المسائل الصاغانية

- الشيخ المفيد المزيد...
174 /
27

المقدمة

28

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

29

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

رب يسر و أعن برحمتك الحمد لله على سبوغ نعمته و له الشكر على ما خصنا به من معرفته و هدانا إليه من سبيل طاعته و وقفنا من الاستبصار بحجته و رزقنا من التمسك بحبله المتين و عروته الذين اصطفاهم من خيرته و اجتباهم للحجة على بريته محمد سيد أنبيائه و صفوته و الأئمة الطاهرين من عترته عليهم أفضل صلواته و رحمته و إياه نسأل تمام ما حبانا فيه من كرامته بالعصمة مما شمل أهل عداوته من الخذلان بالضلال عن حكمته و الاختلاف في شرع نبيه(ص)و الخلاف لسنته و إن ثبت لنا برأفته ما نستديم به التوفيق في القول و العمل بمعونته إنه ولى ذلك بلطفه و قدرته.

و بعد فقد وقفت أدام الله عزك على ما ذكرت عن شيخ بناحيتك من أصحاب الرأي و ما هو عليه من التحريك في عداوة أولياء الله منهم و التبديع لهم فيما يذهبون إليه من الأحكام المأثورة عن أئمة الهدى من آل محمد (ع)

30

و أنه قد لج بذكر عشر مسائل عزى إليهم فيها أقوالا قصد بها التشنيع و حكم عليهم فيها بالتضليل و ادعى أنهم خارجون بها عن الإيمان مخالفون بمقالهم فيها نصوص القرآن. و سألت بعد ذكرك في كتابك إلي على التفصيل و البيان أن أقفك على الحقيقة من ذلك بما يرفع الريب فيما تعمده من التخرص علينا و البهتان.

و أنا مجيبك أيدك الله إلى ما سألت و مبين عين وجه الحق فيما فصلت و أجملت و موضح عن القول فيه كما أحببت و التمست.

و مبين لك بعد الفراغ من ذلك بمشيئة الله أقوالا ابتدعها إمام هذا الشيخ المتعصب على أهل الحق في الأحكام خالف فيها سائر فقهاء الإسلام و باين برأيه فيها جميع علماء الأنام بدعه بها ذوو العقول و الأفهام لتكشف أيدك الله بها عن عواره عند أصحابه المغترين به و أتباعه و تهتك بها قناع ضلاله عند المعظمين له بجهالتهم من أشياعه و تخرسه الفضيحة بها عن الشناعات التي يلجأ إليها بعجزه في المناظرة عن الحجاج بانقطاعه و بالله التوفيق

31

المسألة الأولى

ذكرت أيدك الله عن هذا الشيخ المتفقه عند نفسه لأهل العراق أنه زعم أن الإمامية تبيح الزناء المحظور في نص التنزيل من نكاح الاستمتاع المعقود باشتراط الآجال و أن قولهم في ذلك خلاف لجماعة فقهاء الأمصار و قد حرمه الله تعالى في القرآن حيث يقول وَ الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حٰافِظُونَ إِلّٰا عَلىٰ أَزْوٰاجِهِمْ أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغىٰ وَرٰاءَ ذٰلِكَ فَأُولٰئِكَ هُمُ العٰادُونَ (1) قال و قد اتفق هذا الفريق يعني الإمامية على أن المتمتع بها ليست بزوجة و لا ملك يمين و في اتفاقهم على ذلك إقرار بأنهم فيما أباحوه من النكاح ضالون.

[فصل الكلام في إباحة نكاح المتعة]

فصل قلت و زعم أن الخبر قد ثبت

عن النبي(ص)أنه قال

الولد

____________

(1) المؤمنون 5- 7.

32

للفراش و للعاهر الحجر

(1) و أن الرافضة على ما (2) اتفق على نفي ولد المتعة فلو كان عن نكاح لثبت بالفراش و إذا لم يكن نكاح المتعة فراشا فهو سفاح محظور.

فأقول و بالله التوفيق أن أول ما افتتح به هذا الشيخ كلامه سفه و فرية توجب عليه الحد باتفاق و ذلك أنه لا خلاف بين فقهاء الأمة أن حد الزناء ساقط في نكاح الاستمتاع فالمحلل له منهم يسقطه (3) باعتقاد الإباحة فيه كما يسقطه من ضروب النكاح الحلال و المحرم له يسقط الحد فيه للشبهة الرافعة عنده للحدود (4) و هم مجمعون مع ذلك على أن من سمى المستمتع زانيا أو سمى المستمتع بها زانية كان مفتريا بذلك قاذفا (5) و القرآن مصرح و السنة معا بإيجاب الحد على المفترين (6) و هذا ينبئ عن صحة ما حكمنا به على

____________

(1) الموطأ 2: 739؛ مسند أحمد بن حنبل 2: 239؛ سنن الدارمي 2: 152؛ صحيح البخاري 4:؛ صحيح مسلم 2: 108؛ سنن أبي داود 2: 282؛ سنن ابن ماجة 2: 904؛ سنن الترمذي 3: 463؛ سنن النسائي 6: 108؛ من لا يحضره الفقيه 3: 450؛ تهذيب الأحكام 8: 183.

(2) بياض في أ بمقدار كلمة.

(3) في جميع النسخ: يسقط؛ و ما أثبته أنسب.

(4) المدونة الكبرى 6: 202؛ المغني لابن قدامة 10: 151؛ الشرح الكبير 10: 177؛ التفريع لابن الجلاب 2: 48، 49؛ الكافي لابن عبد البرّ: 238؛ الفروع لابن مفلح 6: 74؛ النتف في الفتاوى 2: 633؛ بداية المجتهد 2: 434؛ مغني المحتاج 4: 145؛ نهاية المحتاج 7: 425؛ فتح المعين 4: 144، الانصاف 10: 182؛ كشاف القناع 5: 97؛ البحر الزخار 6: 146؛ مجمع الأبهر 1: 595.

(5) المدونة الكبرى 6: 202.

(6) أما من القرآن الكريم فهو قوله تعالى: «وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنٰاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدٰاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمٰانِينَ جَلْدَةً وَ لٰا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهٰادَةً أَبَداً وَ أُولٰئِكَ هُمُ الْفٰاسِقُونَ» النور: 4.

و أما السنة ففيها الكثير، منها قوله (ص) لهلال بن أمية- لما قذف امرأته- «أربعة شهداء، و إلا فحدّ في ظهرك؛ يردد ذلك عليه مرارا». سنن النسائي 6: 172.

و منها: ما قضى به أمير المؤمنين (ع) أن الفرية ثلاثة:- يعني ثلاث وجوه- إذا رمى الرجل الرجل بالزنا، و إذا قال إن أمه زانية، و إذا دعي لغير أبيه فذلك حد ثمانون. فروع الكافي 7: 205.

33

هذا الشيخ المتعصب من استحباب العقاب على ما لفظ به من الكلام المحظور.

[فصل العاقد على محارمه ليس بزان على قول أبي حنيفة]

فصل ثم من أعجب الأمور و أطرفها من هذا الخصم و أدلها على فرط غباوته و جهله أن أبا حنيفة إمامه و جميع من أخذ عنه رأيه و قلده من أصحابه لا يختلفون في أن العاقد على أمه أو ابنته و أخته و سائر ذوات أرحامه و وطئه لهن بعد العقد مع العلم بصحة نسبه منهن و اعتقاد حظر ذلك عليه و تغليظه في الشريعة ليس بزان من أجل العقد و أن الحد ساقط عنه لذلك و من سماه زانيا به كان مفتريا عنده (1) ثم شنع على الشيعة بنكاح المتعة الذي شرعه النبي(ص)بإجماع الأمة و اتفق على إباحته آل محمد(ع)(2) و خيار الصحابة الأبرار و وجوه التابعين بإحسان (3) و يسمي العاقد له على الأجنبية منه المباح عقد النكاح عليها له زانيا إن هذا لبدع من المقال لا يذهب الخلل و التناقض فيه على سليم من الآفات.

____________

(1) المبسوط للسرخسي 9: 85؛ فتح القدير 5: 35؛ المحلى 11: 253؛ المغني 10: 149؛ رحمة الأمة: 152.

(2) و قد استفاضت به أحاديثهم (ع) فمن ذلك حديث زرارة- في الصحيح- قال: جاء عبد اللّه بن عمير الليثي إلى أبي جعفر (ع) فقال له: ما تقول في متعة النساء؟ فقال: أحلّها اللّه في كتابه و على سنة نبيه (ص)، فهي حلال إلى يوم القيامة ... الحديث. (فروع الكافي 5: 449).

(3) يأتي تفصيله في ص.

34

[فصل دليل المؤلف على إباحة نكاح المتعة]

فصل فأما احتجاجه بما تلاه من سورة المؤمنين فإنه لا حجة فيه له على حال و ذلك أن المستمتع بها زوجة عند جميع الشيعة و من دان بإباحتها من مخالفيهم و ما ادعاه عليهم من إنكار ذلك باطل منه و بهتان و مذهبهم فيه على اجتماعهم نقيض دعواه.

و لو امتنع منهم ممتنع من التسمية للمستمتع بها بالزوجية على ما تظنى له يناف (1) بذلك حكم ما تلاه لجواز وجود نكاح ثالث ينضم إلى هذين النكاحين في التحليل ينطق به قرآن أو سنة عن النبي(ص)فيقوم ذلك مقام الآية الواحدة في تضمنها للأقسام و لم يكن ممتنعا باتفاق أهل اللسان أن تنزل الآية على هذا الترتيب فيكون تقدير الكلام وَ الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حٰافِظُونَ إِلّٰا عَلىٰ أَزْوٰاجِهِمْ أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (2) و إذا لم يستحل ذلك في تقدير الكلام لم يبق في صحته إلا وجوده في آية أخرى من القرآن أو سنة ثابتة عن النبي(ص)و هو موجود في الموضعين جميعا على البيان قال الله تعالى بعد ذكر المحرمات في النكاح وَ أُحِلَّ لَكُمْ مٰا وَرٰاءَ ذٰلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوٰالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسٰافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً (3) فنطق الذكر الحكيم بإباحة نكاح الاستمتاع على اليقين.

____________

(1) كذا في النسخ، و لعل الصواب «لم يناف».

(2) المؤمنون: 5، 6.

(3) النساء: 24.

35

و ثبتت الرواية عن عبد الله بن مسعود (1) و عبد الله بن عباس (2) أنهما كانا يقرءان هذه الآية فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى (3) و هذا ظاهر صريح في نكاح المتعة المخصوص.

و أما السنة فالإجماع ثابت أن رسول الله(ص)أطلق نكاح المتعة المشروط بالأجل و أذن فيه و عمل به المسلمون في حياته (4) و ولد منه أولاد في عصره (5) و في إجماع الأمة على ذلك بطلان ما تعلق به الخصم في كلامه لما قدمناه.

و قد استقصيت الكلام في هذه المسألة في مواضع شتى من أمالي و أفردت أيضا فيها كتبا معروفات (6) فلا حاجه بي إلى الإطالة فيه و الإطناب.

____________

(1) هو أبو عبد الرحمن، ابن أم عبد الهذلي؛ صاحب رسول اللّه (ص)، و خادمه؛ أسلم قبل عمر؛ و حفظ من فيّ رسول اللّه (ص) سبعين سورة. (تذكرة الحفاظ: 240).

(2) عبد اللّه بن عباس بن عبد المطلب، الإمام البحر، عالم العصر، أبو العباس الهاشمي؛ دعا له النبي (ص) أن يفقهه اللّه في الدين، و يعلمه التأويل. (تذكرة الحفاظ: 240).

(3) الكشاف للزمخشري 1: 519؛ أحكام القرآن لابن العربي 1: 389؛ الجامع لأحكام القرآن 5: 130؛ تفسير ابن كثير 1: 474؛ التفسير الكبير 10: 50؛ الدر المنثور 2: 484؛ نيل الأوطار 6: 275.

(4) المغني 7: 571؛ الشرح الكبير 7: 537؛ الإنصاف 8: 163، و فيه: و عن أحمد: الحكم بالكراهة؛ كشاف القناع 5: 97؛ المبسوط 5: 152؛ أحكام القرآن للجصاص 2: 147؛ المحلّى 9: 519؛ كتاب النيل 6:

318.

(5) استمتع ابن حريث و ابن فلان، كلاهما ولد له من المتعة، زمان أبي بكر و عمر.

(كنز العمال 16: 518)

سمعت عبد اللّه بن الزبير يخطب و هو يعرّض بابن عباس، يعيب عليه قوله في المتعة، فقال ابن عباس: يسأل أمه إن كان صادقا؛ فسألها؛ فقالت: صدق ابن عباس، قد كان ذلك. فقال ابن عباس: لو شئت لسميت رجالا من قريش ولدوا فيها. (مشكل الآثار للطحاوي 3: 24)

عيّر عبد اللّه بن الزبير عبد اللّه بن عباس بتحليله المتعة، فقال له: سل أمك كيف سطعت المجامر بينها و بين أبيك؟! فسألها؛ فقالت: ما ولدتك إلّا في المتعة (محاضرات الأدباء 2: 214).

(6) للمؤلف ثلاثة كتب في المتعة، ذكرها النجاشي في رجاله عند تعداده لمصنفات المؤلف، و هي كتابه

36

[فصل جمع من الصحابة و التابعين يرون إباحة نكاح المتعة]

فصل فأما دعواه علينا في نكاح المتعة الخلاف على كافة فقهاء الأمصار فهو من تخرصه الذي قدمنا وصفه فيه بالبهتان و عيون فقهاء الصحابة و التابعين بإحسان يروون في إباحته ما يلائم مذهب آل محمد(ع)و قد حكى ذلك عنهم من لا يتهم عليهم من الفقهاء و رواه الأخبار.

فذكر أبو علي الحسين بن علي بن يزيد (1) و هو من جملة فقهاء العامة في كتابه المعروف بكتاب الأقضية أنه قال بنكاح المتعة من أصحاب رسول الله(ص)عبد الله بن مسعود (2) و يعلى بن أمية (3) و جابر بن عبد الله (4) و عبد الله بن عباس (5) و صفوان بن أمية (6) و معاوية بن

____________

في المتعة، و كتاب الموجز في المتعة، و كتاب المختصر فيها. و قد نقل عنها- كتاب المتعة- المجلسي في البحار؛ و الحرّ العاملي في وسائل الشيعة. انظر: رجال النجاشي 2: 328؛ بحار الأنوار 100: 305؛ وسائل الشيعة 21: 10؛ الذريعة 19: 66.

(1) الذي يغلب على الظن أنه: الكرابيسي؛ رغم أن مترجميه لم يذكروا له هذا المصنف في تعداد مؤلفاته؛ و هو: الحسين بن علي بن يزيد الكرابيسي، البغدادي، صاحب الشافعي و أشهرهم بانتياب مجلسه، و أحفظهم لمذهبه. له تصانيف كثيرة في أصول الفقه و فروعه، و كان متكلما، عارفا بالحديث، و صنّف في الجرح و التعديل، و أخذ عنه خلق كثير. توفي سنة خمس- و قيل: سنة ثمان- و أربعين و مائتين. (الوافي بالوفيات 12: 430).

(2) و قد تقدمت قراءته للآية الشريفة (فما استمتعتم به منهن إلى أجل).

(3) هو يعلى بن أمية، ابن منية؛ و منية أمه؛ التميمي، حليف قريش؛ عامل عمر على نجران؛ له صحبة.

(التاريخ الكبير للبخاري 8: 414).

(4) جابر بن عبد اللّه بن عمرو بن حرام، أبو عبد اللّه الأنصاري؛ الفقيه، مفتي المدينة في زمانه؛ كان آخر من شهد بيعة العقبة، في السبعين من الأنصار؛ حمل عن النبي (ص) الشيء الكثير. (تذكرة الحفاظ: 43).

(5) و قد تقدم أنه كان يقرأ (فما استمتعتم به منهن إلى أجل).

(6) صفوان بن أمية بن خلف، أبو وهب الجمحي؛ له صحبة. (التاريخ الكبير 4: 304)

37

أبي سفيان (1) و غيرهم من أصحاب رسول الله ص. و جماعة من التابعين منهم عطاء (2) و طاوس (3) و سعيد بن جبير (4) و جابر بن يزيد (5) و عمرو بن دينار (6) و ابن جريج (7) و جماعة من أهل مكة و المدينة و أهل اليمن و أكثر أهل الكوفة.

قال أبو علي لم يحكم أحد من المسلمين على من تمتع بحد و عذرهم الفقهاء بما رووا فيها عن النبي(ص)و أصحابه و التابعين.

____________

(1) معاوية بن أبي سفيان بن صخر بن حرب بن أمية؛ أمه هند بنت عتبة بن ربيعة؛ أظهر إسلامه يوم الفتح، حدّث عن النبي (ص)، و كتب له مرّات يسيرة. عدّه ابن حزم الأندلسي ممن ثبت على تحليل المتعة بعد رسول اللّه (ص). (سير أعلام النبلاء 3: 122؛ و انظر: المحلى 9: 519).

(2) عطاء بن أبي رياح؛ مفتي أهل مكة و محدثهم، ولد في خلافة عثمان، و قيل: في خلافة عمر؛ و كان أسود مفلفلا، فصيحا كثير العلم؛ من مولدي الجند. عدّه ابن حزم ممن ثبت على تحليل المتعة.

(تذكرة الحفاظ: 98؛ المحلى 9: 519).

(3) طاوس بن كيسان، أبو عبد الرحمن، اليماني الجندي؛ كان شيخ أهل اليمن، و بركتهم، و مفتيهم؛ و كان كثير الحج، فاتفق موته بمكة، قبل التروية بيوم، سنة ست و مائة. عدّه ابن حزم ممن ثبت على تحليل المتعة. (تذكرة الحفاظ: 90؛ المحلى 9: 519).

(4) سعيد بن جبير الوالبي، مولاهم الكوفي؛ المقرئ الفقيه، أحد الأعلام؛ سمع من ابن عباس و عدي ابن حاتم ... قتله الحجاج في شعبان، سنة خمس و تسعين؛ و له تسع و أربعون سنة. و هو من الذين كانوا يقرءون هذه الآية (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى). (تذكرة الحفاظ: 76؛ و انظر:

تفسير ابن كثير 1: 474).

(5) جابر بن يزيد بن الحارث الجعفي، أبو عبد اللّه؛ قال وكيع: مهما شككتم في شيء فلا تشكوا في أن جابرا ثقة. و قال سفيان الثوري لشعبة: لئن تكلّمت في جابر الجعفي لأتكلّمنّ فيك. (تهذيب الكمال 4: 465).

(6) عمرو بن دينار الحافظ، إمام الحرم؛ أبو محمد الجمحي، مولاهم المكي الأثرم؛ ولد سنة ست و أربعين؛ سمع ابن عباس و ابن عمر و جابر بن عبد اللّه. (تذكرة الحفاظ: 113).

(7) هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، فقيه الحرم، أبو الوليد الرومي، الأموي، مولاهم المكي، الفقيه صاحب التصانيف؛ قال جرير: كان ابن جريج يرى المتعة، تزوج ستين امرأة. و قال الشافعي: استمتع ابن جريج بسبعين امرأة. (تذكرة الحفاظ: 170)؛ (تهذيب التهذيب 6: 360)

38

ثم ذكر بعض الأخبار في ذلك فقال

أخبرنا محمد بن عبد عن إسماعيل عن قيس عن عبد الله قال

أمرنا رسول الله(ص)أن نتمتع من النساء

قال و أخبرنا عبد الوهاب بن مسعود بن عطا عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر قال

كنا نتمتع على عهد رسول الله(ص)بملإ القدح سويقا و بالقبضة من التمر

قال و أخبرنا عبد الوهاب عن ابن جريج عن عطا عن ابن عباس

أنه كان يراها حلالا و يقرأ فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى

(1)

و ذكر أبو جعفر محمد بن حبيب النحوي (2) في كتابه المعروف بكتاب المحبر من كان يرى المتعة من أصحاب رسول الله(ص)فقال جابر بن عبد الله الأنصاري و زيد بن ثابت (3) و سلمة بن الأكوع السلمي (4) و

____________

(1) لم أعثر على هذه الأحاديث في مظانها، مضافا إلى فقدان الكتاب الذي ينقل عنه المؤلف، إلّا أن مضامينها متواترة، أذكر منها:

خرج علينا منادي رسول اللّه (ص) فقال: إن رسول اللّه (ص) قد أذن لكم أن تستمعوا؛ يعني متعة النساء. (صحيح مسلم: 1022)

و عن جابر بن عبد اللّه: استمتعنا على عهد رسول اللّه (ص) و أبي بكر و عمر. (صحيح مسلم: 23: 10) و عن جابر: كنا نستمتع بالقبضة من التمر و الدقيق، الأيام على عهد رسول اللّه (ص)، و أبي بكر، حتى نهى عنه عمر في شأن عمرو بن حديث. (صحيح مسلم: 1033)

(2) محمد بن حبيب صاحب كتاب «المحبر»؛ حدث عن هشام بن محمد الكلبي؛ كان عالما بالنسب و أخبار العرب، موثقا في رواياته؛ و حبيب أمه؛ و هو ولد ملاعنة. (تاريخ بغداد 2: 277).

(3) زيد بن ثابت بن الضحاك، أبو خارجة الأنصاري، الخزرجي؛ النجاري؛ المقرئ، الفرضي؛ كاتب وحي النبي (ص). (تذكرة الحفاظ: 30).

(4) سلمة بن الأكوع بن عبد اللّه بن قشير، أبو عامر، و كان من أشد الناس و أشجعهم راجلا. و هو الذي يقول: كنا في جيش فأتانا رسول اللّه (ص) فقال: إنه أذن لكم أن تستمتعوا فاستمتعوا.

(الثقات لابن حبان 3: 167؛ صحيح مسلم: 1022)

39

عمران بن الحصين الخزاعي (1) و عبد الله بن مسعود الهذلي و عبد الله بن عباس بن عبد المطلب و أنس بن مالك (2) قال ابن حبيب و الصحيح علي بن أبي طالب(ع)(3).

فصل و إذا كان من عددناه من أصحاب رسول الله(ص)و التابعين بإحسان يقول بمتعة النساء و يفتي بتحليلها و يدين الله بذلك على ما ذكره و رواه من سميناه ممن لا يتهم بعصبية للشيعة و لا يشك أهل الخلاف في ثقته و أمانته و غيرهم من الفقهاء و رواة الأخبار فكيف يجوز لهذا الشيخ المسرف على نفسه دعوى الإجماع من الفقهاء على تحريمها و خلاف الشيعة في تحليلها لو لا أنه لا يستحي من العناد.

[فصل فقهاء إمامية و غيرهم يثبتون ولد المتعة لأبيه]

فصل فأما ما ادعاه علينا من نفي ولد المتعة فإنه لاحق ببهتانه و مكابرته و

____________

(1) عمران بن حصين بن عبيد بن خلف، أبو نجيد الخزاعي، صاحب رسول اللّه (ص)، إسلامه وقت إسلام أبي هريرة؛ له أحاديث عديدة؛ و كان ممن بعثه عمر بن الخطاب إلى أهل البصرة ليفقههم.

(تذكرة الحفاظ: 29).

(2) أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم، أبو حمزة الأنصاري، النجاري، المدني؛ خادم رسول اللّه (ص)؛ و له صحبة طويلة و حديث كثير؛ و كان آخر الصحابة موتا. (تذكرة الحافظ: 44).

(3) المحبر: 289؛ و فيه: خالد بن عبد اللّه، بدل (جابر)؛ و ليس فيه عبد اللّه بن مسعود، و علي بن أبي طالب (ع)؛ و لعل نسخة المحبر التي بين أيدينا ناقصة.

40

تخرصه و قدر أمانيه إذ الإمامية مجمعة على الفتيا بثبوت نسبه و تعظيم القول في نفيه المبالغة في إنكار ذلك على فاعله و متفقة على تسليم الوراثة له عن أئمتها من آل محمد(ع)و تأكيد ثبوت النسب من هذا النكاح و ذلك موجود في كتبهم و مصنفاتهم (1) و أخبارهم و رواياتهم (2) لا يختلف منهم اثنان فيه و لا يشك أحد منهم في صحته و الجهل بذلك من إجماعهم بعد عن الصواب و الإنكار له مع العلم به بهت شديد تسقط معه مكالمة مستعمله و ارتكابه العناد.

و أعجب شيء من هذا الباب أن المحرم لنكاح المتعة من مخالفي الشيعة يرى إلحاق ولد المتعة بأبيه و ينكر نفيه عنه مع إطباقهم على أنه نكاح فاسد و إنما يلحقون الولد فيه للشبهة فيما يزعمون بالعقد (3) ثم تكون الشيعة التي ترى إباحتها و تدين الله بتحليلها و تعتقد صحة النكاح بها و ترى أن استعمالها سنة تنفي الولد منها و لا تثبت النسب بها كلا ما يتوهم ذلك إلا مئوف (4) خارج عن صفة العقلاء.

____________

(1) انظر: المقنع: 114؛ الهداية بالخير: 69؛ الكافي في الفقه: 298؛ المقنعة: 498؛ النهاية للطوسي: 243؛ الوسيلة: 310؛ المراسم: 155؛ السرائر 2: 624؛ الشرائع 2: 306.

(2) انظر: فروع الكافي 5: 454، 464؛ من لا يحضره الفقيه 3: 292؛ تهذيب الأحكام 7: 269؛ الإستبصار 3: 152.

(3) المغني 9: 58، 10: 151؛ الشرح الكبير 9: 69، 10: 177؛ الكافي لابن عبد البر: 238؛ التفريع 2: 49؛ كشاف القناع 10: 97؛ النتف في الفتاوى 2: 632؛ القوانين الفقهية: 213؛ المحلّى 11: 250.

(4) يقال بطعام موءوف: أصابته آفة. (لسان العرب 9: 16).

41

فصل ثم قال هذا الشيخ المتفقه عند نفسه و قد بلغني عن فسوق فقيه (1) الرافضة و متكلم لهم من أهل بغداد كان قد سرق الكلام من أصحابنا المعتزلة فبان بالفهم من طائفته لذلك و لفق طريقا في الاحتجاج لفقههم يسرقه من أصحابنا الفقهاء أنه ادعى للمتمتعة سمة الزوجة ليخلص من الحجة عليه في حظرها سمة الزوجة بقوله تعالى وَ الَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حٰافِظُونَ إِلّٰا عَلىٰ أَزْوٰاجِهِمْ أَوْ مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (2) و هذا مذهب أحدثه هذا المتكلم لأصحابه لم يتقدم في القول به أحد منهم و حسبه به خروجا عن الإجماع.

فصل فيقال له لسنا نعرف للشيعة فقيها متكلما على ما حكيت عنه من أخذه الكلام من المعتزلة و تلفيقه الاحتجاج للفقه على طريقة أصحابك و هذا من تخرصك الذي أسلفت نظائره قبل هذا المكان و ادعائك على هذا الرجل المذكور الخروج بما رسم بالمتعة من الزوجية عن الإجماع لاحق ببهتانك فيما مضى و المحللون لها من الشيعة و غيرهم لا يختلفون في أنها زوجة و نكاحها

____________

(1) في أ: بفقه.

(2) المؤمنون: 5، 6.

42

صحيح مشروع في ملة الإسلام إلا أن يجهل ذلك بعض عامتهم فلا يكون في جهله للحق عيار على العلماء فإن كان عندك شيء أكثر من الدعاوي الباطلة و السباب فهلمه و إلا فالصمت أستر لعيبك الذي فضحك بين الملأ.

[فصل عدم وقوع الطلاق في نكاح المتعة]

فصل ثم قال صاحب الكلام و بعد فإنا نقول له أ يقع بالمتعة طلاق فإن قال نعم زالت الشبهة في مكابرته لأصحابه أولا ثم لسائر الناس و إن قال لا قيل له كيف تكون زوجة من لا يقع بها الطلاق و هذا معروف من ملة الإسلام.

فصل فيقال له أما المحفوظ من قول محللي المتعة فهو أنها لا يحتاج في فراقها لنكاحها إلى أكثر من حلول الأجل الذي وقع عليه العقد (1) و أما وقوع الطلاق بها قبل وقوع الأجل فليس عنهم فيه شيء محفوظ و سواء قالوا أنه يقع طلاق أو لا يقع فإنه لا يلزمهم ما ظننت في الكلام و لا يخرجون بما يقولونه فيه من الإجماع.

و ذلك أنهم و إن حكموا بأن الطلاق لا يقع بها احتجوا فيه بأن الأجل

____________

(1) انظر: المقنع: 114؛ الإنتصار: 115؛ الوسيلة: 310.

43

مبين لها باتفاق من دان بتحليلها و وقوع الطلاق غير محكوم به عليها لعدم الحجة من الشريعة بذلك في حكمها و ما سبيله الشرع فلا نقتضب (1) إلا منه و متى لم يثبت في الشريعة لحوق الطلاق بها لم يجز الحكم به على حال و ليس في ذلك خروج عن الإجماع لأن الأمة إنما أجمعت على وقوع الطلاق الثلاث بالزوجات التي لا ينعقد نكاحهن بالآجال و لم يجمعوا على أنه واقع بالزوجات كلهن على العموم و الاستيعاب و ليس يجوز حمل حكم بعض الزوجات على بعض في ملة الإسلام لفساد القياس بها لا سيما فيما لا تعرف له علة توجب الحكم فيعدى بها إلى ما سواه.

و إن قالوا إن الطلاق يقع بها قبل الأجل لأنها زوجة أو للاستظهار و الاختبار و الخروج بالتبرؤ عما فيه الشبهة من الاختلاف لم يلزمهم في ذلك شيء يقدره مخالفوهم من الأحوال.

و دعوى الخصم في هذا الفصل أنهم خارجون به عن الإجماع باطلة لأنا قد بينا أنه لم يحفظ عنهم فيه و لا في نقيضه مقال فكيف يكون القول بأحدهما خروجا عن الإجماع اللهم إلا أن يعني بذلك أن القول فيما لم يقل فيه و لا في خلافه شيء يكون مبتدعا فيلزمه ذلك في كل ما تفرع عن المسائل التي قال فيها برأيه و لم يكن فيه قول لإغفاله أو عدم خطوره لهم ببال أو لأنه لم يتقدم فيه سؤال.

و متى صار إلى ذلك بدع جميع المتفقهة عنده و خرج عن العرف فيما يحكم له بالإجماع أو بخلافه عند الفقهاء.

____________

(1) يقال اقتضب الحديث: انتزعه و اقتطعه. (لسان العرب 1: 678)

44

و أقل ما في هذا الباب أن يكون الحكم فيما حدث الآن و لم يحدث فيما سلف خروجا عن الإجماع و ليس له أن ينفصل منا في هذا المعنى بما يذهب إليه من القول بالقياس و إن لم نقل بمثل مقاله فيه فإنا نقول في الشريعة ما يوجبه اليقين منها و الاحتياط للعبادات فنقول على الحكم في الأشياء بما يقتضيه الأصل إن كان يدل عليه دليل حظر أو إباحة من طريق السمع أو العقل و لا ينتقل ذلك عن حكم شرعي إلا بنص شرعي.

و هذه جملة لها تفصيل لا يحتملها (1) هذا المكان و هي أيضا منصوصة عندنا من طريق الآثار إذ كنا لا نرى القول بالظن في الأحكام.

فصل ثم قال صاحب الكلام على أنهم إن حملوا أنفسهم على وقوع الطلاق بها و خالفوا الإجماع قيل لهم هذا ينقض أصلكم في عددهن على ما تذهبون إليه في ذلك لأن الله جل اسمه يقول وَ الْمُطَلَّقٰاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلٰاثَةَ قُرُوءٍ (2) و من مذهبكم أن المتمتع بهن عددهن قرءان فقولكم بوقوع الطلاق بهن يقتضي نقض مذهبكم و قولكم بمذهبكم في عددهن بما (3) وصفناه يناقض حكم القرآن.

____________

(1) في جميع النسخ: يحملها.

(2) البقرة: 228.

(3) «بما» ساقطة من جميع النسخ، و إثباتها أنسب.

45

فصل فيقال له إنما يجب الحكم بالعموم ما لم يقم دليل على الخصوص باتفاق القائلين بالعموم من المتكلمين و الفقهاء (1)، فأما ما خصه البرهان فالحكم بعمومه بخلاف العقول و دين الإسلام و هذه الآية مخصوصة عندنا بالسنة عن النبي ع.

[فصل عدة المستمتع بها عدة الإماء]

فصل و يقال له ما تقول في الإماء المنكوحات بعقد النكاح أ يقع بهن طلاق فإن قلت لا خرجت عن ملة الإسلام و إن قلت نعم ناقضت بحكمك علينا ظاهر القرآن فإن عدد الإماء من الطلاق إذا كن يحضن قرءان و إن لم يكن من ذوات الحيض للارتياب فشهر و نصف (2)، و ذلك مخالف لظاهر قوله تعالى وَ الْمُطَلَّقٰاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلٰاثَةَ قُرُوءٍ (3)، فقل ما شئت في هذا المكان فإنه مسقط لشناعتك علينا فيما احتججت به من عموم القرآن.

____________

(1) المستصفى 2: 98؛ الإبهاج في شرح المنهاج 2: 140.

(2) الأم 5: 216، المغني 9: 92، 98؛ الشرح الكبير 9: 96، 105؛ المبسوط للسرخسي 6: 39؛ شرح فتح القدير 4: 140؛ المحلّى 10: 306؛ تبيين الحقائق 3: 28؛ الوجيز 2: 94- 95؛ السراج الوهاج: 449.

(3) البقرة: 228.

46

[فصل عدم وقوع الإيلاء في نكاح المتعة]

فصل ثم قال هذا الشيخ المتفقه عند نفسه و مما يقال لهذه الفرقة المبتدعة ما تقولون في الإيلاء أ يقع بالمستمتع بها عندكم فإن قالوا نعم كابروا أيضا بالخروج عن أصولهم و إن قالوا لا قيل لهم كيف تكون زوجة و الإيلاء غير واقع بها مع قول الله عز اسمه لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسٰائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فٰاؤُ فَإِنَّ اللّٰهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَ إِنْ عَزَمُوا الطَّلٰاقَ فَإِنَّ اللّٰهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (1).

فصل فيقال له لسنا نقول إن المستمتع بها يلحقها الإيلاء و هذا منصوص عندنا عن أئمتنا(ع)(2)، و ليس يمنع عدم لحوق الإيلاء بالمتعة أن لا تكون من جملة الأزواج لأن فيهن عندنا من لا يقع بها الإيلاء في حال و أحوال و هي التي وقع عليها العقد و لم يدخل بها الزوج فإنه لا يقع بهذا الإيلاء بالأمر الصحيح و السنة عن النبي(ص)(3).

____________

(1) البقرة: 226، 227.

(2) لم أعثر على نص بخصوص المورد، و لكنه هو المشهور بين فقهاء الإمامية؛ انظر الإنتصار للمرتضى: 115.

(3) المقنعة: 523؛ المهذب 2: 302؛ الوسيلة: 335؛ النهاية للطوسي: 528؛ المراسم: 160؛ فقه القرآن للراوندي 2: 201؛ و هو قول عطاء، و الزهري، و الثوري؛ المغني 8: 524؛ الجامع لأحكام القرآن 3: 107؛ و نسبه الزيلعي إلى أبي حنيفة، انظر تبيين الحقائق 2: 261.

47

و المرضع إذا آلى زوجها أن لا يقربها مخافة من حملها فيضر ذلك بولدها لانقطاع لبنها (1)، و هي زوجة في الحقيقة.

و المريض إذا آلى لصلاح نفسه (2).

و هذا مما يوافقنا عليه كثير من مخالفينا في الأصول من متفقهة العامة و ليس القول به فسادا.

فأما التعلق بعموم قوله لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسٰائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ (3) ففيه جوابان أحدهما أن هذه التسمية لا تطلق على ذوات الآجال من النساء و متى لم تستحق لم تدخل تحت اللفظ فيقضى بها على العموم.

و الآخر أنها لو كانت مطلقة عليهن لخرجن من عموم اللفظ بدليل الآية المتضمنة حكم السنة عن النبي(ص)و الإجماع الذي تعلق به صاحب الكلام.

ثم قال و مما يسألون عنه أيضا في الظهار أ يقع بها أم لا فمهما قالوه في الأمرين خرجوا به من الإجماع

____________

(1) المقنعة: 523؛ الإنتصار: 143؛ النهاية للطوسي: 528؛ المهذب 2: 302؛ المراسم: 160؛ فقه القرآن للراوندي 2: 202؛ الكافي لابن عبد البرّ: 282؛ بلغة السالك 1: 481؛ الجامع لأحكام القرآن 3:

107.

(2) الإنتصار للمرتضى: 144؛ الكافي لابن عبد البرّ: 282.

(3) البقرة: 226.

48

[فصل وقوع الظهار في نكاح المتعة]

فصل فيقال له ما تزال تزيد على الدعوى بغير برهان و الحكم بغير بيان كأنك مطبوع على التخليط و الهذيان.

عندنا أن الظهار يقع على المستمتع بها (1)، كما يقع على غيرها من الأزواج الحرائر و الإماء و في أصحابنا من يوقعه على ملك الإيمان (2)، فأي خلاف في هذا الإجماع و هل معك فيه إلا محض الحكم الجائر و الدعوى بغير بيان.

[فصل عدم وقوع اللعان في نكاح المتعة]

فصل قال هذا المتكلم على أنهم لا يرون وقوع اللعان بين المتمتع و المتمتع بها فكيف تكون زوجة لزوج لا يقع بينهما عند الفرية و جحد الولد اللعان.

قيل له يكون ذلك إذا تقرر في شريعة الإسلام و ليس معك أن من شرط الزوجية ثبوت اللعان بينهما و على كل حال و إنما يتعلق من أوجب ذلك لعموم قوله تعالى وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوٰاجَهُمْ وَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدٰاءُ إِلّٰا أَنْفُسُهُمْ الآية (3)؛ و ليس يمنع قيام دليل تخصيص العام و قد ثبت الخبر عن النبي(ص)من طرق عترته(ع)بما يخصص عموم

____________

(1) انظر: الإنتصار للمرتضي: 115؛ الكافي في الفقه: 298.

(2) المبسوط للطوسي 5: 148.

(3) النور: 6.

49

هذه الآية (1)، مع إجماع الأمة على اختلافهم بأن المتمتعة ليس بينها و بين المستمتع لعان (2).

و المحلل لها يسقط ذلك بما ذكرناه من الشرع فيه و الإفراد لهذا الضرب من النكاح مما سواه في خروجه عن الحكم المتعلق بغيره في مقتضى النكاح.

و من حرمها يخرجه من حكم ذلك لنفي السمة عنه المتعلق بها حكم اللعان.

و إذا اتفقت الأمة على إسقاط حكم اللعان في نكاح المتعة وجب تخصيص الظاهر من الآي و إن اختلفت الأمة في تعليل ما أوجب الإسقاط.

[فصل عدة أصناف لا يقع بينهم اللعان]

فصل على أن من لا حد عليه من الأزواج و الزوجات لا يصح التلاعن بينهم بإجماع الأمة أزواج و أكثر فقهاء العامة لا يرون بين اليهودية و المسلم لعانا (3) و لا بين الأمة (4) و الحر لعانا (5)، و ليس يصح بين المنطلق اللسان و الخرساء

____________

(1) من هذه الأخبار ما رواه ابن أبي يعفور- في الصحيح- عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: لا يلاعن الرجل المرأة التي يتمتع بها. (فروع الكافي 6: 166؛ تهذيب الأحكام 7: 472)

(2) المبسوط للسرخسي 7: 46؛ بدائع الصنائع 3: 241؛ اللباب 3: 76؛ تحفة الفقهاء 2: 219.

(3) الكافي لابن عبد البرّ: 286؛ المبسوط للسرخسي 7: 40؛ بدائع الصنائع 3: 242؛ حلية العلما 7: 227؛ تحفة الفقهاء 2: 219.

(4) في النسخ الثلاث تأنيث (المسلم) و (الحرّ)، و ما أثبته هو الأنسب.

(5) الكافي لابن عبد البرّ: 286؛ المبسوط للسرخسي 7: 40؛ بدائع الصنائع 3: 242؛ حلية العلماء 7: 227؛ تحفة الفقهاء 2: 219.

50

و الصماء لعان (1)؛ و إن كان كل واحد منهما زوجا بالإجماع.

فيعلم بذلك أن حكم اللعان غير عام للأزواج.

[فصل نكاح المتعة لا يحلل المطلقة ثلاثا]

فصل ثم قال هذا الشيخ المعاند و يقال لهم خبرونا عمن طلق امرأته ثلاثا للعدة فبانت منه بذلك بينونة لا تحل له حَتّٰى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ أ رأيتم إن تزوجت بعد خروجها من العدة متعة ثم فارقها المتمتع و قضت عدتها منه أ تحل بذلك للزوج الأول فمن قولهم لا.

و قد قرأت بذلك خبرا أسندوه إلى بعض الطالبيين و هو جعفر بن محمد و عليه يعتمدون فيما يذهبون إليه في الأحكام المخالفة لجميع الفقهاء فيقال لهم كيف تكون المتمتعة زوجة و المتمتع بها لا يستحق اسم الزوجية إذ لو استحقها لحلت بنكاحه المطلقة بالثلاث و بقوله تعالى فَإِنْ طَلَّقَهٰا فَلٰا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتّٰى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ (2) اللهم إلا أن يكونوا ممن لا يدين بأحكام القرآن.

فصل فيقال له الأمر في هذا الباب كما وقفت عليه في الخبر المسند إلى إمام

____________

(1) حلية العلماء 7: 227؛ بدائع الصنائع 3: 242.

(2) البقر: 230.

51

المؤمنين و سيد المسلمين في وقته و أفضلهم عند الله عز و جل الصادق المصدق جعفر بن محمد ع. و نحن لا نرى تحليل المطلقة ثلاثا بنكاح المتعة للسنة الثابتة بذلك عن صاحب الشريعة(ع)لما صحت به الرواية عنه في معناه من جهة عترته الراشدين(ع)(1)، و ليس يجب بذلك ما حكمت به في نفي سمة الزوجية عن المتمتع إذ ليس من شرط ثبوت هذه السمة لمستحقها تحليل طلاق العدة بالنكاح للإجماع على ثبوتها لمن لا يحل به بعد البينونة منه لمطلقها ثلاثا للعدة على شرط الحكم في الإسلام.

و هو الغلام قبل بلوغه الحلم و إن جامع في الفرج (2).

و الخصي و إن لذ من المرأة و لذت منه (3).

و العنين (4).

و من سبق طلاقه أو موته الدخول (5).

و هؤلاء الأربعة نفر أزواج على التحقيق و ليس يحللون المرأة المطلقة ثلاثا باتفاق.

____________

(1) فمن ذلك صحيح محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: سألته عن الرجل طلّق امرأته ثلاثا، ثم تمتع فيها رجل آخر؛ هل تحلّ للأول؟ قال: لا. و في حديث آخر: لا، حتى تدخل فيما خرجت منه. (فروع الكافي 5: 425؛ تهذيب الأحكام 8: 32).

(2) بداية المجتهد 2: 87؛ حلية العلماء 7: 133.

(3) كشف القناع 5: 350؛ و هو المروي عن أحمد، انظر المغني 8: 475. في ج: و ولدت منه.

(4) حاشية الجمل على شرح المنهج 4: 186؛ كشاف القناع 5: 350.

(5) الأم 5: 248؛ المجموع 17: 281؛ المغني 8: 474؛ الشرح الكبير 8: 496؛ بداية المجتهد 2: 87؛ بدائع الصنائع 3: 188 المحلى 7: 131، حلية العلماء 7: 131.

52

فإن كانت الشيعة في إثباتها للمتمتع سمة الزوجية مناقضة للقرآن أو جاهلة بأحكامه على ما ادعاه الشيخ الضال فالأمة بأجمعها رادة للقرآن عنادا و جهلا بمعناه.

و إن لم تكن الأمة في ذلك على خلاف القرآن لتعلقها في خصوصه بسنة عن النبي(ص)فكذلك الشيعة غير مخالفة للقرآن و لا جاهلة بمعناه بل موافقة لحكمه عارفة بمقتضاه و إنما خصت عموم لفظ منه بسنة عن نبيها(ع)أداها إليهم عنه عترته الصادقون الأبرار ع.

و هذا يسقط شناعتك أيها الشيخ المتعصب بما تعلقت به من ذكر تحليل النكاح و يبطل ما تخيلته في لزومه الشيعة من الفساد.

[فصل قوله تعالى حتى تنكح زوجا غيره من المجمل]

فصل على أن قوله تعالى حَتّٰى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ (1) من باب المجمل عند كثير من أهل النظر و ليس من العموم في شيء و هو يجري مجرى قول حكيم قال لرجل قد أعتق في كفارة القتل عبدا كافرا هذا لا يجزي عنك و ليس تبرأ عهدتك حتى تعتق عبدا غيره.

أو قال لعاقد على امرأة عقدا فاسدا هذا العقد لا يحل لك به النكاح و إنما يحل بعقد غيره.

____________

(1) البقرة: 230.

53

أو قال لمعتذر إليه هذا ليس بعذر عندي إذ تأتي بعذر غيره.

و ما أشبه هذا من الأقوال المجملة فإنه لا يعقد بها العموم بل تحوج المخاطب معها إلى الاستفهام في المراد بها إن لم يكن قد قرن إليها دليلا عليه.

و إذا كان الأمر كما وصفناه و كانت الأمة متفقة على أن الذي يحلل المرأة لمطلقها بالثلاث زوج مخصوص مما ثبت عن النبي(ص)في صفته من الأخبار وجب الاقتصار عليه في هذا المعنى و فسد بعده في الحكم بذلك إلى غيره و لم يمنع هذا القضاء أن يكون غيره زوجا في الشريعة مستحقا هذه السمة على الإطلاق كما لم يمنع الاقتصار على ما يفسر به الحكم ما ضربنا به المثل عنه من الكلام في العبد و العقد و الاعتذار أن يكون ما سوى كل واحد منه في معناه مستحقا لسمته حسب ما بيناه فصل فأما ما ذكره الشيخ الضال في فصله الذي قد بينا تجاهله فيه من القول بأنا نعتمد على الصادق جعفر بن محمد(ع)في الأحكام فإنه ديننا الذي نتقرب به إلى الله عز و جل إذ كان الإمام المعصوم المنصوص عليه من قبل الله عز و جل المأمور بطاعته كافة الأنام مع كونه من سادة العترة الذين خلفهم نبينا(ع)فينا و أخبرنا بأنهم لا يفارقون كتاب الله جل اسمه حكما و وجودا حتى يردا عليه الحوض يوم المعاد (1).

____________

(1) يشير إلى الحديث المتواتر عن النبي (ص) أنه قال:

54

إلا أن دعواه علينا الاعتماد على مقالته(ع)في الأحكام المخالفة لجميع الفقهاء من بهتانه الذي تقدم أمثاله منه في العناد.

و ذلك أن الفقهاء هم العالمون بالكتاب و السنة دون أصحابه الجاهلين بها الدائبين بالعمل على الظن و الهوى في دين الله المقلدين في الأحكام أهل الفسوق و الطغيان العادلين عن معدن الحق و مستقره من عترة نبي الهدى(ع)المتظاهرين لهم بالعداوة و الشنئان.

فصل مع أنه لو لم يكن الصادق جعفر بن محمد(ع)في الإمامة و العصمة و الكمال كما وصفناه بل كان من جملة الصالحين من ذرية النبي(ع)لكان الاعتماد عليه في الدين أولى من الاعتماد على النعمان المارق بالإجماع عن الإيمان و نظرائه المشاركين له فيما ابتدعه من الخلاف لرسول الله(ص)و الوفاق للشيطان.

و من لم يسقط لمروقه عن الدين بمفارقة العترة الطاهرة(ع)و اتباع أعدائهم الضلال مع تحليه باسم الإسلام فليس ممن يجب عداده في الأحياء بل هو من جملة الهالكين الأموات.

____________

إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلّوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر: كتاب اللّه، حبل ممدود من السماء إلى الأرض؛ و عترتي أهل بيتي؛ و لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض؛ فانظروا كيف تخلّفوني فيهما؟!. (الجامع الصحيح للترمذي 5: 663)

55

فصل فأما ما قصد به هذا الشيخ الضال من التحقير لشأن الصادق(ع)بإضافته إلى الطالبيين على الإجمال فذلك هو اللائق بكفره و جهله و عناده لنبي الهدى و لذي الحكم و بغضه لأهل بيته و عصبيته على خاصته و ذوي رحمه و ما يضر ذلك بمن أعلى الله شأنه و رفع في الدين مكانه.

و لو قال في الحكاية عن عبد الله بن عباس إن هذا شيء قيل عن بعض الهاشمية لبدت لنا منه عصبيته عليه و عناده للنبي(ص)فيما دعا الله من تعظيمه و هل قوله في ذلك إلا كقول من قال (1) في إضافة حكم النبي(ص)هذا حكم حكم به بعض العرب أو قال حكم به رجل من قريش. و لو أن خصومة مع ظهور مذهبهم في أئمته الذين تدين الله ببغضهم قالوا فيما يضاف إليهم مقال هذا مذهب بعض التيميين أو قول رجل من العدويين أو حكم به بعض الأمويين لما رضي هذا الشيخ الضال بتكفيرهم دون الفتيا بإباحة دمائهم و إن كانوا أعذر منه فيما يقوله من ذلك لتدينهم بالبغض ممن ذكرناه و تظاهرهم بالبراءة منهم في الدين و هو لا يصرح بالبراءة منهم في الدين و هو لا يصرح بالبراءة أيضا من الصادق و آبائه و أبنائه و الأئمة الأخيار(ع)و إن عرض بذلك و دل عليه بما ذكرناه عنه فيما مضى و بينا ضلاله منه و الحق لا تضره عصبية الرجال.

____________

(1) في أ «كقول و قال».

56

[فصل اجتماع الفقيه الحنفي مع الجنيدي في نيسابور]

فصل ثم قال هذا الشيخ الجاهل و قد كان وصل إلى نيسابور (1) في سنة أربعين و ثلاثمائة رجل من هؤلاء الرافضة يعرف بالجنيدي (2) يدعي معرفة بفقههم و يتصنع بالنفاق لهم فسلموا إليه مالا كثيرا ليوصله إلى إمامهم الذين يدعون وجوده الآن و يحيلون في ذلك على السرداب و كان يذكر لهم أن بينه و بينه مكاتبة و أن مستقره بنواحي الحجاز. و حمل إليه إنسان منهم كان يعاملني في التجارة أخيرا مره سيفا بحلية ثقيلة له مقدار و أهدى إليه في خاصته ثيابا و بره بشيء من ماله و رأيت جماعة من رافضة نيسابور يكرمونه و يعتقدون فيه الصلاح.

فخاطبت معاملي في استحضاره إلى منزله فحضر و قايسته فوجدته من أجهل الناس و أبعدهم عن طريق العلم و تقرب إلي بوفاق أبي حنيفة في مسائل و بالقول بالقياس في الأحكام و الرأي و لم يكن يحسن من ذلك كله شيئا.

فعجبت لشدة غباوة هذه الفرقة و نفاق الجهال عليها لكن لا عجب مع ما هم عليه من الضلال عما تقتضيه العقول و توفيه شرائع الإسلام و

____________

(1) نيسابور بفتح أوله، و العامة تسميه «نشاور»؛ و هي مدينة عظيمة، ذات فضائل جسيمة، معدن الفضلاء، و منبع العلماء، لم أر- فيما طوّفت من البلاد- مدينة كانت مثلها. (معجم البلدان 5: 330)

(2) هو محمد بن أحمد الجنيد، أبو علي الإسكافي، وجه من وجوه أصحابنا، ثقة جليل القدر، صنّف فأكثر، إلا أنه كان يرى القول بالقياس، فتركت لذلك كتبه و لم يعوّل عليها.

(الفهرست للطوسي: 368)

57

اعتمادهم على التقليد و اعتقاد موت الأحياء و حياة الأموات.

فصل فقالوا له لسنا نثق بك فنصدقك فيما تحكيه و لا نعلم كيف جرت حال الرجل الذي ذكرت وصوله إلى نيسابور و يغلب في الظن تخرصك فيما ذكرت عنه من قبض مال الإمام و نحن أعرف به منك لحلوله معنا في البلد و في الجوار و وقوفنا على كثير من خفي أمره و لم نسمع عنه قط دعوى مكاتبة الإمام و لا العلم بمكانه من البلاد.

و لو كان ادعى ذلك الموضع الذي ذكرت لم يخف ذلك و تظاهرت به الأخبار لمواصلة شيعة نيسابور و كثير من شيعة بغداد و مكاتبتهم بما يتعلق بالديانة و الاعتقاد و كان ذلك ينتشر عن هذا الرجل في الموافقين و أهل الخلاف كما انتشر عن غيره ممن ادعى هذا المقام كالعمري (1) و ابنه (2) و ابن روح (3) من الثقات (رحمهم الله)

____________

(1) هو أول السفراء في زمان الغيبة، و هو الشيخ الموثوق به، أبو عمرو عثمان بن سعيد العمري، و كان أسديا، و يقال له: السمّان؛ لأنه كان يتّجر في السمن تغطية على الأمر. (الغيبة للطوسي: 214).

(2) هو محمد بن عثمان بن سعيد العمري- بفتح العين- الأسدي، يكنى: أبا جعفر، و أبوه يكنى: أبا عمرو؛ جميعا وكيلان في خدمة صاحب الزمان «(عليه السلام)» و لهما منزلة جليلة عند هذه الطائفة.

(رجال العلّامة الحلي: 149).

(3) هو الحسين بن روح بن بحر، أبو القاسم، قال ابن أبي طي: هو أحد الأبواب لصاحب الأمر ... خرج على يديه تواقيع كثيرة، فلما مات أبو جعفر صارت النيابة إليه، و كثرت غاشيته، حتى كان الأمراء يركبون إليه و الوزراء، و المعزولون عن الوزارة و الأعيان؛ و تواصف الناس عقله ... (الوافي بالوفيات للصفدي 12: 366)

58

و الحلاج (1) و العزاقري (2) و أمثالها من المبطلين المعروفين بالفسق و الخروج عن الإيمان.

و لسنا ننكر أن يكون قد وصل أهل نيسابور هذا الرجل و أكرموه و أقاموا بما يجب له من حقوق الإخوان و قد عرفنا بر القوم له و ما كان يصل إليه من ناحية المشرق بعد عوده إلى بغداد ما كان يصون به وجهه عن البذلة و مسألة الناس و ليس في هذا عيب له و لا عليه فيه عار.

و لو قد ذكرنا حيلة بعضكم على بعض في الأموال و صغر أنفس مشايخكم مع غناهم بالكفاية في الطلب و مسألة الناس و صلات بعضكم لبعض في عداوة أولياء الله لأطلنا به الكلام و شهرتكم في ذلك عند الكافة تغني عن تكلف الأخبار على التفصيل لا سيما مع القصد إلى الاختصار.

فأما شهادتك بجهل الجنيدي فقد أسرفت بما قلت في معناه و زدت في الإسراف و لم يكن كذلك في النقصان و إن كان عندنا غير سديد فيما يتحلى به من الفقه و معرفة الآثار لكنه مع ذلك أمثل من جمهور أئمتك و أقرب منهم إلى الفطنة و الذكاء.

فأما قوله بالقياس في الأحكام الشرعية و اختياره مذاهب لأبي حنيفة و غيره من فقهاء العامة لم يأت بها أثر عن الصادقين(ع)فقد كنا

____________

(1) هو الحسين بن منصور، الحلّاج، المقتول على الزندقة، و كانت له بداية جيدة، ثم تألّه و تصوّف، ثم انسلخ من الدين، و تعلّم السحر و أراهم المخاريق؛ أباح العلماء دمه، فقتل سنة إحدي عشرة و ثلاثمائة. (ميزان الاعتدال 1: 548).

(2) هو محمد بن علي الشلمغاني، و يعرف بابن أبي العزاقر، له كتب و روايات، كان مستقيم الطريقة، متقدما في أصحابنا، فحمله الحسد لأبي القاسم ابن روح على ترك المذهب و الدخول في المذاهب الرديئة، حتى خرجت فيه توقيعات، فأخذه السلطان، و قتله و صلبه. (رجال العلّامة الحلي: 254)

59

ننكره عليه غاية الإنكار و لذلك أهمل جماعة من أصحابنا أمره و أطرحوه و لم يلتفت أحد منهم إلى مصنف له و لا كلام.

و هذا يدل على ضد ما ادعيت أيها الجاهل على الشيعة من الغباوة و التقليد للرجال لأنه لو كان منهم خمسة نفر كذلك لاعترفنا به فيما أجبناه من خلاف الحق لسوء الاختيار و في إطراحهم له لذلك الإجماع على استرذاله فيه بيان لذلك فيما حكمت به عليهم من التقليد حسب ما قدمناه.

فصل و أما سبك الإمامية باعتقاد موت الأحياء و حياة الأموات فهو سفه محض لا نرى مقابلتك عليه صيانة لأنفسنا عن الدخول في السباب لكنا نسألك عن الأموات الذين ادعوا بزعمك حياتهم و الأحياء الذين اعتقدوا موتهم من هم من الناس فلا يجد شيئا يتعلق به عليهم في هذا الباب.

اللهم إلا أن يذكر الكيسانية (1) و الممطورة (2) و الغلاة (3) فيبين تعمدك للعناد بإضافة مذاهب فاسدة إلى قوم يبرءون إلى الله منها و قد جردوا الحجج

____________

(1) و هم الفرقة القائلة بإمامة محمد بن أمير المؤمنين (ع)، لأنه كان صاحب راية أبيه يوم البصرة، دون أخويه، و يدّعون بقاءه حيا. انظر (فرق الشيعة للنوبختي: 23).

(2) هو لقب الفرقة الواقفة على الإمام موسى بن جعفر (ع)، و تعتقد حياته. انظر (فرق الشيعة: 82).

(3) هم الذين قالوا بإلهية الأئمة (ع)، و أباحوا محرّمات الشريعة، و أسقطوا وجوب فرائض الشريعة؛ كالبيانية، و المغيرية، و الجناحية، و المنصورية، و الخطابية، و الحلولية، و من جرى مجراهم. (الفرق بين الفرق: 23)

60

في الرد على القائلين بها و باينوهم في الظاهر و الباطن و على كل حال.

و تذكر قولهم بوجود ولد الحسن بن علي بن محمد بن علي الرضا(ع)يعتقدون حياته للآن و غيبته للتقية الموجبة للاستتار.

فتظهر بذلك جهلك و نقصانك لاعتقادك أنه لم يوجد هذا الشخص في العالم قط فكيف يكون ميتا فيعتقد القوم حياته أو حيا فيدينون بموته هل هذا إلا اختلاط ممن قاله و هذيان.

فصل ثم قال هذا الشيخ الضال فكان مما قايست هذا الرجل فيه أمر المتعة و أحكامها عنده فقال هي في عقيدتي حلال مع الاضطرار إليها و حرام مع الاختيار.

قال فقلت له و أي ضرورة تدعو إلى الالتذاذ بالنكاح يدعي الضرورة من يعرف الاختيار و الاضطرار.

فقال من الناس من تدعوه الشهوة للجماع و ليست له زوجة و لا ملك يمين و لا يقدر على ابتياع أمة و لا له طول النكاح غبطة فإذا لم يستمتع اضطر إلى الفجور.

قال فقلت له إن دعته شهوته إلى ذلك في بلد لا يجد فيه من يستمتع بها من النساء و وجد من يطاوعه على الزناء أ يحل له ذلك مع الاضطرار فقال لا فقلت له و لم و الضرورة نازلة به و قد أحل الله تعالى عندها ما حرمه

61

مع الاختيار قال ثم قلت له أ رأيت إن دعته الشهوة إلى ذلك في مكان ليس فيه امرأة ما ذا يصنع مع الاضطرار.

فقال يصبر بالضرورة قال فقلت له و إذا دعته الحصورة (1)، أ يتلف نفسه أو يمنعه من العمل و العبادات.

قال لا فقلت له فيكون بطل قولك إن الشهوة تضطر إلى ما حرمه الله عز و جل من الجماع مع الاختيار و بان أنه تخرف في قولك و دعواك.

فلم يرد جوابا و تشاغل بالثناء على أصحابنا القائسين و قال فلأجل قولكم بمثل هذا المقال على أصحابي قلت بالقياس و خالفت أصحابي كلهم في اعتقادهم فيه.

فضحكت من تبريه إلي و مصانعته لي و حمدت الله على ما أولى.

فصل فيقال له هذه الحكايات جارية مجرى الخرافات و لسنا من الأخبار ما هذا سبيله عن الناس في شيء لا سيما و المخبر به عدو متعصب ظاهر التخرص و الافتراء.

مع أنه لو كان الجنيدي قد قال بما حكيت عنه و لم يرد فيه و لم ينقض

____________

(1) كذا في أ؛ و في ب: و إذا صبر عند الحصورة (الضرورة ل)؛ و في ج بياض بمقدار كلمة.

62

فهو من جنس ما كنا ننكر عليه من الهذيان و ليس علينا عهدته في غلطه لما قد بينا خطأه و زايلناه كما أنك لا عهدة عليك في تجاهل من اعتزى إلى أبي حنيفة في الفقه و تصدى للفتيا به و هو في البهيمية كالحمار ممن إن ذكرناه طال بذكره الكلام و حسن العشرة أيضا يمنعنا من تسميتهم و نقضهم في المصنفات و ذكر حماقاتهم في القول و جهالتهم في التعليل للأحكام و لو لا ذلك لسمينا من ببغداد منهم جماعة ممن يعتزي أيضا إلى مالك (1) و الشافعي (2) و داود (3) فضلا عمن هو مقيم منهم بغيرها من البلاد لا سيما بأرض خراسان فإنهم أغمار في معنى البهيمية و إن كانوا في صورة الناس.

فصل قال الشيخ الناصب و مما استفهمت عن الجنيدي قولهم في تسمية المتعة بزوجة.

____________

(1) هو أبو عبد اللّه مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي المدني ... أحد الأئمة الأعلام. أخذ القراءة عرضا عن نافع بن أبي نعيم، و سمع الزهري، و نافعا مولى ابن عمر؛ و كانت ولادته في سنة خمس و تسعين للهجرة، و حمل به ثلاث سنين! و توفي في شهر ربيع الأول، سنة تسع و سبعين و مائة. (وفيات الأعيان 4: 135)

(2) هو أبو عبد اللّه محمد بن إدريس القرشي المطلبي، ولد سنة خمسين و مائة بغزة، فحمل إلى مكة لما فطم، فنشأ بها، و أقبل على العلوم، فتفقه بمسلم الزنجي و غيره ... توفي أول شعبان سنة أربع و مائتين بمصر، و كان قد انتقل إليها سنة تسع و تسعين و مائة. (تذكرة الحفاظ 1: 361).

(3) هو داود بن علي الحافظ، أبو سليمان الأصبهاني البغدادي؛ فقيه أهل الظاهر، ولد سنة مائتين، سمع عمرو بن مرزوق، و القعنبي، و سليمان بن حرب؛ قال ابن كامل: مات في رمضان سنة سبعين و مائتين. (تذكرة الحفاظ: 572)

63

فقال لا نسميها بذلك قال قلت فيقع بها طلاق أو ظهار أو إيلاء أو لعان قال لا يقع بها شيء من ذلك قال قلت فكيف تستحلون وطء امرأة ليس لها من الحرمة بالنكاح ما تتعلق به الأحكام مما عددناه فعاد إلى أن يقول إنما أحللناها عند الاضطرار كما تحل الميتة و الدم و لحم الخنزير للاضطرار.

قال فقلت له قد مضى الكلام في هذا المعنى و لا فائدة في تكراره على من لا يعقل معناه قال ثم قلت له فالولد يلحق منها بالرجل فقال عندنا أنه يشترط ما يمنع عنه من عزل الماء قال فقلت له فإن لم يشترط ذلك أ يفسد بتركه النكاح فقال لي في ذلك نظر و اجتهاد قال فأعرضت عنه حتى انصرف ثم عاتبت معاملي على اغتراره به فقال هو رجل صالح و ليس من أصحاب الكلام فقلت يعز علي بما أخرجته عن يدك إليه ما لو عدت به على نفسك و عيالك أو صرفته إلى الفقراء كان أحسن بك و أجمل عند الله عز و جل فقال خذ في غير هذا فإني لا أترك ما أنا عليه بموعظتك لأنني لا أستنصحك فيها و إن أستنصحك في غيرها من الأشياء قال فقلت له قد أديت ما يجب علي لك لكنك من قوم لا ينفع فيهم الوعظ و لا يرعوون بالعتاب.

64

فصل فيقال له ما نرى فصلك هذا أكثر من الحكايات الجارية مجرى الأسمار و أنت متهم فيما ادعيت على الجنيدي من المقال متهم و ظنين في دعواك و ليس ما حكيت عن هذا الرجل مذهبا للشيعة و مذهبهم في كل فصل ما قدمناه غير أنك أظهرت ما كان في نفسك من الحسد للمسكين على ما صار إليه من البر و غبطته عليه و ودت أنه كان صائرا إليك فأبى الله إلا أن يحرمك إياه و رد المعامل لك موعظتك من واقع موقعه لأنك لم ترد الله عز و جل و لا صدقت أيضا فيها بل كذبت فأراه الله تعالى بما وفق له المرء المسلم من المعرفة ببطلانها و الإهمال لها و الإطراح

65

[المسألة الثانية إذا أسلمت الكتابية لا ينفسخ نكاحها من زوجها الكافر]

مسألة أخرى ثانية قال هذا الشيخ المتخرص الضال المشنع و من قول هذه الفرقة يعني الشيعة أن اليهود يملكون نكاح المسلمات و كذلك النصارى و المجوس و ذلك لزعمهم أن الذمي إذا كانت تحته الذمية فأسلمت و تركت ما كانت عليه من الكفر و عملت بشرائع الإسلام و أقام هو على كفره فإنه لا فرقة بينهما و هو أملك بها و هذا خلاف ملة الإسلام.

فصل فأقول و بالله التوفيق إن الخصم على سنته في الكذب علينا و البهتان لنا و قد أبطل ما حكاه عنا و قال زورا و الله جل اسمه يؤاخذه بذلك و يطالبه به.

و الذي نذهب إليه أن اليهودية و النصرانية إذا أسلمت و أقام زوجها على دينه في دار الهجرة لم ينفسخ العقد بينهما بإسلامها غير أنه يمنع من الدخول عليها نهارا فإن أسلم حل له ما يحل للأزواج من الزوجات و إن أقام على ضلاله فالعقد باق لم يهدمه شيء بحجة من

66

الشرع و إن كان إسلامها قد حظر عليه وطأه و الخلوة بها حسب ما ذكرناه.

فصل و قد ثبتت الزوجية عندنا و عند كافة الأمة لمن لا يحل له وطء الزوجة و هو المظاهر حتى يكفر عن يمينه و المرأة تحيض فلا يحل لزوجها وطؤها قال الله عز و جل يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسٰاءَ فِي الْمَحِيضِ وَ لٰا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّٰى يَطْهُرْنَ (1) فحظر نكاح الحائض على مالك نكاحها و أباحه إياها بشرط مخصوص و حظر على المظاهر نكاح زوجته و إن كان مباحا بشرط الكفارة و لم يمنع ذلك من ثبوت العقد و الحكم في النفساء كالحكم في الحائض سواء يحرم وطؤها حتى ينقطع دم نفاسها و إن كانت زوجة في حكم الإسلام و هذا يزيل شبهة الخصم في ثبوت العقد لمن قد حظر عليه الوطء و يقرب ما ذكرناه إلى نفسه و يوطنه في قلبه بحكم الشرع.

____________

(1) البقرة: 222.

67

فصل و الذي أنكره هذا الشيخ الضال عن الحق و شنع به على شيعة أمير المؤمنين(ع)و زعم أنه خلاف ملة الإسلام مشهور عن عمر بن الخطاب (1) قد حكاه عنه الطبري (2) في كتاب الاختلاف عن جماعة من الصحابة و التابعين و قد رواه أصحاب الآثار عن أمير المؤمنين(ع)(3) و نقلته ذريته عنه على وجه لا يقع فيه ارتياب.

فصل ثم هو بعينه قول صاحبه النعمان (4) و قد جهله هذا الشيخ الغبي و ظن أنه خلاف لجماعة الفقهاء- فروى إبراهيم بن إسماعيل بن علية (5) عن أبي حنيفة أنه قال إذا أسلمت النصرانية و أقام زوجها على دينه لم يبطل بذلك نكاحه و كانت له

____________

(1) مصنف عبد الرزاق 6: 84؛ الحجة على أهل المدينة 4: 9؛ المبسوط للسرخسي 5: 46؛ المحلّى 7: 313؛ موسوعة فقه عمر بن الخطاب: 631.

(2) هو أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن خالد الطبري، صاحب التفسير الكبير و التاريخ الشهير، و له مصنفات مليحة في فنون عديدة، تدلّ على سعة علمه و غزارة فضله. (وفيات الأعيان 4: 191).

و كتابه هذا لم يصل إلينا كاملا، بل قطعة منه ليس فيها الباب الذي ينقل عنه المؤلف.

(3) مصنف عبد الرزاق 6: 84؛ المحلى 7: 314.

(4) الحجة على أهل المدينة 4: 1؛ المبسوط للسرخسي 5: 64؛ حلية العلماء 6: 425؛ المحلّى 7: 313.

(5) جهمي، هالك، كان يناظر، و يقول بخلق القرآن؛ مات سنة ثمان و عشرين و مائتين.

(لسان الميزان 1: 34)

68

زوجة حتى يعرض عليه الإسلام فيأباه و لو مكث هذا الزوج النصراني إلى عشرين سنة لا يعرض عليه الإسلام كانت هذه المسلمة زوجته فإذا عرض عليه فأبى فرق بينهما حينئذ ثم ناقضه ابن علية في هذا المذهب و ألزمه الفرق بين المستقبل و المستدبر فيها.

و هذا مذكور في كتاب ابن علية الذي ناقض فيه أبا حنيفة و رد عليه فيما فرق به و أصحابه بين المستقبل و المستدبر في الأحكام.

و كذلك حكم اليهودية عند أبي حنيفة إذ كان لا فرق بين اليهودية و النصرانية في هذا الباب.

و قد حكى ابن علية أيضا عنه أعني أبا حنيفة أنه قال لو أن امرأة كانت تحت رجل من أهل الحرب و هما جميعا من أهل الكتاب فأسلم الزوج فهما على النكاح ما لم تحض ثلاث حيض فإذا حاضت فقد انقطعت العصمة بينهما قال و كذلك لو كانت المرأة هي التي أسلمت فإذا أسلم واحد منهما و خرج إلى دار الإسلام فقد انقطعت العصمة بينهما و هذا أقبح عند الجمهور مما شنع به على الشيعة يخرص القول فيه و حرفه عنادا أو جهلا.

و قد بينا الحكم في ذلك و أن الذمي من اليهود و النصارى لا يفسخ عقده على زوجته إسلامها و لكن يمنعه مما هو للمسلم بالزوجية من وطئها.

و ليس في هذا المعنى شناعة و لا هو خلاف على الأمة حسب ما تخيله الخصم لجهله إذ قد قال به إمامه عمر بن الخطاب و صح عن أمير المؤمنين(ع)الذي لا يمكنه التصريح بتضليله فيما أفتى به و قال إلا أن يخرج عن

69

ملة الإسلام.

فصل فأما المجوسية إذا كانت تحت مجوسي فأسلمت فإن حكمها يخالف حكم المسلمين عن اليهودية و النصرانية مع بقاء الزوج على دينه في اليهودية و النصرانية فيجري إسلامها في فسخ النكاح مجرى التطليقة الواحدة فإن أسلم الرجل المجوسي و المرأة في عدتها فهو أحق بها و إن لم يسلم حتى تقضي عدتها فقد ملكت نفسها و ليس له عليها سبيل و هذا خلاف ما حكاه عنا بغير علم و شنع به متخرصا للإفك و البهتان

70

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

71

[المسألة الثالثة حكم تحليل الجارية لآخر و بيان أحكام شهادة الزور في الفقه الحنفي]

مسألة ثالثة قال الشيخ الجاهل و من طريف بدعهم يعني الإمامية قولهم أن الرجل إذا ملك الأمة فله أن يعير فرجها لأخيه في الدين و لأخيه استعارته منه فجعلوا استعمال التزويج بالعواري كالأبنية و الآلة و الأثاث و الثياب في استعمالها بالعواري و هذا أقبح من قول المجوس في وجوه النكاح.

فصل فأقول و بالله التوفيق و به أعتصم إن هذا الذي حكاه مذهب عطاء بن أبي رياح و طاوس و جابر بن يزيد في أصحابهم و من ذهب إلى قولهم و قد جاءت بمعناه دون لفظه رواية من طريق الآحاد عن أهل البيت(ع)و روي عنهم خلاف ذلك من طريق الثقات.

72

فروى الحسين بن سعيد الأهوازي (رحمه الله) (1) في كتابه النكاح عن القاسم بن عروة عن أبي العباس المعروف بالبقباق قال

كان لي جار يقال له المفضل بن غياث و كان يأنس بأصحابنا و يحب مجالستهم فسألني أن أدخله إلى أبي عبد الله(ع)فأدخلته عليه فسأله عن عارية الفرج فقال أبو عبد الله(ع)هو الزناء و أنا إلى الله منه بريء و لكن لا بأس أن تحل المرأة جاريتها لأخيها أو زوجها أو قريبها

(2) فصل و بين الإحلال و العارية فرق في المعنى و اللفظ و فصل في مقتضى الأحكام فمن خلط المعنيين جميعا و لم يعرف فرق ما بينهما فهو بعيد من الصواب.

و الذي روي عن الصادقين(ع)مما شنع به صاحب الكلام يلائم (3) ما رواه أبو العباس البقباق.

فروى صفوان عن ابن بكير عن زرارة قال

سألني أبو عبد الله(ع)من كان يمرض عبد الملك يعني ابن أعين و يقوم عليه في مرضه

____________

(1) الحسين بن سعيد بن حماد بن سعيد بن مهران- من موالي علي بن الحسين (عليهما السلام)- الأهوازي؛ ثقة؛ روى عن الرضا، و أبي جعفر الثاني، و أبي الحسن الثالث (عليهم السلام)؛ و أصله كوفي، و انتقل مع أخيه الحسن إلى الأهواز، ثم تحوّل إلى قم، و توفي بقم. (الفهرست للطوسي: 104)؛ (لسان الميزان 2: 284).

(2) مستدرك الوسائل 15: 20، نقلا عن المسائل الصاغانية- هذا الكتاب- ..

(3) في أ زيادة (ذكرنا).

73

فقلت له جارية امرأته فقال هي التي تلي ذلك منه فقلت نعم قال فهل أحلت له ذلك صاحبته قلت لا أدري قال فأتها فاستحل

(1)

ذلك منها

(2) و كان الذي أطلقوه(ع)من ذلك هو أن تحل المرأة الرجل النظر إلى جاريتها و أن تتولى منه في خدمتها ما تتولاه جاريته بملك يمينه و هذا غير منكر في العقل و لا محظور في الشرع لأنه إذا جاز لمالك الجارية أن يهبها و يتصدق بها جاز أن يهب خدمتها و يبيح ذلك من لا يملكها فلو أنه أباحه نكاحها كانت إباحته عقدا عليه داخلا في عقود النكاح مع هبة المهر و إسقاطه.

فليس ما أنكره الخصم من هذا القول مناقضا بشيء من أحكام الشرع حسبما نقلناه.

على أنه يقال لهذا الشيخ الضال لو نظرت في بدع صاحبك في النكاح و غيره من الأحكام لشغلك عن الشناعات على خصومك بما لا شناعة فيه و لأخرسك عن التخرص بالأباطيل في الحكايات و قد قال إمامك النعمان في النكاح بما لم يوافقه عليه أحد من أهل الإسلام.

فزعم أن شاهدي زور لو تواطئا على الشهادة بأن رجلا طلق امرأة الطلاق الذي لا تحل له حَتّٰى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ و شهدا بذلك عليه عند الحاكم فأجاز الحاكم شهادتهما لحسن ظنه بهما و فرق بين الرجل و امرأته مع إيثاره ما شهدا به عليه و علم الله بطلان شهادتهما و علما أنفسهما بذلك يحل لكل

____________

(1) كذا في أ و ج؛ و في ب (قل لها فاستحل ...)؛ و في مستدرك الوسائل- نقل عن هذا الكتاب- (فإنه يحلّ له ما أحلت ذلك منها).

(2) مستدرك الوسائل 15: 20، نقلا عن المسائل الصاغانية- هذا الكتاب-.

74

واحد منهما العقد على هذه المرأة و وطؤها و إن كان موقنا أن زوجها لم يطلقها و لا فارقها بحال (1).

و رووا عنه أنه لو عرف الحاكم كذبهما بعد تفريقه بين الزوج و الزوجة و تبين أنهما شهدا بالزور يحل له إذا انقضت عدتها أن يعقد عليها عقدة نكاح. فأباح نكاح ذوات الأزواج من غير فراق منهم بالخيار و لا طلاق لهن على حال و لا ارتداد عن إسلام.

فصل و زعم أن شاهدي زور لو شهدا على رجل له أمة بأنها ابنته فأحسن الحاكم ظنا بهما فأخرجها عن الرق و ألزمه الحكم بحريتها و قضى لها بالنسب منه يحرم على الرجل وطء هذه الجارية و خرجت عن ملكه بشهادة الزور و حرم عليه ما أباحه الله تعالى من وطئها و بيعها و عتقها و حل لكل واحد من الشهود أن يعقد عليها عقدة النكاح إذا اختارت مناكحته و رضيت به (2).

فأباح ما حرم الله و حظر ما أحل الله و تلاعب بدين الله. هذا سوى تعليقه للإنسان بما تمنع منه شريعة الإسلام و إيجابه الولد لغير والده و نفيه عن والده بالنكاح الذي لا يمنع أحد منه بحكم

____________

(1) بدائع الصنائع 7: 15؛ رد المحتار على الدر المختار 4: 333؛ شرح فتح القدير 6: 399.

(2) شرح فتح القدير 6: 399؛ رد المحتار على الدر المختار 4: 333.

75

الإسلام.

و ذلك في قوله أن المرأة إذا غاب عنها زوجها فنعي إليها و قضت العدة و تزوجت و حملت من الزوج و ولدت منه ثم جاء الزوج الأول و قد مضى على المولود عدة سنين أن الولد لاحق بالقادم و منتف عن الزوج الثاني و ليس للقادم به تعلق (1) و العلم محيط بأنه من الثاني.

و أمثال ذلك كثير إن قصدنا لإيراده طال به الكلام.

و من كانت هذه مذاهبه في النكاح و أقوال أئمته لم يسع له التشنيع على غيره فيما لا شناعة فيه بحمد الله و لا يمنع من صحته حكم كتاب و لا سنة و لا إجماع

____________

(1) المغني لابن قدامة 9: 58؛ الشرح الكبير 9: 68.

76

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}