تأويل الدعائم - ج1

- ابو حنيفة المزيد...
370 /
5

الإهداء

إلى منشئ الأزهر- أكبر جامعة إسلامية فى العالم- و مؤسس القاهرة- أعظم مدن العالم الإسلامى- أول خلفاء الفاطميين بديار مصر، المعز لدين اللّه الّذي تخرجت فى جامعته بعد تخرجى فى شقيقتها- الجامعة السيفية- بالهند فى مدينة سورت.

ثم يسر اللّه لى أن أنشئ عدة معاهد و كليات عربية على ضوء مناهج الأزهر التعليمية فى باكستان- أكبر دولة إسلامية فى العالم.

المحقق محمد حسن الأعظمى

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

رموز النسخ الأصلية:

ع دار الكتب الأعظمية بكراتشى- باكستان

ح مكتبة المدرسة الحكيمية- بمدينة برهانبور- الهند.

ز مكتبة الدكتور زاهد على فى حيدرآباد الدكن- الهند.

س مكتبة الجامعة السيفية فى مدينة سورت- الهند.

ى مكتبة ملا يونس شكيب مدير الإدارة الأدبية الفاطمية فى سورت- الهند.

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

مقدمة المحقق

منذ مائة و خمسين عاما تجددت نهضة فاطمية قام بها رئيس الدعاية الفاطمية الإسماعيلية بالهند العلامة المحقق «عبد على سيف الدين» الداعى المطلق الفاطمى، و أنشأ جامعة كبيرة فى مدينة «سورت» على مراحل من مدينة «بمبائى» و هى المدينة التاريخية التى كانت مركزا لشركة الهند الشرقية رسول الاستعمار الإنكليزي.

و قبل هذه النهضة كان العلماء الفاطميون يلقون دروسهم على طلابهم فى حلقات خاصة، تعقد فى منازلهم أو مساجد أحيائهم، و أصبحت هذه الجامعة بعد إنشائها ملتقى طلاب و أساتذة، يشكلون أسرة جامعية تضم اليمانيين و الحضارمة و الهنود و غيرهم، و لعل هذه الجامعة كانت أهم مؤسسة علمية لنشر اللغة العربية لنفس السبب الّذي بينته.

و كانت الدراسة فى هذه الجامعة تتم على ثلاث مراحل: مرحلة العلم الظاهر، و تمثل «الليسانس»، و مرحلة التأويل و هى تمثل «الماجستير»، و مرحلة الفلسفة أو الحقيقة و هى تمثل «الدكتوراه».

و كان مؤسس الجامعة يقوم نفسه بمهمة التدريس للأقسام العليا، و كان الجدّ السادس لزعيم البوهرة الدينى الشهير الدكتور «ملا طاهر سيف الدين» و اسمه الداعى المطلق «طيب زين الدين» ممن أتموا دراساتهم فى هذه الجامعة. و بهذه المناسبة أذكر أن جدى التاسع الشهيد (1) السيد «نثار على» و هو من كبار علماء عصره التقى بمؤسس الجامعة هذا، و كانت بينهما مناظرة انتهت إلى الإقناع بوجوب العمل على تحقيق الوحدة الإسلامية و التقريب بين الفرق المسلمة. و اتجه الشهيد جدى إلى تحقيق الوحدة المنشودة عمليّا فى أسرته، و فى أسر أصدقائه و أقربائه، بعقد صلات و مصاهرات بينه و بين العائلات المتعددة المذاهب الإسلامية، تكاد تستكمل الفرق الإسلامية الشهيرة كلها، و لهذا لا تجد غرابة إذا عرفت أن لى أقرباء يمثلون مختلف هذه الفرق. و غير مسموح لغير الفاطميين بدخول هذه الجامعة

____________

(1) قد تولى زعامة المسلمين ضد أعداء الإسلام لعلمه، و لأنه كان محبوبا لدى جميع الفرق فقد استشهد فى أحد الميادين و له ضريح يزار فى بلدة مباركفور بمديرية أعظم جره (الهند).

10

و لهذا أمكننى الدخول إليها من الباب الفاطمى الشيعى، كما كنت دخلت بعده إلى الجامعة الأزهرية من الباب «الحنفى السّني»، و أتممت فى الجامعة الفاطمية المراحل الثلاث، و كنت أنا مشرفا أيضا على طلاب الجامعة الفاطمية، كما كنت شيخ الرواق الهندى فى الأزهر.

و ما كاد يتولى الدكتور ملّا طاهر سيف الدين (1) أمر الجامعة حتى أحكم نظامها، و شدد فى شروط الانتساب، حتى على الفاطميين أنفسهم، و الأمل معقود فى أن يكون عهد نجله و خليفته «محمد برهان الدين» أعظم تيسيرا و تخفيفا لما أعلم منه شخصيّا من تسامحه و حبه للخير، و بذل جهوده فى عقد المصالحات.

و قد جرى عرف هذه الجامعة على التشديد فى أمر الاطلاع على مكتبتها السرية التى تضم مجموعة قيمة للتراث الفاطمى، و التى نقلت من مصر إلى اليمن، ثم إلى شبه القارة الهندية الباكستانية منذ قرون طويلة.

و عند ما قدمت إلى القاهرة منذ خمس و عشرين سنة أحضرت معى بعض الوثائق الفاطمية، ثم استعارها بعض الأصدقاء المصريين الجامعيين و فى مقدمتهم الأستاذ المرحوم الدكتور محمد كامل حسين الّذي حصل. على الدكتوراه فى موضوع الفاطميين.

و قد كنت قدمت ديوان تميم بن المعز لدين اللّه الفاطمى بمناسبة العيد الألفى للقاهرة و الأزهر إلى دار الكتب المصرية فى 1939 م و قامت الدار بطبعه فى سنة 1957 م. و حين علمت فى هذه المرة أن الكتاب نفدت نسخه تقدمت به مرة أخرى إلى الدار القومية للطباعة و النشر، مع مقدمته الكبيرة (2)، كما قدمت إلى الدار المصرية للتأليف و الترجمة كتاب جامع الحقائق ملخص الثمانمائة محاضرة التى ألقاها داعى دعاة الفاطميين هبة اللّه المؤيد الشيرازى منذ ألف عام فى الأزهر و لخصه الداعى الفاطمى حاتم بن إبراهيم بن الحسين الحامدى اليمانى.

و كذلك قدمت إلى الدار المصرية المذكورة مقدمة فى المصطلحات و الرموز الفاطمية الإسماعيلية و سيرة المؤيد الشيرازى.

____________

(1) راجع للتفصيل مؤلفى «فتى الهند و قصة الباكستان» المطبوع فى عام 1950 بالقاهرة.

(2) راجع للتفصيل مؤلفى «عبقرية الفاطميين» المطبوع فى بيروت سنة 1959 م.

11

منهج التحقيق لكتاب تأويل الدعائم

هو عبارة عن مخطوطات المكتبات بالجامعة السيفية الفاطمية فى مدينة «سورت» و المكتبة الزاهدية فى مدينة «حيدرآباد الدكن» و مكتبة المدرسة الحكمية فى مدينة «برهانبور» بالهند.

و توجد بهذا الاسم فى المكتبات المذكورة، و النسخة المقدمة للدار المصرية هى وحيدة فى دار الكتب الأعظمية بمدينة كراتشى (باكستان)، و هى محققة من المكتبات الثلاث المذكورة.

و حققنا من النسخة الرابعة أيضا (بمكتبة ملا يونس شكيب مدير الإدارة الأدبية الفاطمية فى سورت- الهند).

مخطوطات عربية من العصر الفاطمى

عند ما انتهى عهد الخلافة الفاطمية فى مصر، نقلوا مكتبتهم الخاصة إلى اليمن، حيث كانت لهم دويلة فاطمية، و كانت مصر وثيقة الصلة باليمن فى هذا العهد، و لما انتقل زعماء الفكرة الفاطمية إلى الهند حملوا معهم هذا التراث الّذي يضم مئات الكتب التى قام بتأليفها الخلفاء الفاطميون و دعاتهم، و بقيت هذه المكتبة تمر عليها مئات السنين، و هى محفوظة لدى زعمائهم الدينيين حيث تشكلت هناك شبه دويلة لها مكانتها و حكمها و مجالسها و تراثها، و فى مقدمة ذلك ودائع الفاطميين من مصنفات الخليفة المعز و غيره من الخلفاء و من الدعاة كالمؤيد الشيرازى و حميد الدين الكرمانى و منصور اليمن و غيرهم.

و قد رأيت فى سبيل العثور على هذا الكنز الفاطمى أن ألتحق بجامعتهم السيفية فى مدينة «سورت» و المدرسة الثانوية فى مدينة برهانبور و المكتبة الزاهدية فى مدينة حيدرآباد الدكن عشر سنوات. و أنا قوى الارتباط بمديرى هذه الجامعة و المدرسة و المكتبة. حتى نجحت فى نسخ و استنساخ عشرات المخطوطات، و قد قدّمت منها نماذج إلى بعض الأصدقاء بمصر و لبنان و لندن، و قام بعضهم بطبعها منذ أعوام طوال،

12

و قد نال بعضهم بها درجات جامعية أيضا.

و هذه الكتب الفاطمية التى نسختها و استنسختها بعد المقارنة من المخطوطات القديمة النادرة لم يطبع منها إلا البعض، و هى مطلوبة فى شبه القارة الباكستانية و الهندية و بلاد اليمن و حضرموت و غيرها، و تدرس فى جميع كليات الفاطميين و معاهدهم.

و لا يفوتنى أن أشير إلى أنه من بين هذه الكتب ديوان تميم بن المعز الفاطمى و قد قامت دار الكتب المصرية بطبعه فى سنة 1957 بعد أن قدمته إليها مصححا مشروحا و قد نفدت جميع نسخه ..

كتاب تأويل الدعائم و مؤلفه

أعلام ثلاثة من الدعاة ذاعت أسماؤهم و اشتهرت مؤلفاتهم، منهم القاضى النعمان الّذي عاصر أربعة من الخلفاء الفاطميين، من المهدى مؤسس الدولة الفاطمية فى المغرب، إلى المعز لدين اللّه فى مصر؛ و الثانى أحمد حميد الدين الكرمانى داعى دعاة الخليفة الحاكم بأمر اللّه؛ و الثالث هو هبة اللّه المؤيد الشّيرازى، فى عهد الخليفة المنتصر باللّه؛ و القاضى النعمان أسبقهم و قدوتهم، و المشرع الفقيه.

و هذا الكتاب «تأويل الدعائم» هو تفسير و إيضاح لكتابه المشهور «دعائم الإسلام» الّذي نشرته دار المعارف بالقاهرة، و من كتبه المعروفة «أساس التأويل» الّذي ترجمه المؤيد الشيرازى إلى الفارسية و هو ضمن مكتبتى بكراتشى.

اسمه و لقبه و أسرته

ترجمة القاضى النعمان قد نشر شيء منها سنة 1934 م بعنوان «القاضى النعمان» مؤلف، و فقيه فاطمى، و ذلك فى مجلة الجمعية الملكية الآسيوية بلندن (عدد يناير سنة 1934 من ص 1- 32)، و نجد شيئا مختصرا جدّا عن حياته فى دائرة المعارف الإسلامية.

(انظر مادة نعمان- فى المجلد الثالث ص 952).

13

فالقاضى أبو حنيفة النعمان بن أبى عبد اللّه محمد بن منصور بن أحمد ابن حيون التميمى المغربى، عاش فى النصف الأول من القرن الرابع من الهجرة (القرن العاشر الميلادى) و لا نعرف سنة ميلاده، و إن كان هناك ما يرجح أنه ولد فى أواخر سنى القرن الثالث للهجرة، و توفى بالقاهرة فى 29 من جمادى الثانية سنة 363 ه(27 مارس سنة 974 م) و صلى عليه الإمام المعز لدين اللّه الفاطمى.

و يعرف فى تاريخ أدب الدعوة الإسماعيلية المستعلية (1) بسيدنا قاضى القضاة و داعى الدعاة النعمان بن محمد، و قد يختصر المؤرخون فيقولون «القاضى النعمان» تمييزا له عن أبى حنيفة صاحب المذهب الحنفى، و يطلق عليه ابن خلكان، و مؤلفو الشيعة الاثنى عشرية «أبا حنيفة الشيعى».

خدم المهدى باللّه مؤسس الدولة الفاطمية فى الأعوام التسعة الأخيرة من حكمه، ثم ولى قضاء طرابلس فى عهد القائم بأمر اللّه الخليفة الثانى للفاطميين، و فى عهد الخليفة الثالث المنصور باللّه عيّن قاضيا للمنصورية، و وصل إلى أعلى المراتب فى عهد المعز لدين اللّه الخليفة الرابع، منشئ القاهرة المعزية و جامعة الأزهر العالمية، إذ رفعه إلى مرتبة قاضى القضاة و داعى الدعاة.

كان القاضى النعمان رجلا ذا مواهب عديدة، غزير العلم واسع المعرفة، باحثا محققا، مكثرا فى التأليف عادلا فى أحكامه.

لم يصلنا الكثير عن حياته، كما أننا لا نستطيع أن نبرز فكرة صحيحة عن أخلاقه، و لعله وقف نفسه على الدراسات التشريعية و الفلسفية، و على تأليف هذه الكتب العديدة المتنوعة التى كتبها، و لما تمتع بثقة إمامه المعز لدين اللّه جعله مستشارا قضائيّا له، و ساعد إمامه فى المسائل الخاصة بالدعوة، فقد وضع أسس القانون الفاطمى. و ينظر إليه بحق على أنه المشرع الأكبر للفاطميين.

و يقول رواة الفاطميين: إنه لم يؤلف شيئا دون الرجوع إلى أئمة عصره، و يعتبر أقوم كتبه كتاب «دعائم الإسلام» و تأويله فإنّه من عمل المعز نفسه و ليس من عمل قاضيه الأكبر، و لهذا كان هذا الكتاب هو القانون الرسمى منذ عهد المعز حتى نهاية الدولة الفاطمية، كما يتضح ذلك من رسالة كتبها الحاكم بأمر اللّه

____________

(1) أتباع الخليفة الفاطمى المستعلي باللّه، و هو الإمام التاسع عشر بمصر.

14

إلى داعيه باليمن، بل لا يزال هذا الكتاب هو الوحيد الّذي يسيطر على حياة طائفة البواهر: (أتباع الخلفاء الفاطميين فى شبه القارة الباكستانية الهندية، و اليمن و حضرموت) فى الهند و الباكستان و غيرهما. و عليه المعوّل فى أحوالهم الشخصية و أحكام الأسرة، و من عجب أن التشريع الإسلامى بالهند الآن يحافظ على شيء من القوانين التى كانت تطبق بمصر فى عهد الفاطميين.

و تتضح قيمة هذا الكتاب أيضا من أن عددا كثيرا من المختصرات ألّفت لتكون بين يدى القضاة و الطلبة، مثل مختصر الآثار، و الينبوع، و قد حفظ جزء من هذا الكتاب و فقد الجزء الآخر، و الاقتصار، و عدد كبير من المؤلفات المتأخرة مثل مجموع الفقه، و الحواشى و الأرجوزة المختارة و غيرها. و هى كلها مختصرات فى الفقه أخذت عن دعائم الإسلام، و يظهر أثر النعمان و قوته فى تلك الحقيقة، و هى أن أبناءه اختصوا أيضا بما كان يتمتع به أبوهم من نفوذ، فقد تولى كل من ولديه «على» و «الحسين» مرتبة قاضى القضاة، و وضعا كتبا فى الشريعة. و على الجملة فقد كان النعمان مؤسس أسرة محترمة من القضاة الممتازين كما كان مؤلفا كثير الإنتاج، ينسب إليه أربعة و أربعون كتابا، منها ثمانية عشر يحتفظ بها إلى الآن، و أربعة عشر يرجح وجودها و اثنان و عشرون فقدت و لم نعثر لها على أثر.

(راجع للتفصيل مقدمة كتاب «دعائم الاسلام» نشرته دار المعارف بالقاهرة).

كتاب تأويل دعائم الإسلام:

هذا هو العنوان المتداول لهذا الكتاب، و لكن اسمه «تربية المؤمنين بالتوفيق على حدود باطن علم الدين»، و هو «تأويل الدعائم المعروف» و الكتاب فى جزءين، فى التأويل الباطنى للأحكام التى جاءت فى كتاب دعائم الإسلام (نشرته دار المعارف بالقاهرة)، و إن كان النعمان لحقته المنية قبل إتمام الكتاب؛ و هو يعدّ ثانى كتاب هام بعد الدعائم.

(راجع مقدمة ديوان المؤيد الشيرازى ص 8- نشرته دار الكاتب المصرى بالقاهرة).

15

المصادر الرئيسية و أعلام الدعوة الفاطمية

منزلة تأويل الدعائم عند الفاطميين:

المصادر الرئيسية عند الفاطميين هى خمسة كتب:

أولا- دعائم الإسلام، للنعمان بن محمد.

ثانيا- تأويل الدعائم، للنعمان بن محمد قاضى قضاة المعز لدين اللّه الفاطمى.

ثالثا- راحة العقل لداعى دعاة الفاطميين أحمد حميد الدين بن عبد اللّه الكرمانى فى عهد الحاكم بأمر اللّه.

رابعا- الأنوار اللطيفة فى الحقيقة (فلسفة المبدأ و المعاد) للداعى اليمانى طاهر ابن إبراهيم الحارثى.

خامسا- «المجالس المؤيدية» و ملخصها «جامع الحقائق» لداعى الدعاة الفاطميين هبة اللّه بن موسى المؤيد فى عهد الخليفة المستنصر باللّه.

و من الكتب الهامة الأخرى كتاب الذخيرة، و كنز الولد، و أسرار النطقاء، و سرائر النطقاء و قد نشر منها كتابان: «دعائم الإسلام» و «راحة العقل» بتحقيق آصف فيضى سفير الهند السابق بمصر، و الدكتور محمد كامل حسين و الدكتور محمد مصطفى حلمى الأستاذين بكلية الآداب بجامعة القاهرة، و بقيت سبعة و نسخها جميعا تحت يدى، و إنى بصدد إعدادها للطبع.

أما أعلام الدعوة و أئمة المذهب عند الفاطميين فهم ثلاثة:

أولا- قاضى قضاة المعز لدين اللّه النعمان بن محمد المغربى.

ثانيا- أحمد بن عبد اللّه حميد الدين الكرمانى.

ثالثا- داعى الدعاة الفاطميين فى عهد الخليفة المستنصر باللّه هبة اللّه بن موسى المؤيد الشيرازى.

من أجل فائدة القارئ نقدم بين يديه هذه القائمة المشتملة على أهم المصنفات الفاطمية التى لم يسبق نشرها إلى الآن و نحاول بذل جهود صادقة لتصحيحها و تحقيقها و تنسيق فصولها و أبوابها ليتسنى بعد ذلك إبراز ودائع التاريخ التى لبثت طوال القرون بالخزائن السرية الفاطمية فى اليمن و شبه القارة الهندية الباكستانية.

16

الكتب الهامة الفاطمية المحفوظة فى مكتبات الباكستان و الهند و اليمن

(1) كتاب جامع الحقائق- ملخص ثمانمائة محاضرة للمؤيد الشيرازى (جزءان).

(2) كتاب سرائر النطقاء فى التأويل تأليف جعفر بن على منصور اليمنى داعى الفاطميين.

(3) كتاب أسرار النطقاء فى التأويل تأليف جعفر بن على منصور اليمنى داعى الفاطميين.

(4) كتاب الكشف.

(5) تسمية الأبواب و تسمية الأيتام.

(6) الرسالة اللازمة فى شهر رمضان و حينه.

(7) رسالة مباسم البشارات بالإمام الحاكم بأمر اللّه.

(8) تلخيص الرسالة الواعظة- و الرسالة الكافية- لسيدنا حميد الدين الكرمانى- داعى الدعاة.

(9) كتاب الأنوار اللطيفة فى الحقيقة- لسيدنا طاهر بن إبراهيم داعى الفاطميين (ب) بمكتبة الهند.

(10) كتاب الذخيرة- لسيدنا على بن محمد بن الوليد المتوفى سنة 612 ه(ب) بمكتبة الهند.

(11) تلخيص صور الكتب فى شرح اللب فى الحقيقة.

(12) من القسم الثالث من إخوان الصفا فى اختتام الدور و ابتداء «دور الكشف».

(13) كتاب كنز الولد فى الحقيقة- لسيدنا إبراهيم بن الحسين الحامدى داعى الفاطميين المتوفى سنة 557 ه.

(14) تلخيص كتاب زهر المعانى (ب) بمكتبة الهند.

(15) الشموس الزاهرة (ب) بمكتبة الهند.

(16) مفاتيح الكنوز.

(17) تلخيص كتاب لب المعارف.

(18) تلخيص كتاب جلاء العقول.

17

(19) تلخيص المجموع الشريف فى الحقائق.

(20) تلخيص تحفة القلوب.

(21) تلخيص الإيضاح و البيان.

(22) تلخيص رسالة زهر بذر الحقائق- تأليف سيدنا حاتم بن إبراهيم.

(23) تلخيص الرسالة الجامعة- (ب) فى مكتبة الهند.

(24) تلخيص رسالة تحفة المرتاد- تأليف على بن الحسين.

(25) تلخيص رسالة المسألة التاسعة و التسعين.

(26) المسائل السبعون.

(27) الهداية الآمرية.

(28) تلخيص كتاب الفترات و القرآنات- لسيدنا جعفر بن المنصور (ب) فى مكتبة الهند.

(29) تلخيص كتاب الابتداء و الانتهاء- لسيدنا إبراهيم بن الحسين.

(30) رسالة البيان.

(31) العشرون المائدة.

(32) كتاب تأويل الزكاة- لسيدنا جعفر بن المنصور.

(33) كتاب الشواهد و البيان.

(34) رسائل درزية.

(35) النصف الأول من تأويل الدعائم- للقاضى النعمان (ب) بمكتبة الهند.

(36) السبع السابع من عيون الأخبار.

(37) كتاب الاقتصاد- للقاضى النعمان.

(38) أدعية الإمام المعز لدين اللّه الفاطمى.

(39) كتاب بغير عنوان فى بيان آدم الكلى و غيره.

(40) المجالس المستنصرية (طبع فى مصر).

(41) الفرائض و حدود الدين.

(42) الرضاع فى الباطن.

(43) العالم و الغلام.

18

(44) تأويل الشريعة.

(45) كتاب الرياض.

(46) ميزان الحقائق.

(47) تاج العقائد.

(48) ثلاث عشرة رسالة.

(49) الأول من إثبات الإمامة.

(50) كتاب الأقوال الذهبية.

(51) كتاب المصابيح.

(52) كتاب الوصية.

(53) الينابيع.

(54) كتاب الوعظ و التشويق.

(55) تنبيه الهادى و المستهدى- تأليف أحمد حميد الكرمانى.

(56) رسالة التذكرة- لسيدنا حاتم.

(57) النقد.

(58) ديوان سيدنا على بن محمد الوليد.

(59) ديوان سيدنا عبد اللّه.

(60) تنبيه الغافلين.

(61) الأول من مختصر الآثار.

(62) الأخبار فى الفقه.

(63) كتاب الينبوع.

(64) المنتخبة.

(65) كتاب الحواشى.

(66) منهاج الفرائض.

(67) كتاب المناقب و المثالب.

(68) المجالس و المسايرات.

(69) أساس التأويل- (ب) ترجمة المؤيد بالفارسية بدار الكتب الأعظمية.

19

(70) افتتاح الدعوة.

(71) ذات البيان.

(72) كتاب النجاح.

(73) عيون الأخبار- من الأول إلى الرابع.

(74) شرح الأخبار- من الأول إلى السابع.

(75) الأول من الأزهار- و الثانى و الثالث.

(76) كتاب منتزع الأخبار.

(77) المجالس الحاتمية.

(78) مجموع التربية.

(79) ضياء البصائر.

(80) رسالة الوحيدة.

(81) ضياء العقول.

(82) رسالة ضياء الحلوم.

(83) الإيضاح و التبصير.

(84) رسالة الإبانة و التصريح.

(85) رسالة المنيرة.

(86) مجالس النصح و البيان.

(87) المبدأ و المعاد.

(88) كتاب العقيدة.

(89) رسالة الموقظة.

(90) ضياء الألباب.

(91) رسالة نبذ سبيل النجاة.

(92) أجوبة المسائل.

(93) عشرون مسألة.

(94) الجوهر الثمين فى تأويل يس.

(95) كتاب مسائل التأويل.

20

(96) التذكيرات.

(97) رسالة التذكرة فى الرد على الشيعة.

(98) مجموع رسائل الشيعة.

(99) رياض الجنان.

الكتب الفاطمية المطبوعة:

(100) عيون الأخبار- طبع بالهند.

(101) دعائم الإسلام جزءان- طبع بالقاهرة بتحقيق و تقديم آصف فيضى سفير الهند السابق بمصر.

(102) السيرة المؤيدية طبع بالقاهرة بتحقيق و تقديم الدكتور محمد كامل حسين.

(103) ديوان المؤيد الشيرازى- طبع بالقاهرة بتحقيق و تقديم الدكتور محمد كامل حسين الأستاذ بجامعة القاهرة.

(104) المجالس المستنصرية- طبع بالقاهرة بتحقيق و تقديم الدكتور محمد كامل حسين.

(105) راحة العقل- طبع بالقاهرة سنة 1954 م بتحقيق الدكتور محمد مصطفى حلمى و الدكتور محمد كامل حسين.

(106) الهمة فى آداب الأئمة- طبع بالقاهرة بتحقيق الدكتور محمد كامل حسين.

(107) السجلات المستنصرية- طبع بالقاهرة بتحقيق الدكتور عبد المنعم ماجد.

(108) اتعاظ الحنفاء- طبع بالقاهرة بتحقيق الدكتور جمال الدين الشيال.

(109) أساس التأويل- طبع فى بيروت بتحقيق الأمير عارف تامر الشامى.

(110) ديوان تميم بن المعز الفاطمى- طبع فى القاهرة بتحقيق محقق هذا الكتاب.

بعض الاصطلاحات و الرموز الفاطمية الإسماعيلية

من كتاب الأنوار اللطيفة فى الحقيقة تأليف الداعى الفاطمى طاهر بن إبراهيم الحارثى، و قد رمز له بحرف (ل)، و كتاب تأويل الدعائم تأليف قاضى قضاة المعز لدين اللّه النعمان بن محمد المغربى. و قد رمز له بحرف (ت)، و هما خطيان بدار الكتب الأعظمية فى كراتشى.

21

1- من الباب الرابع و الفصل الثالث، ص 81- ل: حدود عالم الدين العشرة الذين هم الناطق و الوصى و الإمام، و حدودهم السبعة مقابلون للعقول العشرة فى عالم الإبداع، و يقال لهذه الحدود عقول عالم الطبيعة و بذلك نطق سيدنا المؤيد فى بعض كلامه حيث قال: عقول الطبيعة مستمدة من عقول الإبداع و إنهم لتوقد أنوار سمائهم مطارح الشعاع. و الحدود السبعة سبعة أئمة من أهل بيت النبي (صلى اللّه عليه و سلم) و هم الحسن و الحسين و على زين العابدين و محمد الباقر و جعفر الصادق و إسماعيل و محمد بن إسماعيل.

2- و من الباب الأول و الفصل الرابع، ص 4- ل: إن التوحيد هو معرفة مراتب الحدود، و التنزيه نفى الإلهية عنهم، و التجريد سلب الأسماء و الصفات عن اللّه تعالى، و هذا قول مجمل يحتاج إلى تفصيل، لأن المعرفة بالحدود معرفتان، معرفة ظاهرة يعرف بها شخص الحد و مقامه، و هى يتساوى فيها الولى و غيره من الأضداد، و الطغام، و معرفة باطنة يختص بها أهل المعارف من أهل الحق، و هو ابتداء وجود الحد و غايته إلى أين معاده و نهايته، و هى معرفة صعبة جدّا لا وصول إليها إلا للمرتاضين المحقين المتصلين بأولياء اللّه و الآخذين عنهم، و لا توجد بالجملة لمن قصرت معرفته، و ها أنا موضح شيئا من ذلك ليكون عونا لإخواننا على معرفة توحيد اللّه تعالى، فأقول بعون اللّه تعالى: إن أقرب الحدود إلينا هو «المكاسر» (1) و ما ثبت

____________

(1) و فوقه المأذون و فوقه الداعى المطلق، و فوقه داعى البلاغ، و فوقه داعى الدعاة أو باب الأبواب و فوقه الحجة و فوقه الإمام. و الفاطميون يعتقدون أن الإمامة باقية فى نسل الطيب ابن الآمر باللّه الّذي هو الحادى و العشرون، و يسمونه إمام الزمان و قطب العصر، ثم تبقى الإمامة فى بنيه ولدا بعد ولد و خلفا بعد سلف حتى يكمل عددهم المائة و حينئذ يبدأ عهد الظهور الكامل يسمونه «دور الكشف» مستدلين على ذلك بخبر مأثور عندهم مفاده أن فاطمة الزهراء بنت النبي (صلى اللّه عليه و سلم) سألته أن يعطيها مثل ما أعطى سليمان بن داود ابنته عند زواجها، فأعطاها سبحة و هى تشتمل على مائة حبة، و بين لها أنها خير مما أعطى سليمان لابنته، و فى رمز حبات هذه السبحة رمزا إلى أنه يكون فى أعقابها مائة قطب يديرون رحى الزمان.

و لما جرح الآمر باللّه (الإمام العشرون) استناب عنه فى الملك أحد بنى عمومته و لقبه بالحافظ، و من هذا اللقب وحده نستدل على أن الملك أصبح وديعة محفوظة و أمانة ترد إلى أهلها، فإن الحافظ لم يكن من أبناء الأئمة و لا وارثا شرعيا لها.

و لكنه غصب الذمة و اغتصب الوديعة و استأثر لنفسه بالملك، و قد خلا له الجو بموت الآمر باللّه و ذهاب-

22

من القول فى الدانى من الحدود مثبت فى العالى، و ذلك أنه و إن كان يجمعه و غيره

____________

- ابنه الطيب، فولى عنه الدعاة وجوههم، و ازداد الحال من سيئ إلى أسوأ فى خلافة من جاء بعده و هم الظافر (544 ه)

و الفائز (545 ه555) و العاضد (555 ه567 ه) حتى انقرضت.

أسرتهم بقيام الأيوبيين.

أما الطيب فاستتر باليمن، و ولى دعاة مطلقين بدءوا دور الاستتار الكبير من عهد الطيب حتى بلغ عدد هؤلاء الدعاة ثلاثة و عشرين باليمن، ثم انتقلوا بالدعوة إلى الهند و أقام بها الدعاة كذلك حتى بلغ عددهم مثل عدد أسلافهم باليمن، لو كان جملتهم ستة و أربعين إلا أن الأخير منهم قتل فى سنة 1256 بالسم كما قيل، على أثر مكيدة دبرها أحد منافسيه و من ذلك الحين انقطع خير الإمام و لم تعد رسائله تصل إلى دعاته، فأقام العلماء ذلك المنافس نائبا للداعى المقتول خوفا من شتات شمل الجماعة حتى يرد نبا صحيح من إمامهم المستتر من أبناء الطيب، و بقيت هذه الدعوة موروثة فى أسرة هذا النائب و أعقابه حتى اليوم، و أولهم عبد القادر نجم الدين ابن الداعى طيب زين الدين، و ثانيهم عبد الحسين حسام الدين ابن الداعى طيب زين الدين، و ثالثهم محمد برهان الدين ابن عبد القادر نجم الدين، و رابعهم عبد اللّه بدر الدين، ابن عبد الحسين حسام الدين، و خامسهم طاهر سيف الدين ابن محمد برهان الدين و سادسهم محمد برهان الدين (سمى جده) و هو فى قيد الحياة و هؤلاء جميعا ليسوا من سلالة الأئمة و إليك أسماء ثلاثة و عشرين داعيا مطلقا باليمن:

(1) قام ذؤيب بن موسى الداعى المطلق بعد الحرة الملكة أروى بنت أحمد فى اليوم الثانى و العشرين من شعبان 532 هو قام بعده اثنان و عشرون داعيا مطلقا فى اليمن بهذا الترتيب. و توفى ذؤيب سنة 546 هو دفن فى قرية حوث باليمن.

(2) إبراهيم الحسين الحامدى- و توفى سنة 552 هو دفن فى قرية همدان باليمن.

(3) حاتم بن الداعى إبراهيم الحامدى، و توفى سنة 596 هو دفن فى حصن حطيب باليمن.

(4) على ابن الداعى حاتم، و توفى سنة 605 هو دفن فى صنعاء.

(5) على بن محمد بن الوليد، و توفى سنة 612 هو دفن فى قرية حراز باليمن.

(6) على بن حنظلة الوادعى، و توفى سنة 626، و دفن فى قرية همدان.

(7) أحمد بن المبارك، و توفى سنة 627 هو دفن فى همدان.

(8) حسين بن على بن الوليد، و توفى سنة 647 هو دفن فى همدان.

(9) على بن الحسين بن على، و توفى سنة 682 هو دفن فى صنعاء.

(10) على بن الحسين بن حنظلة، و توفى سنة 686 هو دفن فى صنعاء.

(11) إبراهيم بن الحسين، و توفى سنة 728 هو دفن فى حصن أفئدة باليمن.

(12) محمد بن حاتم بن الحسين، و توفى سنة 729 هو دفن فى حصن أفئدة باليمن.

(13) على شمس الدين بن إبراهيم، و توفى سنة 746 هو دفن فى حصن ذمرمر باليمن.

(14) عبد المطلب ابن الداعى محمد بن حاتم، و توفى سنة 755 هو دفن فى حصن ذمرمر باليمن.

(15) عباس بن محمد بن حاتم، و توفى سنة 779 هو دفن فى مشاهد باليمن.

23

من الأشخاص الإنسانية الحدود و الأقطار و كونهما جميعا من لحم و دم و عظام

____________

- (16) عبد اللّه فخر الدين بن على، و توفى سنة 809 هو دفن فى حصن ذمرمر.

(17) حسن بن عبد اللّه، و توفى سنة 821 ه، و دفن فى حصن ذمرمر.

(18) على بن عبد اللّه، و توفى سنة 832 هو دفن فى مشهد شارقة.

(19) إدريس بن الحسن، و توفى سنة 872 هو دفن فى قرية شبام.

(20) حسن بن إدريس، و توفى سنة 918 هو دفن فى قرية مسار.

(21) حسين بن إدريس، و توفى سنة 932 هو دفن فى قرية مسار.

(22) على شمس الدين بن الحسين، و توفى سنة 946 و دفن فى زبيد.

(23) محمد عز الدين، و توفى سنة 946 هو دفن فى زبيد.

ثم قام ثلاثة و عشرون داعيا مطلقا فى الهند بهذا الترتيب.

(24) يوسف بن سليمان، و توفى سنة 974 هو دفن فى همدان بمدينة أحمدآباد (كوجرات).

(25) جلال بن حسن، و توفى سنة 975 هو دفن فى كوجرات.

(26) داود بن عجب شاه، و توفى سنة 999 هو دفن فى أحمدآباد.

(27) داود بن قطب شاه، و توفى سنة 1021 هو دفن فى أحمدآباد.

(28) شيخ آدم صفى الدين بن طيب شاه، و توفى سنة 1030، و دفن فى أحمدآباد.

(29) عبد الطيب زكى الدين بن داود بن قطب شاه، و توفى سنة 1041 هو دفن فى أحمدآباد.

(30) على بن حسن، و توفى سنة 1042 هو دفن فى اليمن.

(31) قاسم زين الدين بن فيرحان، و توفى سنة 1054 هو دفن فى أحمدآباد.

(32) قطب الدين الشهيد بن داود، استشهد سنة 1052 هفى أحمدآباد و دفن فيها.

(33) فيرخان شجاع الدين بن أحمدجى، و توفى سنة 1065، و دفن فى أحمدآباد.

(34) إسماعيل بدر الدين بن ملا راج، و توفى سنة 1085 هو دفن فى أحمدآباد.

(35) عبد الطيب زكى الدين بن بدر الدين، و توفى سنة 1110 هو دفن فى جام نجر بالهند.

(36) موسى كليم الدين بن الداعى زكى الدين، و توفى سنة 1122 هو دفن فى جام نجر.

(37) نور الدين بن الداعى كليم الدين و توفى سنة 1130 هو دفن فى ماندوى.

(38) إسماعيل بدر الدين بن آدم صفى الدين، و توفى سنة 1150 هو دفن فى جام نجر.

(39) إبراهيم وجيه الدين بن عبد القادر حكيم الدين، و توفى سنة 1168 هو دفن فى أوجين بالهند.

(40) هبة اللّه المؤيد بن الداعى وجيه الدين، و توفى سنة 1193 هو دفن فى أوجين.

(41) عبد الطيب زكى الدين بن الداعى بدر الدين، و توفى سنة 1200 هو دفن فى برهانبور.

(42) يوسف نجم الدين بن الداعى زكى الدين، و توفى سنة 1212 هو دفن فى سورت.

(43) عبد على سيف الدين بن الداعى زكى الدين (مؤسس الجامعة الفاطمية بالهند) و توفى سنة 1232 هو دفن فى سورت.

(44) محمد عز الدين بن الشيخ جيون جى، و توفى سنة 1236 هو دفن فى سورت.

(45) طيب زين الدين بن الشيخ جيون جى، و توفى سنة 1252 هو دفن فى سورت.

(46) محمد بدر الدين بن الداعى سيف الدين، و توفى سنة 1256 ه، و دفن فى مدينة سورت.

نحب ألا يفوت القارئ أن النظر إلى الفاطميين من حيث هم ملوك و خلفاء يختلف عن النظر إليهم-

24

و عصب و عروق و غير ذلك فليسا بسواء إذ هذا الحد الّذي هو المكاسر قد تلطف

____________

- باعتبارهم أئمة و أوصياء، و أتباع الفاطميين (البوهرة) يعتقدون منذ كانوا إلى الآن، أن الإمامة ميراث يتعاقبه المنصوص عليهم من ذرية فاطمة الزهراء و هذه الإمامة تظهر أحيانا و تستتر أحيانا وفقا لما تسمح به مقتضيات الأحوال، و أن الإمامة باقية فيهم.

و قد بقيت الإمامة مؤيدة للملك مرشدة له منذ عهد المهدى باللّه بالمغرب إلى عصر الآمر بمصر.

و حدث فى خلافة المستعلي أن قام نزاع بينه و بين أخيه نزار، انتهى بقتل الأخير إلا أن البقية من شيعته و أنصاره و على رأسهم حسن بن صباح لم تنطفئ جذوة حقدهم حتى عصر الآمر، و قد صنف الآمر كتابا يدافع فيه عن وجهة نظره فى الخلافة يقيم الدلائل على إمامة أبيه المستعلي مما يحقق لنا أن الخصومة كانت فى ذلك العهد على أشد ثورتها، حتى إن الخليفة لم يكتف بما يصنفه دعاته فتصدر بنفسه للدفاع و حمل لواء القلم ضد النزاريين، فما لبثوا أن دبروا كمينا لاغتيال الآمر فطعنوه بسكين، و قبل أن تدركه الوفاة أدرك بثاقب نظره وسعة حيلته أن الأمر يؤول إلى شر و أن الخصومة قد لا تنتهى عند هذا الحد فأرسل ولده الطيب بطريقة سرية و هو صغير لم يتجاوز الخامسة مع ابن مدين داعى دعاته و الدعاة الآخرين و استوصى به الملكة الحرة أروى بنت أحمد آخرة الملوك الصليحيين الذين قاموا فى خلافة المستنصر دعاة ينشرون المذهب الفاطمى فى كل بلاد اليمن (راجع نشرات جمعية الأبحاث الإسلامية فى بومباى و عبقرية الفاطميين)، و كان الملك الصليحي قد كتب إلى المستنصر الفاطمى يستأذنه فى إظهار الدعوة و وجه إليه هدية جليلة منها سبعون سيفا قوامها من عقيق. و بعث مع الهدية رجلين من قومه أحمد بن محمد والد السيدة و أحمد بن المظفر والد السلطان سبأ بن أحمد، فقبل المستنصر هديته و أمر له برايات و كتب عليها الألقاب، و عقد له الألوية و أذن له فى نشر الدعوة و لم تمض سنة 455 هإلا و قد ملك من مكة إلى حضرموت سهلا و جبلا. (راجع قرة العين لأخبار اليمن لابن الديبع بدار الكتب المصرية تاريخ 224) و فى نفس تلك السنة توفيت الملكة الحرة السيدة أروى بنت أحمد الصليحي و قام ذؤيب بن موسى الداعى المطلق بعد الحرة الملكة أروى بنت أحمد فى يوم 22 من شعبان سنة 532 ه(راجع ابن خلكان ج 2 ص 74). و تقرر عقيدة الفاطميين أن الأئمة تسعة و تسعون من ذرية السيدة فاطمة الزهراء و الإمام المائة هو القائم بأمر اللّه الّذي هو مبدأ القيامة. و يروون فى ذلك الحديث «كل حسب و نسب منقطع إلا حسبى و نسبى».

و لقد ستر الإمام جعفر الصادق بثاقب سياسته أمر الخلافة أو الإمامة فولى ولده الأكبر إسماعيل و إليه تنسب الفرقة الإسماعيلية، و أمر أن تبقى الإمامة مستترة حتى لا يستطيع الأعداء الوصول إلى الإمام فيقتلوه، فاستتر ثلاثة أئمة بعد محمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق، و كان لهم دعاة ينشرون دعوتهم و مبادئهم و يجمعون لهم الزكاة و الهدايا حتى انتقلت الإمامة إلى بلاد المغرب و بدأ ظهورها من «المهدى» و أخذ الأئمة بعد ذلك يبسطون سلطانهم و يوسعون نفوذ ملكهم حتى اتخذوا مصر مقرهم الأخير فى خلافة المعز لدين اللّه بن المنصور بن القائم بن المهدى الفاطمى و ما زالت فى هذا البيت حتى قام المستعلي باللّه بن المستنصر بن الظاهر بن الحاكم بن العزيز بن المعز لدين اللّه الفاطمى، فوقعت بينه و بين شقيقه الكبير «نزار» حرب فى أسر الخلافة و قتل الأخير، و انقسم بعد ذلك أتباع الفاطميين إلى فريقين المستعليين (يسمون الآن البواهر بمعنى التجار) و هم الذين بقى لهم الأمر فى مصر؛ و الفرقة الثانية فرقة النزاريين (يسمون الآن خوجه و رئيسهم الدينى الآن الأمير عبد الكريم آغا خان الإمام التاسع و الأربعون، و قد دفن جده الثامن-

25

مزاجه وصفا جوهره، و جاز صعود مراتب جمة لم يحزها غيره و لا شعر بها ذو الجهالات، فقرب بها من المبدع الأول حتى صار فى أعلى مراتب الإنسانية التى هى أول رتب الملائكة فهو مهبط وحى اللّه و بيت من بيوته كما رمز به تعالى فى كتابه الكريم فقال: «فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللّٰهُ أَنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهٰا بِالْغُدُوِّ وَ الْآصٰالِ رِجٰالٌ لٰا تُلْهِيهِمْ تِجٰارَةٌ وَ لٰا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّٰهِ» ثم حقق فى الآية أن البيوت هى الحدود فقال «رِجٰالٌ لٰا تُلْهِيهِمْ تِجٰارَةٌ وَ لٰا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّٰهِ وَ إِقٰامِ الصَّلٰاةِ» يريد إقامة الدعوة التى هى ممثول الصلاة الظاهرة و لا قوام إلا بها و غيره من الأشخاص الإنسانية و إن كان على الحالة التى هو عليها فإن مزاجه غير متلطف و جوهره غير صاف و شخصه صائر فى الانحدار و البعد من المبدأ الأول فى آخر رتب الإنسانية متقهقر إلى ما دونه من الصراط الألفية التى هى أفضل من الأنعام سبيلا ثم إلى الصراط المعوجة متناهيا ذلك البرزخ (1) الّذي هو المعدن الخبيث و منه إلى أسفل

____________

- و الأربعون فى أسوان بمصر) و تفرقت كلمتهم بقتل نزار و اختفوا من مصر و منهم طائفة بقيت فى مصر مستترة حتى طعن الآمر بن المستعلي بيد أحدهم، و أصابه الحنجر المسموم فقضى نحبه. و استقرت الفرقة النزارية فى جبال إيران و على رأسهم حسن بن الصباح و انتقلت دعوة الفاطميين المستعليين من مصر منذ عهد الخليفة الآمر باللّه الفاطمى و بقيت فى اليمن قرونا، ثم إلى مقاطعة كجرات فى الهند، و بقى دعاتهم على صلة سرية بالإمام المستتر إلى عهد الداعى المطلق الثالث و الأربعين عبد على سيف الدين، أكبر دعاة الفاطميين فى الهند، و كان ذا شمائل عالية و ورع و تواضع، فهو منشئ الجامعة السيفية الفاطمية فى مدينة «سورت» و واضع برامجها العلمية الثلاث، و كان قد أمر ببقاء الدعوة فى تلميذيه و هما «محمد عز الدين و طيب زين الدين» من مقاطعة آباد الدكن على أن تنتقل أخيرا إلى ولده «محمد بدر الدين» عند ما يكبر، و يقال إن ولده ما كاد يتسلم مقاليد الدعوة حتى قتل بالسم فى 1256 هبتدبيرات منافسه عبد القادر نجم الدين ابن الداعى طيب زين الدين المذكور تلميذ أبيه، و من ذلك اليوم بقيت الدعوة شكلية أكثر منها حقيقة، كما أنها ظلت متوارثة فى أسرتى «عبد القادر نجم الدين» و شقيقه الأصغر «عبد الحسين حسام الدين» و أولهما هو جد الدكتور ملا طاهر سيف الدين و بقيت منتقلة فى هذين البيتين لا تغادرهما. و قبل تعيين «ملا طاهر سيف الدين» للقيام بأمر الدعوة بمدة، كان المنصوص عليه شقيقه الأكبر «طيب زين الدين» و لكنه قضى نحبه بعد النص عليه بيومين، فأثار موته شبها و أقاويل و عين بعده «ملا طاهر سيف الدين» و قد انتقل إلى ربه منذ وقت قريب فى شهر رجب سنة 1385 هو خلفه على الدعوة نجله الأكبر «محمد برهان الدين» الّذي كان مأذونا إلى وفاته.

و توجد فى اليمن و الهند و الباكستان طائفة تدعى «سليمانى بوهرة» يدعى بعض علمائها أنهم وحدهم متصلون بالإمام الحقيقى المستتر، و الرئيس الدينى لهذه الفرقة يعيش فى اليمن و نائبه فى الهند.

و هذه الفرقة ظهرت فى عهد بعض الدعاة المطلقين بالهند.

(1) برزخ فى (ل).

26

السافلين التى هى سجين أجارنا اللّه من ذلك و جميع إخواننا بحق محمد و آله الطاهرين. و فى الأشخاص الحيوانية عبرة لمن اعتبر و بصيرة لمن تبصر و تدبر، و ذلك أن البهائم المحللة من البقر و الغنم و الإبل و غير ذلك متماثلة فى الخلق هى و السباع المحرمة لكونهم (1) جميعا من لحم و دم و عظام و عصب و عروق و بشر و جلد و وبر غير أن البهائم المحللة قد صارت غذاء للإنسان الّذي هو خليفة اللّه فى الأرض مستأنسة إليه سائرة إلى الصعود و الرقى فى الصراط السوى الّذي هو الشخص البشرى قريبة من المبدأ الأول، و السباع نافرة من الإنسان معادية سائرة إلى الانحدار صائرة إلى البعد الأبعد من المبدأ الأول فليسوا بسواء و إن كانوا جميعا من هذه الجواهر المذكورة بل بينهم بون بعيد فكذلك بين النفوس المطيعة و العاصية بون بعيد (2). و من الباب الأول و الفصل الخامس- ص 6: و إذا كان ذلك كذلك فإن نفس الحدود الّذي هو «المكاسر» قد تلطفت و صفت و علت بصفاء موضوعها و علوه ثم اتصل بها من العلوم الإلهية و الأسرار الملكوتية ما أحكمها صفاء كليّا و لطفها تلطيفا ملكوتيّا و صبغها صبغة إلهية و أشرف جوهرها و أشفها، فإذا قابله المستفيد بصدق ولاء و صحة نيته و صفاء طويته و تكلم معه و أفاده من الكلام الملكوتى و العلم الإلهي الّذي لم يكن خطر قبل ذلك بباله و لا طن بمسامعه قط و مسامع أمثاله حار فيه لبه و وله فصار له إلها مالكا لرقه عارفا بجلاله و عظيم سبقه فإذا تحقق افتقاره إلى من فوقه من الحدود و حاجته إليه و فاقته و ولهه فيه و افتقاره الّذي هو فوقه إلى من فوقه متناهيا ذلك كذلك فى الحدود الجسمانية إلى المقام (عليه السلام) و منه إلى من فوقه من رتب العقول المجردة متناهيا ذلك كذلك إلى العقل الأول الّذي و لهت فيه جميع المبدعات و المخترعات ثم تحقق ولهه فى مبدعه و مبدع أبناء جنسه و حيرته فيه نفس عن حده الّذي هو فى أفقه هو المكاسر و عن سائر الحدود التى هى فوق حده من الجسمانية و الروحانية الإلهية مع معرفته بعظيم شأنها و جلالة قدرها و وله كل منها فيمن هو فوقه و افتقاره و فاقته إليهم و حاجته و أثبتها للّه تعالى و تكبر الّذي لا إله من هذه الآلهة المخلوقة و المخترعة المبتدعة الشامل لكل واحد منهم العجز عن مربيه الّذي فوقه و الحاجة الداعية إليه إلا من تساوت

____________

(1) لكونهم فى (ل).

(2) بعيد أبعد ذلك فى (ل).

27

حيرة عاليهم على جلالته و دانيهم على علو جلالية فيه تعالى فلا إله سواه إذ ذلك ضرورة لا يجد عنها مناصا ثم نزهه تعالى و تكبر عن الحدود الجسمانية المحدودة من الحد و عن الحدود الروحانية غير المحدودة من نفى الحد ثم سلب عنه تعالى ما أثبته لهم من الأسماء و الصفات و النعوت و الإضافات و عاد إلى حدة الوله فيه و الشفاعة له و التزام به كان حينئذ موحدا منزها مجردا بمعرفة و دين و علم و يقين كما قال اللّه تعالى:

«يٰا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلىٰ رَبِّكِ رٰاضِيَةً مَرْضِيَّةً» اطمئنانها بها عرفت و رضاها بحكم ربها الّذي إليه رجعت مرضية عنده و عند كافة الحدود الذين إلى معرفتهم انتهت و بلغت. و الحمد للّه الّذي هدانا لهذا و ما كنا لنهتدى لو لا أن هدانا اللّه، لقد جاءت رسل ربنا بالحق.

3- من الباب الثانى و الفصل الأول، ص 6: إن اللّه تعالى الّذي لا تتجاسر نحوه الخواطر و لا تسمو إليه الأوهام و الضمائر أبدع عالم الإبداع المكنى عنه بعالم الأمر و عالم العقل و عالم القدس و عالم الصفاء و عالم اللطافة و العالم الروحانى جميعا معا دفعة واحدة من غير شيء تقدمهم فيكون لهم هيولى أولى و لا من شيء صحبهم فيكون مماثلا لهم و مشاكلا و لا على شيء أقلهم و يكون لهم مكانا أولا و اخترعهم عالم وجود من عدم غير موجود تفضلا منه وجودا إذ من شيمة الكريم القادر التفضل و من سجية العزيز العليم الجود و التطول لا محتاجا إليهم و لا عابثا لهم إذ هو متعال متكبر عن ذلك أوجدهم أشباحا صورية محضة نورانية ذوات قامات ألفية كالقامات الإنسانية البشرية مباينة لأنفسها الهيولانية و أجسامها اللحمية الدموية إذ هى كثائف ظلمانية و تلك لطائف هيولانية، فأوجد تلك الأشباح النورانية متساوية فى الكمال الأول الّذي هو الوجود و الحياة و القوة و القدرة لا تخالف فيها و لا تفاضل و لا تباين بينها و لا تماثل فيها دق و جل و كثر و قل عدلا منه عز و جل إذ العادل يتساوى عدله و الفاضل يعم فضله كما أخبر الكتاب الكريم من قول العلى العظيم: «وَ لَوْ كٰانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللّٰهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلٰافاً كَثِيراً»، و هذا هو حقيقة سيدنا حميد الدين فى المشرع السابع من السور الرابع من راحة العقل حيث قال: و دار الإبداع و الانبعاث لا عائق فيها لخلوها من المواد التى تعود و تجردها منها و كونها صورا محضة لا تعتلق بمادة و لا لها مادة ستحجزها عن الفعل و إذا كان لا عائق فيها لخلوها من المواد التى تعوق و تجردها

28

فوجود موجوداتها بزمان بل دفعة واحدة مثل وجود إشراق بسيط الهواء عن ضوء الشمس لا بزمان و إضاءة النار البيت المظلم دفعة واحدة لا بزمان إلى قوله على أن شيئا فى تلك الدار لم يتقدم وجوده على شيء من العقول القائمة بالقوة بل وجود الكل معا يريد بذلك أعلى اللّه قدسه فى حال وجودهم الأول و كمالهم الأول الّذي هم فيه متساوون كما سبق به القول، و هم مع ذلك فى بدء وجودهم جميعا فى الفعل و العمل غير معصومين من الخطأ و الزلل عصمنا اللّه من أن نزل أو نزل أن نضل أو أن نضل بحق محمد و آله الطاهرين.

4- من الباب الثانى و الفصل الثانى، ص 7- ل: ثم إن واحدا من تلك الأشباح الصورية نظر بذاته إلى ذاته و إلى أبناء جنسه فعلم أن له و لهم مبدعا بخلافهم فنفى عنه و عن أبناء جنسه الإلهية و أثبتها لمبدعهم تعالى و شهد له بالوحدانية و اعترف و أقر بالعبودية و سبح له و خشع و تذلل و خضع و توسل بعظمته إليه و ضرع فطرقه من مبدعه المواد الإلهية و التأييدات الوحدانية و اتصل به العلم الجارى و النور السارى الّذي هو كلمة اللّه تعالى و لذلك قيل إن الكلمة فوق العقل و دون المبدع تعالى إشارة إلى هذا العلم الجارى و النور السارى يسمى أيضا بالأمر و به نص الكتاب الكريم بقوله تعالى:

«يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلىٰ مَنْ يَشٰاءُ مِنْ عِبٰادِهِ» و هو المسمى بروح القدس إذ القدس هو العقل الأول، و هذا العلم الجارى هو روح له متصل به من اللّه عز و جل و هو علمه و قام به فاعلا و هو ذاته و صورته و كماله الثانى الّذي صار عقلا تامّا كاملا أزليّا كليّا إذ به التأزل الأبدى و البقاء الكلى السرمدى، و العلاء و العظمة و السناء و النعمة و الجلال و العصمة و به أحاط بكل شيء علما و علم ما كان و ما سيكون و وجد فى ذاته من السرور و الجذل، و الحبور و العصمة و السناء و العظمة و الكبرياء و النور و الضياء ما لا يقدر أن يسطر صفته بنان، و لا يترجم عنه لسان، ثم ازداد بذلك المبدع تعالى تذللا و خضوعا و حيرة فى عظمته و خشوعا و لذلك نطق الكتاب الكريم بقوله تعالى:

«إِنَّمٰا يَخْشَى اللّٰهَ مِنْ عِبٰادِهِ الْعُلَمٰاءُ» و كذلك كل عالم بسر الخلقة و أسباب الطبيعة يكون أكثر الناس خوفا للّه تعالى و لأوليائه، ثم إن اللّه تعالى اتخذه له حجابا و جعله بابا لا يتوسل إليه إلا به و لا يناجى إلا من جنابه و لا يوجد إلا من أسبابه فصار اسم الأعظم و مقام الأشرف الأكرم.

29

5- من الباب الثانى و الفصل الثالث، ص 8- ل: ثم إنه أبه لما أبه هذا العقل الشريف اثنان من تلك الأشباح الصورية و هما المعرب عنهما بالمنبعثين الأولين، سبق أحدهما الآخر فنظر بذاته إلى ذاته و إلى أبناء جنسه كما نظر الأول فعلم أن له و لهم مبدعا بخلافهم فنفى عن ذاته و عنهم الإلهية و أثبتها له و سبح العقل الأول و قدسه إذ كان سابقا عليه إلى توحيد مبدعه و تنزيهه و تجريده و اعترف بسبقه و طوله و شرفه على ابنه، جنسته فواصلته مواده و بركاته و تأييداته و لحظاته و اتصل به عند ذلك النور الإلهي المتناهى فبلغ به الكمال الثانى و صار عقلا أزليّا تامّا كاملا معصوما فاضلا و لا فرق بينه و بين الأول إلا برتبة السبق، و كونه انبعاثا و الأول إبداعا، و الإبداع لا كالانبعاث كما قال سيدنا حميد الدين فى راحة العقل:

و لو كانت كيفية الإبداع ككيفية الانبعاث لكان الإبداع انبعاثا و الانبعاث إبداعا لأن العقل الأول هجم بذاته على توحيد مبدعه و تنزيهه و تسبيحه و تقديسه مبتدعا ذلك من ذاته لذاته بذاته من غير أول تقدم عليه و لا سابق سبقه إلى ذلك الفعل الّذي به سما على أبناء جنسه و علا عليهم، و استحق جميع الأسماء الشريفة التى لم تكن لغيره و هو الإبداع و المبدع الأول و الوجود و الموجود الأول و الحقيقة و الحق الأول و الوحدة و الواحد الأول و التمام و التام الأول و الكمال و الكامل الأول و الأزل و الأزلى الأول و العقل و العاقل الأول و القدرة و القادر الأول و الحياة و الحى الأول و السبق و السابق الأول و العصمة و المعتصم الأول و مدهر الدهور و الدهر الأول.

6- من الباب الثانى و الفصل الخامس، ص 10- ل: فاستحق أن يقال عليه الانبعاث الأول لما كان أولا فى ذلك و قيل عليه التالى لما كان تاليا للعقل الأول فيما قام به من العقل و كذلك قولهم العقل الثانى لما كان ثانيا للأول فيما فعله من التوحيد و التنزيه و التجريد، و قيل عليه اللوح لما كان مطرحا لشعاع القلم الّذي هو العقل الأول و قيل عليه النفس الكلية لما كان أنفس عالمه و أشرفهم بعد الأول فصار كلّا لهم و إليه انتهاؤهم.

7- الباب الثانى و الفصل الثانى، ص 10- ل: ثم إن العقل الأول اتحد بالانبعاث الأول و اتخذه له حجابا و إلى طاعته و طاعة مبدعه بابا و أقام الدعوة فى ذلك العالم فدعاهم منه و خاطبهم به فأجاب سبعة أشباح صورية متفاوتون فى الإجابة

30

الواحد بعد الواحد فوق كل واحد منهم مبدعه و نزيهه و اعترف برتبة العقل الأول و سبقه و رتبة التالى له و حقه و سبح و قدس حده الّذي هو فى أفقه فأشرفت ذواتهم و علت رتبهم و درجاتهم و اتصل بهم ذلك النور الإلهي و العلم المتناهى الجارى من العقل الأول إلى العقل الثانى المستمر إليهم و به البلاغ إلى الكمال الثانى المحل العالى من الدانى. و هذا هو حقيقة قول سيدنا حميد الدين فى المشرع الخامس من السور الرابع من راحة العقل حيث قال على أن الموجود عن العقل الأول و المنبعث الأول عقول سبعة وجود كل واحد عن الآخر صاعدا إلى المنبعث و أن نور كل واحد منها ساطع سار فيما وجد عن الأول من الحصول و الصورة يريد بذلك عند قيام هذه الدعوة لهم و إجابتهم له واحد بعد واحد إلى أن بلغوا الكمال الثانى الّذي به النجاة و العصمة و الفوز و النعمة و الرأفة و الرحمة.

8- من الباب الثالث و الفصل الخامس، ص 12: ثم إن الشبه (1) الثالث المكنى عنه بالانبعاث الثانى التالى للانبعاث الأول لما تخطاه و ظن أنه و إياه فى حال المساواة انقطعت عنه مادته و أظلمت ذاته و بعد عنه و صار عاشرا فى أفق العقل التاسع هو و من فى ضمنه بعد أن كان ثالثا نظرا إلى انحطاط رتبه و بعده من علته فاستيقظ عن الغافلة و علم أن قد وقع فى الخطيئة و الزلة و تأمل ما السبب الموجب لذلك و ما الموقع له فيما هنالك و أقبل على أقرب العقول إليه مناجيا و لرحمته طالبا و راجيا فذكر تعديه طوره و ذكر أيضا حده السابق عليه حتى جهل و استكبر فاعترف بخطيئته و أقر بزلته و خضع و تاب و استكان و توسل بجميع السابقين عليه إلى ربه و استغفره فغفر له جميع ذنبه (2) و حنت هذه العقول المجردة عليه و رمت بأشعتها له رحمة و رأفة به لكونه من أبناء جنسها و اتصلت به المواد القدسية و التأييدات العلوية فأشرقت ذاته إشراقا كليّا و تجرد من تلك الظلمة عقلا نورانيّا فبلغ رتبة الكمال الثانى و انتظم فى سلك العالم النورانى فصار من ذوى العصمة و مقامات الرحمة راجيا إلى نفسه كائنا من جملة عالم الصفاء و قدسه معنيّا بما رمز به الكتاب الكريم من قول السميع العليم: «يٰا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلىٰ رَبِّكِ رٰاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبٰادِي وَ ادْخُلِي جَنَّتِي» و هو آدم الروحانى المخبر عنه أى الكتاب بعد توبته الآيات: «فَتَلَقّٰى آدَمُ مِنْ

____________

(1) الشبح (فى ع).

(2) ذنوبه (ع).

31

رَبِّهِ كَلِمٰاتٍ فَتٰابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوّٰابُ الرَّحِيمُ» إذ الكلمات هى هذه العقول المجردة السبعة و إنما خصت بالكلمات لإضافتها إلى العقل الأول الّذي اسم الكلمة واقع عليه بالحقيقة و هو الموسوم بها دون عالم العقل و ذلك لنطقه بكلمة الإخلاص قبل كل ناطق و هو شهادته لمبدعه بالإلهية و هى على الحقيقة عبادته العملية و أما عبادته العلمية فهو ما هجم عليه لمبدعه تعالى من الإلهية و الوحدانية و لذلك خصوه باسم الكلمة دون غيره من العقول الإبداعية فوسمت هذه العقول السبعة بالكلمات المستعارة منه لهم بسبب إضافتهم إليه و سموا عالم العقل و عالم الإبداع و عالم القدس لإضافتهم إليه و كونه غير مضاف إليهم و اختصاصه بهذه الأسماء دونهم لأن المفضول يضاف إلى الفاضل و الناقص ينسب إلى الأشهر الكامل و هذه العقول المجردة و إن كانت قد بلغت الغاية من الفضل و الشرف و البهاء و الكمال فإن العقل الأول قد فاقها و طالها وسما عليها بسبقه لها و فعله و عبادته و علمه و عمله و الحمد للّه الّذي من علينا بما حرمه غيرنا و جعلنا من حملة علمه و خزان سره و صلى اللّه على محمد و آله.

9- من الباب الرابع و الفصل الأول، ص 13: و إذ قد بلغ بنا القول ما بلغ من الكلام على عالم الإبداع، فنتبعه بالكلام على عالم الأجرام و ابتداء كونه و كون ما بعده، فنقول بتوفيق اللّه إنه كان قد انعزل- فى ضمن المنبعث الثانى الّذي صار عاشرا- أشباح كثيرة بعدت ببعده و هى منقسمة على ثلاث فرق. فرقة نفت الإلهية عنها و عن أبناء جنسها و أثبتتها (1) لمبدعهم تعالى كما نفى (2) و أثبتت (3) و سبحت العقل الأول و قدسته كما سبح و قدسه و تخطت الانبعاث الأول و جهلته كما تخطى و جهله، مستملئة عنه متشبهة به إذ هو حدها و هى محدودة له و هى زوجه و حواه المحتوية لما حواه من التصور و الاعتقال و التفكر و المزاوجة له فى ذلك و هو آدم الروحانى كما سبق به القول و ذلك حقيقة ما رمز به الكتاب الكريم من قوله تعالى: «وَ قُلْنٰا يٰا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَ زَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَ كُلٰا مِنْهٰا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمٰا وَ لٰا تَقْرَبٰا هٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونٰا مِنَ الظّٰالِمِينَ». و الفرقة الثانية أقرت بالمبدع تعالى و اطرحت العقل الأول و الانبعاث الأول و ظنت أنها و إياهما فى حال المساواة و المماثلة. و الفرقة الثالثة منهم حين قامت الدعوة فى دار الإبداع أنكرت و تكبرت و صدت و استكبرت و لم توحد مبدعها و لا التزمت بأحد من العقول و هى أشد الفرق كفرا و أعظمها صدودا و نكرا.

____________

(1) أثبتها (فى ل).

(2) نفى (فى ع).

(3) أثبت فى ل.

32

10- الباب الثالث و الفصل الثانى، ص 12- ل: و لما وقع من العاشر التوبة و الإنابة ألزم خلاص هذه الفرق و كلفه لما كان رئيسا لهم و سببا لزلل بعضهم و هم المزاوجون على ما تصدر و اعتقد و لذلك قيل من كسر عظاما فعليه جبره، فأقيم مقام الأول فى حال الإبداع و أمر بخلاصهم فخاطب هذه الفرق الثلاث فنفروا و زجرهم عما هم عليه فلم ينزجروا و وعظهم فصدوا و استكبروا، فازدادوا ظلمة و بعدا فاستحقوا الهبوط و امتزج بعضهم ببعض و تراكموا كتراكم الغيوم و الضباب و تحركوا من ذواتهم بذواتهم حركة أولة (1) لذمهم به الطول و كان مبدأ هذه الحركة حرارة و طالع حمل و منتهاها برودة و غارب ميزان، ثم تحركت حركة ثانية لزمها العرض و كان أولها رطوبة و عاشر جدى، و منتهاها يبوسة و رابع سرطان، ثم تحركوا حركة ثالثة طلبوا أن يتلاقوا بها ذواتهم فوقعوا فى العمق، و كانت هذه الحركات بقصد من العناية الإلهية الّذي هو العقل العاشر و الموكل بهم، و قصدهم بالحركة لما قام فى فكرة ألا خلاص لهم بعد عظيم زلتهم و بعدهم و ظلمتهم و إصرارهم و كثافتهم إلا بأشخاص ألفية مماثلة لتلك الأشباح الصورية لكون شكلها أفضل الأشكال و أشرفها و لا سبيل إلى ذلك إلا بقيام دعوة مماثلة للدعوة القائمة فى دار الإبداع و لن يكون ذلك إلا بمكان و زمان و عظيم شدائد و امتحان، و حينئذ يصعد ما تلطف و صفا و يرتكس ما دام على الزلة و الهفوة و لذلك قالت الحكماء إن الإنسان أول الفكرة و آخر العمل، من هذه الجهة.

11- من الباب الرابع و الفصل الثالث، ص 14- ل: ثم إن ذلك الشيء لما تراكم بعضه فوق بعض و امتزج بعضه ببعض و صار هيولى و صورة فالصورة أشفه و ألطفه و الهيولى أظلمه و أكثفه، عمدت العناية الإلهية إلى أشياء منها جعلتها آلة فعالة كالذكر و هو عالم الأفلاك، و أشياء منها منفعلة كالأنثى و هى عالم الأمهات، و رتبت كل شيء منها فى موضعه اللائق به و ذلك أنه لما ألزمت الأبعاد الثلاثة و اجتمعت على هيئة خطوط الصليب و جعلت الأفلاك من صفو ذلك الشيء الممتزج المتراكم و هم الفرقة الأولى التى وحدت المبدع و سبحت العقل و قدسته و اعترفت بحقه لأنها لما خاطبها العقل العاشر مع الفرقتين الآخريين

____________

(1) يريد «أولى».

33

بعد توبته و تنصله و تكليفه خلاصهم، أصرت بإصرارهما و استكبرت باستكبارهما و انحدرت بانحدارهما سائدة إلى الكثافة مفارقة لعالم اللطافة شعرت بما هى فيه و ندمت و طلبت الاستقالة و التوبة فلم يمكنها ذلك لا لكونها قد صارت هاوية فى الانحدار فجعلت أفلاكا و كواكب و بروجا و استخرجت من هاتين الفرقتين لندمها و توبتها فى حال هويتها و انحدارها.

12- الباب الرابع و الفصل الرابع، ص 14 (1): كان ابتداء ترتيب عالم الأفلاك كابتداء خلق الإنسان شيئا بعد شيء فأول منفعل و يتكون من الشمس التى هى ممثول نقطة البركار و مسئول قلب الإنسان و هى مركز الحرارة الغريزية المنبعثة منها إلى ما هو فوقها من الكواكب و تحتها من الكواكب و الأمهات و هى أصل تلك الحركة الأولى ثم فلك القمر هو الرأس و هو مركز الرطوبة و البرودة ثم زحل الّذي هو ممثول القدمين و هو مركز البرودة و اليبس، ثم استمر باقى ذلك شيئا بعد شيء حتى صار كجسم واحد و هو يقال له الجسم المطلق مقابل جسم الإنسان و جعل الفلك المحيط له روحا لكونه ألطفه و أشرفه و هو المحرك لهذا الجسم المطلق القالب له فى جوفه كل يوم و ليلة قلبة واحدة إلهية و هو عين المكان و رأسه و يتلوه الشمس فى الشرف و الفضل لأنها أول من وقع منه الندامة و التوبة بعده و هم فى حال الانحدار كما سبق به القول و هو أول من سبح العقل و قدسه و وحده و وحد اللّه بعد الفلك المحيط فجعل لها هذا النور الساطع الّذي ملأ السموات و الأرض مثوبة فيما فعلته و سبق منها و كذلك الأنوار فى سائر الكواكب و البروج كل منها جعل له على قدر ما سبق منه لأن ميزان العدل قائم لا يغادر صغيرة و لا كبيرة إلا يثاب عليها و يعاقب فسبحان من هذه القدرة قدرته و هذه الصنعة صنعته تعالى عما يقول الجاهلون علوّا كبيرا.

13- الفصل الخامس، ص 15 (2): ثم إن هذه الخطوط صار لها وسط من الأشياء المتراكمة كتراكم الخطوط بعضها فوق بعض و هو العمق الأول فسمى الجو المنفهق فمى و قد اجتمع فيه لتراكمه و امتزاجه المزاج و الممتزج فصار طبائع مثمنة حرارة و يبوسة و حرارة و رطوبة و برودة و يبوسة فانعقد منها ما انعقد و كان الأرض

____________

(1) من الباب الرابع و الفصل الرابع- ص 14.

(2) من الباب الرابع و الفصل الخامس- ص 15.

34

التى هى الصخرة و هى أكثف جميع ذلك و أظلمه و أكدره و هى الفرقة الثالثة التى لم توحد المبدع تعالى و لم تلتزم شيئا من العقول و بقى ألطف ذلك مدبرا بها و هو النار و الهواء و الماء و هى الفرقة الثانية التى وحدت اللّه تعالى و لم تلتزم بأى العقول ثم إن الفلك دار على الوسط دورة وهمية فرمت جميع الكواكب بأشعتها لنحو الصخرة من جميع جهاتها فلم يجد منفذا فيها و كان قد بقى حولها دخان لطيف لم ينعقد بانعقادها و لم يختلط بالأمهات و ذلك بقصد من العناية الإلهية لكونه من الفرقة الأولى فلما بلغت تلك الأشعة إلى الصخرة و لم تجد منفذا اتحد بها ذلك الدخان للمناسبة التى بينه و بينها و رجع كل شعاع إلى أصله و قد اتحد معه قسط من ذلك الدخان فتكون شعاع كل كوكب و ما اتحد به من ذلك الدخان صدفة لتلك الكواكب الوهمية فلبسه و الحمد للّه الّذي هدانا لمعرفة ذلك و من علينا بتحقيق ما هنالك.

14- من الباب الخامس و الفصل الأول، ص 16 ل: ثم إن الأفلاك (1) تحركت حركة ثانية و رمت بأشعتها إلى الصخرة كذلك فلم تجد منفذا فيها فعادت تلك الأشعة تريد أماكنها فلم تستطع البلوغ إليها لضعف قواها و كون الحركة دون الحركة الأولى فانقطعت دون أماكنها و امتزجت بما ماسها من جسم الهواء فصارت كرة منفردة عن سائر ذلك الجسم فوسمت بكرة النسيم و صارت بما مازجها من تلك الأشعة معتدلا طبعها فكانت حياة جميع الحيوان، و يقال لها البحر السيال و هى على الحقيقة كرة الماء المحيط بالأرض من جميع جهاتها و ما اتصل من هذا النسيم إلى مغارات فى الأرض و تراكم بعضه فوق بعض انعقد و تزاحم و ضغط بعضه بعضا فصار ماء فظهر عيونا لا انقطاع لها مدة من الزمان و هو يمده بما اتصل به من ذلك و ما يزيد يتصل به من مياه الأمطار.

15- و نظرا إلى أنه توجد كتب كثيرة تشتمل على فلسفة العقول و المبدأ و المعاد و التأويل فإننا نكتفى باطلاع القراء عليها و نكتفى بنشر القليل الضرورى منها فى هذا الكتاب مشيرين إلى بعض الموضوعات التى توجد فى كتاب راحة العقل الّذي نشر فى القاهرة.

____________

(1) الفك فى (ل).

35

(1) المشرع الثانى و السور الرابع- ص 102- فى المنبعث الأول الّذي هو العقل الثانى، المسمى فى السنة الإلهية «القلم» ... إلخ.

(2) المشرع الثالث و السور الرابع- ص 108- فى المنبعث الثانى، أول القائم بالقوة الّذي هو الهيولى المسمى فى السنة الإلهية باللوح .. إلخ.

(3) المشرع الرابع و السور الرابع- ص 171- فى الكرسى الّذي هو الملك المقرب الّذي هو المحرك الأول .. إلخ.

(4) المشرع الخامس و السور الخامس- ص 170- فى العرش الّذي هو المتحرك الأول بما هو متحرك .. إلخ.

تأويل (1) الصلوات: جاء فى تأويل الدعائم بالمجلس الخامس من الجزء الثالث ص 192 من مخطوط الباكستان: (تأليف القاضى النعمان) الصلاة فى التأويل مثلها مثل الدعوة و لذلك جاء فيما يؤثر من الدعاء عند سماع الأذان الّذي هو مثل الدعاء إليها أن يقول من سمع المؤذن: «لبيك يا داعى اللّه» إنما الداعى إلى اللّه الرسول فى عصره و كل إمام من بعده فى زمنه و من أقامه الرسول إلى الدعاء إلى ما أتى به عن اللّه و من ذلك قوله تعالى: «يا قومنا أجيبوا داعى اللّه و آمنوا به».

إن الخمس الصلوات فى الليل و النهار فى كل يوم و ليلة مثلها فى الباطن مثل الخمس الدعوات لأولى العزم من الرسل الذين صبروا على ما أمروا به و دعوا إليه أولو العزم من الرسل خمسة أولهم نوح ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى ثم محمد (صلى اللّه عليه و سلم) فأما آدم (عليه السلام) فلم يكن من أولى العزم قال تعالى: «و لقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسى و لم نجد له عزما». فلما كانت الصلاة فى الجملة مثلا لدعوة الحق جعلت الصلاة فى كل يوم و ليلة فى شريعة محمد (صلى اللّه عليه و سلم) خمس صلوات كل صلاة منها مثل لدعوة كل واحد من أولى العزم الذين قدمنا ذكرهم فصلاة الظهر و هى الصلاة الأولى مثل لدعوة نوح و هى الدعوة الأولى و هو أول أولى العزم من الرسل، و العصر مثل لدعوة إبراهيم و هو ثانى أولى العزم و هى الصلاة الثانية، و المغرب و هى الصلاة الثالثة مثل لدعوة موسى (عليه السلام) و هى الدعوة الثالثة

____________

(1) توجد عند الفاطميين كتب كثيرة فى التأويل و سننشر بعضا منها فى المستقبل القريب.

36

و هو ثالث أولى العزم، و العشاء الآخرة مثل لدعوة عيسى (عليه السلام) و هى الدعوة الرابعة و هو الرابع من أولى العزم و هى الصلاة الرابعة، و الفجر و هى الصلاة الخامسة مثل لدعوة محمد عليه الصلاة و السلام و هى الدعوة الخامسة و هو خامس أولى العزم، فأمره اللّه بأن يقيم الصلاة ظاهرا و باطنا ... إلخ.

من المجلس السابع: إن مثل الصلاة مثل أول قائم بالدعوة و هو محمد (صلى اللّه عليه و سلم)، و إن الطهارة مثلها مثل أساسه و هو على (عليه السلام)، و قيل إن ذلك يدل عليه حروفها، فقيل صلاة أربعة أحرف، محمد: أربعة أحرف، و وضوء ثلاثة أحرف و طهر كذلك ثلاثة أحرف، على (عليه السلام) ثلاثة أحرف، فلا يصح إقرار بنبوة محمد (صلى اللّه عليه و سلم) إلا لمن أقر بأن عليّا (عليه السلام) وصيه من بعده، كذلك لا تكون صلاة فى الظاهر من مصل إلا بطهارة، من ذلك أيضا قولهم: الوضوء مفتاح الصلاة و كذلك لا يؤتى النبي إلا من قبل وصيه كما قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم): «أنا مدينة العلم و على بابها فمن أراد العلم فليأت الباب». و منه قوله تعالى:

«و أتوا البيوت من أبوابها».

(فى أول الكتاب) قوله تعالى: «يخلقكم من بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق» و تأويله أن الأمهات فى الباطن هم المستفيدون ممن فوقهم المفيدون من دونهم، و بطونهم فى التأويل باطن العلم الّذي عندهم ينقلون فيه المستفيدين منهم حدّا بعد حد (ت).

و قوله تعالى: «فى ظلمات ثلاث» يعنى فى الظاهر ما هو محيط، بالجنين من ظلمة البطن و ظلمة الرحم و ظلمة المشيمة التى هو فيها قد أحاطت به و أحاط الرحم بها- و مثل الظلمات هاهنا فى الباطن مثل الستر و الكتمان إذ الليل مثله مثل الباطن و القائم به و ذلك قد يحيط به حدود ثلاثة حد الإمام الّذي هو أصله الآتى به و حد الحجة الّذي هو قد صار عن الإمام إليه و هو القائم به و حد من يقيمه للمستفيدين دونه. و مثل قطع سرة المولود من المشيمة التى هى به متصلة فمثل المشيمة مثل ظاهر المؤمن المستجيب قبل دخوله الدعوة و لباسه قبل دخوله الدعوة الّذي كان يعتقده و لم يأخذه عن إمام أهل الحق و لكن أخذه عن آراء أهل البدع و الضلالة.

المصلى فى اللغة عند العرب هو الفرس الّذي يتلو السابق فى الحلبة إذا سابقوا

37

بين الخيل، فتأويل الصلوات على محمد (صلى اللّه عليه و سلم) الإقرار بمن يتأوه من أئمة و اعتقاد إمامتهم و الدعاء إلى اللّه بأن يصلى أمرهم كذلك و ذلك قول القائل اللهم صلّ على محمد تأويله تابع الإمامة بعده فى ذريته وصلها فيه (ت).

عن جعفر الصادق (الجزء الخامس- المجلس الأول من تأويل الدعائم) ص 303 (ت):- أنه قال إذا افتتحت الصلاة فارفع يديك و لا تجاوز بها أذنيك و ابسطهما بسطا ثم كبر فهذه التكبيرة التى تكون فى أول الصلاة هى تكبيرة الافتتاح و رفع اليدين فيهما واجب عند أكثر الناس إلا أنهم يختلفون فى منتهى حد ذلك و الثابت عن أهل البيت ما جاء فى هذه الرواية عن الصادق (صلى اللّه عليه و سلم) ألا يجاوز بهما الأذنين و الّذي يؤمر به فى ذلك أن يحاذى بأطراف الأصابع من اليدين أعلى الأذنين و يحاذى بأسفل الكفين أسفل الذقن فتكون اليدان قد حاذتا ما فى الوجه من المنافذ السبعة و هى الفم و المنخران و العينان و الأذنان، و تأويل ذلك أن مثل اليدين مثل الإمام و الحجة و مثل هذه المنافذ السبعة مثل النطقاء السبعة فمثل رفع اليدين إلى أن يحاذيهما مثل الإقرار فى أول دعوة الحق بالإمام و الحجة و النطقاء السبعة أعنى إمام الزمان و حجته و ألا يفرق بين أحد منهم و مثل قوله عند ذكر اللّه أكبر مثل ما قدمنا ذكره من ابتداء التكبير فى الأذان و أنه شهادة و إقرار و اعتقاد بأن اللّه أكبر و أجل و أعظم من كل شيء و أن النطقاء و الأئمة و الحجج و أن قرن اللّه طاعتهم بطاعته عباد من عباده مربوبون و أنه هو الّذي أقامهم لخلقه و نصبهم للتبليغ عنه إلى عباده فيكون الّذي دخل فى دعوة الحق و عرف بهم يشهد بذلك و يعتقده.

من المجلس التاسع- الجزء الثالث، ص 221- ت: قول الصادق (صلى اللّه عليه و سلم) أول وقت الظهر زوال الشمس يعنى عن وسط السماء إلى جهة المغرب.

و مثل صلاة الظهر مثل إمام الزمان (1) و تأويل ذلك أن الشمس فى الباطن مثلها مثل ولى الزمان من كان من نبى أو إمام و مثل طلوعها مثل قيام ذلك الولى و ظهوره و مثل

____________

(1) فى نسخة دار الكتب الأعظمية «محمد» و هو يناقض ما جاء فى المجلس الخامس من الجزء «2» ص 16 السيرة المؤيدية حققها الدكتور محمد كامل حسين و نشرتها دار الكاتب المصرى بالقاهرة فى عام 1949 م.

38

غروبها مثل نقلته و انقضاء أمره. و كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم) فى وقته مثله مثل الشمس كما ذكرنا من وقت بعثه اللّه تعالى فيه إلى أن أكمل دينه الّذي ابتعثه لإقامته و إكماله بإقامة وصيه و ذلك قول اللّه تعالى الّذي أنزل عليه فى اليوم الّذي قام فيه بولاية على (عليه السلام) بغدير خم: «اليوم أكملت لكم دينكم و أتممت عليكم نعمتى و رضيت لكم الإسلام دينا» فلما فعل ذلك (صلى اللّه عليه و سلم) مال إلى النقلة عن دار الدنيا إلى معاده فكان بين ذلك و بين وفاته سبعون ليلة و كان ذلك فى التأويل الزوال على رأس سبع ساعات كما ذكرنا من النهار التى جاء أن مثل عدد حروف اسمه و اسم وصيه و ذلك سبعة أحرف محمد (صلى اللّه عليه و سلم) أربعة أحرف و على (عليه السلام) ثلاثة أحرف فذلك سبعة مثل لسبع ساعات الليل التى تزول الشمس عندها التى مثلها مثله (صلى اللّه عليه و سلم) و مثل زوالها زواله و انتقاله إلى معاده الّذي أعد اللّه له فيه الكرامة لديه.

رأى المؤيد فى التأويل: إن للقرآن معانى سوى ما تتداوله ألسن العامة مما يستنبطونه بحولهم و قوتهم من دون الرجعى فيه إلى أهل الاستنباط ممن قال اللّه تعالى فيهم:

«وَ لَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَ إِلىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ» (1) و نص الكتاب ناطق بأن للقرآن تأويلا يقول اللّه سبحانه: «وَ مٰا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللّٰهُ وَ الرّٰاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ» (2) و يقول تعالى: «وَ لِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحٰادِيثِ» (3) و يقول عز و جل: «بَلْ كَذَّبُوا بِمٰا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَ لَمّٰا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ» (4) و قال النبي (صلى اللّه عليه و سلم): «أنا صاحب التنزيل و على صاحب التأويل» و علم التأويل معناه علم العاقبة و ما يفضى الأمر إليه فى النهاية، يدل على ذلك قوله تعالى: «ذلك خير و أحسن تأويلا» أى أحسن عاقبة.

و التأويل تفعيل من آل يؤول و هو الّذي يستجار به فى الشدة و يفزع إليه عند عارض النائبة فتأويل القرآن كذلك.

____________

(1) سورة النساء 4/ 83.

(2) سورة آل عمران 3/ 7.

(3) سورة يوسف 12/ 21.

(4) سورة يونس 10/ 39.

39

بيان المصطلحات الفاطمية

(1) الناطق: و هو الرسول من أولى العزم مرموز إليه بحرف (ن).

(2) الوصى: و هو الوزير الأيمن للناطق، مرموز إليه بحرف (و).

(3) الإمام: هو و من بعده يعتبر كل منهم هاديا فى زمنه حتى يختتم ذلك الدور- و مرموز إليه بحرف (ا).

(4) الحجة: هو فى مكانته و منصبه للإمام بمثابة الوصى للناطق، و مرموز إليه بحرف (ح).

(5) باب الأبواب أو داعى الدعاة هو دون الحجة و فوق الدعاة، و مرموز إليه بحرف (ب).

(6) داعى البلاغ: هو يلى داعى الدعاة و أعلى من بقية الدعاة مرموز إليه بحرف (غ).

(7) الداعى المطلق: يلى داعى البلاغ و هو النائب عن الإمام فى دور الاستتار و مرموز إليه بحرف (ق).

(8) المأذون: خليفة الداعى المطلق و نائبه فى دور الاستتار، و مرموز إليه بحرف (ذ).

(9) المكاسر: و هو التالى للمأذون فى دور الاستتار و مرموز إليه بحرف (م).

(10) المستجيب: و هو المؤمن الكامل مرموز إليه بحرف (ج).

و هذه الألقاب تعبر عن الحدود الجسمانية العشرة و يقابلها أمثالها الروحانية و هى العقول العشرة، و بيان مصطلحاتها كالآتى:

(1) العقل الأول: و قد سبق أن أوضحنا مرتبة العقل الأول فى الاصطلاحات و الرموز و هو مرموز إليه بحرف (ع).

(2) العقل الثانى: و قد سبق أن أوضحنا مرتبة العقل الثانى و هو مرموز إليه بحرف (ث).

(3) سبعة العقول: و قد سبق أن أوضحنا مرتبة سبعة العقول و هى مرموز إليها بحرفى (سل).

40

هذه الدرجات العشر ترتبط بالعلم المادى و لأصحابها بعد ذلك أن يتقدموا صعودا إلى مرتبة الإمام، ثم يتسنى لهم بعد ذلك أن يصعدوا إلى مقامات العقول درجة بعد درجة، و تجد الإيضاح الكامل لكل هذا فى كتاب «الأنوار اللطيفة» (من راحة العقل ص 134) أن المراتب العشر ثلاث منها كلية، و سبع منها تابعة، فالثلاث الكلية هى الرسالة التى هى إفاضة البركة بتأسيس قوانين العبادة العملية الظاهرة بالتنزيل و الشريعة التى هى أشياء كثيرة بها تصير الأنفس إلى الوجود و تنال الكمال الأول، ثم الوصاية التى هى قبول البركة بكليتها و القيام بها بجميع التنزيل و تأسيس قوانين العبادة العلمية الباطنية بالتأويل الّذي بجمع أشياء كثيرة بها تتصور الأنفس بالصورة الأبدية و تنال كمالها الثانى. ثم الإمامة التى هى الأمر و سياسة الأمة كافة على سنن الدين، تجمع أشياء كثيرة بها يتعلق عمارة الحرث و النسل ظاهرا و باطنا. و جذب الأنفس إلى الوجود و بذلك سماهم اللّه تعالى (أُولِي الْأَمْرِ) و السبع التابعة هى أولا: فصل الخطاب الّذي يتعلق بالباب و ثانيا: الحكم فى ترتيب المراتب و ارتضاء الآراء و الاعتقادات على موازنة الخلق و إظهار تأويل الكتاب الّذي يتعلق بالحجة، و لذلك قال اللّه تعالى إخبارا عن منته على داود:

«وَ آتَيْنٰاهُ الْحِكْمَةَ وَ فَصْلَ الْخِطٰابِ»، إذ كان حجة فعلت درجة فنال المنة بالبابية.

و ثالثا: الاحتجاج بالبرهان فى إثبات الحدود العلوية و مراتبها فى وجود المعاد و تعريف المعاد الّذي يتعلق بداعى البلاغ. و رابعا: تعليم العبادة العلمية و نشر التأويل و تعريف الحدود الّذي يتعلق بالداعى المطلق. و خامسا: تعليم مراسم العبادة العلمية و تعريف الحدود السفلية و أدوارها صغارا و كبارا الّذي يتعلق بالداعى المطلق. و سادسا:

أخذ العهد و الميثاق و تعريف رسوم الدين و دار الدين الّذي يتعلق بالمأذون المطلق و سابق المكاسرة و المعدلة إلى الحق الّذي يتعلق بالمأذون المحصور (من راحة العقل ص 138).

الحدود العلوية الموجود الأول هو الفلك الأعلى المبدع الأول الموجود الثانى هو الفلك الثانى الحدود السفلية الموجود الأول هو الناطق رتبة التنزيل الموجود الثانى هو الأساس رتبة التأويل

41

المنبعث الأول

الموجود الثالث الفلك الثالث الموجود الثالث هو الإمام رتبة الأمر (زحل)

الموجود الرابع الفلك الرابع الموجود الرابع الباب رتبة فصل الخطاب

(المشترى) (الّذي هو الملك)

الموجود الخامس الفلك الخامس الموجود الخامس الحجة رتبة الحكم فيما (المريخ) كان حقّا و باطلا

الموجود السادس الفلك السادس الموجود السادس داعى رتبة الاحتجاج (الشمس) البلاغ و تعريف المعاد

الموجود السابع الفلك السابع الموجود السابع الداعى رتبة تعريف (الزهرة) الحدود العلوية

الموجود الثامن الفلك الثامن الموجود الثامن الداعى رتبة تعريف الحدود (عطارد) المحدود السلفية و العبادة

الظاهرة

الموجود التاسع الفلك التاسع الموجود التاسع المأذون رتبة أخذ العهد (القمر) المطلق و الميثاق المستجيبة

الموجود العاشر ما دون الفلك الموجود العاشر المأذون المحدود الطباع الّذي هو المكاسر

من الحدود السفلية الّذي ليس له إلا العناية بالأنفس و جذبها إلى العبادة و الطاعة.

من الباب الثانى و الفصل الخامس، ص 25 ل: ثم إن هذا الشخص الفاضل (العقل العاشر) أقام دعوته إلى أن استخرج منها ولده الّذي ينوب منابه و يقوم مقامه و هو المرسوم بالانبعاث كما أن هذا الشخص يوسم بالإبداع لكونهما فى هذا العالم مقابلين للإبداع و الانبعاث فى عالم العقل و كون هذا الولد أول منبعث فى هذا العالم. و كذلك كل مقام بعدها فيقال عليه الإبداع. و كل من يستخرجه من دعوته الّذي هو ولده فهو الانبعاث للمقابلة التى بينهم،

42

ثم إنه نص على ولده هذا بالأمانة و انتقل إلى دار كرامة اللّه تعالى و كان خالفا فى رتبته العقل العاشر لتدبير عالم الطبيعة إلى أن يوجد مثله من يخلفه فى ذلك المقام العالى و انتقل إلى رتبة العقل التاسع بمن فى ضمنه إلى رتبة العقل الثامن، و هلم جرّا.

انتقل الرابع بمن فى ضمنه إلى مرتبة العقل الثالث و الثالث إلى العقل الثانى للعقل الأول و هو الانبعاث الأول و رتبته جنة المأوى التى ليس فوقها مرتبة إلا مرتبة العقل الأول التى هى مرتبة الوحدة التى لا يبلغها أحد من العقول سواه و هى سدرة المنتهى و مرتبة التالى هى جنة المأوى إليها ينتهى جميع المثابين من الروحانيين و الجسمانيين على حسب هذا التنقل شيئا بعد شيء، على مرور الأدوار و الأكوار، ذلك كذلك و بها رمز الكتاب الكريم بقوله تعالى: «عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهىٰ عِنْدَهٰا جَنَّةُ الْمَأْوىٰ» و هى التى قال فيها الرسول (صلى اللّه عليه و سلم): «إن فى الجنة ما لا عين رأت و لا أذن سمعت و لا خطر على قلب بشر» ما أعده اللّه تعالى فيها لأوليائه من العلاء و الرفعة و السنا و المسرة و الكبرياء و لا سبيل إلى وصف ما هنالك إلا تقريبا، و كفى من القول فيه ما ورد فى التوراة من قول اللّه تعالى حيث قال: «أطعنى يا ابن آدم أجعلك مثلى حيّا لا تموت. عزيزا لا تذل، غنيّا لا تفقر» إن فى ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع و هو شهيد. و هذا الشخص الفاضل المنتقل إلى رتبة العاشر لا يتهيأ لأحد من المقامات ما تهيأ له من الانتقال إلى رتبة العاشر دفعة واحدة لأنه أوجد فى الجنة الإبداعية مبدعا بعد المدة الطويلة قائما بالوحدانية به كمقام المبدع الأول قد غنى حتى صار عن حدثه زبدة العالمين جميعا و سواه من المقامات بالإضافة إليه جزء و هو لها كل.

من الباب الثالث و الفصل الأول- ص- 2 (ل): ثم إن ولد هذا الشخص الفاضل المنصوص عليه القائم فى مقامه خلفاء لعالم الدين أقام الدعوة فى عالمه و دعا إلى توحيد اللّه تعالى و عبادته لخلاص تلك النفوس الغريقة فى بحر الهيولى و أسر الطبيعة و استخراج من يخلفه منها فى مقامه كما فعل ولده المستخرج له من دعوته، فإذا استخرج منها ولده، و وفى ما عليه من الخدمة انتقل إلى أفق مرتبة العقل العاشر التى قد صارت مرتبته لأبيه فيصير واقفا هنالك، و من انتقل من مقامه بعده انتهى إليه، و لا تزال الدعوة قائمة و كل مقام ينتقل يصير موقوفا معه إلى وفاء

43

عدتهم أو انقضاء مدتهم و ذلك الموضع هو البرزخ الّذي رمز به الكتاب الكريم بقوله تعالى: «وَ مِنْ وَرٰائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ» و هو البرزخ المذموم المعد لأهل الشر و غير ذلك و وفاء عدتهم أن يكملوا مائة ألف و أربعة و عشرين ألف صورة، و أما مدتهم فسبعة آلاف سنة فعند وفائها يقوم قائمهم مستخرجا من دعوة أبيه كاستخراجهم فتصل به هذه المقامات الموقوفة فى البرزخ و يكون كل واحد منهم عضوا من أعضاء هيكله النورانى، إلخ.

فعند مفارقته لجسمه و انتقاله من هذه الدنيا يصير عقلا قدسانيّا مجردا إلهيّا قد جرى فيه ما جرى فى العقول المجردة العالية فلا يكون بينه و بينهم إلا مرتبة السبق لا غير، و لذلك قال ناطق الدور (صلى اللّه عليه و سلم) إن للّه تعالى مائة ألف نبى و أربعة و عشرين ألف نبى مشيرا إلى هذا الهيكل الشريف العظيم و إليه أشار الكتاب الكريم بقوله تعالى: «قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَ الْآخِرِينَ لَمَجْمُوعُونَ إِلىٰ مِيقٰاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ» فهو الميقات المجتمع إليه الأولون و الآخرون و هو المجمع لهم و هو اليوم المعلوم و هو دوره أعنى دور الكشف الّذي هو خمسون ألف سنة و بذلك نطق الكتاب الكريم حيث قال تعالى: «فِي يَوْمٍ كٰانَ مِقْدٰارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ» و عنها قيام هذا القائم (عليه السلام) يقع الحساب بين يديه و إليه الثواب و العقاب ثم يستخرج من دعوته من يكون له ولدا يخلفه فى مقامه و ينص عليه و ينتقل صاعدا إلى مرتبة العقل العاشر.

من الباب الثالث و الفصل الثانى- ص 27 (ل) و عند نقلته و انقضاء دوره، ابتداء دور الستر و يقوم ولده بعده فيقع فى الدعوة ضعف لأن دور الكشف قد انتهى إلى أمده و بلغ الكتاب أجله و نهاية حده.

و يكون الأئمة فى غاية من التقية و الستر و تكون (1) أيدى الأضداد غالبة و أمورهم على أحسنها جارية إلى وفاء ثلاثة آلاف سنة و قام أول نطقاء دور الستر و هو آدم (عليه السلام) فيكون الأمر بخلاف ما كان عليه فى الثلاثة الآلاف المتقدمة و يستقبل سبعة آلاف سنة.

من الباب الثالث و الفصل الثالث، ص 27 (ل) ثم إنه على وفاء هذه الثلاثة الآلاف سنة يقيم إمام ذلك الزمان ناطقا و هو آدم (عليه السلام) فيقيم له

____________

(1) يكون (فى ل).

44

حدودا و يقنن قوانين ..... إلى أن يقيم أساسا يخلفه فى أمته و انتقل إلى دار كرامة اللّه تعالى و جرت الإمامة متسلسلة من إمام إلى إمام إلى وفاء دوره. و قام بعده الناطق الثانى و هو نوح (عليه السلام) و قيامه عن أمر إمام زمانه و هو هود (عليه السلام) و ضده عوج بن عنق، فقنّن قوانين و شرع شرعا غير ذلك الأول ...

ثم أقام وصيه ساما (عليه السلام) خلفا فى أمته ثم نص عليه و انتقل إلى دار كرامة اللّه و جرت الإمامة متسلسلة إلى تمام دوره، و قام إبراهيم (عليه السلام) عن أمر إمام زمانه الّذي هو صالح (عليه السلام) فكان ضده النمرود بن كنعان فقنّن قوانين .....

و أقام وصيه إسماعيل (عليه السلام) و انتقل إلى دار كرامة اللّه تعالى و جرت الإمامة متسلسلة فى عقبه إلى وفاء دوره. و قام موسى عن أمر إمام زمانه و كان إبليسه فرعون.

ففعل كما فعل من كان قبله إلى وفاء دوره و قام عيسى (عليه السلام) عن أمر زمانه الّذي هو خزيمة (عليه السلام) ففعل كفعل من كان قبله إلى وفاء دوره و قام محمد عليه الصلاة و السلام عن أمر زمانه الّذي هو أبو طالب (1) و كان له ضدان أبو لهب و أبو جهل .... ثم أقام وصيه على بن أبى طالب (عليه السلام) و انتقل إلى دار كرامة اللّه تعالى.

و قام أمير المؤمنين إلى وفاء مدته و نص على ولده الحسن مستودعا ثم على ولده الحسين مستقرّا و جرت الإمامة متسلسلة كذلك إلى دور الأتماء لمحمد (2) بن إسماعيل ثم قال أول دور أئمة دور الخلفاء و هو عبد اللّه بن محمد، انطرد كذلك إلى وفاء دورهم لمولانا المعز لدين اللّه و قام أئمة دور الأشهاد و هو مولانا العزيز باللّه و انطرد كذلك إلى وفاء دورهم بمولانا الطيب أبى القاسم، أول دور الإبدال و هو مولانا الطيب (عليه السلام) و ينطرد الأمر كذلك إلى وفاء دورهم بسابعهم و قام حجة قائم القيامة و وفت السبعة الآلاف سنة التى هى دور الستر الّذي هو الدنيا كما قال ناطق الدور «عمر الدنيا سبعة آلاف سنة» إشارة إلى دور الستر هذا.

____________

(1) كان أبو طالب فى عقيدة الفاطميين آخر الأئمة من دور عيسى (عليه السلام).

(2) و الأئمة بعد الوصى على بن أبى طالب سبعة يبدعون بالحسن و ينتهون إلى محمد بن إسماعيل و يسمى هذا الدور «دور الأتماء» ثم يليهم دور «الحلفاء» و يبدأ هذا الدور بالإمام عبد اللّه بن محمد بن إسماعيل و ينتهى بالإمام المعز لدين اللّه و بعد هؤلاء يبدأ دور الأشهاد من الإمام العزيز باللّه حتى أبى القاسم الطيب ابن الآمر و هو أول الأئمة فى دور الإبدال.

45

تأويل الدّعائم تأليف النعمان بن محمد قاضى قضاة المعز لدين اللّه الفاطمى

تحقيق محمد حسن الأعظمى عميد كلية اللغة العربية بكراتشى

(من علماء الأزهر، و الجامعة السيفية الفاطمية بالهند)

46

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

47

[الجزء الأول]

المجلس الأول من الجزء الأول: [فى باب الولاية]

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه مخرج الودق و مقدر الرزق، و خالق العباد فى بطون أمهاتهم خلقا من بعد خلق، و صلى اللّه على أفضل البرية محمد نبيه و الأئمة من ذريته الغرة (1) الهادية الزكية.

قد سمعتم أيها المؤمنون فيما تقدم كيف أنتم تنتقلون (2) حالا بعد حال فى حدود الدين كانتقالكم فى نشأة الخلق الظاهر و إن خلق الدين مثله فى الباطن لقول اللّه عز و جل: «ثُمَّ أَنْشَأْنٰاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبٰارَكَ اللّٰهُ أَحْسَنُ الْخٰالِقِينَ» (3) و قوله عز و جل:

«يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهٰاتِكُمْ خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ» (4).

تأويله فى الباطن ما قد سمعتم الأصل فيه أن الأمهات فى الباطن هم المستفيدون ممن فوقهم؛ المفيدون من دونهم، و بطونهم فى التأويل باطن العلم الّذي عندهم ينقلون فيه المستفيدين منهم حدّا بعد حد و ذلك خلق الدين و قوله تعالى فى ظلمات ثلاث يعنى فى الظاهر ما هو محيط بالجنين من ظلمة البطن و ظلمة الرحم و ظلمة المشيمة التى هو فيها قد أحاطت به و أحاط الرحم بها و البطن بالرحم و مثل الظلمات هاهنا فى الباطن مثل الستر و الكتمان إذ الليل مثله مثل الباطن و القائم به و ذلك قد يحيط به حدود ثلاثة: حد الإمام الّذي هو أصله الآتى به، و حد الحجة الّذي هو قد صار عن الإمام إليه و هو القائم به، و حد من يقيمه للمستفيدين دونه؛ و قد بدأكم ولى اللّه لما استجبتم لدعوته فأخذ عليكم ميثاقه و عهده و كنتم حينئذ فى التمثيل الباطن كالمولودين فى الظاهر بمثل ما يبتدأ به المولود فأول ذلك أن يختبر ما هو أذكر أم أنثى صحيح الجوارح أم فاسد شيء منها و كذلك ينبغى للداعى إذا أخذ على المستجيب أن يختبر حاله هل هو ممن يصلح أن يكون مفيدا فذلك مثل الذكر أو مستفيدا فذلك مثل الأنثى لأن ذلك يعلم بما فيه من الحاسة و الذهن و التخلف و البلادة و إن

____________

(1) العترة (فى س).

(2) تنقلون (فى ز).

(3) سورة المؤمنون: 14.

(4) سورة الزمر: 6.

48

كانت أحواله حسنة أو سيئة و ذلك مثل سلامة الأعضاء أو فسادها أو نقصها ثم يأخذ فى معاملته بما يصلح لمثله كمثل ما تصلح به أحوال المولود فى حين ولادته من القيام بأمر ظاهره من دهن ظاهر بدنه و تعديل أعضائه و قطع سرته و شده بالعصائب و أشباه ذلك مما يصنع فى أمره لئلا يضطرب فيفسد خلقه.

و أما مثل قطع سرة المولود من المشيمة التى هى به متصلة و كانت لباسا عليه و طرح تلك المشيمة عنه و دفنها بأنها قد صارت بخروجه منها و قطع سرته عنها بخسة ميتة فمثل المشيمة مثل ظاهر المؤمن المستجيب قبل دخوله الدعوة و لباسه قبل دخوله الدعوة الّذي كان يعتقده و لم يأخذه عن إمام أهل الحق و لكن أخذه عن آراء أهل البدع و الضلالة، و أما قطع سرته و إبانته منها فقطعه عن ذلك و رفضه إياه كما ترفض المشيمة و تستقذر بعد أن كانت هى ظاهر المولود، كذلك يرفض المؤمن المستجيب ما كان عليه من ظاهر أهل الباطن و يتمسك بظاهر أهل الحق و باطنهم و مثل ما يترك من سرته عند قطعها و يربط و يكوى طرفه إلى أن يجف و يسقط مثل ما يترك المستجيب عليه من توحيد أهل الظاهر الّذي هو إلى الشرك أقرب كما قال تعالى: «وَ مٰا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللّٰهِ إِلّٰا وَ هُمْ مُشْرِكُونَ» (1) فيترك على ذلك فى وقت الأخذ عليه إلا أنه يعرف أنه سيوقف على حقيقة توحيد اللّه و تنزيهه عن كل مثل و ضد لئلا يعتقد ما كان عليه من ذلك من التشبيه و الشرك و ذلك مثل ربط السرة و حسمها فإذا عرف حقيقة توحيد اللّه و تبين له ذلك سقط عنه ما كان يعتقده من افتراء المبطلين على اللّه فى ذلك و هذا مثل سقوط سرة المولود بعد أيام من ولادته و مثل ما يصنع بظاهر بدنه من الإصلاح مثل ما يجب أن يبتدئ به المؤمن المستجيب بعد أخذ العهد عليه من تعليمه علم ظاهر الشريعة الّذي تعبد اللّه تعالى العباد بإقامته و افترض عليهم العمل به و قد بسط لكم ذلك ولى اللّه فى كتاب دعائم الإسلام و ابتدأكم به كما ينبغى فى ذلك و لا يجوز غيره فأنكر ذلك من قد كان سلك أو سلك به غير سبيل المؤمنين و قالوا هذا هو الظاهر الّذي كنا نعرفه و لم يعلموا أن من لا ظاهر له فهو بادى العورة مكشوف السوءة خارج من الملة فأعرض عن ذلك من كانت هذه سبيله و أقبل عليه من هدى لرشده و كانوا فى ذلك على درجات

____________

(1) سورة يوسف 106.

49

و طبقات فمنهم البارع فيه المستفيد و المتوسط و المقصر على حالات كثيرة و ذلك مثل ما ذكرناه مما يجب من اطراح ظاهر المخالفين الذين (1) أثبتوه للأمة بآرائهم و قياسهم و أهوائهم و أخذ ظاهر الدين عن أولياء اللّه الذين صار إليهم عن رسوله (صلى اللّه عليه و سلم) فعلم ذلك منكم من علمه و تخلف من تخلف فيه فلم ير ولى اللّه حبس السابقين منكم على المتخلفين فبسط لكم بعد ذلك حدّا من حدود الدين و هو حد الرضاع الباطن أثبت لكم فيه أصول التأويل و جاء فيه برموز من الباطن و بعض التصريح ليكون ذلك مقدمة من العلم تثبت فى القلوب على حسب الواجب فى ذلك و أقامكم عليه مدة حولين كما ذلك واجب الرضاع فى الظاهر فكنتم أيضا فيه على سبيل ما كنتم فى الحدّ الّذي قبله من السبق و التخلف فلم ير أيضا ولى اللّه حبس السابقين منكم على المتخلفين، و بسط لكم هذا الحد و هو حد التربية و هذا المجلس ابتداؤه و ابتداؤكم من ذلك بتأويل ما فى كتاب الدعائم من أوله إلى آخره لتعلموا باطن ما افترض اللّه تعالى عليكم العمل بظاهره و تعبدكم بعلمه من حلاله و حرامه و قضايا دينه و أحكامه فمن لقن ذلك و برع فيه فهو بمنزلة من بلغ النكاح و أنس رشده و استحق قبض ماله و التصرف فيه كما يتصرف الجائز الأمر فى ماله و لم يقصر به ولى اللّه عن الواجب له و من تخلف عنه كانت سبيله سبيل من يولى عليه أن يؤنس منه الرشد و ذلك لأنه الحد الثالث كما سمعتم و بعد الحد الثالث من الولادة فى الظاهر يكون حد البلوغ فيه للمولود لأنه يكون مولودا يصلح ظاهر بدنه كما ذكرنا ثم رضيعا يغذى باللبن ثم صبيّا إذا فطم ثم يبلغ الحلم بعد ذلك و اللّه يجرى الجميع بلطفه على ما يرضاه و يرضى وليه بحوله و قوته و فضله عليهم و نعمته إن شاء اللّه و لا حول و لا قوة إلا باللّه.

و أول ما ذكر فى كتاب دعائم الإسلام من قول رسول اللّه (صلى اللّه عليه و سلم):

لتسلكن سبل الأمم قبلكم حذو النعل بالنعل و القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه» فهو حديث مشهور عنه (صلى اللّه عليه و سلم) يرويه الخاص و العام.

و جاء أيضا عنه مثله و هو قوله: «لتركبن سنن من كان قبلكم ذراعا بذراع و باعا يباع حتى لو سلكوا خشرم دبر لسلكتموه» فالخشرم مأوى الزنابير و هو ثقب تبنيه من الطين شبيه بثقب النحل الّذي تبنيه من الشمع تفرخ فيه كما تفرخ النحل فى

____________

(1) الّذي (فى س).

50

الشمع و تملؤه بعد ذلك عسلا و الزنابير لا تفعل ذلك و الدبر جماعة الزنابير.

و قد سمعتم فيما بسط لكم من الأصول و قرئ عليكم من حد الرضاع فى الباطن أن لكل جنس من الحيوان أمثالا من الناس يرمز فى الباطن بهم لهم و يكنى عنهم بذكرهم فى القرآن و فى الكلام و من ذلك قول اللّه: «وَ مٰا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَ لٰا طٰائِرٍ يَطِيرُ بِجَنٰاحَيْهِ إِلّٰا أُمَمٌ أَمْثٰالُكُمْ مٰا فَرَّطْنٰا فِي الْكِتٰابِ مِنْ شَيْءٍ» (1) فأخبر تعالى جل من مخبر أن جميع الدواب و الطير أمثال للعباد الآدميين فضرب من ذلك أمثالا كثيرة قد سمعتم بعضها و تسمعون من ذلك ما يأتى فى موضعه إن شاء اللّه تعالى و قد سمعتم أن أمثال حشرات (2) الأرض و خشاشها و الهوام أمثال الحشو و الرعاع من الناس و أن النحل أمثال المؤمنين.

و من ذلك الحديث المأثور: «المؤمنون كالنحل لو علمت الطير ما فى بطونها لأكلتها» كذلك المؤمن لو علم الكافر ما فيه من الفضل و العلم و الحكمة لقتله حسدا له، و الزنابير أمثال حشو أهل الباطل الذين يتشبهون بأهل الإيمان كما أن الزنبور يشبه النحل و يحكى صنعة بيتها الّذي تصنعه بالشمع فيبنيه الزنبور بالطين و ليس فيه عسل كذلك أمثاله من حشو أهل الباطل لا خير عندهم و إن تشبهوا بأهل الحق، و الضب أحد الحشرات فضرب (صلى اللّه عليه و سلم) جحر الضب و خشرم الدبر و الدبر جماعة الزنابير كما قلنا مثلا لدعوة أشرار الناس و أوباشهم و أخبر الأمة أنهم سيسلكون فى اتباعهم أمثالهم مسلك من تقدمهم من الأمم و قد فعلوا و اتبعوا السفلة و الأشرار و أوباش الخلق و ائتموا بهم و كذبوا عليه (صلى اللّه عليه و سلم) فزعموا أنه قال أطع إمامك و إن كان أسود مجدعا فائتموا بالسودان و العبدان و الأوباش و الأشرار و نصبوهم أئمة من دون أولياء اللّه فهذا تأويل الحديث و منه قول يعقوب ليوسف: «وَ كَذٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَ يُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحٰادِيثِ» (3) فأما جحر الضب و خشرم الدبر فليس مما يدخله الناس و لا يصح القول بذلك فى الظاهر و قول اللّه تعالى: «وَ لٰا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتّٰى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيٰاطِ» (4) له تأويل سيأتى ذكره فى موضعه إن شاء اللّه تعالى.

____________

(1) سورة الأنعام: 38.

(2) الخرشات (فى ح).

(3) سورة يوسف: 6.

(4) سورة الأعراف- 40.

51

و أما ما جاء فى كتاب الدعائم من قول الباقر محمد (صلى اللّه عليه و سلم): نبى الإسلام على سبع دعائم الولاية و هى أفضل و بها و بالولى ينتهى إلى معرفتها و الطهارة و الصلاة و الزكاة و الصوم و الحج و الجهاد، فهذه كما قال (صلى اللّه عليه و سلم) دعائم الإسلام قواعده و أصوله التى افترضها اللّه على عباده و لها فى التأويل الباطن أمثال، فالولاية مثلها مثل آدم صلى اللّه عليه لأنه أول من افترض اللّه عز و جل ولايته و أمر الملائكة بالسجود له و السجود الطاعة و هى الولاية و لم يكلفهم غير ذلك فسجدوا إلا إبليس كما أخبر تعالى فكانت المحنة بآدم صلى اللّه عليه الولاية و كان آدم مثلها و لا بد لجميع الخلق من اعتقاد ولايته و من لم يتوله لم تنفعه ولاية من تولاه من بعده إذا لم يدن بولايته و يعترف بحقه و بأنه أصل من أوجب اللّه ولايته من رسله و أنبيائه و أئمة دينه و هو أولهم و أبوهم، و الطهارة مثلها مثل نوح صلى اللّه عليه و هو أول مبعوث و مرسل من قبل اللّه لتطهير العباد من المعاصى و الذنوب التى اقترفوها و وقعوا فيها من بعد آدم صلى اللّه عليه و هو أول ناطق من بعده و أول أولى العزم من الرسل أصحاب الشرائع و جعل اللّه آيته التى جاء بها الماء الّذي جعله للطهارة و سماه طهورا، و الصلاة مثلها مثل إبراهيم (صلى اللّه عليه و سلم) و هو الّذي نبى البيت الحرام و نصب المقام فجعل اللّه البيت قبلة و المقام مصلى و حكى قوله تعالى: «إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ حَنِيفاً وَ مٰا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ» (1) و كان هذا القول هو افتتاح الصلاة للمصلين، و الزكاة (2) مثلها مثل موسى و هو أول من دعا إليها و أرسل بها قال اللّه تعالى: «هَلْ أَتٰاكَ حَدِيثُ مُوسىٰ إِذْ نٰادٰاهُ رَبُّهُ بِالْوٰادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً اذْهَبْ إِلىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغىٰ فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلىٰ أَنْ تَزَكّٰى» (3) فكان أول ما أمره اللّه أن يدعوه إليه أن يزكى، و الصوم مثله مثل عيسى (عليه السلام) و هو أول ما خاطب به أمه أن تقول لمن رأته من البشر و هو قوله الّذي حكاه تعالى عنه لها: «فَإِمّٰا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمٰنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا» (4)، و كان

____________

(1) سورة الأنعام: 71.

(2) وضوح النسبة بين موسى (صلى اللّه عليه و سلم) و الزكاة يتجلى فى موقفه مع قارون (إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليه».

(3) سورة النازعات: 14- 15.

(4) سورة مريم: 25.

52

هو كذلك يصوم دهره و لم يكن يأتى النساء كما لا يجوز للصائم أن يأتيهن فى حال صومه (1)، و الحج مثله مثل محمد (صلى اللّه عليه و سلم) و هو أول من أقام مناسك الحج و سنّ سنته و كانت العرب و غيرها من الأمم تحج البيت فى الجاهلية و لا تقيم شيئا من مناسكه كما أخبر اللّه تعالى عنهم بقوله: «وَ مٰا كٰانَ صَلٰاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلّٰا مُكٰاءً وَ تَصْدِيَةً» (2) و كانوا يطوفون به عراة فكان أول شيء نهاهم عنه ذلك فقال فى العمرة التى اعتمرها قبل فتح مكة بعد أن وادع أهلها و هم مشركون: لا يطوفن بعد هذا بالبيت عريان و لا عريانة، و كانوا قد نصبوا حول البيت أصناما لهم يعبدونها فلما فتح اللّه مكة كسرها و أزالها و سن لهم سنن الحج و مناسكه و أقام لهم بأمر اللّه معالمه و افترض فرائضه و كان الحج خاتمة الأعمال المفروضة و كان هو (صلى اللّه عليه و سلم) خاتم النبيين، فلم يبق بعد الحج من دعائم الإسلام غير الجهاد و هو مثل سابع الأئمة الّذي يكون سابع أسبوعهم الأخير الّذي هو صاحب القيامة و هو كما تقدم القول فيما سمعتموه يعد سابعا للنطقاء إذ قد يجمع اللّه الناس كلهم على أمره فلا يدع أحدا خالف دين الإسلام و حدود الإيمان إلا قتله و هو أحد أئمة محمد (صلى اللّه عليه و سلم) و آخر إمام من ذريته و دعوته و دعوة جميع الأئمة إلى شريعة محمد (صلى اللّه عليه و سلم) ففضله اللّه بذلك على سائر من تقدمه من المرسلين و جعل له دونهم فضيلتين و مثلين الحج و الجهاد و إذا كان الّذي مثله مثل الجهاد من أهل دعوته و شريعته و أحد أولاده و أئمة دينه فلذلك قام هو أيضا بالجهاد مع إقامة الحج، و الجهاد ليس من أصل الأعمال إنما هو دعاء إلى اتباع الشريعة و قتل من امتنع من ذلك و كذلك مثله الّذي هو خاتم الأئمة لا يكون فى وقته عمل كما أخبر تعالى عن ذلك بقوله: «يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيٰاتِ رَبِّكَ لٰا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمٰانُهٰا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمٰانِهٰا خَيْراً» (3)، فلذلك كان محمد (صلى اللّه عليه و سلم) الّذي هو خاتم النبيين مثله مثل الحج الّذي هو خاتم الأعمال و فرضه مرة واحدة فى العمر و لا يفوت المرء ما دام حيّا إذا لحقه و إن مات قضى عنه بعد موته و كذلك يجرى هذه الأمثال فى أسابيع الأئمة

____________

(1) و تتجلى النسبة بين عيسى و الصوم فيما أحاط بشريعته و أمته من الزهد و الرهبانية و الصيام بجميع أنواعه.

(2) سورة الأنفال: 34.

(3) سورة الأنعام: 158.

53

يكون أول كل أسبوع منهم مثله مثل الولاية لأنه أول من افترض اللّه منهم ولايته، و الثانى مثله مثل الطهارة، و الثالث مثله مثل الصلاة، و الرابع مثله مثل الزكاة، و الخامس مثله مثل الصوم، و السادس مثله مثل الحج على ما تقدم من أمثال النطقاء، و السادس منهم يسمى متما كما سمى محمد (صلى اللّه عليه و سلم) خاتم النبيين و يكمل به أمر الأسبوع، و يكون السابع أقواهم و يتم به الأمر و مثله مثل الجهاد على ما تقدم به القول.

فهذه أمثال السبع الدعائم التى هى دعائم الإسلام و أمثالها الذين هم النطقاء و الأئمة كذلك هم دعائم الدين التى استقر عليها فافهموا الأمثال أيها المؤمنون تكونوا من العالمين فإن اللّه يقول: «وَ تِلْكَ الْأَمْثٰالُ نَضْرِبُهٰا لِلنّٰاسِ وَ مٰا يَعْقِلُهٰا إِلَّا الْعٰالِمُونَ» (1) جعلكم اللّه من العالمين العاملين بما يعلمون، و أعاذكم من جهل الجاهلين و حيرة الضالين و ضلال المبطلين، و وفقكم اللّه لما يرضيه و يزكو لديه و يزدلف به إليه و صلى اللّه على محمد النبي و آله الطيبين الطاهرين و سلم تسليما، حسبنا اللّه و نعم الوكيل.

المجلس الثانى من الجزء الأول: [فى باب الولاية]

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه حمدا متصلا دائما كثيرا، و صلى اللّه على النبي محمد (صلى اللّه عليه و سلم) و أهل بيته الذين أذهب اللّه عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا،

و أما ما جاء فى كتاب الدعائم من ذكر الإيمان و الإسلام و أن كل واحد منهما غير الآخر و أن الإيمان يشرك الإسلام و الإسلام لا يشرك الإيمان.

فقد جاء بيان ظاهر ذلك فى كتاب الدعائم، و باطنه أن الإسلام مثله مثل الظاهر و الإيمان مثله مثل الباطن و لا بد من إقامتهما جميعا و التصديق بهما معا و العمل بما يجب العمل به منهما و لا يجزى إقامة أحدهما دون الآخر و لا التصديق بشيء منهما مع التكذيب بالآخر و لا يكون إقامة الباطن إلا بعد إقامة الظاهر كما لا يكون المرء مؤمنا حتى يكون مسلما، و كذلك مثل الإمام محمد بن على (صلى اللّه عليه و سلم) الظاهر و الباطن بدائرتين: إحداهما فى داخل الأخرى، فمثل الإسلام بالدائرة الخارجة و هى الظاهرة، و مثل الإيمان بالدائرة الداخلة و هى الباطنة، و ذلك مذكور فى كتاب الدعائم بصورته و شكله فأبان بذلك أن مثل الإسلام مثل الظاهر و مثل الإيمان مثل

____________

(1) سورة العنكبوت: 42.

54

الباطن و لا يقوم ظاهر إلا بباطن و لا باطن إلا بظاهر (1).

و من ذلك أيضا قول الأئمة صلى اللّه عليهم إن الإيمان قول و عمل و نية، فمثل القول مثل الظاهر و مثل العمل مثل الباطن لأن القول بالشهادتين هو الّذي يوجب الدخول فى الملة، و لمن شهد بذلك حكم الملى، و العمل المفترض فى حكم الشريعة الّذي مثله مثل الباطن مستور عن الناس إنما هو فيما بين العبد و بين ربه. فإذا قال قد تطهرت و صليت و صمت و تزكيت و تعلمت ما أوجبه اللّه عليّ لم يكلف على ذلك البيان و لا أن يأتى عليه بشهود إلا فيما يجب لغيره من ذلك عليه إذا طولب به فأمّا ما بينه و بين اللّه مما تعبده به فهو مأمون عليه و اللّه يعلمه و يجزيه به و من قال إن الإيمان قول بلا عمل كما قالت المرجئة فهو بمنزلة قولهم إن الدين ظاهر لا باطن له.

و قد جاء فى كتاب الدعائم بيان فساد قولهم بذلك و مثل النية التى لا يصح القول و العمل إلا بها كما جاء بيان ذلك أيضا فى كتاب الدعائم مثل الولاية لأن النية اعتقاد القلب و الفرض فيه و مثل القلب فى التأويل كما تقدم القول بذلك مثل الإمام فمن لم يعتقد ولاية إمام زمان لم ينفعه قول و لا عمل و لم يصح له ظاهر و لا باطن و لا يصح اعتقاد ولاية الأئمة إلا بعد اعتقاد رسالة الرسل الذين هم أصل الشرائع و الذين أقاموها و الأئمة أتباع لهم فيها و آخذون عنهم ما بأيديهم منها لكل نبى منهم أئمة شريعته إلى منتهى حده و انقضاء أدوار أئمته على ما قدمنا ذكره و أنه لا بد من التصديق بجميع الرسل و الأئمة و العمل بما أتى به صاحب شريعة أهل العصر و أمر إمامهم و طاعته و البراءة من كل من فارق الرسل و الأئمة أو ادعى مقام أحد منهم ممن ليس ذلك له.

و أمّا ما ذكر فى كتاب الدعائم من ذكر الفروض على الجوارح فقد جاء فيه بيان ظاهر ذلك و ما على كل جارحة من جوارح الإنسان و ما يلزمها من العمل و لذلك تأويل فى الباطن كما هو للجوارح من الأمثال.

و أمّا ما قيل إن الإيمان عمل كله و القول بعض ذلك العمل، فتأويل ذلك أن الباطن الّذي هو مثل الإيمان عمل كله لأنه لا يخلق شيء منه من أن يكون عملا

____________

(1) و هذا مصداق قول اللّه تعالى: «قٰالَتِ الْأَعْرٰابُ آمَنّٰا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لٰكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنٰا وَ لَمّٰا يَدْخُلِ الْإِيمٰانُ فِي قُلُوبِكُمْ».