) حسنة عبد اللّٰه بن سنان قال: قال أبو عبد اللّٰه(ع): اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه. المروية في ب 8 من أبواب النجاسات من الوسائل.

(2) صحيحة محمد بن مسلم في المني يصيب الثوب قال: إن عرفت مكانه فاغسله و إن خفي عليك فاغسله كله. المروية في ب 16 من أبواب النجاسات من الوسائل.

(3) موثقة أبي بصير عن أحدهما (عليهما السلام) في مصافحة المسلم اليهودي و النصراني قال: من وراء الثوب فان صافحك بيده فاغسل يدك. المروية في ب 14 من أبواب النجاسات من الوسائل.

(4) حسنة محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد اللّٰه(ع) عن الكلب السلوقي، فقال: إذا مسسته فاغسل يدك المروية في ب 12 من أبواب النجاسات و 11 من أبواب النواقض من الوسائل.

41

..........

____________

النجاسات الواردة في الأخبار، فإن الأمر بالغسل إرشاد إلى أمرين:

«أحدهما»: نجاسة ذلك الشيء و «ثانيهما»: أن الغسل بالماء مطهر له و مقتضى إطلاق الأمر به كفاية الغسل مرة واحدة و لعل هذا مما لا اشكال فيه.

و إنما الكلام في المتنجسات التي لم يرد فيها أمر مطلق بالغسل و ذلك كما إذا استفدنا نجاسته من الأمر بإعادة الصلاة الواقعة فيه و كما في ملاقي المتنجس بالبول أو غيره مما يجب فيه الغسل متعددا و لا سيما في المتنجس بالمتنجس من دون واسطة فإنه يتنجس بملاقاته من دون أن يكون هناك مطلق ليتمسك بإطلاقه في الحكم بكفاية المرة الواحدة فيه. نعم المتنجس بالمتنجس بالنجاسة التي يكفي فيها الغسل مرة كالدم و غيره لا إشكال في كفاية المرة الواحدة فيه. فهل يكتفى في أمثال ذلك بالمرة الواحدة أو لا بد فيها من التعدد؟ فقد يقال بكفاية المرة الواحدة حينئذ و ما يمكن أن يستدل به على ذلك وجوه:

«الأول»: الإجماع المركب و عدم القول بالفصل بين النجاسات التي ورد فيها أمر مطلق بغسلها و ما لم يرد في غسلها أمر مطلق بوجه و حاصله دعوى الإجماع على أن كل مورد لم يقم فيه الدليل على اعتبار التعدد يكفي فيه المرة الواحدة. و يدفعه عدم إحراز اتفاقهم في المسألة كيف و قد ذهب جملة من متأخري المتأخرين إلى اعتبار التعدد فيما لم يقم دليل على كفاية المرة فيه على أنا لو سلمنا ثبوت الاتفاق عندهم في المسألة أيضا لم يمكن لاعتماد عليه لوضوح انه ليس إجماعا تعبديا كاشفا عن رأى المعصوم (عليه السلام) لاحتمال استنادهم في ذلك إلى أحد الوجوه الآتية في الاستدلال.

«الثاني»: النبوي الذي رواه المؤالف و المخالف- كما عن السرائر- أعني

42

..........

____________

قوله (صلى اللّٰه عليه و آله) خلق اللّٰه الماء طهورا لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه أو طعمه أو ريحه (1) لدلالته على حصول الطهارة بالماء مطلقا. و فيه أنه إنما يدل على ثبوت المطهرية للماء فحسب و أما كيفية التطهير به فلا يستفاد من الرواية بوجه، على أنها كما قدمنا في الجزء الأول من كتابنا (2) نبوية ضعيفة السند حيث رويت بطرق العامة و لم تثبت روايتها من طرقنا فضلا عن أن يكون نقلها متسالما عليه بين المؤالف و المخالف.

«الثالث»: أصالة الطهارة بتقريب أن المتيقن من نجاسة الملاقي لشيء من النجاسات انما هو نجاسته قبل غسله فإذا غسلناه مرة واحدة لم ندر أنه طاهر أو نجس و مقتضى أصالة الطهارة طهارته. و هذا الوجه و إن كان وجيها في نفسه بناء على ما سلكناه من عدم جريان الاستصحاب في الأحكام الكلية الإلهية لأن استصحاب نجاسة المتنجس فيما نحن فيه بعد الغسلة الواحدة معارض باستصحاب عدم جعل النجاسة عليه زائدا على المقدار المتيقن و هو نجاسته قبل غسله إلا أنه لا مجال للرجوع إليها في المسألة لإطلاق ما دل على نجاسة المتنجسات فإن إطلاق ما دل على أن الصلاة الواقعة في ملاقي النجس باطلة أو تجب إعادتها أو ما دل على نجاسته بغير ذلك من أنحاء البيان يقتضي بقائها على نجاستها إلى الأبد إلا أن يطرأ عليها مطهر شرعي و هو غير محرز في المقام.

«الرابع»: إطلاقات الاخبار و قد عثرنا على ذلك في جملة من الروايات:

«الأولى»: صحيحة زرارة التي هي من أدلة الاستصحاب قال: قلت له: أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شيء من منى .. إلى أن قال: تعيد

____________

(1) المروي في ب 1 من أبواب الماء المطلق من الوسائل. و ب 3 من تلك الأبواب من المستدرك.

(2) ص 17.

43

..........

____________

الصلاة و تغسله .. الحديث (1) فان الظاهر أن السؤال فيها إنما هو عن مطلق النجاسة لا عن الدم فحسب فان قوله: أو غيره. و إن كان يحتمل في نفسه أن يراد به غير الدم من النجاسات ليكون ذكر المنى بعد ذلك من قبيل ذكر الخاص بعد العام كما يحتمل أن يراد به دم غير الرعاف إلا أن المستفاد من جملات السؤال و الجواب الواردة في الصحيحة أن السؤال إنما هو عن طبيعي النجاسة و لا سيما قوله: و لا تعيد الصلاة قلت لم ذلك قال: لأنك كنت على يقين من طهارتك ..

«الثانية»: موثقة عمار عن أبى عبد اللّٰه (عليه السلام) أنه سئل عن رجل ليس عليه إلا ثوب و لا تحل الصلاة فيه و ليس يجد ماء يغسله كيف يصنع؟ قال: يتيمم و يصلي فإذا أصاب ماء غسله و أعاد الصلاة (2) فإن قوله و لا تحل الصلاة فيه و إن كان يحتمل استناده إلى كون الثوب مما لا يؤكل لحمه إلا أن قوله (عليه السلام) فإذا أصاب ماء غسله كاشف عن أن عدم حلية الصلاة فيه كان مستندا إلى نجاسته.

«الثالثة»: مرسلة محمد بن إسماعيل بن بزيع عن أبى الحسن (عليه السلام) في طين المطر أنه لا بأس به أن يصيب الثوب ثلاثة أيام إلا أن يعلم انه قد نجسه شيء بعد المطر فإن أصابه بعد ثلاثة أيام فاغسله .. (3) و هذه الاخبار كما ترى مطلقة و مقتضاها كفاية الغسلة الواحدة في التطهير عن مطلق النجس.

نعم لا يمكن الاستدلال على ذلك بالرواية الأخيرة لضعف سندها بالإرسال و إمكان المناقشة في دلالتها من جهة أن الطريق سواء علمنا بطهارته أم بنجاسته لا يختلف حكمه قبل الثلاثة و بعدها فإنه إن كان طاهرا فهو كذلك قبل الثلاثة

____________

(1) المروية في ب 41 و 42 من أبواب النجاسات من الوسائل.

(2) المروية في ب 45 من أبواب النجاسات و 30 من أبواب التيمم من الوسائل.

(3) المروية في ب 75 من أبواب النجاسات من الوسائل.

44

..........

____________

و بعدها و إذا كان نجسا فكذلك أيضا فلم يظهر لنا وجه صحيح لمدخلية ثلاثة أيام في الحكم الوارد في الرواية.

و من جملة الأخبار التي يمكن أن يستدل بها على المدعى موثقة ثانية لعمار عن أبى عبد اللّٰه (عليه السلام) في الرجل إذا قص أظفاره بالحديد أو جز شعره، أو حلق قفاه، فان عليه أن يمسحه بالماء قبل أن يصلي، سئل فإن صلى و لم يمسح من ذلك بالماء؟ قال: يعيد الصلاة لأن الحديد نجس .. (1) فان حكمه بكفاية المسح بالماء معللا بان الحديد نجس يعطي أن طبيعة النجس تنجس ملاقياتها بالرطوبة و تزول نجاستها بمجرد أن أصابها الماء و هو معنى كفاية الغسل مرة واحدة. نعم تطبيق ذلك على الحديد لا يخلو من عناية لوضوح عدم كون الحديد نجسا و لا انه منجس لما يلاقيه الا انه أمر آخر.

و الضابط الكلي في المسألة أن ما دل على نجاسة الملاقي لشيء من الأعيان النجسة كالأمر بغسله أو بإعادة الصلاة الواقعة فيه و نحوهما إما أن يكون مطلقا و إما أن لا يكون و انما دل على نجاسته في الجملة:

فعلى الثاني لا بد من الاكتفاء في نجاسته بالمقدار المتيقن و هو ما إذا لم يغسل الملاقي أصلا و لو مرة واحدة فإنه حينئذ محكوم بالنجاسة قطعا، و أما إذا غسلناه مرة واحدة فلا محالة يشك في نجاسته و طهارته و بما انه لا إطلاق لما دل على نجاسته فلا بد من المراجعة إلى الأصول الجارية في المسألة و لا بأس باستصحاب بقاء النجاسة بعد الغسل مرة بناء على جريانه في الأحكام الكلية الإلهية و حيث لا نلتزم بذلك يتعين الرجوع الى أصالة الطهارة لا محالة.

و أما على الأول فلا مناص من التمسك بإطلاق الدليل عند الشك في نجاسة

____________

(1) المروية في ب 14 من أبواب نواقض الوضوء و 83 من أبواب النجاسات من الوسائل.

45

..........

____________

المتنجس و طهارته بعد الغسلة الواحدة إلا انك عرفت ان الإطلاق يقتضي كفاية الغسل مرة في مطلق النجاسات سوى ما قام الدليل فيه على التعدد.

ثم لو ناقشنا في تلك المطلقات سندا أو دلالة و لو بدعوى عدم كونها في مقام البيان من تلك الناحية فلا بد من النظر الى ما ورد من الدليل في كل واحد من النجاسات فان كان له إطلاق من حيث كفاية الغسل مرة واحدة- مضافا الى إطلاقه من حيث بقائه على نجاسته الى أن يطرأ عليه مزيل- فهو و إلا فلا بد من غسله ثانيا حتى يقطع بطهارته هذا بحسب كبرى المسألة.

و أما تطبيقها على صغرياتها فاعلم ان الأدلة الواردة في نجاسة الأعيان النجسة بأجمعها مطلقة و ذلك لأنها انما تستفاد من الأمر بغسلها و إزالتها عن الثوب و البدن أو بإعادة الصلاة الواقعة في ملاقياتها و الاخبار الآمرة بالغسل مطلقة.

فقد ورد في البول «اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه» (1) و مقتضى إطلاقه كفاية الغسل مرة واحدة و قد خرجنا عن ذلك بما دل على لزوم التعدد في بول ما لا يؤكل لحمه أو خصوص بول الإنسان- على الخلاف- و كذلك الحال في الغائط لأنه بإطلاقه و ان لم ترد نجاسته في رواية إلا انها يستفاد مما دل على نجاسة البول لعدم القول بالفصل بينهما.

و أما الغائط من الإنسان فهو لا يحتاج الى الغسل إذ يكفي في إزالته التمسح بالأحجار و نحوها. و ورد في الكلب «إن أصاب ثوبك من الكلب رطوبة فاغسله ..» (2).

____________

(1) حسنة ابن سنان المروية في ب 8 من أبواب النجاسات من الوسائل.

(2) صحيحة أبي العباس المروية في ب 12 من أبواب النجاسات من الوسائل.

46

..........

____________

و في الخنزير «عن الرجل يصيب ثوبه خنزير فلم يغسله فذكر و هو في صلاته كيف يصنع به؟ قال: إن كان دخل في صلاته فليمض، فان لم يكن دخل في صلاته فلينضح ما أصاب من ثوبه إلا أن يكون فيه اثر فيغسله .. (1).

و في أهل الكتاب «في مصافحة المسلم اليهودي و النصراني، قال: من وراء الثوب فان صافحك بيده فاغسل يدك» (2) و قد أسلفنا تحقيق الكلام في نجاستهم و عدمها في محله فليراجع.

و في عرق الإبل الجلالة «و إن أصابك شيء من عرقها فاغسله» (3) نعم بينا في محله عدم نجاسته و قلنا ان الوجه في الأمر بغسله انه من أجزاء ما لا يؤكل لحمه و استصحابها في الصلاة يمنع عن صحتها.

و في المني «ان عرفت مكانه فاغسله و ان خفي عليك فاغسله كله» (4) و في الميت «يغسل ما أصاب الثوب» (5) و في الخمر إذا أصاب ثوبك «فاغسله ان عرفت موضعه و ان لم تعرف موضعه فاغسله كله و ان صليت فيه فأعد صلاتك» (6).

____________

(1) صحيحة على بن جعفر المروية في ب 13 من أبواب النجاسات من الوسائل.

(2) موثقة أبي بصير المروية في ب 14 من أبواب النجاسات من الوسائل.

(3) حسنة حفص بن البختري المروية في ب 15 من أبواب النجاسات من الوسائل.

(4) صحيحة محمد بن مسلم المروية في ب 16 من أبواب النجاسات من الوسائل.

(5) حسنة الحلبي المروية في ب 34 من أبواب النجاسات من الوسائل.

(6) صحيحة على بن مهزيار الآمرة بالأخذ بقول أبي عبد اللّٰه(ع) المروية في ب 38 من أبواب النجاسات من الوسائل.

47

..........

____________

و في الدم «ان اجتمع قدر حمصة فاغسله و إلا فلا» (1) اى و إلا فلا يعاد منه الصلاة فلا يلزم غسله لذلك لا انه طاهر إذا كان أقل من حمصة كما ذهب اليه الصدوق.

و هذه الاخبار كما ترى مطلقة دلت على نجاسة الأعيان الواردة فيها كما انها اقتضت كفاية الغسل مرة واحدة. و إن كان لا يعتمد على بعضها لضعف سندها أو لغيره من الجهات المتقدمة في مواردها هذا كله في المتنجس بالأعيان النجسة فتلخص أن المرة الواحدة كافية في إزالتها.

و أما المتنجس بالمتنجس بتلك النجاسات فلا مناص من الحكم بكفاية المرة الواحدة في تطهيرها لان المرة إذا كانت كافية في إزالة الأعيان النجسة كانت موجبة لطهارة المتنجس بالمتنجس بها بالأولوية القطعية.

نعم فيما إذا كانت العين مما يعتبر فيه التعدد كالبول لم يمكن الحكم بكفاية المرة في المتنجس بها مع الواسطة لعدم زوال العين إلا بالتعدد فهل يلتزم فيه بالتعدد أو تكفي فيه المرة أيضا.

الثاني هو الصحيح و ذلك لمعتبرة العيص بن القاسم قال: سألته عن رجل أصابته قطرة من طشت فيه وضوء فقال: إن كان من بول أو قذر فيغسل ما أصابه (2) لأن إطلاقها يقتضي الحكم بكفاية الغسلة الواحدة في المتنجس بالماء المتنجس بالبول أو بغيره من النجاسات هذا.

و قد يناقش في الاستدلال بالرواية من جهتين: «إحداهما»: الإضمار

____________

(1) رواية مثنى بن عبد السلام المروية في ب 20 من أبواب النجاسات من الوسائل.

(2) المروية في ب 9 من أبواب الماء المضاف من الوسائل.

48

..........

____________

و يدفعه أن جلالة شأن العيص مانعة عن احتمال رجوعه في الأحكام الشرعية إلى غير الامام (عليه السلام) فالإضمار في حقه غير مضر. و «ثانيتهما» الإرسال. و يرد عليه أن ظاهر قول الشهيد أو المحقق (قده) قال العيص أو روى أو ما هو بمضمونهما أنه إخبار حسي لانه ينقلها عن نفس الرجل و كلما دار أمر الخبر بين أن يكون إخبارا حسيا أو اخبار حدسيا حمل على الحس على ما بيناه في محله و بما أن الشهيد لم يكن معاصرا للرجل فلا مناص من حمل قوله هذا على انه وجدها في كتاب قطعي الانتساب الى العيص و حيث انه ثقة عدل فيعتمد على نقله و روايته فلا إشكال في الرواية بوجه فتحصل ان المتنجس بالأعيان النجسة و المتنجس أنها يطهر بغسله مرة واحدة نعم الإناء المتنجس بالبول أو الولوغ أو بغيرهما من الأعيان النجسة لا بد فيه من التعدد فان له حكما أخر كما يأتي عن قريب.

و أما إذا تنجس بالمتنجس كما إذا تنجس بالمتنجس بالبول أو الولوغ فهل يكفي فيه المرة الواحدة أو لا بد من غسله متعددا كما إذا كان متنجسا بالأعيان النجسة؟

مقتضى إطلاق موثقة عمار عن أبى عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: سئل عن الكوز و الإناء يكون قذرا كيف يغسل؟ و كم مرة يغسل؟ قال: يغسل ثلاث مرات يصب فيه الماء فيحرك فيه ثم يفرغ منه، ثم يصب فيه ماء آخر فيحرك فيه ثم يفرغ ذلك الماء ثم يصب فيه ماء آخر فيحرك فيه ثم يفرع و منه و قد طهر. (1)

أن الإناء انما يطهر بغسله ثلاث مرات سواء في ذلك ان يتنجس بشيء من الأعيان النجسة و أن يكون متنجسا بالمتنجس إلا فيما دل الدليل على وجوب غسله زائدا على ذلك.

____________

(1) المروية في ب 53 من أبواب النجاسات من الوسائل.

49

فلا تكفي الغسلة المزيلة (1) لها إلا أن يصب الماء مستمرا بعد زوالها و الأحوط التعدد في سائر النجاسات أيضا، بل كونهما غير الغسلة المزيلة.

(مسألة 5) يجب في الأواني إذا تنجست بغير الولوغ الغسل ثلاث مرات في الماء القليل (2) و إذا تنجست بالولوغ التعفير بالتراب مرة و بالماء بعده مرتين (3) و الاولى أن يطرح فيها التراب من غير ماء و يمسح به، ثم يجعل فيه شيء من الماء و يمسح به و إن كان الأقوى كفاية الأول فقط، بل الثاني أيضا،

____________

(1) تكلمنا على ذلك في البحث عن التطهير من البول و ذكرنا ما توضيحه: ان الغسل بمعنى إزالة العين بالماء و لا شبهة في أن ذلك صادق على الغسلة المزيلة أيضا فمقتضى الإطلاقات كفاية الغسلة المزيلة كغيرها و لم يقم دليل على عدم كفاية المزيلة في التطهير و لم يثبت أن الغسلة الأولى للإزالة و الثانية للإنقاء. نعم لا بأس بالاحتياط بالغسل مرتين بعد الغسلة المزيلة.

(2) لموثقة عمار المتقدمة (1) فإن مقتضى إطلاقها عدم الفرق في ذلك بين النجاسات و المتنجسات و بها يقيد إطلاق صحيحة محمد بن مسلم قال: سألته عن الكلب يشرب من الإناء؟ قال: اغسل الإناء (2) إلا أن الموثقة مختصة بالغسل بالماء القليل لعدم إمكان جعل الماء الكثير في الإناء ثم تفريغه و معه انما يرفع اليد عن الإطلاق في صحيحة محمد بن مسلم في خصوص الغسل بالماء القليل و يبقى إطلاقها في التطهير بالكثير و الجاري و نحوهما على حاله إذ لا مقتضى لتقييده في الغسل بغير الماء القليل و لعلنا نعود إلى تتميم هذا البحث بعد ذلك.

(3) هذا هو المعروف بينهم و عن المفيد في المقنعة أن الإناء يغسل من الولوغ ثلاثا وسطاهن بالتراب ثم يجفف و عن السيد و الشيخ «قدهما» في

____________

(1) في ص 48.

(2) المروية في ب 1 و 2 من أبواب الأسئار من الوسائل.

50

..........

____________

محكي الانتصار و الخلاف انه يغسل ثلاث مرات إحداهن بالتراب. و هذان القولان مما لم نقف له على مستند فيما بأيدينا من الروايات. و عن ابن الجنيد انه يغسل سبع مرات أولاهن بالتراب و يأتي الكلام على مدرك ذلك بعد التعرض لما هو المختار في المسألة.

و الكلام في هذه المسألة يقع في مقامين: «أحدهما»: في تطهير ما ولغ فيه الكلب بالماء القليل. و «ثانيهما»: في تطهيره بالماء العاصم من الكر و الجاري و نحوهما.

أما المقام الأول فالصحيح فيه ما ذهب إليه المشهور من لزوم غسله ثلاث مرات أولاهن بالتراب و هذا لصحيحة البقباق قال: سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن فضل الهرة و الشاة. إلى أن قال فلم اترك شيئا إلا سألته عنه فقال: لا بأس به حتى انتهيت إلى الكلب فقال: رجس نجس لا تتوضأ بفضله و اصبب ذلك الماء و اغسله بالتراب أول مرة ثم بالماء مرتين (1) بناء على ما نقله المحقق في المعتبر، لأنها- على ذلك- صريحة فيما سلكه المشهور في المقام.

و أما إذا ناقشنا فيما نقله (قده) لعدم نقل الرواية في كتب الأصحاب و جوامع الاخبار كما نقله (قده) حيث انهم انما رووها بإسقاط لفظة «مرتين» فالزيادة محمولة على سهو القلم- فالأمر أيضا كذلك و يعتبر في تطهير الإناء من الولوغ غسله ثلاث مرات أولاهن بالتراب و ذلك لموثقة عمار المتقدمة لأنها كما تقدمت مطلقة و مقتضى إطلاقها وجوب غسل الإناء ثلاث مرات سواء تنجس بشيء من النجاسات أو المتنجسات و بذلك لا بد من رفع اليد عن إطلاق صحيحة البقباق في قوله: بالماء و تقييده بثلاث مرات كما هو الحال في صحيحة محمد

____________

(1) المروية في ب 1 من الأسئار و 70 من أبواب النجاسات من الوسائل من غير لفظة «مرتين».

51

..........

____________

ابن مسلم المتقدمة في قوله: اغسله بالماء و نتيجة ذلك انه لا بد من غسل الإناء المتنجس ثلاث مرات مطلقا من دون تقييد كون أولاهن بالتراب و لكن الصحيحة قيدت الغسلة الأولى بذلك فالصحيحة مقيدة للموثقة من جهة و الموثقة مقيدة لها من جهة و قد أنتج الجمع بين صحيحتي البقباق و محمد بن مسلم و موثقة عمار بتقييد بعضها ببعض أن الإناء المتنجس بالولوغ لا بد من غسله ثلاث مرات أولاهن بالتراب.

و أما ما حكي عن ابن الجنيد فالمستند له أمران:

«أحدهما»: النبوي إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعا أولاهن بالتراب (1) و فيه مضافا إلى أنه نبوي ضعيف السند انه معارض بما في النبويين الآخرين «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله ثلاث مرات (2) و في أحدهما زيادة: أو خمسا أو سبعا (3) و بما أن التخيير في تطهير المتنجس بين الأقل و الأكثر مما لا معنى له فالرواية تدلنا على أن المعتبر في تطهير الإناء هو الغسل ثلاث مرات و الزيادة تكون مستحبة لا محالة.

و «ثانيهما»: موثقة عمار عن الإناء يشرب فيه النبيذ فقال: تغسله سبع مرات و كذلك الكلب (4) و يرد على الاستدلال بها أن المذكور في الموثقة ابتداء هو النبيذ و قد حكم بوجوب غسل الإناء منه سبع مرات ثم شبه به الكلب و يأتي في محله أن الإناء إنما يغسل من النبيذ ثلاث مرات و لا يجب فيه السبع

____________

(1) نقله في كنز العمال ج 5 ص 89 عن احمد و النسائي عن أبي هريرة.

(2) حاشية ابن مالك على صحيح مسلم ج 1 ص 162.

(3) سنن البيهقي ج 1 ص 240 عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي(ص) في الكلب يلغ في الإناء انه يغسله ثلاثا أو خمسا أو سبعا.

(4) المروية في ب 30 من أبواب الأشربة المحرمة من الوسائل.

52

..........

____________

و معه لا بد من حمل الزائد على الاستحباب و إذا كان هذا هو الحال في المشبه به فلا محالة تكون الحال في المشبه أيضا كذلك فلا يمكن الاستدلال بها على وجوب غسل الإناء من الولوغ سبع مرات هذا كله في الغسل بالماء القليل.

و أما المقام الثاني و لزوم التعدد أو التعفير في الغسل بالماء العاصم من الكر و الجاري و غيرهما فيأتي عليه الكلام عند تعرض الماتن لحكمه.

بقي الكلام في أمور:

«منها»: ما حكي عن المفيد من اعتبار تجفيف الإناء بعد الغسلات و وافقه عليه جملة من المتأخرين و متأخريهم بل عن الصدوقين أيضا التصريح به و لعل المستند في ذلك هو الفقه الرضوي «إن وقع كلب في الماء أو شرب منه أهريق الماء و غسل الإناء ثلاث مرات مرة بالتراب و مرتين بالماء (1) ثم يجفف» و الصحيح وفاقا للمشهور عدم اعتبار التجفيف بعد الغسلات لان الفقه الرضوي لم يثبت كونه رواية فضلا عن أن تكون معتبرة، على أن الأمر بالتجفيف فيه انما جرى مجرى الغالب لان تجفيف الإناء بعد غسله أمر غالبي فما اعتمدوا عليه في ذلك لا يمكن المساعدة عليه سندا و دلالة.

و «منها»: أن الحكم بلزوم غسل الإناء ثلاثا أولاهن بالتراب هل هو خاص بما إذا شرب الكلب من الماء أوانه يعم ما إذا شرب من سائر المائعات و لا يعتبر في ذلك أن يكون السئور ماء؟

الظاهر عدم الاختصاص لان ذيل صحيحة البقباق المتقدمة و إن كان يظهر منه اختصاص الحكم بالماء حيث قال: و اصبب ذلك الماء إلا أن صدرها ظاهر

____________

(1) كذا في المستدرك ب 43 من أبواب النجاسات و بعض الكتب الفقهية الا انها في فقه الرضا هكذا: غسل الإناء ثلاث مرات بالماء و مرتين بالتراب ثم يجفف ص 5 السطر 29.

53

..........

____________

الدلالة على عدم الاختصاص لان السؤال فيها انما هو عن فضل الهرة و الكلب و غيرهما من الحيوانات و الفضل بمعنى ما يبقى من الطعام و الشراب و هو أعم من الماء فالحكم عام لمطلق المائعات.

و أما ذيل الصحيحة أعني قوله و اصبب ذلك الماء فإنما هو بلحاظ الوضوء حيث رتب عليه عدم جواز التوضؤ به و لأجل بيان ذلك قدم الأمر بصب الماء و «منها»: معنى التعفير و هو الذي أشار إليه بقوله و الاولى أن يطرح إلخ لأن لفظة التعفير و ان لم ترد في شيء من الاخبار إلا أن الصحيحة ورد فيها الأمر بالغسل بالتراب و من هنا لا بد من التكلم فيما أريد منه فنقول:

إن الغسل بالتراب إما ان يكون بمعنى مسح الإناء بالتراب و انما استعمل فيه الغسل مجازا بجامع إزالة الوسخ به لانه كما يزول بالغسل بالماء كذلك يزول بالمسح بالتراب و على ذلك فالغسل بالتراب معنى مغاير للغسل بالماء فيعتبر في تطهير الإناء حينئذ الغسل اربع مرات إحداها الغسل بالمعنى المجازي و ذلك لان موثقة عمار دلت على لزوم الغسل ثلاث مرات و صحيحة البقباق اشتملت على لزوم الغسل بالتراب و قد فرضنا انه أمر مغاير للغسل حقيقة و مقتضى هاتين الروايتين ان الإناء يعتبر في تطهيره الغسل اربع مرات إحداها المسح بالتراب.

و إما أن يكون بمعنى الغسل بالماء باستعانة شيء أخر و هو التراب فالباء في قوله: اغسله بالتراب للاستعانة كما هو الحال في قولهم: اغسله بالصابون أو الأشنان أو الخطمي و نحوها فان معناه ليس هو مسح الثوب بالصابون و انما هو بمعنى غسله بالماء و لكن لا بوحدته بل بضم شيء آخر اليه و عليه فمعنى الغسل بالتراب جعل مقدار من الماء في الإناء مع مقدار من التراب و غسله بالماء بإعانة التراب اعني مسح الإناء بالماء المخلوط به التراب- كما هو الحال في الغسل بالصابون و نحوه- ثم يزال اثر التراب بالماء و بذلك يتحقق الغسل بالتراب عرفا.

54

و لا بد من التراب فلا يكفي عنه الرماد و الأشنان و النورة و نحوها (1) نعم يكفي الرمل (2).

____________

و هذا هو الصحيح المتعارف في غسل الإناء و إزالة الأقذار العرفية و عليه لا يعتبر في تطهير الإناء سوى غسله ثلاث مرات أولاهن بالتراب و ذلك لان الغسل بالتراب- على ما ذكرناه- أمر غير مغاير للغسل بالماء بل هو هو بعينه بإضافة أمر زائد و هو التراب لان الغسل معناه إزالة الوسخ بمطلق المائع و انما خصصناه بالماء لانحصار الطهور به في الأخباث و حيث أن الموثقة دلت على اعتبار الغسل ثلاث مرات من غير تقييد كون أولاهن بالتراب فنقيدها بذلك بمقتضى صحيحة البقباق و النتيجة أن الإناء يعتبر في تطهيره الغسل ثلاث مرات مع الاستعانة في أولاهن بالتراب.

(1) كالصابون و ذلك لان ما ورد في صحيحة البقباق المتقدمة انما هو الغسل بالتراب و لم يحصل لنا القطع بعدم الفرق بين التراب و غيره مما يقلع النجاسة لاحتمال أن تكون للتراب خصوصية في ذلك كما حكي أن «ميكروبات» فم الكلب و لسانه لا تزول إلا بالتراب- و ان لم نتحقق صحته.

(2) الوجه في ذلك غير ظاهر لأنه إن كان مستندا إلى جواز التيمم به كالتراب ففيه انه أشبه شيء بالقياس لان التيمم حكم مترتب على الأرض و الصعيد فلا مانع من أن يتعدى فيه إلى الرمل لأنه أيضا من الأرض- على كلام فيه.

و أما إزالة النجاسة و التطهير فهي أمر آخر مترتب على التراب فلا وجه لقياس أحدهما بالآخر. و إن كان الوجه فيه هو ما ادعاه بعضهم من أن التراب حسب ما يستفاد منه لدى العرف أعم من الرمل فيدفعه أن التراب في قبال الرمل فدعوى انه داخل في مفهومه لا انه في قباله بعيد غايته. فالصحيح الاقتصار في التعفير على التراب.