رياض المسائل - ج13

- السيد علي الطباطبائي المزيد...
492 /
5

[كتاب العتق]

كتاب العتق و هو لغة: الخلوص، و منه سمّي البيت عتيقاً لخلوصه من أيدي الجبابرة.

و شرعاً: خلوص المملوك الآدمي أو بعضه من الرّق. و بالنسبة إلى عتق المباشرة المقصود بالذات من الكتاب: تخلّص المملوك الآدمي أو بعضه من الرّق منجّزاً بصيغة مخصوصة.

و فضله متّفق عليه بين المسلمين كافّة كما حكاه جماعة (1). و الأصل فيه بعده الكتاب، و السنّة المستفيضة بل المتواترة الخاصيّة و العاميّة.

قال سبحانه و تعالى وَ إِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللّٰهُ عَلَيْهِ وَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِ (2).

قيل: و قال المفسّرون: أنعم اللّٰه عليه بالإسلام و أنعمت عليه بالعتق (3).

____________

(1) منهم: الشهيد الثاني في المسالك 2: 122، و السبزواري في الكفاية: 219، و الفاضل الهندي في كشف اللثام 2: 182.

(2) الأحزاب: 37.

(3) قاله الفاضل المقداد في التنقيح الرائع 3: 430.

6

و في النبويّ المستفيض من الطرفين، و لو بعبارات مختلفة: «من أعتق مسلماً أعتق اللّٰه بكلّ عضو منه عضواً من النار» (1) و زيد في بعضها:

«فإن كان أُنثى أعتق اللّٰه العزيز الجبّار بكلّ عضوين منها عضواً من النار» (2).

و النظر في هذا الكتاب في أمرين:

الأوّل: في بيان متعلق الرقّ و من يجوز استرقاقه.

و الثاني: في أسباب الإزالة إزالة الرقّ.

[الرقّ]

أمّا الرقّ: فيختصّ بأهل الحرب من أصناف الكفّار دون أهل الذمّة الملتزمين بشرائطها و أما لو أخلّوا بشرائطها جاز تملّكهم بلا خلاف، بل قيل إجماعاً (3)، و لعلّه كذلك فتوًى و نصّاً مستفيضاً.

و المراد بأهل الحرب: من يجوز قتالهم إلىٰ أن يسلموا. و بأهل الذمّة:

اليهود و النصارى العاملون بشرائطها المعهودة المذكورة في كتاب الجهاد، و لو أخلّوا بها صاروا أهل حرب و جاز تملّكهم اتفاقاً.

و لا فرق في جواز استرقاق الحربي بين أن ينصبوا الحرب للمسلمين، أو يكونوا تحت حكم الإسلام و قهره، كالقاطنين تحت حكم المسلمين من عبدة الأوثان و النيران و الغلاة و غيرهم.

و يتحقق دخولهم في الرقّ بمجرد الاستيلاء عليهم، سواء وقع بالقِتال أو على وجه السرقة و الاختلاس، سواء كان المستولي مسلماً أو كافراً.

____________

(1) الكافي 6: 180/ 2، التهذيب 8: 216/ 769، مسند أحمد 4: 344 و 5: 29، صحيح البخاري 8: 216/ 2 بتفاوت يسير.

(2) الكافي 6: 180/ 3، الفقيه 3: 66/ 219، التهذيب 8: 216/ 770، ثواب الأعمال: 138، الوسائل 23: 13 أبواب العتق ب 3 ح 1.

(3) قاله في مفاتيح الشرائع 3: 37.

7

و يجوز شراؤهم من الغنيمة و إن كان للإمام (عليه السلام) فيها حق؛ لإذنهم لشيعتهم في ذلك، كما تضمّنته الأخبار المستفيضة (1).

و عن القواعد و التذكرة التصريح بأنّه لا يجب إخراج حصّة غير الإمام من الغنيمة (2)؛ و لعلّ وجهه ظاهر ترخيصهم لشيعتهم من غير اشتراط إخراج الحصة المزبورة، فتأمّل.

[من أقرّ على نفسه بالرقّية مختاراً في صحّة من رأيه حكم برقّيته]

و من أقرّ على نفسه بالرقّية حال كونه مختاراً و هو في صحّة من رأيه ببلوغه و عقله حكم برقّيته مع عدم العلم من الخارج بحريّته، بلا خلاف أجده؛ لعموم إقرار العقلاء على أنفسهم جائز (3)؛ و خصوص الصحيح: «الناس كلّهم أحرار إلّا من أقرّ على نفسه بالعبودية و هو مُدرك من عبد أو أمة» الحديث (4).

و إذا بيع في الأسواق ثمّ ادّعىٰ الحرّية لم تقبل منه دعواه إلّا ببيّنة بلا خلاف؛ لأنّ ظاهر اليد و التصرف يقتضي الرقيّة، حملًا لأفعال المسلمين على الصحّة؛ و الصحيحين:

في أحدهما: عن شراء جارية من السوق تقول: إنّها حرة، فقال:

«اشترها إلّا أن يكون لها بيّنة» (5).

و في الثاني: عن مملوك ادّعى أنّه حرّ و لم يأت ببيّنة على ذلك،

____________

(1) انظر الوسائل 9: 543 أبواب الأنفال و ما يختص بالإمام ب 4.

(2) القواعد 1: 62، التذكرة 1: 255.

(3) الوسائل 23: 184 أبواب الإقرار ب 3 ح 2.

(4) الكافي 6: 195/ 5، الفقيه 3: 84/ 302، التهذيب 8: 235/ 845، الوسائل 23: 54 أبواب العتق ب 29 ح 1.

(5) الكافي 5: 211/ 13، الفقيه 3: 140/ 613، التهذيب 7: 74/ 318، الوسائل 18: 250 أبواب بيع الحيوان ب 5 ح 2.

8

أشتريه؟ قال: «نعم» (1).

[لا يملك الرجل و لا المرأة أحد الأبوين و لا الأولاد]

و لا يملك الرجل و لا المرأة أحد الأبوين و إن علوا، و لا الأولاد و إن سفلوا. و كذا لا يملك الرجل خاصة (2) دون المرأة ذوات الرحم من النساء (3) كالخالة و العمّة و الأُخت و بنتها و بنت الأخ، و ينعتق جميع هؤلاء بالملك بمجرّده، بلا خلاف بل عليه الإجماع في عبارة جماعة (4)؛ و هو الحجة مضافاً إلى النصوص المستفيضة، منها الصحاح المستفيضة:

في أحدها: عمّا يملك الرجل من ذوي قرابته، فقال: «لا يملك والديه و لا أُخته و لا ابنه و ابنة أُخته و لا عمّته و لا خالته، و يملك ما سوى ذلك من الرجال من ذوي قرابته، و لا يملك امّه من الرضاعة» (5).

و في الثاني: «إذا ملك الرجل والديه أو أُخته أو عمّته أو خالته عتقوا عليه. و يملك ابن أخيه و عمّه و خاله، و يملك أخاه و غيره من ذوي قرابته من الرجال» (6). و نحوه الصحيح الآتي و غيره (7).

____________

(1) الفقيه 3: 140/ 614، التهذيب 7: 74/ 317، الوسائل 18: 250 أبواب بيع الحيوان ب 5 ح 1.

(2) كلمة «خاصّة» ليست في المختصر المطبوع.

(3) في «ر» و «ح» زيادة: المحرمات.

(4) منهم: السبزواري في الكفاية: 222، و الفاضل الهندي في كشف اللثام 2: 192، و الفيض الكاشاني في المفاتيح 3: 40.

(5) الكافي 6: 178/ 7، التهذيب 8: 240/ 867، الإستبصار 4: 14/ 43، الوسائل 23: 19 أبواب العتق ب 7 ح 4.

(6) الكافي 6: 177/ 1، 2، التهذيب 8: 240/ 868، 869، الإستبصار 4: 15/ 44، 45، الوسائل 23: 18، 19 أبواب العتق ب 7 ح 1، 2.

(7) انظر الوسائل 23: 18 أبواب العتق ب 7.

9

و منها: عن المرأة، ما تملك من قرابتها؟ قال: «كلّ أحد إلّا خمسة:

أبوها، و أُمّها، و ابنها، و ابنتها، و زوجها» (1) يعني بالزوج ما دام كونه زوجاً، و إلّا فهي تملكه. كما أنّه يملكها إجماعاً فتوًى و رواية إلّا أنّ الزوجيّة تنفسخ بالملك لتنافيهما؛ لأنّ المالك إن كان هو الزوجة حرّم عليها وطء مملوكها، و إن كان الزوج استباحها بالملك.

و المراد بالملك المنفي في العبارة و بعض النصوص المتقدّمة، المستقر منه، و إلّا فأصل الملك يتحقّق في الجميع، و من ثمّ ترتّب عليه العتق المشروط بالملك فتوًى و رواية.

و يومئ إلى المراد ذيل العبارة، و باقي النصوص كالصحيحة الثانية، و الرابعة: «إذا ملك الرجل والديه أو أُخته أو عمّته أو خالته أو بنت أُخته، و ذكر أهل هذه الآية من النساء، عتقوا جميعاً. و يملك عمّه و ابن أخيه و ابن أُخته و الخال، و لا يملك امّه من الرضاعة، و لا أُخته و لا عمّته و لا خالته، إذا ما ملكهنّ عتقن» و قال: «ما يحرم من النساء ذات رحم قد يحرمن من الرضاع» و قال: «يملك الذكور ما عدا والديه أو ولده، و لا يملك من النساء ذات رحم محرم» قلت: يجري في الرضاع مثل ذلك؟ قال: «نعم» (2).

و يستفاد منها كما تقدّمها أنّه يملك غيرهم أي المذكورين من الرجال و النساء مضافاً إلى عدم الخلاف فيه و في أنّه على كراهية و أنّه يتأكّد الكراهيّة فيمن يرثه للنصوص

____________

(1) الكافي 6: 177/ 3، التهذيب 8: 242/ 873، الإستبصار 4: 16/ 49، الوسائل 23: 24 أبواب العتق ب 9 ح 1.

(2) الفقيه 3: 66/ 221، التهذيب 8: 243/ 877، الإستبصار 4: 17/ 53، الوسائل 18: 247 أبواب بيع الحيوان ب 4 ح 1.

10

منها الموثّق: في رجل يملك ذا رحمه، هل يصلح له أن يبيعه أو يستعبده؟ قال: «لا يصلح له بيعه، و لا يتّخذه عبداً و هو مولاه و أخوه في الدين، و أيّهما مات ورثه صاحبه إلّا أن يكون أقرب منه» (1).

و الخبر: «لا يملك الرجل أخاه من النسب، و يملك ابن أخيه» (2).

و إنّما حملت على الكراهة جمعاً مع قصورها سنداً، و إشعار الرواية الأُولى و ما ضاهاها بالكراهة جدّاً.

[و هل ينعتق عليه بالرضاع من ينعتق عليه بالنسب فيه روايتان]

و هل ينعتق عليه بالرضاع من ينعتق عليه بالنسب؟ فيه روايتان:

أشهرهما أنّه ينعتق و هي الصحاح المتقدّمة، و نحوها غيرها.

كالصحيح: عن امرأة ترضع غلاماً لها من مملوكة حتّى تفطمه، هل لها أن تبيعه؟ فقال: «لا، هو ابنها من الرضاعة، حرّم عليها بيعه و أكل ثمنه» ثمّ قال: «أ ليس قال رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله): يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب؟

» (3). و الصحيح: عن المرأة ترضع عبدها، أ تتّخذه عبداً؟ قال: «تعتقه و هي كارهة» (4).

و نحوهما غيرهما المروي عن المقنع و كتاب عليّ بن جعفر (عليه السلام) (5).

____________

(1) الفقيه 3: 80/ 287، الوسائل 23: 29 أبواب العتق ب 13 ح 5.

(2) التهذيب 8: 241/ 871، الإستبصار 4: 15/ 47، الوسائل 23: 20 أبواب العتق ب 7 ح 6.

(3) الكافي 5: 446/ 16، التهذيب 7: 326/ 1342، الوسائل 20: 405 أبواب ما يحرم بالرضاع ب 17 ح 1.

(4) الكافي 6: 178/ 6، التهذيب 8: 240/ 866، الإستبصار 4: 14/ 42، الوسائل 23: 22 أبواب العتق ب 8 ح 2.

(5) المقنع: 160، مسائل علي بن جعفر: 111/ 25، الوسائل 20: 406 أبواب ما يحرم بالرضاع ب 17 ح 2، 4.

11

و الرواية الثانية أخبار عديدة منها الصحيح: في بيع الامّ من الرضاعة، قال: «لا بأس بذلك إذا احتاج» (1).

و الخبران: في أحدهما: «إذا اشترى الرجل أباه أو أخاه فملكه فهو حرّ إلّا ما كان من قبل الرضاع» (2) و قريب منه الثاني (3).

و هي مع قصور سند أكثرها غير مكافئة لما مضى من وجوه شتّى، فلتطرح أو تؤوّل إلى ما يؤول إلى الأوّل بالحمل إمّا على ما ذكره جماعة كالشيخ في الكتابين و غيره (4)، أو على التقيّة كما يستفاد من عبارة الخلاف المحكيّة حيث نسب مضامينها إلى جميع فقهاء العامّة (5).

و اعلم أنّه ظهر من قوله: لا يملك الرجل خاصّة، ما أشار إليه بقوله: و لا ينعتق على المرأة سوى العمودين يعني الآباء و الأُمّهات و إن علوا، و الأولاد و إن سفلوا. فلا وجه لإعادته.

[إذا ملك أحد الزوجين صاحبه بطل العقد بينهما، و ثبت الملك]

و إذا ملك أحد الزوجين صاحبه بطل العقد بينهما، و ثبت الملك كما مضى هنا قريباً، و في كتاب النكاح مفصّلًا.

[أمّا إزالة الرق فأسبابها أربعة]

و أمّا إزالة الرق فأسبابها الموجبة لها و لو في الجملة أربعة:

الملك، و المباشرة، و السراية، و العوارض و هذه الأسباب منها تامة في العتق، كالإعتاق بالصيغة، و شراء

____________

(1) التهذيب 8: 245/ 886، الاستبصار 4: 19/ 62.

(2) التهذيب 8: 245/ 885، الاستبصار 4: 19/ 61.

(3) التهذيب 8: 244/ 881، الإستبصار 4: 18/ 57، الوسائل 18: 244 أبواب بيع الحيوان ب 4 ح 4.

(4) الاستبصار 4: 19، التهذيب 8: 245؛ و انظر كشف اللثام 2: 192.

(5) الخلاف 6: 367.

12

القريب، و التنكيل، و الجذام و الإقعاء. و منها ما يتوقف على أمر آخر، كالاستيلاد لتوقّفه على موت المولى و أُمور أُخر، و الكتابة لتوقّفها على أداء المال، و التدبير لتوقفه على موت المولى و نفوذه من ثلث ماله، و موت المورّث لتوقّفه على دفع القيمة إلى مالكه، و غيره ممّا يفصّل إن شاء اللّٰه تعالىٰ.

و اعلم أنّه قد سلف بيان الإزالة بالسبب الأوّل و هو الملك بقي الكلام في بيانها بالثلاثة الباقية، فنقول:

[المباشرة]

أما الإزالة ب المباشرة فالعتق و الكتابة و التدبير و الاستيلاد و سيأتي بيان الثلاثة الأخيرة إن شاء اللّٰه [تعالى في كتاب على حدة.

[العتق]

[صيغة العتق]

و أمّا العتق فعبارته الصريحة فيه المتحقّق بها التحرير كأنت أو هذا أو فلان حرّ، بلا خلاف بل عليه الإجماع في عبارة جماعة (1).

و صراحته فيه واضحة؛ قال سبحانه وَ مَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ (2). و في وقوعه ب لفظ العتق كأعتقتك مثلًا تردّد و اختلاف، منشؤه الشّك في كونه مرادفاً للتحرير فيدلّ عليه صريحاً، أو كنايةً عنه فلا يقع به. و الأصحّ القطع بوقوعه به؛ لدلاته عليه صريحاً لغةً و عرفاً و شرعاً، بل استعماله فيه أكثر من التحرير جدّاً، و قد اتّفق الأصحاب على صحّته في قول السيّد لأمته: أعتقتكِ و تزوّجتك.

____________

(1) منهم: الشهيد الثاني في المسالك 2: 123، و السبزواري في الكفاية: 219، و الفاضل الهندي في كشف اللثام 2: 185.

(2) النساء: 92.

13

و لا اعتبار بغير ذلك من الكنايات كقوله فككت رقبتك، أو أنت سائبة و إن قصد بها العتق بلا خلافٍ يظهر بل عليه الإجماع في المسالك و غيره (1)؛ و هو الحجّة فيه، مضافاً إلى أصالة بقاء الرقّ إلى أن يثبت خلافه، و ليس بثابت، إذ لا عموم من نحو أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و غيره.

و بعض الإطلاقات باللزوم على تقدير وجوده غير معلوم الشمول لمحل الفرض؛ لانصرافه إلى صُورة وقوع العتق بصريح لفظه، مع وروده لبيان حكم آخر. فتدبّر.

و من هنا يظهر بطريق أولى أنّه لا تكفي الإشارة و لا الكتابة مع القدرة على النطق بالصريح. و لا خلاف فيه أيضاً، و ادّعى الإجماع عليه بعض الأصحاب صريحاً (2).

و يستفاد من العبارة مفهوماً كفايتهما مع العجز. و لعلّه لا خلاف فيها أيضاً.

و يدلّ عليه مضافاً إلى فحوى ما دلّ عليها في سائر العقود و الإيقاعات كالطلاق و الوصيّة و نحوهما، خصوص بعض النصوص، كالصحيح المتقدّم في كتاب الوصيّة في نظير المسألة (3).

و في الصحيح: عن رجل قال لرجل يا فلان، اكتب إلى امرأتي بطلاقها و إلى عبدي بعتقه، يكون ذلك طلاقاً أو عتقاً؟ فقال: «لا يكون ذلك طلاقاً و لا عتقاً حتّى ينطق به لسانه أو يخطّ بيده، و هو يريد الطلاق أو

____________

(1) المسالك 2: 123؛ و انظر الكفاية: 219، و كشف اللثام 2: 185.

(2) السبزواري في الكفاية: 219.

(3) الفقيه 4: 146/ 506، التهذيب 9: 241/ 935، الوسائل 19: 373 أبواب أحكام الوصايا ب 49 ح 1.

14

العتق و يكون ذلك منه بالأهلّة و الشهور و يكون غائباً من أهله» (1).

و فيه دلالة على الاكتفاء في العتق بالكتابة مع الغيبة و لم أرَ عاملًا به فلا تصلح لإثباته، مع معارضته بخصوص الصحيح الظاهر وروده في الغائب: رجل كتب بطلاق امرأته أو بعتق غلامه [ثم بَدا لَه (2)] فمحاه، قال:

«ليس ذلك بطلاق و لا عتاق حتى يتكلّم به» (3) فتأمل.

و لا يصح جعله يميناً على المشهور فيه و في أنه لا بدّ من تجريده عن شرط متوقع أو صفة مترقبة (4) بل في التنقيح و عن المختلف الإجماع عليه (5)؛ و هو الحجة، مضافاً إلى أصالة بقاء الرق السليمة عما يصلح للمعارضة.

خلافاً للمحكي عن ظاهر الإسكافي و القاضي (6)، فجوّزا التعليق عليهما و الرجوع فيه قبل حصولهما كالتدبير، تبعاً للعامة العمياء (7).

و لا مستند لهما ظاهراً عدا رواية إسحاق بن عمّار الآتية في المسألة السابعة من المسائل الملحقة بالنذر (8).

____________

(1) الكافي 6: 64/ 1، الفقيه 3: 325/ 1572، التهذيب 8: 38/ 114، الوسائل 22: 37 أبواب مقدمات النكاح و شرائطه ب 14 ح 3، في الوسائل و الكافي و التهذيب: و الشهود، بدل: و الشهور.

(2) أضفناه من المصدر.

(3) الكافي 6: 64/ 2، التهذيب 8: 38/ 113، الوسائل 22: 36 أبواب مقدمات النكاح و شرائطه ب 14 ح 2.

(4) كلمة: مترقبة: ليست في متن المختصر المطبوع.

(5) التنقيح 3: 434، المختلف: 637.

(6) حكاه عن الإسكافي في المختلف: 637، القاضي في المهذب 2: 365.

(7) مغني المحتاج 4: 509.

(8) في ص 243.

15

و يحتمل حملها على التقية زيادةً على ما يرد عليها من المخالفة للقاعدة كما سيظهر ثمة.

و قد تقدّم بيان الفرق بين الشرط و الصفة، و أن المراد بالأول ما جاز وقوعه في الحال و عدمه كمجيء زيد، و بالثاني ما لا يحتمل وقوعه في الحال و تيقّن وقوعه عادةً كطلوع الشمس.

و الفرق بينهما و بين اليمين مع اشتراكهما في التعليق قصد الزجر به عن فعل أو البعث عليه في الأخير دونهما.

و يجوز أن يشترط مع العتق شيء سائغ مطلقاً مالًا كان أو خدمةً، بلا خلاف يظهر، بل عليه في شرح الكتاب للسيّد الإجماع عليه (1)؛ و هو الحجّة، مضافاً إلى عمومات النصوص المعتبرة بلزوم الوفاء بالشروط السليمة عن المعارض بالكلية، لكونه عتقاً مع شرط لا عتقاً بشرط، كما هو مفروض العبارة، فتأمّل.

مضافاً إلى خصوص الصحاح في أحدها: الرجل يقول لعبده: أُعتقك على أن أُزوّجك ابنتي، فإن تزوّجت عليها أو تسرّيت فعليك مائة دينار، فأعتقه على ذلك فيتزوّج أو يتسرّى، قال: «عليه مائة دينار» (2).

و في الثاني: رجل أعتق جاريته و شرط عليها أن تخدمه عشر سنين، فأبَقَتْ، ثمّ مات الرجل فوجدها ورثته، أ لَهم أن يستخدموها؟ قال:

«لا» (3).

____________

(1) نهاية المرام 2: 251.

(2) الكافي 6: 179/ 4، التهذيب 8: 222/ 796، الوسائل 23: 27 أبواب العتق ب 12 ح 4.

(3) الكافي 6: 179/ 2، الفقيه 3: 69/ 235، التهذيب 8: 222/ 797، الوسائل 23: 26 أبواب العتق ب 11 ح 1، و في المصادر: خمس سنين، بدل عشر سنين.

16

و في الثالث: قال: غلامي حرّ و عليه عُمالة كذا و كذا، قال: «هو حرّ و عليه العُمالة» (1).

و ظاهرها عدا الثاني لزوم الوفاء بالشرط و عدم توقّفه على قبول المملوك.

خلافاً للمحكي في التنقيح (2) عن بعضهم في الأوّل، فحكم بالاستحباب، و هو ضعيف.

و للتحرير و القواعد في الثاني (3)، فاشترط فيهما القبول، إمّا مطلقاً كما في الأوّل، أو إذا كان المشروط مالًا لا خدمةً كما في الثاني، و اختاره فخر الإسلام (4)؛ استناداً في صورة عدم الاشتراط إلى الأصل، و زاد عليه في الكفاية (5) الاستناد إلى الصحيحة الثالثة، و في صورة الاشتراط إلى الصحيح بزعمه: عن رجل قال لمملوكه: أنت حرّ و لي مالك، قال: «لا يبتدئ بالحرّية قبل المال، فيقول له: لي مالك و أنت حرّ برضا المملوك، فالمال للسيّد» (6) و في الصحّة التي زعمها مناقشة.

قيل: و لا بأس بالمصير إلى هذا القول؛ اقتصاراً في الحكم بإلزام العبد شيئاً لسيّده بدون رضاه على موضع اليقين (7).

____________

(1) التهذيب 8: 237/ 857، الوسائل 23: 25 أبواب العتق ب 10 ح 2.

(2) التنقيح 3: 434.

(3) التحرير 2: 79، القواعد 2: 98.

(4) إيضاح الفوائد 3: 478.

(5) الكفاية: 220.

(6) الكافي 6: 191/ 5، الفقيه 3: 92/ 344، التهذيب 8: 224/ 806، الإستبصار 4: 11/ 33، الوسائل 23: 48 أبواب العتق ب 24 ح 5؛ بتفاوت.

(7) نهاية المرام 2: 253.

17

و فيه نظر؛ فإنّه إن أُريد باليقين معناه الأخصّ كان حصوله في الشقّ الآخر و هو اشتراط الخدمة محلّ نظر، لمكان الخلاف و عدم استفادة شيء لعدم الاشتراط فيه من الصحيحة الأخيرة سوى المظنّة. و إن أُريد به معناه الأعمّ الشامل لها صحّ؛ نظراً إلى حصولها فيه من إطلاق هذه الصحيحة، إلّا أنّها حاصلة من إطلاق الصحيحة الاولى في الشقّ المقابل المشروط فيه المال، كما هو محلّ البحث.

و بالجملة: فإن كان الظنّ الحاصل من الإطلاق كافياً في هذا الحكم المخالف للأصل في غير مورد البحث فليكن كافياً فيه، و إلّا فلا يكون كافياً مطلقاً، و الفرق تحكّم، و اليقين بمعناه الأخصّ لمكان الخلاف غير متحقق.

و لو شرط إعادته في الرقّ إن خالف الشرط ف في صحّة العتق و الشرط قولان اختار أولهما الطوسي و القاضي (1)؛ عملًا بالشرط، و خصوص الموثّق: عن الرجل يعتق مملوكه و يزوّجه ابنته، و يشترط عليه إن هو أغارها أن يردّه في الرقّ، قال: «له شرطه» (2).

و ردّ الأوّل: بأنّ مقتضاه عود من ثبت حريّته رقّاً، و هو غير جائز و لا معهود شرعاً. و لا يرد مثله في المكاتب المشروط؛ لأنّه لم يخرج عن مطلق الرقيّة، فإنّ معنى قول السيّد: فإن عجزت فأنت ردّ في الرق، الرقّ المحض الذي ليس بكتابة، لا مطلق الرقّ، لأنه لم يثبت بالكتابة، و عدم الأخص أعمّ من عدم الأعمّ.

و الثاني: بشذوذه و قصور سنده، و منافاته لأُصول المذهب، فيجب

____________

(1) الطوسي في النهاية: 542، القاضي في المهذب 2: 359.

(2) الكافي 6: 179/ 3، التهذيب 8: 222/ 795، الوسائل 23: 27 أبواب العتق ب 12 ح 3.

18

اطراحه. و بهذا أجاب عنه الماتن في النكت (1)، و اختار فيه القول بفساد الأمرين، كالفاضل في المختلف (2).

و عن الحلّي و فخر الدين (3) القول بصحّة العتق دون الشرط؛ استناداً في فساده إلى ما مرّ، و في صحّة العتق إلى بنائه على التغليب. و ردّ بأنّه لا يدلّ على صحته من دون القصد.

و ربما يستفاد من قوله: و المروي اللزوم الميل إلى الأوّل، و يتوجّه عليه ما أجاب به عنه في النكت من الشذوذ و نحوه.

[يشترط في المعتِق جواز التصرف و الاختيار، و القصد]

و يشترط في المولى المعتِق جواز التصرف بالبلوغ و كمال العقل و الاختيار، و القصد إلى العتق فلا يقع من الصبي، و لا المجنون المطبق و لا غيره في غير وقت كماله، و لا السفيه، و لا المكره، و لا الناسي، و لا الغافل، و لا السكران، بلا خلاف في شيء من ذلك حتى الصبي إذا لم يبلغ عشراً و لا شبهة؛ لعموم أدلّة الحجر في بعض، و المعتبرة المستفيضة فيه و في غيره.

منها الصحيحان، في أحدهما: عن عتق المكره فقال: «عتقه ليس بعتق» (4).

و في الثاني: «إن المُدلَّه ليس عتقه عتقاً» (5).

____________

(1) نكت النهاية 3: 10.

(2) المختلف: 625.

(3) الحلّي في السرائر 3: 11، فخر الدين في إيضاح الفوائد 3: 479.

(4) الكافي 6: 191/ 1، التهذيب 8: 217/ 775، الوسائل 23: 41 أبواب العتق ب 19 ح 1.

(5) الكافي 6: 191/ 3، الوسائل 23: 42 أبواب العتق ب 20 ح 1. التدلية: ذهاب العقل من الهوى. الصحاح 6: 2231.

19

و منها الخبران أحدهما الموثّق: «لا يجوز عتق السكران» (1).

و القربة بأن يقصد بعتقه التقرب إلى جنابه سبحانه، أي الطاعة له أو طلب الثواب من عنده على حدّ ما يعتبر في سائر العبادات، بلا خلاف؛ للمعتبرة و فيها الصحيح و غيره (2): «لا عتق إلّا ما أُريد به وجه اللّٰه تبارك و تعالى». و في عتق الصبي إذا بلغ عشراً عاقلًا رواية بالجواز قال الماتن: إنّها حسنة و لا وجه له؛ فإنّ في سنده موسى بن بكر، و مع ذلك مرسلة في بعض طرقها، و مقطوعة إلى زرارة في آخر (3).

و يمكن أن يكون مراده بالحسن غير المعنى المعروف كما يستفاد منه مكرّراً. و لعلّ وجه الحسن بهذا المعنى تأيّدها بما ورد في أمثال المسألة من نحو الوصيّة و الصدقة و نحوهما، من النصوص المعتبرة و سيما الطلاق، فإنّ الدالّ منها على جوازه منه يدلّ على جواز العتق منه أيضاً بالأولوية.

و هو حسن إن صرنا إلى تلك النصوص، و إلّا كما قدمنا في تلك المباحث فلا تأييد و لا أولويّة.

فإذاً الأصحّ المنع، وفاقاً للأكثر (4).

____________

(1) الكافي 6: 191/ 4، التهذيب 8: 217/ 777، الوسائل 23: 43 أبواب العتق ب 21 ح 2.

(2) انظر الوسائل 23: 14 أبواب العتق ب 4.

(3) الكافي 7: 28/ 1، الفقيه 4: 145/ 502، التهذيب 8: 248/ 898، و 9: 181/ 729، الوسائل 23: 91 أبواب العتق ب 56 ح 1.

(4) منهم: الشهيد الثاني في المسالك 2: 125، و السبزواري في الكفاية: 219، و الفاضل الهندي في كشف اللثام 2: 183.

20

خلافاً للشيخ و جماعة (1)؛ للرواية المزبورة، و قد عرفت ما فيها من المناقشة.

و لا يصحّ عتق السكران لما مرّ. و في اعتباره القصد سابقاً كان له غنى عن ذكره هذا ثانياً.

و في وقوعه و صحّته من الكافر تردّد و اختلاف ينشأ: من إطلاق الأدلّة أو عمومها، و أنّ العتق إزالة ملك، و ملك الكافر أضعف من ملك المسلم، فهو أولى بقبوله الزوال. و لا ينافيه اشتراطه بنيّة القربة؛ لأنّ ظاهر الأخبار المعتبرة له أنّ المراد منها إرادة وجه اللّٰه سبحانه سواء حصل الثواب له أم لا، و هذا القدر يمكن ممّن يقرّ باللّٰه.

و من أنّه عبادة تتوقّف على القربة، و أنّ المعتبر ترتّب أثرها من الثواب لا مطلق طلبها، كما ينبّه عليه حكمهم ببطلان صلاته و صومه، لتعذّر القربة منه، فإنّ القدر المتعذّر منه هو هذا المعنى لا ما ادّعوه أوّلًا. و أنّ العتق شرعاً ملزوم للولاء و لا يثبت ولاء الكافر على المسلم؛ لأنّه سبيل منفيّ عنه، و انتفاء اللازم يستلزم انتفاء الملزوم.

و في الأدلة من الجانبين نظر. و المصير إلى التفصيل بين الكافر المقرّ باللّٰه تعالى و المعتقد حصول التقرب إليه بالعتق فالأوّل، و بين المنكر له أو الغير المعتقد حصول التقرّب به إليه فالثاني، كما وقع لجماعة من المتأخرين (2) أظهر، إن كان هناك عموم أو إطلاق ينفع.

____________

(1) الشيخ في النهاية: 546؛ و انظر المهذب 2: 362، و كشف الرموز 2: 287، و مفاتيح الشرائع 3: 232.

(2) منهم: الشهيد الثاني في المسالك 2: 125، و الفاضل المقداد في التنقيح الرائع 3: 436، و السبزواري في الكفاية: 219.

21

استناداً في الأوّل إلى وجود المقتضي و هو العتق الجامع للشرائط التي منها إرادة وجه اللّٰه تعالىٰ؛ فإنّ الكافر إذا كان مقرّاً به عزّ و جلّ و اعتقد شرعيّة العتق عنده أمكن وقوع ذلك منه، و قد عرفت أنّه لا يلزم من اشتراطه بالإرادة المذكورة حصول المراد، فإنّه أمر خارج عن الشرط المعتبر. و كونه عبادة مطلقاً ممنوع، بل هو عبادة خاصّة يغلب فيها فكّ الملك، فلا يمنع من الكافر مطلقاً.

و في الثاني بقسميه إلى عدم تصور تحقق الشرط منه فيهما، فيفسد عتقه من هذا الوجه.

[يشترط في المعتَق أن يكون مملوكاً حال العتق مسلما]

و يشترط في العبد المعتَق أن يكون مملوكاً حال العتق (1) لمولاه المعتق له مسلماً، و لا يصحّ عتقه لو كان كافراً بلا خلاف في الأول؛ للمعتبرة و فيها الصحيح و غيره (2) «لا عتق إلّا في ملك». و على الأشهر الأظهر في الثاني، بل عليه الإجماع في الانتصار و نهج الحق (3)؛ و هو الحجة، مضافاً إلى الأصل و عدم ما يدلّ على لزوم عتق كلّ عبد.

و خصوص بعض النصوص: أ يجوز [للمسلم] أن يعتق مملوكاً مشركاً؟ قال:

«لا» (4). و قصور سنده كاختصاصه بالمشرك مجبور بالشهرة و عدم القائل

____________

(1) كلمة: حال العتق: ليست في نسخة الأصل و في «ح». و هي موجودة في المختصر المطبوع و في نسخة «ر».

(2) الوسائل 23: 15 أبواب العتق ب 5.

(3) الانتصار: 169، لم نعثر عليه في نهج الحق.

(4) الفقيه 3: 85/ 310، التهذيب 8: 218/ 782، الإستبصار 4: 2/ 1، الوسائل 23: 35 أبواب العتق ب 17 ح 5. أضفنا ما بين المعقوفين من المصادر.

22

بالفرق بين الطائفة.

مع أنّ في عتق الكافر إعانة على الإثم محرّمة، كما صرّح به من القدماء جماعة (1)، فكيف يحصل معها قصد القربة المشترطة في الصحة لو لم نقل بعدم حصوله بالمرة و لو لم يكن فيه الإعانة المزبورة؟

و ما أبعد ما بين هذا و بين ما يدّعيه من المتأخرين جماعة (2) من إمكان قصد القربة بأن رجا بعتقه إسلامه، فما اختاروه من الصحة في هذه الصورة تبعاً للمبسوط و الخلاف (3) ضعيف غايته.

و الرواية المصحّحة له (4) مع كونها ضعيفة غير مجبورة، قضيّة في واقعة فلم تكن عامّة، و مع ذلك أخصّ من المدّعىٰ، و هو شيء قد ضعّفوا به دلالة الرواية السابقة، فكيف يمكنهم الاعتماد عليها و جعلها حجّة مع اشتمالها عليه و مخالفتها الأدلّة المتقدّمة التي هي أقوى منها في الحجيّة بمراتب عديدة؟ و يكره عتقه لو كان مخالفاً في المذهب؛ للخبر: «ما أغنى اللّٰه تعالىٰ عن عتق أحدكم، تعتقون اليوم يكون عليكم غداً، لا يجوز لكم أن تعتقوا إلّا عارفاً» (5).

____________

(1) منهم المرتضىٰ في الانتصار: 169، حكاه عن أبي علي في المختلف: 621؛ و انظر الكافي في الفقه: 318، و الوسيلة: 341، و السرائر 3: 4، و المراسم: 191.

(2) منهم: الشهيد الثاني في المسالك 2: 126، و صاحب المدارك في نهاية المرام 2: 258، و السبزواري في الكفاية: 219.

(3) المبسوط 6: 70، الخلاف 6: 370.

(4) الكافي 6: 182/ 1، التهذيب 8: 219/ 783، الإستبصار 4: 2/ 2، الوسائل 23: 34 أبواب العتق ب 17 ح 2.

(5) الكافي 6: 196/ 9، الوسائل: 34 أبواب العتق ب 17 ح 3؛ و فيهما: و يكون علينا بدل عليكم.

23

و لقصور سنده حمل على الكراهة، مع أنّها وجه الجمع بينه بين الرواية الآتية.

و لو نذر عتق أحدهما أي الكافر أو المخالف صحّ في الثاني؛ لصحيحة عليّ بن راشد قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): إنّ امرأة من أهلنا اعتلّ لها صبيّ، فقالت: اللّٰهم إن كشفت عنه ففلانة حرّة، و الجارية ليست بعارفة، فأيّهما أفضل جعلت فداك-: تعتقها أو تصرف ثمنها في وجوه البرّ؟ فقال: «لا يجوز إلّا عتقها» (1).

و غير العارفة أعمّ من المستضعفة و المخالفة، بل ربما كانت ظاهرة في الأخيرة.

و كذا في الأوّل عند الشيخ في النهاية و تبعه الماتن هنا و الشهيد في اللمعة (2)؛ و لا وجه له سوى الجمع بين الروايتين المتعارضين في المسألة السابقة. و هو حسن إن وُجد له شاهد أو أمارة، و لا وجود لهما، كما صرّح به جماعة (3).

نعم، ربما يمكن الاستدلال عليه بالرواية السابقة المصححة لنذر عتق الجارية الغير العارفة، لكنّها كما عرفت غير ظاهرة الشمول للمستضعفة، فكيف تكون شاملة للكافرة؟ مع أن عتق الكافر إذا كان حراماً كان نذره نذراً في معصية، و هو محرم إجماعاً فتوًى و روايةً.

و لو شرط المولى على المعتَق الخدمة زماناً معيناً صحّ إجماعاً؛

____________

(1) التهذيب 8: 228/ 823، الوسائل 23: 99 أبواب العتق ب 63 ح 1.

(2) النهاية: 544، اللمعة (الروضة البهية 6): 261.

(3) منهم: الشهيد الثاني في المسالك 2: 126، و صاحب المدارك في نهاية المرام 2: 256، و المجلسي في ملاذ الأخيار 13: 433.

24

للصحاح المتقدّمة (1) صريحاً في بعض، و فحوى في الباقي.

و في صحّته مع عدم تعيين المدة بل تعليق الخدمة على مدّة حياته قولان.

و لو أبق و مات المولى فوجد بعد المدة أو فيها فهل للورثة استخدامه في تلك المدة إن كانت بعينها باقية و مطالبة اجرة مثلها إن كانت منقضية؟ المروي في بعض الصحاح المتقدمة: لا (2) عمل به الإسكافي و النهاية و من تبعه (3).

و ليست الرواية في مطلوبهم صريحة؛ لاحتمالها الاختصاص بصورة انقضاء المدة، أو كون المشروط له الخدمة نفس المولى خاصة. و نفي استحقاق الخدمة لا يستلزم نفي استحقاق الأُجرة.

فمع ذلك لا يمكن تخصيص القاعدة المقتضية لجواز مطالبته بالخدمة مع بقاء المدة، و عدم اختصاص المشروط له بالميّت خاصة، و جواز مطالبة الأُجرة مع عدم الأمرين. و لذا اختار المتأخرون كافّة خلاف هؤلاء الجماعة و عيّنوا المصير إلى مقتضى القاعدة، و هو في غاية الجودة.

و إذا طلب المملوك من مولاه البيع أي بيعه لم يجب إجابته للأصل و فقد المعارض، نعم يمكن القول باستحبابها مع إيمانه و عدم ما يقتضي خلافه.

[يكره التفريق بين الولد و أُمّه]

و يكره التفريق بين الولد و أُمّه، و قيل: يحرم مرّ مستند القولين في

____________

(1) في ص 15.

(2) في «ط» و «ر» زيادة: يستخدم مطلقاً.

(3) حكاه عن الإسكافي في المختلف: 625، النهاية: 542، و تبعه القاضي في المهذّب 2: 359.

25

كتاب البيع فلا نعيده (1).

و إذا أتى على المملوك المؤمن عند مولاه سبع سنين استحبّ عتقه للمرسل: «من كان مؤمناً فقد عتق بعد سبع سنين، أعتقه صاحبه أم لم يعتقه، و لا تحلّ خدمة من كان مؤمناً بعد سبع سنين» (2).

و هو محمول على الاستحباب؛ للإجماع على أنه لا ينعتق بنفسه كما في المسالك (3). و التمسك به مع ذلك للاستحباب بناءً على المسامحة في أدلّته.

و كذا لو ضرب مملوكه ما هو حدّ استحب له أن يعتقه، كما ذكره الشيخ و جماعة (4). و لا بأس به و إن لم يوجد له دلالة بناءً على المسامحة المزبورة.

[مسائل سبع]

مسائل سبع

[الاولى لو نذر تحرير أوّل مملوك يملكه فملك جماعةً تخيّر في عتق أحدهم]

الاولى: لو نذر تحرير أوّل مملوك يملكه فملك جماعةً تخيّر في عتق أحدهم مع بقائه و قدرته و إلّا فالقرعة، على قول الماتن هنا و الشهيد في النكت تبعاً للإسكافي (5)، و ظاهر الطوسي في كتابي الحديث (6)؛ للخبر:

عن رجل قال: أوّل مملوك أملكه فهو حرّ، فأصاب ستّة، قال: «إنّما كانت

____________

(1) راجع ج 9 ص 85.

(2) الكافي 6: 196/ 12، التهذيب 8: 230/ 831، الوسائل 23: 59 أبواب العتق ب 33 ح 1.

(3) المسالك 2: 127.

(4) الشيخ في النهاية: 573؛ و انظر اللمعة (الروضة البهية 3): 20، و كشف اللثام 2: 242.

(5) حكاه عن النكت في كشف اللثام 2: 186، و عن الإسكافي في المختلف: 625.

(6) الاستبصار 4: 6، التهذيب 8: 226.

26

نيّته على واحدة، فليتخيّر أيّهم شاء» (1).

و ضعف سنده يمنع من العمل به.

و قيل: يقرع بينهم مطلقاً، و هو الأظهر، وفاقاً للأكثر و منهم:

الصدوق و الطوسي في النهاية و القاضي (2)؛ للمعتبرين: أحدهما:

الصحيح (3)، و الثاني القريب منه: في رجل قال: أوّل مملوك أملكه فهو حرّ، فورث سبعة جميعاً، قال: «يقرع بينهم، و يعتق الذي يخرج سهمه» (4).

و قال ثالث: لا يلزمه عتقه و هو الحلّي (5)؛ لأمر اعتباري مع ضعفه غير معارض لما مرّ من النصّ الجليّ. و نحوه القول بلزوم عتق الكل (6).

ثم كلّ ذا إذا ملك جماعة و لو ملك واحداً وجب عتقه، سواء ملك بعده آخر أم لا، على الأشهر الأقوى؛ إذ الأوّليّة عرفيّة تتحقق بعدم سبق الغير، و لا تتوقّف على تحقّق شيء بعده.

الثانية:

[الثانية لو نذر عتق أوّل ما تلده الجارية فولدت توأمين عتقا]

لو نذر عتق أوّل ما تلده الجارية فولدت توأمين أي ولدين في بطن، واحدهما: توأم على وزن فوعل عتقا معاً بلا خلاف فيه في الجملة؛ للمرفوع: قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل نكح وليدة

____________

(1) الفقيه 3: 92/ 345، التهذيب 8: 226/ 812، الإستبصار 4: 5/ 17، الوسائل 23: 93 كتاب العتق ب 57 ح 3.

(2) الصدوق في المقنع: 157، النهاية: 543، القاضي في المهذب 2: 360.

(3) التهذيب 8: 225/ 810، الإستبصار 4: 5/ 16، الوسائل 23: 93 كتاب العتق ب 57 ح 2.

(4) التهذيب 8: 225/ 811، المقنع: 157، الوسائل 23: 92 كتاب العتق ب 57 ح 1.

(5) السرائر 3: 12.

(6) احتمله العلّامة في القواعد 2: 98، و حكاه الشهيد في الروضة 6: 294.

27

رجل أعتق ربّها أوّل ولد تلده، فولدت توأماً، فقال: «أُعتق كلاهما» (1).

و إطلاقه بل عمومه الناشئ عن ترك الاستفصال يشمل صورتي ولادتهما معاً أو متعاقباً، بل لعلّه بمقتضى الغلبة ظاهر في الأخيرة جدّاً، و لذا أطلق الحكم في العبارة تبعاً للنهاية و القاضي و جماعة (2). و خصّه الآخرون تبعاً للحلّي (3) بالأُولى خاصّة؛ تضعيفاً للرواية، أو حملًا لها عليها خاصّة، أو كون المنذور حملها دون أوّل ما تلده.

و ذكر جماعة (4): أنّ الأوّل أكثر، و به يمكن جبر الخبر. مضافاً إلى إمكان توفيقهما مع الأصل على تقدير ترجيح العرف على اللغة؛ إذ يصدق على مجموع التوأمين أنّهما أوّل ما ولدته و لو ولدتهما على التعاقب عرفاً، و إن لم يصدق ذلك لغةً.

قالوا: و الفرق بين هذه المسألة و المسألة السابقة: أنّ ما موصولة فتعمّ، بخلاف لفظة مملوك في المسألة السابقة، فإنّه نكرة في سياق الإثبات. و لو كان المنذور في الأُولى أوّل ما يملكه و في الثانية أوّل مولد تلده انعكس الحكم.

و فيه نظر؛ للحوق الحكم بالمضاف دون المضاف إليه و هو نكرة على الإطلاق، مع أن النص في المسألة متضمن للسؤال عن عتق أول ولد تلده،

____________

(1) الكافي 6: 195/ 7، التهذيب 8: 231/ 834، الوسائل 23: 57 أبواب العتق ب 31 ح 1.

(2) النهاية: 544، القاضي في المهذب 2: 360؛ و انظر المسالك 2: 127، و الكفاية: 220، و كشف اللثام 2: 186.

(3) السرائر 3: 13؛ و انظر القواعد 2: 98، و نهاية المرام 2: 265، و كشف اللثام 2: 186.

(4) منهم: الشهيد الثاني في المسالك 2: 127، و السبزواري في الكفاية: 220.

28

و هو بعينه كالمسألة الأُولى.

[الثالثة لو أعتق بعض مماليكه فقيل له: هل أعتقت مماليكك؟ فقال: نعم، لم ينعتق]

الثالثة: لو أعتق بعض مماليكه فقيل له: هل أعتقت مماليكك؟

فقال: نعم، لم ينعتق عليه في نفس الأمر إلّا من سبق عتقه لأنّ قوله نعم في جواب السؤال لا يكفي في حصول العتق.

و للموثق: عن رجل قال لثلاثة مماليك له: أنتم أحرار، و كان له أربعة، فقال له رجل من الناس: أعتقت مماليكك؟ قال: نعم، أ يجب العتق للأربعة حين أجملهم أو هو للثلاثة الذين أعتق؟ فقال: «إنّما يجب العتق لمن أعتق» (1).

و إطلاقه كالعبارة و عبائر أكثر الجماعة (2) و إن دلّ على شمول الحكم للظاهر، إلّا أنّه ينبغي تقييده بما قدّمناه من الواقع و نفس الأمر، و إلّا ففي الظاهر يجب الحكم عليه بعتق الجميع، لأنّ قوله نعم عقيب الاستفهام عن عتق عبيدة الذي هو جمع مضاف مفيد للعموم، فيفيد الإقرار بعتق جميع عبيده.

و اعتبر الفاضل في القواعد الكثرة في المعتق (3)؛ لتطابق لفظ الإقرار.

و يضعّف: بأن ذلك لا يجري على اعتبار نفس الأمر و لا الظاهر؛ لأنّا إن اعتبرنا الأوّل لم يحكم عليه إلّا بعتق من سبق عتقه خاصّة، واحداً كان أو متعدداً كما أطلقوه، و إن اعتبرنا الثاني حكمنا بعتق الجميع، كما يفيده العموم المستفاد من الجمع المضاف.

____________

(1) الفقيه 3: 68/ 230، التهذيب 8: 226/ 813، الوسائل 23: 94 أبواب العتق ب 58 ح 1.

(2) كالتنقيح الرائع 3: 443، و الروضة البهية 6: 280، و نهاية المرام 2: 266، و كشف اللثام 2: 186.

(3) القواعد 2: 98.

29

الرابعة:

[الرابعة لو نذر عتق أمته إن وطئها فخرجت عن ملكه، انحلّت اليمين]

لو نذر عتق أمته إن وطئها فخرجت عن ملكه، انحلّت اليمين و إن عادت إليه بملك مستأنف وفاقاً للصدوق و الطوسي و القاضي (1) و كثير من المتأخرين، بل عامّتهم كما يظهر من المسالك (2).

للصحيح: عن رجل تكون له الأمة فيقول: يوم يأتيها فهي حرّة، ثم يبيعها من رجل ثمّ يشتريها بعد ذلك، قال: «لا بأس أن يأتيها، قد خرجت عن ملكه» (3).

و ليس فيه ذكر النذر بل مجرّد التعليق، لكن حمله الأصحاب عليه لإجماعهم على منع العتق المعلّق على شرط. و خلاف الحلّي في المقام شاذ (4)، و الصحيح حجّة عليه.

مضافاً إلى أنّ الوطء شرط النذر و هو يستتبع الملك، فإذا خرجت عن ملكه فقد انحلّ النذر؛ لزوال الشرط الذي باعتباره يتحقق النذر، فإذا عاد الملك لم يعد النذر بعد زواله. و في التعليل المذكور في الصحيح تنبيه عليه.

ثم إنّ ذا إذا أطلق الوطء، أمّا لو عمّمه و لو بالنيّة بحيث يشمل الوطء متى ملكها كقوله متى وطئت و شبهه، فلا كلام في عدم الحلّ كما في التنقيح و غيره (5).

____________

(1) الصدوق في المقنع: 157، الطوسي في النهاية: 544، القاضي في المهذب 2: 360.

(2) المسالك 2: 128.

(3) الفقيه 3: 68/ 229، التهذيب 8: 226/ 814، الوسائل 23: 94 أبواب العتق ب 59 ح 1.

(4) السرائر 3: 12.

(5) التنقيح الرائع 3: 444؛ و انظر المسالك 2: 128، و كشف اللثام 2: 187.

30

و في التعليل إيماء إلى تعدّى الحكم إلى غير الأمة، و إلى التعليق بغير الوطء. و تردّد فيه في المسالك (1)؛ لذلك، و لأنّ الخروج عن الملك لا مدخل له في انحلال النذر، لأنّ غايته أن تصير أجنبية منه، و النذر يصحّ تعلّقه بها كنذر عتقها إن ملكها و هي في ملك غيره ابتداءً.

و في هذا الوجه نظر؛ إذ مع مخالفته ظاهر النص الظاهر باعترافه في الشمول لمحل الفرض، يدفعه ما قدّمناه من التعليل في ردّ الحلّي. فتأمل.

الخامسة:

[الخامسة لو نذر عتق كلّ عبد قديم في ملكه أعتق من كان له في ملكه ستة أشهر فصاعداً]

لو نذر عتق كلّ عبد قديم في ملكه أعتق من كان له في ملكه ستة أشهر فصاعداً للمرسل (2) المنجبر بعمل الأكثر بل الإجماع، كما عن فخر الإسلام (3). و لا ينافيه عدم تعرّض جماعة من القدماء للعمل به كالإسكافي و الصدوق و الديلمي؛ لمعلومية نسبهم، مع أنّ عدم الفتوى لا يستلزم عدم الرضا، فالأقوى عدم خروج الإجماع المنقول عن الحجية بمثل ذلك، فهو أيضاً حجّة أُخرى معتضدة هي كالمرسلة بالشهرة المحقّقة، و المستفيضة الحكاية، و عمل من لا يرى العمل بالأخبار الغير المتواترة، و لا غير المحفوفة بالقرائن القطعية كالحلّي (4) و من ضاربه.

فإذاً: هذه الرواية في أعلى درجات الحجيّة، و فيها: رجل قال عند موته: كلّ مملوك قديم فهو حرّ لوجه اللّٰه تعالى، قال: «إنّ اللّٰه عزّ و جلّ يقول في كتابه حَتّٰى عٰادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (5) فما كان من مماليكه

____________

(1) المسالك 2: 128.

(2) الكافي 6: 195/ 6، الفقيه 3: 93/ 351، التهذيب 8: 231/ 835، الوسائل 23: 56 أبواب العتق ب 30 ح 1.

(3) إيضاح الفوائد 3: 483.

(4) السرائر 3: 13.

(5) يس: 39.

31

أتى له ستة أشهر فهو قديم حرّ». و هي كما ترى عامّة لكل مملوك ذكراً كان أو أُنثى، فاختصاص العبارة و غيرها من عبائر الجماعة بالأول إن كان للمَثَل، و إلّا فلا وجه له أصلًا مع عموم المستند لهما نصّاً و تعليلًا.

و منه يظهر انسحاب الحكم إلىٰ ما شابه محل البحث، كنذر الصدقة بالمال القديم و الإقرار به، و إبراء كل غريم قديم. و تردّد فيه جماعة (1) لذلك، و لمخالفة هذا الحكم الأصل، مع ضعف المستند و قصر الإجماع على مورده.

ثم إنّ كلّ ذا إذا مضى على بعض مماليكه المدّة المزبورة. أمّا لو لم تمض بل قصر ملك جميعهم عنها، ففي عتق أوّلهم تملّكاً اتّحد أم تعدّد، أو بطلان النذر وجهان. و على الصحّة لو اتّفق ملك الجميع دفعةً ففي انعتاق الجميع، أو البطلان لفقد الوصف، الوجهان. و الأقوى الرجوع فيما لم يساعده الإجماع و النص إلى العرف إن حصل، و إلّا فيبطل النذر.

السادسة: مال العبد المعتق لمولاه مطلقاً و إن علم به و لم يشترطه وفاقاً للحلّي و غيره (2)، بناءً على أنّه لا يملك و ماله لمولاه، و أنّ لفظ العتق لا يتضمّن غير فكّ الرقّ دون إباحة المال. و هو حسن لولا ما سيأتي من الأخبار.

و قيل كما عن الصدوق و الشيخ و التقي و الإسكافي (3): إنّه إن لم

____________

(1) منهم العلّامة في القواعد 2: 98، الشهيد الأول في الدروس 2: 205، الفاضل الهندي في كشف اللثام 2: 187.

(2) الحلّي في السرائر 3: 11؛ و انظر المسالك 2: 129، و الكفاية: 220، و كشف اللثام 2: 187.

(3) الصدوق في المقنع: 157، الشيخ في النهاية: 543، التقي في الكافي: 318، و حكاه عن الإسكافي في المختلف: 624.

32

يعلم المولى به اي بالمال فهو له، و إن علم و لم يستثنه فهو للعبد و نسبه في الدروس إلى كافّة القدماء (1)، و في شرح الكتاب للسيّد إلى الأكثر (2)، و بنى الخلاف فيه على ما مرّ في البيع من الخلاف في مالكيته و عدمها، و بنى القول الثاني على الأوّل.

و فيه نظر: أوّلًا: بما عرفت ثمّة من الإجماعات المحكية على عدم المالكية الظاهرة في مصير هؤلاء الأجلّة القائلين بهذا القول إليه.

و ثانياً: بعدم انطباقه بهذا التفصيل على القول بالمالكية إن قالوا به؛ لأنّه على تقديره يكون المال للعبد مطلقاً، و لو كان السيّد لم يعلم به أو علم به و استثناه، فلا ريب في ضعف هذا البناء و فساده.

و الظاهر أنّ مستندهم على التفصيل إنّما هو المعتبرة، منها الصحيح:

عن رجل أعتق عبداً له و للعبد مال، لمن المال؟ فقال: «إن كان يعلم أنّ له مالًا تبعه ماله، و إلّا فهو له» (3).

و نحوه الموثّقان (4) القريبان منه في الصحّة بابن بكير و أبان، اللذين أجمع على تصحيح ما يصحّ عنهما العصابة، و ربما قال بوثاقتهما جماعة (5)، فالمصير إليها لا يخلو عن قوّة سيما بعد اعتضادها بالشهرة

____________

(1) الدروس 2: 206.

(2) نهاية المرام 2: 269.

(3) الكافي 6: 190/ 4، التهذيب 8: 223/ 803، الإستبصار 4: 10/ 30، الوسائل 23: 48 أبواب العتق ب 24 ح 4.

(4) الكافي 6: 190/ 2، الفقيه 3: 69/ 237، 70/ 238، التهذيب 8: 223/ 804، 805، الإستبصار 4: 10/ 31، 11/ 32، الوسائل 23: 47، 49 أبواب العتق ب 24 ح 1، 6.

(5) انظر الفهرست: 106، و كامل الزيارة: 4، و رجال الكشي 2: 673/ 705، و مرآة العقول 21: 316.

33

المحقّقة و المحكيّة، فيخصّص بها كلّ من قاعدتي المالكية و عدمها.

و لكن مع ذلك، المسألة لا تخلو عن ريبة؛ لاحتمالها ككلام القائلين بها الحمل على صورة حصول عادة مقتضية لكون علم السيد أمارة على الإباحة، و به يندفع منافاتها للقول بعدم المالكية و ما دلّ عليه من الأدلّة، و يظهر أنّ دفعه إلى العبد مع العلم بطريق الإباحة، لا من حيث كونه مالكاً.

و يؤيّده ورود نحو هذا التفصيل في الصحيح (1) الوارد في بيعه و أنّ ماله للمشتري لا له لو علم به؛ إذ لو كان الوجه في الدفع هنا مع العلم الملكيّة لَما صحّ دفعه معه إلى المشتري في صورة البيع، بل كان الدفع إليه أولى البتة.

و ممّا يضعف التمسك بظواهر إطلاقات هذه الأخبار ورود النصوص من الصحيح و غيره (2) في البيع بردّ ما تضمّنته هذه من التفصيل، و إن كان من الصحيح، و إطلاق كون المال للمولى على أيّ تقدير.

و قد عرفت ثمة أنّ العلم بتلك النصوص دون الصحيح المقابل لها أظهر و أشهر بين الطائفة. فيحتمل كون نصوص المسألة مثله في المتروكية، و لو لا شهرة العمل بها في المسألة لكان طرحها أو تأويلها بما قدّمناه هنا و في البيع متعيّناً.

ثم إنّ إطلاق الماتن هنا بكون مال العبد لمولاه كحكمه به في البيع ممّا لا يلائم ما اختاره ثمّة من مالكيّته في الجملة، بل كان عليه في المقامين تخصيصه بما لا يملكه لا إطلاقه.

____________

(1) الفقيه 3: 69/ 236، الوسائل 23: 48 أبواب العتق ب 24 ح 3.

(2) الوسائل 18: 252 أبواب بيع الحيوان ب 7 الأحاديث 1، 4، 5.

34

السابعة:

[السابعة إذا أعتق ثلث عبيده استخرج الثلث بالقرعة]

إذا أعتق ثلث عبيده و لم يعيّن أو عيّن و جهل استخرج الثلث بالقرعة بلا خلاف أجده، بل عليه الإجماع في صريح التنقيح و ظاهر الكفاية (1)؛ و هو الحجة، مضافاً إلى عموم ما دلّ على اعتبار القرعة في كل أمر فيه جهالة (2)، و منه مفروض المسألة.

و يعضده ما مرّ في نظيرها في كتاب الوصيّة (3). و مرّ فيه وجه المنع عن عتق ثلث كلّ واحد منهم من ورود الرواية بالتجزية و استلزامه الإضرار بالورثة، و موردها مفروض العبارة و هو عتق الثلث فيجيزون ثلثة.

فحينئذ يقرع بكتابة أسماء العبيد، فإن أُخرج على الحريّة كفت الواحدة، و إلّا أُخرج رقعتان. و يجوز كتابة الحريّة في رقعة و الرقّية في رقعتين و يخرج على أسمائهم.

و في المسألة وجه ثالث استوجهه في المختلف (4) و عيّنه، و هو: أن يكتب ستة رقاع بأسماء الستة، و يخرج على أسمائهم واحدة واحدة على الحريّة و الرقّية إلى أن يستوفي المطلوب، أو يكتب في اثنتين حرية، و في أربع رقية، ثم يخرج على واحد واحد إلى أن يستوفيه.

و هذا الوجه أعدل؛ لأنّ جمع الاثنين على حكم واحد يمنع من افتراقهما في الحرية و الرقية و من الممكن خروج أحدهما دون الآخر بالضرورة.

____________

(1) التنقيح الرائع 3: 477، الكفاية: 220.

(2) الفقيه 3: 52/ 174، التهذيب 6: 240/ 593، الوسائل 27: 259 أبواب كيفية الحكم و أحكام الدعوىٰ ب 13 ح 11.

(3) راجع ج 10: 382.

(4) المختلف: 627.

35

لكنّ المشهور بين القدماء ما سبق كما في الكفاية (1)، لوروده في الرواية. و يمكن تنزيلها على هذا الوجه، و يجمع بينهما بأن يكون أقرع (صلى الله عليه و آله) أوّلًا في استخراج صورة الجمع من الصور الممكنة، ثم أقرع على الوجه المذكور في الرواية. و هذا أحوط بلا شبهة.

ثمّ إن تساووا عدداً و قيمةً أو اختلفوا مع إمكان التعديل أثلاثاً فلا خفاء في المسألة. و إن اختلفت القيمة و لم يمكن التعديل عدداً أو قيمةً بل أحدهما خاصّة، كما إذا كانوا ستّة قيمة أحدهم ألف، و قيمة اثنين ألف، و قيمة ثلاث ألف. فإن اعتبرت القيمة كانت أثلاثاً و لكن اختلف العدد، و إن اعتبر العدد كان أثلاثاً لكن اختلفت القيمة، ففي ترجيح اعتبارها أو العدد وجهان.

و لعلّ أظهرهما الأوّل وفاقاً للأكثر على ما يظهر، و منهم الشيخ قائلًا إنّه أصح عندنا (2). و هو ظاهر في الإجماع عليه كما ترى؛ و لعلّه الحجّة، دون ما يقال من أنّ المقصود الذاتي من العبد الماليّة، لعدم المعلومية في نحو المسألة و إن صلح للتقوية.

و احتمل في المختلف (3) الثاني موافقةً للرواية؛ بناءً على استبعاد استواء الستّة التي هي موردها قيمةً، و التفاتاً إلى إضافة الثلث إلى العبيد لا إلى القيمة، فتقديرها على خلاف القاعدة.

و يضعفّان: بعدم مسموعيتهما في مقابلة الإجماع المحكي على الظاهر المعتضد بما مرّ مع فتوى الأكثر، مع عدم معلوميّة ثبوت الحكم

____________

(1) الكفاية: 220.

(2) المبسوط 6: 67.

(3) المختلف: 627.

36

بمثل هذا الاستبعاد، و اندفاع الأخير بأنّا لا نقدّر القيمة، بل نقول: إنّ إضافة الثلث إلى العبيد باعتبار الماليّة، فيكون كالقرينة على ترجيح القيمة. لكن في ثبوت هذه الدعوى مناقشة يعسر معها جعلها حجّة و إن أمكن جعلها مؤيدة.

[العتق بالسراية]

و أمّا العتق ب السراية و هو انعتاق باقي المملوك إذا أُعتق بعضه بشرائط خاصّة.

فمن أعتق شقصاً بكسر الشين أي جزءاً من عبده أو أمته و إن قلّ الجزء منه عتق عليه كلّه أجمع و إن لم يملك سواه، على الأظهر الأشهر، بل ظاهر العبارة و كثير من الأصحاب (1) عدم الخلاف فيه، و في الروضة: ربما كان إجماعاً، لكن فيها و في المسالك نسب القول بعدم السراية إلى جمال الدين بن طاوس خاصّة (2).

و لا ريب أنّه الأوفق بالأصل، و ظاهر كثير من النصوص المتضمّنة للصحيح و غيره (3)، إلا أنّ ظاهر اتّفاق الأصحاب الذي كاد أن يلحق بالإجماع بل و ربما يقطع بتحققه بعد معلوميّة نسب السيد و عدم حصول قدح فيه بخروجه، يخصّص الأصل و يوجب طرح ما بعده أو تأويله بما لا ينافي السراية، سيّما بعد اعتضاده بروايتين (4) هما حجّة أُخرى مستقلّة،

____________

(1) منهم: الشهيدان في اللمعة و الروضة البهية 6: 261، و صاحب المدارك في نهاية المرام 2: 271، و السبزواري في الكفاية: 221.

(2) الروضة 6: 262، المسالك 2: 131.

(3) الوسائل 23: 100 أبواب العتق ب 64 ح 3، 7، وص 156 أبواب المكاتبة ب 12 ح 1.

(4) التهذيب 8: 228/ 824، 825، الإستبصار 4: 6/ 18، 19، الوسائل 23: 99، 100 أبواب العتق ب 64 ح 1، 2.

37

بانجبارهما بالشهرة العظيمة و إن لم تبلغ درجة الإجماع، مع أنّ الفرض خلافه، مع أن إحداهما موثقة: إنّ رجلًا أعتق بعض غلامه، فقال عليّ (عليه السلام): «هو حرّ، ليس للّٰه فيه شريك». فميل صاحب الكفاية إلى موافقة السّيد ضعيف غايته (1).

و لو كان له أي للمعتق شريك في العبد الذي أعتق شقصه قوّم عليه نصيبه أي الشريك إن كان المولى المعتق موسراً و ذلك كما ذكر الشهيدان و غيرهما (2) بأن يملك زيادةً عما يستثني في الدين، من داره و خادمه و دابته و ثيابه اللائقة بحاله كميّةً و كيفيّةً، و قوت يوم له و لعياله، ما يسع قيمة نصيب الشريك، فيدفع إليه و يعتق، بلا خلاف فيه لو قصد بالعتق الإضرار على الشريك، إلّا من المحكي عن الحلبي، فأطلق وجوب السعي على العبد (3) كما يأتي.

و كذا لو لم يقصده عند الأكثر (4). خلافاً للشيخ، فأوجب السعي على العبد في الفكّ حينئذ (5)، كما سيذكره و للإسكافي (6) فخيّر الشريك بينه و بين إلزام المعتق قيمة نصيبه. و لا شاهد له.

و سعى العبد في فكّ باقيه إن كان المولى المعتق معسراً بلا خلاف إن لم يقصد الإضرار، بل قصد القربة خاصّة، و كذا إن قصده عند

____________

(1) الكفاية: 221.

(2) الشهيدان في اللمعة و الروضة البهية 6: 263؛ و انظر كشف اللثام 2: 188.

(3) الكافي في الفقه: 317.

(4) القواعد 2: 99، المهذب البارع 4: 60، اللمعة (الروضة البهية 6): 263، نهاية المرام 2: 272، كشف اللثام 2: 188.

(5) النهاية: 542.

(6) كما حكاه في المختلف: 622.

38

الأكثر و منهم المفيد و الديلمي و الصدوق (1)، و المرتضى مدّعياً عليه و على ما مرّ إجماع الإمامية (2)؛ و هو الحجّة فيهما، مضافاً إلى الصحيحين.

في أحدهما: «من كان شريكاً في عبد أو أمة قليلًا كان أو كثيراً فأعتق حصّته و له سعة، فليشتره من صاحبه فيعتقه كلّه، و إن لم يكن له سعة من المال نظر قيمته يوم أعتق منه ما أعتق، و يسعى العبد في حساب ما بقي» (3).

و في الثاني: في جارية كانت بين اثنين فأعتق أحدهما نصيبه قال:

«إن كان موسراً كُلّف أن يضمن، و إن كان معسراً اخدمت بالحصص» (4).

و يذبّ عما يرد على ذيله من المناقشة بحمل الإخدام على السعاية، أو تقييده بصورة عجز الجارية عنها لا مطلقاً.

و نحوه المرسل كالصحيح (5).

و بها مضافاً إلى الإجماع المتقدم يجمع بين الأخبار المطلقة الدالّة بعضها على السراية عليه مطلقاً كالصحيح: عن المملوك يكون بين شركاء فيعتق أحدهم نصيبه، قال: «إنّ ذلك فساد على أصحابه، فلا يستطيعون بيعه و لا مؤاجرته» قال: «يقوم قيمة فيجعل على الذي أعتقه عقوبة، و إنّما

____________

(1) المفيد في المقنعة: 550، الديلمي في المراسم: 191، الصدوق في المقنع: 156.

(2) الانتصار: 169.

(3) الكافي 6: 183/ 3، التهذيب 8: 221/ 791، الإستبصار 4: 4/ 13، الوسائل 23: 36 أبواب العتق ب 18 ح 3.

(4) الفقيه 3: 67/ 222، التهذيب 8: 219/ 785، الإستبصار 4: 3/ 7، الوسائل 23: 38 أبواب العتق ب 18 ح 7.

(5) التهذيب 8: 221/ 793، الإستبصار 4: 3/ 9، الوسائل 23: 40 أبواب العتق ب 18 ح 11.

39

جعل ذلك لما أفسده» (1).

و الموثّق بعثمان: عن مملوك بين شركاء فيعتق أحدهم نصيبه، قال:

«يقوم قيمة و يضمن الذي أعتقه، لأنّه أفسده على صاحبه» (2).

و الخبر: عن قوم ورثوا عبداً جميعاً فأعتق بعضهم نصيبه منه، كيف يصنع بالذي أعتق نصيبه منه، هل يؤخذ بما بقي؟ قال: «يؤخذ بما بقي» (3).

و الدالّ بعضها على عدم السراية عليه كذلك، كالخبرين أحدهما الموثّق: رجل أعتق شركة له في غلام مملوك، عليه شيء؟ قال:

«لا» (4). و في آخر: عن مملوك بين أُناس فأعتق بعضهم نصيبه، قال: «يقوم قيمة ثمّ يستسعى فيما بقي، ليس للباقي أن يستخدمه، و لا يأخذ منه الضريبة» (5).

بحمل الأوّلة على صورة اليسار و الثانية على صورة الإعسار، مع احتمال الأوّلين منها الحمل على نفي الإثم دون نفي السراية.

و الجمع بينهما بالحمل على القول الآتي و إن كان ممكناً إلا أنّ هذا

____________

(1) التهذيب 8: 220/ 790، الإستبصار 4: 4/ 11، الوسائل 23: 39 أبواب العتق ب 18 ح 9.

(2) الكافي 6: 183/ 5، التهذيب 8: 220/ 789، الإستبصار 4: 3/ 8، الوسائل 23: 37 أبواب العتق ب 18 ح 5.

(3) الكافي 6: 183/ 6، التهذيب 8: 219/ 784، الإستبصار 4: 3/ 6، الوسائل 23: 38 أبواب العتق ب 18 ح 6.

(4) التهذيب 8: 219/ 786، الإستبصار 4: 2/ 3، الوسائل 23: 38 أبواب العتق ب 18 ح 8.

(5) التهذيب 8: 221/ 792، الإستبصار 4: 2/ 5، الوسائل 23: 39 أبواب العتق ب 18 ح 10.

40

أقرب و أرجح جدّاً؛ للشهرة و حكاية الإجماع المتقدمة (1)، و تعدّد ما دلّ عليه من النصوص المعتبرة.

و كيف كان، لا محيص من الجمع بين هذه الأخبار المطلقة بأحد الأمرين؛ لعدم ظهور قائل بإطلاق شيء منها في البين، إلّا ما يحكىٰ في الكفاية (2) عن الحلبي من الفتوى بمضمون الرواية الأخيرة، من إطلاق الحكم على العبد بالسعاية. و وجوه القدح فيها ظاهرة؛ و لعلّه لذا لم يحك عن أحد من الأصحاب المصير إليه بالكليّة.

و قيل كما عن الشيخ في صريح النهاية و القاضي (3): إنّه إن قصد بعتقه الإضرار على الشريك فكّه إن كان موسراً، و بطل العتق إن كان معسراً، و إن قصد القربة خاصّة لم يلزمه فكّه و إن استحب و سعى العبد في حصّة شريكه فإن امتنع العبد عن السعاية، أو لم يكن له عليها قدرة استقرّ ملك الشريك على حصته للصحيح: رجل ورث غلاماً و له فيه شركاء، فأعتق لوجه اللّٰه تعالى نصيبه، فقال: «إذا أعتق نصيبه مضارة و هو موسر ضمن للورثة، و إذا أعتق لوجه اللّٰه تعالى كان الغلام قد أُعتق من حصّة من أعتق، و يستعملونه على قدر ما أُعتق منه له و لهم، فإن كان نصفه عمل لهم يوماً و له يوم. و إن أعتق الشريك مضاراً و هو معسر فلا عتق له، لأنّه أراد أن يفسد على القوم، و يرجع القوم على حصّتهم» (4).

____________

(1) في ص 37.

(2) الكفاية: 221.

(3) النهاية: 542، القاضي في المهذب 2: 358.

(4) الفقيه 3: 68/ 227، التهذيب 8: 221/ 794، الإستبصار 4: 4/ 12، الوسائل 23: 40 أبواب العتق ب 18 ح 12.

41

و به جمع بين الأخبار المطلقة المتقدمة: بحمل ما دلّ منها على السراية على ما إذا قصد الإضرار، و ما دلّ منها على عدمها على ما إذا قصد القربة خاصّة.

و هو و إن أمكن كما تقدّم إلّا أن الجمع بما مرّ أظهر؛ لقلّة التقييد فيما دلّ على الإطلاق على السراية على هذا، دون ما ذكره، لزيادة تقييد فيه بقصد الإضرار، و الأصل عدمه، مضافاً إلى ما مرّ من وجوه الترجيح الأُخر.

مضافاً إلى قصور الصحيح المفصّل بما ذكر عن إفادة جميع ما حرّره؛ لإشعار ذيله باختصاص بطلان العتق في صورته بحصص الشركاء خاصّة، لا بطلانه بالكليّة كما ذكره و دلّ عليه قوله (عليه السلام) «و لا عتق له» قبله، و عدم دلالته على وجوب السعي على العبد في صورته و انعتاقه بسعايته، لدلالته على بقاء رقّية نصيب الشريك و حصّته.

و تقييده بأحد ما مرّ في بعض الأخبار المفصّلة بغير ما اختاره، المتضمّنة لما يرد عليه نحو هذه المناقشة فرع وجود دلالة عليه، أو قرينة و ليست موجودة. و لا كذلك ثمّة؛ لوجودها عليه بلا شبهة، للإجماع على أنه حيث صحّ عتق المعتق في نصيبه، و لم يسر عليه في نصيب شريكه، يجب على العبد السعاية إن أمكنه، و إلّا فيستخدم بقدر الحصة. و لا إجماع في هذه الصحيحة لو حمل الحكم فيها في هذه الصورة على إطلاقه، بل يختصّ بما إذا قيّد بصورة إعسار المعتق خاصّة، مع أنّ سياقها و صريح القائل بها يدفع التقييد بها، و يثبتان الحكم مطلقاً.

اللهم إلّا أن يبدّل الإجماع بالصحيح: عن رجلين كان بينهما عبد فأعتق أحدهما نصيبه، قال: «إن كان مضاراً كلّف أن يعتقه كلّه، و إلّا

42

استسعى العبد في النصف» (1).

و يذبّ عن إطلاق صدره الشامل لما إذا كان معسراً بتقييده بما إذا كان موسراً؛ للصحيح الماضي.

و العجب من الشيخ (2) حيث حمل الأخبار المفصّلة على التفصيل الذي ذكره، بحمل صدرها الدالّ على السراية مع السعة بصورة قصد الإضرار، و تقييد ذيلها الدالّ على السعاية بصورة قصد القربة خاصّة، مع أنه كما ترى يوجب التفكيك: بين موردهما، و الحال حصول ما يقرب من القطع بوحدة الموردين بحكم السياق جدّاً.

و بالجملة ما ذكره الأكثر أظهر، و ضعف هذا القول أظهر من أن يذكر، سيّما مع ما يرد عليه في الحكم بصحة العتق مع نيّة الإضرار و اليسار من الإشكال، لمنافاته الإخلاص، و إن ذبّ عنه جماعة منهم الفاضل في المختلف (3)، بحمل نيّة الإضرار على ما لا ينافي القربة، و هو ما لو كانت تابعة للقربة، و كون القربة بالذات مقصودة، لا صورتي العكس و تجرّدها عن القربة، لفساد العتق فيهما بلا شبهة.

ثم إنه على المختار في وقت الانعتاق خلاف: فبين من جعله وقت العتق كالحلّي (4)، و من جعله وقت أداء القيمة كالأكثر، كما يستفاد من عباراتهم المحكية في المختلف (5)، و من جعله وقت العتق لكن مراعى

____________

(1) الكافي 6: 182/ 2، الفقيه 3: 67/ 226، التهذيب 8: 220/ 788، الإستبصار 4: 4/ 10، الوسائل 23: 36 أبواب العتق ب 18 ح 2.

(2) التهذيب 8: 220.

(3) المختلف: 623، و انظر و نهاية المرام 2: 275.

(4) السرائر 3: 5.

(5) المختلف: 627.

43

بالأداء إن حصل تبيّن الانعتاق حينه، و إلّا فلا عتق في نصيب الشريك (1).

و خير هذه الأقوال أوسطها؛ استصحاباً لعدم العتق السابق إلى حين الأداء، و التفاتاً إلى الإجماع عليه المستفاد من ظاهر المرتضى (2)، و أوّل الصحيحين المتقدم سنداً للأكثر فيما سبق (3) المتضمّن لقوله (عليه السلام): فليشتره من صاحبه فيعتقه كلّه، لعطف الإعتاق فيه على الشراء بالفاء المقتضي لتعقّبه عن الأداء، و هو ينافي العتق سابقاً، هذا.

مضافاً إلى التأيّد بما قيل: من أن للأداء مدخلًا في العليّة، و لهذا لا ينعتق مع الإعسار، و أنه لو انعتق بالإعتاق لزم الإضرار بالشريك بتقدير هرب المعتق و تلف ماله (4).

و يتفرّع على الخلاف فروع جليلة ذكرها الأصحاب في كتبهم المبسوطة.

و ظاهر الصحيحة كما ترى اعتبار الشراء حقيقة، إلّا أنّ في المسالك أنّ المراد به أداء القيمة لا حقيقتها إجماعاً (5).

و في دعواه الإجماع عليه مع تعبير كثير من الأصحاب (6) بعين ما في الرواية من دون قرينة صارفة مناقشة، لكنّه أعرف بمراد الجماعة.

ثم ظاهرها أيضاً اعتبار الإعتاق ثانياً بعد الشراء، و نحوها في هذا عبائر كثير من القدماء، كالنهاية و القاضي و الصدوق (7). و لكن ظاهر

____________

(1) كما في المبسوط 6: 52.

(2) الانتصار: 169.

(3) في ص 37.

(4) قال به الشهيد الثاني في المسالك 2: 132.

(5) المسالك 2: 132.

(6) منهم: السبزواري في الكفاية: 221، و الفاضل الهندي في كشف اللثام 2: 188.

(7) النهاية: 542، القاضي في المهذب 2: 358، الصدوق في المقنع: 156.

44

متأخّري الأصحاب (1) عدم الخلاف في حصول الانعتاق قهراً بمجرد أداء القيمة، و هو الظاهر من عبائر كثير من القدماء كالمفيد و الحلّي و المرتضى (2)، بل ظاهره الإجماع عليه (3)، كما يستفاد من عبارته التي ادّعى فيها في أصل المسألة إجماعنا، فينبغي صرف الإعتاق في الرواية و كلام هؤلاء الجماعة إلى الانعتاق. و لو احتيط بالظاهر لكان أحوط.

و إذا أعتق المولى أمته الحامل برقّ تحرّر الحمل مطلقاً و لو استثنى رقّه، لرواية السكوني: في رجل أعتق أمته و هي حبلى، فاستثنى ما في بطنها، قال: «الأمة حرّة و ما في بطنها حرّ، لأنّ ما في بطنها منها» (4).

و أفتى بها في النهاية، و تبعه القاضي و ابن حمزة (5)، و حكى في المختلف و غيره عن ظاهر الإسكافي (6).

و فيه مع ضعف السند به و بالنوفلي، و الموافقة للعامّة كما في المسالك و المختلف و غيرهما من كتب الجماعة (7)، و ربما يؤيده مصير الإسكافي إليه و كون الراوي من قضاة العامة إشكال منشؤه عدم القصد إلى عتقه سيما مع استثنائه، مع عدم كونه جزءاً من أمته على الأشهر الأظهر،

____________

(1) كالشهيد الثاني في المسالك 2: 132، و السبزواري في الكفاية: 222، و الفاضل الهندي في كشف اللثام 2: 188.

(2) المفيد في المقنعة: 550، الحلي في السرائر 3: 6، المرتضى في الانتصار: 169.

(3) الفقيه 3: 85/ 309، التهذيب 8: 236/ 851، الوسائل 23: 106 أبواب العتق ب 69 ح 1.

(4) النهاية: 545، القاضي في المهذب 2: 361، ابن حمزة في الوسيلة: 342.

(5) المختلف: 627؛ و انظر التنقيح الرائع 3: 454.

(6) المسالك 2: 134، المختلف: 628؛ و انظر إيضاح الفوائد 3: 500.

(7) المختلف: 627.

45

كما في كتاب البيع قد مرّ (1)، فكيف يسري عتقه إليه مع أنّ الأصل عدمها، و أدلّتها لا تشمل مفروض المسألة، لاختصاصها بسراية العتق في الأشقاص لا الأشخاص، و لذا اختار الحلّي (2) و عامة المتأخرين خلافه.

و هو في غاية القوّة، سيّما مع اعتضاده بما يأتي من المعتبرة الواردة في نظير المسألة من تدبير الأمة الحامل الدالّة على عدم السراية إلى ولدها:

إمّا مطلقاً كما في بعضها (3)، أو بشرط عدم علم المولى بما في بطنها كما في آخر منها (4)، فلا وجه لما يستفاد من العبارة هنا و في الشرائع من التردّد في المسألة (5)، سيّما مع الاعتراف بضعف السند و المخالفة للقاعدة.

[العتق بالعوارض]

و أما العتق ب العوارض التي تعرض المملوك ف يحصل بأُمور: منها العمى، و الجذام، و تنكيل المولى لعبده بقطعه أنفه أو لسانه أو اذنيه أو شفتيه أو نحو ذلك، بلا خلاف في الأوّلين، بل في ظاهر المسالك و الروضة و غيرهما الإجماع عليهما (6)؛ و هو الحجة.

مضافاً إلى المستفيضة في الأوّل. منها الصحيح: «إذا عمي المملوك فقد عتق» (7).

____________

(1) راجع ج 9 ص 50.

(2) الحلّي في السرائر 3: 17.

(3) الكافي 6: 184/ 5، التهذيب 8: 260/ 947، الإستبصار 4: 31/ 109، الوسائل 23: 122 أبواب التدبير ب 5 ح 2.

(4) التهذيب 8: 260/ 964، الإستبصار 4: 31/ 108، الوسائل 23: 123 أبواب التدبير ب 5 ح 3.

(5) الشرائع 3: 112.

(6) المسالك 2: 136، الروضة 6: 277؛ و انظر مفاتيح الشرائع 3: 41.

(7) الكافي 6: 189/ 4، الفقيه 3: 84/ 305، التهذيب 8: 222/ 799، الوسائل 23: 44 أبواب العتق ب 23 ح 1.

46

و الخبر المنجبر ضعفه أو قصوره كما عدا الصحيحة من المستفيضة بالعمل، في الثاني.

و فيه: «إذا جذم المملوك فلا رقّ عليه» (1).

و ألحق به البرص ابن حمزة (2)، و الحجة عليه مع مخالفته الأصل غير واضحة.

و على الأظهر الأشهر في الثالث؛ للنصوص المستفيضة:

منها: الصحيح المروي في الفقيه، عن أبي بصير بطريق حسن و صحيح، و لا اشتراك فيه على الأشهر الصحيح: «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) فيمن نكل بمملوكه أنه حرّ لا سبيل له عليه، سائبة» الحديث (3).

و منها: المرسل فيه أيضاً: في امرأة قطعت ثدي وليدتها أنّها حرة لا سبيل لمولاتها عليها» (4).

و نحوهما خبران آخران (5) منجبران كالثالث (6) بالشهرة العظيمة التي لا مخالف لها عدا الحلّي (7)، و تبعه الماتن في الشرائع (8) لكن على تردّد.

و لا وجه له عدا الأصل و ضعف المستند، و يندفعان بما مرّ على

____________

(1) الكافي 6: 189/ 2، الفقيه 3: 84/ 304، الوسائل 23: 45 أبواب العتق ب 23 ح 2.

(2) الوسيلة: 340.

(3) الكافي 7: 172/ 9، الفقيه 3: 85/ 306، التهذيب 8: 223/ 802، المقنع: 160، الوسائل 23: 43 أبواب العتق ب 22 ح 2.

(4) الفقيه 3: 85/ 307، الوسائل 23: 44 أبواب العتق ب 22 ح 3.

(5) و هما عامّيان. راجع سنن ابن ماجة 2: 894/ 2679 و 2680.

(6) الكافي 6: 189/ 1، التهذيب 8: 223/ 801، الوسائل 23: 43 أبواب العتق ب 22 ح 1.

(7) السرائر 3: 8 9.

(8) الشرائع 3: 114.

47

طريقة الماتن و الأكثر. لكن يشكل دفعهما على طريقة الحلّي؛ لكونه من الآحاد الغير المعمول عليها عنده، و إن انجبر بعمل الأكثر. لكن ضعف هذه الطريقة أوضح من أن يذكر.

و ألحق الأصحاب بالعوارض الثلاثة، في حصول العتق بها قهراً الإقعاد و الزمانة. و في نسبة ذلك إلى الأصحاب إيذان بعدم وقوفه على دليله من نصّ أو غيره سوى الإجماع المستفاد عن صريح الخلاف (1)، و من ظاهر عبارته كغيره؛ و لعلّه كاف في الحجية، سيّما مع اعتضاده بدعوى ظاهر المسالك عدم الخلاف فيه، حيث قال بعد ذلك الحكم فيه: لكن لا يظهر فيه مخالف، حق ابن إدريس وافق عليه، لشبهة أنّه إجماع (2).

هذا مع ما في المختلف عن الإسكافي أنه قال: و في حديث أهل البيت: إنّ رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) قال: «إذا عمي المملوك أو جذم فلا رقّ عليه». و عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «إذا أصابه زمانة في جوارحه و بدنه، و من نكل بمملوكه فهو حرّ لا سبيل عليه، سائبة» (3).

و هو كما ترى ظاهر الدلالة على وجود رواية فيه، لكنّها مرسلة إلّا أنها لا تقصر عن المراسيل السابقة، فتكون حجّة بعد الانجبار بالشهرة العظيمة.

و بالجملة فمتى حصل أحد هذه الأسباب فيه أي في المملوك انعتق قهراً على مولاه، كما مضى.

و كذا ينعتق عليه قهراً لو أسلم العبد في دار الحرب سابقاً على مولاه و خرج إلينا قبله، إجماعاً كما في صريح المختلف و ظاهر غيره (4)؛

____________

(1) الخلاف 2: 651.

(2) المسالك 2: 136.

(3) المختلف: 625.

(4) المختلف: 329 330؛ و انظر المبسوط 2: 27، و المسالك 1: 154.

48

و هو الحجة.

مضافاً إلى الخبر: «أيّما عبد خرج إلينا قبل مولاه فهو حرّ، و أيّما عبد خرج إلينا بعد مولاه فهو عبد» (1).

و كذا إذا لم يخرج، كما في المختلف عن ظاهر المبسوط (2)، و في المسالك و التنقيح عن صريح الحلّي (3).

و لكن في النسخة الموجودة عندي من المختلف نسب إليه خلافه، و هو البقاء على الرقّية كما هو المشهور بين الطائفة، و استند لهم ككثير من الأصحاب (4) بالاستصحاب و ظاهر الرواية السابقة، و للمبسوط بآية نفي السبيل (5)، و أجابوا عنها بما لا يخلو عن مناقشة كاستنادهم بالرواية.

و تحقيق الكلام في المسألة يطلب من كتاب الجهاد، فإنّه محلّه.

و كذا لو كان العبد وارثاً لقريبه و الحال أنّه لا وارث له غيره دفعت قيمته إلى مولاه و عتق قهراً بلا خلاف، بل عليه في ظاهر الكفاية و غيره الإجماع عليه (6)؛ و هو الحجة.

مضافاً إلى المعتبرة المستفيضة و فيها الصحيح و غيره (7)، يأتي إليها و إلى ما يتعلّق بالمسألة الإشارة في كتاب المواريث، فإنّه محله.

____________

(1) التهذيب 6: 152/ 264، الوسائل 15: 117 أبواب جهاد العدو و ما يناسبه ب 44 ح 1.

(2) المختلف: 330.

(3) المسالك 2: 136، التنقيح الرائع 3: 456.

(4) كالفاضل المقداد في التنقيح الرائع 1: 589 590، و الأردبيلي في مجمع الفائدة و البرهان 7: 468.

(5) النساء: 141.

(6) الكفاية: 222؛ و انظر المسالك 2: 314، و مفاتيح الشرائع 3: 313.

(7) انظر الوسائل 26: 49 أبواب موانع الإرث ب 20.

49

[كتاب التدبير و المكاتبة و الاستيلاد]

كتاب التدبير و المكاتبة و الاستيلاد

[التدبير]

[صيغة التدبير]

أما التدبير و هو تعليق العتق على الوفاة، إمّا مطلقاً كما في مفاتيح الشرائع و غيره (1)، أو وفاة المولى خاصّة كما عليه الحلّي (2)، أو وفاة المخدوم و الزوج أيضاً كما عليه الأكثر (3)، و سيظهر في آخر هذا البحث أنّه أظهر.

و كيف كان فلفظة الصريح: أنت حرّ بعد وفاتي و إذا متّ فأنت حرّ أو عتيق أو معتق أو نحو ذلك.

و في المسالك و غيره (4): أنّ المعتبر في هذا الإيقاع التلفّظ به بلفظ صريح في معناه، فلا يقع بالكناية عندنا و إن قصد.

و فيه إشعار بل ظهور بالاتّفاق، مع أنّهما حكيا في وقوعه بأنت مدبّر

____________

(1) مفاتيح الشرائع 3: 237؛ و انظر الشرائع 3: 117.

(2) السرائر 3: 30.

(3) كالعلّامة في القواعد 2: 109، و ولده في الإيضاح 3: 542، و الشهيد الثاني في الروضة 6: 311.

(4) المسالك 2: 137؛ و انظر مفاتيح الشرائع 3: 237.

50

أو دبّرتك، مقتصراً عليه أقوالًا ثلاثة، ثالثها القول بكونهما كناية يقع بهما التدبير مع النية، و نسب إلى الإسكافي و القاضي (1). إلّا أن يقال بعدم القدح في الإجماع بخروج معلوم النسب عندنا، فتأمّل جدّاً.

و في مقابل هذا القول قولان آخران، أحدهما الحكم بتحقّق العتق بهما كما عن المبسوط و الفاضل (2)، و اختاره جمع كثير (3). قالوا: لأنّ التدبير ظاهر في معناه، مشهور عند كلّ أحد، كالبيع و أمثاله، حتى أنّ التدبير كان معروفاً في الجاهلية، و قرّره صاحب الشريعة.

و لا يخلو عن قوّة إن كانت دعوى الظهور لغةً أو عرفاً صحيحة، و إلّا فالقول الثاني و هو المنع عن الوقوع بهما مطلقاً أقوى؛ لاستصحاب بقاء الرقّ اللازم سابقاً، و نسب إلى الخلاف و الماتن (4).

ثم إنّه كما يقع مطلقاً كذا يجوز مقيّداً كقوله: إذا متّ في سفري هذا، أو مرضي هذا، أو سنتي هذه، أو قتلت أو نحو ذلك، على قول مشهور في الظاهر، مصرّح بشهرته في الكفاية (5).

قيل: خلافاً للمبسوط (6).

و في الخبر: رجل قال: إن حدث بي حدث في مرضي هذا فغلامي فلان حرّ قال: «يردّ من وصيّته ما يشاء، و يجيز ما يشاء» (7).

____________

(1) نسبه الى الإسكافي في المختلف: 634، القاضي في المهذب 2: 366.

(2) المبسوط 6: 167، الفاضل في القواعد 2: 109.

(3) منهم: فخر المحققين في إيضاح الفوائد 3: 543، و الشهيد الثاني في المسالك 2: 138، و السبزواري في الكفاية: 223.

(4) الخلاف 6: 409، الماتن في الشرائع 3: 117.

(5) الكفاية: 223.

(6) المبسوط 6: 167.

(7) التهذيب 9: 191/ 766، الوسائل 19: 305 أبواب أحكام الوصايا ب 18 ح 8.

51

أمّا تعليقه على شرط أو صفة فالمشهور عدم جوازه، خلافاً للإسكافي (1).

[يعتبر فيه النية و البلوغ و العقل]

و لا بدّ فيه من القصد و النية بلا خلاف أجده، بل عليه الإجماع في صريح الانتصار و ظاهر غيره (2)، فلا يقع من الساهي و لا الغافل و لا النائم.

و لا حكم لعبارة الصبي مطلقاً و لا المجنون كذلك و لا السكران و لا المحرج بالحاء المهملة، و هو الملجأ إلى التدبير الذي لا قصد له بلا خلاف إلّا في الصبي المميّز ذي الشعر فجوّز، و قد مرّ مع الجواب عنه (3). و الوجه الجميع واضح.

و في اشتراط القربة تردّد و اختلاف: فبين معتبر لها، كالمرتضى و الحلّي و الفاضل في ظاهر المختلف (4)، و ادّعى عليه الأوّل إجماع الإمامية.

و بين نافٍ لها، كالشيخ و الشهيدين، و تبعهم من متأخري المتأخرين جماعة (5) مستندين إلى الأصل.

و لا ندري ما يعنون به، فإن عنوا به أصالة الصحة مع قطع النظر عن إطلاق الأدلّة، فالمناقشة فيه واضحة؛ لعدم أصل لهذا الأصل، بل الأدلّة على خلافه و هو أصالة الفساد قائمة. و إن عنوا به الإطلاق فحسن إن وجد

____________

(1) حكاه عنه في كشف اللثام 2: 199.

(2) الانتصار: 171؛ و انظر المبسوط 6: 167.

(3) راجع ص 19.

(4) المرتضىٰ في الانتصار: 171، الحلّي في السرائر 3: 30، المختلف: 639.

(5) الشيخ في الخلاف 6: 412، الشهيدان في اللمعة و الروضة البهية 6: 318، و تبعهم السبزواري في الكفاية: 223، و الفاضل الهندي في كشف اللثام 2: 201، و الفيض الكاشاني في المفاتيح 3: 237.

52

منه ما يجدي فائدة، و ليس؛ إذ ليس هنا سوى إطلاقات الأخبار الواردة في بيان حكم غير محل المسألة، فتكون بالإضافة إليه مجملة، كما برهن في محلّه و مرّ غير مرّة. فلا جدوى لمثل هذا الإطلاق و لا فائدة.

فإذاً القول الأول لا يخلو عن قوّة، سيّما مع حكاية الإجماع المتقدمة التي هي بنفسها حجّة مستقلّة. مضافاً إلى ما يستفاد من تضاعيف الأخبار من كونه عتقاً حقيقياً، فيشمله عموم ما دلّ على أنّه لا عتق إلّا ما أُريد به وجه اللّٰه سبحانه.

و في الصحيح: «إن كان على مولى العبد دين، فدبّره فراراً من الدين فلا تدبير له. و إن كان في صحة و سلامة» أي من الدَّيْن كما فهمه جماعة (1) «فلا سبيل للديّان» أي الديّان الذي حصلوا بعد التدبير «عليه، و يمضي تدبيره» (2).

و بنى خالي العلّامة (رحمه الله) في حاشيته المنسوبة إليه على هذه الرواية فساد التدبير مع قصد الفرار على اشتراط القربة الغير الحاصلة معه.

فتكون الرواية شاهدة على اشتراطها، و إن لم تبلغ درجة الحجيّة بحسب الدلالة، لعدم خلوّ البناء عن مناقشة.

و يتفرّع عليهما تدبير الكافر لعبده مطلقاً، و تدبير العبد الكافر، فيصحّان على القول الثاني دون الأوّل.

و على الفساد في الفرع الأول ادّعى المرتضى الإجماع (3)، مضافاً إلى

____________

(1) منهم: العلّامة في المختلف: 636، و الشهيد الثاني في المسالك 2: 141، و انظر نهاية المرام 2: 292.

(2) التهذيب 8: 261/ 950، الإستبصار 4: 28/ 91، الوسائل 23: 127 أبواب التدبير ب 9 ح 1.

(3) الانتصار: 172.

53

الإجماع المتقدم.

و اعلم أنّ المعروف من مذهب الأصحاب من غير خلاف يعرف، كما صرّح به في الكفاية (1): أن المدبّر باق على ملك المولى، فله التصرف فيه بالاستخدام و البيع و نحوهما. و المعتبرة به مع ذلك مستفيضة معتضدة بالأصل، مع عدم تضمّن التدبير ما يدلّ على خروجه عن الرقّية، لأنّه عِدة بالحريّة بعد الوفاة، لا تنجيز لها حال الحياة.

منها الصحيح: «هو مملوكه، إن شاء باعه و إن شاء أعتقه و إن شاء أمسك حتى يموت، فإذا مات السيد فهو حرّ من ثلثه» (2).

و الخبر: في المدبّر و المدبّرة يباعان، يبيعهما صاحبهما في حياته فإذا مات فقد عتقا، لأنّ التدبير عدة و ليس بشيء واجب. فإذا مات كان المدبّر من ثلثه الذي يترك، و فرجها حلال لمولاها الذي دبّرها، و للمشتري الذي اشتراها حلال، لشرائه قبل موته (3).

و منها: المعتبرة في جواز بيعه إذا احتاج إلى ثمنه: أحدهما الصحيح:

عن رجل دبّر مملوكاً له ثم احتاج إلى ثمنه فقال: «هو مملوكه، إن شاء باعه و إن شاء أعتقه و إن شاء أمسكه حتى يموت، فإذا مات السيد فهو حرّ من ثلثه» (4).

____________

(1) الكفاية: 223.

(2) الكافي 6: 185/ 9، التهذيب 8: 259/ 943، الإستبصار 4: 27/ 90، الوسائل 23: 115 أبواب التدبير ب 1 ح 1.

(3) الكافي 6: 185/ 10، التهذيب 8: 260/ 944، الوسائل 23: 116 أبواب التدبير ب 1 ح 2.

(4) الكافي 6: 185/ 9، التهذيب 8: 259/ 943، الإستبصار 4: 27/ 90، الوسائل 23: 132 أبواب التدبير ب 13 ح 1.

54

و نحوه الموثق و غيره (1).

و المعارض الدالّ على المنع (2) محمول على الاستحباب.

و يستفاد من إطلاق الصحيح الأوّل، و صريح الخبر الذي بعده أنّه إن كانت أمة كان لمولاها وطؤها.

و يدلّ عليه أيضاً صريح الموثّق كالصحيح بفضالة و أبان، بل ربما عدّ من الصحيح: عن الرجل يعتق جاريته عن دبر، أ يطؤها إن شاء أو ينكحها أو يبيع خدمتها حياته؟ فقال: «نعم أيّ ذلك شاء فعل» (3).

و لو حملت هذه المدبّرة من مولاها لم يبطل تدبيرها بل اجتمع لعتقها سببان: التدبير و الاستيلاد.

و تعتق بوفاته من الثلث بالأوّل، لسبقه، فإن لم يف الثلث ضمّ إليه الثاني.

و لو حملت من غيره بعد التدبير حملًا يدخل في ملك المولى فالولد مدبّر كهيئتها بلا خلاف أجده. و النصوص به مع ذلك مستفيضة.

منها: الصحيح: «أولاده منها كهيئتها، فأمّا إذا مات الذي دبّر أُمّهم فهم أحرار» (4) الحديث.

____________

(1) الموثق: التهذيب 8: 262/ 958، الإستبصار 4: 28/ 94، الوسائل 23: 117 أبواب التدبير ب 1 ح 7. و انظر الكافي 6: 183/ 1، الفقيه 3: 71/ 247، التهذيب 8: 258/ 938، الإستبصار 4: 27/ 89، الوسائل 23: 116 أبواب التدبير ب 1 ح 3.

(2) الفقيه 3: 71/ 245، التهذيب 8: 263/ 959، الإستبصار 4: 28/ 95، الوسائل 23: 117 أبواب التدبير ب 1 ح 6.

(3) التهذيب 8: 263/ 961، الإستبصار 4: 29/ 97، الوسائل 23: 119 أبواب التدبير ب 3 ح 1.

(4) التهذيب 8: 259/ 941، الإستبصار 4: 29/ 101، الوسائل 23: 122 أبواب التدبير ب 5 ح 1.