التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج5

- الشيخ علي الغروي المزيد...
499 /
3

-

4

[تتمة كتاب الطهارة]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

فصل في الوضوءات المستحبة (مسألة- 1): الأقوى- كما أشير إليه- كونه مستحبا في نفسه و إن لم يقصد غاية من الغايات (1) حتى الكون على الطهارة، و إن كان الأحوط قصد إحداها.

(مسألة- 2): الوضوء المستحب على أقسام:

«أحدها»: ما يستحب في حال الحدث الأصغر فيفيد الطهارة منه.

«الثاني»: ما يستحب في حال الطهارة منه كالوضوء التجديدي.

فصل في الوضوءات المستحبة

____________

(1) على ما قدمنا تفصيل الكلام في ذلك عند الكلام على غايات الوضوء (1) و بيّنا بما لا مزيد عليه ان الوضوء مستحب في نفسه وفاقا للماتن (قده) فليلاحظ.

____________

(1) راجع الجزء الثالث ص 513.

5

«الثالث»: ما هو مستحب في حال الحدث الأكبر و هو لا يفيد طهارة، و إنما هو لرفع الكراهة، أو لحدوث كمال في الفعل الذي يأتي به كوضوء الجنب للنوم، و وضوء الحائض للذكر في مصلاها.

أما القسم الأول فلأمور:

«الأول»: الصلاة المندوبة (1) و هي شرط في صحتها أيضا.

«الثاني»: الطواف المندوب (2) و هو ما لا يكون جزءا من حج أو عمرة و لو مندوبين، و ليس شرطا في صحته نعم هو شرط في صحة صلاته.

____________

(1) للأدلّة الدالة على أن الطهارة شرط في الصلاة، و أنه لا صلاة إلا بطهور، و غاية الأمر أنها إذا كانت واجبة كان الوضوء أيضا واجبا إما عقلا و شرعا، و إما عقلا فقط بناء على إنكار القول بوجوب مقدمة الواجب شرعا. كما أنها إذا كانت مستحبة كان الوضوء أيضا مستحبا لا محالة.

و هذا لا بمعنى أن المكلف- في الصلوات المندوبة- يتمكن من ترك الوضوء بأن يأتي بها من دون وضوء، كما هو معنى الاستحباب في غيرها كاستحباب الوضوء لقراءة القرآن و نحوها من المستحبات. بل معنى استحباب الوضوء- حينئذ- أن المكلف يتمكن من ترك الوضوء بترك ما هو مشروط به أعني الصلاة المندوبة.

(2) و هذا لاشتماله على الصلاة، و قد عرفت أنها مشروطة بالطهارة و إلا فلا يعتبر الوضوء في نفس الطواف المندوب أبدا و إنما يعتبر في الطواف الواجب على ما قدمنا الكلام عليه.

و تدلنا على ذلك صحيحة معاوية بن عمار قال: قال أبو عبد اللّٰه (عليه السلام): لا بأس أن يقضى المناسك كلها على غير وضوء، إلا الطواف

6

«الثالث»: التهيؤ للصلاة (1) في أول وقتها، أو أول زمان

____________

فان فيه صلاة، و الوضوء أفضل (1)، و صحيحة جميل بن دراج عن عن أبي عبد اللّٰه (ع) أنه سئل أ ينسك المناسك و هو على غير وضوء؟

فقال: نعم إلا الطواف بالبيت، فان فيه صلاة (2) لصراحتها في أن أصل الطواف غير مشروط بالوضوء و انما يعتبر لصلاته. نعم لا بد من تخصيص ذلك بالمندوب لأن الطواف الواجب- في نفسه- يعتبر فيه الوضوء كما تقدم.

الوضوء للتهيؤ:

(1) ان من المناسب في المقام أن نتكلم على ما هو الدليل على مشروعية الوضوء للتهيؤ قبل دخول وقت الصلاة، و ذلك لأنا ان قلنا: إن الوضوء أمر مستحب في نفسه، أو لم نقل بالاستحباب النفسي له و لكن المكلف أتى به بغاية الكون على الطهارة قبل الوقت فلا إشكال في صحته، لأنه على التقدير الأول مستحب نفسي، و على الثاني قد أتى به بغاية مستحبة و هو الكون على الطهارة- بناء على إنكار الاستحباب النفسي للوضوء- إذ الكون على الطهارة أمر محبوب شرعا فيأتي بالأفعال و الوضوء بغاية ترتب الطهارة عليها، فلا بد من الحكم بصحته على كلا التقديرين و إن كان له داع آخر أيضا على الإتيان به و هو التهيؤ للصلاة في أول وقتها.

____________

(1) المروية في ب 5 من أبواب الوضوء من الوسائل و رواها الصدوق (قده) بإسقاط قوله: فان فيه صلاة راجع ب 38 من أبواب الطواف من الوسائل.

(2) المروية في ب 38 من أبواب الطواف من الوسائل

7

..........

____________

و أما إذا أنكرنا استحبابه النفسي و لم يؤت به بغاية الكون على الطهارة فيقع الكلام- حينئذ في مدرك مشروعيته إذا أتى به قبل وقت الفريضة بغاية التهيؤ للصلاة.

فقد يستدل على مشروعيته بغاية التهيؤ قبل دخول وقت الصلاة بما دل على أفضلية الإتيان بها في أول وقتها و ان أول الوقت رضوان اللّٰه (1) و الآيات الآمرة باستباق الخيرات و المسارعة إلى مغفرة اللّٰه سبحانه (2) بتقريب أن أفضلية الصلاة في أول وقتها تدلنا- بالملازمة- على جواز الإتيان بالوضوء للتهيؤ لها قبل دخول وقتها، لوضوح انه إذا لم يجز للمكلف الإتيان بالوضوء للتهيؤ لها قبل دخول وقتها، لوضوح انه إذا لم يجز للمكلف الإتيان بالوضوء للتهيؤ قبل الوقت لم يتمكن من الإتيان بالصلاة في أول وقتها و لكان الحث على الإتيان بها وقتئذ- في تلك الأدلة- لغوا ظاهرا و مع سقوطها لم يمكن الحكم بأفضلية الصلاة في أول وقتها.

و يدفعه: أن الآيات و الأخبار و إن دلتا- بالملازمة- على استحباب الوضوء قبل دخول وقت الصلاة و انه حينئذ يقع صحيحا مأمورا به، لأن الصلاة مشروطة بالوضوء الصحيح، إلا أنّه لا دلالة لهما- بوجه- على أن الإتيان به بتلك الغاية أعني غاية التهيؤ للصلاة أمر مشروع في الشريعة المقدسة و انه موجب لصحته و تماميته و ذلك لإمكان الإتيان به قبل الوقت بغاية الكون على الطهارة، أو بغاية صلاة مندوبة، أو لأجل استحبابه النفسي.

و على الجملة أن الصلاة مشروطة بالوضوء الصحيح و قد دلت الأدلة المتقدمة على جواز الإتيان به قبل وقت الصلاة و كونه صحيحا وقتئذ.

____________

(1) راجع الباب 3 من أبواب المواقيت من الوسائل.

(2) البقرة 2: 148. آل عمران 3: 133.

8

..........

____________

و أما أن الإتيان به بغاية التهيؤ للصلاة مشروع و صحيح فلا يكاد يستفاد منها بوجه.

على أنا لو سلمنا دلالتها على مشروعية الوضوء للتهيؤ قبل وقت الصلاة فلما ذا خصصوا استحبابه بما إذا أتى به قريبا من الوقت؟ لأنه على ذلك لا فرق في استحبابه- للتهيؤ- بين الإتيان به قريبا من الوقت أم بعيدا عنه كما إذا توضأ أول طلوع الشمس- مثلا- للتهيؤ لصلاة الظهر.

و قد يستدل على ذلك بالمرسل المروي عن الذكرى من قولهم (ع) و ما وقّر الصلاة من أخر الطهارة لها حتى يدخل وقتها (1) و هي بحسب الدلالة ظاهرة و لكنها ضعيفة بحسب السند. اللهم إلا أن يقال إن اخبار من بلغ تدلنا على استحباب نفس العمل الذي قد بلغ فيه الثواب، أو على استحباب إتيانه رجاء. و قد عرفت عدم دلالتها على الاستحباب الشرعي في محله فليلاحظ.

فالصحيح أن يستدل على مشروعية الوضوء للتهيؤ قبل الوقت بإطلاق قوله عز من قائل إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا .. (2) نظرا إلى أن القيام نحو الشيء- على ما يستعمل في غير اللغة العربية أيضا- إنما هو الاستعداد و التهيؤ له، و قد دلت الآية المباركة على أن من تهيأ للصلاة شرع له الوضوء أعني الغسلتين و المسحتين.

و مقتضى إطلاقها عدم الفرق في ذلك بين القيام لها قبل الوقت أو بعده نعم يختص ذلك بما إذا أتى بالوضوء قريبا من وقت الفريضة، لعدم صدق القيام لها في مثل ما إذا توضأ في أول الصبح- مثلا- تهيؤا

____________

(1) المروية في الباب 4 من أبواب الوضوء من الوسائل.

(2) المائدة: 5: 6.

9

إمكانها- إذا لم يمكن إتيانها في أول الوقت، و يعتبر أن يكون قريبا (1) من الوقت أو زمان الإمكان، بحيث يصدق عليه التهيؤ.

«الرابع»: دخول المساجد (2).

____________

لصلاة الظهر هذا.

و الذي يسهّل الخطب أن الوضوء مستحب نفسي عندنا، و معه لا يفرق الحال في مشروعيته بين أن يأتي به قريبا من وقت الفريضة أم بعيدا عنه.

(1) قد عرفت تفصيل الكلام في ذلك آنفا فلاحظ.

الوضوء لدخول المساجد:

(2) قد اتضح مما سردناه في التعليقة المتقدمة أن الحكم باستحباب الوضوء بغاية الدخول في المساجد و ما الحق بها من المشاهد المشرفة أيضا محل المناقشة و الكلام، إذ الأخبار الواردة في استحباب دخول المساجد أو هي مع المشاهد متطهرا (1) إنما تدل على أن الوضوء قبل دخولهما أمر مستحب. و أما أنه مشروع بتلك الغاية، و يستحب الوضوء بغاية دخولهما فهو مما لا يكاد يستفاد منها كما عرفت، لإمكان أن يتوضأ بغاية الكون على الطهارة أو الصلاة المندوبة أو غيرهما من الغايات المسوغة للوضوء هذا.

و يمكن أن يصحح الوضوء المأتي به بغاية دخول المسجد و ما الحق به من المشاهد و غيره من الغايات المذكورة في المتن بانا مهما شككنا في شيء فلا نشك في أن الطهارة أمر مرغوب فيها في الشريعة المقدسة فإن بنينا على أن الطهارة هي الوضوء في نفسه كما ورد من أن الوضوء طهور (2) و أنه

____________

(1) راجع الباب 10 من أبواب الوضوء من الوسائل.

(2) راجع الجزء الثالث ص 513.

10

«الخامس»: دخول المشاهد المشرفة.

«السادس»: مناسك الحج مما عدا الصلاة و الطواف.

«السابع»: صلاة الأموات.

«الثامن»: زيارة أهل القبور.

«التاسع»: قراءة القرآن أو كتبه، أو لمس حواشيه، أو حمله.

«العاشر»: الدعاء و طلب الحاجة من اللّٰه تعالى.

«الحادي عشر»: زيارة الأئمة و لو من بعيد.

«الثاني عشر»: سجدة الشكر، أو التلاوة.

«الثالث عشر»: الأذان و الإقامة، و الأظهر شرطيته في الإقامة.

«الرابع عشر»: دخول الزوج على الزوجة ليلة الزفاف بالنسبة إلى كل منهما.

«الخامس عشر»: ورود المسافر على أهله فيستحب قبله.

«السادس عشر»: النوم.

«السابع عشر»: مقاربة الحامل.

«الثامن عشر»: جلوس القاضي في مجلس القضاء.

«التاسع عشر»: الكون على الطهارة.

«العشرون»: مس كتابة القرآن في صورة عدم وجوبه، و هو شرط في جوازه كما مر، و قد عرفت أن الأقوى استحبابه نفسيا أيضا.

____________

على وضوء (1) كما قدمناه سابقا و هو الدارج في كلمات الفقهاء (قدس اللّٰه أسرارهم) حيث يقولون: الطهارات الثلاث و يقصدون بها الوضوء و الغسل و التيمم، فلا كلام في أنه بنفسه أمر مستحب و مما ندب إليه في الشريعة المقدسة، لأن اللّٰه يحب المتطهرين فلا يحتاج حينئذ في صحته إلى

____________

(1) راجع الجزء الثالث ص 515.

11

..........

____________

قصد شيء من غاياته لأجل الاستحباب النفسي- على الفرض.

و إذا قلنا أن الطهارة كالملكية و الزوجية و غيرهما من الأمور الاعتبارية أمر مترتب على الغسلتين و المسحتين فلو كنا نحن و ما دل على أن الوضوء غسلتان و مسحتان لاكتفينا في الحكم بحصول الطهارة و ترتبها عليهما بمجرد حصولهما في الخارج من غير اعتبار أي شيء آخر في صحتها، كما كنا نحكم بحصول الطهارة الخبثية بمجرد غسل البدن و الثياب من دون اعتبار شيء آخر في حصولها، إلا أن الأدلة الدالة على أن الوضوء يعتبر فيه قصد القربة و الإتيان به بنية صالحة دلتنا على أن الغسلتين و المسحتين غير كافيتين في حصول الطهارة ما لم يؤت بهما بنية صالحة مقربة.

و على ذلك يمكن أن يؤتى بالوضوء بقصد شيء من غاياته المترتبة عليه من دخول المساجد و المشاهد و قراءة القرآن و الصلاة المندوبة أو غير ذلك مما أشار إليه في المتن، لأنه- وقتئذ- قد أتى بالغسلتين و المسحتين و أضافهما إلى اللّٰه سبحانه باتيانهما بقصد شيء من غاياته، و قد فرضنا أنهما مع النية الصالحة محصلتان للطهارة بلا فرق في ذلك بين قصد الغاية التي تتوقف مشروعيتها على الوضوء كالصلاة الواجبة و المندوبة و ما يتوقف عليه كمالها كالقراءة، و دخول المساجد و نحوهما من غاياته.

إذا فلا يعتبر في صحة الوضوء ان يؤتى به بغاية الصلاة أو الكون على الطهارة، و يصح بذلك الوضوء بجميع الغايات المذكورة في المتن فليلاحظ.

فقد اتضح بما سردناه الخلل في جملة من الاستدلالات على استحباب التوضؤ للغايات المذكورة في كلام الماتن (قده) كما اتضح الوجه في جواز التوضؤ بجميع تلك الغايات المذكورة فلا حاجة إلى إطالة الكلام بالتعرض لحكم كل واحد واحد بالاستقلال.

12

و أما القسم الثاني فهو الوضوء للتجديد، و الظاهر جوازه (1) ثالثا و رابعا فصاعدا أيضا.

الوضوء التجديدي:

____________

(1) لا ينبغي الإشكال في مشروعية الوضوء التجديدي في الشريعة المقدسة سواء تخلل بين الوضوءين فصل فعل كالصلاة و نحوها أو فصل زمان أم لم يتخلل، كما لا فرق في استحبابه بين ما إذا أتى به لنفسه، و ما إذا أتى به لأجل فعل آخر مشروط به من فريضة أو نافلة.

و أيضا لا فرق في ذلك بين من يحتمل طرو الحدث في حقه و من لا يحتمل فلا وجه للتفصيل بينهما باشتراط الفصل بالفعل أو الزمان، أو إرادة الإتيان بما يشترط فيه الوضوء في الثاني دون الأول، و السر في ذلك أن الأخبار الواردة في الوضوء التجديدي على طائفتين:

(إحداهما): ما ورد في موارد خاصة من صلاة المغرب و الفجر و نحوهما.

(ثانيتهما): ما ورد في استحباب مطلق التجديد.

أما «الطائفة الأولى»: (فمنها): موثقة سماعة بن مهران قال:

كنت عند أبي الحسن (ع) فصلى الظهر و العصر بين يدي و جلست عنده حتى حضرت المغرب فدعا بوضوء فتوضأ للصلاة ثم قال لي: توض فقلت جعلت فداك أنا على وضوء فقال: و إن كنت على وضوء إن من توضأ للمغرب كان وضوءه ذلك كفارة لما مضى من ذنوبه في يومه إلا الكبائر و من توضأ للصبح كان وضوءه ذلك كفارة لما مضى من ذنوبه في ليلته إلا

13

..........

____________

الكبائر (1).

(و منها): ما رواه أيضا سماعة بن مهران قال: قال أبو الحسن موسى (ع) من توضأ للمغرب كان وضوءه ذلك كفارة لما مضى من ذنوبه في ليلته إلا الكبائر (2) و زيد عليه في رواية الكافي قوله: و من توضأ لصلاة الصبح كان وضوءه ذلك كفارة لما مضى من ذنوبه في ليلته إلا الكبائر (3).

و (منها): رواية أبي قتادة عن الرضا (ع) قال: تجديد الوضوء لصلاة العشاء يمحو لا و اللّٰه و بلى و اللّٰه (4).

و (منها) غير ذلك من الروايات.

و أما «الطائفة الثانية»: (فمنها): ما رواه محمد بن مسلم [5] عن أبي عبد اللّٰه (ع) قال: قال أمير المؤمنين (ع) الوضوء بعد الطهور

____________

[5] الرواية قد وقع في سندها القاسم بن يحيى عن جده الحسن بن راشد و هما و إن لم يوثقا في كتب الرجال غير أنهما ممن وقع في أسانيد كامل الزيارات فلا بد من الحكم بوثاقتهما.

و لا يعارضه تضعيف العلامة و ابن الغضائري لهما، لأن الكتاب المنتسب إلى ابن الغضائري الذي منه ينقل تضعيفاته و توثيقاته لم يثبت أنه له و إن كان له كتاب و لا بأس بالاعتماد على مدحه و قدحه في نفسه.

و أما العلامة (قده) فلأن تضعيفاته كتوثيقاته مبتنية على حدسه و اجتهاده لتأخر عصره الموجب لضعف احتمال استناده في ذلك إلى الحس و النقل، إذا فالرواية لا بأس بها من حيث السند و لا بد من الحكم بصحتها.

____________

(1) المروية في الباب 8 من أبواب الوضوء من الوسائل.

(2) المروية في الباب 8 من أبواب الوضوء من الوسائل.

(3) يلاحظ هامش الوسائل.

(4) المروية في الباب 8 من أبواب الوضوء من الوسائل.

14

..........

____________

عشر حسنات فتطهروا (1).

و (منها): رواية المفضل بن عمر عن أبي عبد اللّٰه (ع) قال:

من جدّد وضوءه لغير حدث جدد اللّٰه توبته من غير استغفار (2).

و (منها): غير ذلك من الأخبار.

و مقتضى إطلاق هذه الروايات عدم الفرق في استحباب الوضوء التجديدي بين التخلل بفصل فعل أو زمان بين الوضوءين و عدمه و لا بين الإتيان به لنفسه و إتيانه لأجل فعل آخر مشروط به و لا بين احتمال طرو الحدث في حقه و عدمه بل مقتضى إطلاقها هو الحكم باستحباب التجديد ثالثا و رابعا فصاعدا، كما إذا توضأ بغاية قراءة القرآن ثم توضأ بغاية الصلاة المندوبة. ثم توضأ بغاية ثالثة مستحبة و هكذا.

بقي في المقام شيء:

و هو أن ظاهر بعض الأخبار الواردة في المقام عدم مشروعية التجديد في الشريعة المقدسة فضلا عن استحبابه كما في رواية عبد اللّٰه بن بكير عن أبيه قال: قال لي أبو عبد اللّٰه (ع): إذا استيقنت أنك قد أحدثت فتوضأ و إياك أن تحدث وضوء أبدا حتى تستيقن أنك قد أحدثت (3).

و لكن مقتضى الجمع العرفي بينهما و بين الأخبار الواردة في مشروعية التجديد و استحبابه حمل الرواية على صورة إحداث الوضوء بنية الوجوب لأن استصحاب الطهارة حينئذ يقتضي الحكم بعدم وجوب الوضوء

____________

(1) المروية في الباب 8 من أبواب الوضوء من الوسائل.

(2) المروية في الباب 8 من أبواب الوضوء من الوسائل.

(3) المروية في الباب 44 من أبواب الوضوء من الوسائل.

15

و أما الغسل فلا يستحب فيه التجديد (1) بل و لا الوضوء بعد غسل الجنابة، و إن طالت المدة.

و أما القسم الثالث فلأمور:

____________

عليه فالحكم بالوجوب في حقه نقض لليقين بالشك، و معه يكون الإتيان بالوضوء تشريعا محرما، لا فيما إذا أتى به بنية الندب كما لعله ظاهر.

غسل الجنابة بعد غسلها:

(1) هل يستحب الإتيان بغسل الجنابة بعد غسل الجنابة؟ و هل يستحب الإتيان بالوضوء بعد غسلها؟

لم يرد مشروعية الغسل أو الوضوء بعد غسل الجنابة في أية رواية بالخصوص. نعم تشملهما الإطلاقات الواردة في استحباب الطهر على الطهر كما في مرسلة سعدان عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّٰه (ع) قال: الطهر على الطهر عشر حسنات (1) لأنها تشمل غسل الجنابة بعد غسل الجنابة.

و الأخبار الواردة في استحباب الوضوء بعد الطهور كما تقدم في رواية محمد بن مسلم.

و لكن الحكم باستحباب التجديد في غسل الجنابة بعيد غايته، لانه لو كان مستحبا لبان و شاع، و لم يخف ذلك على الأصحاب (قدس اللّٰه أسرارهم) و لم يرد استحبابه في شيء من الروايات و لم يتعرض له الأصحاب في كلماتهم.

بل الحكم باستحبابه لا يخلو عن مناقشة و إشكال، لأن المرسلة المتقدمة الدالة بإطلاقها على استحباب غسل الجنابة بعد غسل الجنابة ضعيفة بالإرسال و غير

____________

(1) المروية في الباب 8 من أبواب الوضوء من الوسائل.

16

«الأول»: لذكر الحائض (1) في مصلاها مقدار الصلاة.

____________

قابلة للاعتماد عليها في الحكم بالاستحباب اللهم إلا أن يقال باستفادة الاستحباب من أخبار من بلغ و قد ناقشنا فيه في محله فليراجع.

الوضوء بعد غسل الجنابة:

و أما الوضوء بعد غسل الجنابة فلا ينبغي التأمل في عدم مشروعيته، و ذلك لما ورد في صحيحة زرارة عن أبي عبد اللّٰه (ع) ليس قبله و لا بعده وضوء (1) فان ظاهرها نفي مشروعية الوضوء بعد غسل الجنابة، و حملها على نفي الوجوب- دون المشروعية- خلاف الظاهر.

و يؤيده قوله: قبله. لوضوح أن الوضوء قبل غسل الجنابة لم يتوهم أحد استحبابه و لا وجوبه، فكذلك الوضوء بعده.

أضف إلى ذلك ما قدمناه في غسل الجنابة بعد غسل الجنابة من أن ذلك لو كان مستحبا في الشريعة المقدسة لذاع و شاع و ورد ذلك في الروايات مع أن كلمات الفقهاء (قدهم) خالية عن التعرض لاستحبابه و لم ترد أية رواية في استحبابه بالخصوص.

(1) لصحيحة زرارة عن أبي جعفر (ع) قال: إذا كانت المرأة طامثا فلا تحل لها الصلاة، و عليها أن تتوضأ وضوء الصلاة عند وقت كل صلاة ثم تقعد في موضع طاهر فتذكر اللّٰه عز و جل و تسبحه و تهلله و تحمده كمقدار صلاتها، ثم تفرغ لحاجتها (2).

____________

(1) المروية في الباب 34 و 36 من أبواب الجنابة من الوسائل.

(2) المروية في الباب 14 من أبواب الوضوء من الوسائل.

17

«الثاني»: لنوم الجنب (1) و أكله و شربه (2) و جماعه (3)

____________

(1) دلت عليه صحيحة عبيد اللّٰه بن علي الحلبي قال: سئل أبو عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل أ ينبغي له أن ينام و هو جنب؟ فقال: يكره ذلك حتى يتوضأ (1).

و موثقة سماعة قال: سألته عن الجنب يجنب ثم يريد النوم قال: ان أحب أن يتوضأ فليفعل. و الغسل أحب اليّ (2).

(2) لصحيحة عبيد اللّٰه بن علي الحلبي عن أبي عبد اللّٰه(ع) عن أبيه قال: إذا كان الرجل جنبا لم يأكل و لم يشرب حتى يتوضأ (3)، و يؤيدها صحيحة زرارة عن أبي جعفر(ع) قال: الجنب إذا أراد أن يأكل و يشرب غسل يده و تمضمض و غسل وجهه و أكل و شرب (4).

(3) المستند في ذلك ينحصر في روايتين:

«إحداهما»: ما رواه الإربلي في كتاب كشف الغمة عن كتاب دلائل الحميري عن الوشاء قال: قال فلان بن محرز: بلغنا أن أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) كان إذا أراد أن يعاود الجماع توضأ وضوء الصلاة فأحب أن تسأل أبا الحسن الثاني(ع) عن ذلك قال الوشاء فدخلت عليه فابتدأني من غير أن أسأله فقال: كان أبو عبد اللّٰه(ع) إذا جامع و أراد أن يعاود توضأ وضوء الصلاة (5).

و «ثانيهما»: ما عن أبي عبد اللّٰه(ع) قال: إذا أتى الرجل

____________

(1) المروية في الباب 25 من أبواب الجنابة و 11 من أبواب الوضوء من الوسائل.

(2) المروية في الباب 25 من أبواب الجنابة من الوسائل.

(3) المروية في ب 2 من أبواب الجنابة من الوسائل.

(4) المروية في ب 2 من أبواب الجنابة من الوسائل.

(5) المروية في ب 13 من أبواب الوضوء من الوسائل.

18

و تغسيله الميت (1).

____________

جاريته ثم أراد أن يأتي الأخرى توضأ (1).

و لكن الروايتين مضافا إلى اختصاصهما بمن أجنب بالجماع و عدم شمولها لمن أجنب بالاحتلام، لم يتضح صحة الأولى منهما بحسب الطريق، كما ان ثانيتهما ضعيفة بالإرسال. إذا فالحكم باستحباب الوضوء لجماع من أجنب بالمجامعة يبتنى على القول بالتسامح في أدلة السنن.

نعم قد يستدل على الحكم باستحباب الوضوء لجماع من أجنب بالاحتلام بقول الشهيد (ره) في الذكرى، حيث انه- بعد ان ذكر موارد استحباب الوضوء و عدّ منها جماع المحتلم- قال: كل ذلك للنص و قول صاحب المدارك (قده) لأنه أيضا كالشهيد (ره) بعد ما ذكر موارد استحباب الوضوء قال: و قد ورد بجميع ذلك روايات. بدعوى انهما (قدهما) قد أخبرا بذلك عن وجود رواية تدلنا على الاستحباب في محل الكلام.

و يردّه أن بمجرد هذين الكلامين لا يمكننا دعوى ورود نص- في محل الكلام- تام الدلالة على الاستحباب- عندنا- لان من الجائز أن لا يكون النص مما له دلالة على الاستحباب أو يكون نظرهما (قده) الى ورود النص في مجموع الموارد المذكورة في كلامهما، أو أكثرها، لا في كل واحد واحد منها، إذ لو كان هناك نص في محل الكلام أيضا لعثرنا عليه في جوامع الأخبار و كتب الروايات بعد الفحص عنه لا محالة.

نعم لو ثبت بقولهما ذلك ان في المسألة رواية تامة الدلالة على الثواب و الاستحباب ابتنى الاستدلال بها- في المقام- على القول بالتسامح في أدلة الاستحباب كما لا يخفى.

(1) لحسنة شهاب بن عبد ربه قال: سألت أبا عبد اللّٰه(ع) عن

____________

(1) المروية في ب 155 من أبواب مقدمات النكاح من الوسائل.

19

«الثالث»: لجماع من مس الميت و لم يغتسل بعد (1).

«الرابع»: لتكفين الميت (2) أو دفنه (3) بالنسبة الى من غسله و لم يغتسل غسل المس.

____________

الجنب يغسل الميت أو من غسل ميتا، له أن يأتي أهله ثم يغتسل؟ فقال:

سواء لا بأس بذلك إذا كان جنبا غسل يده و توضأ، و غسل الميت و هو جنب، و ان غسل ميتا توضأ ثم اتى أهله و يجزيه غسل واحد لهما (1).

(1) للحسنة المتقدمة الدالة على استحباب التوضؤ لجماع من غسل الميت و لم يغتسل بعد.

(2) لم ترد أية رواية في استحباب الوضوء في المقام و ليس في المسألة إلا فتوى الأصحاب بالاستحباب إذا يبتنى الحكم بذلك على القول بالتسامح في أدلة المستحبات و فرض شمول أخبار من بلغه ثواب لفتوى الأصحاب بالاستحباب و هذا من قبيل الفرض في الفرض.

(3) قد يستدل عليه بما رواه الحلبي و محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) في حديث قال: توضأ إذا أدخلت الميت القبر (2) و لكن الرواية ضعيفة السند لا لأجل محمد بن عبد اللّٰه بن زرارة لأنه ممن وقع في أسانيد كامل الزيارات و قد وثق مؤلفه كل من وقع في سلسلة رواياته.

بل لان طريق الشيخ (قده) إلى علي بن الحسن بن فضال ضعيف بعلي ابن محمد بن الزبير القرشي [3].

____________

[3] قد عدل سيدنا الأستاذ- مد ظله- عن ذلك و بنى على صحة طريق الشيخ إلى علي بن الحسن بن فضال. و أفاد في وجه ذلك ان طريق

____________

(1) المروية في ب 43 من أبواب الجنابة و 34 من أبواب غسل الميت من الوسائل.

(2) المروية في ب 53 و 31 من أبواب الدفن من الوسائل.

20

(مسألة- 3): لا يختص (4) القسم الأول من المستحب بالغاية

____________

إذا الاستدلال بها في المسألة يبتني على القول بالتسامح في أدلة السنن.

على أن الرواية غير مقيدة بمن غسل الميت و لم يغتسل- كما قيده الماتن (قد)- بل هي مطلقة فتعم غير الغاسل كما تعم الغاسل الذي قد اغتسل من مسّ الميت.

أضف الى ذلك ان الرواية تحتمل أن يراد بها استحباب الوضوء بعد إدخال الميت القبر، لا قبل الإدخال لأجل إدخال الميت القبر فليلاحظ.

إباحة جميع الغايات بالوضوء:

(1) و الوجه في ذلك أن الوضوء اما هو الطهارة في نفسه، أو ان الطهارة اعتبار شرعي مترتب على الوضوء كترتب الملكية على البيع، و الزوجية على النكاح و غيرهما من الأحكام الوضعية المترتبة على أسبابها، و على كلا التقديرين قد دلتنا الأدلة الواردة في اعتبار قصد القربة في الوضوء على ان الإتيان بالغسلتين و المسحتين انما تكونان طهارة أو تترتب عليهما الطهارة فيما إذا

____________

الشيخ الى كتاب إذا كان ضعيفا فلي المشيخة و الفهرست، و لكن كان للنجاشي إلى ذلك الكتاب طريق صحيح، و كان شيخهما واحدا كما في المقام و هو ابن عبدون حكم بصحة رواية الشيخ أيضا عن ذلك الكتاب، إذ لا يحتمل أن يكون ما أخبر به شخص واحد كابن عبدون- مثلا- للنجاشي مغايرا لما أخبر به الشيخ فإذا كان ما أخبرهما به واحدا و كان طريق النجاشي إليه صحيحا حكم بصحة ما رواه الشيخ عن ذلك الكتاب أيضا لا محالة و يستكشف من تغاير الطريق ان الكتاب الواحد روى بطريقين ذكر أحدهما الشيخ، و ذكر النجاشي الطريق الآخر، و ليلاحظ.

21

..........

____________

اتى بهما المكلف بنية صالحة و بقصد التقرب الى اللّٰه سبحانه، فإذا شككنا في اعتبار أمر زائد على ذلك في حصول الطهارة أو في تحقق الوضوء فلا مناص من أن نرجع إلى إطلاق أدلة الوضوء و حيث إن المكلف قد أتى بها بغاية من الغايات القربية، بمعنى أنه أضافهما الى اللّٰه سبحانه نحو اضافة و اتى بهما بنية صالحة فلا محالة تحصل بذلك الطهارة إذا فهو على وضوء أو قل انه على الطهارة فيشرع له الدخول في كل فعل مشروط بالطهارة بحسب الصحة أو الكمال فله أن يأتي- وقتئذ- بغاية أخرى من الغايات المترتبة على الكون على الطهارة، أو الوضوء لتحقق ما هو مقدمتها، و ما يتوقف عليه صحتها أو كمالها، و لعله الى ذلك أشار(ع) في الرواية المتقدمة حيث نهى عن احداث الوضوء إلا بعد اليقين بالحدث.

و في موثقة سماعة بن مهران المروية عن المحاسن: كنت عند أبي الحسن (عليه السلام) فصلى الظهر و العصر بين يدي و جلست عنده حتى حضرت المغرب فدعا بوضوء فتوضأ للصلاة، ثم قال لي: توض، فقلت: جعلت فداك أنا على وضوء، فقال: و ان كنت على وضوء، ان من توضأ للمغرب كان وضوءه ذلك كفارة لما مضى من ذنوبه في يومه إلا الكبائر و من توضأ للصبح كان وضوءه ذلك كفارة لما مضى من ذنوبه في ليلته إلا الكبائر (1).

و يستفاد من هاتين الروايتين ان الإتيان بالوضوء لأجل غاية معينة يكفي في الإتيان بغيرها من الغايات المترتبة عليه، و لا حاجة معه الى التجديد و التوضؤ ثانيا

____________

(1) المروية في ب 8 من أبواب الوضوء من الوسائل.

22

التي توضأ لأجلها بل يباح به جميع الغايات المشروطة به بخلاف الثاني (1) و الثالث (2) فإنهما و ان وقعا على نحو ما قصدا لم يؤثرا إلا فيما قصد لأجله نعم لو انكشف الخطأ بأن كان محدثا بالأصغر، فلم يكن وضوءه تجديديا

____________

(1) يعني الوضوء التجديدي الصادر من المتطهر، فإنه لا يترتب عليه أثر من رفع الحدث، و احداث الطهارة لفرض كونه متطهرا قبل ذلك.

نعم إنما يؤثر في الاستحباب و مجرد المطلوبية فقط، و هذا لا لقصور في ذلك بل من جهة عدم قابلية المحل للتأثير لفرض سبقه بالطهارة.

(2) فإن الظاهر عدم ترتب أي أثر على الوضوء في القسم الثالث سوى الغاية التي أتى به لأجلها، كما إذا توضأ الجنب للأكل، فإنه إذا أراد الجماع- مثلا- لا بد في ارتفاع كراهته من أن يتوضأ ثانيا و لا يجزي توضؤه للأكل عن غيره.

و الوجه فيه أن الغاية في هذا القسم غير مترتبة على الطهارة، حيث لا طهارة مع الجنابة، أو الحيض أو غيرهما من الاحداث، فلا تتحقق الطهارة بالوضوء، و لا انه طهارة بنفسه، لعدم قابلية المحل حينئذ، فالغاية مترتبة على نفس الأفعال الصادرة من المتوضي أعني الوضوء بالمعنى المصدري الإيجادي، و هو أمر يوجد و ينعدم و لا بقاء له حتى يكفي في حصول الغاية الثانية، فلا مناص من أن يتوضأ- ثانيا- لمثل رفع الكراهة عن الجماع أو غير ذلك من الغايات المترتبة عليه، فان مقتضى إطلاق القضية الشرطية في قوله(ع) «إذا كان الرجل جنبا لم يأكل و لم يشرب حتى يتوضأ» (1).

و قوله(ع): الجنب إذا أراد أن يأكل و يشرب غسل يده و تمضمض و غسل وجهه و أكل و شرب (2) بناء على أن المراد به هو الوضوء- ان الأكل كالجماع سبب مستقل للوضوء سواء تحقق معه سبب آخر أم لا، إذا

____________

(1) المروية في ب 2 من أبواب النجاسات من الوسائل.

(2) المروية في ب 2 من أبواب النجاسات من الوسائل.

23

و لا مجامعا للأكبر، رجعا إلى الأول و قوى (1) القول بالصحة و إباحة جميع الغايات به إذا كان قاصدا لامتثال الأمر الواقعي المتوجه إليه في ذلك الحال بالوضوء، و ان اعتقد انه الأمر بالتجديدي منه- مثلا- فيكون من باب الخطأ في التطبيق، و تكون تلك الغاية مقصودة له على نحو الداعي لا التقييد بحيث لو كان الأمر الواقعي على خلاف ما اعتقده لم يتوضأ، أما لو كان على نحو التقييد كذلك ففي صحته حينئذ إشكال.

____________

لكل من الغايات المترتبة على وضوء المحدث بالحدث الأكبر وضوء مستقل و هذا معنى عدم التداخل في الأسباب.

التفصيل بين الداعي و التقييد:

(1) حاصل ما أفاده (قده) في المقام هو التفصيل في صحة الوضوء المأتي به في محل الكلام بين ما إذا كانت الغاية مقصودة للمتوضئ على نحو الداعي إلى العمل فيحكم بصحته و ما إذا كانت مقصودة على نحو التقييد فيحكم ببطلان الوضوء و لتوضيح الكلام في المقام لا بد من أن نتعرض إلى موارد صحة التقييد و استحالته في الأفعال الصادرة من المكلفين حتى يتبين صحة ما أفاده الماتن (قده) أو سقمه فنقول:

أقسام التقييد:

التقييد قد يرجع الى متعلق الاعتبار فيقيده بقيد أو قيدين أو أكثر، و لا إشكال في إمكان ذلك فيما إذا كان المتعلق- و هو المبيع- مثلا أمرا كليا فيوجب تضييق دائرته، كما إذا باعه مقدارا كليا من الحنطة و قيدها

24

..........

____________

بكونها من مزرعة فلانية، أو كتاب الجواهر المقيد بالطبعة المعينة و بذلك يتحصص المبيع بحصة معينة، فإذا دفع الى المشتري ما هو فاقد للقيد لم يكن هذا موجبا لبطلان المعاملة، كما لا يوجب الخيار بل للمشتري أن يردّه و يطالب البائع بالمبيع، لأن الفاقد لم تقع عليه المعاملة و لم يعتبر ملكا للمشتري.

و أما إذا كان المتعلق شخصيا، كما إذا باعه كتابا مشخصا أو عبدا خارجيا على أن يكون الكتاب طبعة كذا، أو العبد كاتبا- مثلا- فهذا يستحيل أن يكون من باب التقييد، لان المفروض أن المبيع شخصي و جزئي حقيقي لا سعة فيه حتى يقيد و يضيق لبداهة أن الكتاب الخارجي المعين ليس له قسمان، و كذا العبد المشخص الخارجي، فإنه جزئي حقيقي فلا معنى للتضييق في مثله.

فالتقييد حينئذ مرجعه إلى الاشتراط و التزام البائع بأن يكون الكتاب المعين طبع كذا أو العبد المعين كذا، فإذا ظهر عدم كونه واجدا لتلك الصفة ثبت للمشتري الخيار على ما قدمنا الكلام عليه في بحث الخيار.

نعم لا مانع من التقييد في هذه الصورة أيضا- و ان كان خارجا عن محل الكلام- كما إذا رجع التقييد إلى أصل البيع و الاعتبار دون المتعلق و المبيع- بان يبيع- مثلا- الحنطة المعينة على تقدير أن تكون من المزرعة الفلانية، على أن يكون البيع معلقا على ذلك بحيث لو لم يكن من المزرعة المذكورة لم يكن بيع أصلا و هذا تقييد في الاعتبار و ليس من باب التقييد في المتعلق.

و لا كلام أيضا في إمكانه، لأنه لا مانع من تقييد اعتبار الملكية بصورة دون صورة، إلا انه موجب لبطلان المعاملة حتى فيما إذا ظهر أن المبيع واجد للقيد فضلا عما إذا ظهر عدم كونه واجدا له، و ذلك لان التعليق في العقود موجب للبطلان و كذلك الحال فيما إذا كان التقييد راجعا

25

..........

____________

إلى المشتري، كما إذا باع مالا- بقيمة زهيدة- لزيد الهاشمي أو التقي أو الذي يكون ابن عم له- حسب عقيدته- فان ذلك لا يعقل أن يكون من باب التقييد لعدم قابلية الجزئي للتضييق، فلا مناص من إرجاع ذلك أيضا الى الاشتراط و نتيجته تقييد التزام البائع- دون البيع- بما إذا كان المشتري هاشميا أو تقيأ أو غيرهما من القيود، و تخلفه يوجب الخيار دون البطلان.

و على الجملة التقييد في الجزئي الحقيقي غير معقول، و رجوعه انما هو إلى الاشتراط و هو يوجب الخيار دون البطلان، فلا معنى وقتئذ لوحدة المطلوب و تعدده، لأن أصل البيع متحقق، و الالتزام مشروط و معلق على وجود القيد هذا كله في صورة التقييد.

و أما إذا اعتبر الملكية لزيد على وجه الإطلاق بأن باعه شيئا بقيمة زهيدة من دون شرط بداعي أنه هاشمي أو تقي أو ابن عمه، فلا ينبغي الإشكال في أن تخلفه غير موجب للبطلان، كما أنه لا يوجب الخيار على ما هو الحال في جميع موارد تخلف الدواعي و هذا ظاهر.

و قد يكون التقييد راجعا إلى مقام الامتثال، كما إذا أتى بالمأمور به مقيدا بقيد و متخصصا بخصوصية أو خصوصيتين أو أكثر، فإن كان المأمور به كليا طبيعيا و منطبقا على المأتي به في الخارج، فلا إشكال في صحته و سقوط التكليف بذلك عن ذمته، و هذا كما إذا قرأ سورة من القرآن في يوم على انه يوم الجمعة أو غيره من الأيام المتبركة بحيث لو كان عالما بعدم كونه كذلك لم يمتثل أصلا و لم يأت بالقراءة، أو أنه صلى في مكان على انه مسجد بحيث لو كان عالما بالخلاف لم يصل فيه.

و الوجه في صحة الامتثال في هذه الموارد: أن المأمور به كلي طبيعي كالقراءة و الصلاة من دون مدخلية القيد المذكور في صحته، لأنهما أمران

26

..........

____________

محبوبان سواء أ كانتا في يوم الجمعة أو في غيره و سواء وقعتا في المسجد أو في مكان آخر، فالمأمور به منطبق على القراءة أو الصلاة المتقيدتين. و أما قصده ان لا يمتثل على تقدير عدم كون المكان مسجدا فهو غير مانع من انطباق المأمور به على المأتي به في الخارج، فإذا فرضنا ان المكلف قد أتى بالمأمور به بما له من القيود و الشروط لم يكن أي موجب للحكم ببطلانه و عدم صحته.

و أما إذا كان المأمور به طبيعة خاصة غير منطبقة على الطبيعة المأتي بها في الخارج لتغايرهما و تعددهما فلا مناص من ان يحكم ببطلانه، و عدم فراغ ذمة المكلف عما هو الواجب في حقه في مقام الامتثال، اللهم إلا أن يدلنا دليل على كفايته و جواز الاجتزاء به نظير ما دل على كفاية غسل الجمعة عن غسل الجنابة لدلالته على جواز الاكتفاء به عن غسل الجنابة، و إلا فمقتضى القاعدة هو البطلان.

فإذا أتى بصلاة العصر باعتقاد أنه أتى بصلاة الظهر قبلها بحيث لو كان عالما بعدم إتيانه بالظهر لم يأت بصلاة العصر جزما بل كان يأتي بصلاة الظهر، أو انه اتى بصلاة الفجر قضاء معتقدا بإتيانه لها أداء في وقتها كما إذا جرت عادته على الإتيان بصلاة الفجر قضاء بعد الإتيان بها أداء بحيث لو كان عالما بعدم إتيانها أداء لقصد بما اتى به الأداء دون القضاء، أو أنه أتى بصلاة الظهر باعتقاد انه لم يأت بها قبل ذلك.

ففي جميع هذه الصور لا بد من الحكم ببطلان الصلاة المأتي بها- بحسب القاعدة فلا يقع ما أتى به عصرا كما أنها لا تحتسب ظهرا- في الصورة الاولى- و لا صلاة فجر قضائية و لا أدائية- في الصورة الثانية- و لا يحتسب ما اتى به عصرا في الصورة الثالثة، بل لا بد من الحكم بفساد ما اتى به من الصلاة مع قطع النظر عن النص الوارد في الصورة الأولى، حيث دل

27

..........

____________

على احتسابها ظهرا، لانه أربع مكان أربع (1).

إلا أن الكلام فيما تقتضيه القاعدة و قد عرفت أنها تقتضي البطلان و ذلك لتغاير المأتي به و المأمور به و اختلافهما بحسب اختلاف القصود، فان القصد هو المناط في التمايز بين مثل الظهرين، و صلاتي الفجر و نافلتها، و صلاة الأداء و القضاء على ما استفدناه من الروايات من أنها حقوق مختلفة باختلاف القصود، و ليست طبيعة واحدة.

فقد دلتنا صحيحة عبيد بن زرارة. الا ان هذه قبل هذه (2) على مغايرة صلاتي العصر و الظهر، حيث أشار بكل من كلمتي «هذه» إلى إحدى الصلاتين، و لو لا مغايرتهما لم يكن معنى لقوله: هذه و هذه، لأنهما- وقتئذ- شيء واحد مركب من ثمان ركعات و بحسب الطبع يكون إحدى الأربعة منها سابقة على الأخرى من دون حاجة في ذلك الى البيان و التنبيه.

و أيضا يدلنا على ذلك ما ورد في العدول من الفريضة إلى النافلة و من الحاضرة إلى الفائتة، و من اللاحقة إلى السابقة.

كما يمكن الاستدلال على التغاير في الأغسال بما دل على انها حقوق متعددة، حيث قال(ع) فإذا اجتمعت عليك حقوق أجزأها عنك غسل واحد (3) و مع التغاير بحسب الطبيعة كيف يعقل الحكم بصحة المأتي به في محل الكلام، لان ما وقع لم يقصد و ما قصد لم يقع، و ان كان لو علم بالحال لأتى بما هو المأمور به في حقه و ترك ما بيده غير ان كونه كذلك لا يقتضي الحكم بصحة عمله بعد عدم انطباق المأمور به على المأتي به في الخارج اللهم إلا أن يقصد الفريضة الواقعية بحسب الواقع، كما إذا أتى بها

____________

(1) المروية في ب 63 من أبواب المواقيت من الوسائل.

(2) المروية في ب 4 من أبواب المواقيت من الوسائل.

(3) المروية في ب 43 من أبواب الجنابة من الوسائل.

28

..........

____________

بقصد ما هو فريضة الوقت غير انه أخطأ و طبقها على صلاتي الظهر و العصر فإنها حينئذ تقع صحيحة، لأن الواجب الواقعي مقصود- وقتئذ- إجمالا و هو يكفي في الحكم بصحة العمل و ان أخطأ في تطبيقه.

و ما سردناه هو الميزان الكلي في باب الامتثال، و لا معنى فيه للداعي و التقييد فإن المأمور به، إذا كان بحيث ينطبق على المأتي به في الخارج، فلا مناص معه من الحكم بالصحة و لا موجب للحكم بالبطلان، و إذا لم ينطبق على المأتي به لكونهما طبيعتين متغايرتين فلا مناص من الحكم بالبطلان هذا كله بحسب كبرى المسألة.

و أما تطبيقها على المقام، فالمكلف إذا توضأ بنية التجديد، ثم ظهر انه كان محدثا بالأصغر- رافعا- أو توضأ بنية رفع الكراهة عن الأكل أو الجماع لاعتقاده بجنابته ثم ظهر انه كان محدثا بالأصغر فقد عرفت انه لا يأتي فيه احتمال التقييد و الداعي بوجه، فان باب الامتثال أجنبي عن ذلك بالكلية بل المدار فيه على ملاحظة أن المأتي به هل يتحد مع ما هو المأمور به في حق المكلف و ينطبق عليه أو لا؟

إذا لا بد من النظر إلى ان الوضوء التجديدي هل يتغاير مع الوضوء الرافع للحدث حقيقة، و ان كلا منهما طبيعة مغايرة مع الأخرى حتى يحكم بفساد وضوئه، لعدم انطباق المأمور به على المأتي به، أو انهما متحدان و لا تغاير بينهما؟ و حينئذ يحكم بصحته.

الثاني هو الأظهر، لعدم الفرق في الوضوء بين المتجدد منه و غيره إلا في الأولية، و الثانوية، و التقديم و التأخير، و ذلك لوضوح أن حقيقة الوضوء إنما هي الغسلتان و المسحتان، مع إتيانهما بنية صالحة و لا يعتبر في حقيقته شيء زائد عليه، و ارتفاع الحدث به حكم شرعي مترتب عليه، لا انه من مقوماته و أركانه إذا فالمتجدد متحد مع غيره و ينطبق عليه الطبيعة

29

..........

____________

المأمور بها و ان قصد به التجديد، لان التجديد كغير التجديد هذا كله في الوضوء المتجدد و أما الوضوء بنية رفع الكراهة ممن هو محدث بالحدث الأكبر فقد حكى المحقق الهمداني (قده) عن صاحب الحدائق أن إطلاق الوضوء على الوضوء المجامع للحدث الأكبر- أعني الوضوء الذي أتى به المكلف بنية رفع الكراهة- مثلا- و هو محدث بالحدث الأكبر- إنما هو من باب المجاز، لانه لا يرفع الحدث فلا يكون بوضوء حقيقة، و هو نظير إطلاق الصلاة على صلاة الميت إذا فهو طبيعة مغايرة للوضوء الصادر من المحدث بالأصغر.

و هذه الدعوى- على تقدير صحتها- تقتضي الحكم ببطلان الوضوء فيما إذا قصد به رفع الكراهة- مثلا- لعدم انطباق المأمور به على المأتي به حينئذ، و اختلافهما بحسب الحقيقة، و معه لا بد من الحكم بالبطلان.

و لكن هذه الدعوى مما لا يمكن المساعدة عليه، لان الوضوء ليس إلا مسحتان و غسلتان مع الإتيان بهما بنية صالحة و هما متحققان في الوضوء الصادر من المحدث بالحدث الأكبر أيضا و اما ارتفاع الحدث به و عدمه فقد عرفت انه حكم شرعي طارئ عليه، لا انه من مقومات الوضوء و معه كيف يقاس ذلك بصلاة الميت التي لا يعتبر فيها شيء من الركوع و السجود و غيرهما مما يعتبر في الصلاة و قد استفدنا من الروايات انهما من مقومات الصلاة.

لا يقال: ان مجرد الشك في أن الوضوء من المحدث بالأكبر متحد مع الوضوء الصادر من غيره- حقيقة- أو انهما طبيعتان متعددان، كاف في الحكم بالبطلان و عدم جواز الاقتصار عليه.

لأنه يقال: ان مجرد الشك في ذلك و ان كان يكفي في ذلك، إلا

30

(مسألة- 4) لا يجب في الوضوء قصد موجبه، بان يقصد الوضوء لأجل خروج البول، أو لأجل النوم، بل لو قصد أحد الموجبات و تبين ان الواقع غيره صح (1) إلا أن يكون على وجه التقييد (2)

____________

ان إطلاق أدلته أعني ما دل على أن الوضوء غسلتان و مسحتان، مع النية الصالحة لا تبقى مجالا للشك في أنهما متحدتان بحسب الطبيعة أو متغايرتان؟

و على الجملة أن الوضوء حقيقة واحدة سواء أصدر من المحدث بالأكبر أم من المحدث بالأصغر، فإذا كانت الطبيعة متحدة تنطبق المأمور به على المأتي به، و بذلك يحكم بصحة الوضوء و ارتفاع الحدث بكل من الوضوء المتجدد و الوضوء المأتي به بنية رفع الكراهة- مثلا- فيما إذا ظهر انه محدث بالحدث الأصغر واقعا، و ان كان الحكم بالارتفاع في الوضوء التجديدي أظهر من ارتفاعه في الوضوء المأتي به بنية رفع الكراهة.

عدم اعتبار قصد الموجب:

(1) و ذلك لما تقدم من ان الوضوء هو الغسلتان و المسحتان مع الإتيان بهما بنية صالحة، و هذا هو الذي يترتب عليه الحكم بارتفاع الحدث أو إباحة الدخول في الغايات المترتبة عليه و لا اعتبار بقصد كونه رافعا لحدث النوم أو البول أو غيرهما.

(2) و هذا منه (قده) اما بمعنى الجزم بالبطلان عند الإتيان به على وجه التقييد، و اما بمعنى عدم الحكم فيه بصحة الوضوء للاستشكال فيه، و الاحتمال الثاني أظهر لمطابقته لاستشكاله (قده) في المسألة المتقدمة.

و كيف كان- فقد عرفت ان في أمثال المقام اعني باب الامتثال لا سبيل الى التقييد، بل المناط فيه انما هو انطباق المأمور به على المأتي به

31

(مسألة- 5): يكفي الوضوء الواحد للاحداث المتعددة (1) إلا إذا قصد رفع طبيعة الحدث، بل لو قصد رفع أحدها صح و ارتفع الجميع إلا إذا قصد رفع البعض دون البعض، فإنه يبطل، لانه يرجع الى قصد عدم الرفع.

____________

في الخارج، و عدم مدخلية شيء من القيود المقصودة في صحته، و بما ان الوضوء هو الغسلتان و المسحتان مع إضافتهما الى اللّٰه سبحانه نحو اضافة فلا محالة ينطبق على الوضوء المأتي به بنية رفع الحدث البولي دون النومي- مثلا- و أما قصد كونه رافعا للحدث من جهة دون جهة فهو مما لا مدخلية له في صحة الوضوء لما مر من ان ارتفاع الحدث به و عدمه حكم شرعي طرأ على الوضوء، و ليس أمرا راجعا الى المكلف ليقصده أو لا يقصده فان ما هو تحت قدرته و اختياره انما هو الإتيان بالغسلتين و المسحتين بنية صالحة، و المفروض تحققه في المقام و مع انطباق المأمور به على المأتي به لا موجب للتوقف في الحكم بصحته.

كفاية الوضوء الواحد للاحداث المتعددة:

(1) و لنفرض الكلام فيما إذا حدثت الاحداث المتعددة في زمان واحد من دون تقدم شيء منها على الآخر بحسب الزمان، كما إذا بال و تغوط معا. و قد ظهر حكم هذه المسألة مما سردناه في الفروع المتقدمة. و ذكرنا غير مرة أن ارتفاع الحدث حكم شرعي قد طرأ على الوضوء و غير راجع الى اختيار المكلف أبدا، إذا فلا أثر لقصد المكلف الرفع من جهة دون جهة.

لأنه إذا أتى بطبيعة التوضؤ قاصدا بها ربه فقد ارتفعت الاحداث

32

(مسألة- 6): إذا كان للوضوء غايات متعددة (1) فقصد الجميع حصل امتثال الجميع، و أثيب عليها كلها، و ان قصد البعض حصل الامتثال بالنسبة اليه و يثاب عليه. لكن يصح بالنسبة إلى الجميع، و يكون أداء بالنسبة الى ما لم يقصد، و كذا إذا كان للوضوء المستحب غايات عديدة.

و إذا اجتمعت الغايات الواجبة و المستحبة أيضا يجوز قصد الكل، و يثاب عليها، و قصد البعض دون البعض، و لو كان ما قصده هو الغاية المندوبة، و يصح معه إتيان جميع الغايات، و لا يضر في ذلك كون الوضوء عملا واحدا لا يتصف بالوجوب و الاستحباب معا. و مع وجود الغاية الواجبة لا يكون إلا واجبا، لانه على فرض صحته لا ينافي جواز قصد الأمر الندبي، و ان كان متصفا بالوجوب فالوجوب الوصفي لا ينافي الندب الغائي.

لكن التحقيق صحة اتصافه فعلا بالوجوب و الاستحباب من جهتين.

____________

بأجمعها بذلك اللهم إلا أن يشرّع في امتثاله تشريعا بان يقصد امتثال الأمر بالوضوء الرافع للحدث البولي دون النومي، و هو تشريع محرم، لوضوح انه ليس لنا أمر شرعي مختص بالوضوء الرافع لبعض الاحداث دون بعض و هذا فرض خارج عن محل الكلام.

تعدد غايات الوضوء:

(1) قد تكون الغايات واجبة كلها، و قد تكون مستحبة كذلك ففي هاتين الصورتين لا إشكال في ان المكلف إذا أتى به بغاية واجبة أو مستحبة ترتبت عليه الغايات الواجبة أو المستحبة كلها، إلا انه لا يقع امتثالا إلا لخصوص الغاية الواجبة التي أتى به لأجلها أعني الغاية المقصودة له، و أما غيرها من الغايات غير المقصودة له فلا تقع امتثالا لها، لعدم قصدها على

33

..........

____________

الفرض، و ان كانت تقع صحيحة لتحقق ما هو مقدمتها على الفرض.

و كذلك الحال في الغايات المستحبة، لأنه إنما يثاب بخصوص الغاية المندوبة التي قصدها دون غيرها، لعدم قصد امتثالها و ان كانت- كالواجبة- تترتب عليه لا محالة لحصول ما هو مقدمها كما مر.

و ثالثة تختلف الغايات المقصودة، الوضوء المأتي به فيكون بعضها من الغايات الواجبة المستحبة و ذلك وضوء بعد الفجر، حيث ان له غايتان: «إحداهما»: نافلة الفجر المستحبة، و «ثانيتهما»: صلاة الفجر الواجبة و في هذه الصورة قد يأتي به المكلف بقصد كلتا الغايتين، و لا إشكال في صحته وقتئذ، و يجوز له الدخول في كل من الغايتين المذكورتين، لاندكاك الأمر الاستحبابي في الأمر الوجوبي.

و قد يأتي به بقصد الغاية الواجبة، و في هذه الصورة أيضا لا إشكال في صحته و جواز دخوله في كلتا الغايتين، أما دخوله في الغاية الواجبة فالوجه فيه ظاهر.

و أما دخوله في المستحبة، فلأجل حصول ما هو مقدمتها في نفسها و انما الخلاف و النزاع فيما إذا اتى به بقصد الغاية المستحبة فهل يحكم حينئذ بصحة وضوئه، و يسوغ له الدخول في كلتا الغايتين المترتبتين عليه، أو لا بد من الحكم بالبطلان، و لا يترتب عليه شيء من غايتيه؟

يبتنى الإشكال في صحة الوضوء حينئذ على استحالة اجتماع الوجوب و الاستحباب في شيء واحد، لأنهما ضدان لا يجتمعان في محل واحد، و مع فرض ان الوضوء مقدمة للغاية الواجبة يتصف لا محالة بالوجوب، و بعد ذلك يستحيل أن يتصف بالاستحباب، و بما أنه قد قصد به الغاية المستحبة له فيحكم على الوضوء بالفساد، لأن ما قصده من الأمر الاستحبابي لم يقع و الأمر الوجوبي الذي اتصف به الوضوء لم يقصد فلا مناص من الحكم

34

..........

____________

بالفساد كما مر.

ثم ان الاستشكال في المسألة بما تقدم تقريبه يبتنى على القول بوجوب مقدمة الواجب شرعا، و أما إذا أنكرنا ذلك و قلنا بأنه لا دليل على وجوب مقدمة الواجب شرعا- على ما قويناه في محله- فلا إشكال في المسألة بوجه.

و ذلك لان وجوب المقدمة- عقلا- أعني اللابدية العقلية غير مناف للحكم باستحباب المقدمة- فعلا- فيقال انها لما كانت مقدمة للغاية المستحبة فلا محالة تكون مستحبة- فعلا- من غير أن يكون ذلك منافيا لشيء.

كما أنه يبتنى على القول بوجوب المقدمة مطلقا. و أما بناء على ان الواجب من المقدمة هي التي يقصد بها التوصل إلى ذي المقدمة، كما ذهب اليه شيخنا الأنصاري (قده) و قواه شيخنا المحقق (قده) فلا محالة يرتفع الإشكال في المسألة.

نظرا الى ان المفروض عدم قصد المتوضي التوصل به الى الواجب و حيث ان الواجب من المقدمة ليس هو الطبيعي على إطلاقه بل انما هو حصة خاصة منه، و هي للمقدمة التي قصد بها التوصل الى الواجب فلا يتصف الوضوء بالوجوب- في المقام- و معه لا مانع من الحكم باستحبابها- فعلا- و هذا بخلاف ما إذا قلنا بوجوب المقدمة على نحو الإطلاق فإنه حينئذ يمكن أن يقال: ان الوضوء الذي له غايتان إحداهما واجبة و الأخرى مستحبة إذا أتى به بقصد الغاية المستحبة وقع فاسدا، و ذلك لأن الاستحباب انما نشأ عن عدم المقتضى للوجوب و لا ينشأ من المقتضي لعدم الوجوب فان الاستحباب إنما ينشأ عن الملاك غير البالغ حد الإلزام أعني عدم كون الملاك ملزما، و لا ينشأ عن الملاك الملزم لعدم الوجوب إذا فهو لا يقتضي عدم الوجوب. و أما الوجوب فهو مقتضى لعدم الاستحباب لنشوه عن الملاك الملزم للوجوب، و هو يمنع عن تركه، و معه لا يبقى اي نزاع في البين،

35

..........

____________

لوضوح انه لا تنافي بين المقتضي، و اللامقتضي، فإذا تحقق الوجوب ارتفع الاستحباب لا محالة.

و على الجملة الوضوء إذا كان مقدمة للواجب اتصف بالوجوب- لا محالة- و هذا يمنع عن اتصافه بالاستحباب، و يصح معه ان يقال: ان ما قصده من الاستحباب لم يقع: و ما وقع من الأمر الوجوبي لم يقصد فلا بد من الحكم بالفساد.

و الجواب عن ذلك: ان المكلف قد يأتي بالوضوء قاصدا به الغاية المستحبة من دون أن يقصد الأمر الندبي المتعلق بالوضوء، و هذا مما لا إشكال في صحته. بل هو خارج عن محل الكلام، لوضوح أن قصد الغاية المندوبة غير مناف لوجوب الوضوء، فان للمكلف أن يأتي بالوضوء الواجب بداعي الوصول به الى تلك الغاية المندوبة كنافلة الفجر، فإنها مستحبة سواء أ كان الوضوء أيضا مستحبا أم لم يكن، فلا ينافي الوجوب الوصفي- في الوضوء- للندب الغائي بوجه كما أشار إليه الماتن (قده) و ما أفاده من المتانة بمكان.

فان المكلف- حينئذ- قد أتى بالغسلتين و المسحتين متقربا بهما الى اللّٰه سبحانه، فلا مناص معه من أن يحكم بصحته، كما انه يصح أن يؤتى به الغاية الواجبة المترتبة عليه أيضا لتحقق الطهارة التي هي المقدمة للصلاة الواجبة.

و اخرى يأتي بالوضوء و يقصد به الأمر الندبي المتعلق به دون الغاية المندوبة المترتبة عليه، و هذا هو الذي وقع الكلام في صحته و فساده بدعوى ان مع الوجوب المقدمي الغيري- شرعا- لا يعقل ان يتصف الوضوء بالاستحباب.

و أجاب الماتن (قده) عن ذلك بأنه لا مانع من اجتماع الحكمين أعني

36

..........

____________

الوجوب و الاستحباب في مورد واحد بعنوانين لجواز اجتماع الأمر و النهي إذا كان المجمع معنونا بعنوانين و جهتين، فإذا أمكن اجتماع الحرمة و الوجوب في محل واحد أمكن اجتماع الوجوب و الاستحباب أيضا إذا كانا بعنوانين متعددين، و الأمر في المقام كذلك، فيقال باستحباب الوضوء بعنوان أنه مقدمة للمستحب كما يحكم بوجوبه من حيث انه مقدمة للواجب هذا.

و ما أجاب به (قده) عن الاشكال ساقط رأسا، و ذلك لان اجتماع الأمر و النهي و ان كان ممكنا على ما حققناه في محله غير انه انما يجوز فيما إذا كان التركب انضماميا، و الجهتان تقييديتان و العنوانان في المقام ليسا كذلك بل انما هما تعليليتان و الحكمان واردان على مورد واحد حقيقي بعلتين (أحدهما): كون الوضوء مقدمة للمستحب و (ثانيتهما): كونه مقدمة للواجب.

و معه لا يمكن الحكم بجواز الاجتماع و نظيره ما إذا أوجب المولى إكرام العالم و حرّم إكرام الفساق و انطبق العنوانان على زيد العالم الفاسق في الخارج فإنه يستحيل ان يتصف إكرامه بالحرمة و الوجوب لفرض انه موجود شخصي لا تعدد فيه، فلا مناص اما ان يحكم بحرمة إكرامه، و اما بوجوبه، و الجهتان التعليليتان غير مفيدتين لجواز الاجتماع فهذا الجواب ساقط.

و الصحيح في الجواب عن الاشكال- بناء على القول بوجوب المقدمة مطلقا- ان يقال ان الوجوب انما ينافي الاستحباب بحده و هو الترخيص في الترك لما قدمناه في محله من ان الاستحباب انما ينتزع عن الأمر المتعلق بشيء فيما إذا قامت قرينة على الترخيص في الترك، و من الواضح أن الوجوب لا يجتمع مع الترخيص في الترك.

و أما ذات الاستحباب أعني المحبوبية و الطلب فهي غير منافية للوجوب أبدا، لجواز اجتماع الوجوب مع المحبوبية فيندك ذات الاستحباب في ضمن

37

..........

____________

الوجوب و من الظاهر ان المقرب انما هو ذات الاستحباب دون حده، كما ان الداعي إلى إتيانه هو ذلك دون الحد، لوضوح انه يأتي به لمحبوبيته، لا لكونه مرخصا في الترك.

و هذا هو المراد باندكاك الاستحباب في الوجوب، و لا يراد به اندكاك الاستحباب بحده في الوجوب لضرورة انه بحده مبائن للوجوب، بل المراد هو اندكاك ذات الاستحباب في الوجوب، و عليه فلا مانع من أن يكون الوضوء واجبا، بالفعل و مستحبا أيضا أي محبوبا و ذا ملاك للطلب.

هذا كله إذا لم نقل باختصاص الوجوب الغيري المقدمي بالمقدمة الموصلة و هي التي يقع في سلسلة علة الفعل و الواجب، و قلنا بوجوب المقدمة على نحو الإطلاق.

و أما إذا خصصنا الوجوب الغيري بالمقدمة الموصلة إلى الواجب كما قويناه في محله، فان كان قد اتى المكلف بالوضوء بداعي الغاية المستحبة و لم توصل ذلك الى الصلاة الواجبة فلا إشكال في صحته، لأن هذه الحصة الحاصلة من الوضوء ليست متصفة بالوجوب المقدمي- لعدم كونها موصلة- و مع عدم اتصافها بالوجوب فأي مانع من استحبابها لأنها مقدمة لغاية مستحبة و هذا ظاهر.

و ان كان قد اتى به المكلف بداعي الغاية المستحبة و كان موصلا الى الواجب فعلى القول بوجوب المقدمة الموصلة لا بد من الحكم بوجوبه و حينئذ ان قلنا بما أسلفناه آنفا من أن الوجوب غير مناف للاستحباب- في ذاته- و انما ينافي الاستحباب بحده، فلا تنافي بين الحكم بوجوب الوضوء و استحبابه فلا كلام و أما إذا لم نقل بصحته لتنافي الوجوب مع الاستحباب مطلقا فلا يمكننا الحكم حينئذ بفساد الوضوء، لان الحكم بفساد الوضوء يستلزم عدم الفساد، و كل ما استلزم وجوده عدمه فهو محال.

38

فصل في بعض مستحبات الوضوء «الأول»: أن يكون بمدّ و هو ربع صاع، و هو ستمائة و أربعة عشر مثقالا و ربع مثقال. فالمدّ مائة و خمسون مثقالا و ثلاثة مثاقيل، و نصف مثقال و حمصة و نصف.

____________

بيان ذلك: ان الوضوء الذي أتى به بداعي الأمر الاستحبابي- و هو مقدمة موصلة إلى الواجب- على هذا باطل في نفسه لان ما قصده لم يقع و ما وقع لم يقصد، فإذا كان فاسدا لم يكن مقدمة موصلة إلى الواجب، لأن الموصلة هي المقدمة الصحيحة دون الفاسدة، إذ لا إيصال في الفاسدة و معه لا يتصف بالوجوب- لاختصاصه بالموصلة- و إذا لم يكن واجبا فلا محالة يقع صحيحا، لأن المانع عن صحته انما هو الوجوب، و مع عدمه فهو أمر مستحب، لمكان أنه مقدمة للمستحب، و قد أتى به المكلف بداعي الأمر الاستحبابي المتعلق به فلا مناص من الحكم بصحته.

فصل في بعض مستحبات الوضوء

تنبيه: استحباب أكثر الأمور التي ذكرها الماتن (قده) في المقام لما لم يثبت إلا بروايات ضعاف كان الحكم باستحبابها- لا محالة- متوقفا على تمامية قاعدة التسامح في أدلة السنن، و حيث انها لم تثبت عندنا بدليل و لم يمكن استفادتها من الروايات المشتهرة ب«أخبار من بلغ» لم يسعنا

39

«الثاني»: الاستياك بأي شيء كان و لو بالإصبع، و الأفضل عود الأراك.

«الثالث»: وضع الإناء الذي يغترف منه على اليمين.

«الرابع»: غسل اليدين قبل الاغتراف مرة في حدث النوم و البول و مرتين في الغائط.

«الخامس»: المضمضة و الاستنشاق، كل منهما ثلاث مرات، بثلاث أكف، و يكفي الكف الواحدة أيضا لكل من الثلاث.

«السادس»: التسمية عند وضع اليد في الماء، أو صبه على اليد و أقلها: بسم اللّٰه، و الأفضل بسم اللّٰه الرحمن الرحيم و أفضل منهما: بسم اللّٰه و باللّه اللهم اجعلني من التوابين و اجعلني من المتطهرين.

«السابع»: الاغتراف باليمنى و لو لليمنى، بأن يصبه في اليسرى ثم يغسل اليمنى.

«الثامن»: قراءة الأدعية المأثورة عند كل من المضمضة و الاستنشاق و غسل الوجه و اليدين، و مسح الرأس و الرجلين.

«التاسع»: غسل كل من الوجه و اليدين مرتين.

«العاشر»: أن يبدأ الرجل بظاهر ذراعيه في الغسلة الاولى، و في الثانية بباطنهما، و المرأة بالعكس.

«الحادي عشر»: أن يصب الماء على أعلى كل عضو و أما الغسل من الأعلى فواجب.

____________

الحكم باستحبابها، فلو أتى بها رجاء كان أحسن و أولى، لترتب الثواب عليه- حينئذ- على كل حال.

إذا ليس هنا أمر قابل للبحث عنه إلا مسألة واحدة و هي استحباب الغسل- في الوجه و اليدين- مرتين، فإنها قد وقعت محل الخلاف و مورد الكلام بين الأصحاب «قدهم» فنقول:

40

«الثاني عشر»: أن يغسل ما يجب غسله من مواضع الوضوء بصب الماء عليه، لا بغمسه فيه.

«الثالث عشر»: أن يكون ذلك مع إمرار اليد على تلك المواضع و ان تحقق الغسل بدونه.

«الرابع عشر»: ان يكون حاضر القلب في جميع أفعاله.

«الخامس عشر»: أن يقرأ القدر حال الوضوء.

«السادس عشر»: أن يقرأ آية الكرسي بعده.

«السابع عشر»: ان يفتح عينه حال غسل الوجه.

____________

استحباب الغسل ثانيا:

المعروف المشهور بينهم هو استحباب الغسل مرتين في كل من الوجه و اليدين، و ذهب بعضهم الى عدم مشروعية التثنية في الغسل، و عن ثالث القول بالمشروعية فحسب و قال ان تركه أفضل من فعله نظير صلاة النافلة و الصوم في الأوقات المكروهة، و الصحيح هو ما ذهب اليه المشهور في المسألة و ذلك لما ورد في عدة روايات- فيها الصحيحة و الموثقة و غيرهما- من أن الوضوء مثنى مثنى، أو مرتين مرتين.

ففي صحيحتي معاوية بن وهب و صفوان عن أبي عبد اللّٰه(ع) ان الوضوء مثنى مثنى (1) و في رواية زرارة أيضا ذكر ذلك و زاد: من زاد لم يوجر عليه (2)، و في موثقة أو صحيحة يونس بن يعقوب «يتوضأ مرتين مرتين (3)».

ثم ان معنى مثنى مثنى هو الإتيان بالشيء مرتين من دون فصل، و هو المعبر عنه في الفارسية ب«جفت جفت» إذا فهذه الروايات واضحة الدلالة

____________

(1) المروية في ب 31 من أبواب الوضوء من الوسائل.

(2) المروية في ب 31 من أبواب الوضوء من الوسائل.

(3) المروية في ب 1 من أبواب أحكام الخلوة من الوسائل.

41

..........

____________

على استحباب الغسل مرتين و معها لا مجال للاستشكال في المسألة، و أما ما ذهب اليه الصدوق (قده) من حمل المرتين على التجديد و دعوى دلالتها على استحباب الإتيان بالوضوء بعد الوضوء فلا يمكن المساعدة عليه بوجه كيف و الوضوء المتجدد انما هو بعد الوضوء الأول بزمان- لا محالة- و معه لا يصدق «مثنى مثنى» كما عرفت. فالأخبار المتقدمة ظاهرة الدلالة على استحباب الغسل مرتين في كل من الوجه و اليدين.

و أما ما ورد في مقابلها مما دل على عدم استحباب الغسل مرتين، أو عدم جوازه فهي أيضا عدة روايات: ففي بعضها: و اللّٰه ما كان وضوء رسول اللّٰه إلا مرة مرة (1) غير انها ضعاف و غير قابلة للاعتماد عليها في شيء، و من الممكن حملها على ما إذا اعتقد المكلف وجوب الغسل ثانيا بقرينة ما في رواية ابن بكير من أن من لم يستيقن ان واحدة من الوضوء تجزيه لم يوجر على الثنتين (2) و ذلك لأنه من التشريع المحرم، و لا يبقى بعد ذلك شيء مما ينافي استحباب الغسل مرتين إلا أمور:

ما توهم منافاته لاستحباب الغسل ثانيا:

«الأول» الوضوءات البيانية، لأنها على كثرتها و كونها واردة في مقام البيان غير متعرضة لاستحباب الغسل مرتين، و انما اشتملت على اعتبار غسل الوجه و اليدين و لزوم المسح على الرأس و الرجلين، فلو كانت التثنية مستحبة في غسل الوجه و اليدين لكانت الأخبار المذكورة مشتملة على بيانها لا محالة.

«الثاني»: موثقة عبد الكريم بن عمرو قال: سألت أبا عبد اللّٰه(ع)

____________

(1) المروية في ب 31 من أبواب الوضوء من الوسائل.

(2) المروية في ب 31 من أبواب الوضوء من الوسائل.

42

..........

____________

عن الوضوء فقال ما كان وضوء علي(ع) إلا مرة مرة (1) و بمضمونها غيرها من الروايات، فلو كان الغسل ثانيا امرا مستحبا و أفضل في الشريعة المقدسة فكيف التزم علي(ع) بالوضوء مرة مرة طيلة حياته؟! «الثالث»: صحيحة زرارة قال: قال أبو جعفر(ع) ان اللّٰه وتر يحب الوتر فقد يجزئك من الوضوء ثلاث غرفات: واحدة للوجه و اثنتان للذراعين .. (2) و هذه الأمور هي التي تبعد الاستدلال، بالأخبار المتقدمة على استحباب الغسلة الثانية في كل من الوجه و اليدين.

و لكن الصحيح ان الوجوه المتقدمة غير منافية للمدعى و ذلك لأن الأخبار البيانية ناظرة إلى بيان ما يعتبر في كيفية الوضوء من غسل اليدين إلى الأصابع و مسح الرأس و الرجلين على النحو الدائر المتعارف لدى الشيعة إيذانا بأن وضوء العامة أجنبي عن وضوء رسول اللّٰه(ص) و انه ليس بوضوئه(ص) بل ان وضوءه ليس إلا ما هو الدائر عند الشيعة، و الى ذلك يشير بقوله(ع) في جملة من الروايات- إلا أحكي لكم وضوء رسول اللّٰه(ص) أو ما هو بمعناه فليلاحظ (3) و ليست ناظرة إلى بيان الكم و العدد و اعتبار الغسل الواحد فيه أو المتعدد فهذا الوجه ساقط.

و أما صحيحة زرارة فهي بقرينة اشتمالها على كلمة يجزئك واردة لبيان اعتبار الغسل الواحد في مقام الأجزاء بمعنى ان اللّٰه وتر و قد أمر بالغسل مرة و هو الغسل الواجب في الوضوء، و يجوز الاكتفاء به في مقام الامتثال و أما الغسل الزائد على ذلك- أعنى الغسل الثاني- فهو أمر مستحب،

____________

(1) المروية في ب 31 من أبواب الوضوء من الوسائل.

(2) المروية في ب 31 من أبواب الوضوء من الوسائل.

(3) المروية في ب 15 من أبواب الوضوء من الوسائل.

43

..........

____________

و قد زاده رسول اللّٰه(ص) على ما في بعض الروايات (1).

و أما ما دل على أن أمير المؤمنين(ع) كان ملتزما بالغسل مرة في وضوئه فليس إلا حكاية فعل صادر عنه و هو مجمل غير مبين الوجه في الرواية فلا ينافي الأخبار المعتبرة الدالة على أن الغسل ثانيا أمر مندوب في الشريعة المقدسة و غاية الأمر انا لا نفهم الوجه في فعله(ع) و انه لما ذا كان ملتزما بالغسل الواحد و لا يمكننا رفع اليد عن الأخبار الظاهرة بالفعل المجمل و هذا ظاهر.

و لعل فعله هذا من جهة ان له (سلام اللّٰه عليه) كالنبي(ص) أحكاما اختصاصية، كعدم حرمة دخوله المسجد في حال جنابته على ما اشتملت عليه الروايات فليكن هذا الحكم أيضا من تلك الأحكام المختصة به.

و يؤكد هذا الاحتمال رواية داود الرقي عن أبي عبد اللّٰه(ع) حيث قال: ما أوجبه اللّٰه فواحدة و أضاف إليها رسول اللّٰه(ص) واحدة لضعف الناس (2) إذ الناس لا يبالون و لا يهتمون بأفعالهم فقد يتسامحون فلا يغسلون موضعا من وجوههم و أيديهم فأمر(ص) بالغسل ثانيا، لاسباغ الوضوء و من هنا يظهر ان استحباب الغسل الثاني في الوضوء انما يختص بالرعايا لأنهم الذين لا يبالون في أفعالهم و واجباتهم و هم الضعفاء في دينهم دون المعصومين(ع) إذ لا ضعف في أيمانهم و لا يتصور فيهم الغفلة أبدا، و على هذا تحمل الأخبار الدالة على أن رسول اللّٰه(ص) كان يتوضأ مرة مرة (3)- على تقدير صحة أسانيدها.

و كيف كان فسواء صح هذا الاحتمال أم لم يصح لا يسوغ لنا رفع اليد عن الروايات الظاهرة لأجل حكاية فعل مجمل الوجه، فإنه نظير ما إذا

____________

(1) راجع ب 31 و 32 من أبواب الوضوء من الوسائل.

(2) المروية في ب 32 من أبواب الوضوء من الوسائل.

(3) راجع ب 31 و 32 من أبواب الوضوء من الوسائل.

44

..........

____________

شاهدنا أن أمير المؤمنين(ع) يتوضأ مرة مرة و سمعنا عن الصادق(ع) مشافهة ان الغسل الثاني مستحب فهل كنا نطرح قول الصادق(ع) بمجرد رؤية ان عليا(ع) توضأ مرة مرة؟! بل كنا نأخذ بقوله و ان لم ندر الوجه في عمل أمير المؤمنين- ع.

إذا لا مانع من أن يؤخذ بالأخبار الظاهرة في الدلالة على المدعى و هو استحباب الغسلة الثانية في كل من الوجه و اليدين.

نعم رواية ابن أبي يعفور قد دلت على مرجوحية الغسلة الثانية في الوضوء، حيث روى عن أبي عبد اللّٰه(ع) في الوضوء انه قال: اعلم ان الفضل في واحدة .. (1) فإن مقتضى كون الفضل في الواحدة ان الغسلة الثانية مرجوحة و مما لا فضل فيه فيكون معارضة للأخبار الدالة على استحباب الغسلة الثانية في الوضوء.

إلا انها ضعيفة السند و غير قابلة للاعتماد عليها، لان محمد بن إدريس رواها عن نوادر أحمد بن محمد بن أبي نصر و طريقه الى كتاب النوادر مجهول عندنا، إذا فلا معارض للأخبار المتقدمة و مقتضاها هو استحباب الغسلة الثانية في كل من الوجه و اليدين.

و لكن شيخنا الأنصاري (قده) قد احتاط بترك الغسلة الثانية في اليد اليسرى، لاحتمال عدم مشروعية الغسلة الثانية و معه يقع المسح ببلة الغسلة غير المشروعة و ليست هي من الوضوء فلا بد من الحكم ببطلانه.

و احتاط سيد اساتيذنا الشيرازي (قده) بترك الغسلة الثانية حتى في اليد اليمنى فيما إذا كان غسل اليد اليسرى على نحو الارتماس الذي لا يحتاج معه إلى إمرار اليد اليمنى عليها حتى تكون البلة الموجودة في اليمنى مستندة الى بلة اليد اليسرى- و المفروض ان بلتها بلة الغسلة الأولى- التي هي من

____________

(1) المروية في ب 31 من أبواب الوضوء من الوسائل.

45

فصل في مكروهاته «الأول»: الاستعانة بالغير في المقدمات القريبة كان يصب الماء في يده. و أما في نفس الغسل فلا يجوز.

«الثاني»: التمندل بل مطلق مسح البلل.

«الثالث»: الوضوء في مكان الاستنجاء.

«الرابع»: الوضوء من الآنية المفضضة أو المذهبة أو المنقوشة بالصور.

«الخامس»: الوضوء بالمياه المكروهة كالشمس، و ماء الغسالة

____________

الوضوء- لفرض انا تركنا الغسلة الثانية في اليسرى للاحتياط.

و أحتاط المحقق الميرزا محمد تقي الشيرازي (قده) بترك الغسلة الثانية في الوجه أيضا فيما إذا احتيج في المسح الى بلته. و هذه الاحتياطات كلها بملاك واحد، و هو ان لا يقع المسح ببلة الغسلة التي ليست هي من الوضوء و لا إشكال في أنها احتياط و الاحتياط حسن على كل حال.

فصل في مكروهاته

الكلام في مكروهات الوضوء هو الكلام في مستحباته و قد عرفت أن أكثرها تبتنى على القول بالتسامح في أدلة السنن فكذلك الحال في مكروهاته بناء على تعميم القاعدة للمكروهات أيضا فليلاحظ.

46

من الحدث الأكبر، و الماء الآجن، و ماء البئر قبل نزح المقدرات، و الماء القليل الذي ماتت فيه الحية أو العقرب، أو الوزغ، و سؤر الحائض، و الفار، و الفرس و البغل، و الحمار، و الحيوان الجلال، و آكل الميتة، بل كل حيوان لا يؤكل لحمه.

فصل في أفعال الوضوء «الأول»: غسل الوجه (1) وحده (2) من قصاص الشعر الى الذقن طولا، و مما اشتمل عليه الإبهام و الوسطى عرضا و الأنزع و الأغم

فصل في أفعال الوضوء

[ «الأول»: غسل الوجه]

____________

(1) لأن الوضوء غسلتان و مسحتان، و أولى الغسلتين غسل الوجه، و لا إشكال في وجوبه على ما يأتي في ضمن أخبار المسألة.

(2) لصحيحة زرارة قال لأبي جعفر(ع): أخبرني عن حد الوجه الذي ينبغي أن يوضأ، الذي قال اللّٰه عز و جل فقال: الوجه الذي قال اللّٰه و أمر اللّٰه عز و جل بغسله، الذي لا ينبغي لأحد ان يزيد عليه و لا ينقص منه، ان زاد عليه لم يؤجر، و ان نقص منه اثم ما دارت عليه الوسطى و الإبهام من قصاص شعر الرأس إلى الذقن و ما جرت عليه إصبعان من الوجه مستديرا فهو من الوجه، و ما سوى ذلك فليس من الوجه فقال له:

47

..........

____________

الصدغ من الوجه؟ فقال: لا (1).

و رواه الكليني (قده) أيضا و زاد لفظة السبابة و قال: ما دارت عليه السبابة و الوسطى و الإبهام.

و لكن ذكر السبابة مستدرك و مما لا ثمرة له، لوضوح ان الوسطى أطول من السبابة، فإذا دارت الوسطى و الإبهام على شيء دارت عليه السبابة أيضا لا محالة، لأنها تقع في وسط الإبهام و الوسطى، و لعل ذكرها من جهة جريان العمل في الخارج على ادارة السبابة مع الوسطى عند غسل الوجه فإنها لا تنفك عن الوسطى وقتئذ، لا من جهة ان إدارة السبابة أيضا معتبرة شرعا.

و الذي يشهد على عدم اهتمام الشارع بإدارة السبابة، و ان ذكرها من جهة جريان العمل في الخارج بذلك قوله(ع) و ما جرت عليه الإصبعان فلو كانت ادارة السبابة أيضا معتبرة للزم أن يقول: و ما جرت عليه الأصابع الثلاثة.

ثم ان هذه الصحيحة و غيرها مما وردت في هذا المقام انما هي بصدد توضيح المفهوم المستفاد من الوجه لدى العرف و ليست فيها أية دلالة على أن للشارع اصطلاحا جديدا في معنى الوجه و انه حقيقة شرعية في ذلك المعنى، و ذلك لان اللّٰه سبحانه قد أمر عباده بغسل وجوههم و كانوا يغسلونها من لدن زمان النبي(ص) الى عصر الصادقين(ع) و لم ينقل إلينا انهم كانوا يسألون عما هو المراد بالوجه لدى الشارع. بل كانوا يغسلونه على ما هو معناه المرتكز لدى العرف و لكن زرارة أراد أن يصل الى حقيقته فسأله(ع) و أجابه بما قدمنا نقله و كيف كان المعروف المشهور وجوب غسل الوجه من القصاص إلى

____________

(1) المروية في ب 17 من أبواب الوضوء من الوسائل.

48

..........

____________

الذقن طولا و بمقدار ما بين الوسطى و الإبهام عرضا هذا هو المعروف في تحديد الوجه الواجب غسله في الوضوء. بل عن بعضهم ان هذا التحديد مجمع عليه بين الأصحاب (قدس اللّٰه أسرارهم).

مناقشة شيخنا البهائي (قده):

و قد أورد عليه شيخنا البهائي (قده) بأن مبدأ الغسل ان كان هو القصاص بعرض ما بين الإصبعين لدخل النزعتان بذلك تحت الوجه الواجب غسله و هما البياضان فوق الجبين و ذلك لان سعة ما بين الإصبعين تشمل النزعتين قطعا، مع انهما خارجتان عن المحدود جزما بل و تدخل الصدغان فيه أيضا مع عدم وجوب غسلهما على ما صرح به في الصحيحة المتقدمة.

و لأجل هذه المناقشة لم يرتض (قده) بهذا التفسير المعروف عند الأصحاب و فسر الرواية بمعنى آخر يناسب الهندسة و لا يلائم الفهم العرفي أبدا و حاصله:

ان المقدار الواجب غسله انما هو ما تشتمل عليه الإصبعان على وجه الدائرة الهندسية، بان توضع أحدهما على القصاص، و الأخرى على الذقن من دون ان يتحرك وسطهما. بل يدار كل من الإصبعين على الوجه أحدهما من طرف الفوق إلى الأسفل و ثانيهما من الأسفل إلى الفوق، و بهذا نتشكل شبه الدائرة الحقيقية و تخرج النزعتان عن المحدود الواجب الغسل، لأن الإصبع الموضوع على القصاص ينزل إلى الأسفل شيئا فشيئا، و النزعتان تقعان فوق ذلك و يكون ما زاد عليه خارجا عن المحدود، كما تخرج الصدغان و انما عبر (قده) بشبه الدائرة، مع ان المتشكل من ادارة الإصبعين مع إثبات الوسط هو الدائرة الحقيقية لا ما يشبهها من جهة أن الوجه غير

49

..........

____________

مسطح، فلو كان مسطحا لكان الأمر كما ذكرناه و تشكلت من ادارة الإصبعين دائرة حقيقية، و لعل الذي أوقعه في هذا التفسير الهندسي هو كلمتا «دارت» و «مستديرا» فحسب من ذلك ان المراد بهما هو الدائرة و هي انما تتشكل بما تقدم من وضع إحدى الإصبعين على القصاص، و الأخرى على الذقن و إدارة إحداهما من الأعلى إلى الأسفل، و إدارة الأخرى من الأسفل إلى الأعلى هذا.

الجواب عن مناقشة البهائي (قده): و الصحيح هو ما ذكره المشهور و لا يرد عليه ما أورده البهائي (قده) و ذلك لان القصاص ان أخذناه بمعنى منتهى منبت الشعر مطلقا و لو كان محاذيا للجبينين- أعني منتهى منابت الشعر في النزعتين- فهو و ان كان يشمل النزعتين لا محالة إلا أن الظاهر المتفاهم منه عرفا هو خصوص منتهى منبت الشعر من مقدم الرأس المتصل بالجبين، و من الواضح ان وضع الإصبعين من القصاص- بهذا المعنى- غير موجب لدخول النزعتين في الوجه، لأنهما تبقيان فوق المحدود الذي يجب غسله من الوجه.

و أما الصدغان فان فسرناهما بآخر الجبين- المعبر عنه في كلماتهم بما بين العين و الإذن- فهما مندرجان في الوجه فيجب غسله على كلا التفسيرين، كما انهما إذا كانا بمعنى الشعر المتدلي من الرأس أيضا دخل مقدار منهما في المحدود، و خرج مقدار آخر، فما أورده (قده) على تفسير المشهور غير وارد.

و أما قوله: ما دارت فهو ليس بمعنى الدائرة الهندسية- كما تخيل- بل بمعنى التحريك و الإطافة، كما ان قوله(ع) و ما جرت عليه الإصبعان

50

..........

____________

من الوجه مستديرا. بمعنى تحريك الإصبعين على وجه الدائرة، و هذا بلحاظ ان الجهة العالية من الوجه أوسع من الجهة السافلة منه، لأنها أضيق كما هو ظاهر، فإذا وضع المتوضي إصبعيه على القصاص كان الفصل بينهما أكثر و أوسع و كلما حركهما نحو الذقن تضيقت الدائرة بذلك الى ان يتصلا الى الذقن، كما انه إذا وضعناهما على الذقن كان الفصل بينهما أقل و أضيق و كلما حركناهما نحو القصاص اتسعت الدائرة بذلك لا محالة، و بهذا الاعتبار عبر عنه بالدائرة لشباهته إياها.

و أما ما فسّر به الرواية من وجوب غسل الدائرة المتشكلة من وضع إحدى الإصبعين على القصاص و الأخرى على الذقن فتتوجه عليه المناقشة من جهات:

المناقشة مع البهائي (قده) من جهات:

«الأولى»: انا لو سلمنا تمامية ما أفاده (قده) فلا ينبغي التردد في انه على خلاف الظاهر و المتفاهم العرفي من الرواية، و من هنا لم يخطر هذا المعنى ببال أحد من لدن عصر النبي(ص) الى زمان الصادقين(ع) و الفقهاء «قدهم» أيضا لم يفسروها بذلك الى زمان شيخنا البهائي (قده).

«الثانية»: ان القسمة المتوسطة من الجبين إنما هي على شكل الخط المستقيم و معه لا يمكن ان يراد من الرواية ما ذكره (قده) لان لازم وضع الإصبع على القصاص و إدارته على الوجه بشكل الدائرة أن يمر الإصبع على الجبين على نحو يكون المقدار الواقع منه بين الخطين الحادثين- من إمرار الإصبعين عليه- بشكل القوس للدائرة. لا بشكل الخط المستقيم، لان جزء الدائرة لا مناص من ان يكون قوسا لها، و لا يعقل ان يكون خطا

51

..........

____________

مستقيما أبدا، و مع فرض امرارهما على الجبين على هذا النحو بحيث يكون المقدار الواقع من الجبين بينهما، بشكل القوس- كما إذا أمرهما مما يلي طرف عينيه بشكل الدائرة- يبقى مقدار من طرفي الجبين في خارج الدائرة و لا بد من الحكم بعدم وجوب غسله مع وضوح ان الجبين واجب الغسل بتمامه حتى عند شيخنا البهائي (قده) فما ذهب اليه مما لا يمكن الالتزام به.

«الثالثة»: ان مقتضى صريح الرواية ان المبدء للوضع في كل من الإصبعين شيء واحد، كما ان المنتهى كذلك فمبدؤهما القصاص و منتهاهما الذقن فيوضعان على القصاص و يحركان و ينتهى كل منهما الى الآخر في الذقن و هذا انما يتم على ما ذكره المشهور. و أما على ما أفاده (قده) فلا محالة يكون مبدأ الوضع و منتهاه في كل من الإصبعين غير المبدء و المنتهى في الإصبع الآخر، فالمبدأ لوضع أحدهما هو القصاص، و المنتهى هو الذقن، كما ان المبدء لوضع الإصبع الآخر هو الذقن و المنتهى هو القصاص بان يوضع أحد الإصبعين على القصاص فيحرك الى طرف الذقن و ينتهي اليه، كما يوضع الآخر على الذقن و يحرك الى طرف القصاص و ينتهي اليه، و هذا لعله خلاف صريح الرواية كما مرّ.

«الرابعة»: ان المشاهدة الخارجية قاضية بعدم تساوي البعد و الفصل الحاصلين بين الإصبعين، مع البعد الموجود بين الذقن و القصاص- غالبا- فان كل شخص إذا وضع إحدى إصبعيه على القصاص و الأخرى على ذقنه ليرى- بالعيان- ان ما بين الإصبعين أطول عن وجهه.

و عليه فإذا وضع إحداهما على القصاص تجاوز الأخرى عن الذقن و وصل الى تحت الذقن بمقدار، كما انه إذا وضع إحداهما على الذقن تجاوز الأخرى عن القصاص و وصل الى مقدار من الرأس فعلى ما فسره (قده) لا بد من التزام وجوب الغسل في شيء من تحت الذقن أو فوق الجبين و هذا

52

و من خرج وجهه أو يده عن المتعارف يرجع (1) كل منهم الى المتعارف فيلاحظ أن اليد المتعارفة في الوجه المتعارف اين قصاصه؟ فيغسل ذلك المقدار

____________

مما لا يلتزم به هو و لا غيره من الفقهاء «قدهم» فالصحيح إذا هو ما ذهب اليه المشهور من وجوب غسل الوجه من القصاص الى الذقن بالمقدار الذي تدور عليه الوسطى و لإبهام.

وظيفة الأنزع و الأغم و نحوهما:

(1) و الوجه في رجوعهما الى المتعارف ان الوجه محدود بحد و لا يتسع بعدم انبات الشعر على القصاص كما لا يتضيق بإنباته على الجبهة فلا يقال في الأنزع ان وجهه طويل بل يقال لا شعر على ناصيته، كما لا يقال في الأغم ان وجهه قصير بل يقال نبت الشعر على جبهته، إذا فمثل الأنزع و الأغم لا بد من ان يرجع في المقدار المغسول من الوجه إلى الأشخاص المتعارفين في وجوههم و قصاصهم، و هذا مما لا كلام فيه.

و انما الكلام في ان الأشخاص المتعارفين أيضا مختلفون في أنفسهم، فقد يكون وجه بعضهم أطول من غيره بمقدار لا يخرجه عن الوجه المتعارف لدى العرف فيقع الكلام في أن المدار هل هو على الأطول أو الأقصر بحسب الوجه؟

الظاهر ان الواجب حينئذ انما هو غسل كل مكلف وجه نفسه سواء أ كان أطول أم أقصر من غيره بمقدار لا يضر بكونه متعارفا لدى العرف و ذلك لان العموم- فيما دل على وجوب غسل الوجه في الوضوء- انحلالي فيجب على كل واحد من المكلفين ان يغسل وجه نفسه من دون نظر الى