الصحاح‌ تاج اللغة و صحاح العربية‌‌ - ج1

- اسماعيل بن حماد الجوهري المزيد...
435 /
1

مقدمة الصحاح

[مقدمة الملك فهد]

كتاب «الصحاح» للإمام اللغوي العظيم إسماعيل بن حماد الجوهري أصح معجم عربي، و هو أول معجم لغوي صحيح سار على نهج يَسَّر اللغة و قرَّبها و جعلها في متناول الناس جميعا، و الصحاح- كما يقول محققه الأستاذ أحمد عبد الغفور عطار في مقدمته الرائعة التي كتبها له-: «أول معجم خطا بالتأليف المعجمي أعظم خطوة عرفها تاريخ العربية في هذا السبيل».

و عندما نشر معالي الشيخ محمد سرور الصبان مختصر الصحاح المسمى «تهذيب الصحاح» تمنى المخلصون للغة القرآن أن لو نشر «الصحاح» نفسه، فيخرج من طبعته الأولى التي أصبحت أندر من المخطوطات إلى طبعة تكون خيرا من الأولى في التحقيق و التبويب و الإخراج الطباعي الجميل.

و ها هي ذي الأمنية تتحقق بفضل اللّه جل جلاله، فيصدر «الصحاح» محقَّقاً تحقيقاً رائعاً، و مطبوعاً طباعةً أنيقةً.

أما المقدمة الرائعة العظيمة التي كتبها الأستاذ الباحث العطار، و التي أصبحت جزءاً من الصحاح، فإنها تعتبر بحق دراسة مبتكرة جديدة، لم يسبق منذ ألِّف الصحاح أن أحداً من العلماء درسه دراسة الأستاذ المحقق،

2

و إن دراسته إياه تُعَدُّ خير ما كتب عن أول معجم عربي صحيح سهل التناول.

و لقد صدق الأديب العظيم الأستاذ الكبير عباس محمود العقاد عندما وصف هذه الدراسة فقال: «إنها تصلح أن تكون مقدمة للصحاح و لسائر المعجمات العربية».

و يكفي هذه الدراسة العليا القوية فخاراً و شهادة بأنها عمل عظيم أن تنال إعجاب كاتب العربية الكبير الأستاذ العقاد.

و المقدمة- وحدها- كتاب جليل عظيم القدر، فقد درس فيه الباحث الأستاذ العطار اللغة العربية دراسة علمية دقيقة، و كتب عن تاريخ المعجمات في العالم، و تاريخ المعجمات في لغتنا كتابة لم يُسْبَقْ إليها في العربية، و أبدى آراء جدَّ صائبة في اللغة العربية قديمها و حديثها، و وسائل النهوض بها، و عقد فصلًا كبيراً عن «كتاب العين» حقق فيه نسبته إلى الخليل.

و من أعظم البحوث المبتكرة التي ضمها كتاب الأستاذ العطار أو مقدمته التي كتبها للصحاح بحثه «المدارس المعجمية» و تقسيمه إياها إلى أربع مدارس، هنَّ: مدرسة الخليل، و مدرسة أبي عبيد، و مدرسة الجوهري، و مدرسة البرمكي، و أظهَرَ سماتِ كل مدرسة و شخصيتها و خصائصَها و «علاماتها الفارقة» و نظامها و طريقة ترتيب موادها، و من الكشوف العلمية التي تحسب للأستاذ العطار في حقل المعجمات أنه أول من كشف عمن ألف المعجمات على أوائل الحروف الهجائية كالنظام الحديث في تأليفها، فقد ذكر أن محمد بن تميم البرمكي أول من ألف معجما على الطريقة الحديثة التي ترتب المواد و الكلمات على حروف الألفباء، مع مراعاة الحرف الثاني و الثالث و الرابع في الكلمة.

و كان العلماء و الباحثون يذكرون أن الزمخشري أول من سار على هذه الطريقة في «أساس البلاغة» فجاء الأستاذ العطار و أثبت أن البرمكي هو الأول، إذ تناول البرمكي صحاح الجوهري و رتبه على أوائل الحروف سنة

3

397 ه، و توفي الزمخشري سنة 528 ه، مما يثبت ثبوتا قاطعاً أن البرمكي أسبق.

و كتب عن الصحاح و قيمته العلمية و مزاياه و أثره في محيط العربية و التأليف اللغوي و المعجمي بحثاً جديداً غنياً بالمادة العلمية.

و ما أشك أن الصحاح أجدر معجم بالنشر، لأنه يمتاز عن كل المعجمات التي عاصرته أو سبقته بميزات منها: أن المعجمات العربية التي سبقته أو ألفها أصحابها في عصر الجوهري أو بعده بقرن ليست سهلة أمام الباحث- باستثناء المجمل و المقاييس لابن فارس- بل هي صعبة، و هي متيهة تجهد الباحث و تعييه، فكتاب العين للخليل بن أحمد- الذي يعد أول معجم في العربية كلها إذ لم يؤلف معجم قبله، لأن الخليل هو مبتكر فن تأليف المعجمات في العربية كلها، كما ابتكر علم العروض- ليس سهلًا أمام من يريد أن يبحث فيه عن كلمة مغلقة المعنى، لأنه سار على نظام مغلق الأبواب، ألا و هو ذكره الكلمة و مقلوباتها، مثل: قبل، تقلب إلى: قلب و بقل و بلق و لبق و لقب، فإذا أردنا كلمة منها لا نعرف في أي الأبواب ذكرت، لأننا لا نعرف أيها الأصل و أيها الفرع.

و سار على نهج العين ابن دريد في كتاب «الجمهرة» و الأزهري في «تهذيب اللغة» و كلاهما مثل كتاب العين في الصعوبة و الوعورة.

و كان الناس قبيل الصحاح لا يفيدون من المعجمات المعدودات، بل كان العلماء أنفسهم لا يستطيعون الوصول إلى الكلمات التي يريدون الوقوف على معانيها إلا بجهد جهيد، حتى ألف الجوهريُّ صحاحَه فمهّد الطريق و عبَّده أمام الناس، حتى الشادي نفسه يستطيع بقليل من المعرفة بالمعاجم و طريقة البحث فيها أن يهتدي إلى ضالته من الكلمات.

و من هنا كانت مزية الصحاح على كل المعجمات التي سبقته أو عاصرته.

و إذا يسَّر اللّه من يحققه تحقيقاً علمياً دقيقاً، و وفق له من ينشره نشراً رائعاً جميلًا فإن ذلك من آيات حفظ اللّه للغة القرآن و السنة بحفظ أمثال «الصحاح» و نشره ليعم به النفع، و تصان اللغة.

4

و الأستاذ العطار أغنانا بما كتب في مقدمته العظيمة عن وصف الصحاح، فهو لم يترك مجالًا لقائل أو كاتب أو باحث. فهو قد درس الصحاح و أعطاه حقه فوفاه القول و البحث، و ذكر ما له و ما عليه، و قدم دراسة بكْراً لم يُسبق إليها، و حشد من آرائه الصائبة و بحوثه المبتكرة ما ملأ به أكثر من خمسين و مائتي صفحة (1) جديرة بالاطلاع عليها و الاهتمام بها من قبل العلماء و الأدباء و المفكرين.

و الحق أن هذا الكتاب أو المقدمة تعد أول بحث علمي في بلادنا، يقوم على قواعد محكمة، و منهج علمي دقيق، تشارك به بلادنا شقيقاتها، فليس في هذا البحث فضول من القول، بل كله بحث و علم، و أسلوب المؤلف في مقدمته أسلوب عربي رائع رصين، و بيانه آية في الروعة و الجمال. و حسبنا أنه أسلوب العطار و بيان العطار.

و ينتهي الكتاب أو المقدمة بفهارس في منتهى الدقة و جمال الترتيب، و الفهارس الموضوعة هي: فهرس الأعلام، و فهرس الأماكن و البلدان، و فهرس الطوائف و الأجناس، و فهرس الكتب الواردة أثناء البحث، و فهرس المراجع (1).

أما المقدمة التي كتبها أديب العربية الكبير الأستاذ العقاد. فهي آية في البحث العلمي، و ذكر الأستاذ العقاد آراء آية في القوة و الصواب و الروعة، و ليس غريباً على الكاتب الجبار أن يبدع القول فيما كتب، فالعقاد- دائماً- يَمْتَحُ من فكره و قلبه و منطقه، و ما كتبه في مقدمته «المركزة» خلاصة دراساته في الآداب و العلوم و الفنون نصف قرن، و العقاد من أقوى علماء العربية المعاصرين، و من أعظمهم اطلاعاً على أصول العربية و أسرارها و نوادرها، و بحوثه فيها بحوث ناضجة لا تتاح إلا لمن كان في مثل ثقافته الواسعة و ذهنه الجبار.

____________

(1) قبل أن تصدر «مقدمة الصحاح» مع الصحاح ظهرت في كتاب مستقل تحت عنوان «الصحاح و مدارس المعجمات العربية» و تقع في 284 صفحة و ملحق بها الفهارس التي أشار إليها جلالته.

5

و إنني أشكر الأستاذ العطار على ما بذل من جهود كبيرة ضخمة في المقدمة و في تحقيق الصحاح، حتى كانت هذه الطبعة الرائعة الممتازة في التحقيق و التعليق و الضبط و الإخراج الطباعي الأنيق الذي يعد آية في الطباعة الفنية الحديثة (1).

فهد بن عبد العزيز آل سعود

ملك المملكة العربية السعودية

الرياض: 14 رجب 1375 ه

____________

(1) كتب حضرة صاحب الجلالة الملك فهد بن عبد العزيز هذه المقدمة عند ما كان جلالته وزيراً للمعارف سنة 1375 ه(1956 م).

6

مقَدّمة الطبعَة الثالِثَة

و يشاء الله بفضله و كرمه أن تصدر الطبعة الثانية من «الصحاح» من قِبَل دار العلم للملايين سنة 1399 ه(1979 م) و تنْفَدَ نسخها خلال أقل من سنتين، مما جعل طلبه يتجدد و يكثر فاستجبنا و أصدرنا هذه الطبعة، راجين أن ينتفع بها المشتغلون بلغة القرآن و أهل العلم و طلابه، و الله الموفق.

الثلاثاء: 30 ربيع الأول 1404 ه

3/ 1/ 1984 م

المحقق و الناشر

7

مقَدِّمة الطبعَةِ الثانِية

إمام العربية الجوهري مؤلف الصحاح من أعظم رُوَّاد المعجمات العربية، و مبتكر المنهج الذي اتبعه في تأسيس صحاحه دون أن يتبع سبيلا سبقه إليه أحد.

أما دعوى من زعم أن البندنيجي في مؤلفه المسمى «كتاب التقفية» قد سبقه فصار الجوهري غير مبتكر منهجه فباطلة، و قد رددنا عليها، و بيَّنا بطلانها في البحث المنشور بعد هذه المقدمة تحت عنوان «الجوهري مبتكر منهج الصحاح».

و صدر سنة 1975 م معجم باسم «الصحاح في اللغة و العلوم» إعداد نديم مرعشلي و أسامة مرعشلي و تصنيفهما، و تقديم الشيخ عبد اللّه العلايلي.

و جاء على الغلاف: «تجديد صحاح العلامة الجوهري» و ذكر المصنفان في المقدمة أشياء تضيَّفا فيها «مقدمة الصحاح» التي كتبناها لطبعته الأولى التي حققناها، و بخاصة في بعض ما سبقْنا به غيرَنا، و لم يجىء عن أحد سوانا، مثل السبب الذي دعا الجوهري إلى اختيار منهجه عندما اعتمد الحرف الأخير من الكلمة، و مثل ذكرنا محمد بن تميم البرمكي الذي اختار الحرف الأول.

و لم يشر المرعشليان إلى «الصحاح» الذي حققناه، و لا إلى «المقدمة» التي كتبناها له، مع الاطلاع عليه و الاقتباس منه، و لو ذكرا جهدنا العلمي لكانا أمينين و ممن يضطلعون بالأمانة العلمية، و لما نقص من قدرهما بل لزاد، اما إغفال الذكر فخيانة تدين المصنفين بالسطو على جهود الآخرين،

8

و ادعائهما إياها، و لا يسعهما الادعاء بعدم الاطلاع على جهودنا، و لو ادعيا ذلك لكانا من المفترين، و لأضافا إلى إثم السطو إثم المكابرة و الافتراء، لأن ما ادعياه في «المقدمة» المنسوبة إليهما لم يجىء قط عن أحد غيرنا.

و لم أطلع على عمل المرعشليين إلا في السنة الماضية (1978 م) و كنت ببيروت، فاتصلت بالشيخ عبد اللّه العلايلي، و أخذتُ عليه إغفاله الإشارة إلى «الصحاح» الذي حققناه، و عدم نقده مقدمة المصنف المرعشلي الذي ذكره مفرداً.

و أجابني الشيخ العلايلي: أنه لم يقرأ مقدمة المصنف، و أنه طُلب إليه كتابة المقدمة فكتبها دون أن يطلع على عمل المرعشلي.

و عجبت من جوابه أكثر من سطو المرعشلي على بحثنا و آرائنا، فقد كان فرضاً على عالم بحاثة كالشيخ العلايلي أن يكون غير ما وقفنى هو نفسه عليه.

و على أي حال يصدر «الصحاح» الأصيل من قبَل «دار العلم للملايين» تلبية لرغبات أهل العلم و طلابه الذين رجوا أن يعاد طبعه، فقد خلت السوق في العالم العربي و الإسلامي منه، و كنت في حاجة إلى بضع نسخ منه فلم أستطع الحصول إلا على نسخة واحدة دفعت فيها ألف ريال سعودي، و رجع إليَّ راغب في نسخة فذكرت له قصة النسخة التي انتهيت إليها، فذكر لي في أدب أنه يود الحصول على نسخة و لو بأكثر من الثمن الذي دفعت.

و تلقيت من بلدان العالم العربي و الإسلامي رسائل يطلب إليَّ أصحابها نسخا من «صحاح» الجوهري، فاعتذرت لهم.

و لما رأيت الحاجة ملحة إلى إعادة طبع الصحاح من كثرة الطلب عليه عزمت أن أطبعه على حسابي لدى «دار العلم للملايين» فإذا هي ترجو أن يكون لها شرف نشر بعض المعاجم و منها «قاموس الحج و العمرة» الذي ألفته فكان أول مؤلف في موضوعه يؤلف في العربية و الإسلام، فوافقت و أذنت.

9

و ها هي ذي الطبعة الثانية تصدر بفضل اللّه ثم بفضل «دار العلم للملايين» التي أفضلت بطبع مئتي نسخة منه طباعة فاخرة للمحقق، راجين ان ينتفع بالصحاح قراء العربية من علماء و أدباء و مثقفين و طلاب علم.

وفقنا اللّه لإعلاء كلمته، و نفعنا بكتابه و لغته، و جعلنا حرّاس الفصحى و حُماتها و الغُيُر عليها.

الأحد: 1 رجب 1399 ه27/ 5/ 1979 م

أحمد عبد الغفور عطار

مكة المكرمة

10

الجَوهَري مبْتكر منهج الصِّحَاح

كتب الأستاذ الدكتور بكري شيخ أمين مقالًا تحت عنوان «الجاسر و العطار يكشفان عن خطأ علمي» نشره بمجلة «الخفجي» التي تصدرها «شركة الزيت العربية المحدودة» و أعادت جريدة «البلاد» السعودية نشره، سنة 1394 ه(1974 م).

و جاء في المقال قوله: «لقد درجنا في الوطن العربي على تقسيم المدارس المعجمية إلى أربعة أقسام:

«الأولى- مدرسة الخليل بن أحمد الفراهيدي في معجمه «العين».

«و الثانية- مدرسة ابن دريد في «جمهرة اللغة».

«و الثالثة- مدرسة الجوهري في معجم «الصحاح».

«و الرابعة- مدرسة الزمخشري في «أساس البلاغة».

و كانت هذه التقسيمات مداراً لبحوث و دراسات و مؤلفات كثيرة في مختلف أرجاء الوطن العربي».

و يقول: «و الملاحظ أنه لا أحد من الباحثين اعترض على هذه التقسيمات و لا على أصحاب هذه المدارس، و كأن ما وصلوا إليه هو القول الحاسم الجازم الذي لٰا يَأْتِيهِ الْبٰاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لٰا مِنْ خَلْفِهِ.

«و جاء الباحثون السعوديون فأقروا شيئا من هذه التقسيمات و أنكروا شيئاً آخر، أقروا للفراهيدي بابتداعه طريقة جديدة في معجمه «العين» و أقروا لابن دريد ريادته في ترتيب «جمهرة اللغة» و أنكروا أن يكون الجوهري مبتدع ترتيب «الصحاح» كما أنكروا أن يكون الزمخشري مبتدع ترتيب «أساس البلاغة».

«و هذا الانكار من العلماء السعوديين بني على أسس علمية، و تحقيقات لغوية، و براهين حسية مدعومة بالبراهين الموضوعية، و الحجج العلمية.

«فلقد أثبت الشيخ حمد الجاسر في عدد من الأبحاث العميقة التي نشرها في مجلته «العرب» في أعداد سنتها الأولى أن أبا بشر اليمان بن أبي اليمان البندنيجي المتوفى سنة

11

284 ه(987 م) سبق الجوهري في منهج التقفية بمائة سنة و نيف، لأن الجوهري توفي سنة 393 ه(1002 م) و أتى بالأدلة المادية، و الصور الفوتوغرافية لمخطوط البندنيجي المسمى ب«كتاب التقفية».

«و قد ذكر الشيخ حمد الجاسر أن هذا الكتاب من الكتب المغمورة التي قلَّ أن يرد لها ذكر في كتب اللغة، و هذا من الأسباب التي حملت كثيراً من الباحثين على الاعتقاد بأن الجوهري هو مبتكر منهج ترتيب الكلمات العربية بحسب الحرف الأخير منها، ثم أورد الجاسر كلام البندنيجي عن طريقته، كما أورد الأمثلة المختلفة الدالة على منهجه في ترتيب الكلمات.

و لكن باحثاً آخر استدرك على الجاسر اجتهاده فذكر الفارابي المتوفى سنة 350 ه(961 م) و هو خال الجوهري و أستاذه، و مؤلف معجم «ديوان العرب» (1) سبق الجوهري بترتيبه و السير على نظام الباب و الفصل، و أن أصحاب المعاجم عُيَّل على الفارابي في هذا الترتيب».

ثم أشار الدكتور بكري أمين إلى ذهابي أن الزمخشري ليس مبتكر المنهج الذي يؤسس المعجم على أوائل الكلمات حسب ترتيب حروف الهجاء، و إنما مبتكرها محمد بن تميم البرمكي.

و فيما ذهب إليه الدكتور بكري مجال للقول و النقد، و من ذلك قوله:

«و الثانية- مدرسة ابن دريد في جمهرة اللغة».

و وجه الخطأ أن ابن دريد ليس صاحب مدرسة في معجمات العربية، لأنه من مدرسة الخليل، و قد أقمنا الدليل في «مقدمة الصحاح» على انتساب ابن دريد إلى مدرسة الخليل.

أما قوله: «درجنا في الوطن العربي على تقسيم المدارس المعجمية إلى أربعة أقسام» فما رأيت هذا الدرج، و ما كان هذا التقسيم إلا بأَخَرَة، و لعلي أول من قسم المعجمات العربية إلى مدارس معدودات، فقد ذكرت في «مقدمة الصحاح» هذا التقسيم، و طُبعَتْ مع الصحاح سنة 1375 ه(1956 م).

و في سنة 1360 هكنت بالمدينة المنورة- زادها اللّه شرفاً و تعظيماً- و دار الحديث بمجلس العالم الفاضل السيد علي حافظ في المعجمات العربية، و في «تهذيب اللغة» للأزهري، و «التكملة و الذيل و الصلة» للصَّغاني، و في «جمهرة اللغة» لابن دريد،

____________

(1) الصواب «ديوان الأدب» و قد عني مجمع اللغة المصري بنشره.

12

و عرضت على الحضور- و كانوا من أكابر أهل المدينة و علمائها و أدبائها- رأيي في «مدارس المعجمات العربية» و عددهن، فقال السيد الجليل علي حافظ: هذا شيء جديد أسمعه لأول مرة، و لم أقرأه في كتاب أو صحيفة.

و أيده من حضروا، ثم علم برأيي هذا الإمام اللغوي الشيخ عبد القدوس الأنصاري؛ و سألني فأجبته، فسُرَّ و هنأني و قال: هذا جديد مبتكر غير مسبوق إليه.

و معروف أن الإمام الأنصاري حجة العربية، و أول سعودي كتب في اللغة بحوثاً رائعة، و ما يزال- مدّ اللّه في عمره- من أئمة العربية في هذا العصر، و من أعظم الغُيُر على الفصحى: لغة القرآن و محمد عليه الصلاة و السلام (1).

و إذا كانت «مقدمة الصحاح» قد طبعت سنة 1375 ه(1956 م) فإن رأيي في تقسيم المعجمات العربية إلى مدارس قد سبق ظهور المقدمة بخمس عشرة سنة.

و الثابت ظهور رأيي في مدارس المعجمات على نطاق العالم العربي و الإسلامي و محافل الاستشراق و المعنيين بالعربية قد كان سنة 1375 ه(1956 م) في «مقدمة الصحاح» فكان رأيي في مدارس المعجمات و قَسْمها أول رأي في هذا السبيل.

و يعلم الدكتور بكري أنه لا يقال: «درج» إلا فيما عرف و اشتهر، و ما كان هذا التقسيم معروفا قبل مقدمة الصحاح التي طبعت مستقلة في كتاب بعنوان «الصحاح و مدارس المعجمات العربية» الذي طبع طبعتين: إحداهما بالقاهرة، و الأخرى ببيروت.

و أما قول الدكتور بكري: «و جاء الباحثون السعوديون فأقروا شيئاً من هذه التقسيمات و أنكروا شيئاً آخر» فالذي أعرفه نقيض قوله، فما ثَمَّ باحثون سعوديون أقروا شيئاً من هذه التقسيمات و أنكروا شيئاً آخر.

و إذا أراد الدكتور بالباحثين السعوديين حمد الجاسر و كاتب هذه السطور فليس للجاسر رأي في مدارس المعجمات، و إنكاره على الجوهري ابتكار منهج الصحاح لا يغير من هذه المدارس شيئاً، فهن كما هن حسب التقسيم الذي رأيته.

و أما قوله: «فلقد أثبت الشيخ حمد الجاسر في عدد من الأبحاث العميقة التي نشرها في مجلته «العرب» في أعداد سنتها الأولى أن أبا بشر اليمان بن أبي اليمان البندنيجي المتوفى سنة 384 ه(897 م) سبق الجوهري في منهج التقفية بمائة سنة، لأن الجوهري توفي سنة 393 ه(1002 م) و أتى بالأدلة المادية، و الصور الفوتوغرافية لمخطوط البندنيجي

____________

(1) توفي الإمام الأنصاري بمستشفى الحرس الوطني بقرية أم السلم بطريق جدة- مكة، و كانت وفاته يوم الأربعاء 23 جمادى الآخرة 1403 ه(16 أبريل 1983 م) و دفن بمكة المكرمة بالمعلى.

13

المسمى: كتاب التقفية»، فمردود.

و دليلنا حمد الجاسر نفسه الذي ذكر أن هذا الكتاب من الكتب المغمورة التي قلّ أن يرد لها ذكر في كتب اللغة. أما أن «هذا من الأسباب التي حملت كثيراً من الباحثين على الاعتقاد بأن الجوهري هو مبتكر منهج ترتيب الكلمات العربية بحسب الحرف الأخير منها» فعجيب أن يصدر من علماء ذوي بصر ثاقب من أمثال الدكتور بكري شيخ أمين يغفلون عن فهم المعجم اللغوي فيحسبون الصحاح و كتاب التقفية ذوي موضوع واحد، و منهج واحد، و غاية واحدة، مع أن البندنيجي أدرك معنى المعجم اللغوي، و عرف الفارق بين عمله و عمل المعجم فسمى كتابه «كتاب التقفية» و ذكر الغاية من التأليف، دون أن يكون له منهج معجمي، و سنذكر فيما سيأتي المزيد من البيان و البرهان.

أما مدارس المعجمات في العربية فأربع- كما ذكرنا في مقدمة الصحاح- و هن:

الأولى- مدرسة الخليل، و سار على نهجها: ابن دريد في جمهرته، و الأزهري في تهذيبه، و ابن عباد في محيطه، و القالي في بارعه.

الثانية- مدرسة القاسم بن سلام، و نهج منهجه ابن سِيدَهْ في مخصصه، و الثعالبي في فقه اللغة، و من المحدثين المعاصرين عبد الفتاح الصعيدي و حسين يوسف موسى.

الثالثة- مدرسة الجوهري، و نسج على منواله الفيروز أبادي في القاموس، و ابن منظور في لسان العرب، و الصَّغاني في التكملة و الذيل و الصلة، و في مجمع البحرين، و في العباب.

الرابعة- مدرسة البرمكي، و تبعها الزمخشري في أساس البلاغة، ثم ألفت عشرات المعجمات على هذا المنهج الذي صار أسلوب العصر الحاضر في تأليف المعجمات.

و ذكرنا سمات كل مدرسة و مزاياها، و لم نذكر مع المدارس الأربع منهجاً جديداً لم نعتدَّه مدرسة، و إن كان صاحب هذا المنهج مبتكراً و رائداً، لم نذكر منهجه و لم نعتدَّه مدرسة، لأن المنهج لم يكن متبوعاً، و لم يأت بعده من يهتدي بهديه، فبقي فذاً وحده و مهجوراً، و هو نهج نشوان بن سعيد الحميري، المتوفى سنة 573 هفي معجمه العظيم «شمس العلوم و دواء كلام العرب من الكلوم».

و كتبت عنه منذ زمن بعيد، و كنت بمدينة الرسول (صلّى اللّه عليه و سلم) سنة 1361 هأو قريباً منها فذكر لي العلامة السيد عبيد مدني(رحمه اللّه) أن لديه مختصراً للشمس، و دعاني إلى منزله فزرته، و لقيت شقيقه العلامة الأستاذ السيد أمين مدني، مدّ اللّه في عمره.

و اطلعت على المختصر، و تحدثنا في المعجمات العربية، و كانا قد علما برأيي في تصنيفها إلى مدارس، فسألني السيد عبيد: لماذا لم تعُدَّ نشوان بن سعيد الحميري صاحب مدرسة؟

أليس مبتكر منهجه في تأسيس معجمه؟

14

فأجبته: بلى، إنه مبتكر و رائد، و لكني لم أعُدَّه صاحب مدرسة، لأنها غير متبوعة، و لم يأت من اتبع منهجه!

و عندما صدرت الطبعة اليمنية نقدتها في مجلة «الرسالة» (1) القاهرية، و أشرت إلى طبعة ليدن التي حققها زتَّرْسْتِينْ، و كلتا الطبعتين لم تستغرق من معجم نشوان إلا جزءاً يسيراً، و طبعة اليمن مزدحمة بمئات الغلطات، و غير محققة بتة، و خير منها طبعة زتَّرْستِينْ.

و منهج نشوان بن سعيد الحميري الذي لم يتبعه أحد بعده قد وضحه هو نفسه في مقدمة معجمه إذ قال:

«و قد صنَّف العلماء (رحمهم اللّه تعالى) في ذلك كثيراً من الكتب، و كشفوا عنه ما يستر من الحجب، و اجتهدوا في حراسة ما وضعوه، و ما حفظوه، و صنَّفوا من ذلك و جمعوه، و رَوَوْه عن الثقات و سمعوه، فمنهم من جعل تصنيفه حارساً للنقط، و ضبطه بهذا الضبط، و منهم من حرَس تصنيفه بالحركات بأمثلة قدروها، و أوزان ذكروها، و لم يأت أحد منهم بتصنيف يحرس جميع النقط و الحركات، و يصف كل حرف مما صنفه بجميع ما يلزمه من الصفات، و لا حرس تصنيفه من النقط و الحركات إلا بأحدهما، و لا جمعهما في تأليف لتباعدهما، فلما رأيت ذلك و رأيتُ تصحيف الكتّاب و القرّاء؛ و تغييرهم ما عليه كلام العرب من البناء حملني ذلك على تصنيف يأمن كاتبه و قارئه من التصحيف، بحرْس كل كلمة بنقطها و شكلها، و بجعلها مع جنسها و شكلها، و بردِّها إلى أصلها، و جعلت فيه لكل حرف من حروف المعجم كتاباً، ثم جعلت لكل حرف معه من حروف المعجم باباً، ثم جعلت كل باب من تلك الأبواب شطرين: أسماءً و أفعالًا، ثم جعلت لكل كلمة من تلك الأسماء و الأفعال وزناً و مثالًا، فحروف المعجم تحرُس النقط، و تحفظ الخط، و الأمثلة حارسة الحركات و الشكل، و رادَّة كل كلمة من بنائها إلى الأصل، فكتابي هذا يحرس النقط و الحركات جميعاً، و يدرك الطالب فيه ملتمسه سريعاً، بلا كدِّ مطية غُرَيْريَّة (2).

و لا إتعاب خاطر و لا رويةً، و لا طلب شيخ يقرأ عليه، و لا مفيد يفتقر في ذلك إليه، فشرعت في تصنيف هذا الكتاب، مستعيناً باللّه رب الأرباب، طالباً لما عنده من الأجر و الثواب، في نفع المسلمين، و إرشاد المتعلمين، و كان جمعي له بقوة اللّه عز و جل و حوْله،

____________

(1) العددان: 949 و 950 الصادران في 9 و 17 ذي القعدة سنة 1370 ه(10 و 17 سبتمبر سنة 1951) السنة التاسعة عشرة.

(2) جاء في طبعة زترستين و طبعة اليمن: «غريزية» و هو خطأ، صوابه: «غُرَيْريَّة» نسبة إلى الغُرَيْرِ:

فحل من فحول العرب، و عندما كتب العلامة الشيخ عبد القادر المغربي كلمة عن «شمس العلوم» بمجلة المجمع العلمي بدمشق، كنت في زيارة المجمع، و كانت بيده تجربة مقاله، و أطلعني عليها، و لم يفطن إلى خطأ «غريزية» فذكرت له الصواب فسُرَّ(رحمه اللّه) و ذكر ما رأيته من الصواب، و دفعته أمانته إلى نسبة ذلك إليَّ، و عدّل مقاله.

15

و مُنَّته و طَوْله، لا بحولي و قوتي، و لا بطولي و منتي، لما شاء عز و جل من حفظ كلام العرب، و حراسته بهذا الكتاب على الحقب، و سميته «كتاب شمس العلوم، و دواء كلام العرب من الكلوم، و صحيح التأليف، و معجم التصنيف، و الأمان من التصحيف».

و ذكر الدكتور بكري شيخ أمين أن باحثاً استدرك على حمد الجاسر، فذكر الفارابي، و أنه سبق الجوهريَّ، و لم يفتنا ذكر الفارابي و منهجه قبل استدراك الباحث بسنوات.

و كتب الدكتور بكري شيخ أمين بحثاً في «الصحاح» و عملي فيه، و نشره في «المجلة العربية» (1) و أعاد القول فيما ذهب إليه الجاسر، و جاء في البحث قوله:

«و لم نطلع على رد الأستاذ العطار على هذه النقطة، و لعله كتب و لم نصل إلى ما كتب، أو لعله آثر عدم الرد معتقداً أن المنهج المتكامل للجوهري يخوله حق إمامة هذه المدرسة و ادعائها».

و أنا لم أردَّ على ما ذهب إليه حمد الجاسر، لأن ما رآه لم أرض عنه، و كنت أحسب أن من القراء من أمثال الدكتور بكري لن يفوتهم إدراك الصواب في هذا الأمر، و لكن فاتهم، حتى أن باحثاً عراقياً حقق كتاب البندنيجي أخذ برأي الجاسر، و اضطرني ذلك إلى كتابة رد عليه نشر في السنة الماضية بمجلة «المنهل» لصاحبها العلامة الشيخ عبد القدوس الأنصاري، و بالملحق الأدبي لجريدة «المدينة المنورة».

و اطلعتُ بأخَرَة على كتاب (التقفية) (2). محققاً بقلم الدكتور خليل إبراهيم العطية الأستاذ بكلية الآداب بجامعة البصرة، و قرأت تقديمه الكتاب، فإذا هو آخذ برأي الشيخ حمد الجاسر و مؤيدُه و مُسَلَّم به و مؤكدٌ أن الجوهري غير مبتكر منهجه في صحاحه، و إنما المبتكر البندنيجي.

و جاء في تقديم الدكتور العطية قوله: «احتل معجم (تاج اللغة و صحاح العربية) المعروف بالصحاح لأبي نصر إسماعيل الجوهري المتوفى سنة أربعمائة للهجرة مكانة رفيعة لدى القدماء، فأولوه رعايتهم، و صادق اهتمامهم، و تناوله كثير منهم بالدراسة بين شارح له أو مختصر أو ناقد.

«و تأثر بنظامه المعتمد على القوافي جمهرة منهم كانوا له محتذين، و ما زالت أشهر المعجمات المتداولة التي ارتضت طريقته كلسان العرب و القاموس المحيط و تاج العروس

____________

(1) العدد 6 السنة الثانية، محرم 1398 ه(77- 1978 م).

(2) عُني بنشره وزارة الأوقاف بالجمهورية العراقية، و هي وزارة متضرِّمة النشاط في نشر كتب التراث، و مثلها وزارة الإعلام العراقية و غيرها من الوزارات و الإدارات التي نشرت مئات الكتب، حيا اللّه العراق.

16

تشغل مكانة خاصة لدى الباحثين.

«و لعل طريقة الصحاح في ترتيب الكلمات على القوافي التي زعم الجوهري في مقدمته أنه مبتكرها، كانت من أهم أسباب ذلك الاحتفال و تلك الرعاية.

«و قد ظل الكثير من الناس على هذا الظن معتقدين أن الجوهري مبتكر هذا النظام الفريد لاتصافه بالسهولة و اليسر إذا قيس بنظام معجم (العين) المخرجي العسير على المتكلمين (1).

«و لقد آن أن نتبين أن لغوياً آخر هو البندنيجي سبقه إلى ابتكار هذا النظام بمعجمه الذي نقدمه للنشر محققاً» إلخ.

و عجبت من كلام الدكتور العطية و دعاواه و قذفه إمام العربية الجوهري و استخفافه به، كما عجبت من عدم تفرقته بين «الصحاح» و «كتاب التقفية» في التأسيس و المنهج و النظام، و بين الجوهري الإمام الطُّلَعة الرائد المبتكر، و البندنيجي الذي لم يفطن للعمل المعجمي.

و من غير اللائق بعالم محقق أن يقول: «زعم الجوهري في مقدمته أنه مبتكرها» و لا يصح أن ينسب الزعم إلى الجوهري، فما كان زاعماً فيما ادعى، و إنما كان على الصدق و الحق فيما قال بمقدمة صحاحه.

و ذكر الدكتور العطية في تقديمه أن من بين من تناولوا الصحاح بالدراسة من شرحه، و ما علمت أن هناك شارحاً للصحاح، فلعله يدلنا عليه.

و لما كان الدكتور العطية فيما ذهب إليه من نفي الابتكار عن الجوهري و حكمه به للبندنيجي تابعاً الجاسر فإن ردنا عليه يشمله، و ها هو ذا الرد و ليس النص المنشور، لأننا أضفنا إليه بعض ما جدَّ لنا من رأي.

نشر الجاسر في مجلته المسماة «العرب» (2) مقالًا بقلمه تحت عنوان «الجوهري ليس مبتكر منهج التقفية في المعجم العربي».

يقول الجاسر: «لقد سبق الجوهريَّ إلى هذه الطريقة عالمٌ مغمور عاش قبل الجوهري بما يقرب من مائة عام، و هذا العالم هو أبو بشر اليمان بن أبي اليمان البندنيجي».

و يقول: «إن البندنيجي هذا- على ما ذكره ياقوت- عاش فيما بين سنتي

____________

(1) ليس بصحيح قوله: «المخرجي العسير على المتكلمين» فما ثَمَّ عسر عليهم، و إنما العسر على الباحثين.

(2) الجزء السابع، السنة الأولى، المحرم 1387 ه/ نيسان 1967.

17

200 و 284 هو الجوهري عاش بين سنتي 332 و 393 هعلى اختلاف في ذلك، و مما لا شك فيه تقدم البندنيجي عليه في الزمن تقدماً لا يقل عن مائة عام».

و يقول: «أما كتاب التقفية فإنه من الكتب المغمورة التي قلَّ أن يرد لها ذكر في كتب اللغة، و هذا من الأسباب التي حملت كثيراً من الباحثين على الاعتقاد بأن الجوهري هو مبتكر منهج ترتيب الكلمات العربية بحسب الحرف الأخير منها».

ثم يقول: «أما منهج الكتاب فقد أوضحه مؤلفه في المقدمة التي نسوق بنصها (1) ليتبين ذلك المنهج واضحاً و هي هذه بعد البسملة مباشرة:

«هذا كتاب التقفية إملاء أبي بشر، و سماه بذلك لأنه مُؤَلَّف على القوافي و القافية و البيت من الشعر، و نظر في الكلام فوجده على الحروف الثمانية و العشرين المرسومة با تا ثا عليها بناء الكلام كله عربيه و فصيحه فهي محيطة بالكلام لأنه ما من كلمة إلا و لها نهاية إلى حرف من الثمانية و العشرين حرفاً، فأراد أن يجمع من ذلك ما قدر عليه و بلغه حفظه، إذ كان لا غنى لأحد من أهل المعرفة و الأدب عن معرفة ذلك، لأنه يأتي في القرآن و الشعر و غير ذلك من صنوف الكلام، فجمع ما قدر عليه و أدركتْه معرفتُه، ثم رأى أنه لو جمع ذلك على غير تأليف متناسق، ثم جاءت كلمة عربية يحتاج الرجل إلى معرفتها من كتابنا بعدُ لصعب عليه إدراكها لسعة الكلام و كثرته، فألفه تأليفاً متناسقاً متتابعاً ليسهل على الناظر فيما يحتاج إلى معرفته.

«قال: و نظرنا في نهاية الكلام فجمعنا إلى كل كلمة ما يشاكلها مما نهايتها كنهاية الأول قبلها من حروف الثمانية و العشرين، ثم جعل ذلك أبواباً على عدد الحروف، فإذا جاءت الكلمة مما يحتاج إلى معرفتها من الكتاب نظرت إلى آخرها مما هو من هذه الحروف فطلبته في ذلك الباب الذي هي منه فإنه يسهل معرفتها إن شاء اللّه.

«و قد يأتي من كل باب من هذه الثمانية و العشرين أبواب عدة، لأنا إنما ألفناه على وزن الأفاعيل، فلينظر الناظر المرتاد وزن الكلمة في أي الأبواب هو فإنه يدرك الذي يطلبه.

«و أضفنا إلى كل كلمة من كل باب ما يشاكلها من الكلام الفصيح الذي لا يجهله العوام ليكون ذلك أجمع لما يريده المرتاد لما وصفناه.

«و أول ما ابتدىء في كتابنا هذا الألف، لأنها أول الحروف، و على ذلك جرى أمر الناس، ثم نؤلفه على تناسقه».

و نشر الجاسر بضع صفحات من الكتاب ثنتين من أوله و اثنتين من آخره، و جاء بعد

____________

(1) هكذا في الأصل. و هو غلط، و الصواب: بعضها.

18

مقدمة المؤلف قوله: «باب الألف الممدودة: الاباء: القصب، و يقال: رؤوس القصب».

ثم يقول الجاسر: «ثم أورد كلمات على هذا الوزن و كلمات أخرى مثل: الإقواء، و الانحناء، و الاستخذاء، و الحوباء، و الأهواء، و آخر الباب: «الإغواء: يقال: أغواه يُغْويه إغواء إذا حمله على الغي، و يقال: غَويَ الفصيلُ يَغْوي غَوى شديداً، إذا شرب من اللبن حتى يكاد يسكر» إلخ.

و هذا كتاب التقفية و منهج تأليفه و مؤلفه كما ذكر الجاسر، و كله برهان على أن دعواه بسبق أبي بشر البندنيجي الجوهريَّ ليست أهلًا للأخذ بها، إذا أريد منها انتزاع راية الابتكار من الجوهري صاحبها الأصيل و إعطائها غيره.

فالجوهري إمام هذه المدرسة دون منازع و غير مُدَافَع و إن كان مسبوقاً في الزمن و التأليف من قبل البندنيجي أو الفارابي، لأن البندنيجي و كتابه مغموران باعتراف الجاسر، و لأن البندنيجي لم يقصد أن يؤلف معجماً لغوياً، و ليس كتابه إياه، و قد فطن لعمله فذكره في مقدمة كتابه إذ يقول: «هذا كتاب التقفية إملاء أبي بشر و سماه بذلك لأنه مُؤلَّف على القوافي و القافية و البيت من الشعر».

فما ادعاه له الجاسر لم يزعمه المؤلف لنفسه، لأنه كان فاهماً و مدركاً حقيقة عمله، هذه الحقيقة التي جهلها الجاسر جهلًا مطبقاً.

و لو اطلع الجوهري على «كتاب التقفية» لما جرؤ إنسان يعرف الحق و يتبعه أن ينتزع راية الابتكار من الجوهري و يعطيها البندنيجي.

فكيف و الإمام الجوهري لم يطلع عليه، إذ لو اطلع عليه لذكره و أشار إليه، و لم أجد في معجمات العربية في عصر الجوهري و لا في المعجمات التي أعقبته أي إشارة إلى كتاب البندنيجي، و قد اعترف الجاسر أن البندنيجي و كتابه مغموران.

و لهذا لا يمكن أن ننفي ابتكار الجوهري طريقة تأسيس معجمه، و ما كان السبق في الزمن نافياً الابتكار ما دام من يوصف به لم يطلع على عمل من سبقه، فكيف و عمل البندنيجي- بعد أن عُرفَ و ظهر- لا يعد سبقاً بالنسبة للجوهري لاختلاف منهجه عن منهج البندنيجي كل الاختلاف الذي جهله الجاسر جهلًا.

و لو ادعى الجاسر أن الفارابي في معجمه «ديوان الأدب» سبق الجوهري في الابتكار و التأليف لكان في دعواه نظر، أما دعواه في نفي الابتكار عن الجوهري أن البندنيجي سبقه فمردودة، و لا يمكن أن تجوز دعوى الجاسر على إنسان يفهم المعجم فهماً سليماً.

و قد سبق باحث هو العلامة المستشرق الألماني فريتس كرنكو (1872- 1953 م) حمد

19

الجاسر في إنكار الابتكار على الجوهري، و قد رددنا عليه إنكاره في مقدمة الصحاح، و فندنا زَعْمَة كرنكو إذ ادعى أن الجوهري سرق في صحاحه موادَّ كتاب الفارابي و قلنا في صفحة 80- 81:

«و لقد أسرف الأستاذ كرنكو في دعواه، و لا سند له، فديوان الأدب للفارابي و صحاح الجوهري موجودان، و منهما نسخ كثيرة صحيحة، و الفارق بين المعجمين كبير، و بعد كل هذا نجد عمل الجوهري أصح و أكمل و أعظم من عمل خاله الفارابي.

«و نحن لا نشك في أن الفارابي يُعَدُّ واضع بعض أساس منهج الصحاح، و فوق هذا أربى الجوهري على خاله و أتى بنظام دقيق بذه فيه، و كان نظامه آية بينة.

«و لعل مما أثار وَهْمَ كرنكو حتى زعم ما زعم أن ياقوتاً يقول: «رأيت نسخة من كتاب ديوان الأدب بخط الجوهري، و قد ذكر فيها أنه قرأها على أبي إبراهيم بفاراب».

و لا يبعد أن يكون الجوهري قد اطلع على كتاب خاله، و لكن عبارة ياقوت غير دقيقة، و ينفيها أن الفارابي ألف كتابه في زبيد و توفي بها، و هذا يمنع الجوهري من القراءة على خاله، و لا يمنعه من الاطلاع عليه و استنساخه.

«و إذا قلنا: إنه اطلع على «ديوان الأدب» و قرأه على مؤلفه فإن ذلك لا يوجب اتهام الجوهري بسرقة كتاب خاله، فالفارق بينهما كبير في المنهج و الترتيب و النظام و عدد المواد.

و التقاء الفارابي و الجوهري في نقطة أو نقاط ليس دليلًا على أن الثاني سطا على الأول، و إلا لَعُدَّ الإمام الأزهري سارقاً كتاب العين للخليل، و عُدَّ كل تابع مدرسة معجمية سارقاً من الرائد، و لكن أحداً لا يستطيع- في مثل هذه الأحوال- أن يتهم عالماً إماماً بالسرقة إذا اتفق مع غيره في المنهج و أكثر المواد».

و قلنا في مقدمة الصحاح صفحة 103:

«و لم ننسب هذه المدرسة إلى الفارابي مع تقدمه و مع أن الجوهري يلتقي معه في بعض النقاط، لأن الفارابي ألمع إلماعاً إلى بعض منهج الجوهري، و لكن الجوهري جاء بما و فى على الغاية، و وصل فيه إلى النهاية، و أحكم النظام، و ضبط المنهج، فانتسبت المدرسة إليه، و هو بهذه النسبة جدير، لأنه إمامها الفاذ، و علمها الذي لا تخطئه العين مهما ابتعدت عنه».

هذا ما قلناه في الفارابي و الجوهري و معجميهما مع شهرة «ديوان الأدب» للفارابي و مع تقدمه على الصحاح.

و سبْق كتاب التقفية للبندنيجي لا يغير من الأمر شيئاً، فتقدم الزمن بأبي بشر البندنيجي و بمؤلفه لا يجعله إمام هذه المدرسة و رائدها، و إذا كنا لم نرض بالإمامة للفارابي

20

الإمام المشهور فإننا لا نرضى أن نحكم بالسبق للبندنيجي المغمور الذي لم يؤلف معجماً لغوياً و إنما ألف كتاباً في التقفية.

و المحاكاة في عمل الجوهري لعمل البندنيجي غير واردة، و لم يَدِّعِها أحد، و لا يمكن أن يدعيها، فالجوهري لم يطلع هو و معاصروه من مؤلفي المعجمات على كتاب البندنيجي، لأنهما مغموران كما قرر الجاسر نفسه، و مع هذا ادعى الدعوى الباطلة المردودة.

فالإمام الجوهري مبتكر منهجه ابتكاراً، و قد انتهى إليه ابتداء و إن ظهر في هذا العصر على يد الجاسر أن «كتاب التقفية» تقدم معجم الصحاح بزمن غير يسير.

و نحن- و معنا الحق و العلم و التاريخ و الواقع- نؤكد أن الجوهري قد انتهى إلى منهجه دون أن يكون بين يديه مثال سبقه فتأسَّاه، و إنما انتهى إليه بعد دراسة واعية شاملة لمناهج رُوّاد المعجمات العربية الذين سبقوه، فهو قد رأى و عورة منهج الخليل فلم يأخذ به، كما لم يأخذ بمنهج أبي عبيد القاسم بن سلام الذي بنى معجمه «الغريب المصنّف» على المعاني و الموضوعات، و لم يأخذ بمنهج أبي عمرو بن العلاء الذي أسس معجمه المسمى «كتاب الجيم» على أوائل الكلمات متخذاً ترتيب حروف الهجاء، مبتدئاً بالهمزة منتهياً بالياء، و سبب انصرافه عن منهج أبي عمرو أن الجوهري رأى فاء الكلمة غير ثابتة في موضعها، و كذلك الحرف الذي يليها و هو العين، فاتخذ منهجاً جديداً يخالف ما عرف من مناهج المعجمات، و خرج عليهم بمنهج غير معروف، و أشار الجوهري نفسه إلى منهجه في مقدمة الصحاح قائلًا: «على ترتيب لم أسبق إليه، و تهذيب لم أغلب عليه».

و الجوهري صدوق، و قوله هذا حق كله، فهو لم ينهج نهج الفارابي في كتابه «ديوان الأدب» مع أن منهجيهما يلتقيان في بعض النقاط.

و كلمة الجوهري: «على ترتيب لم أسبق إليه» تدل على أنه لم يطلع على كتاب التقفية للبندنيجي المغمور هو و كتابه، و ما دام الجوهري الإمام الحجة الثبت الصدوق يقول: إن ترتيبه لم يسبق إليه فالقول قوله، لأن الحق معه، و لا يلتفت إلى قول الجاسر الذي لا يعرف الفارق بين المعجم و غيره.

و من آيات صدقه أن منهج الجوهري يختلف عن منهج البندنيجي اختلافاً واضحاً مشهوداً في تأسيس كل منهما كتابه بحيث لا تخطئه عين عالم، و سبب كل منهما في التأليف غير سبب الآخر، فالبندنيجي أراد من تأليفه تيسير القافية على راغبيها من الشعراء، و هو مطلب خاص بفئة من الناس هي نَدْرَة نادرة فيهم، و ليس الشاعر الفحل المطبوع بحاجة إليه.

و لهذا نجد البندنيجي حشد المادة في بابها دون مراعاة الترتيب المعجمي السليم، فهو

21

لم ينظر إلِّا إلى حرف القافية في آخر الكلمة، فلم يراع ترتيب الكلمات، بل حشدها و ساقها كما اتفق له، فذكر ما كان منتهياً بالهمزة في باب واحد دون أن يراعي الاعلال الصرفي، و دون أن يراعي الحرف الثاني و الثالث، بل دون أن يراعي الحرف الأول، و لم يفطن إلى الترتيب الهجائي في ترتيب الكلمات، بل لا حاجة له إلى هذه الفطنة، لأنه لا يؤلف معجماً لغوياً.

فالبندنيجي يفتتح كتابه بباب الألف الممدودة، و يذكر أول كلمة في كتابه «الآباء» مع أن الهمزة الأخيرة منقلبة عن ياء، و هذا ما حمل الجوهري على أن يضعها في الياء، لأن آخر حرف في الكلمة الياء، و الفصل فصل الهمزة لأن الكلمة مبدوءة بها.

و لكن البندنيجي لم يكن عليماً بالصرف، و لم يكن يقصد إلى تأليف معجم لغوي، و إنما أراد أن يؤلف في «التقفية» ليكون كتابه عوناً للشعراء في كلمات القافية، و لهذا لم يكن في حسابه الإعلال الصرفي، بل كان كل همه صورة الكلمة، فذكر الاباء في باب الهمزة و لم يذكرها في موضعها الأصيل و هو باب الياء.

و لم يكن البندنيجي آخذاً نفسه بالترتيب المعجمي، بل يذكر الكلمات كما تتفق له دون أن ينظر إليه، فيقدم ما حقه التأخير، و يؤخر ما حقه التقديم.

و أصدق شاهد الصفحتان الأخيرتان من الكتاب اللتان صورهما الجاسر و نشرهما، فقد جاءت فيهما هذه الكلمات على هذا الترتيب: الدالية، الناحية، البادية، الجابية، الكراهية، الرفاهية، الرفاغية، المسائية، الهاوية، القارية، الجامية، النهاية، العناية، الراية، الولاية، السانية، الناجية، الحاوية.

و هذا ليس ترتيباً معجمياً، و لا يطلب من البندنيجي ذلك في كتاب التقفية، لأنه لم يرد أن يؤلف معجماً لغوياً، و إنما أراد أن يؤلف كتاباً في التقفية، و الاسم و العمل يدلان على مراده.

و الترتيب المعجمي لتلك الكلمات بحسب صورتها الظاهرة هكذا:

البادية، الجابية، الجامية، الحاوية، الدالية، الراية، الرفاغية، الرفاهية، السانية، المسائية (لأنها من ساء) العناية، القارية، الكراهية، الناجية، الناحية، النهاية، الهاوية، الولاية.

و هذا ترتيب غير صحيح في فن المعجمات، لأنه اعتمد على الصورة الظاهرة للكلمة دون أن يرجع إلى أصولها.

و مع أن البندنيجي ألف كتابه في التقفية فإن الكلمات التي ذكرها لا تصلح في قافية

22

قصيدة واحدة، و لا يمكن أن تأتي فيها لاختلاف تفعيلات البحور، و لو جاءت قوافي قصيدة واحدة لكان الميزان مضطرباً، و الخلل كريهاً، و كان حرياً بمن يريد من كتاب يؤلفه لأصحاب القوافي أن يضمن لهم اليسر، مع أن الأمر بَيِّنٌ، و لو اهتدى بهدي الشعراء في قصائدهم لأدرك ذلك، و لكنه لم يفطن للقافية في القصيدة الواحدة، فحشد الكلمات و حشرها كما اتفق له.

و الاختلاف واضح بين منهجي البندنيجي و الجوهري و عمليهما و قصد كل منهما في عمله.

و إن سبق البندنيجي في الوجود و سبق كتابه لا ينفيان ابتكار الجوهري منهجه، بل يثبتان له الابتكار الذي يؤكده أن البندنيجي نفسه و كتابه معه مغموران، و ليس نهجه نهج الجوهري الذي يختلف كله عن نهج البندنيجي في تأسيس المنهج و طريقته.

و ما دام الجاسر نفسه يثبت ذلك و يذكره فلا يصح أن ينفي عن الجوهري ابتكاره لمنهجه المعجمي الذي لم يُسْبَقْ إليه.

و من الثابت المؤكد أن البندنيجي لم يرد من كتابه تأليف معجم لغوي، و إنما أراد تيسير القافية على الشعراء، و لم يرد غيره، و أما الجوهري فلم يرد خدمة الشعراء و إنما أراد أن يقدم معجماً فقدم أصح معجم عربي خطا بالتأليف المعجمي أوسع خطوة عرفها تاريخ المعجمات العربية.

و قد وَهَمَ بعض الباحثين فذكروا سبب ترتيب الجوهري صحاحه على أواخر الكلمات و زعموا أن أراد تيسير القافية على الشعراء و السجع على الكتاب، و رأينا نحن رأياً غير ما رأوا، و قلنا في «مقدمة الصحاح» صفحة 121- 122:

«و قد ذكر بعض الباحثين العلماء أن سبب اختيار الجوهري- أو من تبعه- ترتيب معجمه على أواخر الكلمات: التيسير على الشعراء و الكتاب النظم و النثر، فالكتاب كانوا يلتزمون السجع، و الشعراء القوافي، فهم في حاجة إلى الكلمات باعتبار أواخرها، أو أن غلبة السجع أو نظم القوافي هديا مؤلفي المعجمات- و على رأسهم الجوهري- إلى هذه الطريقة.

«و نحن لا نقبل هذا الرأي و نراه غير علمي، و إذا صح هذا السبب فما أهون شأن مؤلفي المعجمات و ما أضأل القصد!

«و الذي نراه أن منهج الجوهري في ترتيب صحاحه باعتبار أواخر الكلمات غير مقصود منه تيسير الأمر على الشعراء و الكتّاب، حتى يجدوا السجع و كلمات القوافي دون عناء، بل أراد الجوهري أن يؤلف معجماً للناس جميعاً دون أن ينظر إلى طائفة واحدة

23

يؤثرها بعمله العظيم.

«أما المنهج الذي اتبعه فهو من ابتكاره، و هداه إليه علمه الواسع بالصرف و اشتغاله به، فهو قد رأى أن ميزان الكلمة الفاء و العين و اللام، و التغيير يلحق ما قبل لام الكلمة، و تنقلب «فَعَل» بين أحوال كثيرة و تأتي في صور شتى، و هي: أفْعَلَ و فَعَّلَ و فَاعَلَ و انْفَعَلَ و افْتَعَلَ و افْفَلَّ و تَفَاعَلَ و تَفَعَّلَ و اسْتَفْعَلَ و افْعَوْعَلَ و افْعَوَّلَ و افْعَالَّ.

«و هذه- هي- أوزان مزيد الفعل المجرد، و يظهر منها أن التغيير تناول الفاء و العين، فتارة يتقدم الفاء حرفٌ و تارة حرفان، و تارة ثلاثة، أما العين فقد تنفصل عن الفاء و قد تنفصل عن اللام، و قد تضعَّف.

«أما لام الكلمة فثابتة لا تتغير مهما اختلفت صورة الكلمة إلا في حالات قليلة، و متى لحقها التغيير أو زيد بعدها حرف أو حرفان فإن الكلمة تنتقل إلى أوزان أخرى، و لا تعتبر من الثلاثي، بل تصير رباعية أو خماسية (1).

«رأى الجوهري أن الفاء و العين لا تثبتان في موضع، و لا تبقيان على حال، أما اللام فثابتة، فترك ترتيب الكلمات على أوائل الحروف لأن فيه مَتِيهَةَ الباحث الذي لا يعرف التصريف و المجرد و المزيد، فكلمة «أكرم» و استنوق و ترهل و محجة تضلل الباحث الشادي، بل رأيت بعض العلماء يضلون في الكشف عن مواضعها من المعجم، و لا يعرف في أي حرف هي.

«أما طريقة الجوهري فمأمونة هادية، فيجد الباحث «أكرم» و كل ما تفرع من مادة «كرم» في باب الميم، و استنوق في باب القاف، و ترهل في باب اللام، و محجة في باب الجيم، و إذا كان الباحث عارفاً بالمجرد و المزيد فإنه سيجد أكرم في فصل الكاف، و استنوق في فصل النون، و ترهل في فصل الراء، و المحجة في فصل الحاء.

«و أعتقد أن ما ذكرته هو الذي حمل الجوهري على اتباع منهجه الذي ابتكره ابتكاراً، أما السبب الذي رآه بعض العلماء- و ذكرناه- فهو رأي لا قيمة له علمياً.

«و أعانه على هذا الابداع في نظامه علمُه الواسع بالنحو و الصرف حتى قيل في وصفه:

إنه «خطيب المنبر الصرفي، و إمام المحراب اللغوي» و إنه أنحى اللغويين».

و ما نزال عند رأينا و هو أن الجوهري سابق متفرِّد، و إمام هذه المدرسة دون منازع، و مبتكرٌ فاذٌّ، و مبتدع منهجه ابتداء لم ينظر فيه إلى مثال سبقه.

____________

(1) استدراك: ليس هذا تغييراً في لام الكلمة، فهي ثابتة لا تتغير، و إن زيد بعدها حرف فهو من جنسها، و أما الضمائر التي تأتي في أواخر الأفعال فلا تغير من بناء الكلمة.

24

و ترتيب البندنيجي «كتاب التقفية» على أواخر الكلمات ليس من ابتكاره، فقد سبقه إليه الشعراء منذ عرف الشعر العربي الذي يجيء في آخر كل بيت منه حرف القافية الموحدة في القصيدة كلها.

و رأى البندنيجي كلمات القافية فأخذها كما اتفق له و شرح بعض معانيها، و فضله أنه جمع من هذه الكلمات «ما قدر عليه و بلغه حفظه» دون أن يراعي الترتيب المعجمي، لأنه لم يرده، أو لم يفطن له، و لم يأخذ في حسابه إلا الكلمة في صورتها الظاهرة المنطوقة دون أن ينظر إلى أصل الكلمة و صرفها و ما لحق بها من إعلال، و دون أن ينظر إلى أوائل الكلمات، بل حشدها حشداً، و حشرها حشراً كما اتفق له، منتهجاً في ذلك نهج الشعراء، فهم لا يرتبون كلمات القافية ترتيباً معجمياً، فقوافي الشعراء غير خاضعة لمنهج المعجميين و لا تتفق معه.

أما نظام الجوهري فهو النظام المحكم، و منهجه هو المنهج الحق الذي ابتكره ابتكاراً، و سبق به كل من سار على نهجه.

و إذا كنا لم نَعُدَّ الفارابي الذي اتفق الجوهري معه في بعض نقاط منهجه إمام هذه المدرسة مع تبحره في اللغة فإن مما لا يصح أن يُعَدَّ البندنيجي رائد هذه المدرسة و إمام الجوهري و من اتبع نظامه الدقيق المحكم، لأن البندنيجي: أولًا- مغمور، و ثانياً- لأن كتابه نفسه مغمور، و ثالثاً- لأن الجوهري و قبله الفارابي لم يطلعا على كتاب البندنيجي، و رابعا- لأن الجوهري يقول في مقدمة صحاحه: «على ترتيب لم أسبق إليه»، و هو صادق يؤيده واقع التاريخ، و خامساً- لأن منهج الجوهري يختلف كل الاختلاف عن منهج البندنيجي، و سادساً- لأن قصد كل منهما في كتابه يغاير قصد الآخر، و سابعاً- لأن عمل الجوهري عمل معجمي صحيح تتوافر كل شروط المعجم فيه، و ثامناً- لأن عمل البندنيجي ليس عملًا معجمياً، و تاسعاً- لأن كتاب البندنيجي ليس معجماً.

و خلاصة القول: إن تقدم البندنيجي في الوجود و سبقه في تأليف كتابه لا يمكن أن ينفيا عن الجوهري الابتكار و يسلباه إياه.

و البندنيجي لم يفطن للتأسيس المعجمي الذي فطن له الجوهري ابتداء، و كان فيه رائداً و إماماً، فهو لم يقتصر في الترتيب على الحرف الأخير من الكلمة، بل نظر إلى الحرف الأول منها؛ ثم وضع في حسابه الحرف الثاني ثم الثالث في الرباعي، ثم الحرف الرابع في الخماسي.

و البندنيجي لم يفطن لهذا النظام المعجمي الدقيق، لأنه لم يقصد إلى تأليف معجم لغوي، و لم يَدُرْ بخلده ذلك.

و الجوهري لا يذكر مادة «حبب» بعد «حدب» لأن الباء أسبق من الدال في

25

الترتيب، أما البندنيجي فلم يفطن لهذا النظام الذي لا يكون المعجم معجماً تاماً إلا به، و كتابه ليس في حاجة إلى هذا النظام المعجمي الدقيق الذي أسسه الجوهري قبل كل رُوّاد المعجمات و مؤلفيها.

و الحكم للجوهري بالسبق و الابتكار و التفرد حقه وحده في هذا المنهج الذي سار عليه في صحاحه، و لا يعد البندنيجي ممن أدركوا منهج الصحاح، و كل ما اتفقا فيه أن البندنيجي اعتمد أواخر الكلمات، و كذلك الجوهري، و لكنهما يفترقان في هذه المزية أيضا، فالبندنيجي اعتمد على الحرف الأخير في الكلمة و إن لم يكن لام الكلمة، أما الجوهري فلم يعتمد إلا على لام الكلمة وحدها.

و لو كان عمل البندنيجي و منهجُه عملَ الجوهري نفسه و منهجَه عينَه دون أن يطَّلع اللاحق على عمل السابق لكان كلاهما مبتكراً و سابقاً، أما و أن عمل البندنيجي و نهجه يختلفان كل الاختلاف عن منهج الجوهري و عمله فإن راية السبق و الابتكار و الاجتهاد و الريادة و الإمامة تبقى بيد الجوهري وحده دون منازع فهيم.

و ليس من الحق في شيء عقد مقارنة بين البندنيجي و الجوهري، بل من الاسراف في الظلم الحكم للبندنيجي على الجوهري، و لكنه حكم غير مقبول، بل يرده كل ذي معرفة بمناهج المعجمات العربية.

و آخر كلمة نقولها: ليس كل سابق في الزمن إماماً، و ما أشبه الجوهري بالامام في الصلاة، يتأخر حضوره إلى المسجد عمن سبقوه إليه فيتقدمهم إلى محراب الإمامة دون نزاع أو جدال.

و كذلك الجوهري الإمام الفذ المبتكر السابق على كل من سار على نهجه، بل هو الإمام السابق الفاذ على التحقيق.

تكمِلة وَ صِلة

عندما كتبت البحث الذي نشرته بين مقدمات الطبعة الثانية من «الصحاح» لم يكن العلامة البحاثة المحقق الكبير الدكتور إبراهيم السامرائي قد نشر بحثه العظيم في «صحاح» الجوهري و «تقفية» البندنيجي تحت عنوان «لا قياس بين صحاح الجوهري و تقفية البندنيجي».

و لما كان من المتعذر على كل قارىء شراء «الصحاح» فقد رأيت نشر رأيي في ابتكار الجوهري صحاحه ليقف القارىء على الحق الذي خفي على حمد الجاسر الذي لم يفرق بين

26

عمل الجوهري و عمل البندنيجي؛ و ظنهما من حزب واحد، و هو من الجهل الذي لا يقع فيه أهل البصر بالمعجمات و تأسيسها.

و لو سبق إليَّ بحث العلامة السامرائي لاستشهدت به، و لذكرته في بحثي المنشور في مقدمات «الصحاح» و لكني لم أطلع عليه إلا بأَخَرَة، و هو جدير بإعادة نشره خاتمة لبحثي لأنه شاهد صدق على أن عمل الجوهري غير عمل البندنيجي، و لأن العلامة السامرائي حكمٌ عدل و شاهدٌ صدق.

و ها نحن أولاء ننشر بحث الدكتور السامرائي، فلعل الدكتور خليل العطية المختدع بزَعَمات حمد الجاسر و غيره يعودون إلى الحق.

أحمد عبد الغفور عطار

مكة المكرمة

27

لا قياسَ بَين «صِحَاح» الجَوهَريْ وَ «تقفيَة» البَندنيجي

بقَلَم الدكتور ابرَاهيم السَامرائي

عنيت العربية بالكلام المقفى، منذ أقدم عصورها؛ و هي في ذلك بدْع بين اللغات السامية؛ فلم نعرف لغة منها كان فيها للقافية ما كان لها في العربية، و ليس أدل على هذا ما حفلت به لغة التنزيل العزيز من أفانين السجع و المزاوجة.

و ليس أدل على ذلك- أيضا- مما أثر من هذا الضرب من الكلام في حديث رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و سلم) و حديث الصفوة من رجاله الأكرمين.

و ليس لقائل يقول لنا

إن النبي(صلّى اللّه عليه و سلم) أنكر على بعضهم أن يسجع في كلامه؛ فقال: أ سجعاً كسجع الكهان؟

و من هنا كان استعماله غير حسن و الرد على ذلك أن الرسول أراد أن لا يتخذ سجع الكهان في الجاهلية و صدر الإسلام مادة تحاكى و أسلوباً يتبع.

لقد عني الرسول الكريم بكلامه، فجاء من نماذج البلاغة العالية، و كان من اهتمامه أن عني بالكلم؛ فتعرض له السجعة؛ فتحل في محلها عناية بجودة البناء و إحكاماً له، و إدراكاً للمعنى المراد.

ألا ترى أن من عنايته بهذا اللون أنه عدل بالكلمة عن وجهها؛ لتجيء على نمط أخواتها؛

فقال للحسن بن علي بن أبي طالب- (عليهما السلام): «أعيذه من الهامة و السامة، و كل عين لامة»

و أراد: «ملمة» من الرباعي ألم.

و يندرج في هذا

قوله(صلّى اللّه عليه و سلم)

: «ارجعن مأزورات غير مأجورات»

، و إنما أراد «موزورات» من الوزر؛ فقال: «مأزورات» مكان موزورات؛ طلباً للتوازن و السجع.

و حسبك أنك لا تجد سورة من سور القرآن قد خلت من الكلم المسجوع، أو مما دخله ضرب من العناية كالمزاوجة مثلًا، و إنك لتجد السورة كلها مسجوعة على نحو ما كان في سورة الرحمن، و إنك تقرأ قوله تعالى في سورة طه:

طه (1) مٰا أَنْزَلْنٰا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقىٰ (2) إِلّٰا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشىٰ (3) تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَ السَّمٰاوٰاتِ الْعُلىٰ (4) الرَّحْمٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوىٰ (5) لَهُ مٰا فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ مٰا فِي الْأَرْضِ وَ مٰا بَيْنَهُمٰا وَ مٰا تَحْتَ الثَّرىٰ (6) وَ إِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَ أَخْفىٰ (7) اللّٰهُ لٰا إِلٰهَ إِلّٰا هُوَ لَهُ الْأَسْمٰاءُ الْحُسْنىٰ (7)

28

فتشعر أن التزام الألف في هذه الآيات في أواخر الفواصل قد جعل من هذا النظم العالي أدباً عالياً وفناً رفيعاً؛ هذا شيء من دلائل الإعجاز في لغة التنزيل العزيز، و بمثل هذا يشعر قارىء سورة الشمس حين يقرأ من قوله تعالى:

وَ الشَّمْسِ وَ ضُحٰاهٰا (1) وَ الْقَمَرِ إِذٰا تَلٰاهٰا (2) وَ النَّهٰارِ إِذٰا جَلّٰاهٰا (3) وَ اللَّيْلِ إِذٰا يَغْشٰاهٰا (4)

أو يقرأ في سورة الضحى:

وَ الضُّحىٰ (1) وَ اللَّيْلِ إِذٰا سَجىٰ (2) مٰا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَ مٰا قَلىٰ (3)

و إنك لتقف الموقف نفسه، حين تنتقل إلى سورة تلتزم فيها القافية، على نحو محكم أشد الإحكام، كما في سورة المدثر، في قوله تعالى:

يٰا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) وَ رَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَ ثِيٰابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5) وَ لٰا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (6) وَ لِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (7)

و قد يتأتى الغرض الفني في الأسلوب القرآني بغير هذه الفواصل المسجوعة؛ و ذلك أن يقصد إلى ضرب من التناسب الذي يحقق الغرض؛ ألا ترى في قوله تعالى في سورة الإنسان: إِنّٰا أَعْتَدْنٰا لِلْكٰافِرِينَ سَلٰاسِلَ وَ أَغْلٰالًا وَ سَعِيراً (4)

أنهم قرأوا «سلاسلا» بالتنوين؛ فقال المفسرون:

قرىء بتنوين (سلاسل) و وجهه أن تكون هذه النون بدلًا من ألف الاطلاق ...

و لا أرى أن هذا التوجيه النحوي مقنع مفيد، و الذي أراه أن حرص المعربين على الأخذ بالتناسب سهل عليهم تنوين غير المنوَّن؛ إخضاعاً له ليكون مناسباً لقوله «أَغْلٰالًا وَ سَعِيراً» و كلاهما منون، و أن تجيء الآية على هذا النسق من التنوين أوقع لدى طائفة من القراء.

و من هذا ما جاء في السورة نفسها: وَ أَكْوٰابٍ كٰانَتْ قَوٰارِيرَا (15) قَوٰارِيرَا

لقد قرئت بترك تنوينها؛ و هو أمر يخدم التناسب الذي أشرنا إليه؛ و هو الأصل- أيضاً- و قرىء تنوين الأول خاصة بدلًا من ألف الاطلاق؛ لأنها فاصلة، و تنوين الثانية كالأولى إتباعاً لها، و لم يقرأ أحد بتنوين الثانية، و ترك الأولى.

و هذه القراءات تثبت أن الحرص على التناسب أساس فيها.

و من المفيد أن أشير أن الجهابذة البلغاء قد درجوا على هذا النهج في أدبهم؛ فكانت لهم عناية بالقافية و الفواصل و التناسب، و إليك مما

كتبه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب- رضي اللّه عنه- إلى عبد اللّه بن عباس- رضي اللّه عنه- فقال

:

«أما بعد فإن الإنسان يسره درك ما لم يكن ليفوته، و يسوءه فوت ما لم يكن ليدركه؛ فلا تكن بما نلت دنياك فرحاً، و لا بما فاتك منها ترحاً، و لا تكن ممن يرجو الآخرة بغير عمل، و يؤخر التوبة بطول أمل، و كأن قد، و السلام».

29

ثم إنك لتجد في نثر العباقرة من كتاب العربية؛ كالجاحظ، و أبي حيان، و غيرهما عناية بالأسلوب، دون أن يكون قصد منهم أن يفيدوا من السجع؛ فقد عزفوا عن ذلك لأنهم شعروا أن جمهرة أهل الكتابة قد أغرقوا في استعمال هذا اللون حتى استهلكوه؛ فكانت السجعة هدفاً لهم على حساب المعنى، ثم إنهم توسعوا فيه؛ فكان منه السجع المعروف، و السجع المرصع، و غير ذلك.

و قد يضيق القارىء ذرعاً؛ و هو يقرأ طائفة من المقامات الحريرية أو خطب ابن نباتة؛ و ذلك لغلوّهما في استعمال هذا الضرب من فن الكتابة.

و لقد أدى غلو أهل هذه القرون المتأخرة؛ باستعمال السجع في الكتابة، و التزام من خلفهم به إلى مطلع عصرنا هذا، إلى أن يتجنبه المتأدبون في عصرنا. لقد وجد أدباؤنا أن موضوعات الأدب في هذا العصر غيرها في عصور سلفت، و أن للحضارة المعاصرة موادَّ كثيرة ينبغي للأديب أن تكون له أدوات جديدة للإعراب عنها، و على هذا لا يكون للأسلوب الملتزم بالسجع مكان في هذا الأدب الجديد.

ثم جاء شعراؤنا الجدد و جلهم شباب متطلع للجديد، مأخوذ بما في الحضارة المعاصرة من فكر جديد مفيد، و لكنه لم يتزود بالزاد الكافي من هذه الألوان الجديدة، و كلها غريب وافد إلينا، قد نحس فينا حاجة إلى هذا الجديد، و قد نحس أن ليس لنا غنى عن الأخذ بالألوان الأدبية في مغرب الدنيا و مشرقها، و لكننا في الوقت نفسه لم نهتد إلى معرفة ما نملك من إرث سخي قديم، و ما أظن أن الأخذ بالوافد الجديد يفرض علينا أن نقطع صلتنا بأصول عزت أرومة، و طابت مغرساً.

و لعل إخواننا هؤلاء قد فاتهم أن يعرفوا أن للحضارة مسيرة، و أن الجديد النافع لا بد له أن يقوم على قديم مفيد.

ذهب الشعراء الشبان إلى أن الشعر؛ بأوزانه المعروفة، و قوافيه شيء عتيق لا بد أن يصار منه إلى نماذج جديدة- يرى هؤلاء أن الوعاء القديم لا يتسع للفكر الجديد، و لكنك تتلمس أوعيتهم الجديدة فلا تستطيع أن تلمس شيئاً من جدة الفكر، و نصاعته، فأين الموضوع؟ إن كثيراً من هذه النماذج التي لا يريد أصحابها أن تسمى قصائد غامض مبهم، غير أن هذا الغموض و ذاك الإبهام لا يترشح منه شيء مما يقال عنه إنه فكر جديد.

و قد شاء أصحابنا من الشبان المتأدبين أن يدعوا شعرهم ب«الحر» و أن ما كان موزوناً مقفى ب«العمودي» و أنهم أساءوا فهم «العمود الشعري» فصار عندهم الالتزام بالوزن و القافية، و لم يكن «عمود الشعر» عند النقاد الأقدمين شيئاً من هذا، و لو أنهم رجعوا إلى ما كتبه المرزوقي في الموضوع لاهتدوا إلى ذلك، و إلى ما كتبه ابن طباطبا العلوي في «عيار الشعر».

كأنهم شعروا أن التزام الوزن و القافية الواحدة عقبة تحول دون إدراك ما يبتغون من صيرورة أدبهم الجديد مادة جديدة في موضوعها، و لم يتأت لهم هذا، و أنَّى لهم، و البضاعة

30

قليلة، و الزاد غث لا غناء فيه؟

ثم إنك لتجد في هذا الأدب الحر الجديد ميلًا إلى التزام قواف و رجوعاً إليها ما أمكنهم السبيل، و قد تجد القطعة التي «كتبها» صاحبها ذات وزن و قافية واحدة، و لكنه كتبها بصورة أبعدتها عن أن تكون صدورا و أعجازاً لقصيدة مألوفة. ثم إن صاحبها ليعمد إلى خرم في الوزن، و مجافاة للمألوف فيه، و كأن ذاك متعمد مقصود ليشهد على نفسه أنه جديد مجدد، و أن أدبه «حر» طليق، و أن «فناً» و حيلة في رسم أشطاره ليكفي أن يكون نمطاً جديداً.

و أنا أسأل طائفة من أصحابنا أهل «الحر» الجديد الآخذين به، العائبين على القصيدة في أوزانها المعروفة و قوافيها أنها أدب ميت قاصر، أو مومياء محنطة، و ليس خيالًا «مجنحاً» جديداً فأقول:

لم يعمد هؤلاء المجددون إلى اللون القديم الذي دعوه «العمودي» حين ينظمون في «مناسبة» وطنية؟ ألم يقولوا: إن «العمودي» قاصر لا غناء فيه، و إن «العمودي» لا يمكن أن يكون وعاء للجديد من الفكر، ألم تكن «المناسبة الوطنية» موحية لفكر جديد و أدب جديد و لون جديد؟

هذه سؤالات لم أتبين لها جواباً.

أنا لا أنكر أن الكثير من الشعر الذي التزم فيه الوزن و القافية صناعة غثة و بضاعة بائرة، و أنه رصف ميت مفتقر إلى كثير من عناصر الحياة، غير أني أشعر- أيضا- أن شيئاً كثيراً من جديد القوم مما يدعى «حراً» ضرب من كلام خلا من ظلال للمعاني؛ بله الجديدة منها.

و لا بد لي من أن أعود إلى القافية فأشير إلى أن غير العرب من الأمم السامية قد حاولوا أن يصنعوا صنيعهم؛ فيكتبوا نثرهم مسجوعاً.

ثم إن اللغويين الأقدمين لما رأوا ما للقافية من مكان في نثر العرب و شعرهم، عمدوا إلى تصنيف المصنفات في الموضوع؛ فكانوا يجمعون الأسجاع في الأقوال المأثورة و الأمثال و غيرها، منوهين بهذا الضرب من فن النثر.

و قد بلغ الأمر إلى أن يصنعوا معجمات تشتمل على الألفاظ التي تنتهي بقافية واحدة؛ مثل: الصغير، و الكبير، و القدير، و الحقير، و صدور، و مصدور، و مثل: جناب، و إياب، و رباب، و عذاب؛ هكذا استوفوا جل أبنية العربية، و لم يكن غرضهم إلا جمع الأشباه و النظائر من الألفاظ التي جاءت على قافية واحدة.

و على رأس هذه المصنفات كتاب (التقفية في اللغة) لأبي بشر بن أبي اليمان البندنيجي (المتوفى سنة 284 ه) و الكتاب من سلسلة إحياء التراث التي تصدرها وزارة الأوقاف في الجمهورية العراقية.

و قد حققه و بذل فيه الوسع الدكتور خليل إبراهيم العطية، و قد دبجه بتعليقات

31

مفيدة، و لقد أشار السيد المحقق في مقالة له- لعلها كانت من مادة الدراسة التي اشتملت عليها المقدمة، و التي لم تنشر مع الكتاب، إلى أن البندنيجي المصنف قد سبق إسماعيل بن حماد الجوهري في صنعة «الصحاح» و ذلك لأن كتاب «التقفية» اشتمل على القوافي و هي أواخر الكلمات، و على هذا كان المصنف؛ و هو من علماء القرن الثالث الهجري سابقاً لصاحب (الصحاح) في ابتداع هذه الطريقة المعجمية؛ و هي تصنيف الكلم بحسب الحرف الأخير فيها.

و لقد سبق السيد المحقق إلى هذا الرأي الأستاذ الفاضل حمد الجاسر؛ صاحب مجلة (العرب) فقد نشر مقالة في المجلة نفسها، منذ أكثر من ثماني سنوات؛ ذهب فيها هذا المذهب؛ حين عثر على المخطوطة التي اعتمد عليها الدكتور خليل العطية في التحقيق؛ و هي مخطوطة فريدة.

و قد حسبت الأمر حقيقة، حين ظهرت مقالة الأستاذ الجاسر، ثم مقالة الدكتور العطية، غير أنني حين قرأت الكتاب بعد نشره تبينت أن لا قياس بين (الصحاح) و كتاب (التقفية)!

أقول:

كأن صاحب كتاب (التقفية) كان يرمي إلى أن يصنف كتاباً يجمع فيه ما (تيسر) جمعه من الألفاظ التي تشترك في قافية واحدة، و يقسمها تقسيماً يتساهل فيه مع الأبنية؛ فهو يجمع الكلمات: صغير، و كبير، و مقدور، و مثير، في مكان واحد؛ لمجيء الراء قافية فيها، بصرف النظر عن أن صغير و كبير على «فعيل» و مقدور على «مفعول» و مثير على «مفعل»؛ و هذا مما تسمح القوافي به في نظم الأشعار.

و هو يجمع: إهاب، و جناب، و رغاب، و ضباب، في مكان واحد، مع أن كل واحدة من هذه الكلمات من بناء يختلف عن نظائره؛ فهو فِعال في الأول بكسر الفاء، فَعال في الثاني بفتحها؛ و هما مفردان، و فِعال في الثالث، و الرابع؛ و هما جمعان ل«رغبة» و «ضب».

و هكذا جرى صاحب (التقفية)، و من غير شك أن هذه الطريقة لا يمكن أن تستوفي ألفاظ العربية، و على هذا لا يمكن أن يكون كتاب (التقفية) معجماً يضم العربية على نحو (العين) و (الصحاح) و نحو ذلك. إن هذا الغرض من الكتاب من شأنه أن يجعل المؤلف مضطراً أن يأتي بما يحقق له الغرض؛ و هو جمع الألفاظ ذات القافية الواحدة.

فأين هذا من (الصحاح) الذي أراد له صاحبه أن يأتي شاملًا للصحاح الفصاح من العربية؟

ثم إن صاحب (التقفية) لما كان غرضه جمع الألفاظ ذات القافية الواحدة؛ مقسمة على ما يشبه الأبنية مما يتساهل معه في أن يأتي قافية لشعر أو كلمة مسجوعة في نثر، لم يعن بأوائل الكلمات.

32

أما الجوهري فقد عني بأواخر الكلمات و أوائلها من غير اهتمام لأوزانها أو ما هو قريب من أوزانها، و صنف الكلمات المنتهية بقافية واحدة؛ أي بحرف من الحروف الهجائية بحسب أوائلها؛ و هو يصنف مثلًا في حرف الباء فصل الكاف الألفاظ الآتية:

كأب، كبب، كتب، كثب، كحب، تاركاً «كجب» لعدمه في العربية و هكذا يفعل في سائر الحروف، فهل شيء من هذا جاء في كتاب (التقفية)؟ من غير شك لا.

و بعد، أليس أن نتجنب العلم فنقول: إن صاحب (التقفية) أصل في ابتداع هذا النظام المعجمي، و إن «الجوهري» قد قلده، و أخذ منه الطريقة؟ و لم يكن صاحب (التقفية) بمعنيٍّ بأوائل الألفاظ؛ و هي التي دعيت فصولًا في «الصحاح».

أقول: ليس هذا من ذاك فكتاب (التقفية) ليس إلا معجماً خاصاً نظير كتب «القلب و الإبدال» و «الهمز» و «المقصور و الممدود» و غيرها من المواد اللغوية.

و هذه الكتب هي معجمات خاصة- أقول: «خاصة» لأنها ترمي إلى غرض معين؛ و هو جمع طائفة كبيرة من الألفاظ ذات صفات خاصة، و ليس من غرض مصنفيها استيفاء معاني الألفاظ.

إن نظرة مع موازنة بين هذه الكتب و المعجمات المطولة تثبت ما ذهبت إليه، و من غير شك أن ليس شيء من ذلك يقربها من كتاب «الصحاح» و هو المعجم اللغوي الشامل.

و لا يهمني و لا يهم العلم أن يكون هذا سابقاً لذاك، و لكني وددت أن أشير إلى أن الكتابين مختلفان، لكل منهما منهج و طريقة و هدف؛ فليس هذا من ذاك في شيء.

و لا بد من عودة إلى كتاب (التقفية) لأسجل- هنا- أن الكتاب أصابه من التصحيف و الخطأ ما ذهب بنضارته، و ما حمل الضيم على جهد المحقق السخي.

و من المؤلم- حقاً- أن يساء إخراج كتاب جليل ينشر أول مرة على هذا النحو؛ ذلك أن إعادة نشره عسيرة لا سبيل إليها؛ بل قل أشبه بالمستحيلة.

و لقد تهيأ لي فيه من المآخذ قدر كبير يطمع في تأليف كتيب صغير، مع إقراري أن عمل المحقق جيد، و أن جهده كبير، و أني لم آخذ عليه إلا مسائل يسيرة.

إبراهيم السامرائي

33

الأثَر الخَالِد مُعجَمُ الصِّحَاح تهذيبُهُ و مقَدِّمته

بقلم الدكتور بكري شيخ أمين أعوذ باللّه أن أكون مبالغاً إذا قلت: إن التصدّي لإنشاء معجم لغوي، أو العكوف على تحقيقه عمل كبير، و جهد عظيم، و سهر طويل، و بذل لنور العينين سخيّ .. بل هو إلى الخطر أقرب، إذا كان القائم به ذا هوى متبع، أو ذا عداوة لمذهب، أو رأي، أو دين ...

إن أقل ما يجب أن يتضلع به هذا المُقْدِم على مثل هذا العمل الكبير هو المعرفة العريضة، الشاملة، و المحيطة، و الصحيحة لكتاب اللّه: تاريخاً، و علوماً، و تفسيراً، و قراءات، و سواها، و الاطلاع الكامل على حديث سيد البشر (صلّى اللّه عليه و سلم) و ما يدور حوله من علوم و فنون و آداب؛ و على أيام العرب و لغاتها و تاريخها و آدابها و أعلامها و أشعارها و أقوالها؛ و على المكتبة العربية و الإسلامية و ما تضم و تحتوي؛ و على الأعمال المعجمية و ما فيها من حسنات و سيئات؛ و على قدْر طيب من اللغات الأخرى؛ و فوق هذا أن يكون ذا عقل راجح، و حكم عادل، و حياد علمي مبين.

لخيرٌ لنا أن نوجز الشروط فنقول: على من يقدم على مثل هذا العمل أن يكون دائرة معارف حية، تتنفس، و تأكل و تشرب، و تمشي بين الناس.

و لعمري إن هذا مطلب عسير، و شرط يكاد يقتل صاحبه، لا يبلغه إلا من آتاه اللّه قوة، و متّعه بالصبر و الإيمان العميق.

و إذا كان لنا- نحن العرب- أن نباهي بمن توافرت فيهم تلك

34

الشمائل، و خرجوا علينا بالأعمال الباهرة التي يفاخر بها الزمان خلال تاريخنا؛ فإن لنا أن نفخر- كذلك- بالخَلَف الذي أخذ على نفسه تسلّم هذا اللواء، و سار فيه قُدُماً متابعاً طريق الخلود.

قلةٌ حَمَلَةُ هذا اللواء، و طبيعي أن يكونوا قلة، فأفذاذ الرجال قليلون على طول المدى ككرام الناس.

من هذه الفئة القليلة العلامة الأستاذ الشيخ أحمد عبد الغفور عطار، ابن البلد الأمين، و مؤلف الكتب التي قاربت الثمانين.

عمل هذا الرجل حيناً من الدهر في الصحافة، فأصدر جريدة «عكاظ»، ثم «دعوة الحق»؛ و آثر بعد ذلك أن يعكف على التأليف، و التحقيق، و التعريب، و ترك الصحافة و الوظيفة و العمل التجاري ..

آخر كتبه التي أصدرها «حَجَّة النبي» (صلّى اللّه عليه و سلم)، و قد كتبت المجلة العربية عنه في عددها الرابع، من السنة الثانية.

إن الذي يعنينا في هذه الدراسة الحديث عن الجانب اللغوي الذي خاض فيه الأستاذ العطار، و نضرب الذكر صفحاً عن تحقيقه كتاب «ليس في كلام العرب» (1) لابن خالَوَيْه، و نركّز البحث في التحقيق اللغوي المعجمّي وحده، أملًا في أن نعود إلى الجوانب الأخرى عنده في يوم من الأيام، إن شاء اللّه و قدَّر.

*** للأستاذ العطار ثلاثة أعمال جليلة في مجال اللغة. اثنان في التحقيق، و الثالث في التأليف.

حقق أولًا «تهذيب الصحاح» للزَّنْجاني، ثم أتبعه بتحقيق «الصحاح» نفسه للجوهري. و ألحق بهذين العملين عملًا ثالثاً أسماه «مقدمة الصحاح»

____________

(1) صدر كتاب «ليس في كلام العرب» منذ شهرين محققاً تحقيقاً علمياً رائعاً بقلم محقق «الصحاح» نفسه، مذيلًا بفهارس. دار العلم للملايين.

35

و هو شبيه ب«مقدمة ابن خلدون» المسهبة الرائعة.

و الزنجاني من علماء القرن السابع الهجري/ الثالث عشر للميلاد (ت 656 ه/ 1258 م)، اسمه عبد الوهاب بن ابراهيم بن عبد الوهاب الخررجي الزَّنْجاني، و هو من علماء العربية لغة و نحواً و نظماً. شهد له بالفضل السيوطي في بغية الوعاة، و تبعه في هذه الشهادة كثير.

لو ألقينا نظرة إلى طريقة تحقيق «تهذيب الصحاح» استطعنا أن نعرف الخطة الرئيسة التي يسير عليها هذا العالم في كتبه التي حققها جميعاً. و لا بدّ أن نشير قبل الخوض في شرح هذه الخطة إلى أن تحقيق «تهذيب الصحاح» تمّ بالمشاركة مع محقق كبير آخر هو الأستاذ عبد السلام هارون.

*** استهلّ العطار كتابه بمقدمة عامة عن ثروة اللغة العربية اللفظية، ثم تطرق إلى تاريخ التأليف في هذه اللغة، و ظهور المعاجم حتّى و صل إلى «تهذيب الصحاح»، و لقد أعاد هذا الكلام ذاته تقريباً في «مقدمة الصحاح» لكنه لم يقف عند «تهذيب الصحاح» و إنما تابع الحديث عن التأليف المعجمي الذي دار حول الصحاح و القاموس المحيط.

حكى لنا العطار في مقدمة «التهذيب» كيف أن نسخة مخطوطة نادرة المثال وقعت في يد المرحوم محمد سرور الصبان- الأمين العام لرابطة العالم الإسلامي- سابقاً- كتبت بخط يشبه خط أبناء القرن التاسع الهجري (الخامس عشر للميلاد) و لم يكن عليها اسم الكتاب، و لا اسم مؤلفه؛ فقدّمها إلى العطار ليعمل فيها تحقيقاً، و يعرف ما تكون، فأخذها، و انفتل إلى المراجع باحثاً عن اسم الكتاب و مؤلفه. و أول خيط دلّه على اسم المؤلف ما ورد في مقدمة المخطوط جاءت بالحرف الواحد في كتاب «البُلْغَة في أصول اللغة» لمحمد صديق حسن خان بَهَادُرْ، ملك مملكة بَهُوبَال، و في الفصل الذي عقده عن «صحاح الجوهري» و عزاها إلى الزَّنجاني في كتابه الذي اختصر فيه كتابه الآخر «ترويح الأرواح في تهذيب الصحاح». و عزّز ما جاء في «كشف الظنون» لحاجي خليفة القول ذاته.

36

أما تسمية هذا الكتاب، فقد اقتبسه المحققان «العطار و هارون» من الكتاب الأصيل ذاته «ترويح الأرواح في تهذيب الصحاح» فأسمياه:

«تهذيب الصحاح»؛ إلا أن المستشرق الألماني كارل بروكلمان ذكر اسم هذا المختصر «تنقيح الصحاح» و ذلك في كتابه «تاريخ الأدب العربي» المشهور ب«...». و لعل بروكلمان مصيب.

المنهج المتبع في تحقيق هذا «التهذيب» يمكن أن أن نجمله بالنقاط التالية: لقد حافظ فيه المحققان على نصّ المؤلف، دون أن يزيدا عليه، أو يحذفا منه شيئا، كما حافظا على ترتيبه، و طريقته، و أسلوبه. و كانا يعارضان ما فيه ب«الصحاح» المطبوع، و النسخة المخطوطة بمكتبة شيخ الإسلام عارف حكمت بالمدينة المنورة، و مخطوطة دار الكتب المصرية.

و اهتما بتقييد الضبط المهمَل بالنصّ عليه، و ببيان اللغات التي وردت في الضبط. و استطاعا أن ينجياه من التفسير الدائري الذي تقع فيه كثير من المعاجم العربية، مثل «القُلَّام» بالتشديد تفسّر ب«القاقلي»، و المعاجم تفسّر «القاقلي» ب«القُلَّام» فيخرج القارىء منهما دون أن يعرف القلّام أو القاقلي.

كان الزَّنجاني يأتي إلى تفسير لفظ فيقول: «إنه معروف»، و هو في عصرنا هذا غير معروف، فيفسّره و يشرحه.

كذلك انصب الاهتمام على جموع المفردات، و مصادر الأفعال التي أهملها المؤلف، و بيان المذكر و المؤنث، و ما يستوي فيه التأنيث و التذكير، و عَقْد مقابلات و تنظيرات لما ورد في العامية الحجازية و النجدية و المصرية متفقاً و ما ورد في الفصيح. و كأنهما يريدان من ذلك أمرين:

أولهما: أن يسجلّا تسجيلا لغويا هذه اللغة التي ربما شردت أو ندّت في عبارة بعض الكتّاب المعاصرين لمعرفة مدلولها حين يتقادم بها العهد.

و ثانيهما: غرض علاجيّ، و هو التنبيه إلى وجوه العدول عن الصورة اللغوية المغلوطة إلى الصورة الفصيحة الصحيحة، و قديماً صنع أسلافنا اللغويون في كتبهم و معاجمهم ذلك بغية الإصلاح و الإرشاد.

37

و من منهج التحقيق في التهذيب تأصيل الألفاظ المعرّبة و الدخيلة على العربية، و بيان أصلها الذي انحدرت منه إلى مستوى التعريب أو الإقحام، و كان الاعتماد في هذه النقطة على نصوص الأقدمين و المعاجم الأجنبية الحديثة، و على كل وسيلة تؤدي إلى المعنى. من ذلك قول «التهذيب»:

«الفِلْذ: كبد البعير، و الجمع أفلاذ». و جاء في التعليق على «أفلاذ» قولهما:

«و أفلاذ كبد الأرض: كنوزها، و أفلاذ كبد البلد: رجاله. و الفولاذ: الحديد الذكر النقيّ من الخَبَث، و هو معرَّب بولاد أو فولاذ، كما في المعجم الفارسي ص 260 و 942».

و لم يكن يمرَّ عَلَم إلا و أتيا على ترجمته بإيجاز، دون أن يغفلا مصادر هذه الترجمة، كما كانا يعنيان بتحقيق أسماء القبائل، و بيان الفِرق، و الطوائف الدينية، و الأجناس البشرية، و تحقيق مواضع البلدان التي وردت في المعجم، و تعيين مواقعها، و الكلام على أيام العرب التي ورد ذكرها فيه، و مراجع الشرح و التعليق.

و تجلت ثقافة الرجلين الدينية ببيان القراءات للآيات التي وردت في «التهذيب» و تحقيقها، مع الرجوع إلى كتب التفسير و القراءات الصحيحة و الشاذة. و كان إذا ورد بيت شعر عمدا إلى تحقيقه، و نسبته إذا لم يكن منسوبا إلى قائل، و تصحيح ما نُسب إلى غير صاحبه خطأ أو وهماً، و إيراد أصح الروايات لهذه الشواهد.

و تمرّ- أحياناً- كلمات في غير أبوابها، مثل «حانوت» إذ جاءت في «حَيَنَ» و حققها أن تذكر في «حَنَتَ» و قد نبّها إلى ذلك.

الأمر الجدير بالذكر- كذلك- أن المحققيْن وقفا موقف الحَكَم العادل بين الجوهري- صاحب الصحاح- و اللغويين، فبيّنا أوهامه، كما بيّنا أوهام غيره، و ميّزا صواب القول من خطئه، معتمدَيْن على الروايات الصحيحة و المعاجم، و على رأيهما.

و انتبها إلى ما زاده الزَّنجاني على «الصحاح» الأصيل، و تتبّعا مواضع الزيادة بدقة، و أثبتاها في الحواشي.

38

و أخيراً، نظّما في آخر الكتاب فهرساً كاملًا للّغة، و الأعلام، و القبائل.

و قد قصدا بفهرس اللغة تيسير البحث على طلبة العلم في هذا المعجم، لعله يعثر في سهولة و يُسْر على ضالته، و اتّبعا الترتيب الحديث للمعاجم «الألفبائي».

كان من الطبيعي أنهما يستطيعان أن يتخذا هذا الأسلوب في «تهذيب الصحاح» نفسه، فيرتباه الترتيب الحديث- كما فعل نديم المرعشلي و يوسف الخياط في لسان العرب- و لكن الأمانة العلمية و الحرص على تقديم الكتاب بالصورة التي ورد بها منعاهما من هذا السلوك- في اجتهادنا-.

يمكن أن نقول مطمئنين: إن «تهذيب الصحاح» ليس كتاباً واحداً، بل ثلاثة كتب: أحدهما قديمٌ نصاً، و الثاني حديث يتمثل في الحواشي التي تعادل الأصل بل تزيد عليه، و الثالث معجم حديث يتمثل في الفهرس اللغوي الملحق الذي جمع فيه مواد التهذيب و الحواشي فيه مع الإشارة إلى رقم الصفحة التي ورد فيها كل لفظ.

و بعد، فالمنهج العلمي ميّز هذا المعجم. و لمحققيْه العالمين: العطار و هارون أجزل الشكر، و مثله لناشره الذي أغدق عليه بسخاء، هو المرحوم محمد سرور الصَّبَّان، (رحمه اللّه) و أسكنه فسيح جنانه.

التحقيق الكبير الثاني كان لمعجم «الصحاح» للجوهري.

و لقد شهد ياقوت الحموي في كتابه «إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب» و المشهور ب«معجم الأدباء» شهادة رائعة إذ قال: «كان الجوهري من أعاجيب الزمان ذكاء و فطنة؛ و أصله من بلاد الترك، من فاراب، و هو إمام في علم اللغة و الأدب» ...

تلقى الجوهريّ علم العرب من شيخين عظيمين هما: أبو علي الفارسيّ (ت 356 ه/ 966 م) و أبو سعيد السيرافيّ (ت 368 ه/ 978 م) و استكمل تحصيله من علماء الحجاز، و العرب العاربة في ديارهم، و طوّف ببلاد ربيعة

39

و مضر، ثم عاد إلى خراسان، و استقر فيها حقبة، ثم ارتحل عنها إلى نيسابور فأقام فيها مدرساً و مؤلفاً و معلماً للخط.

في نيسابور ألّف إسماعيل بن حماد الجوهري «الصحاح» و صنّفه لأبي منصور عبد الرحيم البَيْشَكي، و كان هذا أديباً واعظاً أصولياً مقدَّراً بين الناس.

و يبدو أن ثمن العبقرية غال على طول الزمن، فلقد دفع الجوهري ثمنها باهظاً، تحدثنا كتب التراجم أنه «اعترت الجوهريَّ وسوسةٌ، فمضى إلى الجامع القديم بنيسابور و صعد إلى سطحه محاولًا الطيران، و أنه قال بعد أن صعد إلى السطح: أيها الناس! إني عملت في الدنيا شيئاً لم أسبَقْ إليه، فسأعمل للآخرة أمراً لم أسبَقْ إليه. و ضمّ إلى جنبيه مصراعيْ باب و تأبّطهما بحبل، و زعم أنه يطير، فألقى بنفسه من أعلى مكان في الجامع، فمات.

و يرجّح الباحثون أن وفاته سنة 393 ه/ 1002 م.

*** من حسن حظ اللغة العربية أن عوامل الدمار التي مرت على هذه الأمة فقضت على كثير من تراثها و روائعها، لم تصل إلى «صحاح» الجوهري، و ظل بنجوة منها.

و صل هذا الأثر إلينا- كما يقول العطار- من ثلاث طرق:

أولًا: طريق البيشكي الذي ألّف الجوهري الصحاح له.

ثانياً: طريق ابن عبدوس الذي سمع عليه الهرويّ.

ثالثاً: الورّاق الذي بيّض من الصحاح ما كان على سواده بعد موت مؤلفه.

و هناك طريق أخرى هي طريق «محمد بن تميم البرمكي» الذي نقل «الصحاح» و استبدل بترتيب مؤلفه ترتيباً آخر جديداً، سنتحدث فيه حين نفصل القول في «المقدمة».

إضافة إلى هذا فإن عدداً من النساخين نَسَخ الصحاح، و كانت هذه

40

النسخ في مكتبات كثير من العلماء.

أما النسخة التي اعتمدها الأستاذ العطار و وثق بها فهي مخطوطة شيخ الإسلام عارف حكمت في المدينة المنورة، و يعود تاريخها إلى سنة 686 ه/ 1287 م، و كانت أساسا، و إلى جانبها مخطوطة القاضي البصري، و يعود تاريخها إلى منتصف القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر للميلاد، و قد وجدها في خزانة الأستاذ محمد خليل عناني من أهل مكة المكرمة. و لم تكن نسخة دار الكتب المصرية بعيدة عنه أيام كان يقوم بالتحقيق.

و العطار يعرف أن في مكتبات العالم نسخاً كثيرة مخطوطة من «الصحاح» و في بعض هذه المكتبات أكثر من نسخة واحدة.

كان الأستاذ العطار واعياً مهمته حين شرع يعمل في «الصحاح»، مدركاً أنه مسلّح بالأسلحة اللازمة لمثل هذا التحقيق الكبير، مطلعاً على ما جاء في المعاجم السابقة و اللاحقة، متملكاً العقل الواعي، و الذوق السليم، و القدرة على الحكم العادل.

لقد أدرك أن في الصحاح مزايا، و أن فيه هنات.

ذكر أن مزاياه تتجلى في التماس الجوهري الصحيح الذي لا خلاف فيه، و سهولة تناول ما جاء فيه، و اختصاره في الشرح و التفصيل، و تركه الفضول الذي لا غَناء فيه، و جمال أسلوبه في الشرح، و ذكره شواهده من الشعر الرفيع و كلام العرب غير المصنوع، و تجاوزه ذكر أسماء من ينقل عنهم- غالباً- رغبة في الإيجاز، و عنايته بمسائل النحو و الصرف، و إشارته إلى الضعيف و المنكر و المتروك و الرديء المذموم من اللغات، و إلى العاميّ و المولّد و المعرَّب، و الإتباع و الازدواج و المشترك و المفاريد و النوادر، و الألفاظ التي لم تأت في الشعر الجاهلي و ذكرها في الإسلام، و إلى الأضداد ...

كذلك عُني الصحاح بالاشتقاق الكبير- أو المقاييس كما يسميه ابن فارس- و هو دوران المادة حول معنى أو معان تشترك فيها المفردات المتولدة من مادة واحدة، و هو في الصحاح جدّ كثير.

41

أما هنات الصحاح فمتعددة، منها: اقتصاره على الصحيح، و طرحه ما لم يصحَّ عنده؛ و إذا كانت هذه الملاحظة محسوبة من المزايا لدى فريق من الناس، فإنها في نظر الأستاذ العطار إحدى هنواته، لأنه طرح ألفاظاً ظنها غير صحيحة و هي في الحقيقة صحيحة؛ و لو لم يلتزم الجوهري هذا المقياس لقدّم لنا ثروة لغوية كبيرة، دليل ذلك أن الصَّغَاني في «التكملة و الذيل و الصلة» حشد أكثر من ستين ألف مادة لغوية، أكثرها من صحيح اللغة، في حين أن الجوهري لم يأت إلا بأربعين ألف مادة.

و من هناته: التصحيف و التحريف لبعض الشعر أو المواد اللغوية أو الأعلام، أو نسبته قول إمام إلى إمام آخر، و نقله أقوال العلماء بغير دقة، و أحياناً ينسب الحديث الشريف إلى غير صاحبه (عليه السلام)، أو جعله بعض أقوال الناس حديثاً نبوياً، و هو كثيراً ما يخطىء في رواية الشعر و يغيّر أشطره، و يخلط في نسبة الشعر إلى أصحابه، أو يغفل نسبته .. أو في ترتيب المواد من ذلك أنه وضع كلمة «الثيّب» في «ثوب» و حقها أن تكون في «ثيب».

و مع أن الجوهري كان أنحى اللغويين، و خطيب المنبر الصرفيّ، فقد وقع في كتابه بعض الخطأ في الإعلال الصرفيّ و قواعد النحو. و الأمثلة على ذلك كثيرة.

*** هذا الوعي الكامل للصحاح مدعاة للثقة بعمل محققه، و لعمري إن من يعمل في تحقيق كتاب واحد، و هو مسلّح بالعلم و العقل و الذوق، و يقضي زهرة شبابه مخلصاً فيما يعمل لجدير بالانحناء و التقدير و التكريم.

الرائع في الصحاح أن محققه دقق في كل صغيرة و كبيرة وردت فأعمل فيها النظر و البحث، و لم يسمح لها بالمرور إلا بعد أن استوثق منها، أو وثّقها.

قرن كثيراً من المفردات بما جاء فيها في المعاجم الأخرى، و بيّن الصحيح و غيره، و كذلك ردّ الشعر إلى أصحابه، و أعاد ترتيب أشطره كما ورد في

42

مصادره الأصيلة، و صحح وزنه إذا رُوي فيه مكسوراً أو محرفاً أو مُصَحّفاً، و كذلك وثّق الأحاديث النبوية و بيّن أماكن ورودها في كتب الحديث، و مثلها فعل في الآيات القرآنية الكريمة، و الأمثال العربية، و الأسماء، و الأعلام، و المواطن، و القبائل، و اللغات المختلفة.

نستطيع أن نقول: إن شخصية العطار تجاه الجوهري نامية و قوية، فلا هو يقبل كل ما يأتي به، و لا هو يرفضه، و إنما يناقش كل شيء، فيصحح ما يصح عنده، و يخطّىء ما يراه ناشزاً أو غير صحيح.

لهذا كله نال هذا التحقيق ثقة العلماء، و تقديرهم، و ظفرت العربية بكنز ثمين لا يعدله ذهب أو جوهر ..

*** أما العمل الثالث فهو تأليف «مقدمة الصحاح».

لقد شَبّهتُ هذه المقدمة ب«مقدمة ابن خلدون» لتاريخه الذي سماه «كتاب العِبَر، و ديوان المبتدأ و الخبر، في أخبار العرب و العجم و البربر، و من عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر»، و يختصره الناس فيقولون: تاريخ ابن خلدون.

و كثير من العلماء من فضل مقدمة ابن خلدون على تاريخه ذاته، و عدّها فتحاً جديداً في علم الاجتماع، و العمران، و أحوال الممالك، و أدار حولها كثيراً من الدراسات الجادة.

أما نحن فلا نستطيع أن نقول: إن مقدمة الصحاح خير من الصحاح نفسه، كما قال فريق عن ابن خلدون، و لكنا نقول: إنهما بمثابة العينين من الإنسان، فلا اليمنى تفضل اليسرى، و لا اليسرى تفضل اليمنى، كلتاهما غالية.

هذه المقدمة دفعت أديب العربية الكبير المرحوم «عباس محمود العقاد» أن يكتب فيها تقريظاً، دونه أرفع و سام في العالم، و مثله كتب المرحوم و رئيس هيئة الأمر بالمعروف الشيخ عمر بن حسن آل الشيخ، و الأمير فهد ابن عبد العزيز يوم كان وزيراً للمعارف.

43

تتضمن المقدمة التي استغرقت مائتين و اثنتي عشرة صفحة عدداً من الموضوعات، لعل أبرزها دراسة العطار للمدارس المعجمية و هي التي نريد تفصيل الحديث عنها، لأنها أثارت جدلًا كبيراً، و كانت موطن خلاف بين العلماء.

ابتدأ العطار بحثه بقوله: «إن مؤلفي المعجمات الأوَل هم روّاد التأليف المعجمي في العربية، و معاجمهم الطلائع الأولى، و هي التي وضعت كل قواعد المعجم العربي، و معاجم هؤلاء الروّاد لم تُبقِ لمن بعدهم جديداً في ترتيب الموادّ، إلَا في حالات لا تعدّ جدّتها ابتكاراً؛ و إن كان فيها تيسير على الشدّاة، مثل معجم الشيخ محمد البخاري (ت 1332 ه/ 1913 م) الذي جمع «اللسان» و «القاموس» و رتب موادّهما ترتيباً اتبع فيه طريقة البرمكيّ، و خالفه أنه لم يراع الاشتقاق و التجريد، كما فعل فلوجل الألماني قبله.

«... و يلتقي هؤلاء الروّاد في كثير من النقاط، و يتفق بعضهم في المنهج، و لكن لكل منهم سماته و خصائصه ..

«و هذه المدارس أربع في رأينا، إلا أن في وسعنا أن نجعل مردّ أصولها إلى نبعين مختلفَيْن ... و هما: مدرسة المعاني، و مدرسة الألفاظ.

أما مدرسة المعاني، فهي التي اتخذت معاجم رتّبتها حسب المعاني و الموضوعات، كالغريب المصنف لأبي عبيد، و المخصص لابن سيده، و يدخل في فصول هذه المدارس كل الرسائل و الكتب اللغوية التي اتخذت المعانيَ و سيلتها في ذكر الكلمات.

أما مدرسة الألفاظ، فهي التي بنت قواعدها على علم الأصوات اللغوية، و رتبت المعجم حسب الحروف التي تبتدىء بها أوائل الكلمات على اختلاف في ترتيب الحروف ..

.. و هذه المدارس الأربع هي:

1- مدرسة الخليل

2- مدرسة أبي عبيد

3- مدرسة الجوهري

44

4- مدرسة البرمكي

1- مدرسة الخليل

و صاحبها الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت 170 ه/ 786 م) و معجمه يدعى: «كتاب العَيْن» و قد رتب المواد على الحروف حسب مخارجها، و لما كانت العين أبعد الحروف مخرجاً من الحلق فقد سمّى الكتاب كله باسمها من قبيل تسمية الكل باسم الجزء.

و يدافع العطار عن الخليل الذي ابتكر هذه الطريقة، فيرد عنه زعم من زعم أنه اقتبسها من اليونانية عن طريق حنين بن إسحاق، أو زعم من ادعى أنه اقتبسها من الهنود، أو زعم من قال إن الخليل لم يكتب إلا جزءاً من كتابه و أكمله عنه الليث بن المظفر، و اتهامات أخرى، و يثبت أن الكتاب للخليل، و أنه مبتكر هذه الطريقة.

2- مدرسة أبي عبيد

و صاحبها أبو عبيد القاسم بن سلّام (ت 224 ه/ 838 م) و قاعدته في بناء المعجم تقوم على المعاني و الموضوعات، و ذلك بعقد أبواب و فصول للمُسمّيات التي تتشابه في المعنى أو تتقارب، فلقد كتب كتباً صغيرة، كل كتاب في موضوع مثل: كتاب الخيل، و كتاب اللبن، و كتاب العسل، و كتاب الذباب، و كتاب الحشرات، و كتاب النخيل، و كتاب خلق الإنسان، ثم جمعها في كتاب واحد سماه «الغريب المصنّف» و اتبعه ابن سيده في «المخصص».

3- مدرسة الجوهري

و صاحبها اسماعيل بن حماد الجوهري (393 ه/ 1002 م) و معجمه «الصحاح» بناه على حروف الهجاء، و الاعتماد على آخر الكلمة- بدلًا من أولها- ثم النظر إلى ترتيب حروف الهجاء عند ترتيب الفصول، و قد سمى الحرف الأخير «باباً» و الحرف الأول «فصلًا» فكلمة «بسط» يُبحث عنها في باب الطاء، لأنها آخر حرف فيها، و تقع في فصل الباء، لأنها مبدوءة بها.

و لم يقف الجوهري عند الحرف الأخير، بل نظر إلى الحرف الأول، ثم

45

تجاوز ذلك إلى الحرف الثاني في الثلاثي، و الحرف الثالث في الرباعي، و الحرف الرابع في الخماسي، حتى يكون الترتيب دقيقاً.

وصف العطار الجوهري بأنه إمام هذه المدرسة، و دفع عنه تهمة الذين قالوا: إن الفارابي سبق الجوهري إلى هذه الطريقة، و هو متقدم في الزمن على الجوهري .. فقال العطار: «و لم تنسب هذه المدرسة إلى الفارابي مع تقدمه و مع أن الجوهري يلتقي معه في بعض النقاط، لأن الفارابي ألمع إلماعاً إلى بعض منهج الجوهري، و لكن الجوهري جاء بما وفّى على الغاية، و وصل فيه إلى النهاية، و أحكم النظام، و ضبط المنهج، فانتسبت المدرسة إليه، و هو بهذه النسبة جدير، لأنه إمامها الفاذ، و علمها الذي لا تخطئه العين مهما ابتعدت عنه».

و منذ مدة ليست ببعيدة نشر الأستاذ العلامة حمد الجاسر في مجلته «العرب» في السنة الأولى صفحة 577 و ص 1156 بحثاً ضافياً أنكر فيه على الجوهري أن يكون مبتكر التقفية في المعجم العربي، و أثبت أن «أبا بشر اليمان بن أبي اليمان البَنْدَنيجي» هو صاحب الطريقة، و هو سابق للجوهري بمائة سنة حيث توفي سنة 284 ه/ 897 م و توفي الجوهري سنة 393 ه/ 1002 م.

و لم نطلع على ردّ الأستاذ العطار على هذه النقطة، و لعله كتب و لم نصل إلى ما كتب، أو لعله آثر عدم الردّ معتقداً أن المنهج المتكامل للجوهري يخوله حق إمامة هذه المدرسة و ادعائها.

4- مدرسة البرمكي

و صاحبها أبو المعالي محمد بن تميم البرمكي، معاصر للجوهري، لم يؤلف معجماً، و لكنه أخذ صحاح الجوهري، و رتبه على حروف الألفباء، و زاد فيه أشياء قليلة. ثم جاء الزمخشري (ت 538 ه/ 1143 م) و صنف كتابه «أساس البلاغة» وفق ترتيب البرمكي، معترفاً بهذا في مقدمته التي جاء فيها: «و قد رُتب الكتاب على أشهر ترتيب متداولًا».

و يؤكد العطار أن البرمكي إمام هذه المدرسة، و يستشهد على صحة ما

46

يقول بالجزء المخطوط الموجود في المكتبة الخاصة بإبراهيم الخربوطلي أمين مكتبة شيخ الإسلام عارف حكمت بالمدينة المنورة، و بالأوراق الست المخطوطة من هذا المعجم البرمكي الموجودة بمكتبة كوبريللي بتركيا.

بمدرسة البرمكي خالف العطار جميع الذين كتبوا في تأريخ المعاجم، إذ اتفقوا أن الزمخشري مبتكر الطريقة و رائد هذه المدرسة، و كأنهم توهموا أن معنى قوله في مقدمة أساس البلاغة «... يهجم الطالب على طلبته موضوعة على طرف الثمام و حبل الذراع» تعني أنه مبتكر هذه الطريقة، و لذلك فقد درجوا على عدّ الزمخشري سيد هذه المدرسة الرابعة.

و يخيّل إلينا أن مؤرخي المعاجم سوف يستدركون تصنيفهم، و يعدّلون ما كتبوا بعد أن بيّن العطار لهم وجه الحق، بالبرهان القاطع.

و بعد، فهذه صورة من الدراسات العلمية الجادة ينهض بها أبناء هذه المملكة السعيدة، لا تقل أو تقصر عن دراسات إخوانهم في البلاد العربية الشقيقة رصانة و موضوعية و عمقاً.