التنقيح في شرح العروة الوثقى - ج6

- الشيخ علي الغروي المزيد...
547 /
5

كتاب الصلاة

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

كتاب الصلاة (مقدمة في فضل الصلاة اليومية و أنها أفضل الأعمال الدينية) اعلم أن الصلاة أحب الأعمال إلى اللّٰه تعالى، و هي آخر وصايا الأنبياء (عليهم السلام) و هي عمود الدين إذا قبلت قبل ما سواها، و إن ردّت ردّ ما سواها، و هي أوّل ما ينظر فيه من عمل ابن آدم فان صحت نظر في عمله، و ان لم تصح لم ينظر في بقية عمله، و مثلها كمثل النهر الجاري، فكما أن من اغتسل فيه في كل يوم خمس مرات لم يبق في بدنه شيء من الدرن، كذلك كلما صلى صلاة كفّر ما بينهما من الذنوب، و ليس ما بين المسلم و بين أن يكفر الا أن يترك الصلاة، و إذا كان يوم القيامة يدعى بالعبد فأول شيء يسأل عنه الصلاة فإذا جاء بها تامة و إلا زخ في النار، و في الصحيح قال مولانا الصادق (عليه السلام): «ما أعلم شيئا بعد المعرفة أفضل من هذه الصلاة ألا ترى إلى العبد الصالح عيسى بن مريم (عليه السلام) قال:

«وَ أَوْصٰانِي بِالصَّلٰاةِ وَ الزَّكٰاةِ مٰا دُمْتُ حَيًّا» و روى الشيخ في حديث عنه(ع) قال: «و صلاة فريضة تعدل عند اللّٰه ألف حجة و ألف عمرة مبرورات متقبلات» و قد استفاضت الروايات في الحدث على المحافظة عليها في أوائل الأوقات، و أن من استخف

6

بها كان في حكم التارك لها، قال رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله):

«ليس منى من استخف بصلاته» و قال: «لا ينال شفاعتي من استخف بصلاته» و قال: «لا تضيّعوا صلاتكم فان من ضيّع صلاته حشر مع قارون و هامان و كان حقا على اللّٰه أن يدخله النار مع المنافقين» و ورد: «بينا رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) جالس في المسجد إذ دخل رجل فقام فصلى فلم يتم ركوعه و لا سجوده فقال(ع): نقر كنقر الغراب لئن مات هذا و هكذا صلاته ليموتن على غير ديني» و عن أبي بصير قال: دخلت على أم حميدة أعزيها بأبي عبد اللّٰه(ع) فبكت و بكيت لبكائها، ثم قالت: يا أبا محمد لو رأيت أبا عبد اللّٰه عند الموت لرأيت عجبا فتح عينيه ثم قال: اجمعوا كل من بيني و بينه قرابة، قالت فما تركنا أحدا إلا جمعناه فنظر إليهم ثم قال: «ان شفاعتنا لا تنال مستخفا بالصلاة» و بالجملة ما ورد من النصوص في فضلها أكثر من أن يحصى. و للّٰه در صاحب الدرة حيث قال:

تنهى عن المنكر و الفحشاء * * * أقصر فهذا منتهى الثناء

7

فصل في أعداد الفرائض و نوافلها الصلوات الواجبة ستة (1) اليومية (2) بسم اللّٰه الرحمن الرحيم

فصل في أعداد الفرائض و نوافلها

____________

(1) ذكروا للصلوات الفرائض أقساما عديدة و اختلفت كلماتهم في تعدادها، فعدها بعضهم سبعة و بعض آخر تسعة إلى غير ذلك مما ذكروه في المقام إلا أنه من الاختلاف في التعبير فان بعضهم أدرج بعضها في بعض و لم يدرجه الآخر كذلك، فإن صلاة الجمعة- مثلا- أدرجها بعضهم في الصلوات اليومية و جعلها بعضهم فريضة مستقلة، و إلا فاعدادها في الشريعة المقدسة معلوم لا اختلاف فيما هو الواجب منها إلا في بعض الجهات و الخصوصيات كما سيظهر.

ثم إن المراد بالفرائض في المقام هو ما أوجبه اللّٰه سبحانه- في قبال النافلة- بلا فرق في ذلك بين أن يوجبه اللّٰه سبحانه في كتابه أو بينه بلسان نبيه(ص) و أوصيائه الطاهرين، لا ما أنزله في كتابه فقط و إلا فصلاة الأموات و غيرها من أقسام الصلوات غير مذكورة في الكتاب العزيز و هو ظاهر.

(2) و هي التي نتكلم عنها في المقام و سيوافيك الكلام فيها مفصلا إن شاء اللّٰه.

8

و منها الجمعة (1) و الآيات (2) و الطواف الواجب (3) و الملتزم بنذر، أو عهد، أو يمين، أو إجارة (4)،

____________

(1) و قد أدرجها في الصلوات اليومية و ستقف على مباحثها قبل الشروع في الكلام على الفرائض اليومية خلافا لسائر المؤلفين من الفقهاء (قدس اللّٰه أسرارهم) لأنهم إنما يتكلمون عنها بعد البحث عن الفرائض اليومية فلاحظ.

(2) و الآيات بين ما نصّ عليها- في النصوص- بأسمائها و عناوينها كالزلزلة و الخسوف و الكسوف و ما ذكر في الروايات بعنوان الآية و لم ينص بعنوانه بالخصوص، نعم ذكر بعضها من باب المثال كالريح السوداء و نحوها من الآيات السماوية و كيف كان فلا إشكال في وجوبها و يأتي عليها الكلام في محلّها إن شاء اللّٰه.

(3) إذ لا يعتبر الصلاة في الطواف المندوب لزوما و انما تجب في الواجب منه، و من هنا ورد في بعض الاخبار المنع عن الطواف بالبيت على غير وضوء معللا بان فيه صلاة (1).

(4) أو بشرط في ضمن عقد، و الوجه في وجوب ما التزمه الإنسان على نفسه بشيء من تلك الأمور هو الأدلة الدالة على وجوب الوفاء بالنذر أو العهد أو اليمين، و وجوب الوفاء بالعقد أو الشرط لقوله عز من قائل:

أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (2) و قوله(ع) المؤمنون عند شروطهم (3) على

____________

(1) كما في صحيحة جميل المروية في ب 38 من أبواب الطواف من الوسائل.

(2) المائدة: 5: 1،

(3) المروية في ب 20 من أبواب المهور من الوسائل بعنوان: المؤمنون و في ب 40 من المهور و ب 6 من أبواب الخيار بعنوان: المسلمون أو فإن المسلمين .. فلاحظ

9

و صلاة الوالدين (1) على الولد الأكبر، و صلاة الأموات (2)

____________

التفصيل المذكور في محله و من هنا لا يقع الكلام في هذه الصلوات الواجبة بهذه الأسباب بعناوينها، لأنها إنما تجب بعنوان الوفاء بالعقد أو النذر- و عدليه- أو الشرط، و قد عرفت الأدلة على وجوب الوفاء بها إجمالا آنفا و لبيان تفاصيلها محل آخر.

(1) ذكر الماتن هنا و في بحث صلاة القضاء ان من جملة الصلوات الواجبة قضاء الصلوات الفائتة عن الوالدين لوجوب قضائها على الولد الأكبر، و يأتي منا أن ما ورد في النص إنما هو القضاء عن الوالد فقط و أما الوالدة فلم يدلنا دليل على وجوب القضاء عنها على ما يأتي في محله إن شاء اللّٰه.

(2) قد أسبقنا الكلام عليها في كتاب الطهارة فليراجع.

و من جملة الصلوات الواجبة صلاة العيدين على ما نطقت به الآية المباركة فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ (1) بناء على أن المراد بها صلاة العيدين كما ذكره بعضهم (2) بقرينة الأمر بالنحر بعد الصلاة و قوله قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّٰى وَ ذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلّٰى (3) المفسر بصلاة العيدين أيضا، و يأتي في محله أن صلاة العيدين إنما تجب في زمان الحضور و انها من مناصب الامام و وظائفه فلا تجب في عصر الغيبة و نتكلم عليها عند تعرض الماتن لها إن شاء اللّٰه.

____________

(1) الكوثر: 108: 2.

(2) في الصافي عن تفسير العامة- كما حكاه المحقق الهمداني (قده)- أن المراد بالصلاة صلاة العيدين و بالنحر نحر الهدي و الأضحية.

(3) الأعلى: 87: 14 و 15.

10

أما اليومية فخمس فرائض (1)

____________

(1) و قد نص عليها في الآيات الكريمة و قال عز من قائل أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ (1) و قد فسرت في جملة من الروايات (2) و منها صحيحة زرارة (3) بأربع صلوات ثنتين منها بين دلوك الشمس و غروبها و صلاتين بين غروبها و منتصف الليل.

ثم قال سبحانه وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كٰانَ مَشْهُوداً (4) و فسرتها صحيحة زرارة و غيرها بصلاة الفجر.

و قال أيضا وَ أَقِمِ الصَّلٰاةَ طَرَفَيِ النَّهٰارِ وَ زُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ (5) و قد فسرت في صحيحة زرارة بأن طرفي النهار: المغرب و الغداة، و زلفا من الليل صلاة العشاء الآخرة.

و قال أيضا حٰافِظُوا عَلَى الصَّلَوٰاتِ وَ الصَّلٰاةِ الْوُسْطىٰ (6) و وردت في صحيحة زرارة ان صلاة الوسطى هي صلاة الظهر و قال و في بعض القراءة أنها صلاة العصر، الى غير ذلك من الآيات الشريفة الواردة في المقام.

و قد اشتملت جملة من الآيات المباركة كالروايات المأثورة عن أهل البيت (عليهم السلام) على الاهتمام العظيم بالصلوات المفروضة الخمس و شدة العناية بها و كفى في ذلك مثل قوله(ص) ما بين المسلم و بين ان يكفر

____________

(1) الاسراء: 17: 78.

(2) راجع ب 10 من أبواب أعداد الفرائض و نوافلها من الوسائل.

(3) المروية في ب 2 من أبواب أعداد الفرائض و نوافلها من الوسائل.

(4) الاسراء: 17: 78.

(5) هود: 11: 114.

(6) البقرة: 2: 238.

11

..........

____________

أن يترك الصلاة (إلا ترك الصلاة) (1) و قوله(ع) في الجواب عن أن أفضل ما يتقرب به العباد الى ربهم و أحبّ ذلك الى اللّٰه عز و جل ما هو؟: ما أعلم شيئا بعد المعرفة أفضل من هذه الصلاة .. (2)

و قوله(ع) صلاة الفريضة أفضل من عشرين حجة (3) و ما ورد من أن الصلاة عمود الدين (4) و قوله(ص) مثل الصلاة مثل عمود الفسطاط إذا ثبت العمود نفعت الأطناب و الأوتاد و الغشاء، و إذا تكسر العمود لم ينفع طنب، و لا وتد، و لا غشاء (5) و الأخبار الواردة في أن الإسلام بني على خمس و عد منها الصلاة (6) و ما دل على أن الصلاة لا تترك بحال (7) الى غير ذلك من الروايات المعتبرة المتجاوزة حد التواتر و الإحصاء.

ثم انه يدخل في الفرائض صلاة القضاء عن المصلي نفسه إذا فاتته في وقتها لعذر أو لغيره، لأنها عين الفريضة اليومية و إنما وقعت خارج الوقت فلا فرق بينهما إلا بحسب المحل و الزمان.

____________

(1) المروية في ب 11 من أبواب أعداد الفرائض و نوافلها من الوسائل.

(2) المرويتان في ب 10 من أبواب أعداد الفرائض و نوافلها من الوسائل.

(3) المرويتان في ب 10 من أبواب أعداد الفرائض و نوافلها من الوسائل.

(4) المروية في ب 6 و 8 من أبواب أعداد الفرائض و نوافلها من الوسائل.

(5) المروية في ب 8 من أبواب أعداد الفرائض و نوافلها من الوسائل.

(6) المروية في ب 1 من أبواب مقدمة العبادات من الوسائل.

(7) هذا مضمون متصيد من صحيحة زرارة الواردة في المستحاضة بقوله (عليه السلام) فيها: و لا تدع الصلاة على حال فإن النبي(ص) قال: الصلاة عماد دينكم.

لوضوح ان المستحاضة لا خصوصية لها في هذا الحكم و قد رواها في ب 1 من أبواب الاستحاضة من الوسائل.

12

..........

____________

كما يدخل فيها صلاة الاحتياط الواجبة في بعض الشكوك كما في الشك بين الثلاث و الأربع أو الاثنتين و الأربع بعد إكمال السجدتين، أو الشك بين الثنتين و الثلاث- مثلا- بعد الإكمال أو غير ذلك من الشكوك- بناء على أنها جزء من الصلاة- كما هو الظاهر عندنا، و إن كانت متأخرة عنها زمانا و بحسب المحل و يؤتى بها بعد الفراغ كالسجدة المنسية، لا أنها صلاة مستقلة يتدارك بها النقص الواقع في الفريضة لأنها على ذلك عين الفريضة حقيقة، و يقع الكلام في هاتين الصلاتين في محلهما ان شاء اللّٰه فالكلام في المقام إنما يقع في الصلوات اليومية الأدائية، و لم يقع في أعدادها و كيفياتها و وجوبها على كل مكلف خلاف بين المسلمين إلا في صلاة الظهر- خاصة- حيث وقع الكلام في أنها واجبة مطلقا حتى يوم الجمعة أو أن الواجب فيها صلاة الجمعة- متعينة أو على نحو التخيير بينها و بين فريضة الظهر. فصلاة الظهر إنما تجب في غير يوم الجمعة؟

القول في صلاة الجمعة

و هذه هي المسألة التي وقعت معركة الآراء منذ عهد بعيد، و حيث ان الماتن (قده) قد أهمل فيها الكلام و لم يتعرض لصلاة الجمعة أصلا فنرى من المناسب جدا أن نتعرض لها أولا ثم نعقبها بالكلام على الصلوات اليومية إن شاء اللّٰه فنقول و من اللّٰه نستعين.

13

..........

الأقوال في المسألة

____________

الأقوال في المسألة ثلاثة:

«أحدها»: أن المتعين يوم الجمعة صلاة الظهر و صلاة الجمعة غير مشروعة في عصر الغيبة فلا تجزي عن الظهر.

«ثانيها»: أن الواجب يوم الجمعة صلاة الجمعة تعيينا.

«ثالثها»: أن المكلف يتخير يوم الجمعة بين الظهر و الجمعة.

و هذا الاختلاف منهم (قدس اللّٰه أسرارهم) إنما هو بعد تسالمهم على وجوب صلاة الجمعة و مشروعيتها في الجملة أعني عصر الحضور فيما إذا أقامها الإمام(ع) أو من نصبه لذلك خاصة. بل ان وجوبها بهذا المعنى أعني وجوبها إجمالا من ضروريات الدين و لم يخالف فيها أحد من المسلمين، إلا انهم بعد اتفاقهم على وجوبها التعييني مع الامام(ع) أو من نصبه لذلك اختلفوا في انها عند عدم حضور الامام(ع) أو المنصوب الخاص من قبله هل تبقى على وجوبها التعييني كما في عصر الحضور، أو يشترط في وجوبها و مشروعيتها حضوره(ع) أو منصوبه الخاص لذلك.

فلا تكون مشروعة في عصر الغيبة بل المتعين حينئذ صلاة الظهر يوم الجمعة أو ان المنتفي في عصر الغيبة هو الوجوب التعييني فقط دون مشروعيتها؟

و نتيجة ذلك هو القول بالوجوب التخييري عند عدم حضوره(ع) أو المنصوب الخاص من قبله.

المشهور عند فقهائنا (قدهم) عدم وجوب الجمعة تعيينا بل ذكروا انه مما لا خلاف فيه عند القدماء. بل الظاهر من كلماتهم عدم مشروعية

14

..........

____________

الجمعة في عصر الغيبة، لاشتراطهم في مشروعيتها حضوره(ع) أو من نصبه لذلك مدعين عليه الإجماع في كلماتهم كثيرا، و القول بذلك هو المحكي عن الشيخ في الخلاف، و ابن زهرة في الغنية، و المحقق في المعتبر، و العلامة في التحرير و المنتهى و التذكرة، و الشهيد في الذكرى، و المحقق الثاني في جامع المقاصد، و غيرهم في غيرها.

و عن الشهيد الثاني ذهابه الى القول الثاني في رسالته التي وضعها في هذه المسألة، و قد اختاره صاحب المدارك (قده) و تبعهما على ذلك جماعة من المتأخرين.

نعم حكي عن الشهيد أيضا القول بالتخيير في المسألة على خلاف ما ذكره في رسالته. و استظهر صاحب الجواهر (طاب رمسه) أن الشهيد (قده) كتب تلك الرسالة حال صغره و أبان شبابه، و علله بقوله: لما فيها من الجرأة التي ليست من عادته على أساطين المذهب، و كفلاء أيتام آل محمد ((عليهم السلام)) و حفاظ الشريعة، و لما فيها من الاضطراب و الحشو الكبير، و لمخالفتها لما في باقي كتبه من الوجوب التخييري و نسأل اللّٰه أن يتجاوز له عما وقع فيها و عما ترتب عليها من ضلال جماعة من الناس .. انتهى. هذا و الصحيح من تلك الأقوال هو القول الثالث اعني الوجوب التخييري الذي ذهب اليه الشهيد الثاني (قده) في باقي كتبه- غير الرسالة- على ما نسبه اليه صاحب الجواهر (قده) في كلامه المتقدم نقله.

و مرجعه الى أن حضوره(ع) أو من نصبه لإقامة الجمعة ليس بشرط في مشروعيتها، و انما يشترط في وجوبها إذا قلنا

في المقام دعويان:

15

..........

الدعوى الاولى:

____________

ان صلاة الجمعة ليست واجبة تعيينية عند عدم حضور الامام (عليه السلام) أو من نصبه لذلك.

الدعوى الثانية:

أن حضوره (عليه السلام) أو المنصوب الخاص من قبله شرط لوجوبها لا لمشروعيتها فهي مشروعة في عصر الغيبة و مجزئة عن الظهر و نتيجة هذا هو الوجوب التخييري لا محالة.

(أما الدعوى الاولى): فلا بد لنا في إثباتها و تدعيمها من التعرض للأدلّة المستدل بها على وجوب صلاة الجمعة تعيينا فإذا أثبتنا بطلانها ظهر بطلان القول بالوجوب التعييني لا محالة لأنه أمر يحتاج إلى دليل، و المفروض عدم استقامته فنقول:

استدل القائل بالوجوب التعييني في المسألة بوجوه من الكتاب و السنة.

الاستدلال بالكتاب

أمّا الكتاب فبقوله عز من قائل. يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا نُودِيَ لِلصَّلٰاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلىٰ ذِكْرِ اللّٰهِ وَ ذَرُوا الْبَيْعَ ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (1).

____________

(1) الجمعة 62: 9.

16

..........

____________

فإنها دلت على وجوب السعي إلى ذكر اللّٰه سبحانه عند ما ينادى للصلاة يوم الجمعة يقول المؤذّن: حي على الصلاة، أو بغيره و ليس ذكر اللّٰه يوم الجمعة بحيث يجب السعي إليه يوم الجمعة إلا صلاة الجمعة، فإن المنصرف من الآية المباركة بعد تخصيص الحكم بيوم الجمعة- دون سائر الأيّام- ارادة صلاة الجمعة من ذكر اللّٰه، لا مطلق الصلاة و قد قررنا، في محله- ظهور الأمر في الوجوب التعييني ما لم يثبت غيره بدليل.

نعم لا خصوصية للأوامر القرآنية في الظهور في الوجوب- كما ذكره صاحب الحدائق (قده)- حيث قال: و لا سيّما الأوامر الكتابية، إذ لا نعرف لها خصوصية في ذلك.

فكيف كان فيثبت بالآية المباركة وجوب صلاة الجمعة تعيينا على كل مكلف في كل زمان لانه خطاب عام يشمل الافراد و الأزمنة حتى يقوم دليل على خلافها.

و الجواب عن ذلك أن الآية المباركة لا دلالة لها على الوجوب التعييني بوجه و ذلك (أمّا أولا): فلأنها قضية شرطية و قد علق فيها وجوب السعي إلى الصلاة على النداء إليها فقال عز من قائل إذا نودي للصلاة ..

و معنى ذلك أنه متى ما تحققت إقامة الجمعة في الخارج في نفسها و نودي إليها وجب السعي نحوها، و أمّا أن النداء إليها و إقامتها واجبان مطلقا على كل مكلف- كما هو المدعى- فلا يستفاد منها أبدا.

بل مقتضى المفهوم المستفاد من الجملة الشرطية عدم وجوب صلاة الجمعة إذا لم يناد إليها و لم يتحقق إقامتها و يدل على ذلك قوله تعالى:

وَ إِذٰا رَأَوْا تِجٰارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْهٰا وَ تَرَكُوكَ قٰائِماً قُلْ مٰا عِنْدَ اللّٰهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَ مِنَ التِّجٰارَةِ وَ اللّٰهُ خَيْرُ الرّٰازِقِينَ (1).

____________

(1) الجمعة: 62: 11.

17

..........

____________

فإن المستفاد من تلك الآية أن السعي نحو الصلاة انما يطلب حال كونه(ص) قائما للصلاة أو للخطبة أي حالما أقيمت الصلاة في نفسها و انعقدت خارجا و أن السعي حالئذ مرغوب فيه للشارع، و تركهم لها و هو(ص) قائم لها و اشتغالهم باللّهو و التجارة مذموم لدى اللّٰه سبحانه، فلا ذم على تركهم لها إذا لم يكن(ص) قائما بها و معه كيف يمكن أن يستفاد منها أن إقامتها واجبة في نفسها.

و (أما ثانيا): فلأن السعي بمعنى السير السريع و الإسراع في المشي كالعدو و الركض فالآية تدلنا على وجوب السرعة عند الأذان و النداء للصلاة يوم الجمعة، و مقتضى المناسبة بين الحكم و موضوعه أن المراد بالذكر فيها هو الخطبة التي كان يلقيها رسول اللّٰه(ص) قبل الصلاة- موعظة و إرشادا للناس و تخويفا لهم من عذاب اللّٰه سبحانه، لا أن المراد به هو الصلاة نفسها.

و الوجه في هذه المناسبة أن صلاة الجمعة غير مترتبة على النداء، لوضوح أن بينه و بينها فاصلا و هو الخطبة و أن وقت صلاة الجمعة يمتد إلى زمان الركوع، فلا يجب الإسراع إليها إلا إذا بلغ الامام الركوع، و خاف المكلف أن لا يدركه و هو راكع، بحيث لو أدركه و هو كذلك اي راكع لأجزأه من غير كلام.

فارادة الصلاة من الذكر لا يلائم تفريع السعي على النداء في الآية المباركة، لما عرفت من أن الإسراع إليها غير واجب عند النداء و يجوز التأخير عن الحضور إلى أن يركع الامام، و لأجل ذلك لا يمكننا إرادة الصلاة من الذكر المأمور بالسعي اليه.

و به يستكشف أن المراد به الخطبة، و الأمر بالإسراع في المشي عند

18

..........

____________

النداء انما هو لأجل سماع الخطبة، لما فيها من الموعظة و الإرشاد، بقرينة ما قدمناه من ان الحضور للخطبة غير واجب من غير خلاف و بهذه القرينة يحمل الأمر بالإسراع في الآية المباركة على الاستحباب فلا دلالة له على الوجوب.

و يدلنا على ذلك قوله عز من قائل. ذلكم خير لكم .. فان الخير للتفصيل- لا انه في مقابل الشّر- فلا يستعمل إلا فيما إذا كان كلا الطرفين حسنا في نفسه غير أن أحدهما أحسن من الآخر، فمعنى الآية أن التجارة و ان كانت ذات منفعة مالية و قد يترتب عليها فعل محبوب أخروي إلا أن السعي إلى ذكر اللّٰه و ما عند اللّٰه من الجزاء الدائم، و الثواب الباقي خير من تلك المنفعة المالية و من اللّهو و الالتذاذ النفسي الذي يطرؤه الفناء و يتعقبه الزوال بعد قليل.

و يشهد على ان لفظة الخير مستعملة للتفضيل- لا في مقابل الشر تتبع موارد استعمالاتها في القرآن الكريم لأنك إذا لاحظتها رأيت بوضوح انها كثيرا ما يستعمل بمعنى الأفضل و الأحسن عند اشتمال كلا الطرفين على الحسن في نفسه، و لا سيما إذا كانت مستعملة مع الإضافة كخير الرازقين أو خير الراحمين، أو مع كلمة «من» كما في قوله عز من قائل وَ لَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولىٰ (1) لبداهة أن كلا من الحياتين ذات خير و منفعة غير أن الآخرة أحسن لبقائها و دوامها.

فإذا كان الخير بهذا المعنى في الآية المباركة لم تكن فيها أية دلالة على وجوب صلاة الجمعة تعيينا فان هذا التعبير لسان الاستحباب لانه المناسب له دون الوجوب لانه لو كان امرا حتميا و واجبا على المكلفين لكان من المناسب

____________

(1) الضحى: 93: 4.

19

..........

____________

بل اللازم أن يحذّرهم عن تركها و يرتب عليه الذم و العذاب أو غير ذلك مما يدلّهم على وجوبها، لا أن يكتفي بقوله: ذلكم خير لكم.

نعم قد يستعمل الخير في موارد الوجوب كما في قوله تعالى وَ أَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ (1) و لكن ذلك انما ثبت من الخارج بالدليل، و إلّا فكلمة خير في نفسها- في اللغة العربية و ما يراد فيها من سائر اللغات- ظاهرة في الاستحباب كما ذكرناه.

و على الجملة ان الآية لا دلالة لها على الوجوب و انما يدلنا الأمر فيها بالسير السريع على الحث و الترغيب لسماع الخطبة لاشتمالها على المواعظ و الإرشاد هذا على أنا لو تنازلنا عن ذلك و سلمنا أن المراد بالذكر في الآية المباركة هو الصلاة كان الأمر بالسعي أيضا محمولا على الاستحباب، لما أشرنا اليه، و يأتي من امتداد وقت الحضور و الاشتراك في صلاة الجمعة إلى زمان الركوع بحيث لو أدركها و الامام راكع كفى في صحتها، فلا يجب السعي إلى صلاة الجمعة بمجرد النداء، و لا قائل بوجوب السعي في نفسه، و انما القائل يدعي وجوب الحضور للصلاة، و قد عرفت انه موسع الى زمان الركوع و الإسراع غير واجب فيه، فلا مناص من حمل الأمر بالسعي إليها على الاستحباب.

و يرشدنا اليه ذيل السورة المباركة أيضا: قل ما عند اللّٰه خير من اللّهو و من التجارة و اللّٰه خير الرازقين. بالتقريب المتقدم آنفا و لا نعيده.

و بقوله عز من قائل حٰافِظُوا عَلَى الصَّلَوٰاتِ، وَ الصَّلٰاةِ الْوُسْطىٰ (2) بدعوى أن المراد بالصلاة الوسطى صلاة الجمعة- يوم الجمعة- و صلاة

____________

(1) البقرة: 2: 184.

(2) البقرة: 2: 238.

20

..........

____________

الظهر- في غيرها- و قد أمرنا اللّٰه سبحانه بالمحافظة عليها زائدا على وجوب المحافظة على مطلق الصلوات.

و هذا الاستدلال عجيب و من هنا لم يتصد المحقق الهمداني (قده) للجواب عنه و لم يعتني به و انما اكتفى بقوله و في الاستدلال بهما ما لا يخفى و الحق معه، لأن الصلاة الوسطى قد فسرت في رواياتنا بصلاة الظهر و في بعض القراءات بصلاة العصر (1) و حملت على التقية كما في الوسائل (2) إذا يدور أمرها بين ان يراد منها الظهر أو العصر، و لم يرد تفسيرها بصلاة الجمعة في شيء من الروايات.

نعم روى الطبرسي في مجمع البيان عن علي(ع) ان صلاة الوسطى صلاة الجمعة- يوم الجمعة- و صلاة الظهر- في سائر الإمام- (3) الا انها غير قابلة للاعتماد عليها لإرسالها فلا دليل على تفسيرها بصلاة الجمعة بوجه.

على أنه لا يسعنا الاستدلال بها على لزوم صلاة الجمعة و وجوب إقامتها و ان فسرناها بصلاة الجمعة، لأن الأمر بالمحافظة على شيء انما يصح بعد وجوبه في نفسه إذا يكون الأمر بالمحافظة إرشادا إلى لزوم الإتيان بصلاة الجمعة و اهميتها حيث ذكرت بالخصوص بعد ذكر سائر الصلوات و الأوامر الإرشادية لا دلالة لها على الوجوب- فضلا عن سعته و ضيقه- كما هو الحال في أوامر الطاعة، فإن الوجوب أو الاستحباب في الأوامر

____________

(1) كما في صحيحة زرارة المروية في ب 2 من أبواب أعداد الفرائض و نوافلها من الوسائل.

(2) أشار إليه في ذيل ب 5 من أبواب أعداد الفرائض و نوافلها من الوسائل.

(3) المروية في ب 5 من أبواب أعداد الفرائض و نوافلها من الوسائل.

21

..........

____________

الإرشادية انما يستفادان من الخارج و يتبعان أدلتهما.

فكما أن الآية المباركة غير ناظرة الى الاجزاء و الشرائط و سائر الكيفيات المعتبرة في صلاة الجمعة من العدد و الحرية و الذكورية و غيرها من دون خلاف كذلك لا تعرض لها لكونها واجبة في أيّ عصر و ان وجوبها يختص بزمان الحضور أو يعمّ عصر الغيبة أيضا فلا يمكن استكشاف شيء من ذلك من الآية المباركة بوجه، و على الجملة لم يدلنا دليل على ان الوسطى هي صلاة الجمعة، و على تقدير التنازل لا دلالة للآية على وجوبها و انه يختص بزمان الحضور أو يعم عصر الغيبة؟.

هذا كله في الاستدلال بالكتاب.

الاستدلال بالسنة:

و أمّا السنة فقد استدلوا بطوائف من الاخبار، و هي الكثرة بمكان و متجاوزة عن حد الاستفاضة بلا ريب و قد أنهاها بعضهم إلى مائتي حديث فقال: فالذي يدل على الوجوب بصريحه من الصحاح و الحسان و الموثقات و غيرها أربعون حديثا، و الذي يدل بظاهره على الوجوب خمسون حديثا، و الذي يدل على المشروعية في الجملة أعم من أن يكون عينيا أو تخييريا تسعون حديثا، و الذي يدل بعمومه على وجوب الجمعة و فضلها عشرون حديثا ..

و لا يبعد دعوى تواترها بل لا شبهة في تواترها الإجمالي للقطع بصدور بعضها عن المعصوم(ع) و عدم مخالفة جميعها للواقع، و بهذا نستغني عن التكلم على اسنادها بحيث لو تمت دلالتها على هذا المدعى و لم يكن هناك ما يمنع عن هذا الظهور لم يكن ايّ مناص من الالتزام بوجوب

22

..........

____________

صلاة الجمعة تعيينا. بل الأمر كذلك حتى لو أنكرنا تواترها لكفاية ما فيها من الاخبار الصحيحة و الموثقة فلا مجال للتشكيك فيها بحسب السند.

و إليك نبذة من الأخبار:

«منها»: صحيحة زرارة عن أبي جعفر(ع)

قال: إنما فرض اللّٰه عز و جل على الناس من الجمعة إلى الجمعة خمسا و ثلاثين صلاة منها صلاة واحدة فرضها اللّٰه عز و جل في جماعة و هي الجمعة و وضعها عن تسعة: عن الصغير، و الكبير، و المجنون، و المسافر، و العبد، و المرأة، و المريض، و الأعمى، و من كان على رأس فرسخين (1).

و لا كلام في سندها و امّا دلالتها على وجوب الجمعة تعيينا فقد نوقش فيها بأنها ناظرة إلى بيان الصلوات الواجبة من الجمعة إلى الجمعة، و ان عددها يبلغ خمسا و ثلاثين صلاة، و لم ترد لبيان الشروط و سائر الكيفيات المعتبرة فيها، و لا نظر لها إلى انها واجبة في أيّ عصر؟ و انها مشروطة بوجود الإمام، أو المنصوب الخاصّ من قبله؟ و أن الامام تعتبر فيه العدالة؟ و أن عددهم لا بد أن يكون خمسة أو سبعة فما فوق؟ أو غير ذلك من القيود و الشروط، و معه لا يمكننا التمسك بإطلاقها، لإثبات وجوب صلاة الجمعة مطلقا حتى في عصر الغيبة، و دفع كلما يشك في اعتباره فيها من القيود.

فالصحيحة إنما سيقت لبيان أن صلاة الجمعة واجبة في الجملة، و حالها حال ما إذا دل دليل على أن الغسل يجب في سبعة موارد- مثلا- فكما انه غير ناظر- بالطبع- الى بيان الكيفية المعتبرة في غسل الجنابة أو غيرها و انها تتحقق بأيّ شيء و لا يمكن التمسك بإطلاقه لدفع ما يشك في اعتباره فيه من القيود فكذلك الحال في هذه الصحيحة، و قد تقدم أن

____________

(1) المروية في ب 1 من أبواب صلاة الجمعة من الوسائل.

23

..........

____________

وجوب صلاة الجمعة- في الجملة- من الضروريات التي لا تقبل المناقشة و الصحيحة وردت لبيان هذا الأمر الضروري الذي لا خلاف فيه.

و الذي يوضح ما ذكرناه هو أنا لو شككنا في اعتبار شيء في غير الجمعة من الصلوات كما إذا شككنا أن السورة جزء في صلاة الظهر أو العصر أو غيرهما لا يمكننا ان نتمسك في دفعه بإطلاق هذا الحديث بدعوى أن قوله(ع) انما فرض اللّٰه عز و جل على الناس .. مطلق، و هذا لا وجه له سوى ما قدمناه من انها غير واردة لبيان القيود و سائر الكيفيات المعتبرة في الفرائض فلا إطلاق لها من هذه الجهة فإذا شككنا في أن حضور الامام(ع) شرط في وجوب صلاة الجمعة لم يمكننا التمسك بإطلاق هذه الصحيحة لدفع شرطيته كذا نوقش في دلالتها.

و التحقيق أن المناقشة غير واردة على دلالتها و الوجه فيه أن الشك قد يرجع إلى أجزاء المأمور به و شرائطه و لا ينبغي التردد في أن الصحيحة غير ناظرة إلى القيود و الكيفيات المعتبرة في الصلاة فلا يمكن دفع ما يشك في اعتباره فيها بإطلاق الصحيحة كما تقدم.

و قد يرجع الشك إلى أصل الوجوب و التكليف و أنهما يعمّان جميع المكلفين في كل عصر أو يخصان طائفة دون أخرى؟ اعني من عنده الإمام أو المنصوب من قبله، فلا وجوب لمن لم يدركه(ع) و لم يكن عنده منصوب خاص من قبله.

و هذا الشك يندفع بالعموم الوارد في الصحيحة و هو قوله(ع) انما فرض اللّٰه على الناس .. فان الناس جمع محلى باللام و هو من اداة العموم، و بعمومها يثبت أن وجوب صلاة الجمعة كغيرها من الصلوات الواجبة في الحديث يعم كل مكلّف في كل حين، بلا فرق في ذلك بين

24

..........

____________

عصري الغيبة و الحضور، و ليس هذا الاستدلال- كما ترى- بإطلاق الصحيحة ليرد أنه يتوقف على ان يكون المتكلم في مقام البيان و ليست الصحيحة بصدد البيان من تلك الجهة فدلالة الصحيحة مما لا ينبغي الإشكال فيه.

و يشهد لما ذكرناه، زائدا على انه المستفاد من العموم انه(ع) لم يستثن في الصحيحة ممن كلف بصلاة الجمعة إلّا الطوائف التسع، و لم يعدّ(ع) منهم من ليس عنده الامام(ع) أو المنصوب الخاص من قبله، فلو كان هناك شرط آخر للوجوب ككون المكلف في عصر الحضور للزم ان ينبه عليه و يستثنى من لم يكن واجدا له و معه يزيد عدد المستثنين في الصحيحة عن التسع.

و أصرح من هذه الصحيحة ما ورد في صحيحة أخرى لزرارة- كما يأتي قريبا- من قوله(ع) و ذلك سنة الى يوم القيامة (1) لأنها صريحة في أن وجوب الجمعة غير مختص بعصر دون عصر، بل تجب على كل مكلف في كل حين و هذا مؤكّد لما ذكرناه من دلالة الصحيحة على وجوب صلاة الجمعة في عصر الغيبة.

و «منها»: صحيحة أبي بصير و محمد بن مسلم جميعا عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام)

قال: ان اللّٰه عز و جل فرض في كل سبعة أيام خمسا و ثلاثين صلاة منها صلاة واجبة على كل مسلم أن يشهدها إلا خمسة: المريض، و المملوك و المسافر و المرأة، و الصبي (2) و سندها صحيح، و دلالتها بالعموم الوضعي على وجوب الجمعة لكل مسلم اماما كان أو مأموما أوضح من سابقتها:

و «منها»: صحيحة ثانية لزرارة عن أبي جعفر الباقر(ع)

____________

(1) المروية في ب 4 من أبواب صلاة الجمعة من الوسائل.

(2) المروية في ب 1 من أبواب صلاة الجمعة من الوسائل.

25

..........

____________

قال: صلاة الجمعة فريضة و الاجتماع إليها فريضة مع الإمام فإن ترك رجل من غير علة ثلاث جمع فقد ترك ثلاث فرائض، و لا يدع ثلاث فرائض من غير علة إلا منافق (1).

و «منها»: صحيحة أبي بصير و محمد بن مسلم

قالا: سمعنا أبا جعفر محمد بن علي(ع) يقول: من ترك الجمعة ثلاثا متواليات بغير علة طبع اللّٰه على قلبه (2) و هو من أوصاف المنافقين و كناية عن كون ذلك موجبا للعصيان. و سندها صحيح فان محمد بن عيسى بن عبيد و ان كان قد استثناه الصدوق عن رجال نوادر الحكمة تبعا لشيخه ابن الوليد الا انه ممن وثقه النجاشي و ابن نوح و قال ان أصحابنا يقولون: من مثل أبي جعفر محمد بن عيسى؟ فالسند صحيح.

مضافا الى أن الشيخ قد نقل هذه الرواية- في تهذيبه- باختلاف يسير في ألفاظها (3) و سند صحيح و ليس فيه محمد بن عيسى بن عبيد كما هو ظاهر.

و «منها»: صحيحة ثالثة لزرارة

قال: قال أبو جعفر(ع):

الجمعة واجبة على من إن صلى الغداة في أهله أدرك الجمعة و كان رسول اللّٰه(ص) انما يصلى العصر في وقت الظهر في سائر الأيام كي إذا قضوا الصلاة مع رسول اللّٰه(ص) رجعوا الى رحالهم قبل الليل و ذلك سنة الى يوم القيامة (4).

«منها»: غير ذلك من النصوص و قد قدمنا أنها تامة السند و الدلالة في نفسها.

____________

(1) المرويات في ب 1 من أبواب صلاة الجمعة من الوسائل.

(2) المرويات في ب 1 من أبواب صلاة الجمعة من الوسائل.

(3) المرويات في ب 1 من أبواب صلاة الجمعة من الوسائل.

(4) المروية في باب 4 من أبواب صلاة الجمعة من الوسائل.

26

..........

الجواب عن الروايات:

____________

و مع هذا كله لا يسعنا الحكم بوجوب الجمعة تعيينا، و لا مناص من حمل الأخبار الظاهرة في ذلك على الوجوب التخييري، لأن دلالتها على وجوب صلاة الجمعة و ان كانت تامة كما مر و ذكرنا أنها دلالة لفظية و بالعموم إلا أن كونه وجوبا تعيينيا غير مستند الى اللفظ و انما يثبت بالإطلاق و مقدمات الحكمة باعتبار أن لفظ الواجب أو الفريضة و أشباههما انما يكون ظاهرا في التعييني فيما إذا أطلق، و لم يقيد بما يدل على عدل آخر له، فإن التخييري هو المحتاج إلى مئونة البيان و لو بمثل. إذا لم يأت بعدله، فإذا كان الحال كما عرفت فلا مناص من رفع اليد عن إطلاق الروايات الواردة في المقام و حمله على التخييري لوجوه صالحة للقرينية و المانعية عن الأخذ بظواهرها اعنى الوجوب التعييني.

الوجوه الصالحة للمانعية:

«منها»: أن صلاة الجمعة لو كانت واجبة تعيينية لشاع ذلك

و ذاع و لكان من المسلمات الواضحات نظير غيرها من الفرائض اليومية فإن حال صلاة الجمعة وقتئذ حال الفرائض اليومية بعينها و لم يكن لإنكار وجوبها سبيل و لم يكد يخفى على أحد من المسلمين فضلا عن العلماء المحققين و الباحثين، لوضوح انها من المسائل عامة البلوى، و النصوص فيها كثيرة متضافرة بل لا تبعد دعوى تواترها كما مرّ، و معه كيف ساغ لفقهائنا

27

..........

____________

الاعلام (قدس اللّٰه أسرارهم) أن ينكروا وجوبها بل قد عرفت تسالم الفقهاء الأقدمين على عدمه و لم ينقل القول بالوجوب التعييني من أحد منهم في المسألة على اختلاف آرائهم في مشروعيتها في عصر الغيبة و عدمها.

فإن المحكي عن الشيخ (قده) جوازها و عن ابن إدريس و سلار حرمتها و عدم مشروعيتها كما اختاره بعض المتأخرين. أ فلم تصل إليهم ما وصلت بأيدينا من الاخبار المتقدمة على كثرتها؟! و لا سيما من روى لنا هذه كالشيخ و غيره ممن لا يحتمل غفلته و عدم عثوره عليها كيف و هي بمرئي و مسمع منهم (قدس اللّٰه أسرارهم) و قد ملأوا كتبهم و طواميرهم من تلك الأحاديث، و مع هذا يدعى الشيخ (قده) الإجماع على عدم وجوب الجمعة تعيينا كما ادعاه غيره كصاحب الغنية و ابن إدريس و غيرهم فهل تراها غائبة عن أنظارهم أو تحتمل انهم أفتوا بجواز ترك فريضة من فرائض اللّٰه سبحانه- على جلالتهم و عظمتهم-؟! و مع هذا التسالم كيف يمكننا الأخذ بظاهر الاخبار و إطلاقها. بل يدلنا هذا على عدم كون الجمعة واجبة تعيينية إذا لا مناص من حمل تلك النصوص على الوجوب التخييري و أفضل الفردين.

«منها»: أن صلاة الجمعة لو كانت واجبة تعيينية

فلما ذا جرت سيرة أصحابهم(ع) على عدم إقامتها في زمانهم على جلالتهم في الفقه و الحديث فهل يحتمل ان يكونوا متجاهرين بالفسق لتركهم واجبا تعيينيا في حقهم و فريضة من فرائض اللّٰه سبحانه؟! فكيف أهملوا ما وجب في الشريعة المقدسة و لم يعتنوا بالأخبار التي رووها بأنفسهم عن أئمتهم(ع) و لم يعملوا على طبقها؟! و الذي يدلنا على جريان سيرتهم على ترك الجمعة- مضافا إلى انه

28

..........

____________

لم ينقل إلينا إقامتهم لصلاة الجمعة في تلك الأعصار فإنهم لو كانوا أقاموها لنقل إلينا لا محالة و ظهر و بان- نفس الروايات الواردة عنهم- ع.

فهذه صحيحة زرارة قال: حثنا أبو عبد اللّٰه(ع) على صلاة الجمعة حتى ظننت انه يريد أن نأتيه، فقلت: نغدو عليك؟ فقال: لا، إنما عنيت عندكم (1).

و موثقة عبد الملك- ابن أعين و هو أخو زرارة- عن أبي جعفر(ع) قال: قال: مثلك يهلك و لم يصل فريضة فرضها اللّٰه قال: قلت: كيف أصنع؟ قال: صلوا جماعة يعني صلاة الجمعة (2).

فإن الرواية الأولى صريحة في أن زرارة- على جلالته- لم يكن يصلي صلاة الجمعة فلو كانت واجبة تعيينية كيف أمكن ان يخفى على مثله؟ فلو كان عالما بها و غير مخفية عليه فكيف يحتمل أن يكون تاركا فريضة من فرائض اللّٰه سبحانه- جهرا- مع ما ورد في شانه و شأن نظراءه من المدح و الثناء من أنهم أمناء اللّٰه على حلاله و حرامه، و انه لولاهم لانقطعت آثار النبوة، و انهم السابقون إلينا في الدنيا و الآخرة الى غير ذلك مما ورد في حقهم (3) فمن جريان سيرته على عدم إقامتها- و هو الراوي لجملة من الاخبار الظاهرة في الوجوب- نستكشف كشفا قطعيا أن صلاة الجمعة ليست واجبة تعيينية.

على أن الحث و الترغيب انما يناسبان الأمور المستحبة، و اما الواجبات فلا مجال فيها لهما بوجه بل اللازم فيها التوبيخ على تركها و التحذير على مخالفتها بالوعيد، فهذا اللسان لسان الاستحباب دون الوجوب.

كما أن الظاهر من الموثقة أن عبد الملك- على ما هو عليه من الجاه

____________

(1) المرويتان في ب 5 من أبواب صلاة الجمعة من الوسائل.

(2) المرويتان في ب 5 من أبواب صلاة الجمعة من الوسائل.

(3) راجع ب 11 من أبواب صفات القاضي من الوسائل.

29

..........

____________

و المقام- لم يصل صلاة الجمعة طيلة حياته و لو مرة واحدة حتى صار بحيث وبّخه الامام(ع) بقوله: مثلك يهلك، و لم يصل فريضة فرضها اللّٰه. فهاتان الروايتان المعتبرتان دلتا على ان أصحاب الأئمة(ع) جرت سيرتهم على ترك صلاة الجمعة الى أن وبّخهم(ع) أو حثّهم عليها.

و احتمال أن أصحابهم(ع) كانوا يأتون بصلاة الجمعة مع العامة- تقية- و أن الحث و الترغيب منهم(ع) انما هما على إتيانهم بها صحيحة مطابقة لما هو المأمور به الاولى في حقهم ساقط من أساسه.

لأنهم كما كانوا لا يأتون بها عارية عن التقية كذلك كانوا لا يأتون بها تقية لعدم تأتي التقية في مثلها فإن الجماعة باطلة معهم فكيف تكون مجزئة عما هو الواجب التعييني في حقهم أعني صلاة الجمعة- بناء على وجوبها كذلك- فالجماعة معهم باطلة نعم ورد الأمر بالاشتراك في جماعاتهم في الصلوات اليومية مشروطا بأن يأتي بصلاته في نفسه بأن يقتدى بهم في الظاهر و يأتي بالقراءة في نفسه فهي جماعة صورية و ليست جماعة حقيقية فيجوز الإتيان بالفرائض اليومية بهذه الكيفية معهم جماعة بخلاف صلاة الجمعة لأنها ركعتان و الفريضة أربع ركعات فإحداهما غير الأخرى لا محالة.

فلو أراد أن يصلي معهم بحسب الصورة للزم ان يتم صلاته اربع ركعات بأن ينوي صلاة الظهر- لبطلان الجمعة معهم كما عرفت و هي مخالفة لصلاة الظهر في عدد الركعات- فلا يسلم في التشهد بعد الركعتين بل يقوم و يضيف عليهما ركعتين أخريين و يخيل عليهم انه يأتي بصلاة اخرى ذات ركعتين، أو انه يصلي الظهر أولا- في داره أو غيرها- ثم يقتدى بهم في صلاة الجمعة صورة كما أشير إليه في بعض الروايات (1).

____________

(1) موثقة حمران عن أبي عبد اللّٰه(ع) في حديث قال: في كتاب علي(ع) إذا صلوا الجمعة في وقت فصلوا معهم و لا تقومن من مقعدك حتى تصلي ركعتين أخريين، قلت فأكون قد صليت أربعا لنفسي لم أقتد به؟ فقال:

نعم. و ما رواه أبو بكر الحضرمي قال: قلت لأبي جعفر(ع) كيف تصنع يوم الجمعة؟ فقال: كيف تصنع أنت؟ قلت: أصلي في منزلي ثم اخرج فأصلي معهم قال: كذلك أصنع أنا. المرويتان في ب 29 من أبواب صلاة الجمعة من الوسائل.

30

..........

____________

و كيف كان فقد استفدنا من الروايات الواردة ان سيرة أصحاب الأئمة(ع) كانت جارية على ترك الجمعة و لا يرضى القائل بالوجوب باحتمال أن أصحابهم(ع) على كثرتهم و جلالتهم كانوا تاركين لواجب أهم بل متجاهرين بالفسق و ترك فريضة من فرائض اللّٰه سبحانه، و هذا دليل قطعي على أن صلاة الجمعة ليست بواجبة تعيينية.

و «منها»: الأخبار الواردة في عدم وجوب الحضور لصلاة الجمعة

على من كان بعيدا عنها بأزيد من فرسخين و قد عد هذا من جملة المستثنيات في بعض الصحاح المتقدمة كما في صحيحة زرارة المتقدمة (1) و صحيحة محمد ابن مسلم قال: سألت أبا عبد اللّٰه(ع) عن الجمعة فقال: تجب على كل من على رأس فرسخين فان زاد على ذلك فليس عليه شيء (2).

و الوجه في دلالتها على عدم وجوب الجمعة تعيينا أن الحضور لها إذا لم يكن واجبا على النائي بأزيد من فرسخين و بنينا على ان صلاة الجمعة واجبة تعيينية لوجبت إقامتها على من كان بعيدا عنها بأزيد من فرسخين في محله.

لان مفروضنا وجوبها على كل مكلف تعيينا، و امام الجماعة يوجد

____________

(1) المتقدمة في ص 22.

(2) المروية في ب 4 من أبواب صلاة الجمعة من الوسائل.

31

..........

____________

في كل قرية و مكان من بلاد المسلمين اللهمّ الا ان يحمل الاخبار على سكنة الجبال و من يعيش في القلل على سبيل الانفراد و هو من الندرة بمكان إذا فبأي موجب تسقط صلاة الجمعة عن النائي بأزيد من فرسخين فالحكم بسقوطها عنه بقوله(ع) فليس عليه شيء يدلنا على عدم وجوبها تعيينا لا محالة.

و «منها»: الروايات الواردة في أن كل جماعة

و منهم أهل القرى إذا كان فيهم من يخطب لهم لصلاة الجمعة وجبت عليهم صلاة الجمعة، و إلا يصلون ظهرا أربع ركعات، كصحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما(ع) قال:

سألته عن أناس في قرية هل يصلون الجمعة جماعة؟ قال: نعم (و) يصلون أربعا إذا لم يكن من يخطب (1).

و معتبرة الفضل بن عبد الملك قال: سمعت أبا عبد اللّٰه(ع) يقول:

إذا كان قوم (القوم) في قرية صلوا الجمعة أربع ركعات، فان كان لهم من يخطب لهم جمعوا إذا كانوا خمس نفر، و إنما جعلت ركعتين لمكان الخطبتين (2).

و موثقة سماعة قال: سألت أبا عبد اللّٰه(ع) عن الصلاة يوم الجمعة فقال: أمّا مع الامام فركعتان و أما من يصلي وحده فهي أربع ركعات بمنزلة الظهر، يعني إذا كان امام يخطب، فان لم يكن امام يخطب فهي أربع ركعات و ان صلوا جماعة (3).

و تقريب الاستدلال بتلك الروايات أن المراد فيها بمن يخطب لا بد أن يكون من يخطب لهم- بالفعل- لا من من شأنه أن يخطب، و ان

____________

(1) المرويتان في ب 3 من أبواب صلاة الجمعة من الوسائل.

(2) المرويتان في ب 3 من أبواب صلاة الجمعة من الوسائل.

(3) المروية في ب 5 من أبواب صلاة الجمعة من الوسائل.

32

..........

____________

لم يتمكن من الخطبة فعلا، و ذلك لأن الظاهر المتبادر من قوله(ع) من يخطب هو الفعلية فحمله على ارادة من يخطبهم شأنا و قوة بمعنى من له.

قابلية ذلك خلاف الظاهر جدا.

على أن ذلك فرض نادر لا يمكن حمل الأخبار عليه، لوضوح أن في الأماكن المسكونة من البلاد و القرى يوجد امام يصلي بأهلها جماعة بل.

لا يوجد قرية لا يكون لهم فيها امام يقيم الجماعة إلّا نادرا، و الامام الذي يتمكن من قراءة فاتحة الكتاب و اقامة الجماعة يتمكن من الخطبة في صلاة الجمعة قطعا لأن الفاتحة تجزء في الخطبة، و يكفي في الوعظ و الإرشاد أن يقول:

يا أيها الناس اتقوا اللّٰه أو نحوه فأقل الواجب المجزئ من التحميد و الثناء و قراءة السورة أمر مقدور لكل امام يقيم الجماعة، و لا يعتبر في صلاة الجمعة خطبة طويلة حتى يتوقف إلقائها على الكمال و المهارة في فن الخطابة.

و على الجملة أن في أهل القرى يوجد من يخطب لهم شأنا و قوة و لا توجد قرية لا يوجد فيها من يخطبهم كذلك و معه لا يبقى أي معنى لتعليق وجوب صلاة الجمعة على وجود من يخطب، و وجوب صلاة الظهر على صورة عدم وجدانه، فلا مناص من حمل الروايات على ارادة من يخطب لصلاة الجمعة- فعلا.

إذا فالأخبار واضحة الدلالة على أن صلاة الجمعة غير واجبة الإقامة في نفسها، و إنما يؤمر بها على تقدير وجود من أقامها في الخارج بإرادته، و خطب لهم أي أقدم على إقامتها و تهيأ للإتيان بها فان الواجب حينئذ هو صلاة الجمعة، و ان لم يكن هناك من أقدم على إقامتها- بالفعل- فالواجب صلاة الظهر.

و أين هذا من وجوب صلاة الجمعة تعيينا، لأنها لو كانت كذلك

33

..........

____________

لوجب الاقدام على إقامتها و المباشرة لخطبتها بحيث لو لم يقمها الامام- بالفعل و لم يخطب لهم ارتكب معصية بتركه فريضة تعيينية في حقه و بذلك يحكم بفسقه و سقوطه عن العدالة نظير ما لو ترك بعض الفرائض اليومية متعمدا و مع الحكم بفسقه كيف يجوز أن يصلي بهم اربع ركعات ظهرا- كما لعله ظاهر الروايات- لعدم جواز الائتمام به وقتئذ هذا.

بل يمكن ان يقال ان الاستدلال بتلك الروايات غير متوقف على حملها على ارادة من يخطب لهم- بالفعل- فلو حملناها على ارادة من يخطب لهم- شأنا- أيضا أمكننا الاستدلال بها على عدم وجوب الجمعة- تعيينا- لأنها لو كانت واجبة كذلك لوجب تعلم الخطبة على أهل القرى- كفاية- ليتمكنوا منها شأنا و قوة و يقتدروا على إلقائها في الجمعة الآتية و يكون ترك تعلمها محرما، فان المقدمات التي يكون تركها مؤديا إلى ترك الواجب و تعذره في ظرفه واجبة التحصيل لا محالة، و معه يكون ترك التعلم و إهماله مستلزما لفسق الامام و به يخرج عن قابلية الإمامة في الجماعة، و لا معنى للائتمام به حالئذ كما هو ظاهر الروايات.

هذا تمام الكلام في الاخبار المستدل بها على وجوب الجمعة تعيينا، و الأدلة القائمة على خلافها و الموجبة لحملها على الوجوب التخييري.

نبذة اخرى من الروايات:

بقي الكلام في نبذة اخرى من الروايات التي استدلوا بها أيضا على هذا المدعى، و لا يتأتى- في بعضها- الحمل على الوجوب التخييري كما توهم:

34

..........

____________

«منها»: صحيحة زرارة قال: قلت لأبي جعفر(ع) على من تجب الجمعة؟ قال: تجب على سبعة نفر من المسلمين، و لا جمعة لأقل من خمسة من المسلمين أحدهم الإمام، فإذا اجتمع سبعة و لم يخافوا أمّهم بعضهم و خطبهم (1). و غيرها من الروايات الواردة في أن صلاة الجمعة يشترط في وجوبها حضور سبعة من المسلمين.

نظرا الى دلالتها على أن السبعة إذا اجتمعت في أيّ زمان وجبت صلاة الجمعة و تدلنا بإطلاقها على عدم الفرق في ذلك بين عصري الغيبة و الحضور.

الجواب عن تلك الروايات:

و يردّ الاستدلال بها أنها أجنبية الدلالة على هذا المدعى فان قوله (عليه السلام) تجب الجمعة على سبعة نفر من المسلمين إمّا ان يكون واردا لبيان شرط الصحة، و امّا أن يكون ناظرا الى بيان شرط الوجوب.

أمّا على الأول فالرواية ساكتة عن بيان وجوب صلاة الجمعة فضلا عن بيان أنه تعييني أو تخييري، لان مفروضنا أنها ناظرة إلى بيان ما يشترط في صحتها و انها تتوقف على وجود سبعة نفر من المسلمين بحيث لو كانوا أقل منها لم تصح فالرواية أجنبية عما نحن بصدده.

نعم هذا الاحتمال على خلاف ما هو الظاهر من السؤال في الرواية، لأن الراوي إنما سأله عن أن الجمعة على من تجب؟ و لم يسأله عن انها تصحّ من أيّ شخص أو في أيّ وقت.

____________

(1) المروية في ب 2 من أبواب صلاة الجمعة من الوسائل.

35

..........

____________

مضافا الى انها- على هذا التقدير- معارضة بما دل على أن شرط صحتها حضور خمسة من المسلمين، و انه لا جمعة إذا كانوا أقل من خمسة (1) و كيف كان فالرواية على هذا التقدير أجنبية عما نحن بصدده اعني إثبات انها واجبة تعيينية أو تخييرية بالكلية.

و أمّا على الثاني بأن تكون مسوقة لبيان شرط الوجوب فأيضا لا دلالة لها على أن صلاة الجمعة واجبة تعيينية بل هي على خلاف المطلوب أدلّ و الوجه فيه أن الحكم بوجوب صلاة الجمعة على سبعة نفر انما هو في حق غير المسافرين، لوضوح أن المسافر لا تجب عليه الجمعة يقينا. نعم سيوافيك انها جائزة في حقه بل مستحبة و أما الوجوب فلا فيختص الوجوب بالحاضرين.

و على ذلك لا معنى لتعليق الوجوب على وجود سبعة من المسلمين، لان وجود السبعة متحقق في أي بلدة و قرية، و هل يوجد مكان مسكون للمسلمين و لا يوجد فيه سبعة نفر؟! و لا سيما إذا لاحظنا حوله الى ما دون أربعة فراسخ من جوانبه الأربع- لئلا يبلغ حد السفر الشرعي- أو الى فرسخين من الجوانب الأربعة بناء على عدم وجوبها على النائي عنها بأزيد من فرسخين- كما هو كذلك- فما معنى التعليق بوجودهم و بذلك يصبح التعليق فيها لغوا ظاهرا.

و حمله على من يعيش في الجبال و يقطن البراري و القلل على سبيل الانفراد و الانعزال أو على أهل الرياضة و الرهبان و غيرهم ممن يعيش منعزلا عن المجتمع غير صحيح.

لأنه أمر نادر التحقق. بل هو فرض الخروج عن موضوع الوجوب و الصحة لعدم صحة الجمعة و عدم وجوبها الا مع الجماعة و لا تنعقد منفردة فكيف يحمل التقييد في الروايات على الاحتراز عن أمثالهم؟

____________

(1) راجع ب 2 من أبواب صلاة الجمعة من الوسائل.

36

..........

____________

إذا لا مناص من ان يراد من الروايات التعليق على اجتماع السبعة من المسلمين- لا على أصل وجودهم- فمعنى الروايات على ذلك أن السبعة متى ما اجتمعت في الخارج و تحقق اجتماعهم في نفسه لأجل صلاة الجمعة وجبت إقامتها على ما صرح به في الصحيحة حيث قال: فإذا اجتمع سبعة و لم يخافوا أمّهم بعضهم و خطبهم.

و التقييد فيها باجتماع السبعة و التعليق على انضمام بعضهم ببعض و تحقق الهيئة الاتصالية انما هو للاحتراز عما إذا كانوا متفرقين و غير مجتمعين لأجلها فتدلنا الصحيحة على أن اقامة الجمعة و الاجتماع لأجلها غير مأموريهما في نفسهما فلا وجوب قبل الاجتماع و لا يجب تحصيله نعم إذا تحقق اجتماعهم و إقامتهم لها في نفسه وجبت على غيرهم أيضا إقامتها.

ثم إن ظاهرها و ان كان هو وجوب صلاة الجمعة تعيينا على كل مكلف بعد تحقق اجتماع السبعة في الخارج غير أن القرائن التي قدمناها على كونها واجبة تخييرية و عدم كونها واجبة تعيينيا الا فيما إذا كان هناك من يخطبهم بالفعل تدلنا على حمل تلك الروايات أيضا على الوجوب التخييري.

فحاصل الروايات بعد ضم بعضها ببعض ان اجتماع السبعة متى ما تحقق في نفسه للصلاة بأن أقدم بعضهم لأداء الخطبة و تصدى لها بالفعل وجبت إقامتها على المسلمين لا محالة و إلا فلا و هو معنى الوجوب التخييري كما تقدم.

و «منها»: صحيحة منصور عن أبي عبد اللّٰه(ع) في حديث قال:

الجمعة واجبة على كل أحد لا يعذر الناس فيها إلا خمسة: المرأة، و المملوك و المسافر، و المريض، و الصبي (1).

بدعوى دلالتها على أن الناس غير معذورين في ترك الجمعة، و لا

____________

(1) المروية في ب 1 من أبواب صلاة الجمعة من الوسائل.

37

..........

____________

يستقيم هذا إلا إذا كانت واجبة تعيينية إذ لو كانت واجبة تخييرية فللناس أن يختاروا العدل الآخر و يتركوا صلاة الجمعة فلما ذا لا يعذرون في ترك أحد عدلي التخييري مع إتيانهم بالعدل الآخر؟ فالصحيحة كالصريح في الوجوب التعييني و آبية عن الحمل على الوجوب التخييري- بتاتا- و يدفعه: أن المراد بالصحيحة ليس أنهم غير معذورين في ترك إقامة الجمعة و أصلها. بل المراد انهم غير معذورين في ترك الحضور لها و السعي نحوها بعد ما تحققت إقامتها و صارت منعقدة في الخارج.

و يشهد لذلك استثناء المسافر و كذا من كان على رأس فرسخين،- أو الزائد عن الفرسخين على اختلاف الأخبار بحسب اللسان- لأن المسافر لم يستثن عن أصل وجوب الجمعة و مشروعيتها فإنها مشروعة في حقه بل هي أفضل من ان يختار صلاة الظهر. بل في موثقة سماعة عن الصادق(ع) انه قال: أيما مسافر صلى الجمعة رغبة فيها و حبا لها أعطاه اللّٰه عز و جل أجر مائة جمعة للمقيم (1).

لأنها تدل على أن الجمعة من المسافر أعظم و أكثر ثوابا من الجمعة التي يقيمها الحاضر. و لعل المشهور أيضا استحبابها للمسافر فهو انما استثنى عن وجوب السعي و الحضور لها بعد إقامتها فلو أقيمت الجمعة في بلد لم يجب على المسافر ان يحضرها.

و كذلك استثناء من كان على رأس فرسخين- أو الزائد عليهما- كما في بعض الأخبار المتقدمة، لأنه أيضا استثناء عن وجوب الحضور فلا يجب على النائي عن الجمعة بأزيد من فرسخين- أو بفرسخين- أن يحضرها فليس هذا استثناء عن أصل مشروعيتها و إقامتها فان حاله في ذلك

____________

(1) المروية في ب 19 من أبواب صلاة الجمعة من الوسائل.

38

..........

____________

حال من في البلد بعينه.

بل لو لا ما ذكرناه لم يكن معنى محصل للبعد فرسخين أو كونه على رأسهما لأنه بعيد عن أي شيء؟ فهل يراد به البعد عن الوجوب و هو أمر لا معنى له؟ فلا مناص من أن يراد به البعد عن مقام الجمعة و المكان الذي أقيمت الجمعة فيه و معنى ذلك انه مستثنى عن حضور الجمعة المنعقدة في مكان.

و قد قدمنا في الاستدلال بما دل على استثناء من كان على رأس فرسخين أن صلاة الجمعة لو كانت واجبة تعيينية لوجبت إقامتها على من كان على رأس فرسخين- أو الزائد عليهما- أيضا كغيره، لعدم الفرق في الوجوب التعييني بين القريب و البعيد، فهذه الأخبار ناظرة إلى الاستثناء عن وجوب الحضور لها بعد إقامتها في الخارج للتسهيل و الإرفاق لهم كيلا يتعبوا أنفسهم بالخروج عن مساكنهم الى مكان تقام فيه الجمعة.

و كذلك الحال في الاستثناء عند نزول المطر كما في صحيحة عبد الرحمن ابن أبي عبد اللّٰه عن أبي عبد اللّٰه(ع) انه قال: لا بأس أن تدع الجمعة في المطر (1) لأنه أيضا يرجع إلى الاستثناء عن وجوب الحضور لها بعد إقامتها إرفاقا من الشارع كي لا يتبلل المكلف بمجيئه إلى محل الجمعة حالئذ.

و الا فلو كانت واجبة تعيينية لكان من البعيد جدا سقوطها بنزول المطر و شبهه من الطواري فان حالها حينئذ حال بقية الفرائض- كصلاة الفجر- و هل تحتمل سقوطها لحدوث البرودة أو الحرارة أو نزول المطر و نحوها؟! و كذا الحال في استثناء المرأة، و المملوك في تلك الصحيحة، لأنه كاستثناء المسافر يرجع الى الاستثناء عن وجوب الحضور لصلاة الجمعة بعد

____________

(1) المروية في ب 23 من أبواب صلاة الجمعة من الوسائل.

39

..........

____________

إقامتها، لا إلى أصل مشروعيتها لأنها مشروعة في حقهما كما في المسافر.

و تدل على ذلك رواية حفص بن غياث و قد ورد فيها: أن اللّٰه عز و جل فرض (أي صلاة الجمعة) على جميع المؤمنين و المؤمنات و رخّص للمرأة، و العبد، و المسافر أن لا يأتوها، فلما حضروا سقطت الرخصة و لزمهم الفرض الأول (1).

الا انها غير صالحة للحجية و من هنا نجعلها مؤيدة للمدعي.

إذا فالصحيحة لا دلالة لها على وجوب الجمعة تعيينا. نعم تدلنا- حسب ما قدمناه من القرائن الداخلية و الخارجية- على وجوب الحضور لها فيما إذا انعقدت و أقيمت في الخارج، و لا يعذر في ترك الحضور لها إلّا المسافر و المرأة، و المملوك و المريض و الصبي، فالمتحصل مما سردناه انه يجب الحضور لصلاة الجمعة بعد ما انعقدت في الخارج و لا يجب عقدها في نفسها.

و مما تلوناه عليك في الجواب عن تلك الصحيحة يظهر الجواب عن الروايات الواردة في أن من ترك صلاة الجمعة ثلاثا متوالية من دون علة طبع اللّٰه على قلبه (2) أو انه منافق (3).

لانه قد اتضح بالصحيحة المتقدمة أن المراد بترك صلاة الجمعة ترك الحضور لها بعد انعقادها و إقامتها في الخارج و لا إشكال في ان تارك الحضور لها بعد الانعقاد عاص و ممن طبع اللّٰه على قلبه أو منافق و لا يراد بتركها ترك أصل الإقامة و عقد الجمعة.

____________

(1) المروية في ب 18 من أبواب صلاة الجمعة من الوسائل.

(2) كما في صحيحة محمد بن مسلم المروية في ب 1 من أبواب صلاة الجمعة من الوسائل.

(3) كما في صحيحتي زرارة المرويتين في ب 1 من أبواب صلاة الجمعة من الوسائل.

40

..........

____________

إذا صلاة الجمعة واجبة بالوجوب التخييري حسب الاخبار و القرائن المتقدمتين، و لا دليل على كونها واجبة تعيينية بوجه هذا كله في أصل عقدها و إقامتها.

هل يجب الحضور لصلاة الجمعة فيما إذا أقيمت في الخارج؟

و امّا إذا أقيمت في الخارج بما لها من الشروط فهل يجب الحضور لها أولا؟ مقتضى بعض الاخبار المتقدمة هو الوجوب التعييني حينئذ، إلا أن القائلين بوجوب الجمعة و منكريه لما لم يفرّقوا بين إقامتها و حضورها بعد الانعقاد لم يسعنا الحكم بوجوب الحضور لها تعيينا بعد الانعقاد، إلّا انه لو لم يكن أقوى فلا أقل من أنه أحوط، فمقتضى الاحتياط الوجوبي هو الحضور.

هذا تمام الكلام في الدعوى الاولى.

(أما الدعوى الثانية):

أعني إثبات أصل المشروعية في عصر الغيبة قبال القائل بحرمتها و إنكار مشروعيتها- بتاتا- و أن حضوره(ع) شرط للوجوب لا للمشروعية فقد اتضح الكلام فيه مما سردناه في إثبات الدعوى الأولى إجمالا و تفصيل الكلام فيها يتوقف على التعرض لما استدل به على عدم المشروعية و تزييفه فنقول:

قد ذهب جماعة الى عدم مشروعية صلاة الجمعة في عصر الغيبة

41

..........

____________

و حرمتها و نسب ذلك الى صريح ابن إدريس و سلّار، و ظاهر المرتضى و غيرهم بدعوى أن مشروعيتها يتوقف على حضور الامام (عليه السلام) أو من نصبه لإقامتها بالخصوص لأنها من شئونه و من المناصب المختصة به، و حيث لا يمكننا التشرف بحضوره (ع) و لا اذن لأحد في إقامتها بالخصوص فلا تكون مشروعة.

و هؤلاء المنكرون ان كان نظرهم إلى انها ليست بواجبة تعيينية كما قدمناه و قلنا ان الوجوب التخييري هو المعروف بينهم فهذا صحيح، و لكنه لا يحتاج الى دليل يثبته بل يكفي في صحته عدم دلالة الدليل على كونها واجبة تعيينية لأنه المحتاج الى المثبت و البرهان لا نفيه و إنكاره و هذا ظاهر.

و ان كان نظرهم الى نفي المشروعية أساسا بالمعنى الأعم من الوجوب التعييني و التخييري عند عدم حضوره (ع) و عدم منصوب خاص من قبله فهو أمر مخالف لإطلاق الأدلة المتقدمة من الكتاب و السنة، لما عرفت من دلالتها على وجوب الجمعة من غير تقييده بحضور الإمام أو من نصبه، و التقييد يحتاج الى دليل يدل عليه و قد استدلوا عليه بوجوه:

أدلة عدم مشروعية الجمعة في عصر الغيبة

«منها»: دعوى الإجماع على عدم المشروعية من دون حضوره (ع) أو وجود منصوب من قبله.

و تندفع: بأن المسألة ليست باجماعية يقينا، كيف و قد عرفت ان المشهور هو الوجوب التخييري في مفروض الكلام اعنى فرض عدم حضوره (عليه السلام) و عدم منصوب خاص من قبله، فلا إجماع على عدم المشروعية

42

..........

____________

و لا انه المشهور بين الأصحاب.

نعم ذهب اليه جمع كما مر، كما ذهب المشهور إلى التخيير، فلو كان هناك إجماع تعبدي فإنما هو على نفي الوجوب التعييني لا على نفي المشروعية فالإجماع عليه مقطوع العدم فلاحظ.

و «منها»: دعوى أن السيرة

من لدن عصر النبي (ص) و الخلفاء من بعده و كذلك عصر الأئمة (عليهم السلام) جرت على تعيين من يقيم الجمعة كتعيين من يتصدى للقضاء و المرافعات فكانوا ينصبون أشخاصا معينين لإقامة الجمعات أو التصدي للمرافعات و لم يكن يقيم الجمعة أو يتصدى للقضاء الا من نصب لأجلهما بالخصوص، و لم يكن يقيمها كل من كان يريد الجمعة، و مقتضى هذه السيرة عدم مشروعيتها عند عدم حضوره (ع) و عدم منصوب من قبله بالخصوص.

و هذه الدعوى من الغرائب و ذلك لانه لا طريق لنا الى استكشاف حال صلاة الجمعة في عصر النبي (ص) فلا ندري أن الجمعة هل كانت تقام في سائر المدن و القرى أو كانت إقامتها خاصة ببلده (ص) ثم على تقدير الإقامة في جميع الأماكن في عصره (ص) فهل كان يقيمها المنصوبون لإقامتها بالخصوص من قبله (ص) أو أن إقامتها لم تكن مختصة لشخص دون شخص بل كان يقيمها كل من له أهلية الإقامة من دون حاجة إلى إذن و نصب؟

لم يصل شيء من ذلك إلينا بنقل تاريخ أو رواية فليس عندنا أي طريق الى استكشاف ذلك في عصره (ص).

و أما عصر الأئمة (عليهم السلام) فلم يدلنا دليل على انهم نصبوا شخصا معينا لإقامة الجمعة و لو في مورد واحد. نعم ثبت منهم (ع) الترخيص

43

..........

____________

في إقامتها للعموم من دون تخصيصه بشخص دون شخص فدونك الأخبار المتقدمة المتضمنة لوجوب الجمعة على أهل القرى إذا كان لهم من يخطب على اختلاف ألسنتها و مع هذا كيف يمكننا استكشاف ان سيرتهم كانت جارية على النصب لإقامة الجمعة بالخصوص؟! و أما عصر علي عليه أفضل السلام فلا ينبغي التردد في انه (سلام اللّٰه عليه) كان ينصب القضاة و يعين الولاة على المدن و الأمصار، و أن هؤلاء الولاة و القضاء المعينين المنصوبين لتلك المناصب من قبله (ع) هم الذين كانوا يقيمون الجمعات كما يتصدون للمرافعات الا أن ذلك ليس من جهة ان اقامة الجمعة كانت تحتاج الى النصب بالخصوص بل من جهة ان إقامتها من مستتبعات مقامهم، حيث أن العادة كانت جارية على ان يكون الوالي أو القاضي هو المقيم لصلاة الجمعة- لاهميتها- فكان للوالي شئون متعددة بحسب المتعارف في تلك الأزمنة و منها اقامة الجمعات.

و اين هذا مما نحن بصدده فان المدعى لزوم النصب لخصوص إقامة الجمعة، لا النصب للقضاوة أو الولاية أو غيرهما من الجهات العامة، و لم يثبت انه (ع) كان ينصب أشخاصا معينين لإقامتها بالخصوص كما كان يعينهم للقضاء و الولاية.

و «منها»: أن وجوب الجمعة عند عدم حضوره

أو المنصوب الخاص من قبله مثار الفتنة و الخلاف، و لا يكاد يظن بالشارع الحكيم أن يأمر بما يثير الفتنة و الجدال.

بيان ذلك: ان الجمعة لا بد و ان يقيمها شخص واحد في كل مكان و لا يشرع فيها التعدد في محل واحد و كيف يحمل الشارع من في ذلك المحل- كافة- على الايتمام بواحد غير معين و يوكل تعيينه إلى إراداتهم،

44

..........

____________

فإنه لا يكاد يتفق آراؤهم على شخص واحد.

على ان جل الناس يأبى عن الاقتداء، بمن يراه مثله أو دونه في الأهلية للإمامة.

و أضف الى ذلك ان كل شخص أو الأغلب- على الأقل- يريد أن يكون هو المتصدي لهذا الأمر المهم، أو يقيمها من اتصل به من الأقارب و الأولاد فإن حب الرئاسة جبلي للبشر، أو إذا فرضنا انه لا يريد ذلك بنفسه فقد يريده أهل محلته و أعوانه، بل هذا هو الأغلب في العوام فإنه من المحسوس ان أهل كل محلة يريدون ان يكون الامام لجماعتهم هو المقيم لصلاة الجمعة في البلد، و بهذا تتحقق الفتنة و ينشأ النزاع و الخلاف بل قد يؤدي الى الضرب أو القتل، و قد شاهدنا ان اقامة الجمعة- في الكاظمية- أدت إلى قتل جمع لا يقل عددهم عن خمسة أو أربعة فما هذا شانه لا يصلح أن يأمر به الحكيم.

فلا ينحسم مادة الجدال و النزاع إلا ان ينصب الشارع أحدا لإقامتها بالخصوص فإنه بذلك ترتفع الخصومة و لا يبقى لها مجال و النتيجة ان الجمعة لا تكون مشروعة من دون نصب.

و يدفعه: أن هذه المناقشة إنما تصح فيما إذا قلنا ان صلاة الجمعة واجبة تعيينية.

و أما إذا قلنا انها واجبة تخييرية- كما هو المدعى- فلا يمكن أن يكون في ذلك أي إثارة للفتنة، و إلقاء للخلاف لبداهة أن المسلمين إذا رأوا أن اقامة الجمعة- أي اختيار هذا العدل من الواجب التخييري- أدى الى التشاجر و النزاع تركوا إقامتها و أخذوا بالعدل الآخر فوجوبها كذلك لا يترتب عليه أي محذور فهذه الشبهة لو تمت- في نفسها- فإنما يجدي لنفي

45

..........

____________

التعيينية و لا تنفى أصل المشروعية أبدا.

بل يمكن أن يقال: ان الأمر بصلاة الجمعة لا يكون مثارا للفتنة أبدا حتى على القول بالوجوب التعييني في المسألة و الوجه في ذلك: أن من تصدى لإقامة الجمعة و إمامتها اما ان يكون ممن توفرت فيه شروط الإقامة و تحققت فيه أهليتها لدى المكلف بصلاة الجمعة و إما ان لا يكون كذلك عنده:

فعلى الأول لا مناص لغيره من أن يأتم به في صلاة الجمعة و لا نرى ايّ مانع من أن يكون هو المتصدي لإمامتها حينئذ و إن رأى المأموم نفسه ارقى من الامام و أصلح منه للتصدي بالإمامة لأنه ليس في هذا الأيتمام سوى مجاهدة النفس و التخاضع، و إطلاق النفس عن الانانية و الكبرياء و هو أمر محبوب للشارع و قد حثنا على التجنب عن الكبر و اختيار التواضع و المقام من مصاديقه و موارده.

و قد كنا نشاهد أن الزاهد الفقيد الشيخ علي القمي طاب رمسه يأتم به من هو أقدم و أرقى منه في الفضل و الكمال فما هو المانع من أن يتصدى مثله للإمامة على غيره، و يصلي الناس خلفه؟! و أما على الثاني فلا تكون الجماعة مشروعة خلفه ليكون ذلك مثارا للفتنة و الخلاف فلا جمعة حتى يجب حضورها و لا فرق في ذلك بين ما سلكناه من عدم وجوب الجمعة إلا بعد الانعقاد و ما سلكه غيرنا من وجوب إقامتها ابتداء لأنه لم ينعقد جمعة صحيحة حتى يجب حضورها، و لا يجب عقدها حينئذ لسقوطه و عدم مشروعية الزائد على جمعة واحدة في مكان واحد على تفصيل موكول إلى محله، و المتحصل أن إيجاب الجمعة غير مستلزم لشيء من إيثار الفتنة و الخلاف.

46

..........

____________

نعم لو كنا جوزنا إقامتها لكل شخص- كما عليه العامة- أدى ذلك إلى التشاجر و النزاع لما مر من أن كل شخص يريد أن يكون هو المتصدي لهذا المقام، أو من يرجع اليه من أقربائه، و لا أقل ممن يقيم الجماعة في محلته كما تقدم إلا انا لا نقول به فدعوى عدم المشروعية في عصر الغيبة أمر لا أساس له.

و «منها»: أن صلاة الجمعة لو قلنا بوجوبها

و كانت مشروعة في عصر الغيبة للزم الحكم بوجوبها على من بعد عن الجمعة فرسخين- أو كان نائيا عنها بأزيد من فرسخين على اختلاف الاخبار كما مر- فلا بد أن يقيمها في محله، مع أن غير واحد من الروايات المتقدمة دل على استثنائه و ليس المراد بهم هو المسافرون، لاستلزامه التكرار في الروايات.

بل المراد به هم القاطنون في القرى و غيرها من الأماكن البعيدة من الجمعة فرسخين فمن ذلك نستكشف عدم مشروعيتها من دون الإمام أو منصوبه الخاص، لانه لا وجه لهذا الاستثناء الا عدم حضور الإمام أو نائبه عندهم.

و الجواب عن ذلك ما اسبقناه من أن الاستثناء في الروايات إنما هو عن وجوب الحضور لها لا عن أصل الوجوب و المشروعية كيف و قد ورد الأمر في الاخبار بإقامتها على أهل القرى إذا كان لهم امام يخطب. نعم لا يجب عليهم الحضور للجمعة المنعقدة في البلد إذا ابتعدوا عنها فرسخين.

و «منها»: ما رواه الصدوق (قده) بإسناده عن الفضل بن شاذان

في العلل و العيون عن الرضا (ع) قال انما صارت صلاة الجمعة إذا كان مع الامام ركعتين، و إذا كان بغير امام ركعتين و ركعتين، لان الناس يتخطون إلى الجمعة من بعد فأحب اللّٰه عز و جل أن يخفف عنهم لموضع

47

..........

____________

التعب الذي صاروا إليه، و لأن الإمام يحبسهم للخطبة و هم منتظرون للصلاة و من انتظر الصلاة فهو في الصلاة في حكم التمام، و لأن الصلاة مع الإمام أتم و أكمل، لعلمه، و فقهه، و فضله، و عدله، و لأن الجمعة عيد و صلاة العيد ركعتان، و لم تقصر لمكان الخطبتين (1).

و قال انما جعلت الخطبة يوم الجمعة، لأن الجمعة مشهد عام، فأراد أن يكون للأمير- كما عن العلل- أو للإمام- كما عن العيون- سبب إلى موعظتهم و ترغيبهم في الطاعة و ترهيبهم من المعصية، و توقيفهم على ما أراد من مصلحة دينهم و دنياهم، و يخبرهم بما ورد عليهم من الافاق (و) من الأهوال التي لهم فيها المضرة و المنفعة، و لا يكون الصابر في الصلاة منفصلا و ليس بفاعل غيره ممن يؤم الناس في غير يوم الجمعة، و انما جعلت خطبتين ليكون واحدة للثناء على اللّٰه، و التمجيد، و التقديس للّٰه عز و جل، و الأخرى للحوائج و الاعذار و الإنذار و الدعاء لما يريد ان يعلمهم من امره و نهيه ما فيه الصلاح و الفساد (2).

فان قوله (ع) لأن الصلاة مع الإمام أتم و أكمل لعلمه و فقهه و فضله و عدله. و قوله: و يخبرهم بما ورد عليهم من الآفاق و من الأهوال التي لهم فيها المضرة، و المنفعة .. و ليس بفاعل غيره من يؤم الناس في غير يوم الجمعة. يدلان على أن الامام في صلاة الجمعة، لا مناص من أن يكون فقيها و فاضلا و عالما و عادلا و مسيطرا على العوالم، و الآفاق حتى يخبر الناس عن الأهوال التي لهم فيها المضرة و المنفعة، و يأمرهم بما فيه الصلاح و ينهاهم عما يفسدهم.

____________

(1) المروية في ب 6 من أبواب صلاة الجمعة من الوسائل.

(2) المروية في ب 25 من أبواب صلاة الجمعة من الوسائل.

48

..........

____________

فالعدالة المجردة- الكافية في إمام لجماعة- غير كافية في إقامة صلاة الجمعة إذا تدلنا الرواية على اشتراط حضور الإمام أو من نصبه بالخصوص في وجوب الجمعة و مشروعيتها، لأن تلك الخصال لا تتحقق إلا فيه (ع) أو في منصوبه الخاص فلا يكتفى فيها بمجرد وجود امام صالح للجماعة، كيف و قد صرحت بان الامام في صلاة الجمعة غير الإمام في غير يوم الجمعة، حيث قال: و ليس بفاعل غيره ممن يؤم الناس في غير يوم الجمعة و الجواب عنها أن هذه الرواية و غيرها مما رواه الصدوق (قده) عن الفضل بن شاذان غير قابلة للاعتماد عليها، لأن في طريقة إليه عبد الواحد بن محمد بن عبدوس، و على بن محمد بن قتيبة، و لم يدلنا دليل على وثاقتهما.

نعم قد ترضى الصدوق على شيخه: عبد الواحد بن محمد بن عبدوس إلا أن مجرد الترضي منه (قده) لشخص لا يدل على وثاقته، فالرواية قاصرة بحسب السند.

كما أنها قاصرة الدلالة على هذا المدعى، و ذلك لأنا و ان لم نشترط في وجوب الجمعة و مشروعيتها حضور الامام (ع) أو من نصبه لأجلها إلا انه لا مناص من أن يكون الامام فيها ممن يصلح لموعظة الناس و ترغيبهم و ترهيبهم، فإنها مشهد عام و يحضرها كل من كان في البلد و ضواحيه إلى أربعة فراسخ من جوانبه الأربعة أعني ستة عشر فرسخا بضرب الأربعة في أربعة. أو الى فرسخين من الجوانب الأربعة أعني ثمانية فراسخ بضرب الاثنين في الأربعة، نظرا الى استثناء من بعد عن الجمعة فرسخين عن وجوبها أو عن وجوب الحضور لها و ان لم يبلغ حد السفر الشرعي، إذا يجتمع فيها خلق كثير.

49

..........

____________

و الامام في مثل هذا المجتمع لا بد و ان يكون- بالطبيعة- متمكنا من موعظتهم و ترغيبهم و تحذيرهم، و لا يتمكن من ذلك الا المتصف بالأخلاق الفاضلة من العلم و العدالة و سائر الكمالات المعنوية.

كما لا بد و ان يكون بصيرا متطلعا على الأوضاع السالفة و الحاضرة و مسيطرا على الأمور، فكون إمام الجمعة كذلك أمر يقتضيه طبع الحال في مثل ذاك المجتمع العظيم، لا أن الامام يجب أن يكون كذلك شرعا لعدم دلالة الرواية عليه، لأنها انما وردت لبيان الحكمة في تشريع صلاة الجمعة و للحكاية عن الجمعات المنعقدة في الخارج.

و ذكر صاحب الوسائل (قده) ان جملة «و ليس بفاعل غيره ممن يؤم الناس ..» غير موجودة في العيون. إلا انها سواء كانت فيه أم لم تكن لا دلالة لها على هذا الاشتراط كما عرفت فلا يستفاد منها غير ان الجمعة بما انها مشهد عظيم كان الامام فيها- بالطبيعة- غير الأئمة في سائر الجماعات المتعارفة، لا ان كونه كذلك معتبر فيه شرعا.

و «منها»: موثقة سماعة

قال: سألت أبا عبد اللّٰه (ع) عن الصلاة يوم الجمعة فقال: أما مع الامام فركعتان و أما لمن صلى وحده فهي أربع ركعات و ان صلوا جماعة (1).

لأنها دلت- بمقتضى المقابلة- على أن صلاة الجمعة مشروطة بحضور الامام و أنه يغاير الإمام في صلاة الجماعة حيث قال: و ان صلوا جماعة و إلا فالمفروض انهم متمكنون من الجماعة. بل قد ذكر المحقق الهمداني (قده) انها كالنص في أن إمام الجمعة الذي هو شرط في وجوب الركعتين ليس مطلق من يصلي بالناس جماعة.

____________

(1) المروية في ب 6 من أبواب صلاة الجمعة من الوسائل.

50

..........

____________

و الجواب عن ذلك أن هذه الرواية قد رواها الصدوق (قده) إلى قوله: فهي أربع ركعات، من دون اشتمالها على الذيل أعني قوله: و ان صلوا جماعة (1) و رواها الكليني (قده) بعين هذا السند مفسرة و مشروحة فان روايته قد فسرت الامام بإمام يخطب فروى عن سماعة قال: سألت أبا عبد اللّٰه (ع) عن الصلاة يوم الجمعة فقال: أما مع الامام فركعتان و أما من يصلي وحده فهي أربع ركعات بمنزلة الظهر يعني إذا كان امام يخطب، فان لم يكن امام يخطب فهي أربع ركعات و إن صلوا جماعة (2) فالرواية هي الرواية بعينها و لكن مشروحة و موضحة، و لا يحتمل تعددها بوجه و قد شرحت المراد من تلك الرواية و معها لا دلالة لها على اعتبار حضور الامام (ع) أو منصوبه الخاص في وجوب الجمعة كما ترى هذا بناء على أن التفسير في الرواية من الامام (ع).

و أما إذا كان من سماعة فالأمر أيضا كذلك، لان غير واحد من الروايات قد دلتنا على أن وجوب الجمعة مشروط بوجود امام يخطب و يتمكن من الخطبة، و هذه الروايات كالشارحة لهذه الموثقة فلا دلالة لها على المدعى

و «منها»: جملة من الاخبار الواردة

في أن الجمعة و الحكومة و الحدود لهم (عليهم السلام) و إليك بعضها:

«منها»: الخبر المروي عن دعائم الإسلام عن علي (ع) أنه قال لا يصلح الحكم و لا الحدود و لا الجمعة إلا للإمام أو من يقيمه الامام (3)

____________

(1) المروية في ب 6 من أبواب صلاة الجمعة من الوسائل.

(2) المروية في ب 5 من أبواب صلاة الجمعة من الوسائل.

(3) دعائم الإسلام الجزء 1 ص 183 طبعة دار المعارف الى قوله الا بإمام و أضيف إليه في الهامش: أو لمن يقيمه الامام.

51

..........

____________

و «منها»: ما روي عن الأشعثيات: من أن الجمعة و الحكومة لإمام المسلمين (1).

و «منها»: ما رواه الفاضل ابن عصفور عنهم (ع) من ان الجمعة لنا و الجماعة لشيعتنا (2).

و «منها»: غير ذلك مما دل على أن الجمعة لهم (عليهم السلام).

و يرده أن تلك الروايات ضعيفة السند- كلية- لإرسالها فلا يمكننا الاعتماد عليها في قبال المطلقات المتقدمة من الكتاب و السنة الدالة على وجوب الجمعة من غير تقييده بحضور الإمام أو المنصوب من قبله بل قد عرفت دلالة بعضها على إذنهم (ع) في إقامتها لكل من يحسن الخطبة و يتمكن من الإمامة.

على انا لو أغمضنا عن أسانيدها فلا دلالة لها على خلاف ما قدمناه في المسألة، لأن كون الجمعة لهم بمعنى أنهم أحق بإقامتها من غيرهم، و لا يسع لغيرهم أن يزاحمهم في ذلك، و من هنا لو كان (ع) حاضرا لكان أحق بها من غيره بلا ريب، و انما نرى جوازها من دونه لأنهم (ع) أذنوا في ذلك على نحو العموم، و الجواز للغير مستندا إلى إذنهم غير مناف لكونهم أحق بها من غيرهم بوجه.

لأنها نظير الحكومة فكما أنها تختص بهم (ع) و يجوز لغيرهم التصدي

____________

(1) لم نعثر فيها على هذا الحديث نعم ورد فيها: ان عليا (ع) قال:

لا يصلح- يصح- الحكم و لا الحدود، و لا الجمعة إلا بإمام و نحوه مما يدل على هذا المضمون راجع ص 42.

(2) الفرحة الإنسية للشيخ حسين آل عصفور ص 139.

52

..........

____________

لها بإذنهم في ذلك كما في مقبولة عمر بن حنظلة (1) الدالة على جواز التحاكم الى علماء الشيعة فكذلك الحال في إمامة الجمعة.

فهل يتوهم أحد عدم جواز تصدى غيرهم (ع) للحكومة بدعوى اختصاصها لهم (عليهم السلام)؟! لأننا أيضا نسلم الاختصاص غير انا ندعي أن امامة الغير إذا كان مستندا إلى إذنهم في ذلك- و لو على نحو العموم- لم يكن منافيا للاختصاص.

و بهذا يظهر الجواب عما ورد في الصحيفة السجادية (ع) في دعاء يوم الجمعة و ثاني العيدين من قوله (ع): اللهم ان هذا المقام مقام لخلفائك و أصفيائك و مواضع أمنائك في الدرجة الرفيعة التي اختصصتهم بها قد ابتزوها و أنت المقدر لذلك إلى أن قال: حتى عاد صفوتك و خلفاؤك مغلوبين مقهورين مبتزين يرون حكمك مبدلا و كتابك منبوذا .. و عجل الفرج و الروح و النصرة و التمكين و التأييد لهم (2) و قد استدلوا به أيضا على الاختصاص.

و قد عرفت أنا نسلم اختصاص الجمعة لهم (ع) بلا ريب إلا أنهم (ع) بأنفسهم رخصوا في إقامتها لكل من استجمع شرائط الإمامة ترخيصا عاما كما مر و هذا غير مناف للاختصاص بهم بوجه.

و «منها»: الأخبار الواردة في أن الجمعة إذا صادفت عيدا

من فطر أو أضحى فللإمام أن يأذن لمن حضرها من الأماكن النائية بالرجوع إذا شاءوا ذلك، حيث استظهروا منها أن الجمعة حق يخصهم (ع) و لذا كان لهم أن يأذنوا في ترك الحضور لها و إسقاط حقهم بذلك، و إلا فلو

____________

(1) المروية في ب 9 من أبواب صفات القاضي من الوسائل.

(2) دعائه (ع) في الأضحى و الجمعة رقم 48.

53

..........

____________

كانت صلاة الجمعة فريضة تعيينية كبقية الفرائض لم يكن أي مسوغ في ترخيصهم في تركها، لانه ليس إلا ترخيصا في ترك فريضة تعيينية، كما لو رخصوا في ترك فريضة المغرب أو غيرها و هي عدة روايات:

«منها»: صحيحة الحلبي أنه سال أبا عبد اللّٰه (ع) عن الفطر و الأضحى، إذا اجتمعا في يوم الجمعة فقال: اجتمعا في زمان علي (ع) فقال: من شاء أن يأتي إلى الجمعة فليأت و من قعد فلا يضره، و ليصل الظهر، و خطب خطبتين جمع فيهما خطبة العيد و خطبة الجمعة (1).

و هذه الرواية و إن كانت صحيحة بحسب السند، لصحة إسناد الصدوق إلى الحلبي، إلا أنها قاصرة الدلالة على هذا المدعى لعدم اشتمالها على أن الامام (ع) أذن للنائين عن البلد في ترك الحضور للجمعة، و انما اشتملت على بيان حكم شرعي عام نظير غيره من الاحكام التي جعلها الشارع في الشريعة المقدسة على نحو القضية الحقيقية و هو أن الجمعة متى ما صادفت عيدا من فطر أو أضحى جاز لمن كان متنحيا عن البلد أن يترك الحضور للجمعة و أين هذا من اذنه (ع) في تركها اذنا خاصا مسقطا لحقه؟ حتى يقال انها من حقوقهم (ع).

و «منها»: ما رواه سلمة عن أبي عبد اللّٰه (ع) قال: اجتمع عيدان على عهد أمير المؤمنين (ع) فخطب الناس فقال: هذا يوم اجتمع فيه عيدان فمن أحب أن يجمع معنا فليفعل، و من لم يفعل فان له رخصة يعني من كان متنحيا (2).

و هي أيضا قاصرة الدلالة على المدعى، لان الظاهر من قوله (ع)

____________

(1) المرويتان في ب 15 من أبواب صلاة العيد من الوسائل.

(2) المرويتان في ب 15 من أبواب صلاة العيد من الوسائل.

54

..........

____________

فإن له رخصة، أنه مرخص في ترك الجمعة ترخيصا شرعيا و من باب انه حكم كلي مجعول في الشريعة المقدسة- كما مر- لا انه اذن شخصي في ترك الحضور للجمعة و إسقاط لحقه.

و قد تبدو فيها المناقشة بحسب السند من جهتين:

من جهة الحسين بن محمد، و من جهة معلى بن محمد، لتردد الأول بين الثقة و غيرها و عدم توثيق الثاني في الرجال.

و تندفع الجهة الأولى: بأن الظاهر انه الحسين بن محمد بن عامر بن عمران الثقة، بقرينة إنه شيخ الكليني و ابن قولويه، و انه الراوي لكتاب معلى بن محمد.

و أما الجهة الثانية فالظاهر انه لا مدفع لها الا ما سلكناه من أن الرواة الواقعين في أسانيد كامل الزيارات كلهم ثقات و قد وثقهم ابن قولويه في أول كتابه، و الرجل و ان لم يوثق في كتب الرجال الا أنه ممن وقع في أسانيد كامل الزيارات فلاحظ.

و «منها»: ما رواه إسحاق بن عمار عن جعفر عن أبيه أن علي بن أبي طالب (ع) كان يقول: إذا اجتمع عيدان للناس في يوم واحد فإنه ينبغي للإمام أن يقول للناس في خطبته الاولى: أنه قد اجتمع لكم عيدان فأنا أصليهما جميعا فمن كان مكانه قاصيا فأحب أن ينصرف عن الآخر فقد أذنت له (1).

و هذه الرواية و ان كان قد اشتملت على انه (ع) اذن للقاصي مكانه في الرجوع الا أن الظاهر منها أيضا انه ليس اذنا شخصيا منه (ع) بل انما اذن له بما انه مبين للحرام و الحلال و غيرهما من الأحكام الكلية الإلهية

____________

(1) المروية في ب 15 من أبواب صلاة العيد من الوسائل.