رياض المسائل - ج12

- السيد علي الطباطبائي المزيد...
511 /
5

[تتمة كتاب النكاح]

[النظر الثاني في المهور]

النظر الثاني في المهور و فيه أطراف

[الأول فيه فروع]

[كلّ ما يملكه المسلم يكون مهراً]

الأول: فيما يصحّ الإمهار به.

فنقول: كلّ ما صحّ أن يملكه المسلم و إن قلّ بعد أن يكون متموّلًا جاز أن يكون مهراً، عيناً مشخّصاً كان، أو ديناً في الذمّة أو منفعة منفعة العقار، أو الحيوان، أو العبيد، أو الأجير، أجنبيّا كان أو زوجاً، بلا خلاف، إلّا فيما يأتي كتعليم الصنعة و السورة أو علم غير واجب، أو شيء من الحكم و الآداب، أو شعر، أو غيرها من الأعمال المحلّلة المقصودة.

و يستوي فيه أي التعليم الزوج و الأجنبي بلا خلاف في الأخير مطلقاً، و في الأول إذا لم يكن مراداً منه بنفسه مقدّراً بمدّة معيّنة، بل علّق بذمّته، أعمّ من أن يأتيه بنفسه أو بغيره، فيصحّ هنا قطعاً و وفاقاً، و قد

6

حكاه جماعة (1).

أمّا لو جعلت الزوجة المهر استئجار الزوج لأن يعلّم أو يعمل هو بنفسه لها أو لوليّها مدّة معيّنة، كشهر أو شهرين أو سنة ف في الصحّة قولان، أشبههما و أشهرهما: الصحّة و الجواز للأصل، و عموم الآية لٰا جُنٰاحَ عَلَيْكُمْ فِيمٰا تَرٰاضَيْتُمْ بِهِ (2)، و المعتبرة المستفيضة ب: أنّ المهر ما تراضيا عليه، منها الصحاح: «الصداق ما تراضيا عليه من قليل أو كثير» (3).

خلافاً للنهاية، فأبطله (4)؛ للصحيح: عن الرجل يتزوّج المرأة و شرط لأبيها إجارة شهرين، فقال: «إنّ موسى (عليه السلام) علم أنّه سيتمّ له شرطه، فكيف لهذا بأن يعلم بأنّه سيبقى حتى يفي؟! و قد كان الرجل على عهد رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) يتزوّج المرأة على السورة، و على الدرهم، و على القبضة من الحنطة» (5).

و ليس نصّاً في البطلان، فيحتمل الكراهة، مع عدم مكافأته لما مرّ، و أداء العمل به إلى فساد الإصداق بنحو تعليم سورة أو إجارة غيره؛ للاشتراك في العلّة المنصوصة فيه، مع أنّه تضمّن جواز جعل الأول مهراً، مع الإجماع عليه، و دلالة المعتبرة عليه

____________

(1) منهم الشهيد الثاني في المسالك 1: 534، نهاية المرام 1: 362، انظر جامع المقاصد 13: 334، الشرائع 2: 272.

(2) النساء: 24.

(3) الوسائل 21: 239 أبواب المهور ب 1.

(4) النهاية: 469.

(5) الكافي 5: 414/ 1، التهذيب 7: 366/ 1483، الوسائل 21: 280 أبواب المهور ب 22 ح 1؛ بتفاوت يسير.

7

كالصحيح المتضمّن لتزويج النبيّ (صلى الله عليه و آله) امرأة من رجل على أن يعلّمها ما يحسن من القرآن (1).

و نحوه المعتبر بوجود المجمع على تصحيح رواياته في سنده-: عن رجل تزوّج امرأة على أن يعلّمها سورة من كتاب اللّٰه عزّ و جلّ، فقال:

«لا أُحبّ أن يدخل بها حتى يعلّمها السورة» (2).

و بالجملة: فمثل هذه الرواية كيف يعارض ما مرّ من الأدلّة؟! مع اعتضادها بالأصل، و عموم الآية الكريمة، و الشهرة العظيمة التي كادت تكون إجماعاً، بل إجماع في الحقيقة، فقد رجع عنه الشيخ في المبسوط و الخلاف مدّعياً فيه على جواز جعل الإجارة مهراً على الإطلاق الوفاق (3).

[لا تقدير للمهر في القلّة و لا في الكثرة و لا بد من تعيينه]

و لا تقدير للمهر في القلّة ما لم يقصر عن التقويم كحبّة حنطة بإجماع الطائفة، و عموم الآية، و المعتبرة المستفيضة المتقدّمة، و خصوص الرواية السابقة المنبئة عن تزويج المرأة في زمنه (صلى الله عليه و آله) بالقبضة من الحنطة.

و لا في الكثرة على الأشبه، بل يتقدّر بالتراضي بينهما، و هو الأشهر بين الطائفة، بل كاد أن يكون إجماعاً، بل إجماع في الحقيقة، و ربما أشعر بحكايته عبارة العلّامة (4)، و حكي صريحاً عن بعض الأجلّة (5).

____________

(1) الكافي 5: 380/ 5، التهذيب 7: 354/ 1444، الوسائل 21: 242 أبواب المهور ب 2 ح 1.

(2) الكافي 5: 380/ 4، التهذيب 7: 367/ 1487، الوسائل 21: 254 أبواب المهور ب 7 ح 2.

(3) المبسوط 4: 273، الخلاف 4: 366.

(4) في المختلف (541). منه (رحمه الله).

(5) انظر التنقيح الرائع 3: 208 209.

8

للأصل، و ما مضى من الأدلّة، و خصوص الآية الشريفة وَ آتَيْتُمْ إِحْدٰاهُنَّ قِنْطٰاراً (1)، و هو المال العظيم، و في القاموس: القِنطار بالكسر:

وزن أربعين أُوقيّة من ذهب أو فضة، أو ألف [و مائتا] دينار، أو ألف و مائتا أُوقيّة، أو سبعون ألف دينار، أو ثمانون ألف درهم، أو مائة رطل من ذهب أو فضّة، أو ملء مسْك ثور ذهباً أو فضّة (2).

و الصحيح: «لو أنّ رجلًا تزوّج امرأة و جعل مهرها عشرين ألفاً و لأبيها عشرة آلاف، كان المهر جائزاً، و الذي جعله لأبيها فاسداً» (3).

و حكى الشيخ في المبسوط: أنّ الحسن بن عليّ (عليهما السلام) أصدق امرأة مائة جارية مع كلّ جارية ألف درهم، و أن عمر أصدق بنت أمير المؤمنين (عليه السلام) أربعين ألف درهم، و ذكر أنّ جماعة من الصحابة و التابعين أصدقوا نحو ذلك (4).

و منع المرتضى رضى الله عنه الزيادة على مهر السنّة (5)، و هو خمسمائة درهم كما في النصوص المستفيضة (6)؛ محتجّاً بإجماع الفرقة، و به رواية ضعيفة لا تصلح للحجّية (7)، سيّما في مقابلة ما مضى من الأدلّة. و الإجماع بمصير الأكثر بل الجميع إلى الخلاف موهون، و مع ذلك معارض بمثله،

____________

(1) النساء: 20.

(2) القاموس 2: 127، و ما بين المعقوفين أضفناه من المصدر.

(3) الكافي 5: 384/ 1، التهذيب 7: 361/ 1465، الإستبصار 3: 224/ 811، الوسائل 21: 263 أبواب المهور ب 9 ح 1.

(4) المبسوط 4: 272.

(5) الانتصار: 124.

(6) الوسائل 21: 244 أبواب المهور ب 4.

(7) التهذيب 7: 361/ 1464، الإستبصار 3: 224/ 810، الوسائل 21: 261 أبواب المهور ب 8 ح 14.

9

بل و أقوى كما لا يخفى، و جميع التفاسير للقنطار ترد عليه، و الخبر الصحيح حجّة بيّنة، مضافاً إلىٰ عموم الآيات و المعتبرة المستفيضة. و دفعه على أصله (1) من عدم صيغة تخصّه كما في المسالك (2) غريب؛ لاختصاصه كما صرّح به بما عدا الشرع، و إلّا فقد صرّح بخلافه و وجود صيغة تخصّه فيه (3).

و بالجملة: فهو ضعيف جدّاً.

نعم، يستحبّ الاقتصار عليه؛ لذلك، و لإصداق النبيّ (صلى الله عليه و آله) به لأزواجه جُمع (4).

و لو احتيط مع إرادة الزيادة بجعل الصداق السنّة و ما زاد نحلة كان حسناً؛ تأسّياً بمولانا الجواد (عليه السلام)، حيث فعل ذلك بابنة المأمون، قال:

«و بذلت لها من الصداق ما بذله رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) لأزواجه، و هو اثنتا عشرة أُوقيّة و نَشّ، على تمام الخمسمائة، و قد نحلتها من مالي مائة ألف» (5).

و لا بُدّ من تعيينه إذا ذُكِر من متن العقد؛ ليخرج عن الجهالة الموجبة للغرر و الضرر المنهيّ عنهما في الشريعة.

و يتحقّق بالوصف المعيِّن له و لو في الجملة، و لا يعتبر فيه استقصاء الأوصاف المعتبرة في السَّلم.

أو بالإشارة ك: هذا الثوب، و هذه الدابّة، مثلًا.

____________

(1) أي المرتضىٰ. منه (رحمه الله).

(2) المسالك 1: 535.

(3) الذريعة إلىٰ أُصول الشريعة 1: 239.

(4) انظر الوسائل 21: 244 أبواب المهور ب 4.

(5) مكارم الأخلاق: 205، البحار 100: 271/ 22، المستدرك 15: 63 أبواب المهور ب 4 ح 4، بتفاوت يسير.

10

و تكفي فيه المشاهدة عن اعتبار كيله أو وزنه أو عدّه، كقطعة من ذهب مشاهدة لا يعلم وزنها، و قبّة من طعام لا يعلم كيلها؛ لارتفاع معظم الغرر بذلك، و اغتفار الباقي في النكاح؛ لأنّه ليس معاوضة محضة بحيث ينافيه ما زاد منه، كما قطع به الأصحاب. و عضده الأصل، و عموم الكتاب و السنّة المتقدّمة، سيّما الصحيح المتقدّم، المتضمّن لتزويجه (صلى الله عليه و آله) المرأة من الرجل بما يحسن من القرآن مع جهالته قطعاً (1)، و المتضمّن لإمهار النسوة في زمانه (صلى الله عليه و آله) بقبضة من حنطة مع جهالتها (2)؛ مضافاً إلىٰ فحوى النصوص الدالّة بالاكتفاء بمثلها في عقد المتعة (3) مع اشتراطه في صحّته إجماعاً، فالاكتفاء بها هنا أولى؛ لعدم الاشتراط فيه قطعاً، فتأمّل جدّاً.

و يشكل الحكم لو تلف قبل التسليم أو بعده و قد طلّقها قبل الدخول ليرجع بنصفه.

و في الرجوع إلىٰ الصلح مطلقاً، أو تضمينه مهر المثل في الأول، قولان.

الأشهر الأظهر: الأول.

و ضُعِّف الثاني بأنّ ضمان المهر عندنا ضمان يد، لا ضمان معاوضة، و من ثم كان التلف قبل القبض يوجب الرجوع إلى القيمة. نعم، هو مذهب بعض العامّة (4).

و يدفعه أيضاً أصالة البراءة لو علم زيادته عن المسمّى،

____________

(1) راجع ص 6.

(2) راجع ص 6.

(3) انظر الوسائل 21: أبواب المتعة ب 21 ح 2، 5.

(4) انظر المسالك 1: 536، نهاية المرام 1: 367.

11

و الاستصحاب لو علم نقصه عنه، فتأمّل.

و حيث قد عرفت اشتراط صحّة المهر بالتعيين و لو في الجملة، تعيّن فساده مع عدمه بالمرّة و الرجوع إلى مهر المثل، بلا خلاف فيه كما حكي (1)، و مقتضاه اطّراد الحكم فيما لو تزوّجها على خادم و الحال أنّه لم يعيّن أصلًا، و عليه فتوى جماعة من المتأخّرين (2).

عملًا بالأصل. و لا دليل على كلّيته سوى الإجماع و ليس في محلّ النزاع و النهي عن الغرر المخصَّص في المقام بالإجماع، و بالدليل الذي مرّ، و مقتضاه الاكتفاء بما تراضيا عليه كائناً ما كان، خرج عنه ما لم يعيَّن أصلًا بالاتّفاق، و بقي الباقي.

و استضعافاً لأدلّة الخلاف. و سيأتي الجواب عنه.

و الأصحّ وفاقاً لأكثر القدماء، كالمبسوط و الخلاف و الغنية و المهذّب و الجامع (3)، و بعض من تأخّر، كالعلّامة في الإرشاد (4) ما اختاره الماتن هنا بقوله: فلها الوسط، و كذا لو قال: دار، أو: بيت للأصل، و ضعف دليل الخلاف، و خصوص المعتبرة:

منها الخبر المعتبر بوجود ابن أبي عمير في سنده، فلا يضرّه ضعف

____________

(1) المسالك 1: 536، و قد حكاه عنه في الحدائق 24: 438.

(2) كفخر المحققين في الإيضاح 3: 195، و الفاضل المقداد في التنقيح الرائع 3: 210، و الشهيد الثاني في المسالك 1: 536، و صاحب المدارك في نهاية المرام 1: 368.

(3) المبسوط 4: 290، الخلاف 4: 191، الغنية (الجوامع الفقهية): 610، المهذب 2: 206، الجامع للشرائع: 441.

(4) الإرشاد 2: 15.

12

راويه-: رجل تزوّج امرأة على خادم، قال: فقال لي: «وسط من الخدم»، قال: قلت: على بيت؟ قال: «وسط من البيوت» (1)، و نحوه خبر آخر (2).

و المرسل كالصحيح على الأشهر الصحيح في الدار خاصّة (3).

و هي مع اعتبار سند أكثرها معتضدة بالشهرة القديمة المدّعى عليها الإجماع كما عن الخلاف (4)، المؤيّدة بما مرّ من الأدلّة، فلا وجه للقدح فيها من حيث السند.

كما لا وجه له فيها من حيث المتن باعتبار جهالة الوسط من حيث تعدّد أفراده؛ بناءً على ما عرفت من المنع عن إطلاق ضررها، مع استفاضة النصوص المعاضدة بعموم الكتاب بعدمه؛ مع أنّ هذه الجهالة قريبة من الجهالة بمقدار الصبرة المشاهدة، بل نحوها، مع اتّفاقهم على عدم ضررها.

و الأحوط المصير إلى ما ذكروه إن لم يُعقَد بمثل ذلك بأن يعيّن القيمة، و الرجوع إلى الصلح معه إن لم يحصل التراضي إلّا به.

و لو قال: أتزوّجك على السنّة مكتفياً به كان المهر خمسمائة درهم قطعاً لو قصداها عالمين بها، و مطلقاً على الأشهر الأظهر.

للخبر المعتبر بوجود المجمع على تصحيح رواياته في سنده، فلا يضرّ جهالة راويه، مع اعتضاده بالشهرة العظيمة التي كادت تكون

____________

(1) الكافي 5: 381/ 7، التهذيب 7: 366/ 1485، الوسائل 21: 283 أبواب المهور ب 25 ح 2؛ بتفاوت يسير.

(2) الكافي 5: 381/ 8، الوسائل 21: 283 أبواب المهور ب 25 ح 1.

(3) التهذيب 7: 375/ 1520، الوسائل 21: 284 أبواب المهور ب 25 ح 3.

(4) الخلاف 4: 371.

13

إجماعاً، بل إجماع في الحقيقة كما في الروضة (1) و عن غيره من الأجلّة (2)، و فيه: قلت له: رجل يتزوّج امرأة و لم يسمّ لها مهراً، و كان في الكلام:

أتزوّجك على كتاب اللّٰه و سنّه نبيّه (صلى الله عليه و آله)، فمات عنها أو أراد أن يدخل بها، فمالها من المهر؟ قال: «مهر السنّة» قال: قلت: يقولون أهلها: مهور نسائها؟ قال: فقال: «هو مهر السنّة» و كلّما قلت له شيئاً، قال: «مهر السنّة» (3).

و بهما يندفع الإشكال مع جهل الزوجين أو أحدهما بما جرت به السنّة منه، أو مع علمهما و عدم قصدهما إيّاه، و بقبوله الغرر في الجملة كما تقرّر و مرّ، فلا وجه لتوقّف بعض من تأخّر (4).

ثم مقتضى الحكم و المستند: ثبوت المهر بالعقد، كالمعيّن بالذكر فيه لا بالدخول كمهر السنّة الثابت به للمفوّضة على بعض الوجوه؛ و يدلّ عليه إثباته بالموت قبل الدخول، كما يظهر من الرواية.

و لو تزوّجها و سمّى لها مهراً معيّناً و لأبيها أو غيره واسطة أو أجنبيّ شيئاً خارجاً عنه، بحيث يكون المجموع في مقابلة البضع، لا عطيّة في البعض أو جعالة فيه؛ للّزوم في الثاني دون الأول قطعاً فيهما، و يعتبر فيه أيضاً الذكر بالتسمية خاصّة لا الاشتراط، و حينئذٍ لزم مهرها و سقط ما سمّى له إجماعاً كما عن الخلاف في الأول (5)، و الغنية

____________

(1) الروضة 4: 346.

(2) انظر الحدائق 24: 442، و هو في جامع المقاصد 13: 344.

(3) التهذيب 7: 363/ 1470، الإستبصار 3: 225/ 816، الوسائل 21: 270 أبواب المهور ب 13 ح 1.

(4) كالشهيد الثاني في المسالك 1: 536، 542.

(5) الخلاف 4: 387 388.

14

في الثاني (1).

و للصحيح: «لو أنّ رجلًا تزوّج امرأة و جعل مهرها عشرين ألفاً، و جعل لأبيها عشرة آلاف، كان المهر جائزاً، و الذي جعله لأبيها فاسداً» (2).

و يعضد السقوط: أنّ الساقط ليس من أركان النكاح و لا من العوض المعتبر فيه، فكان لغواً لا دليل على لزومه، سوى ذكره في العقد، و هو غير صالح له.

و نسبة الخلاف إلىٰ الإسكافي هنا (3) بناءً على حكمه بالاحتياط بالوفاء بالمجعول للمجعول له ليس في محلّه؛ لظهور الاحتياط في الاستحباب، مع احتمال إرادته الجعالة بالمعنى المعروف، و ليس من محلّ الفرض في شيء؛ لتصويره في لزوم المجعول للمجعول له بمجرّد العقد لا بغيره، و الاحتمال ينافيه.

ثم إنّ إطلاق النصّ و الفتاوي يقتضي عدم الفرق بين أن يتسبّب تسمية الشيء للأب لتقليل المهر بزعمها لزومه بذكره في العقد، أم لا. و ربما يستشكل في الأول، و هو حسن، لولا النصّ الصحيح المعتضد بما مرّ.

و لو جُعِل المسمّى للأب جزءاً من المهر كأن أمهرها شيئاً، و شرط أن يعطي أباها منه شيئاً لزم الشرط لو كان على اختيار من دون شائبة إكراه و إجبار، وفاقاً للإسكافي و الإرشاد و الشهيد في النكت و شارح الكتاب (4)،

____________

(1) الغنية (الجوامع الفقهية): 610.

(2) الكافي 5: 384/ 1، التهذيب 7: 361/ 1465، الإستبصار 3: 224/ 811، الوسائل 21: 263 أبواب المهور ب 9 ح 1.

(3) حكاه عنه في التنقيح الرائع 3: 211.

(4) حكاه عن الإسكافي في التنقيح الرائع 3: 211، انظر الإرشاد 2: 15، حكاه عن الشهيد في جامع المقاصد 13: 397، شارح الكتاب في نهاية المرام 1: 369.

15

فإنّه شرط سائغ في عقد لازم، فيلزم؛ لعموم الأمر بالوفاء بالعقد (1) و بالشرط (2) مع خروجه عن النصّ.

و يعضده النبويّ (3) و المرتضويّ (4): «أحقّ الشروط ما نكحت به الفروج». خلافاً للأكثر، فيصحّ المهر و يفسد الشرط خاصّة أيضاً كالسابق، و لا دليل عليه، و على تقديره معارَضٌ بما مرّ.

و على المختار: ارتجع بنصف المجموع بالطلاق، حتى نصف مأخوذ الأب.

و لو عقد الذمّيان أو غيرهما من الكفّار و إنّما خصّ بهما تبعاً للنصّ- على ما لا يملك في شرعنا، ك خمر أو خنزير، صحّ العقد و المهر بلا خلاف؛ لأنّهما يملكانه في شرعهما.

و لو أسلما أو أحدهما قبل القبض، فلها على الأشهر الأظهر القيمة عند مستحلّيه؛ لخروجه عن ملك المسلم عيناً كان أو مضموناً لأنّ المسمّى لم يفسد. و لهذا، لو كان قد أقبضها إيّاه قبل الإسلام برئ، و إنّما تعذّر الحكم به لمانع الإسلام، فوجب المصير إلى قيمته؛ لأنّها أقرب شيء إليه، كما لو جرى العقد على عين و تعذّر

____________

(1) المائدة: 1.

(2) التهذيب 7: 371/ 1503، الإستبصار 3: 232/ 835، الوسائل 21: 276 أبواب المهور ب 20 ح 4.

(3) مسند أحمد 4: 144، سنن أبي داود 2: 244/ 2139، سنن الترمذي 2: 298/ 1137، سنن البيهقي 7: 248؛ بتفاوت يسير.

(4) الفقيه 3: 252/ 1201، الوسائل 21: 267 أبواب المهور ب 11 ح 7؛ بتفاوت يسير.

16

تسليمها، و مثله: ما لو جعلا ثمناً لمبيع، أو عوضاً لصلح، أو غيرهما.

هذا، مضافاً إلىٰ النصّ: النصراني يتزوّج النصرانيّة على ثلاثين دَنّاً من خمر و ثلاثين خنزيراً، ثم أسلما بعد ذلك و لم يكن دخل بها، قال: «ينظر كم قيمة الخمر و كم قيمة الخنزير، فيرسل بها إليها، ثم يدخل عليها و هما على نكاحهما الأول» (1).

و قيل (2): يجب مهر المثل؛ تنزيلًا لتعذّر تسليم العين منزلة الفساد.

و فيه: منع كما مرّ.

و لأنّ وجوب القيمة فرع وجوب دفع العين مع الإمكان، و هو هنا ممكن، و إنّما عرض عدم صلاحيّته للتملّك لهما.

و يضعّف بأنّ التعذّر الشرعي منزَّل منزلة الحسّي أو أقوى، هذا و مهر المثل قد يكون أزيد من المسمّى، فهي تعترف بعدم استحقاق الزائد، أو أنقص، فيعترف هو باستحقاق الزائد، و حيث لم يقع المسمّى فاسداً فكيف يرجع إلىٰ غيره بعد استقراره؟! و ربما يستدلّ له بالخبر: «إذا أسلما حرم عليه أن يدفع إليها شيئاً من ذلك» أي الخمر و الخنزير الممهورة بهما «و لكن يعطيها صداقاً» (3).

و ليس نصّاً في المطلوب، فيحتمل القيمة، و على تقديره فلا يعارض ما مرّ، مع ضعف سنده و عدم مجبوريّته.

____________

(1) الفقيه 3: 291/ 1383، الوسائل 21: 243 أبواب المهور ب 3 ح 2؛ بتفاوت يسير. و الدَّنّ: كهيئة الحُبّ إلّا أنّه أطول منه و أوسع رأساً، و الجمع دِنان. المصباح المنير: 201.

(2) انظر الروضة البهية 5: 343.

(3) الكافي 5: 436/ 5، و ورد في التهذيب 7: 355/ 1447، و الوسائل 21: 243 أبواب المهور ب 3 ح 1؛ بتفاوت.

17

و لو كان الإسلام بعد قبض بعضه، سقط بقدر المقبوض، و وجب قيمة الباقي. و على الثاني (1): يجب بنسبته من مهر المثل.

و في ذكر المضمون في العبارة ردّ على بعض العامّة، حيث فرّق بينهما، و حكم في العين أنّها لا تستحقّ غيره، دون المضمون، فإنّها تستحقّ معه مهر المثل (2). و هو مقطوع بفساده.

[لا يجوز عقد المسلم على الخمر]

و لا يجوز عقد المسلم على الخمر و نحوها ممّا لا يملك إجماعاً، و لو عقد عليها فسد المهر إجماعاً و صحّ العقد على الأصحّ الأشهر، كما عن الإسكافي و الطوسي و الحلّي و ابن زهرة العلوي و ابن حمزة و العلّامة و ابن المفلح الصيمري و الشهيد (3) و أكثر المتأخّرين (4)، بل نفى عنه الخلاف في الغنية إلّا عن مالك و بعض الأصحاب (5).

لدخوله في عموم ما دلّ على وجوب الوفاء به (6).

و لا مخرج عنه سوى اشتراطه بالتراضي المفقود هنا؛ بناءً على وقوعه على الباطل المستلزم لعدمه بدونه.

و فيه: أنّ الشرط حصوله، و قد وُجِد، فثبت الصحّة المشروطة به،

____________

(1) أي القول. منه (رحمه الله).

(2) الشرح الكبير 7: 591.

(3) حكاه عن الإسكافي في المختلف: 541، الطوسي في المبسوط 4: 272، الحلّي في السرائر 2: 577، ابن زهرة في الغنية (الجوامع الفقهية): 610، ابن حمزة في الوسيلة: 296، العلّامة في التحرير 2: 31، و القواعد 2: 37، الشهيد في المسالك 1: 534.

(4) التنقيح الرائع 3: 213، جامع المقاصد 13: 373، كشف اللثام 2: 80.

(5) الغنية (الجوامع الفقهية): 610.

(6) المائدة: 1.

18

و بطلان المتعلّق غير ملازم لبطلانه (1) أوّلًا، فقد يكون الرضاء بالتزويج باقياً بعد المعرفة ببطلان المرضيّ به، و على تقديره فاللّازم منه ارتفاع الرضاء من حين المعرفة بالبطلان و عدمُ البقاء، و ليس شرطاً في الصحّة، بل الوجود، و قد حصل.

و دعوى استلزام بطلان المرضيّ به بطلان أصل الرضاء و عدم حصوله (2)، فاسدةٌ بالضرورة.

هذا، و يدلّ عليه فحوى ما دلّ على صحّة العقد المشتمل على الشروط الفاسدة (3)؛ لدلالتها على توقّف حصول الرضاء عليها، و انتفائه حين العقد عند انتفائها، فالصحّة فيه مستلزم لثبوتها هنا بطريق أولى كما لا يخفى؛ لعدم التصريح فيه بعدم الرضاء مع انتفاء المرضيّ به جدّاً.

و ممّا ذكر ظهر ضعف القول بالبطلان و دليله كما يأتي، و لكن الاحتياط لا يترك.

و على المختار، فهل لها مع الدخول بها مهر المثل مطلقاً كان للمسمّى قيمة أم لا؟ كما في الشرائع و الإرشاد و التحرير و التلخيص و التبصرة و عن السرائر و الجامع و الوسيلة و موضع من الخلاف (4).

أو القيمة كذلك (5)، و لكن يقدّر ما لا قيمة له ذا قيمة، كالحرّ عبداً؟

____________

(1) أي الرضاء. منه (رحمه الله).

(2) انظر نهاية المرام 1: 371، المهذب البارع 3: 390.

(3) انظر الوسائل 21: 275 أبواب المهور ب 20.

(4) الشرائع 2: 324، الإرشاد 2: 14، التحرير 2: 31، التلخيص (الينابيع الفقهية 38): 479، التبصرة: 141، السرائر 2: 577، الجامع للشرائع: 441، الوسيلة: 296، الخلاف 4: 363.

(5) أي مطلقاً. منه (رحمه الله).

19

كما عن المبسوط (1).

أو فيما له قيمة كالخمر، و أمّا ما لا قيمة له فالأول (2)؟ كما عن بعض الأصحاب (3).

أقوال، أشهرها و أظهرها: الأول؛ لبطلان المسمّى بعدم الصلاحيّة للصداق بالضرورة، فيخلو العقد عنه، فتلحق بمفوّضة البضع، و لها مع الدخول مهر المثل؛ لأنّه عوض البضع حيث لا تسمية.

و لها المتعة لو طُلِّقت قبله، على قول حكاه في الروضة (4).

و أطلق العلّامة في جملة من كتبه ثبوت المثل و لو قبل الدخول (5)؛ و وُجِّه بوقوع العقد بالعوض فلا تفويض، و حيث تعذّر انتقل إلى البدل، و هو المثل (6).

و يضعّف بأنّ هذا العوض كالعدم، مع أنّ المثل إنّما يثبت بدليّته عن الوطء لا عن المهر الفاسد.

و أمّا احتجاج الثاني بأنّ قيمة المسمّى أقرب إليه عند التعذّر، و أنّهما عقدا على شخص باعتبار ماليّته، فمع تعذّره يجب المصير إلى الماليّة.

فضعيف؛ لأنّ الانتقال إلى القيمة فرع صحّة العقد على ذي القيمة؛ لأنّ القيمة لم يقع التراضي عليها، و تقدير الماليّة هنا ممتنع شرعاً، فيجب أن تُلغى كما الغي التعيين.

____________

(1) المبسوط 4: 290.

(2) أي مهر المثل. منه (رحمه الله).

(3) كالشهيد الثاني في المسالك 1: 535، و السبزواري في الكفاية: 179.

(4) الروضة 5: 347.

(5) انظر التحرير 2: 31، و القواعد 2: 36.

(6) انظر المهذب البارع 3: 390.

20

و لا ثمرة بعد الدخول مع توافق المثل و القيمة، و مع التخالف يرجع إلى الاحتياط. و لو قيل بالرجوع إلى الأقلّ كان وجهاً إن لم يكن إحداث قول؛ تمسّكاً بالأصل، مع عدم الدليل على الزائد؛ لفقد النصّ، و انتفاء الإجماع في محلّ النزاع. لكن اشتغال الذمّة بالمهر قطعاً يقتضي المصير إلىٰ مراعاة الأكثر؛ تحصيلًا للبراءة القطعيّة، و كيف كان فهو أحوط.

و يأتي على القول بالقيمة مطلقاً أو في الجملة لزوم النصف مع الطلاق قبل الدخول، و يدفعه الأصل، لكن اللازم منه ثبوت المتعة، فليس مثله بحجّة. و لو قيل بأقلّ الأمرين كان وجهاً، فتأمّل جدّاً.

و قيل كما عن الشيخين و القاضي و التقي (1)-: يبطل العقد من أصله؛ استناداً إلى ما أجبنا عنه، و التفاتاً إلىٰ أنّه عقد معاوضة، فيفسد بفساد العوض، و هو إعادة للمدّعى يدفعه الإجماع على عدم كونه كعقود المعاوضات المحضة المقصود بها مجرّد المعاوضة؛ و لذا صحّ مع عدم ذكر المهر في متنه، بل مع اشتراط عدمه فيه.

ثم إنّ هذا إذا علماه خمراً مثلًا.

و أمّا إذا عقدا عليه ظانّين حلّيته، صحّ العقد قولًا واحداً، كما يظهر منهم، و فيه تأييد لما قلناه؛ لاتّحاد طريق المسألتين.

و في ثبوت المثل مطلقاً، أو مع الدخول، أو عدمه و لزوم مثل الخمر من الخلّ، أو القيمة مطلقاً، أقوال، و الأشهر: الأول، كما مضى.

____________

(1) المفيد في المقنعة: 508، الطوسي في النهاية: 469، القاضي في المهذب 2: 200، التقي في الكافي في الفقه: 293.

21

[الطرف الثاني التفويض]

الطرف الثاني في التفويض و هو لغةً: ردّ الأمر إلى الغير ثم الإهمال.

و شرعاً: ردّ أمر المهر أو البضع إلى أحد الزوجين أو ثالث، أو إهمال ذكره في العقد. فهو قسمان:

الأول: ما أشار إليه الماتن بقوله:

[لا يشترط في الصحّة ذكر المهر]

و لا يشترط في الصحّة ذكر المهر، فلو عقد و أغفله، أو شرط أن لا مهر لها في الحال أو مطلقاً فالعقد صحيح بلا خلاف، بل إجماعاً، حكاه جماعة (1).

و يسمّى بتفويض البضع، و المرأة مفوّضة البضع، بكسر الواو و فتحها.

أمّا لو صرّح بنفيه في الحال و المآل على وجه يشمل ما بعد الدخول فسد العقد على الأشهر؛ لمنافاته مقتضاه، و هو وجوب المهر في الجملة.

و فيه منافاة لما ذكروه كما يأتي من عدم فساد العقد بفساد الشرط المخالف لمقتضى العقد، الملازم لعدم فساده بفساده هنا بطريق أولى؛ لعدم كونه بصورة الشرط قطعاً، فتأمّل جدّاً.

____________

(1) منهم العلّامة في المختلف: 544، و الشهيد الثاني في المسالك 1: 541، و الفاضل الهندي في كشف اللثام 2: 83.

22

نعم، في المستفيضة منها الصحيحان (1)-: «لا تحلّ الهبة إلّا لرسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله)، و أمّا غيره فلا يصلح له نكاح إلّا بمهر» و ربما دلّ نفي الصلاح على الفساد.

و أظهر منه الخبر: في امرأة وهبت نفسها لرجل من المسلمين، قال:

«إن عوّضها كان مستقيماً» (2)، فتأمّل.

و فيه قول بالصحّة؛ قياساً له بالنفي المطلق (3).

و ليس في محلّه؛ لوجود الفارق، و هو قبول المقيس عليه التخصيص دون المقيس.

و آخر بفساد التفويض دون العقد، فيجب مهر المثل، كما لو شرط في المهر ما يفسده؛ تمسّكاً بلزوم الوفاء بالعقد (4).

و هو الأوفق بالأُصول إن أُريد بثبوت المثل الثبوت بالدخول لولا ما مرّ من المستفيضة، إلّا أنّ المحكيّ عن القائل به الثبوت بنفس العقد (5)، و لا ريب في ضعفه إن تمّ.

و بالجملة: المسألة محلّ إشكال.

و المستند في أصل الحكم بعد الإجماع المتقدّم الآية الكريمة لٰا جُنٰاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسٰاءَ مٰا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَ مَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَ عَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ (6). و المعتبرة المستفيضة، منها الصحيح: عن رجل تزوّج امرأة، فدخل

____________

(1) الكافي 5: 384/ 2، 3، الوسائل 20: 265 أبواب عقد النكاح ب 2 ح 2، 4.

(2) الكافي 5: 385/ 5، الوسائل 20: 266 أبواب عقد النكاح ب 2 ح 5.

(3) انظر نهاية المرام 1: 375.

(4) المبسوط 4: 294.

(5) انظر جامع المقاصد 13: 417.

(6) البقرة: 236.

23

بها و لم يفرض لها مهراً، ثم طلّقها، فقال: «لها مثل مهور نسائها» (1).

ثمّ من أحكامه عندنا: عدم وجوب شيء لها متعةً كان، أو مهر مثل بمجرّد العقد؛ للأصل.

خلافاً لبعض الشافعيّة، فأوجب الثاني (2).

فلو مات أحدهما قبل الدخول و الطلاق و الفرض فلا شيء لها بلا خلاف في الظاهر، و قد حكي (3)؛ لما مرّ، مضافاً إلى الصحيح: في المتوفّى عنها زوجها قبل الدخول: «إن كان فرض لها زوجها مهراً فلها.

. و إن لم يكن فرض مهراً فلا مهر» (4) و نحوه غيره (5).

و لو طلّق المفوّضة فلها المتعة خاصّة إن كان الطلاق قبل الفرض و الدخول خاصّة؛ بالإجماع، و نصّ الآية السابقة، و المستفيضة: منها الحسن: في رجل طلّق امرأته قبل أن يدخل بها، قال:

«عليه نصف المهر إن كان فرض لها شيئاً، و إن لم يكن فرض فليمتّعها على نحو ممّا يتمتّع مثلها من النساء» (6) و نحوه خبران آخران (7).

____________

(1) التهذيب 7: 362/ 1468، الإستبصار 3: 225/ 814، الوسائل 21: 268 أبواب المهور ب 12 ح 1.

(2) انظر الام 5: 159.

(3) انظر الروضة 5: 353.

(4) التهذيب 8: 146/ 505، الإستبصار 3: 341/ 1215، الوسائل 21: 332 أبواب المهور ب 58 ح 22.

(5) التهذيب 8: 146/ 506، 507، الإستبصار 3: 341/ 1216، 1217، الوسائل 21: 332 أبواب المهور ب 58 ذيل حديث 22.

(6) الكافي 6: 106/ 3، التهذيب 8: 142/ 493، الوسائل 21: 314 أبواب المهور ب 51 ح 2؛ بتفاوت يسير.

(7) الأول في: الكافي 6: 106/ 1، التهذيب 8: 142/ 494، الوسائل 21: 313 أبواب المهور ب 51 ح 1. الثاني في: الكافي 6: 83/ 3، الوسائل 21: 314 أبواب المهور ب 51 ح 3.

24

و الرضوي: «كلّ من طلّق امرأته من قبل أن يدخل بها فلا عدّة عليها منه، فإن كان سمّى لها صداقاً فلها نصف الصداق، و إن لم يكن سمّى لها صداقاً يمتّعها بشيء قليل أو كثير على قدر يساره» (1).

و إن كان الطلاق بعد الفرض و قبل الدخول فنصفه؛ لقوله تعالى فَنِصْفُ مٰا فَرَضْتُمْ (2) مضافاً إلى الحسنة.

و لو لم يطلّق أو طلّق بعد الدخول فجميعه بعد الاتّفاق عليه، بلا خلاف إلّا في الأول و هو ما لو لم يطلّق لأنّ الحقّ فيه لهما، زاد عن مهر المثل أم لا، ساواه أم قصر، و ربما كان في الآية عليه دلالة كالصحيح السابق في المتوفّى عنها زوجها.

و مع الاختلاف في الفرض، قيل (3): للحاكم فرضه بمهر المثل، كما يعيّن النفقة للزوجة على الغائب، و من جرى مجراه. و يحتمل قويّاً إبقاء الحال إلى حصول أحد الأُمور (4) الموجبة للقدر أو المسقطة للحقّ؛ لأنّ ذلك لازم للتفويض الذي قد قدما عليه.

ثم إنّ في ثبوت المتعة بغير الطلاق من أقسام البينونة أقوال، ثالثها المحكيّ عن المبسوط (5)-: الثبوت بما يقع من قبله أو قبلهما، دون ما كان من قبلها خاصّة.

و الأقوى: العدم مطلقاً، وفاقاً للأكثر؛ تمسّكاً بالأصل، و التفاتاً إلى

____________

(1) فقه الرضا (عليه السلام): 242، المستدرك 15: 89 أبواب المهور ب 33 ح 5.

(2) البقرة: 237.

(3) انظر الروضة 5: 349.

(4) كالدخول الموجب لمهر المثل و الطلاق قبله الموجب للمتعة و الموت و نحوه المسقط للحق. منه (رحمه الله).

(5) المبسوط 4: 320.

25

اختصاص الآية و الحسنة بالطلاق، و التعدية قياس.

نعم، تستحبّ؛ خروجاً عن الشبهة، و التفاتاً إلى فحوى ما دلّ على رجحانها لكلّ مطلّقة و إن لم تكن مفوّضة، كالصحيح: عن رجل تزوّج امرأة، فدخل بها و لم يفرض لها مهراً، ثم طلّقها، فقال: «لها مثل مهور نسائها و يمتّعها» (1).

و لإضماره مع عدم صراحته في الوجوب حُمِل على الاستحباب، معتضداً بالأصل، و ظاهر الخبر: في الرجل يطلّق امرأته، أ يمتّعها؟ قال:

«نعم، أما يحبّ أن يكون من المحسنين؟! أما يحبّ أن يكون من المتّقين؟!» (2). و بهما يُصرَف ما ظاهره الوجوب، كالصحيح: «متعة النساء واجبة، دخل بها أو لم يدخل، و يمتّع قبل أن يطلّق» (3).

و الصحيح و الموثّق: في قول اللّٰه عزّ و جلّ وَ لِلْمُطَلَّقٰاتِ مَتٰاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (4)، قال: «متاعها بعد ما تنقضي عدّتها، على الموسع قدره و على المقتر قدره» و في ذيلها: «أنّ الحسن بن عليّ لم يطلّق امرأة إلّا متّعها» (5).

____________

(1) التهذيب 7: 362/ 1468، الإستبصار 3: 225/ 814، الوسائل 21: 268 أبواب المهور ب 12 ح 1.

(2) الكافي 6: 104/ 1، التهذيب 8: 140/ 487، تفسير العياشي 1: 124/ 396، الوسائل 21: 306 أبواب المهور ب 48 ح 5.

(3) الفقيه 3: 328/ 1588، الوسائل 21: 312 أبواب المهور ب 50 ح 1.

(4) البقرة: 241.

(5) الصحيح في: الكافي 6: 105/ 3، التهذيب 8: 139/ 484، الوسائل 21: 312 أبواب المهور ب 50 ح 2. الموثق في: الكافي 6: 105/ 4، التهذيب 8: 139/ 485، الوسائل 21: 312 أبواب المهور ب 50 ح 3.

26

و قريب من الصحيح: «إنّ متعة المطلّقة فريضة» (1).

و يمكن حمله على المفوّضة، و صرف المطلّقة إلىٰ المعهودة المذكورة في الآية، و لذا أطلق على الوجوب الفريضة.

و ربما احتمل الوجوب في المسالك في كلّ مطلّقة (2)؛ عملًا بظواهر هذه المعتبرة المخصّص بها الأصل؛ و الرواية المتقدّمة مع قصور سندهما غير صريحة في الاستحباب.

و هو حسن إن وجد به قائل، و لم أجده، بل المحتمِل مصرِّح بأنّ المذهب الاستحباب (3)، فهو متعيّن، مع أنّ الرواية ليست بقاصرة، بل حسنة أو صحيحة؛ لأنّ حسنها بإبراهيم، و لا ريب في ظهورها في الاستحباب، مع اعتضادها بكثير من المعتبرة الواردة في المقام، الدالّة على اشتراط المتعة بعدم الفرض (4)؛ مضافاً إلى الأخبار الكثيرة الدالّة على ثبوت نصف الصداق بالطلاق قبل الدخول و جميعه بعده (5)، من دون ذكر للمتعة بالمرّة، مع ورود أكثرها في مقام الحاجة، فلا وجه للقول بالوجوب بالمرّة.

هذا، مع عدم صراحة لفظ الوجوب في الصحيح المتقدّم في المعنى المصطلح، فيحتمل الاستحباب، و على تقدير الصراحة يحتمل المتعة فيها ما يعمّ مهر المثل و المتعة بالمعنى المتعارف. و أمّا باقي الروايات فليس

____________

(1) التهذيب 8: 141/ 490، الوسائل 21: 306 أبواب المهور ب 48 ح 2.

(2) المسالك 1: 543.

(3) انظر المسالك 1: 543.

(4) انظر الوسائل 21: 307، 308 أبواب المهور ب 48 الأحاديث 7، 8، 10، 12.

(5) الوسائل 21: 313، 319 أبواب المهور ب 51، 54.

27

صريحةً في الوجوب و لا ظاهرة.

و أُلحق بالمفوّضة من فُرِض لها مهر فاسد، فإنّه في قوّة التفويض، و من فسخت في المهر قبل الدخول بوجه مجوّز (1).

و لا بأس به إن أُريد الاستحباب، و إلّا فالوجوب مشكل.

و يجب بعده أي الدخول و قبل الفرض لها مهر المثل إجماعاً؛ للمستفيضة، منها الصحيح المتقدّم (2)، و نحوه الموثّقان:

في رجل تزوّج امرأة و لم يفرض لها صداقاً، قال: «لا شيء لها من الصداق، فإن كان دخل بها فلها مهر نسائها» (3).

و إطلاقها كالعبارة و صريح بعض الأجلّة (4) ثبوت المثل مطلقاً و لو زاد على السنّة.

خلافاً للأكثر فيه، فيردّ إليها، بل عن فخر المحقّقين و ابن زهرة عليه الإجماع (5)، و هو ظاهر المحكيّ عن المبسوط (6)؛ و هو الحجّة فيه كالموثق: عن رجل تزوّج امرأة فوهم أن يسمّي صداقها حتى دخل بها، قال: «السنّة، و السنّة خمسمائة درهم» (7).

____________

(1) الروضة 5: 349.

(2) في ص 25.

(3) الكافي 5: 381/ 10، التهذيب 7: 362/ 1466، 1467، الإستبصار 3: 225/ 812، 813، الوسائل 21: 269 أبواب المهور ب 12 ح 3، 2.

(4) كصاحب المدارك في نهاية المرام 1: 377.

(5) حكاه عن فخر الدين في نهاية المرام 1: 377، و هو في الإيضاح 3: 217، و الغنية (الجوامع الفقهية): 610.

(6) المبسوط 4: 297.

(7) التهذيب 7: 362/ 1469، الإستبصار 3: 225/ 815، الوسائل 21: 270 أبواب المهور ب 13 ح 2.

28

و ما ربما يقال على الأول بوجود الخلاف فلا حجّة فيه، و على الثاني بقصور السند أولًا، و ضعف الدلالة ثانياً، فإنّ النسيان غير التفويض (1).

مدفوع بعدم القدح في الحجّية بخروج معلوم النسب، بل و مجهوله على الأصحّ. و عدم القصور؛ لعدم اشتراك الراوي كما توهّم، و وثاقة باقي سلسلة السند و إن فسد المذهب. و الدلالة تامّة؛ إذ التفويض أعمّ من النسيان و عدمه كما فرضوه، و ساعده إطلاق النصوص.

نعم، ربما يتوجّه إليها القدح بأعمّيتها من المدّعى؛ لأنّه ثبوت السنّة مع زيادة مهر المثل عنها، و إلّا فهو الثابت دونها، ساواها أم نقص عنها.

و ربما يجبر بالتقييد بالإجماع و الجمع بين الروايات.

و ربما احتُمِل (2) العمل بالإطلاق هنا (3)؛ التفاتاً إلى موافقة المستفيضة للعامّة.

و هو مع مخالفته الإجماع الصريح مقدوح بأولويّة موافقة الأصحاب من الموافقة للتقيّة، فيترجّح جانب الرجحان دون المرجوحيّة.

و ربما يُستَدلّ للأصحاب في ردّ الزائد إلى السنّة بما مرّ من الخبر المثبت للسنّة فيمن تزوّج على السنّة مكتفياً به عن ذكر المهر بالمرّة (4).

و ليس بمعتمد؛ لظهوره في ثبوتها بمجرّد العقد دون الدخول، و ليس من حكم المفوّضة، و لذا فرضه الأصحاب مسألة على حدة، فليس الاستدلال به إلّا غفلة واضحة.

____________

(1) نهاية المرام 1: 377.

(2) حكاه في المختلف عن بعض علمائنا: 549.

(3) أي في السنّة. منه (رحمه الله).

(4) راجع ص 12، و هو في التهذيب 7: 363/ 1470، الإستبصار 3: 225/ 816، الوسائل 21: 270 أبواب المهور ب 13 ح 1.

29

[يعتبر في مهر المثل حالها في الشرف و الجمال]

و يعتبر في مهر المثل حالها في الشرف و الجمال و العقل، و الأدب، و البكارة، و صراحة النسب، و اليسار، و حسن التدبير، و كثرة العشائر، و عادة نسائها، و أمثال ذلك.

و المعتبر في أقاربها من الطرفين على الأشهر الأقوى، بل ظاهر المبسوط أنّ عليه الإجماع (1)؛ و هو الحجّة فيه، مع العموم المستفاد من إضافة النساء إليها في النصوص (2).

خلافاً للمهذّب و الجامع (3)، فخصّهنّ بالعصبات مع الإمكان، و إلّا فأطلق؛ لعدم اعتبار الامّ و من انتسب إليها في الفخر. و فيه نظر.

و يعتبر في الأقارب أن يكونوا من أهل بلدها أو بلد لا يخالف عادتها عادة بلدها على الأقوى؛ لاختلاف البلدان في العادات.

و يعتبر حاله خاصّة في المتعة بنصّ الآية (4) و الشهرة العظيمة، بل عليه الإجماع عن الغنية (5)، و هو ظاهر المستفيضة (6)، فالقول باعتبار حالها أيضاً ضعيف جدّاً.

ثم إنّ الأصل يقتضي المصير في متعة المتمتّع إلى العرف، و لا ريب في اقتضائه (7) انقسامها بالنظر إليه إلى ثلاثة: متعة يسار، و توسّط، و إعسار.

و به المرسل في الفقيه: أنّ «الغني يمتّع بدار أو خادم، و الوسط

____________

(1) المبسوط 4: 299.

(2) انظر الوسائل 21: 268 أبواب المهور ب 12.

(3) المهذب 2: 211، الجامع للشرائع: 440.

(4) البقرة: 236.

(5) الغنية (الجوامع الفقهية): 610.

(6) انظر الوسائل 21: 305 أبواب المهور ب 48.

(7) أي العرف. منه (رحمه الله).

30

بثوب، و الفقير بدرهم أو خاتم» (1).

و نحوه الرضوي «فالموسع يمتّع بخادم أو دابّة، و الوسط بثوب، و الفقير بدرهم و خاتم، كما قال اللّٰه تعالى وَ مَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَ عَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتٰاعاً بِالْمَعْرُوفِ» (2). و عليه الشهرة، بل الإجماع المحكيّ عن ابن زهرة (3)، و لا ينافيه الآية و المعتبرة؛ لدخول الواسطة بين الأمرين، و لذا أنّ الرضويّ مع استناده إلى الآية اشتمل على ذكر الثلاثة.

و عيّن الأصحاب لكلّ مرتبة ما يليق بها في العرف و العادة: فالغني يمتّع بالدابّة؛ للرضوي، و هي الفرس، و المعتبر منه ما يقع عليه اسمها صغيرة كانت أم كبيرة، بِرذَوناً (4) كانت أم عتيقاً (5)، قاربت قيمته الثوب و العشرة الدنانير أم لا. و في الخبر المرويّ عن قرب الإسناد: «إنّ عليّ بن الحسين (عليهما السلام) كان يمتّع بالراحلة» (6).

و رواه العيّاشي أيضاً بزيادة: يعني حملها الذي عليها (7). و ظاهره أنّ المتعة هو الحمل، إلّا أنّه يحتمل كونها من الراوي لا الإمام (عليه السلام).

____________

(1) الفقيه 3: 327/ 1582، الوسائل 21: 310 أبواب المهور ب 49 ح 3؛ بتفاوت يسير.

(2) فقه الرضا (عليه السلام): 242، المستدرك 15: 90 أبواب المهور ب 34 ح 5.

(3) الغنية (الجوامع الفقهية): 610.

(4) البِرذَون: التركي من الخيل، و خلافها العِراب. المغرب 1: 36.

(5) العِتاق من الخيل: النجائب. مجمع البحرين 5: 210.

(6) قرب الإسناد: 174/ 637، الوسائل 21: 310 أبواب المهور ب 49 ح 5.

(7) تفسير العياشي 1: 124/ 400.

31

أو بالثوب المرتفع عادةً، ناسبت قيمته قسيميه أم لا. أو عشرة دنانير فأزيد و هي المثاقيل الشرعية؛ و لم أجد عليها مستنداً سوى إطلاق النصّ، مع أنّ في المرسل السابق: «الدار و الخادم» و في المعتبرة منها الموثّقان (1)-: «العبد و الأمة» و ليس المذكور منها، و لعلّه للتمثيل.

و يمتّع الفقير بالخاتم ذهباً كان أو فضة معتدّاً به عادةً، و الدرهم كما في المرسل.

و في الصحيح: ما أدنى ذلك المتاع إذا كان معسراً؟ قال: «الخمار و شبهه» (2).

و الموثّق: «المعسر (3) بالحنطة و الزبيب و الثوب و الدراهم» (4).

و اختلاف هذه المعتبرة منزل على العرف و العادة، أو التمثيل.

و يمتّع المتوسّط بينهما بما بينهما كخمسة دنانير، و الثوب المتوسّط، و نحو ذلك.

و بالجملة: المرجع في الأحوال الثلاثة إلى العرف بحسب زمانه و مكانه و شأنه.

و لو تزوّج بمهر مجهول، و لكن جعل الحكم و التعيين لأحدهما في تقدير المهر المذكور صحّ العقد و التفويض بإجماع

____________

(1) الكافي 6: 105/ 3، 4، التهذيب 8: 139/ 484، 485، الوسائل 21: 308 أبواب المهور ب 49 ح 1.

(2) الكافي 6: 105/ 5، التهذيب 8: 140/ 486، تفسير العياشي 1: 129/ 428، الوسائل 21: 309 أبواب المهور ب 49 ح 2.

(3) في جميع المصادر: المقتر.

(4) تقدّمت مصادره في الهامش (1) أعلاه.

32

الطائفة. خلافاً للعامّة، فجعلوا المهر الواقع على هذا الوجه من قبيل المهر الفاسد، و أوجبوا به مهر المثل.

و هذا هو القسم الثاني من قسمي التفويض، و يسمّى ب: مفوّضة المهر؛ و النصوص بذلك مستفيضة.

ففي الصحيح: في رجل تزوّج امرأة على حكمها أو على حكمه، فمات أو ماتت قبل أن يدخل بها، قال: «لها المتعة و الميراث و لا مهر لها» قلت: فإن طلّقها و قد تزوّجها على حكمها؟ قال: «إذا طلّقها و قد تزوّجها علىٰ حكمها لم يتجاوز بحكمها عليه خمسمائة درهم» (1).

و ظاهره كغيره (2) كالعبارة و غيرها (3) هو التفويض إلىٰ أحدهما، و أمّا غيره فلا، و صريح جماعة: اختصاص الحكم بالتفويض إلىٰ أحدهما؛ لمخالفته الأصل قطعاً (4). و في جواز ما عداه كالتفويض إلىٰ غيرهما، أو إليهما معاً وجهان: من الأصل و عدم النصّ، و أنّه كالنائب عنهما فلا بأس به لو رضياه. و الوقوف مع النصّ طريق اليقين.

و يحكم الزوج المفوّض إليه المهر بما شاء و إن قلّ و إن عكس الأمر و حكمت المرأة و فوّض إليها لم يجز لها أن تتجاوز مهر السنّة إجماعاً و نصّاً فيهما.

____________

(1) الكافي 5: 379/ 2، الفقيه 3: 262/ 1249، التهذيب 7: 365/ 1481، الإستبصار 3: 230/ 830، الوسائل 21: 279 أبواب المهور ب 21 ح 2؛ بتفاوت يسير.

(2) الفقيه 3: 262/ 1250، الوسائل 21: 279 أبواب المهور ب 21 ح 3.

(3) هو الشهيد في اللمعة (الروضة 5): 350.

(4) منهم صاحب المدارك في نهاية المرام 1: 379، و السبزواري في الكفاية: 181، و صاحب الحدائق 24: 491.

33

ففي الخبر: عن رجل تزوّج امرأة على حكمها، قال: «لا يتجاوز بحكمها مهر نساء آل محمّد (عليهم السلام)، اثنتي عشرة أُوقيّة و نشّ، و هو وزن خمسمائة درهم من الفضّة» قلت: أ رأيت إن تزوّجها على حكمه و رضيت و حكّمته؟ قال: «ما حكم من شيء فهو جائز، قليلًا كان أو كثيراً» قال:

قلت: كيف لم تُجز حكمها عليه و أجزت حكمه عليها؟ قال: فقال: «لأنّه حكّمها فلم يكن لها أن تجوز ما سنّ رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) و تزوّج عليه نساءه، فرددتها إلىٰ السنّة، و لأنّها هي حكّمته و جعلت الأمر في المهر إليه و رضيت بحكمه في ذلك فعليها أن تقبل حكمه قليلًا كان أو كثيراً» (1).

و ليس في سنده سوى الحسن بن زرارة، و وصفه كاسمه على الأصحّ وفاقاً لجماعة (2)، مع أنّ في السند: الحسن بن محبوب، و هو ممّن حكي إجماع العصابة على تصحيح رواياتهم (3)، فالسند معتبر غاية الاعتبار، مع اعتضاده بالشهرة بين الأخيار، و هي إجماع كما حكاه جماعة (4)، فلا وجه للتأمّل في المسألة، مع أنّ الدليل غير منحصر فيه؛ لدلالة الأصل و الإطلاقات على الأول، و خصوص ما مضى من الصحيح على الثاني.

نعم، ربما يشكل الحكم في الأول؛ لظاهر الصحيح: عن الرجل يفوَّض إليه صداق امرأته فينقص عن صداق نسائها، قال: «يلحق بمهر

____________

(1) الكافي 5: 379/ 1، التهذيب 7: 365/ 1480، الاستبصار 3: 230/ 829، علل الشرائع: 513/ 1، الوسائل 21: 278 أبواب المهور ب 21 ح 1؛ بتفاوت يسير.

(2) ملاذ الأخيار 12: 247، الحدائق 24: 489.

(3) انظر رجال الكشي 2: 830.

(4) منهم الشيخ في الخلاف 4: 381، المجلسي في مرآة العقول 20: 106، و صاحب الحدائق 24: 491.

34

نسائها» (1).

لكنّه شاذّ لا عامل به، مع عدم مقاومته لما مرّ، فليُحمَل على الندب، أو ما حمله الشيخ عليه، من التفويض إليه على أن يجعله مثل مهر نسائها (2).

ثم لو طلّق قبل الدخول الزم الحاكم بالحكم، و لها نصف ما يحكم به؛ لأنّ ذلك هو الفرض الذي ينتصف بالطلاق (3)، سواء وقع الحكم قبل الطلاق أم بعده. و كذا لو طلّقها بعد الدخول، لزم الحاكم الفرض و استقرّ في ذمّة الزوج، و لا خلاف في شيء من ذلك.

و لو مات الحاكم منهما قبل الدخول و قبل الحكم، فالمرويّ في الصحيح المشار إليه (4): أنّ لها المتعة دون المهر، و هو الأشهر الأظهر، كما عن النهاية و ابن البرّاج و ابن حمزة و المقنع و العلّامة و ولده، و الشهيد الأول في النكت و ظاهر اللمعة، و الثاني في المسالك و الروضة (5)، و جماعة (6).

و ما استُضعِف به دلالة الخبر ب: ظهور أنّ النشر على ترتيب اللفّ، فيكون الحكم بالمتعة فيما إذا مات المحكوم عليه خاصّة. و اختصاصِ

____________

(1) التهذيب 7: 366/ 1482، الإستبصار 3: 230/ 831، الوسائل 21: 279 أبواب المهور ب 21 ح 4.

(2) قاله في التهذيب 7: 366.

(3) بدله في الأصل: به الطلاق، و الظاهر ما أثبتناه.

(4) في ص 32.

(5) النهاية: 472، القاضي في المهذب 2: 206، ابن حمزة في الوسيلة: 296، المقنع: 108، العلّامة في المختلف: 545، و ولده في إيضاح الفوائد 3: 220، اللمعة (الروضة البهية 5): 351، المسالك 1: 544، الروضة 5: 351.

(6) منهم صاحب المدارك في نهاية المرام 1: 381، و الفاضل الهندي في كشف اللثام 2: 85، و صاحب الحدائق 24: 493.

35

الجواب فيه بموت الزوج؛ إذ مع موتها ليس لها ميراث، و لا يتمّ المقايسة بإيجاب المتعة لها و الميراث له (1).

مندفع، فالأول: بفقد الوجه لثبوت المتعة بموت المحكوم خاصّة مع بقاء الحاكم مع أنّه انعقد النكاح بحكمه، فله الحكم مع بقائه كما يأتي، و لا أثر لموت المحكوم عليه، كيف؟! و قد نصّ في الخبر بعد ما ذكر على أنّ له الحكم مع الطلاق القاطع لعلاقة الزوجيّة بخلاف الموت، فثبوت الحكم له هنا ثابت بالأولويّة، فلا بدّ من الحمل على موت الحاكم، جمعاً بين طرفيه، و بينه و بين الأُصول.

و الثاني: بعدم الفارق بين الموتين.

و يؤيّد المذهب: أنّ مهر المثل لا يجب إلّا مع الدخول و لم يحصل، و لا مسمّى، و لا يجوز إخلاء النكاح عن مهر، فيجب المتعة؛ إذ لا رابع.

و عن الطوسي في الخلاف و الإسكافي و الحلّي: أنّه لا شيء لها أصلًا؛ لاشتراط المثل بالدخول، و المتعة بالطلاق، و لا شيء منهما هنا؛ مضافاً إلى الأصل (2).

و الصحيح حجّة على مَن عدا الحلّي، و مختاره متوجّه على مختاره، أو ثبوت عدم دلالة الصحيح و ظهوره.

و في القواعد و المختلف: يثبت لها مهر المثل (3)؛ لأنّه قيمة المعوَّض حيث لم يتعيّن غيره؛ و لأنّ المهر مذكور، غايته أنّه مجهول، فإذا تعذّرت معرفته وجب الرجوع إلى مهر المثل.

____________

(1) حكاه في كشف اللثام 2: 85.

(2) الخلاف 4: 378، و حكاه عن الإسكافي في المختلف: 545، الحلي في السرائر 2: 593.

(3) القواعد 2: 41، المختلف: 545، و فيه الحكم بالمتعة دون مهر المثل.

36

و هو مع أنّه غير مسموع في مقابلة النصّ الصحيح مُجاب، فالأول: بعدم تحقّق الدخول الموجب للعوض. و الثاني: بأنّه عين الدعوى، فكيف يجعل دليلًا (1)؟! و لا فرق مع موت الحاكم بين موت المحكوم عليه معه و عدمه؛ عملًا بإطلاق النصّ، مع عدم القائل بالفرق.

و لو مات المحكوم عليه وحده فللحاكم الحكم، بلا خلاف أجده؛ لإطلاق النصّ بثبوت الحكم له، مع عدم اشتراط حضور المحكوم عنده، و التفويض إليه قد لزم بالعقد بالضرورة فلا يبطل بموت المحكوم عليه البتّة؛ و لأصالة بقائه، و النصّ لا يعارضه.

و أمّا الصحيح: في رجل تزوّج امرأة بحكمها ثم مات قبل أن تحكم، قال: «ليس لها صداق، و هي ترث» (2).

فمع قطع النظر عمّا يلحق سنده من النظر، شاذّ لا يمكن التعويل عليه و لا العمل، سيّما في مقابلة ما مرّ.

و لو مات الحاكم قبل الحكم و بعد الدخول، ثبت مهر المثل؛ لأنّه الأصل حيث لم يمكن المهر، و به صرّح المفلح الصيمري من غير نقل خلاف (3)، و لم يتعرّض له الباقون.

و لو مات المحكوم حينئذ، الزم الحاكم بالحكم، فإن كانت المرأة لا تتجاوز السنّة، و إلّا فللزوج الحكم بما شاء؛ لما مضى (4).

____________

(1) نهاية المرام 1: 382.

(2) الفقيه 3: 262/ 1250، الوسائل 21: 279 أبواب المهور ب 21 ح 3.

(3) تلخيص الخلاف 2: 360.

(4) في ص 32.

37

[الطرف الثالث في الأحكام]

الطرف الثالث في الأحكام المتعلّقة بالمهر و هي عشرة

[الأول تملك المرأة المهر بالعقد]

الأول: تملك المرأة المهر جميعه بالعقد و إن لم يستقرّ التملّك إلّا بعد الدخول، على الأظهر الأشهر، بل عن الحلّي: نفي الخلاف عنه (1).

لعموم وَ آتُوا النِّسٰاءَ صَدُقٰاتِهِنَّ (2). و الموثّق: في رجل ساق إلىٰ زوجته غنماً و رقيقاً، فولدت عندها، و طلّقها قبل أن يدخل، فقال: «إن كنّ حملن عنده فله نصفها و نصف ولدها، و إن كنّ حملن عندها فلا شيء له من الأولاد» (3).

و لأنّه عوض البضع المملوك بالعقد.

و للنصوص الآتية في استحقاق المتوفّى عنها زوجها قبل الدخول جميع المهر (4)، و هي مستفيضة، لكنّها معارضة بمثلها.

خلافاً للإسكافي، فتملك نصفه به و النصف الآخر بالدخول (5)؛

____________

(1) السرائر 2: 585.

(2) النساء: 4.

(3) الكافي 6: 107/ ذيل حديث 4، التهذيب 7: 368/ 1491، الوسائل 21: 293 أبواب المهور ب 34 ح 1؛ بتفاوت يسير.

(4) في ص 40.

(5) حكاه عنه في المختلف: 543.

38

للموثّق (1) و غيره (2): «لا يوجب المهر إلّا الوقاع في الفرج». و حُمِل (3) على الاستقرار جمعاً و غلبةً في الاستعمال إن تمّ الدلالة، و إلّا فالوجوب أعمّ من التملّك، و لا دلالة للعامّ على الخاصّ، و على تقدير الصراحة فلا شيء منهما تقاوم ما مرّ من الأدلّة.

و بالأخير يجاب عن الصحيح: عن رجل تزوّج امرأة على بستان له معروف و له غلّة كثيرة، ثم مكث سنين لم يدخل بها ثم طلّقها، قال: «ينظر إلى ما صار إليه من غلّة البستان من يوم تزوّجها فيعطيها نصفه، و يعطيها نصف البستان، إلّا أن تعفو فتقبل منه و يصطلحا على شيء ترضى منه، فإنّه أقرب للتقوى» (4).

و مع ذلك، فقد أُجيب عنه بجواز كون الغلّة من زرعٍ يزرعه الزوج، و أن يكون البستان هو الصداق دون أشجاره. و على التقديرين، فليست الغلّة من نماء المهر، فتختصّ بالرجل، و الأمر بدفع النصف منها إليها محمول على الاستحباب، كما يرشد إليه قوله: «فإنّه أقرب للتقوى» و لعلّه عوض عن اجرة الأرض (5).

و لا بأس به؛ تفادياً عن الطرح.

و على المختار، لها التصرّف قبل القبض؛ للأصل، و لعموم ما دلّ

____________

(1) التهذيب 7: 464/ 1859، الإستبصار 3: 226/ 817، الوسائل 21: 320 أبواب المهور ب 54 ح 6.

(2) الكافي 6: 109/ 5، الوسائل 21: 321 أبواب المهور ب 55 ح 1.

(3) المختلف: 547، المهذب البارع 3: 396، المسالك 1: 553.

(4) الفقيه 3: 272/ 1292، الوسائل 21: 290 أبواب المهور ب 30 ح 1.

(5) كشف اللثام 2: 86.

39

على تسلّط الملّاك على أموالهم (1).

خلافاً للخلاف (2)؛ لعدم الدليل عليه، لعدم النصّ، و اختصاص الإجماع بما بعد القبض؛ و للنهي عن بيع ما لم يُقبَض (3).

و ضعفه ظاهر؛ لوجود الدليل، و لا أقلّ من الأصل كما قيل (4)، و اختصاص النهي بمن اشترى ثم باع؛ مع أنّه أخصّ من المدّعى.

و ينتصف بالطلاق بالنّص و الوفاق، و الأول متواتر (5)، معتضد بنصّ الكتاب وَ إِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَ قَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مٰا فَرَضْتُمْ (6). و يستقرّ الجميع بأحد أُمور أربعة: بالدخول، و هو الوطء قبلًا أو دبراً إجماعاً، كما في الروضة (7) و كلام جماعة (8)، و النصوص به مستفيضة، مرّ بعضها.

و في الصحيح: «إذا أدخله وجب الغسل و المهر» (9) و نحوه في عدّة من المعتبرة (10).

____________

(1) عوالي اللئلئ 1: 222/ 99.

(2) الخلاف 4: 370.

(3) انظر الوسائل 18: 65 أبواب أحكام العقود ب 16.

(4) نهاية المرام 1: 385.

(5) الوسائل 21: 313 أبواب المهور ب 51.

(6) البقرة: 237.

(7) الروضة 5: 353، كشف اللثام 1: 86.

(8) كالفاضل المقداد في التنقيح الرائع 3: 226، و الفاضل الهندي في كشف اللثام 1: 86، و السبزواري في الكفاية: 181.

(9) الكافي 6: 109/ 6، الوسائل 21: 319 أبواب المهور ب 54 ح 1.

(10) الوسائل 21: 319 أبواب المهور ب 54.

40

و بردّة الزوج عن فطرة، على الأشهر الأقوى؛ لثبوته بالعقد، فوجب الحكم باستمراره إلى ظهور المسقط، و ليس. و إلحاقه بالطلاق قياس باطل بالاتّفاق.

و بموت الزوج على الأشهر، بل عليه الإجماع عن الناصريّات (1)؛ للأصل، و مفهوم الكتاب (2)، و عموم وَ آتُوا النِّسٰاءَ صَدُقٰاتِهِنَّ (3). و المستفيضة، منها الصحيح: في المتوفّىٰ عنها زوجها إذا لم يدخل بها: «إن كان فرض لها مهراً فلها مهرها الذي فرض لها، و لها الميراث» الخبر (4)، و نحوه الصحيح الآخر (5)، و الموثّقان (6)، و غيرهما (7).

خلافاً للمحكيّ عن صريح المقنع، فكالطلاق (8)، و هو ظاهر الكافي و الفقيه (9)، بل حكى عليه بعض المتأخّرين الشهرة بين قدماء الطائفة (10)،

____________

(1) الناصريات (الجوامع الفقهية): 212.

(2) البقرة: 237.

(3) النساء: 4.

(4) التهذيب 8: 146/ 505، الإستبصار 3: 341/ 1215، الوسائل 21: 332 أبواب المهور ب 58 ح 22.

(5) التهذيب 8: 145/ 503، الإستبصار 3: 340/ 1213، الوسائل 21: 332 أبواب المهور ب 58 ح 21.

(6) أحدهما في: التهذيب 8: 145/ 502، الإستبصار 3: 340/ 1212، الوسائل 21: 331 أبواب المهور ب 58 ح 20. و الآخر في: التهذيب 8: 146/ 508، الإستبصار 3: 341/ 1218، الوسائل 21: 333 أبواب المهور ب 58 ح 24.

(7) انظر الوسائل 21: 326 أبواب المهور ب 58.

(8) المقنع: 105.

(9) الكافي 6: 118، الفقيه 3: 326.

(10) هو السبزواري في الكفاية: 183.

41

و اختاره من المتأخّرين جماعة (1)؛ و عليه تدلّ المستفيضة الأُخر التي كادت تبلغ التواتر، بل لا يبعد أن تكون متواترة، و أكثرها معتبرة الأسانيد.

ففي الصحيح: في الرجل يموت و تحته امرأته لم يدخل بها، قال:

«لها نصف المهر» الخبر (2).

و الصحيح: «إن لم يكن دخل بها و قد فرض لها مهراً، فلها نصف ما فرض لها، و لها الميراث» (3).

و الصحيح: عن المرأة تموت قبل أن يدخل بها، أو يموت الزوج قبل أن يدخل بها، قال: «أيّهما مات فللمرأة نصف ما فرض لها» (4).

و ذكرها كملًا لا يناسب هذا المختصر.

فالقول بها لا يخلو عن قوّة؛ لأنّ المظنّة الحاصلة من هذه الكثرة أقوى من الحاصلة من الشهرة، سيّما مع اعتضادها بالشهرة بين القدماء و لو كانت محكيّة، و مخالفتها التقيّة كما صرّح به جماعة (5)، فيُخَصّ بها الأصل، و يُصَرف النصوص السابقة عن ظواهرها بالحمل على النصف؛ لأنّه مهرها و لو بَعُدَ في بعضها، و منه يظهر وجه رجحان لهذه النصوص و مرجوحيّة

____________

(1) منهم صاحب المدارك في نهاية المرام 1: 389، العلّامة المجلسي في مرآة العقول 21: 203، و صاحب الحدائق 24: 557.

(2) الكافي 6: 118/ 1، التهذيب 8: 144/ 499، الإستبصار 3: 339/ 1207، الوسائل 21: 326 أبواب المهور ب 58 ح 1.

(3) الكافي 6: 118/ 4، التهذيب 8: 144/ 501، الوسائل 21: 328 أبواب المهور ب 58 ح 6.

(4) الكافي 6: 119/ 5، التهذيب 8: 146/ 509، الإستبصار 3: 341/ 1219، الوسائل 21: 328 أبواب المهور ب 58 ح 7.

(5) منهم صاحب المدارك في نهاية المرام 1: 389، و العلّامة المجلسي في مرآة العقول 21: 203، و صاحب الحدائق 24: 557.

42

لتلك؛ لصراحة هذه دون الأوّلة.

و أمّا العموم، فبعد تسليمه فشموله لمثل المقام محلّ نظر، مع أنّه كالمفهوم نقول بهما، إلّا أنّ الخطاب فيهما للأحياء لا مطلقاً.

لكن المسألة بَعدُ محلّ إشكال، و الاحتياط فيها مطلوب على كلّ حال.

و بموت الزوجة على الأشهر أيضاً؛ لما عدا المستفيضة من الأدلّة المتقدّمة (1).

و فيها مضافاً إلىٰ ما مرّ استفاضة المعتبرة بالتنصيف هنا من دون معارض أصلًا:

منها: الصحيح المتقدّم (2)، و الموثّق: عن رجل تزوّج امرأة و لم يدخل بها، فقال: «إن هلكت أو هلك أو طلّقها فلها نصف المهر، و عليها العدّة كاملة، و لها الميراث» (3).

و نحوه آخر: في امرأة توفّيت قبل أن يدخل بها زوجها، ما لها من المهر؟ و كيف ميراثها؟ فقال: «إذا كان قد مهرها صداقها فلها نصف المهر و هو يرثها، و إن لم يكن فرض لها صداقها فهي ترثه و لا صداق لها» (4) إلى غير ذلك من الأخبار (5).

____________

(1) راجع ص 40.

(2) آنفا في ص 41.

(3) الكافي 6: 118/ 2، التهذيب 8: 144/ 500، الإستبصار 3: 339/ 1208، الوسائل 21: 327 أبواب المهور ب 58 ح 3.

(4) التهذيب 8: 147/ 510، الإستبصار 3: 341/ 1220، الوسائل 21: 328 أبواب المهور ب 58 ح 8؛ بتفاوت يسير.

(5) انظر الوسائل 21: 326 أبواب المهور ب 58.

43

و العمل بها متعيّن؛ لخلوّها عن المعارض، مع اعتضادها بما مرّ، و عمل جماعة من الأصحاب بها، كالطوسي و القاضي و الكيدري (1) و جماعة من المتأخّرين (2).

و لا يسقط شيء من المهر عاجلًا كان أم آجلًا معه أي الدخول لو لم تقبض على الأظهر الأشهر، بل عليه الإجماع عن ظاهر الانتصار (3)؛ للأصل، و العمومات، و خصوص المعتبرة المستفيضة:

منها الصحيح: الرجل يتزوّج المرأة على الصداق المعلوم، فيدخل بها قبل أن يعطيها شيئاً، فقال: «يقدّم إليها ما قلّ أو كثر، إلّا أن يكون له وفاء من عرض إن حدث به حدث ادّي عنه، فلا بأس» (4).

و الموثّق: عن الرجل يتزوّج المرأة فلا يكون عنده ما يعطيها فيدخل بها، قال: «لا بأس، إنّما هو دين عليه لها» (5) و نحوه الموثّق الآخر (6)، و المرسل كالصحيح (7)، و غيرهما (8).

____________

(1) الطوسي في النهاية: 471، القاضي في المهذب 2: 204، و حكاه عن قطب الدين في المختلف: 544.

(2) منهم صاحب المدارك في نهاية المرام 1: 391، و السبزواري في الكفاية: 183، و صاحب الحدائق 24: 553.

(3) حكاه عنه في كشف اللثام 2: 86، و هو في الانتصار: 122.

(4) الكافي 5: 413/ 2، التهذيب 7: 358/ 1455، الإستبصار 3: 221/ 801، الوسائل 21: 255 أبواب المهور ب 8 ح 1.

(5) الكافي 5: 414/ 4، التهذيب 7: 358/ 1456، الإستبصار 3: 221/ 802، الوسائل 21: 256 أبواب المهور ب 8 ح 2.

(6) الكافي 5: 413/ 1، التهذيب 7: 358/ 1454، الإستبصار 3: 221/ 800، الوسائل 21: 259 أبواب المهور ب 8 ح 10.

(7) الكافي 5: 413/ 3، التهذيب 7: 357/ 1453، الإستبصار 3: 220/ 798، الوسائل 21: 259 أبواب المهور ب 8 ح 9.

(8) انظر الوسائل 21: 255 أبواب المهور ب 8.

44

خلافاً للحلبي كما حكي، فأسقط بالدخول، سواء قبضت منه شيئاً أم لا، طالت مدّتها أم قصرت، طالبت به أم لم تطالب (1)؛ للصحاح المستفيضة (2)، و أُوّلت بتأويلات (3) غير بعيدة في مقام الجمع بين الأدلّة:

منها: حملها على ما إذا لم يكن قد سمّى مهراً معيّناً، و ساق إليها شيئاً، و دخل و لم تعترض، فيكون ذلك مهرها، كما يأتي.

و منها: حملها على قبول قول الزوج في براءته من المهر لو تنازعا.

و في المختلف جعل منشأ الحكم العادة بتقديم المهر كما كانت في السالف، قال: و العادة الآن بخلاف ذلك، فإن فرض أن كانت العادة في بعض الأزمان و الأصقاع كالعادة القديمة كان الحكم ما تقدّم، و إلّا كان القول قولها (4).

قيل: و يخطر بالبال أن يحمل سقوط مطلق الصداق على سقوط العاجل منه، حملًا للمطلق على المقيّد؛ يدلّ عليه ما في بعضها: «إذا دخل بها فقد هدم العاجل» (5)، فإنّهم كانوا يومئذٍ يجعلون بعضه عاجلًا و بعضه آجلًا، كما يستفاد من بعض الاخبار (6)، و كان معنى العاجل: ما كان دخوله مشروطاً على إعطائه إيّاها، فإذا دخل بها قبل الإعطاء فكأنّ المرأة أسقطت حقّها العاجل و رضيت بتركه، و لا سيّما إذا كان قد أخذت بعضه، و أمّا

____________

(1) حكاه عنه في المختلف: 548، و راجع الكافي في الفقه: 294.

(2) انظر الوسائل 21: 255 أبواب المهور ب 8.

(3) انظر التهذيب 7: 360.

(4) المختلف: 543.

(5) الكافي 5: 383/ 2، التهذيب 7: 359/ 1461، الإستبصار 3: 222/ 807، الوسائل 21: 256 أبواب المهور ب 8 ح 4.

(6) انظر الوسائل 21: 264 أبواب المهور ب 10.

45

الآجل فلا يسقط إلّا بالأداء (1).

و فيه نظر؛ لاشتراط التكافؤ في الحمل، و ليس؛ لصحّة المطلق، و قصور المقيّد بحسب السند؛ مع احتماله التقيّة كما صرّح به جماعة (2).

و مع ذلك، الخروج بمثل ذلك عن المستفيضة الأوّلة المعتضدة بالأصل، و العمومات، و الشهرة العظيمة التي كادت تكون إجماعاً، بل إجماع في الحقيقة جرأة عظيمة، مع كونه إحداث قول ثالث في المسألة البتّة. و مع ذلك، فلا يقبله بعض المستفيضة المسقطة، كما يظهر من التدبّر فيه و الملاحظة.

و بالجملة: الأخبار المذكورة و إن صحّ أسانيدها شاذّة لا يتأتّى المصير إليها.

و لا يستقرّ المهر بجميعه بمجرّد الخلوة بالمرأة و إرخاء الستر على وجه ينتفي معه المانع مطلقاً على الأظهر الأشهر للأصل، و قوله تعالى وَ إِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ (3)، فإنّ المراد بالمسّ هنا: الجماع؛ للإجماع على أنّ مطلق المسّ غير موجب للجميع، فينتفي إرادته، و هو منحصر في الأمرين إجماعاً؛ و النصوص المعتبرة به مستفيضة:

منها: الموثّقات المستفيضة المصرّحة ب: أنّه لا يوجب المهر إلّا الوقاع في الفرج، أصرحها الموثّق: عن رجل تزوّج امرأة، فأغلق باباً

____________

(1) مفاتيح الشرائع 2: 280.

(2) منهم صاحب المدارك في نهاية المرام 1: 393، و المحدّث المجلسي في ملاذ الأخيار 12: 238، و صاحب الحدائق 24: 503.

(3) البقرة: 237.

46

و أرخى ستراً و لمس و قبّل، ثم طلّقها، أ يوجب عليه الصداق؟ قال:

«لا يوجب الصداق إلّا الوقاع في الفرج» (1).

و منها الصحيح: عن رجل تزوّج جارية لم تدرك لا يجامع مثلها، أو تزوّج رتقاء، فأُدخلت عليه، فطلّقها ساعة أُدخلت عليه، فقال: «هاتان ينظر إليهنّ من يوثق به من النساء، فإن كنّ كما دخلن عليه فإنّ لها نصف الصداق الذي فرض لها» الخبر (2).

و يؤيّدها المعتبرة في العنن، الدالّة على أنّه ينظر سنة، فإن وقع بها، و إلّا فسخت نكاحه و لها نصف المهر (3)، مع تحقق الخلوة في السنة و غيرها من المقدّمات.

خلافاً للصدوق، فأوجب بها مطلقاً (4)؛ للنصوص المستفيضة و كلّها قاصرة الأسانيد أجودها الموثّق: عن المهر متى يجب؟ قال: «إذا أُرخيت الستور و أُجيف الباب» و قال: «إنّي تزوّجت امرأة في حياة أبي عليّ بن الحسين (عليهما السلام)، و إنّ نفسي تاقت إليها، فنهاني أبي فقال: لا تفعل يا بنيّ، لا تأتها في هذه الساعة، و إنّي أبيت إلّا أن أفعل، فلمّا دخلت عليها قذفت إليها بكساء كان عليّ و كرهتها، و ذهبت لأخرج، فقامت مولاة لها فأرخت الستر و أجافت الباب، فقلت: مه، قد وجب الذي تريدين» (5).

____________

(1) الكافي 6: 109/ 5، الوسائل 21: 321 أبواب المهور ب 55 ح 1؛ بتفاوت يسير.

(2) الكافي 6: 107/ 5، التهذيب 7: 465/ 1866، الإستبصار 3: 227/ 824، الوسائل 21: 325 أبواب المهور ب 57 ح 1.

(3) الكافي 5: 411/ 7، التهذيب 7: 429/ 1709، الإستبصار 3: 251/ 899، الوسائل 21: 233 أبواب العيوب و التدليس ب 15 ح 1.

(4) انظر المقنع: 109.

(5) التهذيب 7: 465/ 1867، الإستبصار 3: 228/ 825، الوسائل 21: 323 أبواب المهور ب 55 ح 6؛ بتفاوت يسير.

47

و هو مع قصور سنده، و مخالفته لأُصول المذهب معارض بمثله، الصريح في إيجاب أبيه عليه (عليهما السلام) في تلك القضيّة نصف المهر، و فيه:

«فلمّا رجعت إلى أبي و أخبرته كيف كان، فقال: إنّه ليس عليك إلّا النصف» يعني نصف المهر (1).

و مع ذلك فليس كالمتقدّمة عليه تعارض ما مرّ، سيّما مع احتمال الجميع الحمل على التقيّة، فروى العامّة عن عمر أنّه قال: من أرخى ستراً أو أغلق باباً فقد وجب عليه المهر (2)، و قد ذهب إليه أبو حنيفة (3) و كثير من العامّة (4)؛ لهذه الرواية.

و لجماعة من القدماء، فأوجبوا بها ظاهراً لا باطناً (5)؛ جمعاً بين النصوص، يعنون: إذا كانا متّهمين، يعني: يريد الرجل أن يدفع المهر عن نفسه، و المرأة تدفع العدّة عن نفسها، و لكن إذا علمت أنّه لم يمسّها فليس لها فيما بينها و بين اللّٰه تعالىٰ إلّا النصف.

و ليس بشيء؛ لأنّه فرع التكافؤ و الشاهِد عليه، و ليسا؛ مع أنّ الموثّق المتقدّم لا يجري فيه التهمة الموجبة للعمل بالظاهر.

و للإسكافي قول آخر بإلحاق مقدّمات الوطء كإنزال الماء بغير

____________

(1) الكافي 5: 366/ 2، التهذيب 7: 466/ 1868، الإستبصار 3: 228/ 826، الوسائل 21: 323 أبواب المهور ب 55 ح 7.

(2) انظر الموطّأ 2: 528/ 12 بتفاوت.

(3) حكاه في بدائع الصنائع 2: 289.

(4) كابن قدامة في المغني 8: 63، المحلّى لابن حزم 9: 485، مغني المحتاج 3: 225.

(5) منهم الشيخ في النهاية: 471، و القاضي في المهذّب 2: 204، و حكاه في المختلف عن قطب الدين الكيدري: 543.

48

جماع، و لمس العورة، و النظر إليها، و القبلة بشهوة به (1)؛ و ربما يستدلّ له بإطلاق المسّ في الآية (2).

و ليس في محلّه؛ للإجماع حتى منه على عدم اعتبار مطلقه في الاستقرار، و على تقدير التماميّة فلا يعارض شيئاً من الأدلّة الماضية، سيّما الموثّقة المتقدّمة (3)، النافية لما اعتبره صريحاً.

و بالجملة: فهو شاذّ لا وجه له بالمرّة.

[الثاني قيل إذا لم يسمّ لها مهراً، و قدّم شيئاً قبل الدخول، كان ذلك مهرها]

الثاني: قيل كما عن المقنعة و النهاية و المراسم و الجامع و الغنية و السرائر (4)، و حكى عليه الشهرة جماعة (5)، و في الأخيرين الإجماع-: إنّه إذا تزوّجها و لم يسمّ لها مهراً، و قدّم إليها شيئاً قبل الدخول، كان ذلك مهرها، ما لم يشترط قبل الدخول أنّ المهر غيره بكونه بعض المهر أو مبايناً له.

و حجّتهم عليه مع مخالفته الأُصول المقرّرة، و إطلاق المعتبرة المصرّحة بثبوت مهر المثل للمفوِّضة بعد المواقعة (6) غير واضحة، سوى حكاية الإجماع السابقة، المعتضدة بالشهرة العظيمة، و إطلاق النصوص المتقدّمة بسقوط المهر بعد المواقعة (7)، خرج عنها غير المرأة المزبورة

____________

(1) كما حكاه عنه في المختلف: 543.

(2) البقرة: 237.

(3) في ص 45.

(4) المقنعة: 509، النهاية: 470، المراسم: 152، الجامع: 441، الغنية (الجوامع الفقهية): 610، السرائر 2: 581.

(5) منهم ابن فهد في المهذّب البارع 3: 402، و صاحب المدارك في نهاية المرام 1: 394، و السبزواري في الكفاية: 181.

(6) الوسائل 21: 268 أبواب المهور ب 12.

(7) راجع ص 44.

49

بالأدلّة، و بقيت هي فيها مندرجة، فيُخَصّ بذلك ما تقدّم من الأدلّة؛ مع إمكان التأمّل في شمول إطلاق المعتبرة السابقة لمثل هذه الصورة.

و توقّف فيه جماعة، مختلفين في حكمها:

فبين من جمد على الأُصول و أثبت مهر المثل، كما في المعتبرة (1).

و بين من فصّل بالعادة، و حكم بالسقوط بدفع الشيء قبل الدخول إن استقرّت على تقديم المهر عليه على ما في سابق الزمان، و عدمه إن استقرّت على العدم كما استقرّت عليه الآن (2).

كلّ ذا إذا لم يتّفقا على فرضه (3) مهراً، و إلّا فلا شيء لها قولًا واحداً جدّاً.

[الثالث إذا طلّق قبل الدخول رجع بالنصف]

الثالث: إذا طلّق الزوجة قبل الدخول و كان قد سمّى لها مهراً، برئ ذمّته من نصف المسمّى إن كان ديناً، و رجع بالنصف و استقرّ ملكه عليه، قلنا بتملّكها الجميع بالعقد أم النصف خاصّة، إجماعاً و نصّاً كما مضى إن كان عيناً دفعه إليها و طالبت مطلقاً بالنصف إن لم يكن أقبضها.

و لا يستعيد منها الزوج ما تجدّد من النماء بين العقد و الطلاق، متّصلًا كان كالسمن (4) على الأصحّ الأشهر.

خلافاً للمبسوط، فيستعيده هنا (5).

____________

(1) المسالك 1: 546، نهاية المرام 1: 395، الكفاية: 181.

(2) المختلف: 543، انظر كشف اللثام 2: 85.

(3) أي المدفوع إليها. منه (رحمه الله).

(4) في المختصر المطبوع: كاللبن.

(5) المبسوط 4: 278.

50

و يدفعه مضافاً إلى ظاهر الآية فَنِصْفُ مٰا فَرَضْتُمْ (1) بناءً على مغايرة العين الزائدة للمفروضة خصوص بعض المعتبرة: في الرجل يتزوّج المرأة على وصيف، فكبر عندها، و يريد أن يطلّقها قبل أن يدخل بها، قال: «عليها نصف قيمته يوم دفعه إليها، لا ينظر إلى زيادة أو نقصان» (2).

و قصور السند لو كان منجبر بالشهرة بين الأعيان.

أو منفصلًا، كالولد كلّ ذا بناءً على ما مرّ من تملّكها الجميع بنفس العقد، و بخصوصه الموثق المتقدّم ثمّة (3)، و لا يعارضه الصحيح المتقدّم (4) أيضاً؛ لما عرفت.

و في الخبر السابق تأييد لما ذكرنا، فتأمّل جدّاً.

فتوقّف بعض من تأخّر (5) ليس في محلّه قطعاً.

ثم إنّ ذا إذا وجده باقياً.

و إن وجده تالفاً، أو منتقلًا عن ملكها، فله نصف مثله إن كان مثليّا؛ أو قيمته على الأظهر، أو نصف قيمة المهر على الأشهر إن كان قيميّاً.

ثم إن اتّفقت القيمة، و إلّا فله الأقلّ من حين العقد إلى حين التسليم؛ لحدوث الزيادة في ملكها، فلا سبيل له عليها لو اختصّ النقص بحين

____________

(1) البقرة: 237.

(2) الكافي 6: 108/ 13، التهذيب 7: 369/ 1494، الوسائل 21: 293 أبواب المهور ب 34 ح 2.

(3) في ص 37.

(4) في ص 38.

(5) هو المحقّق السبزواري في الكفاية: 182.

51

العقد؛ و لضمانه الناقص منه قبل القبض، فلا يضمّنها ما هو من ضمانة لو انعكس (1).

و إن وجده معيباً، رجع في نصف العين مع الأرش على الأظهر.

خلافاً للأشهر، فيتخيّر الزوج بين الرجوع بنصف القيمة، و بين أخذ نصف العين من غير أرش.

و فيه قول آخر (2) مشارك له في الضعف، بل و أمرّ.

و لو نقصت القيمة للسوق، فله نصف العين خاصّة، كصورة الزيادة و هي باقية.

و لو زادت زيادة متّصلة عيناً كانت أو صفة تخيّرت بين دفع نصف العين الزائدة، و نصف قيمتها مجرّدة عن الزيادة، على أظهر الأقوال و أشهرها في المسألة.

و لو اختارت الأول، وجب على الزوج القبول في أظهر الوجهين.

و كذا لو تغيّرت في يدها بما أوجب زيادة القيمة، كصياغة الفضّة و خياطة الثوب، و يجبر على العين لو بذلتها في الأول؛ لقبول الفضّة ما يريده منها، دون الثوب، إلّا أن يكون مفصّلًا على ذلك الوجه قبل دفعه إليها، من دون تصرّفها فيه بما لا يتأتّى معه حصول مقصودة.

و لو كان النماء موجوداً حال العقد، رجع بنصفه أيضاً كالحمل مع دخوله في المهر بالشرط أو التبع مطلقاً، حصل الوضع بعد

____________

(1) أي اختصّ النقص بحين التسليم. منه (رحمه الله).

(2) انظر المسالك 1: 547.

52

الطلاق أم قبله، على الأصح؛ لإطلاق الموثّق برجوعه (1) إلىٰ نصف الأولاد بعد حمل الأُمّهات بها عنده (2).

خلافاً لبعضهم، فخصّه بالأول على الثاني خاصّة دون الأول (3).

و لآخر، فخصّه به عليهما (4).

و جعله بعضهم احتمالًا (5).

و لهم على ذلك وجوه اعتباريّة لا تنهض حجّة في مقابلة الرواية.

و لو كان المهر تعليم صنعة، أو علم مثلًا و طلّقها قبل الدخول بعد أن علّمها إيّاهما كملًا رجع عليها بنصف أُجرته المثليّة؛ لتعذّر الرجوع بعين ما فرض، فيكون كالتالف في يدها.

و لو كان قبل التعليم، رجعت هي عليه في نصف الأُجرة في تعليم الصنعة قطعاً؛ لعدم إمكان تعليمها نصفها؛ لعدم وقوفه على حدّ، و هو الواجب لها بالطلاق خاصّة قطعاً.

و كذا في تعليم السورة أيضاً إن استلزم المحرّم شرعاً، و إلّا فعليه تعليم نصفها؛ لإمكان استيفاء عين الحقّ، مع عدم المانع منه حينئذٍ أصلًا.

و لو أبرأته من جميع الصداق المسمّى لها رجع عليها بنصفه لو طلّقها قبل الدخول، و كذا لو وهبته إيّاه مطلقاً، قبضته أم لا، إجماعاً في الأخير كما عن المبسوط و الخلاف (6).

____________

(1) في الأصل: برجوعها، و الظاهر ما أثبتناه.

(2) الكافي 6: 106/ 4، الوسائل 21: 293 أبواب المهور ب 34 ح 1.

(3) راجع المسالك 1: 548.

(4) راجع المسالك 1: 548.

(5) انظر القواعد 2: 42.

(6) المبسوط 4: 308، الخلاف 4: 391.

53

و على الأظهر الأشهر فيهما، بل كاد أن يكون إجماعاً؛ لأنّها حين الإبراء كانت مالكة لجميع المهر ملكاً تامّاً، و ما يرجع إليه بالطلاق ملك جديد، و لهذا كان نماؤه لها، فإذا طلّقها رجع عليها بنصفه، كما لو صادفها قد أتلفته، فإنّ تصرّفها فيه بالإبراء بمنزلة الإتلاف، فيرجع بنصفه.

خلافاً للمبسوط و الجواهر و القواعد، فاحتملوا العدم (1) في صورة الإبراء؛ لأنّها لم تأخذ منه مالًا؛ و لا نقلت إليه الصداق، لأنّ الإبراء إسقاطٌ لا تمليك؛ و لا أتلفت عليه، كما لو رجع الشاهدان بدين شهدا عليه في ذمّة زيد لعمرو بعد حكم الحاكم عليه و قبل الاستيفاء، و كان قد أبرأ المشهود عليه، فإنّه لا يرجع على الشاهدين بشيء. و لو كان الإبراء إتلافاً على من في ذمّته لغرما له (2).

و رُدّ بوضوح الفرق، فإنّ حقّ المهر ثابت حال الإبراء في ذمّة الزوج ظاهراً و باطناً، فإسقاط الحقّ بعد ثبوته متحقّق، بخلاف مسألة الشاهد، فإنّ الحقّ لم يكن ثابتاً كذلك، فلم يصادف البراءة حقّا يسقط بالإبراء (3).

و فيه مع ذلك-: أنّه اجتهاد في مقابلة النصّ المعتبر.

ففي الموثّق: عن رجل تزوّج جارية أو تمتّع بها، ثم جعلته من صداقها في حلّ، أ يجوز له أن يدخل بها قبل أن يعطيها شيئاً؟ قال: «نعم، إذا جعلته في حلّ فقد قبضته منه، و إن خلّاها قبل أن يدخل بها ردّت المرأة على الزوج نصف الصداق» (4).

____________

(1) أي عدم الرجوع. منه (رحمه الله).

(2) استظهره من المبسوط و الجواهر في كشف اللثام 2: 91؛ و هو في المبسوط 4: 308، و جواهر الفقه: 177، و القواعد 2: 43.

(3) المسالك 1: 548.

(4) التهذيب 7: 374/ 1513، الوسائل 21: 301 أبواب المهور ب 41 ح 2.

54

و في الصحيح: عن رجل تزوّج امرأة على ألف درهم، فبعث بها إليها، فردّتها عليه و قالت: أنا فيك أرغب منّي في هذه الألف، هي لك، فقبلها منها، ثم طلّقها قبل أن يدخل بها، قال: «لا شيء لها، و تردّ عليه خمسمائة درهم» (1).

و نحوه الموثّق (2) و الخبر (3)، بزيادة قوله: «الباقية؛ لأنّها إنّما كانت لها خمسمائة فوهبتها له، و هِبتها إيّاها له و لغيره سواء». و فيهما الدلالة على الحكم في صورة الهبة؛ و ربما استدلّ بهما له في صورة الإبراء (4)، و يحتاج إلى النظر؛ لأنّهما في الأُولى أظهر.

و لو وهبته النصف مشاعاً، ثم طلّقها قبل الدخول، فله الباقي؛ صرفاً للهبة إلى حقّها منه، كما لو وهبته لغيره فإنّهما سواء، كما في الصحيح المتقدّم.

و فيه قول بالرجوع بنصفه و قيمة الربع (5)؛ بناءً على شيوع نصفيهما في تمام العين، و شيوع النصف الموهوب أيضاً، فتتعلّق الهبة بنصفي النصيبين، فالنصف الباقي بمنزلة التالف نصفه، و بقي نصفه.

و عن المبسوط: احتمال الرجوع بنصف الباقي خاصّة (6)؛ لأنّه لمّا تعلّقت الهبة بالنصف المشاع فقد تعلّقت بنصفي النصيبين، فإنّما ملك من نصيبها النصف و هو الربع و استعجل نصف نصيب نفسه، و إنّما بقي له

____________

(1) التهذيب 7: 374/ 1511، الوسائل 21: 301 أبواب المهور ب 41 ح 1.

(2) الكافي 6: 107/ 9، التهذيب 7: 368/ 1492، الوسائل 21: 294 أبواب المهور ب 35 ح 1.

(3) الكافي 6: 107/ 9، التهذيب 7: 368/ 1492، الوسائل 21: 294 أبواب المهور ب 35 ح 1.

(4) انظر نهاية المرام 1: 399.

(5) حكاه في التنقيح الرائع 3: 239، و المسالك 1: 551.

(6) حكاه عنه في كشف اللثام 2: 91، و انظر المبسوط 4: 308.