الانتصار في انفرادات الإمامية

- السيد المرتضى المزيد...
600 /
3

مقدمة التحقيق

[كلام الناشر]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على المصطفى محمد، و على آله الطاهرين، و اللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين.

و بعد، لا يخفى على الناظر الى ما كتبه فقهاء الطائفة الإمامية الاثنا عشرية و جهابذتها في فقه الشريعة الإسلامية الدور المهم الذي مارسه هؤلاء المحققون في حفظ الدين من التلاعب و التغيير و صيانته من التحريف و التبديل.

و ببركة جهودهم المتوالية و مساعيهم الحثيثة في تفريع الفروع و إرجاعها إلى الأصول الأصيلة في القرآن الكريم و السنة المعصومية الشريفة بقي هذا الدين الحنيف حيا في نفوس الناس رغم التغير الكبير الحادث في حياتهم على مر الأزمنة و العصور و الذي صار سببا في ظهور مسائل جديدة و استحداث حوادث و وقائع تحتاج إلى معرفة نظر الشارع المقدس فيها. و قد هيأ الله عز شأنه في كل عصر و فترة زمنية من بهم يحفظ الدين و تدفع الشبهات و تحل المشكلات و تبين الوظائف الشرعية في شتى الفروع الحياتية و مختلف المسائل التي تعترض حياة الإنسان الفردية و الاجتماعية.

و من بين هؤلاء علم الهدى السيد أبو القاسم علي بن الحسين المعروف ب «الشريف المرتضى» طيب الله رمسه من أعلام القرنين الرابع و الخامس الهجري. و فضله أشهر من أن يذكر، فهو الفقيه المحقق و الأصولي المجدد و الكلامي

4

المتضلع و الأديب الماهر و المفسر المتبحر، صاحب التآليف الكثيرة و التصانيف العديدة في أنواع الفنون و مختلف العلوم.

و الكتاب الماثل بين يديك- عزيزنا القارئ- هو واحد من تلكم الآثار الشريفة التي سطرتها يراعة هذا السيد الجليل، و قد سماه ب «الانتصار» انتصارا لفقه الإمامية و آرائهم و فتاواهم التي انفردوا بها و صارت سببا لتشنيع المخالفين في كونها مخالفة للإجماع و فاقدة للدليل و البرهان، فانبرى لهم السيد (قدس الله سره) و ذكر جميع الموارد التي انفردت بها الإمامية في الأحكام الشرعية و أوضح في ذلك حجة الإمامية و أدلتهم التي اعتمدوها في مذاهبهم الصائبة و أنظارهم الصحيحة فجزاه الله عن الإسلام و أهله أفضل الجزاء و أدومه.

و لأهمية هذا الكتاب قررت مؤسستنا طبع الكتاب بتحقيق دقيق و تصحيح للمتن متين بعد مقابلته مع النسخ الخطية المتوفرة و تخريج أقواله بما توفر لديها من مصادرها و إلحاقه بفهارس عامة تسهل على القارئ الوصول الى ضالته في هذا الكتاب القيم.

و لا يفوتنا أخيرا أن نتقدم بالشكر الجزيل و الثناء الجميل لفضيلة المحقق الشيخ علي الدباغ أيده الله و جميع الاخوة الذين ساهموا في تحقيق الكتاب.

سائلين الله لهم و لنا المزيد من التوفيق في خدمة تراث الإمامية الخالد إنه خير موفق و معين.

مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة

5

ترجمة الشريف المرتضى

6

«. كان الشريف المرتضى أوحد أهل زمانه فضلا و علما و كلاما و حديثا و شعرا و خطابة و جاها و كرما الى غير ذلك.»

أعيان الشيعة 8: 214 نقلا عن الدرجات الرفيعة للسيد علي خان (رحمه الله)

7

ترجمة الشريف المرتضى بقلم: المحامي رشيد الصفار مع تعديل و اضافة منا

بين يدي الترجمة

الإفاضة في ترجمة الشريف المرتضى أمر تقتضيه بديهة التعريف به، و تمليه طبيعة البحث للوقوف على جوانب هامة من عناصر شخصيته، تلك الشخصية اللامعة، الجامعة لخصال الخير، و مزايا العلم و الأدب و الفضل. فالشريف المرتضى عالم واسع المعرفة، غزير الاطلاع، ملم بفنون جمة من الثقافة الإسلامية، و المعرفة الإنسانية في عصر بلغت فيه الحضارة الإسلامية بشتى فروعها و أفانينها مبلغا عظيما من الرقي و الازدهار في العلوم و الفنون و الآداب و الفلسفة، و الشعر، حتى طبع القرن الرابع الهجري بطابع خاص، صنفت في خصائصه الكتب الكثيرة، و أفردت فيه المؤلفات الضخمة.

و الشريف المرتضى عاش في تلك الحقبة من ذلك الزمن الزاهر، الزاخر بالعلوم و المعارف و الآداب.

كان(رحمه الله) فقيه الإمامية و متكلمها و مرجعها في ذلك العصر بعد وفاة أستاذه الجليل الفقيه المتكلم محمد بن محمد بن النعمان، المعروف بابن المعلم، و المشهور بالشيخ المفيد بلا مدافع، و لنا من كتابه «الشافي في الإمامة» أبلغ حجة على تعمقه في علم الكلام، و أوضح دلالة على براعته في فن الحجاج و المناظرة في كل المذاهب [1].

أما في الفقه و الأصول، ففي رسائله الوافرة و مسائله الجمعة و كتبه النادرة خير مثال

____________

[1] قال ابن الجوزي في المنتظم عند ترجمته للشريف المرتضى: «إنه كان يناظر عنده في كل المذاهب» راجع 8- 120 منه.

8

على ما نقول (1).

و أما في الأدب و اللغة و التفسير و التأريخ و التراجم، فكتابه «الأمالي» المسمى:

«غرر الفوائد و درر القلائد» أسطع برهان على سعة معرفته في هاتيك الفنون.

و ليست بنا حاجة إلى التدليل على شدة عارضته في الشعر و تفننه في أغراضه و تفهمه لمعانيه و مقاصده، بعد تقديم ديوانه الضخم «هذا» الذي يضم بين دفتيه قرابة أربعة عشر ألف بيت من الشعر، فضلا عما جمعه و نظمه في أبواب خاصة، و أغراض مفردة مثل مجموعته في الشيب و الشباب المسماة «الشهاب»، و ما جمعه و نظمه في طيف الخيال و صفة البرق، إلى غير ذلك.

فالإسهاب في ترجمته محله غير هذه المقدمة، لما تتسم به ظروف هذا العصر من ميسم السرعة و طابع الاختصار، فالذي سنتعرض لذكره يكون مفتاحا لمصاريع واسعة، أو رمزا إلى مباحث مترامية الأطراف تطل على آفاق رحبة من مزايا هذا العالم المتكلم، و الفقيه الأوحد، و الفيلسوف الإسلامي البارع، و الأديب الألمعي، و الشاعر المفلق. فللمتتبع مجال آخر، و كم ترك الأول للآخر!

مولده:

ولد الشريف المرتضى في دار أبيه بمحلة باب المحول في الجانب الغربي من بغداد «الكرخ» الواقعة بين نهر الصراة غربا، و نهر كرخايا شرقا و محلة الكرخ جنوبا (2) في رجب سنة خمس و خمسين و ثلاثمائة في خلافة المطيع لله العباسي.

نسبه و أسرته من أبيه و امه:

هو علي بن الشريف أبي أحمد الحسين نقيب الطالبيين بن موسى «الأبرش» بن

____________

(1) سيأتي ذكره مصنفاته في أواخر هذه الترجمة.

(2) انظر الخارطة رقم (7) مقابل ص 198 من تاريخ بغداد في عهد العباسي: تأليف «غي لسترنج»- المطبعة العربية ببغداد.

9

محمد «الأعرج» بن موسى «أبي سبحة» بن إبراهيم «المرتضى» بن الإمام موسى بن جعفر (عليهما السلام).

والده:

هو الشريف أبو أحمد الحسين الملقب بالطاهر الأوحد ذي المناقب، لقبه بذلك الملك بهاء الدولة البويهي، لجمعه مناقب شتى و مزايا رفيعة جمة، فهو فضلا عن كونه علوي النسب، هاشمي الأرومة، انحدر من تلك السلسلة الطاهرة، فإنه كان نقيب الطالبيين و عالمهم و زعيمهم، جمع إلى رئاسة الدين زعامة الدنيا لعلو همته، و سماحة نفسه، و عظيم هيبته، و جليل بركته. و إلى ذلك أشار ابن مهنا في «عمدة الطالب» بنقله عن الشيخ أبي الحسن العمري النسابة: «أن الشريف أبا أحمد أجل من وضع على رأسه الطيلسان و جر خلفه رمحا، (أراد: أجل من جمع بينهما)، و كان قوي المنة شديد العصبة، يتلاعب بالدول، و يتجرأ على الأمور» (1).

و يستفاد من هذا القول أن الشريف أبا أحمد كان بطل حرب و سياسة، فضلا عن كونه رجل علم و زعيم قوم.

إلا أننا لم نقف له في التأريخ على أنه خاض حربا أو دخل معركة.

فلهذه الملكات الحميدة، و الصفات المجيدة و الهيبة الشديدة، خشيه عضد الدولة البويهي، و لأنه كان منحازا لابن عمه بختيار بن معز الدولة، فحين قدم العراق قبض عليه في صفر سنة 369 ه (2)، و حمله إلى قلعة بشيراز اعتقله فيها فلم يزل بها إلى أن مات عضد الدولة سنة 373 ه، فأطلقه أبو الفوارس شرف الدولة بن عضد الدولة و استقدمه معه إلى بغداد فأكرمه و أعظمه و أعاد إليه نقابة الطالبيين- التي عزل عنها و وليها مرارا- و قلده قضاء القضاة سنة 394 هزيادة إلى ولاية الحج و المظالم و نقابة الطالبيين، و كان التقليد له بشيراز، و كتب له عهد على جميع ذلك و لقب بالطاهر الأوحد ذي المناقب، فلم ينظر في قضاء القضاة لامتناع القادر بالله من الإذن له بذلك (3).

____________

(1) كذا في عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب ص 192 ط النجف.

(2) المنتظم لابن الجوزي 7- 198.

(3) المنتظم لابن الجوزي 7- 226 و 227.

10

و يشير الشريف الرضي ابنه إلى قصة اعتقاله و يعلمه بموت عضد الدولة بالأبيات الشهيرة التي بعث بها إليه و هو في الاعتقال (1)، و منها:

أبلغا عني الحسين ألوكا * * * أن ذا الطود بعد بعدك ساخا

و الشهاب الذي اصطليت لظاه * * * عكست ضوءه الخطوب فباخا

و الفنيق الذي تدرع طول الأرض * * * خوى به الردى فأناخا

و قد كان الشريف أبو أحمد سيدا مطاعا مهيبا، حسن التدبير سخيا، مواسيا لأهله و لغيرهم.

قال أبو الحسن العمري النسابة (2): «حدثني الشريف أبو الوفاء محمد بن علي بن محمد ملقطة (3) البصري، المعروف بابن الصوفي، قال: (و كان ابن عم جدي لحا) قال: احتاج أبي أبو القاسم علي بن محمد و كانت معيشته لا تفي بعياله فخرج في متجر ببضاعة نزرة، فلقي أبا أحمد الموسوي «و لم يقل أبو الوفاء أين لقيه»، فلما رأى شكله خف على قلبه و سأله عن حاله، فتعرف بالعلوية و البصرية (4) و قال: خرجت في متجر لي، فقال له- أي أبو أحمد الموسوي-: «يكفيك من المتجر لقائي» (5).

قال العمري: فالذي استحسنت من هذه الحكاية قوله: «يكفيك من المتجر لقائي».

و كان الشريف أبو أحمد كثير السعي في الإصلاح ميمون الوساطة، لذا كثرت سفاراته لبركة وساطته بين خلفاء بني العباس و ملوك بني بويه و الأمراء من بني حمدان و غيرهم.

و توفي الشريف المذكور بعد أن حالفته الأمراض و ذهب بصره ببغداد سنة أربعمائة، ليلة السبت لخمس بقين من جمادى الاولى، و دفن في داره، ثم نقل منها إلى

____________

(1) راجع ديوان الشريف الرضي ط بيروت ص 206.

(2) عمدة الطالب ص 192 و 193 ط. النجف.

(3) في عمدة الطالب طبع بمبئي ص 191 (بن مسلطة) بدل «ملقطة».

(4) كان الشريف أبو أحمد بصريا.

(5) عمدة الطالب ص 192 و 193 ط. النجف.

11

مشهد الحسين بن علي (عليهما السلام) في كربلاء و دفن في تلك الروضة المقدسة عند جده إبراهيم بن الإمام موسى. و قبر إبراهيم هذا له مزار معلوم إلى عصرنا هذا في رواق الإمام الحسين (عليه السلام) مما يلي الرأس الشريف- بعد أن عمر سبعا و تسعين سنة، و قد رثته الشعراء بمرات كثيرة، و ممن رثاه ابنه المرتضى- صاحب الديوان- بالقصيدة التي مطلعها:

ألا يا قوم للقدر المتاح * * * و للأيام ترغب عن جراحي

و الشريف الرضي أخوه بالقصيدة التي مطلعها:

و سمتك حالية الربيع المرهم * * * و سقتك ساقية الغمام المرزم

و مهيار الديلمي الكاتب بالقصيدة التي مطلعها:

كذا تنقضي الأيام حالا على حال * * * و تنقرض السادات باد على تال

و أبو العلاء المعري بالفائية المذكورة في سقط الزند التي مطلعها:

أؤدي فليت الحادثات كفاف * * * مال المسيف و عنبر المستاف

و الأستاذ الجليل أبو سعد علي بن محمد بن خلف بالقصيدة التي مطلعها:

يا برق حام على حياك و غاير * * * أن تستهل بغير أرض الحائر

و بعث بهذه القصيدة إلى الشريف المرتضى فكتب إليه قصيدة على الروي نفسه و القافية، و مطلعها:

هل أنت من وصب الصبابة ناصري * * * أو أنت من نصب الكآبة عاذري؟

هذا ما يتعلق بأبي المرتضى.

أما والدته:

فهي فاطمة بنت أبي محمد الحسن (أو الحسين) الملقب ب (الناصر الصغير) ابن أحمد بن أبي محمد الحسن المقلب ب(الناصر الكبير) أو «الأطروش أو الأصم» صاحب الديلم بن علي بن عمر الأشرف بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) [1] و هي والدة شقيقة الرضي، و يلقب الناصر الأصم

____________

[1] جاء ذكر هذا النسب في كتاب «أدب المرتضى ص 64- 66» للأستاذ الفاضل الدكتور عبد الرزاق محيي الدين مع بعض الخلاف و لعله الأرجح، و قد جاء في ص 65 ذكر الحسن نقيب العلويين (الناصر الصغير) و قول المرتضى: شاهدته و كاثرته (كذا) و هو جدي الأدنى. و لعل قوله «كاثرته» مصحف عن «كاشرته» (بالشين» و المكاشرة هي المجاورة تقول: جاري مكاشري أو بحذائي يكاشرني، لأن المكاثرة (بالثاء) هي المغالبة و لا يريد المرتضى هذا المعنى، و قد ولي الناصر المذكور: النقابة سنة 362 و توفي سنة 368 على ما ذكر في «أدب المرتضى».

و قد جاء فيه- أي أدب المرتضى- ص 66 هامش: يقول المؤلف (أي الدكتور): يبدو أن لصاحب رياض العلماء رأيين مختلفين لعل ثانيهما يصحح الأول (الأول كون الناصر الأطروش إماميا و الثاني كونه زيديا).

أقول: و الذي ذهب إليه المحققون أن أبا محمد الناصر الكبير صاحب الديلم هو من علماء الإمامية، و في طليعتهم الشريف المرتضى نفسه في كتابه (شرح المسائل الناصرية) كما أورده محيي الدين نفسه في قول النجاشي و عنه نقل العلامة الحلي في الخلاصة و ما ذهب إليه الشيخ البهائي أيضا، و قد بين المرتضى نزاهته و نزاهة جميع بنيه عن تلك العقيدة المخالفة لعقيدة أسلافهم.

و لعل الخلط بين كونه زيدي المذهب تارة و إماميا تارة أخرى، جاء من تطابق الاسم و اللقب و موضع الوفاة بينه و بين «الحسن بن زيد» من بني زيد بن الحسن السبط الذي قيل عنه إنه إمام الزيدية و هو الملقب ب«الداعي إلى الحق» (لا الناصر للحق) و قد توفي أيضا بطبرستان سنة 250، و قام مقامه أخوه محمد بن زيد المدعو ب(الداعي إلى الحق) أيضا.

أما والد أم الشريفين الذي شاهده المرتضى «و كاشرة» أي جاوره و هو أبو محمد الحسن أيضا و الملقب ب«الناصر الصغير» أو الأصغر لم يكن من الزيدية أيضا، و من زعم أن أحد هذين الناصرين من الزيدية فقد اشتبه عليه الداعي للحق بالناصر للحق- فتأمل.

راجع ص 76 من مقدمة حقائق التأويل للشريف الرضي ط. النجف بقلم الشيخ الفاضل المحقق عبد الحسين الحلي.

12

ب(الناصر للحق)، و كان شيخ الطالبيين، و عالمهم، و زاهدهم و شاعرهم، ملك بلاد الديلم و الجبل، و جرت له حروب عظيمة مع السامانية و توفي بطبرستان «سنة 304» (1).

و قد توفيت فاطمة بنت الناصر المذكورة- رحمها الله- في ذي الحجة سنة 385 و رثاها الشريف الرضي بالقصيدة التي مطلعها:

أبكيك لو نقع الغليل بكائي * * * و أقول لو ذهب المقال بدائي

____________

(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد «1- 13» و هامش ص 76 من مقدمة حقائق التأويل المار ذكرها.

13

ألقابه و كنيته:

اشتهر الشريف المرتضى بلقب السيد، و الشريف، و المرتضى، و ذي المجدين، و علم الهدى، و أول من وسمه بهذ اللقب الأخير، هو الوزير أبو سعد محمد بن الحسين بن عبد الصمد سنة عشرين و أربعمائة، و سبب التسمية مذكورة في كتب التأريخ و التراجم فلتراجع (1).

و يكنى بأبي القاسم.

سماته الخلقية و صفاته الخلقية:

كان الشريف(رحمه الله) ربع القامة نحيف الجسم أبيض اللون حسن الصورة.

اشتهر بالبذل و السخاء و الإغضاء عن الحساد و الأعداء، و قد مني بكثير من هؤلاء، و ديوانه طافح بالشكوى منهم و الإيصاء بالتجاوز عنهم و الكف عن مقارعتهم:

تجاف عن الأعداء بقيا فربما * * * كفيت فلم تجرح بناب و لا ظفر

و لا تبر منهم كل عود تخافه * * * فإن الأعادي ينبتون مع الدهر [1]

إلا أن أعداءه و مناوئيه و حاسدي نعمته و صموه بالبخل و قلة الإنفاق بهتانا و حسدا، و كل ذي نعمة محسود، و إنا لم نجد فيما كتب عنه في التراجم من وسمه بهذه الصفة المنزه عنها، إلا ما نقله بعض المؤرخين بروايات متضاربة و أسانيد مضطربة، ملخصها: أن أحد الوزراء- قيل هو محمد بن خلف- قد وزع ضريبة على الأملاك ببادوريا [2] و ذلك لصرفها في حفر النهر المعروف بنهر عيسى، فأصاب ملكا للشريف

____________

[1] أورد هذين البيتين ياقوت في معجم الأدباء 13- 257 و فيه «بغيا» مصحفة عن «بقيا»، كما أوردهما الخوانساري في الروضات ص 387، و فيها «بنان» مصحفة عن «بناب».

[2] بادوريا: طسوج من كورة الأستان بالجانب الغربي من بغداد، و هو اليوم محسوب من كورة نهر عيسى. قالوا: ما كان في شرقي الصراة فهو «بادوريا» و ما كان في غربها فهو «قطر بل». راجع مراصد الاطلاع لابن عبد الحق البغدادي طبعة الحلبي- مصر- 1954، و معجم البلدان لياقوت الحموي 2- 29 و قد صحفت في «أدب المرتضى» للدكتور عبد الرزاق محيي الدين إلى «بادرويا» بتقديم الراء على الواو.

راجع ص 83 منه طبعة المعارف ببغداد سنة- 1957.

____________

(1) راجع روضات الجنات للخوانساري ص 383. ط الحجر.

14

المرتضى بالناحية المعروفة بالداهرية، فوقع عليه من التقسيط عشرون درهما، فكتب المرتضى إلى الوزير يسأله إسقاط ذلك عنه، و القضية مذكورة في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، يرويها أبو حامد أحمد بن محمد الاسفراييني الفقيه الشافعي، قال: كنت يوما عند الوزير فخر الملك أبي غالب محمد بن خلف، وزير بهاء الدولة و ابنه سلطان الدولة، فدخل عليه الرضي أبو الحسن فأعظمه و أجله و رفع منزلته. ثم دخل بعد ذلك عليه المرتضى أبو القاسم- رضي الله عنه-، فلم يعظمه ذلك التعظيم، و لا أكرمه ذلك الإكرام، و تشاغل عنه برقاع يقرأها و توقيعات يوقع بها، فجلس قليلا و سأله أمرا فقضاه ثم انصرف.

قال أبو حامد: فتقدمت إليه و قلت: أصلح الله الوزير هذا المرتضى هو الفقيه المتكلم صاحب الفنون، و هو الأمثل الأفضل منهما، و إنما أبو الحسن (يعني الرضي) شاعر، قال:

و كنت مجمعا على الانصراف فجاءني أمر لم يكن في الحساب، فدعت الضرورة إلى ملازمة المجلس إلى أن تقوض الناس واحدا فواحدا و لم يبق عنده غيري، ثم سرد القصة و قضية الضريبة بما يشعر بالغض من منزلة المرتضى، هذا ما ذكره ابن أبي الحديد (1).

و الرواية تختلف بسندها و متنها مع رواية صاحب عمدة الطالب (2) حيث أسندها إلى أبي إسحاق الصابي إبراهيم بن هلال الكاتب المشهور.

قال: كنت عند الوزير أبي محمد المهلبي- و ليس محمد بن خلف- ذات يوم، فدخل الحاجب و استأذنه للشريف المرتضى فأذن له، فلما دخل قام إليه و أكرمه و أجلسه معه في دسته، و أقبل عليه يحدثه حتى فرغ من حكايته و مهماته، ثم قام إليه و ودعه و خرج فلم يكن ساعة حتى دخل عليه الحاجب و استأذن للشريف الرضي.

ثم أورد القصة بفروق في المتن أيضا.

____________

(1) شرح النهج 1- 13.

(2) عمدة الطالب ص 198 ط. النجف.

15

فنحن نقف إزاء هذه الرواية المضطربة في متنها و سندها موقف الارتياب و الاستغراب، فبينما نجد ابن أبي الحديد يسندها لأبي حامد الاسفراييني مع الوزير محمد ابن خلف، نجد رواية ابن مهنا صاحب العمدة مسندة إلى أبي إسحاق الصابي مع الوزير المهلبي مع فروق في المتن كما أسلفنا.

فإذا علمنا أن الوزير المهلبي أبا أحمد الحسن بن محمد بن هارون- وزير معز الدولة البويهي- قد توفي سنة 352 هو هاتيك السنة هي قبل مولد المرتضى بثلاث سنين حيث كان مولده(رحمه الله) سنة 355 ه، هان علينا تفنيد الرواية بداهة.

زيادة على ذلك أن الرواية الأولى تجعل الداخل الأول على الوزير هو الشريف الرضي بينما الرواية الثانية تجعله المرتضى.

هذا ما يشير إما إلى اختلاق الرواية و وضعها من الأساس، أو إلى تحريفها أو المبالغة فيها على أقرب الاحتمالات لما سنوضحه قريبا.

فالمرتضى في سعة عن التوسل بهذه الوسائل الركيكة التي لا تناسب منزلته و مقامه لدى الوزير ولدي الخلفاء أنفسهم لرفع هذه الضريبة اليسيرة، و ذلك لما رزق من عزة في النفس و حظ وافر من الجاه زيادة على النعمة و الثراء المصحوب بالبذل و السخاء الذي دلتنا عليه سيرته الحميدة و كرمه المعروف و بذله الفذ، حتى ليم على كثرة الإنفاق و العطاء مرارا، فقال في ذلك مجيبا لهم قصائد مذكورة في هذا الديوان نذكر منها على سبيل الشاهد قوله من قصيدة حسنة:

دعي منظري إن لم أكن لك رائعا * * * و لا تنظري إلا إلى حسن مخبري

فإني و خير القول ما كان صادقا * * * لدي الفخر سباق إلى كل مفخر

منها: و أعلم أن الدهر يعبث صرفه * * * بما شاء من مال البخيل المقتر

منها: عذلت على تبذير مالي و هل ترى * * * نجمع إلا للجؤور المبذر؟

أفرقه من قبل أن حال دونه * * * رحيلي عنه بالحمام المقدر

مضى قيصر من بعد كسرى و خليا * * * التلاعب في أموال كسرى و قيصر

و غير ذلك مما سيأتي ذكره.

و قد استفاض عنه إنفاقه على مدرسته العلمية التي تعهدا بكفاية طلابها مئونة

16

و معاشا حتى أنه وقف قرية من قراه تصرف مواردها على قراطيس الفقهاء (1) و التلاميذ، و أنه كان يجري الجرايات و المشاهرات الكافية على تلامذته و ملازمي درسه، مثل الشيخ الطوسي، فقد كان يعطيه اثني عشر دينارا في الشهر، و يعطي للقاضي عبد العزيز بن البراج ثمانية عشر دينارا و غيرهما، و ذلك بفضل ما يرد عليه من دخل أملاكه الخاصة الذي قدر بأربعة و عشرين ألف دينار بالسنة (2)، و لما يمتلكه من قرى و ضياع قيل إنها ثمانون قرية بين بغداد و كربلاء، يجري خلالها نهر له، غرست الأشجار الوارفة على حافتيه فتهدلت غصونها بثمارها اليانعة، فكان ذلك الانعطاف يسهل على أصحاب السفن و السابلة العابرين قطف تلك الأثمار التي أباحها المرتضى لهم (3).

و بعد هذا فالرواية إن لم تكن موضوعة و مفتعلة من أصلها، فهي محرفة، أو مبالغ فيها على أقرب الاحتمالات، لما رأيت من اختلال أسانيدها و متونها.

و على فرض القول بصحتها، فإن للشريف المرتضى مخرجا منها و مندوحة عنها، بحملها على محامل التعديل و مخارج التأويل.

أفلا يحتمل أن يكون الشريف قد رأى بثاقب رأيه و سديد اجتهاده، أن ما القي عليه من ضريبة لحفر النهر، إنما هو من المصالح العامة التي يتحتم على الدولة القيام بها، و الإنفاق عليها؟

و لم يرد الشريف بدفعها عنه سوى دفع مظلمة أو إزالة ضرر، و كلاهما يجب أن يدفعها، كبيرين كانا أو صغيرين، و قد يكون السكوت عنهما يجر إلى مغارم، و الرضا بهما يؤدي إلى مآثم، و الكل محظور في الشريعة، و الراضي بعمل قوم كالداخل معهم فيه.

و قد ذكر صاحب روضات الجنات عن السيد نعمة الله الجزائري ما يفيد معنى ما ذكرناه و هذه صورته:

____________

(1) جاء في ص 89 و 110 من كتاب أدب المرتضى لعبد الرزاق محيي الدين «كاغذ الفقراء» مصحفة عن «كاغذ الفقهاء».

(2) معجم الأدباء لياقوت 13- 154.

(3) روضات الجنات ص 383.

17

«أقول: كأن الوزير فخر الملك لم يتحقق علو الهمة، فلذا عاب الأمر على الشريف المرتضى- رضي الله عنه- و إنما كان عليه غضاضة في ذلك الكتاب (يعني الكتاب الذي بعثه المرتضى إلى الوزير يسأله تخفيف الضريبة و إسقاطها)، لو كان سائلا لها من أموال الوزير، و ما فعله الشريف عند التحقيق من علو الهمة، و ذلك أنه دفع عن ملكه بدعة لو لم يتداركها لبقيت على ملكه، و ربما وضعت من قدره لو بقيت عند أهل الأملاك و غيرهم، كما أنه ورد في الحديث: المؤمن ينبغي له الحرص على حيازة (لعلها حياطة) ماله الحلال، كي ينفقه في سبيل الطاعات.

كما كانت عادة جده أبي طالب بن عبد المطلب، فإنه كان يباشر جبر ما انكسر من مواشيه و أنعامه، فإذا جاء الوافد إليه وهبها مع رعاتها له.

و قد نقل عن الشريف- عطر الله مرقده- أنه اشترى كتبا قيمتها عشرة آلاف دينار أو أزيد، فلما حملت إليه و تصفحها رأى في ظهر كتاب منها مكتوبا:

و قد تخرج الحاجات يا أم مالك * * * إلى بيع أوراق بهن ضنين [1]

فأمر بإرجاعها إلى صاحبها و وهبه الثمن.

فأين همته هذه من الوزير الذي حمل إلى الرضي ألف دينار و استغنم ردها إليه؟».

انتهى قول السيد نعمة الله- (رحمه الله).

فأما إعظام الوزير للشريف الرضي و تبجيله له أكثر من أخيه المرتضى، فواضح لكل من وقف على سيرة الشريفين، و عرف نفسية كل من الشخصين، و سلوكهما و نزوعهما في الحياة.

فالشريف كان و لا ريب ينزع إلى الخلافة و يمني نفسه بها، بل كان يترقبها صباحا و مساء، و كان يعتقد أنه سينا لها ما بقي له جنان يخفق أو لسان ينطق بعد أمد قصير أو طويل.

____________

[1] هكذا ورد البيت في روضات الجنات ص 577، و هو ضعيف ركيك سبق أن أوردنا أصله و هو مضمن في أبيات أبي علي أحمد بن سلك الفالي مع قصته في هذه المقدمة، و لعل هذه الرواية غير تلك، أو أن إحداهما منسوبة إليه، و الغرض ثبوت إحداهما له.

18

أ ليس هو القائل:

ما أنا للعلياء إن لم يكن * * * من ولدي ما كان من والدي

و لا مشت بي الخيل إن لم أطأ * * * سرير هذا الأصيد الماجد

ثم أ ليس هو الذي يقول:

لا هم قلبي بركوب العلا * * * يوما و لا بلت يدي بالسماح (1)

إن لم أنلها باشتراط كما * * * شئت على بيض الظبا و اقتراح

أفوز منها باللباب الذي * * * يغني الأماني نيله و الصراح

منها: لا بد أن أركبها صعبة * * * وقاحة تحت غلام وقاح

في حيث لا حكم لغير القنا * * * و لا مطاع غير داعي الكفاح

متى أرى الأرض و قد زلزلت * * * بعارض أغبر دامي النواح

و قوله يعني نفسه:

فوا عجبا مما يظن محمد * * * و للظن في بعض المواطن غدار

يقدر أن الملك طوع يمينه * * * و من دون ما يرجو المقدر إقدار

لئن هو أعفى للخلافة لمة * * * لها طرر فوق الجبين و أطرار

ورام العلا بالشعر و الشعر دائبا * * * ففي الناس شعر خاملون و شعار

و إني أرى زندا تواتر قدحه * * * و يوشك يوما أن يكون له نار

و يرتقي به الأمر إلى أكثر من ذلك، حتى يسمي نفسه أمير المؤمنين، انظر إلى قوله يخاطب نفسه (2).

هذا أمير المؤمنين محمد * * * كرمت مغارسه و طاب المولد

أو ما كفاك بأن أمك فاطم * * * و أبوك حيدرة و جدك أحمد؟

يمسي و منزل ضيفه «لا يجتوى» * * * كرما و بيت نضاره لا يقلد [1]

____________

[1] جاء في الديوان «يحتوي» مصحفة عن «يجتوى» (على المجهول) و اجتوى المكان: كره الإقامة فيه، و يقلد: يغلق، و منه سمي الإقليد و هو المفتاح تقلد به الباب أي تغلق.

____________

(1) في ديوان الشريف الرضي ط. بيروت ذات المجلد الواحد «بل يدي» بدل «بلت يدي».

(2) ديوان الشريف الرضي ط. بيروت ذات المجلد الواحد ص 314.

19

و لم يكن الشريف الرضي وحده معللا نفسه بهذه الآمال الجسام، و ممنيها تلك الأمنيات العظام، بل نجد المخلصين له من أحبائه و أصحابه يتفرسون به نيل تلك الرتب، و الوصول إلى ذلك المرام و لو بعد حين، لذلك كتب إليه أبو إسحاق الصابي في هذا المعنى:

أبا حسن لي في الرجال فراسة * * * تعودت منها أن تقول فتصدقا

و قد خبرتني عنك أنك ماجد * * * سترقى إلى العلياء أبعد مرتقى

فوفيتك التعظيم قبل أوانه * * * و قلت، أطال الله للسيد البقاء

و أضمرت منه لفظة لم أبح بها * * * إلى أن أرى إظهارها لي مطلقا

فإن عشت أو إن مت فاذكر بشارتي * * * و أوجب بها حقا عليك محققا

و كن لي في الأولاد و الأهل حافظا * * * إذا ما اطمأن الجنب في موضع النقا

ثم نرى الشريف يعد الصابي ببلوغ الآمال، إن ساعد الدهر [1] بقصيدة أيضا مذكورة في ديوانه، و أولها:

سننت لهذا الرمح غربا مذلقا * * * و أجريت في ذا الهندواني رونقا

و نظم الشريف في هذا المعنى و الغرض كثير يزخر به ديوانه الضخم.

فالشريف الرضي مع هذه الهمة العالية، و النفس الطامحة، و الأنف الحمي، و القلب الجريء، و اللسان المصلت كالسيف الصارم، كان في الحقيقة شبحا مخيفا، بل قنبلة مرصدة إزاء كيان ملك بني العباس، لا يدرون متى تنفجر، فتزعزع سلطانهم، و تعصف بدولتهم، لذا يقول:

متى أرى الزوراء مرتجة * * * تمطر بالبيض الظبا أو تراح

يصيح فيها الموت عن ألسن * * * عن العوالي و المواضي فصاح

فمن أجل ذلك نرى الوزراء و الملوك، بل الخلفاء أنفسهم، يدارونه، مداراة من

____________

[1] راجع شرح النهج لابن أبي الحديد ط. مصر 1- 11- 12، و قد جاء في ديوان الشريف الرضي 1- 417، و في عمدة الطالب طبع بمبئي سنة 1318 هص 174 أنه كان الرضي يرشح إلى الخلافة، و كان أبو إسحاق الصابي يطمعه فيها و يزعم أن طالعه يدل على ذلك.

20

تخشى سطوته و تحذر ثورته.

فاحترام وزير شخصا يرى ذلك الشخص نفسه أعظم من الوزير و أرفع، و أجل و أمنع، ليس من الأمور الغريبة أو النوادر العجيبة! بينما نجد المرتضى- صاحب الديوان- منصرفا إلى العلم مشغولا بالدرس، عازفا عن بهرجة السلطة و مقامات السياسة- و إن كان ذا مكانة خطيرة فيها- زاهدا في المناصب أو الرئاسة، و أكثر الناس- و لا يخفى ذلك- في كل عصر و لا سيما منهم خدمة الدولة و أرباب السلطة يزهدون في الزاهدين، و يخشون سطوة الأشداء المجترئين.

أما مسألة العلم، و توقير العلماء فهي مسطورة في السطور، أو مكنونة في الصدور.

ميلة إلى الزهد في الدنيا، و تهذيب النفس فيها:

كان الشريف(رحمه الله) ميالا إلى الزهد في الدنيا راغبا عنها، ذاما لها، داعيا إلى الاعتبار فيها، سالكا سبيل أجداده الكرام، من جعلها مجازا للآخرة و مزادا لدار القرار، لذا نجد ديوانه يفيض بالقصائد في ذم الدنيا و الحث على الزهد فيها و الاعتبار بتقلب أحوالها، و فناء نعيمها، ثم هو يصف مقابرها، و يرثي مقبوريها، و يدعو كذلك إلى تكميل النفس و تهذيبها، و غرس مواد العزة فيها بنبذ الحرص، و ترك الطمع، و التحلي بجمال العلم و خصال الخير، فمن ذلك قوله في ذم الدنيا و الحث على الزهد فيها:

أ في كل يوم لي منى أستجدها * * * و أسباب دنيا بالغرور أودها

و نفس تنزى ليتها في جوانح * * * لذي قوة يسطيعها فيردها

تعامه عمدا و هي جد بصيرة * * * كما ضل عن عشواء بالليل رشدها

إذا قلت يوما قد تناهى جماحها * * * تجانف لي عن منهج الحق بعدها

منها: و لم أركالدنيا تصد عن الذي * * * يود محبوها فيحسن صدها

و تسقيهم منها الأجاج مصردا * * * فكيف بها لو طاب للقوم عدها؟

منها: و حب بني الدنيا الحياة مسيئة * * * بهم ثلمة في النفس أعوز سدها

منها: سقى الله قلبا لم يبت في ضلوعه * * * هواها و لم يطرق نواحيه وجدها

منها: تخفف من أزوادها ملء طوقه * * * فهان عليه عند ذلك فقدها

21

و قال في الموعظة و الاعتبار و هي قصيدة طويلة نذكر منها:

لا تقربن عضيهة * * * إن العضاءة مخزيات

و اجعل صلاحك سرمدا * * * فالباقيات الصالحات

في هذه الدنيا و من * * * فيها لنا أبدا عظات

إما صروف مقبلا * * * ت أو صروف مدبرات

و الذل موت للفتى * * * و العز في الدنيا حياة

و الذخر في الدارين إما * * * طاعة أو مأثرات

و قال في الزهد، و هي قصيدة طويلة نذكر منها:

قل للذي راح بعز و اغتدى * * * يسحب منه مطرفا موردا

صنيع من يطمع أن يخلدا * * * جمعت ما لا بد أن يبددا

إن لم يزل في يومه زال غدا * * * يا جامعا لغيره محتشدا

نضدت مالا هل نضدت أمدا؟ * * * سيان من سار يجر العددا

و من يظل واحدا منفردا * * * كلاهما مفارق ما وجدا

و له في الوعظ:

يقولون أسباب الحياة كثيرة * * * فقلت و أسباب المنون كثير

و ما هذه الأيام إلا مصائد * * * و أشراك مكروه لنا و غرور

يسار بنا في كل يوم و ليلة * * * فكم ذا إلى ما لا نريد نسير

و ما الدهر إلا فرحة ثم ترحة * * * و ما الناس إلا مطلق و أسير

و له في الاعتبار هذه القصيدة الحسنة، نذكر منها:

يا سائلي عن ذنوب الدهر آونة * * * اسمع فعندي أنباء و أخبار

كل الرجال إذا لم يخشعوا طمعا * * * و لم تكدرهم الآمال أحرار

22

إن تضح داري في عمان نائية * * * يوما علي فبالخلصاء لي دار

لو لم يكن لي جار من نزارهم * * * يحنو علي فمن قحطانهم جار

و إن يضق خلق من صاحب سئم * * * فلم تضق بي في ذي الأرض أقطار

منها: ما سرني أنني أحوي الغنى و بدا * * * في كف جاري إعسار و اقتار

منها: لا بارك الله في دار اللئام و لا * * * سالت به عند جدب العام أمطار

و الخير كلفة هذا الخلق كلهم * * * و الناس بالطبع و الأخلاق أشرار

و له غير ذلك قصائد و مقطوعات تجدها خلال الديوان.

و هو مع زهده الشديد في الدنيا و تقشفه فيها، كان ذا مقام سياسي في الدولة خطير يفوق مقام أخيه الرضي بكثير، و ذلك بفضل ما أوتي من أصالة الرأي و و فارة العلم و المال، مع عز العشيرة و كثرة الرجال و هذا ما سنتعرض لذكره بعد حين عند القول على منزلته الاجتماعية و السياسية في هذه المقدمة.

شغفه بالعلم، مدرسته العلمية، خزانة كتبه:

كان الشريف(رحمه الله) مشغوفا بالعلم منصرفا إليه بين دراسة و تدريس، محبا لتلامذته و ملازميه، حتى أنه كان يجري عليهم الجرايات الشهرية، و قد مر عليك ذكر ذلك.

و قد اتخذ من داره الواسعة مدرسة عظيمة تضم بين جدرانها ثلة من طلاب الفقه و الكلام و التفسير و اللغة و الشعر و العلوم الأخرى كعلم الفلك و الحساب و غيره حتى سميت أو سماها دار العلم و أعد له مجلسا للمناظرات فيها.

غير أن الذي هو جدير بالملاحظة و الاعتبار، أن مجلس الشريف أو مدرسته العلمية- بتعبير أصح- كانت جامعة إنسانية تلم شتات كثير من طلاب العلم و مريديه من مختلف المذاهب و النحل، دون تفرقة بين ملة و ملة أو مذهب و مذهب.

و قد مرت عليك قصة اليهودي الذي درس عليه علم النجوم- أعني الفلك- كما لم تخف عليك أيضا اتصالاته الوثيقة بأبي إسحاق الصابي الكاتب المشهور، و للمرتضى في رثائه قصيدة رائعة تعد من غرر قصائده و مطلعها:

23

ما كان يومك يا أبا إسحاق * * * إلا وداعي للمني و فراقي [1]

و هذا إن دل على شيء، فإنه يدل على رحابة صدر المرتضى و سعة أفقه و شريف نظرته الإنسانية التي تعبر عن قلبه الشفيق الرحيم العطوف على هذه النفوس البشرية المعذبة بويلات العصبية الرعناء و الطائفية البغيضة، و العنعنات الباطلة، المنبعثة من الجهل المطبق، و ضيق الأفق المحدود، فالمرتضى كان له أسوة حسنة في جدة الرسول الأعظم و أهل بيته الكرام و أصحابه الأجلة، المرددين قول رب الخلق أجمعين:

«يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ، إِنّٰا خَلَقْنٰاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَ أُنْثىٰ، وَ جَعَلْنٰاكُمْ شُعُوباً وَ قَبٰائِلَ لِتَعٰارَفُوا، إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّٰهِ أَتْقٰاكُمْ».

أما شغف المرتضى بجمع الكتب و ولعه باقتنائها فيكفينا أن نذكر أن خزانته ضمت ثمانين ألف مجلد من مصنفاته و محفوظاته و مقروءاته، على ما حصره و أحصاه صديقه أبو القاسم التنوخي [2].

و قد قومت هذه الكتب بثلاثين ألف دينار على ما ذكره الثعالبي في كتابه يتيمة الدهر، هذا بعد أن أهدى الشريف من هذه الكتب إلى الرؤساء و الوزراء شطرا، و سيأتيك ذكر مؤلفاته الخاصة في فهرست كتبه.

دراسته و شيوخه:

تتلمذ المرتضى على كثير من علماء عصره في مختلف العلوم و الفنون، فإنه درس

____________

[1] هذه المرثية مثبتة في هذا الديوان، و هي تكذب ما نسبه إليه بعض الرواة دون مبالاة من انه لما نقل إليه رثاء أخيه الشريف الرضي للصابي بالقصيدة المشهورة التي مطلعها:

أ رأيت من حملوا على الأعواد؟ * * * أ رأيت يوم خبا ضياء النادي؟

قال الشريف المرتضى (على ما زعم): نعم ما حملوا إلا كلبا.

[2] راجع روضات الجنات ص 383. و التنوخي: هو أبو القاسم علي بن المحسن القاضي صاحب المرتضى و تلميذه، ولد بالبصرة سنة 365 هو ولي القضاء بالمدائن، و كان متحفظا في الشهادة محتاطا صدوقا في الحديث توفي «سنة 447» و دفن في داره بدرب التل، و قد كتب عنه الخطيب البغدادي و صلى على جنازته.

24

اللغة و المبادئ مع أخيه الشريف الرضي على الأديب الشاعر ابن نباته [1] السعدي، و قرأ كلاهما الفقه و الأصول على الشيخ الجليل محمد بن محمد بن النعمان الملقب بالشيخ المفيد، و تتلمذ المرتضى في الشعر و الأدب على أبي عبيد الله المرزباني، و أكثر رواياته في كتابه «الأمالي» عنه، و يروي كذلك فيه عن أبي القاسم عبيد الله بن عثمان بن يحيى بن جنيقا الدقاق و أبي الحسن علي بن محمد الكاتب [2] و له أساتذة و شيوخ غير هؤلاء أخذ عنهم الحديث و الفقه و الأصولين و غيرها من العلوم، نذكر منهم:

المحدث الجليل الحسين بن علي بن بابويه القمي أخو الشيخ الصدوق (رحمهما الله تعالى)، و سهل بن أحمد الديباجي و أبو الحسن أحمد بن محمد بن عمران المعروف بابن الجندي البغدادي، و أبو الحسن أو (أبو الحسين) علي بن محمد الكاتب، و أحمد بن محمد بن عمران الكاتب، و غيرهم.

عقيدته و مذهبه الكلامي:

كان الشريف المرتضى(رحمه الله) يذهب في أصول عقائده مذهب سائر الشيعة الإمامية من قولهم: بتوحيد الله عز و جل، و عدله، و امتناع صدور الظلم منه، و هم ينهجون بذلك منهج أغلب المعتزلة الذين يسمون أنفسهم بالعدلية أو أهل العدل، و يقولون: بنفي الصفات الإلهية الزائدة على الذات، إذ يرون أن صفاته سبحانه هي عين ذاته، و يذهبون إلى أن تحسين الشيء أو تقبيحه أمر عقلي، أي يدرك بالعقل كعلمنا

____________

[1] هو أبو نصر عبد العزيز بن عمر الشاعر السعدي و ستأتي ترجمته، (و ليس هو صاحب الخطب ابن نباتة الفارقي دفين ميافارقين المتوفى سنة 374) كما وهم صاحب روضات الجنات و غيره (راجع الروضات ص 383).

[2] هو أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الرحيم بن دينار الكاتب (راجع معجم الأدباء 14- 245)، و هو غير أحمد بن محمد بن عمران الكاتب كما لا يخفى.

25

بحسن الصدق النافع و قبح الكذب الضار و غيرهما من الأمور البديهية، و إن كانت بعض الأحكام التكليفية كالعبادات مثلا لا يمكن استقلال العقل بالحكم فيها بالحسن أو القبح إلا عن طريق الشرع، فما ورد الشرع بحسنه أو قبحه أمر لا مجال للعقل في تحسينه أ تقبيحه، فمرتبة العقل بعد مرتبة الشرع بلا جدال.

«فأجمعت الإمامية على أن العقل يحتاج في علمه و نتائجه إلى السمع (أي المسموع من الشرع) و أنه غير منفك عن سمع ينبه الغافل على كيفية الاستدلال، و أنه لا بد في أول التكليف و ابتدائه في العالم من رسول «وَ إِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلّٰا خَلٰا فِيهٰا نَذِيرٌ»- «وَ مٰا كُنّٰا مُعَذِّبِينَ حَتّٰى نَبْعَثَ رَسُولًا»، و خالفهم في جميع ذلك المعتزلة و الخوارج و الزيدية، و زعموا أن العقول تعمل بمجردها من السمع و التوقيف.

إلا أن البغداديين من المعتزلة خاصة يوجبون الرسالة في أول التكليف و يخالفون الإمامية في علتهم لذلك» (1).

و ذهبوا إلى أن الإنسان المكلف محاسب على أعماله المكلف بها على قدر اختياره لها و قدرته عليها «لَهٰا مٰا كَسَبَتْ وَ عَلَيْهٰا مَا اكْتَسَبَتْ»، «لٰا يُكَلِّفُ اللّٰهُ نَفْساً إِلّٰا وُسْعَهٰا».

و اتفقت الإمامية على أن الوعيد بالخلود في النار متوجه على الكفار خاصة، دون مرتكبي الذنوب من أهل المعرفة بالله تعالى و الإقرار بفرائضه من أهل الصلاة.

كما اتفقوا على أن من عذب بذنبه من هؤلاء لا يخلد في العذاب، و أجمعت المعتزلة على خلاف ذلك و هو التخليد في العذاب، و هو ما يعرف عندهم- أي المعتزلة- ب«الوعيد».

و اتفقت الإمامية على أن مرتكب الكبائر من أهل المعرفة و الإقرار لا يخرج بذلك عن الإسلام، و أنه مسلم و إن كان فاسقا بما فعله من الكبائر و الآثام، و أجمعت المعتزلة على خلاف ذلك، و زعموا أن مرتكب الكبائر ممن ذكرناه فاسق ليس بمؤمن و لا كافر و هذا القول يعرف عندهم ب«المنزلة بين المنزلتين» التي ميزت المعتزلة في أول أمرهم عن سائر فرق الإسلام، و أول من قال بهذه المقالة منهم هو واصل بن عطاء الغزال.

و يذهب الإمامية في الإمامة- بأجمعهم- إلى أنها بالنص الجلي على الأئمة الاثني

____________

(1) راجع كتاب أوائل المقالات في المذاهب المختارات: للشيخ المفيد ص 44، ط. إيران.

26

عشر أولهم علي بن أبي طالب، و آخرهم محمد بن الحسن المهدي المنتظر، و قالوا بعصمتهم جميعا، و خالفهم في جميع ذلك المعتزلة، إلا ما نسب إلى إبراهيم بن سيار النظام من موافقتهم بذلك (1).

و الإمامية يختلفون مع المعتزلة في مسائل أخر، و كان ما ذكرناه أهمها، و يتفقون معهم في مسائل أخر غيرها، من قولهم بخلق القرآن، و إنه كلام الله محدث و ليس بقديم، و قولهم إن الله تعالى لا يرى لا في الدنيا و لا في الآخرة، و غير ذلك.

إلا أن اشتراكهم مع المعتزلة في بعض المقالات و الاعتقادات لا يبرر القول بأنهم منهم، فللمعتزلة آراء و عقائد يتشاركون بها مع كافة فرق الإسلام، و يتفردون عنهم بعقائد و آراء أخر، كما يتمايزون بعضهم عن بعض في كثير من الآراء.

و على ذلك فالمرتضى لم يكن معتزليا و لا رأسا في الاعتزال، على ما يزعم الخطيب البغدادي، و لا فيه ميل أو تظاهر في الاعتزال أو هو داعية إليه على ما يذهب إليه ابن الجوزي و ابن حزم الظاهري.

قال الصفدي في الوافي بالوفيات نقلا عن الخطيب البغدادي قال- يعني الخطيب-:

كتبت عنه- أي عن المرتضى- و كان رأسا في الاعتزال كثير الاطلاع و الجدال.

و قال ابن الجوزي في المنتظم 8- 120: كان إماميا فيه ميل للاعتزال.

و قال ابن حزم في الملل و النحل على ما نقله عنه صاحب روضات الجنات ص 387:

«و من قول الإمامية كلها قديما و حديثا إن القرآن مبدل، زيد فيه و نقص» حاشا علي بن الحسين بن موسى (يعني الشريف المرتضى). و كان إماميا فيه تظاهر بالاعتزال، و مع ذلك كان ينكر هذا القول و كفر من قال به، و كذلك صاحباه أبو يعلى الطوسي، و أبو القاسم الرازي.

أقول: و أكثر الشيعة الإمامية على القول بتمام القرآن بلا زيادة و لا نقصان و هو ما بين الدفتين، و هذا قول صادقهم.

و يكفينا في الدلالة على خلاف الإمامية مع المعتزلة، أن نذكر أن للمرتضى نفسه

____________

(1) راجع الملل و النحل للشهرستاني- بحث النظامية.

27

و لأستاذه الشيخ المفيد، و لتلامذته كالشيخ الطوسي و غيره كتبا و مناظرات مع رؤساء المعتزلة و أكابرهم كواصل بن عطاء، و إبراهيم بن سيار النظام، و القاضي عبد الجبار بن أحمد و غيرهم [1].

و يحسن بنا أن نأتي بجملة موجزة للوقوف على مجمل عقيدة المرتضى من بعض كتبه لتكون شاهد صدق على لحابة معتقدة.

يقول في كتابه «إنقاذ البشر من الجبر و القدر» (1):

فأول ذلك نقول: إن الله ربنا، و محمدا نبينا، و الإسلام ديننا، و القرآن إمامنا، و الكعبة قبلتنا، و المسلمين إخواننا، و العترة الطاهرة من آل الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) و صحابته و التابعين لهم بإحسان، سلفنا و قادتنا، و المتمسكون بهديهم من القرون بعدهم جماعتنا و أولياؤنا، نحب من أحب الله، و نبغض من أبغض الله، و نوالي من والى الله و نعادي من عادى الله.

مذهبه في الفقه و الأصول:

كان المرتضى(رحمه الله) أعرف الناس بالكتاب و السنة و وجوه التأويل في الآيات و الروايات و موارد الاستدلال بهما، و أنه لما سد باب العمل بأخبار الآحاد- و هي في نظره من الأدلة الظنية التي لا توجب علما و لا عملا- اضطر إلى استنباط الأحكام الشرعية من الكتاب و الأخبار المتواترة المحفوفة بقرائن العلم، و ذلك يحتاج إلى فضل اطلاع على الأحاديث و إحاطة بأصول الأصحاب، و مهارة في علم التفسير و اللغة و غيرها لاستنباط الأحكام، بينما يكون العامل بأخبار الآحاد في سعة من ذلك (2).

____________

[1] راجع كتاب أوائل المقالات في المذاهب المختارات للشيخ المفيد، و كتاب الفصول المختارة للشريف المرتضى و هو تلخيص لكتاب أستاذه الشيخ المفيد المسمى «العيون و المحاسن» و هو من الكتب الممتعة حقا، و كتاب الشافي- في الإمامة- للمرتضى في الرد على كتاب القاضي عبد الجبار بن أحمد المعتزلي المسمى بالمغني الكافي، فهو كاف لإيراد شواهد الخلاف بين القوم.

____________

(1) «ص 36» طبع النجف.

(2) روضات الجنات، ص 385.

28

و قد اثر عنه أنه أول من فتح أبواب التدقيق و التحقيق، و استعمل في الأدلة النظر الدقيق، و أوضح طريقة الإجماع و احتج بها في أكثر المسائل (1).

و قد كان في جميع كتبه و رسائله أصوليا بحتا و مجتهدا صرفا، قليل التعلق بالأخبار، كثير الاستدلال بالأدلة العقلية المتفقة مع الكتاب و السنة، فلا غرو أن يكون من مجتهدي الفقهاء و فقهاء المجتهدين [1].

أما مسلكه في تعليل الأخبار و تأويلها فيقول:

اعلم: أن المعول فيما يعتقد، على ما تدل الأدلة عليه، من نفي و إثبات، فإذا دلت الأدلة على أمر من الأمور وجب أن نبني كل وارد من الأخبار إذا كان ظاهره بخلافه عليه و نسوقه إليه، و نطابق بينه و بينه، و نجلي ظاهرا إن كان له، و نشرط إن كان مطلقا، و نخصه إن كان عاما، و نفصله إن كان مجملا، و نوفق بينه و بين الأدلة من كل طريق اقتضى الموافقة و آل إلى المطابقة.

فإذا كنا نفعل ذلك و لا نحتشمه في ظواهر القرآن المقطوع على صحته، المعلوم وروده، فكيف نتوقف عن ذلك في أخبار آحاد لا توجب علما و لا تثمر يقينا؟! فمتى وردت عليك أخبار فأعرضها على هذه الجملة و ابنها عليها، و افعل فيها ما حكمت به الأدلة و أوجبته الحجج العقلية، و إن تعذر فيها بناء و تأويل و تخريج و تنزيل، فليس غير الإطراح لها و ترك التعريج عليها (2).

ثم هو يفسر الأحاديث و ما جاء من الأحكام فيما يتعلق بالمحللات و المحرمات تفسيرا يتفق مع المنطق السليم و العقل القويم، ذاكرا بأن لكل محرم علة و لكل محظور سببا،

____________

[1] و ليس معنى ذلك أنه كان يذهب إلى تفسير القرآن برأيه أو «كان من طليعة المفسرين للقرآن الكريم بالرأي» كما زعمه أو اخترعه الدكتور عبد الرزاق محيي الدين في كتابه «أدب المرتضى» في «ص ب» من المقدمة و في مواضع أخر من الكتاب.

____________

(1) روضات الجنات ص 385.

(2) أمالي المرتضى 2- 350 تحقيق أبو الفضل إبراهيم- طبعة الحلبي.

29

ضاربا ما يقوله الغالية في تعليل بعض الأخبار عرض الجدار، انظر إلى قوله:

فأما تحريم السمك الجري و ما أشبهه فغير ممتنع، لشيء يتعلق بالمفسدة في تناوله كما نقول في سائر المحرمات، فأما القول بأن الجري نطق بأنه مسخ بجحده الولاية [1]، فهو مما يضحك منه و يتعجب من قائله و الملتفت إلى مثله (1).

براعته في المناظرة و علم الكلام:

كان الشريف المرتضى- رضي الله عنه- خليفة أستاذه العلامة الشيخ المفيد في علم الكلام و فن المناظرة، و كان مجلسه كمجلس شيخه المفيد يحضره أقطاب العلماء من كافة المذاهب، بل و سائر الملل، و قد مر عليك دراسة اليهودي عليه و كثرة اختلاف الصابي و تردده إليه و ما قاله ابن الجوزي في أول الترجمة بأن المرتضى كان يناظر عنده في كل المذاهب، و هذا يدل على فضل اطلاعه على فوارق المذاهب و مواد الخلاف فيما بينهم. و هو مع ذلك كان محترما لدى جميعهم، معظما عندهم، إلا عند حساده و مناوئيه. «فقد ذكر عن الشيخ أبي جعفر محمد بن يحيى بن مبارك بن مقبل (كذا و لعله معقل) الغساني الحمصي أنه قال: ما رأيت رجلا من العامة إلا و هو يثني عليه، و ما رأيت من يبخسه حقه، و ما رأيت إلا من يزعم أنه من طائفته» (2).

و قال عنه الصفدي في الوافي بالوفيات: إنه كان فاضلا ماهرا، أديبا متكلما، له مصنفات على مذهب الشيعة، قال الخطيب (يعنى البغدادي): كتبت عنه و كان رأسا في الاعتزال، كثير الاطلاع و الجدال (3).

و قال الثعالبي صاحب يتيمة الدهر: و قد انتهت الرئاسة اليوم ببغداد إلى المرتضى في المجد و الشرف و العلم و الأدب، و الفضل و الكرم. (4).

____________

[1] يريد بالولاية: ولاية أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، و هو يرد و يسخف تحريفات الغالية من الشيعة في قولهم: إن الجري ممن عرضت عليه الولاية فجحدها، و هذا مما يضحك حقا.

____________

(1) أمالي المرتضى 2- 351.

(2) روضات الجنات ص 385.

(3) قد فندنا القول بكونه من المعتزلة في هذه المقدمة.

(4) تتمة اليتيمة 1- 53 ط. إيران.

30

و قد سئل عنه فيلسوف المعرة أبو العلاء بعد أن حضر مجلسه فقال:

يا سائلي عنه لما جئت اسأله * * * فإنه الرجل العاري عن العار

لو جئته لرأيت الناس في رجل * * * و الدهر في ساعة و الأرض في دار

و كان نصير الدين الطوسي الفيلسوف الرياضي المشهور يقول- إذا جرى ذكر المرتضى في درسه-: (صلوات الله عليه)، ثم يلتفت إلى القضاة و المدرسين الحاضرين درسه، و يقول: كيف لا يصلى على المرتضى؟! (1).

علمه باللغة و غريبها:

العلم بغريب اللغة يدل على اطلاع واسع على لغة العرب بدراسة علومها و معرفة لسانها في مختلف ديارها و مواطنها، و قد كان الشيخ عز الدين أحمد بن مقبل (كذا) (2) يقول: لو حلف إنسان أن السيد المرتضى كان أعلم بالعربية من العرب لم يكن عندي آثما، و كتابه الأمالي المعروف ب«غرر الفوائد و درر القلائد» يشتمل على محاسن فنون تكلم فيها في النحو و اللغة و الشعر و التفسير و الكلام و غير ذلك، حتى أن شيخا من شيوخ الأدب بمصر قال فيه: و الله إنى استفدت من كتاب الغرر مسائل لم أجدها في كتاب سيبويه و غيره من كتب النحو (3).

فلسفته:

للمرتضى فلسفة إسلامية خاصة في تفسير الأشياء و ظاهراتها تختلف عن تفسير كافة فلاسفة المسلمين المتأثرين بالفلسفة اليونانية و قواعدها المنطقية المبنية على منطق أرسطو و إلهيات أفلاطون و مغالطات بروتاغوراس، و غيرهم، هذا إذا فسرنا الفلسفة بأنها النظر العقلي في الأشياء، فهو يفسر ظواهر الكون و فعاليات الأحياء مستندا إلى ثلاث دعائم أساسية، هي السماع و العقل و جريان العادة، و أقصد بالسماع ما وردت به آية محكمة أو خبر صحيح، و بالعقل ما أثبتته الأدلة العقلية بالبرهان العقلي غير

____________

(1)- روضات الجنات ص 385.

(2)- روضات الجنات ص 385.

(3)- روضات الجنات ص 385.

31

المستند على أوهام الفلاسفة و سفسطاتهم.

فهو عند ما يعوزه الدليل السمعي يلجأ إلى التعليل العقلي، فإن أعياه هذا ركن إلى القول بجريان العادة التي يسندها إلى الله تعالى، و يريد بالعادة ما نسميه بالسنة الكونية أو الناموس الطبيعي، سواء كان ذلك الناموس حياتيا يتعلق بالأحياء و فعالياتهم، أو كيميائيا حيويا ممتزجا، أو فيزيائيا صرفا.

ففلسفته من لون خاص تمتزج فيها أحيانا الروحية مع المادية و تنفرد إحداهما عن الأخرى أحيانا أخر.

ألا ترى إلى قوله في تفسير نزول الماء من السحارة [1]، و هي ظاهرة طبيعية فيزيائية: فأما ما جربناه فنتكلم على العلة المفرقة بين الزئبق و الماء، و الذي يجب أن يعتمد في نقض الاستدلال من القائلين بذلك في الماء و السحارة أن يقال لهم: ما أنكرتم أن يكون الله تعالى أجرى العادة بأن يفعل في الماء السكون و الوقوف مع سد رأسها، فلا ينزل من أسفلها، و إذا فتحنا رأسها لم يفعل ذلك السكون فيجري الماء منها من الثقوب.

و العادة حسبما استقريناه من فلسفته نوعان، نوع منها يكون ثابتا كأغلب النواميس الطبيعية و الظواهر الكونية، كقانون الجذب الأرضي و المغناطيسية القطبية و الظواهر الفيزيائية، كحرارة الشمس و آثارها، و حجر المغناطيس و فعله.

و منها ما يكون نسبيا يختلف باختلاف الأشخاص و الأحوال، و هذه هي العادة المكتسبة أو المحلية غير المستقرة، فانظر إلى قوله بعد تعليله نزول الماء من السحارة مباشرة: و ليس ينبغي أن ينكر أصحابنا خاصة أن يكون هذا بالعادة و نحن كلنا نقول:

إن انجذاب الحديد إلى حجر المغناطيس إنما هو بالعادة، و إلا فالمغناطيس و سائر

____________

[1] السحارة: آلة يكون في رأسها ثقب واحد و في أسفلها ثقوب كثيرة (تشبه رأس دوش الحمام)، إذا ملأناها بالماء ثم سددنا رأسها بالإبهام، لم ينزل الماء من الثقوب التي في أسفلها، و إذا أزلنا إبهامنا نزل الماء. و لا علة لذلك إلا أنها عند سد رأسها بالإبهام منعنا الهواء من أن يخلف في مكان الماء (راجع 2- 322) من أمالي المرتضى- تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم- ط. الحلبي سنة 1373 همع هامشها).

32

الأحجار سواء! و إن بالعادة وقع الشبع عند تناول الخبز و اللحم، و ارتفع عند غيرهما، و الجنس واحد، و ما تقول جماعتنا بالعادة أكثر من أن يحصى.

ثم انظر إلى قوله: فإذا قيل لنا، فما طريقه العادة يجوز فيه الاختلاف. قلنا لهم: نحن نجوز ذلك و لا نمنع أن تختلف العادة فيه: كما لا نمنع أن يستمر في كل بلد و عند كل أحد، و لا يخرج هذا الحكم مع استمراره عن أن يكون مستندا إلى العادة (1) ثم يقول:

و إذا أنكر الفلاسفة الملحدون تعليقنا ذلك بالعادة لجحدهم الصانع.

ثم نراه يفيض بعد ذلك في تفسير العادة و تعليلها و اختلاف آثارها باختلاف المكان و الزمان فليراجع (2).

رأيه في النفس و عدم تجردها:

يرى المرتضى ذات الإنسان واحدة، لا نفس له مجردة عنه و مفارقة له. و بذلك يفارق كافة الفلاسفة الإسلاميين و من سبقهم من القائلين بتجرد النفس عن الجسد و مفارقتها له بعد فنائه. و يسمي فلسفة القائلين بذلك هذيانا [1].

تأمل في قوله:

و الذي تهذي به الفلاسفة من أن النفس جوهر بسيط و ينسبون الأفعال إليها مما لا محصول له، و بينا فساده في مواضع كثيرة من كتبنا، و دللنا على أن الفاعل المميز الحي الناطق، هو الإنسان الذي هو هذا الشخص المشاهد، دون جزء فيه، أو جوهر بسيط

____________

[1] أقول: تعرض أغلب الفلاسفة المتقدمين منهم و المتأخرين من المسلمين و غير المسلمين إلى ذكر النفس و صفاتها و أحوالها منهم أرسطو- من فلاسفة اليونان- له كتاب خاص بالنفس، و لابن سينا و لابن رشد و للخواجه نصير الدين الطوسي لكل رسالة فيها و للأخير رسالة قيمة سماها «بقاء النفس بعد فناء الجسد» و قد وضع ملا صدرا من فلاسفة المسلمين الإلهيين المتأخرين كتابا ضخما سماه أسفار النفس تعرض في بحوث خاصة منه لها، و لكثير من فلاسفة اليونان و المسلمين و غيرهم بحوث مستفيضة فيها، و قد عزمنا بعون الله على وضع رسالة كبيرة في ذلك تتضمن رأي المرتضى- رضي الله عنه- و رأى غيره فيها.

____________

(1) أمالي المرتضى 2- 326- 327.

(2) أمالي المرتضى 2- 327 و 332 منه أيضا.

33

يتعلق به، و ليس هذا موضع بيان ذلك و الكلام فيه (1).

ثم يقول في شرحه و تعليقاته على بعض أبياته في طيف الخيال (2):

«الأرواح لا يصح عليها في الحقيقة التلاقي و التزاور، لكن الشعراء لما رأوا أن الأجساد في طيف الخيال لم تتلاق و لا تدانت نسبوا التلاقي إلى الأرواح، تعويلا على من جعل النفس لها قيام بنفسها، و أنها غير الجسد، و أن التصرف لها، فجرينا على هذه الطريقة، و إن كان ذلك باطلا في التحقيق».

ثم نراه يزري بالفلاسفة و يذهب في تسخيفهم و تهجينهم إلى أبعد الحدود عند تعرضه لقولهم في المنامات و نسبتها إلى النفس بما يأتي:

قوله في المنامات «و الأحلام»:

يذهب المرتضى في تعليله المنامات و أسبابها مذهبا يتفق في بعض أقسامه مع رأي علماء الطبيعة المحدثين في ذلك، و ينكر ما تقوله الفلاسفة في هذا الباب من نسبتهم المنامات إلى النفس و ما تطلع عليه من عالم الغيب:

انظر إلى قوله:

«فأما ما تهذي به الفلاسفة في هذا الباب، مما يضحك الثكلى، لأنهم ينسبون ما صح من المنامات لما أعيتهم الحيل في ذكر سببه إلى أن النفس اطلعت إلى عالمها فأشرفت على ما يكون. و هذا الذي يذهبون إليه في حقيقة النفس غير مفهوم و لا مضبوط، فكيف إذا أضيف إليه الاطلاع على عالمها؟ و ما هذا الاطلاع؟ و إلى أي شيء يشيرون بعالم النفس؟ و لم يجب أن تعرف الكائنات عن هذا الاطلاع؟! و كل هذا زخرفة و مخرقة، و تهاويل لا يتحصل منها شيء (3).

____________

(1) طيف الخيال ص 39 طبعة عيسى الحلبي- مصر سنة 1374 ه.

(2) ص 83.

(3) أمالي المرتضى 2- 395.

34

ثم هو ينكر ما يقول أصحاب الطبائع في المنامات و يفند آراءهم (1).

و نحن لا نريد أن نعلق أو نبسط القول في هذه المقدمة الموجزة على ما يقوله في النفس إذ له ما يشير أو يصرح بوجود روح في الإنسان بها قوام الجسد (2). كما أن له من القول في شعره ما يشعر ببقائها بعد تلاشي الجسد:

و من أين البقاء و الجسم ترب * * * يتلاشى و إنما الروح روح (3)؟

إلا أننا لم نقف له على قول يبين لنا كنه تلك الروح أو صفاتها، و الظاهر من كلامه المار أنها لم تكن جوهرا بسيطا مجردا تتعلق بالبدن في حياته، و تفارقه عند مماته، كما يقول الأكثرون، أو يصروه الفلاسفة الأقدمون، و لعلها مادة موجودة في البدن متى وجدت أسبغت عليه صفة الحياة، فإن اختلت أو فقدت، اتصف البدن بالممات، أو هي على الأصح نسمة من أمر الله كما عبر عنها القرآن الكريم- إن أريد بمعنى الروح ذلك.

و على كل فليس في قول المرتضى ما يستفاد منه إنكار الروح أصلا، و لكنه ينكر ما يصوره الفلاسفة من أوصافها من الجوهرية و التجرد و البساطة. و ما ينسبون إليها من أعمال، و ليس في قوله هذا ما يستفاد منه إنكار البعث كما قد توهم أو يتوهم البعض، إذ لا ملازمة بين إنكارها و إنكاره. و عسى أن نوفق إلى بسط القول في ذلك في مجال آخر إن شاء الله تعالى.

رأيه في المنجمين:

يذهب المرتضى إلى تخريف المنجمين و تسخيفهم، و إلى أنهم مشعوذون دجالون، و أن ما يقولون به من تأثيرات النجوم و سير الكواكب و أثر الطالع و نحس الأيام و يمنها، كل ذلك لا طائل تحته و لا حقيقة فيه، و قد كان يجب لو كان قد صح القول بالنجوم و أحكامها، أن تكون سلامة المنجمين أكثر و مصائبهم أقل، لأنهم يتوقون المحن

____________

(1) الأمالي 2- 393 و 394 و 395.

(2) الأمالي 1- 12.

(3) الديوان، القسم الأول ص 188.

35

لعلمهم بها قبل كونها (1).

قال المرتضى: كان بعض الرؤساء، بل الوزراء ممن كان فاضلا في الأدب و الكتابة و مشغوفا بالنجوم، عاملا عليها، قال لي يوما- و قد جرى حديث يتعلق بأحكام النجوم، و رأى من مخايلي التعجب ممن يتشاغل بذلك، و يفني زمانه به-: أريد أن أسألك عن شيء في نفسي، فقلت: سل عما بدا لك، قال: أريد أن تعرفني هل بلغ بك التكذيب بأحكام النجوم إلى ألا تختار يوما لسفر، و لبس ثوب جديد، و توجه في حاجة؟

فقلت: قد بلغت ذلك و الحمد لله و زيادة عليه، و ما في داري تقويم، و لا أنظر فيه و ما رأيت إلا خيرا (2).

ثم يقول المرتضى:

فأما إصابتهم في الإخبار عن الكسوفات و اقتران الكواكب و انفصالها، فطريقه الحساب و تسيير الكواكب، و له أصول صحيحة، و قواعد سديدة، و ليس كذلك ما يدعونه من تأثيرات الكواكب في الخير و الشر و النفع و الضرر (3). و الفرق بين الأمرين ظاهر معلوم. هذا و للمرتضى مجالات في الفلسفة أخر أرجأنا البحث عنها و الإسهاب فيها إلى فرصة أخرى ليست هذه المقدمة مما تستوجبها أو تستوعبها.

بين المرتضى و أبي العلاء المعري:

ذكر أبو منصور أحمد بن علي الطبرسي صاحب الاحتجاج قال فيه (4):

دخل أبو العلاء المعري على السيد المرتضى(قدس الله روحه) فقال: أيها السيد، ما قولك في الكل؟ فقال السيد: ما قولك في الجزء؟ فقال: ما قولك في الشعري؟ فقال:

ما قولك في التدوير؟ قال: ما قولك في عدم الانتهاء؟ فقال: ما قولك في التحيز و الناعورة؟ فقال: ما قولك في السبع؟ فقال: ما قولك في الزائد البري [1] على السبع؟

____________

[1] كذا في الأصل و لعلها «المربي» أي الزائد، راجع: هامش ص 30 من كتاب «أبو العلاء في بغداد» للمرحوم العلامة طه الراوي.

____________

(1) أمالي المرتضى 2- 388.

(2) الأمالي 2- 387.

(3) الأمالي 2- 391.

(4) الاحتجاج طبع إيران- دار الطباعة- ص 259- 260.

36

فقال: ما قولك في الأربع؟ فقال: ما قولك في الواحد و الاثنين؟ فقال: ما قولك في المؤثر؟ فقال: ما قولك في المؤثرات؟ فقال: ما قولك في النحسين؟ فقال: ما قولك في السعدين؟ فبهت أبو العلاء، فقال السيد(قدس الله روحه) عند ذلك: ألا كل ملحد ملهد، فقال أبو العلاء: من أين أخذته؟ قال: من كتاب الله عز و جل «يٰا بُنَيَّ لٰا تُشْرِكْ بِاللّٰهِ، إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ»، فقام فخرج، فقال السيد: قد غاب عنا الرجل، و بعد هذا لا يرانا.

فسئل السيد عن شرح هذه الرموز و الإشارات، فقال: سألني عن الكل، و عنده الكل قديم، و يشير بذلك إلى عالم سماه العالم الكبير، فقال لي: ما قولك فيه؟ أراد أنه قديم، فأجبته عن ذلك فقلت له: ما قولك في الجزء؟ لأن عندهم الجزء محدث، و هو متولد عن العالم الكبير، و هذا الجزء عندهم هو العالم الصغير. و كان مرادي بذلك أنه إذا صح أن هذا العالم محدث، فذلك الذي أشاره إليه إن صح فهو محدث أيضا، لأن هذا من جنسه على زعمه، و الشيء الواحد و الجنس الواحد لا يكون بعضه قديما و بعضه محدثا. فسكت لما سمع ما قلته.

و أما الشعري، أراد أنها ليست من الكواكب السيارة، فقلت له: ما قولك في التدوير؟ أردت أن الفلك في التدوير و الدوران، و الشعرى لا يقدح في ذلك.

و أما عدم الانتهاء، أراد بذلك أن العالم لا ينتهي لأنه قديم، فقلت له: قد صح عندي التحيز و التدوير، و كلاهما يدلان على الانتهاء.

و أما السبع، أراد بذلك النجوم السيارة التي هي عنده ذوات الأحكام، فقلت له:

هذا باطل بالزائد البري (كذا) الذي يحكم فيه بحكم لا يكون ذلك الحكم منوطا بهذه النجوم السيارة التي هي الزهرة و المشتري و المريخ و عطارد و الشمس و القمر و زحل.

و أما الأربع، أراد بها الطبائع، فقلت له: ما قولك في الطبيعة الواحدة النارية يتولد منها دابة بجلدها تمس الأيدي (كذا)، ثم يطرح ذلك الجلد على النار، فتحرق الزهومات فيبقى الجلد صحيحا، لأن الدابة خلقها الله على طبيعة النار، و النار لا تحرق النار.

و الثلج أيضا تتولد فيه الديدان و هو على طبيعة واحدة. و الماء في البحر على طبيعتين

37

يتولد منه السموك و الضفادع و الحيات و السلاحف و غيرها. و عنده لا يحصل الحيوان إلا بالأربع فهذا مناقض بهذا.

و أما المؤثر، أراد به زحل، فقلت له: ما قولك في المؤثرات؟ أردت بذلك أن المؤثرات كلهن عنده مؤثرات، فالمؤثر القديم كيف يكون مؤثرا؟

و أما النحسان، أراد بهما أنهما من النجوم السيارة، إذا اجتمعا يخرج من بينهما سعد، فقلت له: ما قولك في السعدين إذا اجتمعا يخرج من بينهما نحس، هذا حكم أبطله الله تعالى، ليعلم الناظر أن الأحكام لا تتعلق بالمسخرات، لأن الشاهد يشهد، أن العسل و السكر إذا اجتمعا لا يحصل منهما الحنظل و العلقم، و الحنظل و العلقم إذا اجتمعا لا يحصل منهما الدبس و السكر. هذا دليل على بطلان قولهم.

أما قولي: ألا كل ملحد ملهد، أردت أن كل مشرك ظالم، لأن في اللغة، ألحد الرجل إذا عدل عن الدين، و ألهد إذا ظلم- فعلم أبو العلاء ذلك و أخبرني عن علمه بذلك، فقرأت: «يٰا بُنَيَّ لٰا تُشْرِكْ بِاللّٰهِ.» الآية.

أقول: نحن نشك في صحة هذه المحاورة الفلسفية المنمقة، التي لم يذكر لنا الطبرسي عمن أخذها! و في أي كتاب وجدها؟، و كتابه «الاحتجاج» أكثر أخباره مراسيل على ما ذكره غير واحد من المحققين (1).

و قد ذهب إلى تفنيد هذه الرواية من قبل، العلامة المرحوم طه الراوي في كتابه «أبو العلاء في بغداد» و هاك تعليقه عليها:

و هذه القصة تنادي على نفسها بالاختلاق- كما ترى- و مفتري هذه الحكاية يزعم أن السيد المرتضى حكم بعدم عودة أبي العلاء إلى مجلسه. فهل كان هذا الحكم قبل وقوع القصة السابقة [1] أو بعده؟

ثم إن القصة أشارت إلى أن السيد المرتضى حكم بإلحاد أبي العلاء مع أنا نعلم

____________

[1] يعني القصة التي ذكرها من اجتماع المعري بالمرتضى و تعصبه للمتنبي على ما ذكره ياقوت في معجم الأدباء 3- 123- 124 ط. مصر.

____________

(1) راجع 2- 404 من كتاب الكنى و الألقاب للشيخ عباس القمي ط. صيدا، و قول العلامة المجلسي فيه.

38

يقينا أن هذه التهمة لم تلصق بأبي العلاء إلا بعد رجوعه إلى المعرة، و اعتكافه في منزله، و على الجملة فإن هذه الحكاية و التي سبقتها من واد واحد».

و أما الحكاية التي يشير إليها العلامة الراوي فهاك نصها مع تعليقه عليها أيضا: قال العلامة الراوي:

و أما الحكاية التي اعتبرها بعض الفضلاء من أسباب رحلته عنها (يعني رحلة المعري عن بغداد) فليس في شعر أبي العلاء و لا نثرة ما يشعر بها، أو يشير إليها، مما ينبئ بأن أبا العلاء نفسه لا يعرفها، و انما هي من وضع الرواة و رواد النوادر، و قد تلقفها الناس و تناقلوها من غير تمحيص. و هاك النص الذي جاء في «معجم الأدباء للحموي»:

كان أبو العلاء يتعصب للمتنبي، و يزعم أنه أشعر المحدثين، و يفضله على بشار و من بعده مثل أبي نواس و أبي تمام، و كان المرتضى يبغض المتنبي، و يتعصب عليه، فجرى يوما بحضرته ذكر المتنبي فتنقصه المرتضى و جعل يتتبع عيوبه، فقال المعري: لو لم يكن للمتنبي من الشعر إلا قوله:

لك يا منازل في القلوب منازل. لكفاه فضلا. فغضب المرتضى و أمر فسحب برجله و أخرج من مجلسه، و قال لمن بحضرته: أ تدرون ما أراد بذكر هذه القصيدة؟ فإن للمتنبي ما هو أجود منها لم يذكرها، فقيل: النقيب السيد أعرف. فقال: أراد قوله في هذه القصيدة:

و إذا أتتك مذمتي من ناقص * * * فهي الشهادة لي بأني كامل

و قد تتبعت جذور هذه الحكاية فلم أجد لها أصلا يعتمد عليه. و إن كثر ناقلوها فإنهم لم يذكروا لنا واحدا من شهود الحادثة. مع أنهم يزعمون أنها وقعت في مجلس السيد المرتضى و هو بحكم العادة يومئذ كان يزخر بطلاب العلم و رجال الفضل، مما يشير إلى أنها مختلفة من أساسها.

فلا أبو العلاء يعتبر الشريف ناقصا، و لا الشريف يحط من قدر أبي العلاء فيخرجه مهانا.

و يظهر أن الذي ابتدع هذه الحكاية أراد أن يرفع من ذكاء الرجلين فحط من خلقيهما.

39

و من أشهر ناقلي هذه القصة و أقدمهم- على ما نعلم- ياقوت الحموي المتوفى سنة 626 ه، أي بعد قرنين و ربع من حدوث القصة، و لم يذكر من سندها إلا قوله:

«نقلت من بعض الكتب»، و هو سند مبهم كل الإبهام كما ترى. و نحن نعلم أن أبا العلاء رثى أبا أحمد الموسوي والد الشريف المرتضى قبيل مفارقته بغداد [1] بقصيدته المشهورة التي مطلعها:

أؤدي فليت الحادثات كفاف * * * مال المسيف و عنبر المستاف

منها: رغت الرعود و تلك هدة واجب * * * جبل هوى من آل عبد مناف

و قد أثنى فيها على الشريف المرتضى و أخيه أطيب الثناء، فلا يصح بعد هذا أن يقال إن أبا العلاء يحط من قدر الشريف، أو إن الشريف يحط من قدر أبي العلاء».

هذا و أمثاله مما يختلفه جماعة من الرواة و يضعونه- من حيث يعلمون و من حيث لا يعلمون- كثير. كما قد نسب إلى المرتضى من ذمه و إزرائه بأبى إسحاق الصابي عند ما نقل إليه نعيه و رثاء أخيه الشريف الرضي له- مع أنك وجدت- كما ذكرنا لك من قبل- رثاء المرتضى نفسه للصابي بتلك المرثية الرائعة التي تدمغ ما وضعه المبطلون و افتراه المفترون.

هذا و للمرتضى مجلس ذكر أنه دخل عليه فيه أبو العلاء المعري فعثر برجل أحمق فقال لأبي العلاء: من هذا الكلب؟ فقال له أبو العلاء: الكلب من لا يعرف للكلب سبعين اسما، و سمعه المرتضى و استدناه و اختبره فوجده عالما مشبعا بالفطنة و الذكاء فأقبل عليه إقبالا كثيرا [2].

و قد مرت عليك الإشارة إلى القصيدة التي يرثي بها المعري أبا أحمد الموسوي والد الشريفين المرتضى و الرضي و يثني بها عليهما و التي يقول فيها:

____________

[1] فقد توفي أبو أحمد الموسوي والد السيد المرتضى في جمادى الأولى سنة 400 ه، و برح أبو العلاء بغداد في شهر رمضان من تلك السنة.

[2] نسب أبو سعد عبد الكريم السمعاني المتوفى سنة 564 في كتابه القيم الأنساب هذه القصة لأبي بكر محمد بن العباس الخوارزمي المتوفى سنة 383 و أنها حدثت في مجلس الصاحب بن عباد الوزير المتوفى سنة 385، و ذلك أقرب إلى الصواب «راجع ورقة 209 من الأنساب».

40

أبقيت فينا كوكبين سناهما * * * في الصبح و الظلماء ليس بخاف

متأنقين و في المكارم أرتعا * * * متألقين بسؤدد و عفاف

قدرين في الأرداء بل مطرين في ال * * * اجداء، بل قمرين في الإسداف

رزقا العلاء فأهل نجد كلما * * * نطقا الفصاحة مثل أهل دياف

ساوي الرضي المرتضى و تقاسما * * * خطط العلا بتناصف و تصاف

حلفا ندى سبقا و صلى الأطهر * * * المرضي فيا لثلاثة إحلاف

أنتم ذوو النسب القصير فطولكم * * * باد على الكبراء و الأشراف

و الراح إن قيل ابنة العنب اكتفت * * * بأب عن الأسماء و الأوصاف

و يقول في آخرها:

يا مالكي سرح القريض أتتكما * * * مني حمولة مسنتين عجاف

لا تعرف الورق اللجين و إن تسل * * * تخبر عن القلام و الخذراف

و أنا الذي أهدى أقل بهارة * * * حسنا لأحسن روضة مئناف

منزلته الاجتماعية و السياسية:

كان الشريف (رحمه الله) مقربا لدى خلفاء بني العباس، أثيرا عندهم و معظما، و ذلك لما يتحلى به من كريم الصفات و عظيم الملكات، و لما تربطه بهم من و شائج النسب و وسائل القربى مع جليل المكانة و المنزلة عند الخاص و العام. لذا قلد نقابة الطالبيين و أمر الحج و المظالم و جميع ما كان لأخيه الرضي، و هي مناصب جد خطيرة، و ذلك في يوم السبت الثالث من صفر سنة 406، و هي سنة وفاة أخيه الرضي في عهد الخليفة القادر بالله، و جمع الناس لقراءة عهده في الدار الملكية، و حضر فخر الملك «الوزير أبو غالب محمد بن خلف» و الأشراف و القضاة و الفقهاء.

و كان العهد الذي عهده الخليفة القادر بالله هذا نصه:

«هذا ما عاهد [1] عبد الله أحمد القادر بالله أمير المؤمنين إلى علي بن الحسين بن

____________

[1] كذا في المنتظم لابن الجوزي 7- 276 «ما عاهد»، و نقلها عنه الدكتور عبد الرزاق محيي الدين في «أدب المرتضى» ص 107 كذلك، و الصحيح أن يقال «هذا ما عهد به» يقال عهد به إليه و عاهده على كذا.

41

موسى العلوي، حين قربته إليه الأنساب الزكية، و قدمته لديه الأسباب القوية، و استظل معه بأغصان الدوحة الكريمة، و اختص عنده بوسائل الحرمة الوكيدة، فقلده الحج و النقابة و أمره بتقوى الله.».

و في فاتحة هذا الديوان مرثية جيدة يرثي بها المرتضى هذا الخليفة القادر بالله المتوفى «سنة 422 ه»، و يذكر فجعته به و هلعه ببلوغ نعيه إليه، ثم يصفه بالعفاف و التقى و نقاوة الإزار «و قد كان القادر يدعى راهب بني العباس» (1)، و يهنئ بها أيضا ابن الخليفة القائم لتولية الخلافة عند أخذ البيعة له، و كان المرتضى أول من بايعه.

فلهذه العلاقات الوثيقة و الوشائج العريقة التي تربط المرتضى بالخلفاء، كان كثير الرفقة لهم شديد الاتصال بهم، يأنسون في أغلب الأمور برأيه، و يجعلون منه حافظ سرهم الأمين، و مشيرهم الناصح، و سفيرهم المصلح في أكثر ملماتهم و عظائم أمورهم إلى الملوك و الوزراء و كافة عمال الدولة و طبقات الناس.

فلا غرابة أن تكون دار المرتضى الوزر (2) المنيع و الحصن الحصين يلجأ إليها الملوك و الوزراء عند ما تعروهم المحن و يحيق بهم البلاء على أثر الفتن الحادثة في ذلك العصر، و ما أكثرها! فيحدثنا التأريخ بنزول الملك جلال الدولة في دار المرتضى- بدرب جميل- بعد أن تغيرت قلوب الجند عليه فشغبوا و نهبوا حتى اضطر الملك إلى نقل ولده و حرمه و ما بقي من ثيابه و آلاته و دوابه و فرش داره إلى جانب الغربي ليلا، و ذلك على اثر استيزار الوزير أبي القاسم [ابن مأكولا]، ثم جرت مكاتبات بين العسكر و الخليفة في شأنه، و كان الوسيط في عرض مطاليب هؤلاء هو الشريف المرتضى و ذلك في «سنة 424» (3).

كما نجد فتن العيارين تشغل بال السلطان فيراسل المرتضى بإحضارهم إلى داره

____________

(1) راجع ذيل تجارب الأمم لأبي شجاع ط. مصر ص 207.

(2) الوزر (بفتحتين) الملجإ.

(3) المنتظم لابن الجوزي 7- 72- 74.

42

و أن يقول لهم: من أراد منكم التوبة قبلت توبته و أقر في معيشته، و من أراد منكم خدمة السلطان استخدم مع صاحب البلد، و من أراد الانصراف عن البلد كان آمنا على نفسه ثلاثة أيام. (1) و ذلك في سنة 425.

و يروي لنا التأريخ أيضا (2) أنه في ربيع الآخر سنة 427 نقل أبو القاسم ابن مأكولا الوزير بعد أن قبض عليه و سلم إلى «المرتضى» إلى دار المملكة فمرض و يئس منه، و راسل الخليفة في معنى أخيه قاضي القضاة أبي عبد الله ابن مأكولا، و قيل هو يعرف أمواله، فدفع عنه الخليفة، ثم إن الجند شغبوا على جلال الدولة و قالوا: إن البلد لا يحتملنا و إياك، فاخرج من بيننا، فإنه أولى لك، فقال: كيف يمكنني الخروج على هذه الصورة؟ أمهلوني ثلاثة أيام حتى آخذ حرمي و ولدي و أمضي، فقالوا: لا نفعل، و رموه بآجرة في صدره فتلقاها بيده، و اخرى في كتفه، فاستجاش الملك الحواشي و العوام، و كان المرتضى و الزينبي و الماوردي عند الملك، فاستشارهم في العبور إلى الكرخ كما فعل في المرة الأولى، فقالوا: ليس الأمر كما كان و أحداث الموضع قد ذهبوا، و حول الغلمان خيمهم إلى ما حول الدار إحاطة بها، و بات الناس على أصعب خطة، فخرج الملك نصف الليل إلى زقاق غامض، فنزل إلى دجلة، و قعد في سميرية فيها بعض حواشيه فغرقوها تقديرا أنه فيها، و مضى الملك مستترا إلى «دار المرتضى» و بعث حرمة إلى دار الخليفة، و نهب الجند دار المملكة و أبوابها و ساجها و رتبوا فيها حفظة، فكانت الحفظة تخربها نهارا و تنقل ما اجتمع من ذلك ليلا.

فلا بدع أن يصيب المرتضى من جزاء ذلك كثير من الأذى من رشاش تلك الحوادث و شظايا تلك الفتن التي قلما يسلم منها الوسطاء، أو يفلت منها المصلحون، و قد يجر عليهم ذلك أحيانا ارتياب الخليفة أو تغير قلبه لانقداح الشك فيه لعارض شبهة قد لا يكون لها أصل.

فيحدثنا التأريخ: أن الوزير أبا القاسم المغربي [1] جمع الأتراك و المولدين ليحلفوا

____________

[1] هو أبو القاسم الحسين بن علي بن الحسن المتوفى سنة 418 وزر لمشرف الدولة بعد أبي علي الرخجي. (المنتظم 8- 32).

____________

(1) المنتظم 8- 79.

(2) المنتظم ج 8- حوادث سنة 427.

43

لمشرف الدولة البويهي، و كلف مشرف الدولة المرتضى و نظام الحضرتين أبا الحسن الزينبي و قاضي القضاة أبا الحسن بن أبي الشوارب، و جماعة من الشهود و الحضور، فأحلفت طائفة من القوم، فظن الخليفة أن التحالف لنية مدخولة في حقه، فبعث من دار الخليفة من منع الباقين بأن يحلفوا، و أنكر على المرتضى و الزينبي و قاضي القضاة حضورهم بلا إذن، و استدعوا إلى دار الخلافة، و سرح الطيار، و أظهر عزم الخليفة على الركوب، و تأدى ذلك إلى مشرف الدولة و انزعج منه و لم يعرف السبب فيه، فبحث عن ذلك، إذ أنه اتصل بالخليفة هذا التحالف عليه، فترددت الرسائل باستحالة ذلك، و انتهى الأمر إلى أن حلف مشرف الدولة على الطاعة و المخالصة للخليفة. (1).

و قد لا يقف الأمر عند هذا الحد من الارتياب و الشك الذي يمحوه استكشاف الحال بالاستجواب أو العتاب، بل قد يصل إلى أكثر من ذلك من الإضرار بالأنفس و الأموال! أما ما كان يصيب المرتضى من فتن العامة و أمر الطغام، فشيء ليس بالأمر اليسير استقصاؤه، فيحدثنا التأريخ عن استفحال أمر العيارين و كبسهم لدور الناس نهارا، و في الليل بالمشاعل و الموكبيات، و كانوا يدخلون على الرجل فيطالبونه بذخائره و يستخرجونها منه بالضرب كما يفعل المصادرون و لا يجد المستغيث مغيثا مع القتل و النهب حتى أحرقت «دار المرتضى» على الصراة و قلع هو باقيها و انتقل إلى درب جميل (2).

كما نجد قبل ذلك في حوادث سنة 422 أن دار المرتضى تنقب فيخرج منها مرتاعا منزعجا، حتى جاد جيرانه من الأتراك فدافعوا عنه و عن حرمه و أحرقت إحدى سميريتيه على أثر فتن كانت تحدث بين السنة و الشيعة (3).

و هكذا نجد المرتضى يموج في خضم زاخر من تلك الأحداث و الفتن التي لا يبتلى بها إلا رؤساء القوم و عليتهم، هذا إذا بأخت آراء الخلفاء، و سفهت أحلام الملوك، و أساء الحاكمون استعمال السلطة، و اختل الأمن و أخذ البري بذنب المسيء، و سقطت هيبة السلطان لتفريطه في أمور الرعية، و انهمك أرباب المملكة و ولاة الأمور باللذات

____________

(1) المنتظم ج 8 حوادث سنة 415.

(2) المنتظم ج 8 ص 22.

(3) المنتظم 8- 55.

44

الشخصية، و ارتفعت مراقبة الدين من قلوب المؤمنين، فلا محاسب و لا محاسب، فالأمر منذر حينذاك بخطر عظيم و شر عميم.

و مع كل هذا فقد كان المرتضى(رحمه الله) في ذلك العصر المشحون بالفتن و الشغب، و الهم و النصب لا يخلو من ظرف و دعابة مع أصدقائه و معاشريه بما لا يخرج عن حدود الحشمة و مسالك الأدب، فقد اطلع يوما من روشنه فرأى المطرز [1] الشاعر قد انقطع شراك نعله و هو يصلحه فقال له: قدت ركائبك، و أشار إلى قصيدته التي أولها:

سرى مغرما بالعيس ينتجع الركبا * * * يسائل عن بدر الدجى الشرق و الغربا (1)

على عذبات الجزع من ماء تغلب * * * غزال يرى ماء القلوب له شربا

إذا لم تبلغني إليكم ركائبي * * * فلا وردت ماء و لا رعت العشبا

فقال مسرعا: أ تراها ما تشبه مجلسك و خلعك و شربك، أشار بذلك إلى أبيات المرتضى التي منها [2]:

يا خليلي من ذؤابة قيس * * * في التصابي رياضة الأخلاق

غنياني بذكرهم تطرباني * * * و اسقياني دمعي بكأس دهاق

و خذا النوم من جفوني فإني * * * قد خلعت الكرى على العشاق

معاصروه و أصحابه:

كان للشريف المرتضى بفضل ما اوتي من شرف العلم و النسب، و ما تحلى به من زكاته الطبع و الأدب، مع عزة النفس و و فارة المال، و جميل الخصال، و سموا الرتبة و جليل

____________

[1] المطرز: لقب أبي القاسم عبد الواحد بن محمد بن يحيى بن أيوب الشاعر، و كان يسكن ناحية الدجاج، توفي في جمادى الآخرة «سنة 439» (المنتظم 8- 134).

[2] أول القصيدة:

ما رأتني عيناك يوم الفراق * * * أخدع القلب بادكار التلاقي

و هي قصيدة حسنة في واحد و أربعين بيتا يهنئ المرتضى خاله أبا الحسين أحمد بن الحسن الناصر بعيد الفطر و هي مثبتة في هذا الديوان.

____________

(1) راجع معجم الأدباء لياقوت ج 13 ترجمة المرتضى تجد في هذا البيت و روايته تصحيفات.

45

المكانة، أصدقاء كثر جلهم من أهل العلم و الأدب، و الفضل و الشرف ممن لا يمكننا الإتيان على ذكرهم جميعا، و سنكتفي بعرض أسماء قسم ممن ورد ذكرهم في الديوان من علية القوم و رؤسائهم، تاركين التعليق عليهم، أو الإسهاب في شرح أحوالهم، لأن ذلك لا يناسب هذه الترجمة الموجزة، و لأن أكثرهم، إما أن يكون مشهورا، أو ذكرت ترجمته بطيات الديوان، و هاك أهم من ورد ذكرهم في الديوان:

فمن الخلفاء:

الطائع لأمر الله، و القادر و ابنه القائم بأمر الله، ثم ابنه ذخيرة الدين أبو العباس محمد بن القائم بأمر الله.

و كان المرتضى قد عاصر من الخلفاء أربعة هم: المطيع و كانت خلافته منذ سنة 334 إلى 363 و كان عمر الشريف المرتضى حين وفاة المطيع لم يتجاور ثمانية أعوام، لذا لم يرد ذكره في الديوان. ثم ولي الخلافة الطائع إلى سنة 381 حيث وليها القادر إلى «سنة 422» إذ وليها ابنه القائم و هو شاب، و للمرتضى في تهنئته في الخلافة «سنة 422» و تعزيته بوفاة والده القادر قصيدة في أول هذا الديوان مرت الإشارة إليها و كان هذا الخليفة- القائم- آخر من عاصره المرتضى، حيث توفي المرتضى سنة 436 و بقي القائم إلى سنة 467.

أما الملوك

الوارد ذكرهم، فمنهم: بهاء الدولة البويهي و أبناؤه شرف الدولة، و سلطان الدولة، و ركن الدين جلال الدولة، ثم الملك أبو كاليجار المرزبان بن سلطان الدولة بن بهاء الدولة.

و من الوزراء:

الوزير أبو غالب محمد بن خلف، و الوزير أبو علي الرخجي، و الوزير أبو علي الحسن بن حمد، و الوزير أبو سعد بن عبد الرحيم، و الوزير أبو الفتح (كذا في الديوان و لعله ابن دارست وزير القائم) و الوزير أبو الفرج محمد بن جعفر بن فسانجس، و الوزير أبو طالب محمد بن أيوب بن سليمان البغدادي، و الوزير أبو منصور بهرام بن مافنة وزير الملك أبي كاليجار و غيرهم.

و من النقباء:

والده الشريف أبو أحمد الموسوي، و خاله الشريف أحمد بن الحسن الناصر، و أخوه الشريف أبو الحسن محمد الرضي، و الشريف أبو علي عمر بن محمد بن عمر العلوي، و الشريف نقيب النقباء أبو الحسن الزينبي، و الشريف أبو الحسين بن

46

الشبيه [العلوي] و غيرهم.

و من الأمراء:

الأمير أبو الغنائم محمد بن مزيد المقتول سنة 401، و عميد الجيوش أبو علي أستاذ هرمز المتوفى في هذه السنة أيضا، و أمير الأمراء أبو منصور بويه بن بهاء الدولة، و الأمير أبو شجاع «بكران بن بلفوارس» [1]، و الأمير عنبر الملكي المتوفى سنة 420، و أمير عقيل غريب بن مقفى المتوفى سنة 425، و غيرهم.

و من العلماء و القضاة و الأدباء:

أستاذه العلامة الشيخ المفيد المتوفى سنة 413، و الشيخ أبو الحسن عبد الواحد بن عبد العزيز الشاهد المتوفى سنة 419، و سعد الأئمة أبو القاسم و ابنه معتمد الحضرة أبو محمد المتوفى سنة 417، و أبو الحسين بن الحاجب المتوفى سنة 428، و أبو إسحاق الصابي الكاتب المشهور المتوفى سنة 384، و أبو الحسن هلال بن المحسن بن أبي إسحاق الصابي المتوفى سنة 448، و ابن شجاع الصوفي المتوفى سنة 423، و أبو الحسين الإقساسي العلوي الذي تولى إمارة الحج نيابة عن المرتضى مرارا و توفي سنة 415 و رثاه المرتضى بالفائية التي مطلعها:

عرفت و يا ليتني ما عرفت * * * فمر الحياة لمن قد عرف

و أبو الحسين البتي أحمد بن علي الكاتب المتوفى سنة 403، و القاضي أبو القاسم عبد العزيز بن محمد العسكري القطان المتوفى سنة 458، و القاضي أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي المتوفى سنة 447، و أبو الحسن السمسمي تلميذ أبي علي الفارسي المتوفى سنة 415، و الشاعر الظريف أبو بكر محمد بن عمر العنبري المتوفى سنة 412 الذي رثاه المرتضى بقصيدة مطلعها:

أبا بكر تعرضت المنايا * * * لحتفك حين لا أحد منوع

و غير هؤلاء كثير يجدهم المتصفح لهذا الديوان.

تلامذته:

لما كان الشريف المرتضى- كما أسلفنا- قد ضرب بسهم وافر من العلوم و الآداب

____________

[1] كذا ورد اسمه في نسخة «ه» في الديوان و في ذيل تجارب الأمم لأبي شجاع ص 389 حوادث سنة 331 و في نسخة «س» بكر بن أبي الفوارس.

47

و سائر المعارف الإسلامية المعروفة في ذلك العصر، لم يكن غريبا أن يصبح تلامذته و مريدوه و ملازمو درسه و المختلفون إلى مجلسه و المستمعون إليه كثيرين، و أغلبهم علماء أفاضل خلفوا كتبا جليلة و رسائل نافعة لا يزال قسم منها باقيا إلى اليوم.

و سنأتي على ذكر بعضهم مبتدئين بالأمثل فالأمثل منهم:

1- شيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي.

2- أبو يعلى سلار (سالار) بن عبد العزيز الديلمي.

3- أبو الصلاح تقي الدين بن النجم الحلبي.

4- القاضي أبو القاسم عبد العزيز بن البراج.

5- أبو الفتح محمد بن علي الكراجكي.

6- عماد الدين ذو الفقار محمد بن معبد الحسني.

7- أبو عبد الله جعفر بن محمد الدوريستي.

8- أبو الحسن سليمان بن الحسن الصهرشتي.

9- أبو الحسن محمد بن محمد البصروي.

10- أبو عبد الله بن التبان التباني.

11- الشيخ أحمد بن الحسن النيسابوري.

12- أبو الحسين الحاجب المعروف بابن أخت الأستاذ الفاضل.

13- نجيب الدين أبو محمد الحسن بن محمد الموسوي.

14- القاضي عز الدين عبد العزيز بن كامل الطرابلسي.

15- القاضي أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي.

16- المفيد الثاني أبو محمد عبد الرحمن بن أحمد بن الحسين.

17- الفقيه التقي بن ابي طاهر الهادي النقيب الرازي.

18- محمد بن علي الحلواني.

19- السيد أبو يعلى محمد بن حمزة العلوي.

48

20- الفقيه أبو الفرج يعقوب بن إبراهيم البيهقي.

مؤلفاته:

أول من فهرس مؤلفات الشريف المرتضى هو تلميذه محمد بن محمد البصروي، حيث قدم القائمة التي كتبها إلى أستاذه ملتمسا الإجازة منه، فأجازه في شعبان سنة 417.

ثم ذكر جانبا من مؤلفاته تلميذه الآخر الشيخ أبو جعفر الطوسي في كتاب الفهرست ص 98 و النجاشي في رجاله ص 270 و ابن شهرآشوب في معالم العلماء ص 69، كما وزع الشيخ آقا بزرك الطهراني أسماء تآليف الشريف المرتضى و بعض التفصيل عنها في موسوعته الكبرى «الذريعة إلى تصانيف الشيعة».

و يلاحظ أن كثيرا من الأسماء وردت في المصادر محرفة أو مختصرة أبو مغيرة بعض التغيير، مما أدى الى الاشتباه عند الباحثين لآثار المرتضى. كما أن بعض الرسائل أو المسائل المذكورة في قائمة مؤلفاته هي جزء من كتبه أفردها بعض الناسخين فحسبها المنقبون أنها مستقلة كتبت برأسها.

و نحن في هذا الثبت نحاول أن نجمع آثار الشريف المرتضى مع التنويه الى ما يلزم التنويه عنه من الملاحظات على كلام من سبقنا، و نهتم بذكر ما هو مطبوع منها و عدد طبعاتها لو تكررت.

1- «إبطال العمل بأخبار الآحاد»، طبع بقم سنة 1405 في المجموعة الثالثة من رسائل الشريف المرتضى.

2- «إبطال القياس».

3- «أجوبة المسائل القرآنية»، أربع عشرة مسألة طبعت بقم سنة 1405 في المجموعة الثالثة من رسائل الشريف المرتضى.

4- «أجوبة مسائل متفرقة من الحديث و غيره» طبعت بقم سنة 1405 في المجموعة الثالثة من رسائل الشريف المرتضى.

5- «أحكام أهل الآخرة»، طبع بايران على الحجر سنة 1319 بهامش «أمالي

49

المرتضى»، و طبع بالنجف سنة 1386 ضمن مجموعة رسائل الشريف المرتضى بتحقيق السيد أحمد الحسيني، و طبع بقم سنة 1405 ضمن المجموعة الثانية من رسائل الشريف المرتضى.

6- «الاعتراض على من يثبت حدود الأجسام»، طبع بقم سنة 1405 ضمن المجموعة الثالثة من رسائل الشريف المرتضى.

7- «أقاويل العرب في الجاهلية»، طبع بقم سنة 1405 ضمن المجموعة الثالثة من رسائل الشريف المرتضى.

8- «الانتصار»، و سماه الطوسي و ابن شهرآشوب «الانفرادات في الفقه»، و هو هذا الكتاب الماثل بين يديك.

9- «إنقاذ البشر من القضاء و القدر» أو «إنقاذ البشر من الجبر و القدر» أو «إيقاظ البشر.»، طبع بطهران سنة 1350 و في النجف سنة 1935 م، و طبع بقم سنة 1405 ضمن المجموعة الثانية من رسائل الشريف المرتضى.

10- «البرق»، و سماه الطوسي و ابن شهرآشوب «المرموق في أوصاف البروق».

11- «تتبع الأبيات التي تكلم عليها ابن جني في إثبات المعاني للمتنبي».

12- «تتمة أنواع الأعراض من جمع ابي رشيد النيسابوري».

13- «تفسير الآيات المتشابهات في القرآن»، طبع بقم سنة 1405 ضمن المجموعة الاولى من رسائل الشريف المرتضى.

14- «تفسير آية لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّٰالِحٰاتِ جُنٰاحٌ»، و هو من فصول تكملة أمالي المرتضى و أفرد.

15- «تفسير آية قُلْ تَعٰالَوْا أَتْلُ مٰا حَرَّمَ رَبُّكُمْ»، و هو من فصول تكملة أمالي المرتضى و أفرد.

16- «تفسير الخطبة الشقشقية»، طبع بقم سنة 1405 ضمن المجموعة الثانية من رسائل الشريف المرتضى.

17- «تفسير القرآن الكريم»، نجز منه سورة الفاتحة و 125 آية من بداية سورة

50

البقرة.

18- «تفسير قصيدة السيد الحميري» البائية المعروفة بالقصيدة المذهبة، طبع بمصر سنة 1313، و طبع بيروت سنة 1970 م بتحقيق الأستاذ محمد الخطيب.

19- «تفسير القصيدة الميمية من شعره».

20- «تفضيل الأنبياء على الملائكة»، منتزع من تكملة أمالي المرتضى، طبع بالنجف سنة 1386 ضمن مجموعة رسائل الشريف المرتضى بتحقيق السيد أحمد الحسيني، و طبع بقم سنة 1405 ضمن المجموعة الثانية من رسائل الشريف المرتضى.

21- «تقريب الأصول»، لعله المطبوع بعنوان «مقدمة في الأصول الاعتقادية».

22- «تكملة الغرر و الدرر»، و هو المعبر عنه بتكملة أمالي المرتضى، طبع بالقاهرة مع الأصل بتحقيق الأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم.

23- «تنزيه الأنبياء»، طبع في إيران على الحجر و في النجف سنة 1352 و 1380، و على الأخيرة طبع بالاوفست مكررا.

24- «جمل العلم و العمل»، طبع بالنجف سنة 1386 بتحقيق السيد أحمد الحسيني و سنة 1387 بتحقيق المحامي رشيد الصفار، و طبع بقم سنة 1405 ضمن المجموعة الثالثة من رسائل الشريف المرتضى.

25- «الجواب عن الشبهات في خبر الغدير»، طبع بقم سنة 1405 ضمن المجموعة الثالثة من رسائل الشريف المرتضى.

26- «جواب الكراجكي في فساد العدد»، لعله الذي سيذكر بعنوان «الفرائض في قصر الرؤية.».

27- «جواب الملحدة في قدم العالم من أقوال المنجمين».

28- «جواز الولاية من جهة الظالمين».

29- «الحدود و الحقائق» طبع بقم سنة 1405 ضمن المجموعة الثانية من رسائل الشريف المرتضى.

30- «حكم الباء في آية وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ»، طبع بقم سنة 1405 ضمن المجموعة الثانية من رسائل الشريف المرتضى.

51

31- «الخطبة المقمصة».

32- «الخلاف في أصول الفقه».

33- «ديوان شعره»، طبع بالقاهرة في ثلاث مجلدات سنة 1958 م بتحقيق المحامي رشيد الصفار.

34- «الذخيرة»، و سمي على طرة نسخة مخطوطة منه «ذخيرة العالم و بصيرة المعلم»، طبع أخيرا في مؤسستنا.

35- «الذريعة إلى أصول الشريعة»، طبع بطهران في جزئين بتحقيق الدكتور أبو القاسم الكرجي.

36- «الرد على أصحاب العدد» طبع بقم سنة 1405 ضمن المجموعة الاولى من رسائل الشريف المرتضى، و لعله الذي سيأتي بعنوان «الفرائض في قصر الرؤية.».

37- «الرد على يحيى بن عدي النصراني في اعتراض دليل الموجد في حدوث الأجسام».

38- «الرد على يحيى بن عدي النصراني فيما يتناهى».

39- «الرد على يحيى بن عدي النصراني في مسألة سماها طبيعة الممكن»، و في بعض المصادر «طبيعة المسلمين».

40- «الرسالة الباهرة في العترة الطاهرة»، و في بعض المصادر «الآيات الباهرة.»، طبع بقم سنة 1405 ضمن المجموعة الثانية من رسائل الشريف المرتضى.

41- «الشافي في الإمامة»، طبع على الحجر في إيران سنة 1301 مع مختصره للشيخ الطوسي «تلخيص الشافي»، و طبع في بيروت مؤخرا في أربعة أجزاء.

42- «شرح مسائل الخلاف».

43- «الشهاب في الشيب و الشباب»، طبع بمطبعة الجوائب سنة 1302.

44- «طيف الخيال»، طبع بمصر سنة 1374، و طبع ببغداد سنة 1957 م بتحقيق الدكتور صلاح صبحي و بالقاهرة سنة 1381 بتحقيق الأستاذ حسن كامل الصيرفي.

52

45- «عدم تخطئة العامل بخبر الواحد»، طبع بقم سنة 1405 ضمن المجموعة الثالثة من رسائل الشريف المرتضى.

46- «عدم وجوب غسل الرجلين في الطهارة»، طبع بقم سنة 1405 ضمن المجموعة الثالثة من رسائل الشريف المرتضى.

47- «علة امتناع علي من محاربة الغاصبين»، طبع بقم سنة 1405 ضمن المجموعة الثالثة من رسائل الشريف المرتضى.

48- «علة خذلان أهل البيت (عليهم السلام)»، طبع بقم سنة 1405 ضمن المجموعة الثالثة من رسائل الشريف المرتضى.

49- «علة مبايعة علي (عليه السلام)»، طبع بقم سنة 1405 ضمن المجموعة الثالثة من رسائل الشريف المرتضى.

50- «العمل مع السلطان»، طبع بقم سنة 1405 ضمن المجموعة الثانية من رسائل الشريف المرتضى، و هو المذكور بعنوان «جواز الولاية من جهة الظالمين».

51- «غرر الفرائد و درر القلائد»، و هو المعروف ب«أمالي المرتضى»، طبع على الحجر في إيران سنة 1273، و طبع بالقاهرة سنة 1325 و عليها بالاوفست في قم سنة 1403، و طبع بالقاهرة سنة 1954 بتحقيق الأستاذ محمد أبو الفضل إبراهيم، و عليها طبع بالاوفست في إيران و بيروت مكررا.

52- «الفرائض في قصر الرؤية و إبطال القول بالعدد»، و سماه بعض «مختصر الفرائض.» أو «نقض الرؤية.» أو «نقض الرواية.».

53- «الفقه الملكي».

54- «قول النبي: نية المؤمن خير من عمله»، طبع بقم سنة 1405 ضمن المجموعة الثالثة من رسائل الشريف المرتضى.

55- «الكلام على من تعلق بقوله تعالى وَ لَقَدْ كَرَّمْنٰا بَنِي آدَمَ».

56- «ما تفرد به الإمامية».

57- «مجموعة في فنون من علم الكلام»، طبعت ببغداد سنة 1955 في سلسلة نفائس المخطوطات بتحقيق الشيخ محمد حسن آل ياسين، و لعلها من جملة مسائله