العدة في أصول الفقه

- الشيخ الطوسي المزيد...
14 /
721

الباب الحادي عشر الكلام في الاجتهاد

722

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

723

فصل- 1 «الكلام في الاجتهاد»

اعلم أنّ كلّ أمر (1) لا يجوز تغيّره عمّا هو عليه من وجوب إلى حظر، و (2) من حسن إلى قبح، فلا خلاف بين أهل العلم المحصّلين أنّ الاجتهاد في ذلك لا يختلف، و أنّ الحقّ في واحد، و أنّ من خالفه ضالّ فاسق، و ربّما كان كافرا، و ذلك نحو القول بأنّ العالم قديم أو محدث؟ و إذا كان محدثا هل له صانع أم لا؟ و الكلام في صفات الصّانع، و توحيده، و عدله، و الكلام في النبوّة و الإمامة و غير ذلك، و كذلك الكلام في أنّ الظّلم، و العبث، و الكذب قبيح على كلّ حال، و أنّ شكر المنعم، و ردّ الوديعة، و الإنصاف حسن على كلّ حال، و ما يجري مجرى ذلك.

و إنّما قالوا ذلك: لأنّ هذه الأشياء لا يصحّ تغييرها في نفسها، و لا خروجها عن صفتها الّتي هي عليها، أ لا ترى أنّ العالم إذا ثبت أنّه محدث، فاعتقاد من اعتقد أنّه قديم لا يكون إلاّ جهلا، و الجهل لا يكون إلاّ قبيحا.

و كذلك إذا ثبت أنّ له صانعا، فاعتقاد من اعتقد أنّه ليس له صانع لا يكون إلاّ جهلا.

____________

(1) في الأصل: من.

(2) أو.

724

و كذلك القول في صفاته، و توحيده، و عدله.

و كذلك إذا ثبت أنّ النّبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) صادق، فاعتقاد من اعتقد كذبه لا يكون إلاّ جهلا. و كذلك المسائل الباقية.

و حكي عن قوم شذّاذ لا يعتد بأقوالهم أنّهم قالوا: إنّ كلّ مجتهد فيها مصيب [1].

و قولهم باطل بما قلناه.

و أمّا ما يصحّ تغييره في نفسه، و خروجه من الحسن إلى القبح، و من الحظر إلى الإباحة، فلا خلاف بين أهل العلم أنّه كان يجوز أن تختلف المصلحة في ذلك فيما تكون حسنا من زيد يكون قبيحا من عمرو، و ما يقبح من زيد في حال بعينها يحسن منه في حالة أخرى، و يختلف ذلك بحسب اختلاف أحوالهم و بحسب اجتهادهم.

و إنّما قالوا ذلك: لأنّ هذه الأشياء تابعة للمصالح و الألطاف، و ما حكمه هذا فلا يمتنع أن يتغيّر الحال فيه، و لهذه العلّة جاز النّسخ، و نقل المكلّفين عمّا كانوا عليه إلى خلافه بحسب ما تقتضيه مصالحهم.

إلاّ أنّ مع تجويز ذلك في العقل هل ثبت ذلك في الشّرع أم لا؟

فقد اختلف العلماء في ذلك (1):

فذهب أكثر المتكلّمين و الفقهاء إلى أنّ كلّ مجتهد مصيب في اجتهاده و في

____________

[1] حكي هذا القول الشّاذ عن الجاحظ و عن عبد اللّٰه بن الحسن العنبري المعتزلي، و قيل أنّ العنبري كان يعمّم قوله في العقليّات حتّى يشمل جميع أصول الديانات، و أنّ اليهود و النّصارى و المجوس على صواب!!.

انظر: «التبصرة: 496، المستصفى 2: 359، المنخول: 451، الأحكام للآمدي 4: 409، اللّمع: 122، ميزان الأصول 2: 1053، شرح اللّمع 2: 1042».

____________

(1) انظر اختلاف أقوالهم و آرائهم في: «الذّريعة 3: 792، المعتمد 2: 370، التبصرة: 496، المستصفى 2:

359، المنخول: 451، الأحكام للآمدي 4: 409، الأحكام لابن حزم 8: 587، اللّمع: 122، شرح اللّمع 2:

105- 1043، ميزان الأصول 2: 1053- 1050، إرشاد الفحول: 383، شرح المنهاج 2: 837، روضة النّاظر: 324، الرسالة للشّافعي: 503- 494، تقريب الوصول: 157- 156».

725

الحكم، و هو مذهب أبي عليّ و أبي هاشم (1)، و أبي الحسن (2)، و أكثر المتكلّمين، و إليه ذهب أبو حنيفة و أصحابه فيما حكاه أبو الحسن (3) عنهم، و قد حكى غيره من العلماء عن أبي حنيفة خلافه (4).

و ذهب الأصمّ، و بشر المريسي إلى أنّ الحقّ في واحد من ذلك و هو ما يقولون به، و إنّ ما عداه خطأ، حتّى قال الأصمّ: إنّ حكم الحاكم ينقض به، و يقولون: إنّ المخطئ غير معذور في ذلك، إلاّ أن يكون خطؤه صغيرا، و أنّ سبيل ذلك سبيل الخطأ في أصول الدّيانات (5).

و ذهب أهل الظّاهر فيما عدا القياس من الاستدلال و غيره إلى أنّ الحقّ من ذلك في واحد (6).

و أمّا الشّافعي فانّ كلامه مختلف في كتبه:

فربّما قال: إنّ الحقّ في واحد، و عليه دليل قائم، و إنّ ما عداه خطأ.

و ربّما مرّ في كلامه أنّه مجتهد قد أدّى ما كلّف.

و ربّما يقول: إنّه قد أخطأ خطأ موضوعا عنه (7).

و قد اختلف أصحابه في حكاية مذهبه (8):

فمنهم من يقول: إنّ الحقّ في واحد من ذلك، و أنّ عليه دليلا و إن لم يقطع على الوصول إليه، و إنّ ما عداه خطأ، لكنّ الدّليل على الصّواب من القولين لمّا غمض و لم يظهر، كان المخطئ معذورا.

و منهم من يحكي: أنّ كلّ مجتهد مصيب في اجتهاده و في الحكم، و إن كان أحدهما يقال فيه قد أخطأ، الأشبه عند اللّٰه (9).

و الّذي أذهب إليه و هو مذهب جميع شيوخنا المتكلّمين، المتقدّمين

____________

(1) الجبّائيّان.

(2) هو أبو الحسن الكرخي.

(3) هو أبو الحسن الكرخي.

(4) راجع المصادر الواردة في هامش رقم (2) صفحة 724.

(5) راجع المصادر الواردة في هامش رقم (2) صفحة 724.

(6) راجع المصادر الواردة في هامش رقم (2) صفحة 724.

(7) راجع المصادر الواردة في هامش رقم (2) صفحة 724.

(8) راجع المصادر الواردة في هامش رقم (2) صفحة 724.

(9) راجع المصادر الواردة في هامش رقم (2) صفحة 724.

726

و المتأخّرين، و هو الّذي اختاره سيدنا المرتضى (1) (قدس اللّٰه روحه)، و إليه كان يذهب شيخنا أبو عبد اللّٰه (رحمه اللّٰه): «أنّ الحقّ واحد (2) و أنّ عليه دليلا، من خالفه كان مخطئا فاسقا».

و اعلم أنّ الأصل في هذه المسألة القول بالقياس و العمل بأخبار الآحاد، لأنّ ما طريقه التّواتر و ظواهر القرآن، فلا خلاف بين أهل العلم أنّ الحقّ فيما هو معلوم من ذلك، و إنّما اختلف القائلون بهذين الأصلين فيما ذكرناه، و قد دللنا على بطلان العمل بالقياس (3)، و خبر الواحد الّذي يختصّ المخالف بروايته (4).

و إذا ثبت ذلك، دلّ على أنّ الحقّ في الجهة الّتي فيها الطّائفة المحقّة.

و أمّا على ما اخترته من القول في الأخبار المختلفة المرويّة من جهة الخاصّة، فلا ينقض ذلك لأنّ غرضنا في هذا المكان أن نبيّن أنّ الحقّ في الجهة الّتي فيها الطّائفة المحقّة دون الجهة الّتي خالفها، و إن كان حكم ما تختصّ به الطّائفة و الاختلاف الّتي بينها الحكم الّذي مضى الكلام عليه في باب الكلام في الأخبار، فلا تنافي بين القولين.

و هذه الجملة كافية في هذا الباب، و إنّما لم نتتبّع كلام المخالف و طرقهم الّتي يستدلّون بها على صحّة ذلك، لأنّ فيما مضى من الكلام في إبطال القياس كلاما عليه، و أكثر شبههم داخلة فيها، فلا معنى للإعادة في هذا الباب.

____________

(1) المرتضى (رحمه اللّٰه).

(2) في واحد.

(3) انظر استدلال المصنّف في مبحث القياس في هذا الكتاب.

(4) انظر: استدلال المصنّف في مبحث (خبر الواحد و أحكامه) صفحة 97.

727

فصل- 2 «في ذكر صفات المفتي و المستفتي، و بيان أحكامهما»

لا يجوز لأحد أن يفتي بشيء من الأحكام إلاّ بعد أن يكون عالما به، لأنّ المفتي يخبر عن حال ما يستفتى فيه، فمتى لم يكن عالما به فلا يأمن أن يخبر بالشّيء على غير ما هو به و ذلك لا يجوز، فإذا لا بدّ أن (1) يكون عالما به، و لا يكون عالما إلاّ بعد أمور:

منها: أن يعلم جميع ما لا يصحّ العلم (2) بتلك الحادثة إلاّ بعد تقدّمه، و ذلك نحو العلم باللّٰه تعالى، و صفاته، و توحيده، و عدله.

و إنّما قلنا ذلك: لأنّه متى لم يكن عالما باللّٰه لم يمكنه أن يعرف النبوّة، لأنّه لا يأمن أن يكون الّذي ادّعى النّبوّة كاذبا، و متى عرفه و لم يعرف صفاته، و ما يجوز عليه و ما لا يجوز، لم يأمن أن يكون قد صدّق الكاذب، فلا يصحّ أن يعلم ما جاء به الرّسول.

فإذا لا بدّ من أن يكون عالما بجميع ذلك، و لا بدّ أن يكون عالما بالنّبيّ الّذي جاء بتلك الشّريعة، لأنّه متى لم يعرفه لم يصحّ أن يعرف ما جاء به من الشّرع.

و لا بدّ من أن يعرف أيضا: صفات النّبي، و ما يجوز عليه و ما لا يجوز عليه، لأنّه

____________

(1) من أن.

(2) في الحجرية زيادة: به.

728

متى لم يعرف جميع ذلك لم يؤمن أن يكون غير صادق فيما يؤدّيه، أو يكون ما (1) أدّى جميع ما بعث به، أو يكون أدّاه على وجه لا يصحّ له معرفته.

فإذا لا بدّ من أن يعرف جميع ذلك، و إذا عرف جميع ذلك فلا بدّ أيضا أن يعرف الكتاب، لأنّه (2) يتضمّن كثيرا من الأحكام الّتي هي المطلوبة.

و لا بدّ من أن يعرف ما لا يتمّ العلم بالكتاب إلاّ به، و ذلك يوجب أن يعرف جملة من الخطاب العربي، و جملة من الإعراب و المعاني، و يعرف النّاسخ و المنسوخ، لأنّه متى عرف المنسوخ و لم يعرف النّاسخ اعتقد الشّيء على خلاف ما هو به من وجوب ما لا يجب عليه.

و قد كان يجوز أن يعرف النّاسخ و إن لم يعرف المنسوخ، لأنّ المنسوخ لا يتعلّق به فرضه، و إن كان له في تلاوته مصلحة، إلاّ أنّ ذلك على الكفاية، غير أنّه لو كان كذلك لم يمكنه أن يعرفه ناسخا إلاّ بعد أن يعرف المنسوخ، إمّا على الجملة أو التّفصيل.

و لا بدّ أن يعرف العموم و الخصوص، و المطلق و المقيّد، لأنّه متى لم يعلم ذلك لا يأمن أن يكون المراد بالعموم الخصوص، و بالمطلق المقيّد.

و لا بدّ أن يكون عالما بأنّه ليس هناك دليل يصرفه عن الحقيقة إلى المجاز، لأنّه متى جوّز (3) ذلك لم يكن عالما به.

و لا بدّ أيضا: أن يكون عالما بالسّنّة، و ناسخها و منسوخها، و عامها و خاصّها، و مطلقها و مقيّدها، و حقيقتها و مجازها، و أنّه ليس هناك ما يمنع من الاستدلال بشيء من ظواهرها كما قلناه في الكتاب، لأنّه متى جوّز ذلك لم يكن عالما بها.

و لا بدّ أن يكون عارفا بالإجماع و أحكامه، و ما يصحّ الاحتجاج به و ما لا يصحّ.

و لا بدّ أن يكون عارفا بأفعال النّبي (عليه السّلام) و مواقعها من الوجوب،

____________

(1) ما نافية.

(2) فإنّه.

(3) يجوّز.

729

و النّدب، و الإباحة، حتّى يصحّ أن يكون عالما بما يفتي به.

فإنّ أخلّ بذلك أو بشيء منه، لم يأمن أن يكون ما أفتى به بخلاف ما أفتى به، و ذلك قبيح.

و قد عدّ من خالفنا في هذه الأقسام أنّه لا بدّ أن يكون عالما بالقياس، و الاجتهاد، و أخبار الآحاد، و وجوه العلل و المقاييس، و إثبات الأمارات المقتضية لغلبة الظّنّ، و إثبات الأحكام (1).

و قد بيّنّا نحن فساد ذلك و أنّها ليست من أدلّة الشّرع.

و أمّا المستفتي فعلى ضربين:

أحدهما: أن يكون متمكّنا من الاستدلال و الوصول إلى العلم بالحادثة مثل المفتي، فمن هذه صورته لا يجوز له أن يقلّد المفتي و يرجع إلى فتياه، و إنّما قلنا ذلك لأنّ قول المفتي غاية ما يوجبه غلبة الظّن، و إذا كان له طريق إلى حصول العلم فلا يجوز له أن يعمل على غلبة الظّن على حال.

و امّا إذا لم يمكنه الاستدلال و يعجز عن البحث عن ذلك، فقد اختلف قول العلماء في ذلك.

فحكي عن قوم من البغداديّين (2) أنّهم قالوا: لا يجوز له أن يقلّد المفتي، و إنّما ينبغي أن يرجع إليه لينبّهه على طريقة العلم بالحادثة، و أنّ تقليده محرّم على كلّ حال، و سوّوا في ذلك بين أحكام الفروع و الأصول.

و ذهب البصريّون (3)، و الفقهاء بأسرهم (4) إلى أنّ العاميّ لا يجب عليه

____________

(1) انظر: «المعتمد 2: 359- 357، الأحكام للآمدي 4: 398- 397، إرشاد الفحول: 374- 371، اللّمع:

120، شرح اللّمع 2: 1035- 1033، الرّسالة للشّافعي: 509، شرح المنهاج 2: 832 روضة النّاظر: 320- 319، المنخول: 464- 463».

(2) الأحكام للآمدي 4: 451، المعتمد 2: 360، و قد وصفهم بقوله: «قوم من شيوخنا البغداديين».

(3) أي معتزلة البصرة.

(4) انظر: «المعتمد 2: 361، الذريعة 2: 796، التبصرة: 414، الأحكام للآمدي 4: 450، إرشاد الفحول: 399 اللّمع: 119، شرح المنهاج 2: 846، روضة النّاظر: 344، المنخول: 473، شرح اللّمع 2: 1010».

730

الاستدلال و الاجتهاد، و أنّه يجوز له أن يقبل قول المفتي.

فامّا في أصوله و في العقليّات فحكمه حكم العالم في وجوب معرفة ذلك عليه، و لا خلاف بين النّاس أنّه يلزم العامي معرفة الصّلاة أعدادها، و إذا صحّ ذلك و كان علمه بذلك لا يتمّ إلاّ بعد معرفة اللّٰه تعالى، و معرفة عدله، و معرفة النّبوّة، وجب أن لا يصحّ له أن يقلّد في ذلك، و يجب أن يحكم بخلاف قول من قال يجوز تقليده في التوحيد مع إيجابه منه العلم بالصّلوات.

و الّذي نذهب إليه: أنّه يجوز للعاميّ الّذي لا يقدر على البحث و التّفتيش تقليد العالم.

يدلّ على ذلك: أنّي وجدت عامّة الطّائفة من عهد أمير المؤمنين (عليه السّلام) إلى زماننا هذا يرجعون إلى علمائها، و يستفتونهم في الأحكام و العبادات، و يفتونهم العلماء فيها، و يسوّغون لهم العمل بما يفتونهم به، و ما سمعنا أحدا منهم قال لمستفت لا يجوز لك الاستفتاء و لا العمل به، بل ينبغي أن تنظر كما نظرت و تعلم كما علمت، و لا أنكر عليه العمل بما يفتونهم، و قد كان منهم الخلق العظيم عاصروا الأئمة (عليهم السّلام)، و لم يحك عن واحد من الأئمة النّكير على أحد من هؤلاء و لا إيجاب القول بخلافه، بل كانوا يصوّبونهم في ذلك، فمن خالفه في ذلك كان مخالفا لما هو المعلوم خلافه.

فان قيل: كما وجدناهم يرجعون إلى العلماء فيما طريقه الأحكام الشّرعيّة، وجدناهم أيضا كانوا يرجعون إليهم في أصول الدّيانات، و لم نعرف أحدا من الأئمّة (عليهم السّلام) و العلماء أنكر عليهم، و لم يدلّ ذلك على أنّه يسوغ تقليد العالم في الأصول.

قيل له: لو سلّمنا أنّه لم ينكر أحد منهم ذلك لم يطعن ذلك في هذا الاستدلال، لأنّ على بطلان التّقليد في الأصول أدلّة عقليّة و شرعيّة من كتاب و سنّة و غير ذلك،

731

و ذلك كاف في النّكير.

و أيضا: فانّ المقلّد في الأصول يقدم على ما لا يأمن أن يكون جهلا، لأنّ طريق ذلك الاعتقاد، و المعتقد لا يتغيّر في نفسه عن صفة إلى غيرها، و ليس كذلك الشّرعيّات لأنّها تابعة للمصالح، و لا يمتنع أن يكون من مصلحتهم تقليد العالم (1) في جميع تلك الأحكام، و ذلك لا يتأتّى في أصول الدّيانات.

[على أنّ الّذي يقوى في نفسي: أنّ المقلّد للمحقّ في أصول الدّيانات] (2) و إن مخطئا في تقليده، غير مؤاخذ (3) به، و أنّه معفوّ عنه، و إنّما قلنا ذلك لمثل هذه الطّريقة الّتي قدّمناها لأنّي لم أجد أحدا من الطّائفة و لا من الأئمّة (عليهم السّلام) قطع موالاة من سمع قولهم و اعتقد مثل اعتقادهم، و إن لم يسند ذلك إلى حجّة عقل أو شرع.

و ليس لأحد أن يقول: إنّ ذلك لا يجوز لأنّه يؤدّي إلى الإغراء بما لا يؤمن أن يكون جهلا.

و ذلك أنّه لا تؤدّى إلى شيء من ذلك، لأنّ هذا المقلّد لا يمكنه أن يعلم ابتداء أنّ ذلك سائغ له، فهو خائف من الإقدام على ذلك، و لا يمكنه أيضا أن يعلم سقوط العقاب عنه و يستديم (4) الاعتقاد، لأنّه إنّما يمكنه أن يعلم ذلك إذا عرف الأصول و قد فرضنا أنّه مقلّد في ذلك كلّه، فكيف يعلم إسقاط العقاب؟ فيكون مغرى باعتقاد ما لا يأمن كونه جهلا أو باستدامته.

و إنّما يعلم ذلك غيره من العلماء الّذين حصل لهم العلم بالأصول و سبروا أحوالهم، و أنّ العلماء لم يقطعوا موالاتهم و لا أنكروا عليهم، و لم يسغ ذلك لهم إلاّ بعد العلم بسقوط العقاب عنهم، و ذلك يخرجه عن باب الإغراء.

و هذا القدر كاف في هذا الباب إن شاء اللّٰه تعالى.

____________

(1) العلماء.

(2) زيادة من النسخة الثّانية.

(3) في الأصل: واجد.

(4) فيستديم.

732

و أقوى ممّا ذكرنا، أن لا يجوز التقليد في الأصول، إذا كان للمكلّف طريق إلى العلم إمّا جملة أو تفصيلا، و من ليس له قدرة على ذلك أصلا فليس بمكلّف، و هو بمنزلة البهائم التي ليست مكلفة بحال (1).

____________

(1) ليس في الحجرية.

733

فصل- 3 في أنّ النّبي (عليه السّلام) هل كان مجتهدا في شيء من الأحكام؟ و هل كان يسوغ ذلك له عقلا أم لا؟ و إنّ من (1) غاب عن الرّسول (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) في حال حياته هل كان يسوغ له الاجتهاد أو لا؟ و كيف حال من بحضرته في جواز ذلك؟»

اعلم أنّ هذه المسألة تسقط عن (2) أصولنا، لأنا قد بيّنا أنّ القياس و الاجتهاد (3) لا يجوز استعمالهما في الشّرع، و إذا ثبت ذلك فلا يجوز للنّبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) ذلك و لا لأحد من رعيّته حاضرا كان أو غائبا، لا حال حياته و لا بعد وفاته استعمال ذلك على حال.

و أمّا على مذهب المخالفين لنا في ذلك فقد اختلفوا [1]:

____________

[1] و إليك تفصيل أقوالهم و آراءهم المتباينة:

1- الجواز: و هو مذهب الشّافعي و جلّ أصحابه، و أحمد بن حنبل، و القاضي أبي يوسف، و القاضي عبد الجبّار، و أبي الحسين البصري، و الشّيرازي، و الآمدي، و ابن الحاجب، و ابن السّبكي.

____________

(1) في الأصل: و إن كان.

(2) على.

(3) لاحظ التّعليقة رقم (1) الواردة في صفحة (9) حول مفهوم الاجتهاد و التّطوّرات التّاريخيّة المتعاقبة على هذا المفهوم عند الإماميّة.

734

فذهب أبو عليّ، و أبو هاشم إلى أنّه لم يتعبّد في الشّرعيّات بذلك، و لا وقع منه الاجتهاد فيها، و أوجب (1) كونه متعبّدا بالاجتهاد في الحروب (2).

و حكي عن أبي يوسف القول بأنّ النّبي (عليه السّلام) قد اجتهد في الأحكام (3).

و ذكر الشّافعي في كتاب «الرّسالة» ما يدلّ على أنّه يجوّز أن يكون في أحكامه ما قاله من جهة الاجتهاد (4).

و ادّعى أبو عليّ الإجماع على أنّه لم يجتهد النّبي (عليه السّلام) في شيء من الأحكام (5).

و استدلّ أيضا على ذلك بأن قال: لو اجتهد في بعض الأحكام لم يجب أن يجعل أصلا و لا يكفّر من ردّه، بل كان يجوز مخالفته كما يجوز مثل ذلك في أقاويل المجتهدين، فلمّا ثبت كفر من ردّ بعض أحكامه و خالفه، و ساغ جعل جميعها أصولا، دلّ على أنّه حكم به من جهة الوحي (6).

و هذا الدّليل ليس بصحيح، لأنّه لا يمتنع أن يقال: إنّ في أحكامه ما حكم به من جهة الاجتهاد، و مع ذلك لا يسوغ مخالفته من حيث أوجب اللّٰه تعالى اتّباعه

____________

2- عدم الجواز: و هو مذهب بعض الشافعيّة، و أبي عليّ الجبّائي، و ابنه أبي هاشم، و ابن حزم.

3- التّوقّف: و هو مذهب بعض الأصوليين كالباقلاني، و الغزالي، و قد نسب للشّافعي أيضا.

4- التّفصيل: حيث جوّزوه في أمور الحرب دون الأحكام الشّرعيّة، و فصل آخرون و قالوا بالجواز فيما لا نصّ فيه.

انظر: «الرسالة: 487، التبصرة: 521، المعتمد 2: 242، المستصفى 2: 355، الأحكام للآمدي 4:

398، إرشاد الفحول: 379- 378، اللّمع: 126، أصول السرخسي 2: 91، ميزان الأصول 2: 678، شرح المنهاج 2: 823، روضة النّاظر: 322، المنخول: 468».

____________

(1) أوجبنا.

(2) المعتمد 2: 240.

(3) المعتمد 2: 240.

(4) الرسالة: 503- 487.

(5) المعتمد 2: 241.

(6) المعتمد 2: 242، انظر أيضا المصادر الواردة في التّعليقة رقم (4) صفحة 733.

735

و سوّى في ذلك اتّباعه بين ما قاله بوحي، و بين ما قال من جهة الاجتهاد، كما يقول من قال إنّ الأمّة يجوز أن تجمع على حكم من طريق الاجتهاد و إن كان لا يجوز خلافه، و إذا ثبت ذلك لم يمكن التّعلّق بما حكينا.

و يمكن أن يستدلّ على ذلك بقوله تعالى وَ مٰا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوىٰ إِنْ هُوَ إِلّٰا وَحْيٌ يُوحىٰ (1) فحكم بأنّ جميع ما يقوله وحي يوحى، فينبغي أن لا يثبت بعض ذلك من جهة الاجتهاد.

و المعتمد ما قلناه أوّلا من عدم الدّليل على ورود العبادة بالقياس و الاجتهاد في جميع المكلّفين، و على جميع الأحوال.

و أمّا من حضر النّبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم): فذهب أبو عليّ إلى أنّه لا يجوز أن يجتهد، و يجوز ذلك لمن غاب (2).

و من النّاس من يقول: إنّ لمن حضر النّبي (صلّى اللّٰه عليه و آله و سلّم) أيضا أن يجتهد (3)، و يستدلّ على ذلك بخبر يروى أنّ النّبي (عليه السّلام) أمر عمرو بن العاص و عقبة بن عامر (4) أن يقضيا بحضرته بين خصمين، و قال لهما: «إن أصبتما فكلما عشر حسنات، و إن أخطأتما فكلما حسنة» (5).

و هذا خبر ضعيف من أخبار الآحاد الّتي لا تعتمد في مثل هذه المسألة، لأنّ طريقها العلم.

و المعتمد في هذه المسألة أيضا ما قدّمناه من عدم الدّليل على ورود العبادة بالقياس و الاجتهاد، و ذلك عامّ في جميع الأحوال.

____________

(1) النّجم: 3 و 4.

(2) المعتمد 2: 242، انظر أيضا المصادر الواردة في التّعليقة رقم (4) صفحة 733.

(3) المعتمد 2: 242، انظر أيضا المصادر الواردة في التّعليقة رقم (4) صفحة 733.

(4) هو عقبة بن عامر الجهني- صحابيّ. انظر ترجمته في: «الإصابة 4: 250، تهذيب التّهذيب 7: 216، التّاريخ الصّغير 1: 150».

(5) كنز العمّال 6: 99- 100 حديث رقم 1508، 15019، 15020، 15022، المغني 11: 375.