تأويل الدعائم - ج2

- ابو حنيفة المزيد...
133 /
5

[المدخل]

منهاج التحقيق لكتاب تأويل الدعائم الجزء الثانى هو عبارة عن مخطوطات المكتبات السرية بالجامعة السيفية الفاطمية فى مدينة (سورت) و المكتبة الزاهدية بمدينة حيدرآباد الدكن، و مكتبة ملا يونس شكيب مدير الإدارة الأدبية الفاطمية فى سورت بالهند.

و النسخة المقدمة لدار المعارف بمصر هى وحيدة فى دار الكتب الأعظمية بمدينة كراتشى (باكستان) و هى محققة من المكتبات الثلاث المذكورة.

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

مقدمة المحقق

الفاطميون فى حكم التاريخ

كثيرا ما رأينا بعض المتصدين لتحصيل الحوادث التاريخية تجرى أقلامهم طوعا لهواهم أو لهوى غيرهم بآراء و متناقضات يخلقونها فى أنفسهم تخييلا و يقدمونها إلى العالم دليلا، و بهذا تضطرب الآراء و الأفكار و تحتجب الشمس عن الأنظار. على أنى لا أحاول أن أقوّم دولة الفاطميين فى كلمتى هذه. و لكنى أريد أن أضع حدّا للمزاعم التى طوقت بأوهامها الخانقة عصرا يهم العالم الإسلامى و يعنى المصريين و أبناء العرب بوجه أخص، و اعتقادى أن للعوامل السياسية دخلا كبيرا فى إلقاء الظلام الحالك على ضوء الحقيقة الساطع و إطلاق الأفاعى المهلكة فى ربوات الروضة الغناء. إن المؤرخ من هذا النوع واحد من ثلاثة: رجل يطمع فى مغانم الدولة فتراه يحسن مثالبها و يطوى معايبها و يبتدع لها الإطراء المحكم و الثناء المنمنم، حتى يقيم لها فى الفردوس بنيانا، و يستقل لها الجوزاء مكانا. و رجل يحمله سلطان الحكومة على الكيد لخصومها و الزراية على أعدائها، فيبري من قلمه سهما مسموما يرسله بالأغلاط و الأوهام حتى يضعهم من كتابه فى قفص الاتهام. و ثالث يجهل الحقائق فيعمد إلى الأباطيل و يعوزه البيان فيخلق الأضاليل: و من هؤلاء و أولئك وقعت الأخطاء المتكررة فى كل زمان، و انخدع بهم طلاب الإنصاف و رواد الحقيقة بالرواية عنهم و التأثر بهم. إذ يظنون قولهم فصلا و حكمهم عدلا. و بذلك تنشأ عن الأفراد و الجماعات خرافات و خزعبلات تنمو مع الأجيال و تتضخم، حتى إن المنصفين أنفسهم قد يخطئون فى تقدير أطوار الشعوب و تقلبات الأمم و وضعها الموضع الصحيح من التاريخ، و ذلك حين يحكمون بالحوادث الفردية على الحياة الاجتماعية و يتخذون منها منطلقا يفرضون له النتائج و المقدمات؛ فإن كثيرا ممن ينتمون إلى الفرق الإسلامية كانت لهم فى حياتهم الشخصية نزوات و شذوذ، و كانت لهم آراء فى المعتقدات، لم يكتف المؤرخون بنقلها عنهم و لكنهم نسبوها إلى عقائد شيعتهم أو مذاهب فرقتهم، و بهذا أصبحت

8

تسمع أن فى الشيعة مثلا ما يربو على مئات النّحل و المذاهب فإذا حاولت أن تحصر هذه الطرق الكبيرة و المذاهب العديدة أعياك البحث عن أصولها و الوصول إلى فروعها كما يطالعنا بهذه الأمثلة العديدة صاحب الملل و النحل و صاحب الفرق بين الفرق و العلامة المقريزى.

و نعود إلى صلب الموضوع لنقول:

إن القرامطة و مذهبهم معروف كانوا ينتمون إلى الدعوة الهاشمية و يمتون إلى الدعاة بنسب عريق. و لكنهم ما لبثوا أن أوقدوا نار الحرب، و كان أول حطب لنارها هم الفاطميون أنفسهم. و كذلك بدأ الدروز مذهبهم فى ولاية الإمام الحاكم، و اتخذوا منه شخصية عظمى. و لعل كثيرين من مخترعى هذه الفرق إنما أنشئوها لما كانوا يعلمون من شرف أهل البيت، و أن الانتساب إليهم يبلغ بهم ذروة الشرف و الكرامة، فعمدوا إلى إنشاء تلك المذاهب، فى حين كان البعض الآخر يعمل على تأليف هذه الفرق لعلمه أن الانتساب المباشر إلى أهل البيت يجعلهم مستهدفين لسيف النقمة من خصوم الشيعة و لا ننسى أن حب الظهور و التغلب دفع بعض الأشرار إلى القيام فى فترات بثورات متقطعة كما يعلم ذلك من تتبع سير القرامطة.

إن للفاطميين خصوما، ما كانوا يستطيعون أن يدعوا هذه المدنية تزدهر أو تعيش غير ملوثة بالدماء. و إذا رجعنا بالقارى إلى العلل و الأسباب لم نجد فى الأمر ما يحمل على الاستغراب فإن الأمويين منذ اليوم الأول فى دولتهم كانوا حربا ضروسا على العلويين يقتلون فريقا و يحبسون فريقا، و يسدون منافذ الثروة على فريق ثالث. و كانوا يطلقون ألسنة الخطباء باللعن الجائر الجارح على أعواد المنابر و يشجعون الشعراء من المسلمين أو من النصارى على تمجيد بيت أمية و النيل من آل على بما لا تتسع له هذه العجالة. و لم يكن بنو العباس فى المشرق و لا بقية الأمويين فى الأندلس بأهون ظلما و لا أيسر إعناتا من هؤلاء. لذلك بقى أئمة الفاطميين و دعاتهم مطاردين فى كل مكان مأخوذة عليهم المسالك متقطعة بهم السبل و لم يكن إلى النجاة منفذ إلا الاستتار و الاختفاء.

مضت عليهم القرون الثلاثة الأولى، و هم معرضون لسيوف أعدائهم حتى إذا

9

قامت دولتهم، و ازدهرت بعد استتار إمامتهم بدأ أعداؤهم بسيوف المطاعن يشهرونها عليهم لتنفير المسلمين منهم، و أخذوا يحشدون الجموع و يؤلفون المحاضر، و مضوا يستكتبون و يستشهدون و يبثون العيون و الأرصاد يغرون الكتاب بتسوي سمعتهم عن طريق الاعتقاد، أو عن طريق النسب العلوى، إلا أن التاريخ الحق لم يفقد منصفين يذودون عن حقيقته و ينقذون الأجيال القادمة من خطأ الأجيال الماضية.

و نحن كما سنبين نرى خصما للفاطميين، لم تمنعه خصومته من بيان ما يراه وجه الصواب و فصل الخطاب. أما اليوم و قد تحررنا جميعا من أغلال السياسة الأموية و العباسية و الفاطمية فينبغى أن لا نأخذ أقوال المؤرخين قضية مسلمة منزهة عن المناقشة و البحث. كما ينبغى أن لا يحملنا احترام القدماء على تقديسهم و إلقاء و شاح العصمة على كتبهم التى ربما أصابها ألف تحريف و تغيير قبل أن تصل إلى أيدينا. و أقول نحن اليوم فى عصر تحررنا فيه من قيود الطبيعة نفسها و أصبحنا نسيرها و نسخر قواها بمشيئتنا فى البر و البحر و الهواء. فعلينا إذا و نحن بصدد الحديث عن الفاطميين أن نتناول البيان الموجز فيهم و فى نسبهم و فى أدبهم بما تعتقد ضمائرنا و يملى علينا بحثنا أنه الحق غير مبالين بغضب خصوم الفاطميين فى قبورهم و لا متأثرين بما تناقله بعض الكتاب المؤرخين تاركين الحكم بعد ذلك للقراء و الحكم الأخير للّه.

الإسماعيلية فى اليمن (1)

يعيش الإسماعيليون بمجموعات صغيرة مبعثرة فى اليمن و إن كان مركزهم الرئيسى بمقاطعة «نجران» التى كانت فى عهد خاتم الأنبياء محمد (ص) مركزا هامّا للمسيحية. و منذ سنة 1934 أصبحت هذه المقاطعة تابعة للمملكة السعودية الحجازية، و فى الشمال وادى «هبونة» مركز الداعى المطلق، و يسمى اليوم عادة داعى قبائل «يام» لأن قبائل «يام» أصبحوا اليوم حملة لواء الإسماعيلية الأساسية فى اليمن، و تشمل أيضا قبائل يام جماعات إسماعيلية أخرى و بالأخص القاطنين

____________

(1)

achronological list of the imams and dais of the mustalien ismailis( fyzee )( J. B. B. R. A. S. )and kleinere ismailitische schriften- von

R. strothmann.

10

جبال «حراز» التى هى على الطريق بين حديدة و صنعاء بعد اجتياز منطقة السهول عبر الهضاب التى تمتد إلى «حجيلة» البالغ ارتفاعها- 655 مترا- عن سطح البحر، و من هناك تتصل بالوادى الضيق «برور» حتى تصل إلى ارتفاع 1470 فى المنطقة الوعرة، و فى الجهة الشرقية الشمالية تعتبر مناطق «عثارة» الإسماعيلية حتى تصل إلى «مراغة» التى يبلغ ارتفاعها 2322 مترا عن سطح البحر، إن بعض هذه القبائل الإسماعيلية من حراز تخضع إلى قبائل بنى يام فى نجران الذين أبعدوا السادة الزيديين، و من الملاحظ أن توزيع القبائل الإسماعيلية فى أماكن استراتيجية هامة فى اليمن، ممتزجين مع الزيديين الذين يشكلون الأكثرية، جعلهم يلعبون دورا سياسيّا هامّا أثناء سيطرة القوى الأجنبية على اليمن و فى كل العصور و فى الجهة الشمالية الغربية من صنعاء و فى «ذى المرمر» المكان الّذي كان أكثر من مرة مركزا للداعى المطلق و خاصة فى القرنين الثامن و التاسع الهجريين، و فى المكان المعروف «بياسريم» جنوبى صنعاء يوجد عدد من الإسماعيلية، و هكذا يتجلى لنا بصورة قاطعة أن الإسماعيلية فى اليمن هى بقايا تنظيمات منتشرة فى كل مكان و قد كانت تدار من قبل زعماء لهم دراستهم الاجتماعية و السياسية و الثقافية و الروحية بدرجة ممتازة.

بلغ عدد الإسماعيلية فى اليمن ما يقارب المائة ألف، و فى نجران أى فى المملكة العربية السعودية يوجد ما يقارب السبعين ألفا، و جميعهم من الفرقة الإسماعيلية المستعلية (البهرة) (1) بفرعيها الداودية و السليمانية.

ساهمت اليمن بالتأسيس السياسى الأول للإسماعيلية و تابعت السير على المنهج الفاطمى بصورة مستقلة و ظلت هكذا حتى بعد سقوط الدولة الفاطمية بدرجة أن هذا القطر كان الموضع الأول لانتشار الدعوة الثقافية و المكان الّذي أنتج دعاة أوجدوا للمكتبة الإسماعيلية العامة أنفس المؤلفات و أقومها و لا يزال للآن هذا القطر يحتفظ بجماعات إسماعيلية لها مرونها الخاصة و تقاليدها العربية الإسلامية و ثقافها الفلسفية العريقة.

يعتبر عبد اللّه بن الحسين بن أحمد بن محمد بن زكريا الشيعى الكوفى و أخوه أبو العباس اللذان أدخلا الإمام «محمد المهدى باللّه» إلى «رقاده» و عملوا على نشر

____________

(1) معناه بالكوجراتية التجار.

11

المذهب الإسماعيلي فى إفريقيا الشمالية أول من أدخل التعاليم الإسماعيلية إلى اليمن، و جاء بعدهما «على بن الفضل» و «أبو القاسم بن زادان بن حوشب» (جعفر ابن منصور اليمن) و قد لعبا دورا هامّا فى اليمن و أسسا حكما كبيرا فكان على فى «برج مذيحرا» فى جنوب اليمن و جعفر فى قلعة «المصور» فى الشمال الغربى من صنعاء، غير أن عليّا بن الفضل انفصل عن سيادة الفاطميين فيما بعد، و أعلن استقلاله عنها، فمات مسموما سنة 309 ه، و جاء ابنه يحاول السير على خطاه، فأعدم مع أتباعه فى حصن «مذيحرا»؛ أما جعفر بن منصور فقد ظل أمينا و وفيّا للفاطميين، حتى أواخر حياته. و بعد ذلك توالت الأحداث على القطر اليمنى، فحكم الصليحيون، و بعد انقراض الدولة الفاطمية ظلت الإسماعيلية على ما هى عليه، جماعات قوية ذات معنوية مرهوبة الجانب إلى يومنا هذا.

ينحدر على بن محمد الصليحى و هو رأس أسرة الصليحيين من جبال حراز، و كان قد اعتنق العقيدة الإسماعيلية بواسطة «الأمير عبد اللّه الزواجى»، و بعد وفاته عين خلفا له، و أصبح المؤسس للدولة الإسماعيلية فى اليمن، و فى عام 455 هفتح الصليحى عاصمة اليمن صنعاء، و فرض سيادته على كافة إمارات اليمن و عشائرها، و من سنة 461 إلى 532 حكمت اليمن السيدة الحرة، زوجة و أرملة خلف المؤسس «أحمد المكرم» فكانت شبيهة بالملكة بلقيس، ملكة سبأ، أو بالسيدة ست الملك التى أنقذت المملكة الفاطمية بعد اختفاء الإمام الفاطمى الحاكم بأمر اللّه، برأيها السديد و ذكائها النادر، و قد ظل الانسجام قائما بين البلاط الفاطمى و اليمن حتى وفاة الإمام المستنصر باللّه الفاطمى، و بعد ذلك سار القطر بأجمعه بركاب الخليفة المستعلى و نجله الآمر بأحكام اللّه، حتى آخرهم العاضد، و مهما يكن من أمر فالإسماعيليون اليمانيون هم فى الحقيقة سند الفاطميين، و قد ظلوا محافظين على مجموعاتهم كشعوب قوية مرهوبة الجانب، لأنهم ظلوا دائما فى معزل عن العمليات الحربية و السياسية، و قد استقرت تنظيماتهم و سيادتهم فى عشيرة «يام» بصورة خاصة، و مما هو جدير بالتنويه أن داعى الدعاة المؤيد فى الدين هبة اللّه الشيرازى هو الأب الروحى لهذه المنظمة اليمينة، و لدعاتها الأفذاذ، و بالحقيقة فإن إقليم اليمن هو القطر الشرقى الوحيد الّذي كان محط أنظار الفاطميين و موضع اهتمامهم، هذا و يحدثنا

12

أكثر من مؤرخ أن الفاطميين الذين كانوا يطمعون ببلدة «سليمة» بسوريا فى القرن الهجرى الثانى و ما بعده، كانوا يطمعون فى إقامة دولتهم الفاطمية فى إقليم اليمن، و لكن أسبابا متعددة جعلتهم يتجهون إلى بلاد المغرب فيقيمون دولتهم فيها، بعد أن نشروا تعاليم دعوتهم فى اليمن و مهدوا كافة الصعوبات التى كانت تعترض سيرها.

و هذه البذور التى غرسوها لم تلبث أن نمت و ترعرعت ثم تطورت حتى وصلت إلى مصاف الدول الشرقية الكبرى، و فى عهد الخليفة الفاطمى الإمام المستنصر باللّه بلغت الذروة و استقرت فى الأوج و أصبحت ذات شأن كبير.

على بن محمد الوليد الأنف العبشمى القرشى:

هو والد الحسين مؤلف رسالة «المبدأ و المعاد» (1) كان يقيم فى منطقة «حراز» و هو داعى اليمن و صاحب لقب «الأنف» مات عام 612 هو من المحتمل أن يكون هو مؤلف نصوص الفنوص التى تسمى «تحفة الطالب و أمنية الباحث الراغب».

كان كاتبا عظيما غزير المادة و شاعرا من الملهمين تقلد مراسيم الدعوة فى بلاد اليمن و ما انضاف إليها بعد وفاة الداعى على بن حاتم الحامدى و ابنه الداعى على الرتبة السامية و اليد الطولى. جده بن أبى سلمة سفير على بن محمد الصليحى إلى الحضرة المستنصرية الشريفة. كان جده يلقب بالأنف لتقدمه على أضرابه تقدم المارن على الوجه. تحسنت الدعوة فى عصره و اتسقت أمورها و تحسنت أحوال أهلها و اجتمعت على تأييده و نصرة دعوته بعض الملوك و الزعماء فى همذان و غيرها و كان الداعى على بن حنظلة أبى سالم المحفوظي الوداعى الهمذانى من المعاضدين له. كانت وفاة الداعى على بن محمد بن الوليد القرشى فى شهر شعبان سنة 612 و كان عمره قد أوفى على التسعين أى أن ولادته كانت سنة 522 ه. مات و هو صحيح الحواس يؤلف الكتب و يقوم بالعبادة و يشتغل بالدرس و التدريس، و كان يذب عن حمى الدعوة بنشاط و يكافح عنها بقلمه و لسانه، و قد شارك الدعاة السابقين أمثال إبراهيم بن الحسين الحامدى و الشيخ محمد بن طاهر الحارثى و الداعى حاتم بن إبراهيم الحامدى فاضطلع بقسط وافر فى وضع الأسس للحركة العلمية داخل منطقة الدعوة.

____________

(1) حقق هذه الرسالة و نشرها الأستاذ عارف تامر ضمن كتاب ثلاث رسائل إسماعيلية- منشورات المعهد الفرنسى طهران- إيران.

13

أشهر مؤلفاته:

1- دامغة الباطل و حتف المناضل.

2- ضياء الألباب المحتوى على المسائل و الجواب.

3- الإيضاح و التبيين فى كيفية تسلسل ولادة الجسم و الدين.

4- جلال العقول.

5- مختصر الأصول.

6- ملهمة الأذهان و منبهة الوسنان.

7- رسالة فى معنى الاسم الأعظم.

8- لباب الفوائد و صفو العقائد فى علم المبدأ و المعاد.

9- مجالس الناس و البيان.

10- الديوان.

11- لب المعارف.

12- تاج العقائد و معدن الفوائد.

13- الإيضاح و التفسير فى معنى يوم النذير.

14- تاج الحقائق.

15- تحفة المرتاد و غصة الأضداد.

16- جلاء العقول و زبدة المحصول.

17- الرسالة المفيدة.

18- مجالس الفصح و البيان.

19- رسالة لب المعارف.

20- كتاب الذخيرة.

21- ملحقة الأذهان.

22- نظام الوجود فى ترتيب الحدود.

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

مدرسة الفاطميين الفكرية المغمورون فى التاريخ أبو يعقوب إسحاق السجستانى (1) السجزى

يعتبر «أبو يعقوب إسحاق السجستانى أو السجزى» فى طليعة العلماء الذين جاهدوا و عملوا و كرسوا أنفسهم لوضع قواعد فلسفة كونية عالمية قائمة على دعائم فكرية عقائدية و أسس علمية متينة و على ركائز ثابتة الأركان لا تتزعزع مهما طرأ عليها من أزمات. بل هو فى الواقع من الذين ضحوا بكل ما يملكون فى سبيل نشرها و تعميمها فى الأقطار الأخرى حتى اتهم أخيرا بالكفر و الإلحاد من الجمهور المحافظ، ثم قتل أخيرا فى سبيل عقيدته .. و إننا إذا ما أردنا بيان حياة هذا الفيلسوف الكبير نقول:

إنه لعب دورا هامّا فى ميدان الفلسفة، و أدى أجل الخدمات الفكرية فى المجال العلمى، و نذهب إلى أبعد من ذلك لنقول إنه عميد مدرسة الدعوة الإسماعيلية الفكرية فى القرن الثالث للهجرة و قد ظهر أثره الفكرى فى تلميذه (أحمد حميد الدين الكرمانى حجة العراقين) الّذي سار على منهاجه، و دعا إلى تعاليمه و الانتهال من فيض ينابيعه، و إذا علمنا أن الكرمانى درس الفلسفة على السجستانى أمكننا وضع السجستانى فى المرتبة الأولى بين المفكرين المسلمين و علماء فلاسفة العالم المشهورين.

عاصر الدعوة الإسماعيلية الباطنية فى عصر الظهور، أى إبان ازدهار الدولة الفاطمية و ظهورها كدولة إسلامية ذات كيان حضارى و علمى و اجتماعى و سياسى، و بالرغم من أنه عاش فى بلاد يتمذهب أهلها بمذهب يختلف عن مذهبه فقد كان مجبرا أن يتخذ «التقية» ستارا له و يحذر أشد الحذر فى حركاته و دعواته، و لهذا السبب جاءت حياته غامضة بعض الغموض. و قد لا نكون ملومين إذا كنا لم نستطع الوصول إلى معرفة سيرة حياته معرفة تامة أو نتصل بكل شيء عنها، و من جهة ثانية فإنه لم يصل إلينا الشيء الكثير عن الداعى الكبير النسفى غير ما ذكره المؤرخون عن

____________

(1) داعى دعاة الحاكم بأمر اللّه.

16

جهوده و اتصاله بنصر بن أحمد السامانى فى بلاد ما وراء النهر، إلى أن اعتنق السامانى الدعوة الإسماعيلية، كما أننا لا نعلم شيئا كثيرا عن أبى حاتم الرازى العالم اللغوى الأجل و صاحب أقوم سفر فى علم اللغة العربية و هو كتاب «الزينة»، و عن «حجة العراقين» أحمد حميد الدين الكرمانى بالرغم من وصول أكثر مؤلفاته و آثاره إلينا، و لو لم يكتب المؤيد فى الدين «هبة اللّه الشيرازى» صديق و مناظر «أبى العلاء المعرى» سيرته بيده لما تسنى لنا أن نعرف شيئا عنه، و هكذا نقول عن غموض حياة كبار رجال الدعوة الإسماعيلية و شيوخهم من الحجج و دعاة الجزائر فى سوريا و إيران و اليمن و غيرها، فإن حياتهم غامضة أشد الغموض. كما أن كتبهم التى دونوا فيها سير حياتهم قد فقدت و لم يبق لها أى أثر.

ينسب إلى «سجستان» و هى مقاطعة فى جنوب «خراسان» من أسرة فارسية قيل إنها أسرة بطل الفرس «رستم»؛ و هناك من يقول إنه من أصل عربى جاء جده من الكوفة و استوطن سجستان. يزعم بعض الباحثين الذين عالجوا فلسفته أنه مات سنة 331 ه، و لكن هذا الرأى لا يتفق و الواقع التاريخى؛ فالمعروف عن السجستانى أنه كان معلما للكرمانى و الكرمانى ظل حيّا حتى سنة 411 ه، إذن متى أخذ الكرمانى عنه علوم الدعوة الفلسفية؟ و هناك نص صريح فى كتاب «الافتخار» للسجستانى نفسه يذكر فيه أنه وضعه سنة 360 ه، و قد ورد ذكر كتاب الافتخار فى كتاب «الرياض» للكرمانى أى أنه كان داعيا فى مقاطعة «بخارى» بعهد خلافة الإمام المعز لدين اللّه الفاطمى؛ و معنى هذا أنه كان معاصرا للداعى الكبير «جعفر بن منصور اليمنى» و للفقيه العلامة «القاضى النعمان بن محمد ابن حيون المسربى التميمى» قاضى الدولة الفاطمية و لغيرهم من كبار المؤلفين و علماء الدعوة فى ذلك العصر الذهبى العلمى الزاهر، و ليس أدل على قيمة السجستانى العلمية من كتبه و مؤلفاته التى تركها بعده، و هى موضوعة باللغة العربية و قسم ضئيل منها وضعه باللغة الفارسية و قد ذكرها «إسماعيل بن عبد الرسول بن مطاخان الأيينى» المتوفى سنة 1182 فى المجموعة و فهرست الكتب و قد أشار إليها «البيرونى» فى كتبه كما ذكرها البغدادى فى كتابه «الفرق بين الفرق».

ترك السجستانى بعده كما قلنا مؤلفات علمية غزيرة تعتبر من أقوم ما كتب فى

17

الفلسفة و يبلغ عددها ما ينوف على الثلاثين، و لعل أشهر كتبه «إثبات النبوات» و «كشف المحجوب» (1) و «تحفة المستجيبين» (2) و «الينابيع» (3) و هذا الكتاب قسمه إلى أربعين ينبوعا فأصبح بعد هذا من الكتب التى قلما يوجد ما يفوقه عمقا و ترتيبا و يظهر أنه قد وضعه لطبقة خاصة من الدعاة و أصحاب المراتب العليا فى الدعوة، و إلى الذين وصلوا فى دراساتهم الفلسفية إلى الذروة، و أما سبب تقسيمه الكتاب إلى أربعين ينبوعا فيعود إلى رغبته فى جعل كل ينبوع بحد من الحدود الأربعين الذين يشكلون المجلس الأعلى للدعوة.

و من كتبه أيضا و قد أتى على ذكرها الرحالة الكبير و الشاعر الفارسى الشهير «ناصر خسرو» بكتابه زاد المسافرين (4):

أسس الدعوة، و تأويل الشرائع، و سوسن النعم أو سوسن البقاء، و الرسالة الباهرة، و كتاب الافتخار، و الموازين و هو مقسم إلى تسعة عشر ميزانا، و سلم النجاة، و النصرة، و قد وضعه فى الدفاع عن النخشبى لما هاجمه أبو حاتم الرازى، و عند ما جاء الكرمانى ألف كتابه الرياض و جعله لتقريب وجهات النظر و له كتاب: المقاليد فى معنى الأسر، و مسليات الأحزان، و أسرار المعاد، و المواعظ فى الأخلاق، و الغريب فى معنى الإكسير، و مؤنس القلوب، و تأليف الأرواح و الأمن من الحيرة، و خزائن الأدلة و البرهان.

و فى هذه السطور نوجز آراء السجستانى فى الإلهيات كما عبر عنها فى أكثر مؤلفاته فهو يعتقد: أن مبدع المبدعات خالق قديم و عال و عريق فى إيجاد الأولية، و أن عالم الموجودات و المبدعات محدث لأنه إذا كان غير محدث فيجب أن يكون شيء سابق له قد أحدثه، و لو كان العالم قديما قبل الخالق لاستحال تعلق جبروته بالقدم و وجوده بالعدم و لاقتضى موجدا أوجده و هو المتعالى عن درك الصفات فلا ينال بحس و لا يقع تحت نظر و لا تدركه الأبصار و لا ينعت بجنس و لا يخطر فى

____________

(1) حقق هذا الكتاب و نشره فى طهران المستشرق هنرى كوربان.

(2) حقق هذا الكتاب و نشره فى طهران المستشرق هنرى كوربان.

(3) حقق هذه الرسالة «عارف تامر» و ضمها إلى كتاب «خمس رسائل إسماعيلية».

(4) حقق هذا الكتاب «عارف تامر و المستشرق هنرى كوربان» و ضماه إلى كتاب «ثلاث رسائل إسماعيلية».

18

الظنون و لا تراه العيون و لا يوصف بالحواس و لا يدرك بالقياس و لا يشبه بالناس، فهو المنزه عن ضد مناف أو ند مكاف أو شبه شيء، تعالى عن شبه المحدودين و تحيرت الأوهام فى نعت جبروته، و قصرت الأفهام عن صفة ملكوته، وكلت الأبصار عن إدراك عظمته، ليس له مثل و لا شبه، و هو غير ذى ند و غير ذى ضد لأن الضد إنما يضاده مناف دل على هويته بخلقه و آثاره على أسمائه بأنبيائه، فليس للعقل فى نيل سمائه مجال أو تشبيه إذ أن تشبيه المبدع بمبدعه محال، فهو سبب كل موجود لأنه مبدع المبدعات و مخترع المخترعات و سبب كون الكائنات و رب كل شيء و خالقه و متممه و مبلغه إلى أفضل الأحوال، جل أن يحده تفكير أو يحيط به تقدير ليس له أسماء لأن الأسماء وضعت لموجوداته و لا صفات لأن الصفات من أيسياته، و إن حروف اللغة لا يمكن أن تؤدى إلى لفظ اسمه أو أن يطلق عليه شيء منها لأنها جميعا من مخترعاته، و إن كل الأسماء التى أبدعها جعلها أسماء لمبدعاته. فهو قديم و قبل الأزل و صاحب مصدر الأولية بالترتيب، لأن الحد الأول انبثق منه و الموجود الأول فاض عنه، و هو مبدع المبدعات و معل العلل و بارى البرايا و الدائم الموجود المعروف بفرديته و صمدانيته و صاحب فعل الإيجاد الأول للعدد الأول الّذي جعله أصلا للأعداد، كما أن العقل جعله أصلا للموجودات، و الناطق أصلا لعالم الدين و يضاف إلى كل هذا بأنه لا ينال بصفة من الصفات، و أنه ليس جسما و لا هو فى جسم و لا يعقل ذاته عاقل و لا يحس به حاس، و هو ليس بصورة و لا بمادة و لا يوجد فى اللغات ما يمكن الإعراب به عنه، و هو موجود لأنه لا يصح أن يكون غير موجود، و لا أن يكون موجودا من نوع الموجودات التى وجدت عنه، و أما الاستدلال عليه فيستخلص من وجود الموجودات الأخرى و ذلك بأن لا معلول بدون علة و لا موجود إلا بما يوجب وجوده، و أن الموجودات يستند بعضها إلى بعض فى وجوده، و أن بعض الّذي يستند إليه البعض الآخر أيضا من الموجودات غير ثابت فى الوجود و غير موجود.

و بعد ذلك ينتقل السجستانى إلى الموجودات بالتسلسل و الترتيب فيقول:

إن المبدع لم يوجد فى أول الحلقة غير العقل و حصر فى جوهره صور المبدعات كلها، و يضاف إلى العقل اسم «القلم» لأن بالقلم تظهر نقوش الخلقة منذ الابتداء

19

إلى الانتهاء، و يقال للعقل «العرش» أى أنه مقر لمن جلس عليه و بجلوسه عليه تعرف جلالته عن من هو منحط دونه، و يقال للعقل «الأول» و معناه الأولية التى ظهرت منها المخلوقات يعنى كل ما هو موجود و ما هو مطبوع عليه أسبوع لقبول آثار الحكمة قبل سائر الحدود لقربه منها و اتحاده بها و هى العلم و الأمر اللذان هما بمعنى واحد، و قد يجوز أن العقل فعله سبق قوته، و لم توجد هذه الفضيلة فى موجود سواه لأن جميع الحدود دونه قواتهم سابقة أفعالهم و هذه الفضيلة للعقل خاصة ليكون بها تامّا كاملا، و يقال للعقل القضاء على أن بالعقل تقضى النفس إدراك المعلومات و الظفر بالمطلوبات، و يجوز على أن العقل هو قضاء اللّه عز و جل بين خلقه، و يقال للعقل أيضا «الهيولى» فمعناه أن بالعقل قوام ما ينبجس من الصور، و يقال للعقل الشمس و معناه أن بالعقل تبصر الحقائق، ثم إن النفس و هى الخلق الثانى المنبجس من الخلق الأول و إنما سميت نفسا لأنها تتنفس دائما للاستفادة ليكون بتواتر نفسها قوام الحلقة، و يقال للنفس «اللوح» فمعناه أن الّذي انفطر من العقل من أنوار الحكمة ينسطر فى النفس، و من النفس يتصل بجريانها المنبعث منها على مقدار صفائها و لطافتها، و يقال للنفس الملك و معنى ذلك أن النفس هى ملك العقل، و قينه لأن بالنفس ظهرت فضيلة العقل كما أن بالملك تظهر فضيلة الملك، و يقال للنفس «التالى» فمعناه أن الّذي يتلو العقل فى باب قبول آثار الكلمة إنما هى النفس، و يجوز على أن النفس بقوتها تتلو العقل بفعله، و يقال للنفس «القدر» فمعناه أن الّذي يتحد بالنفس من فوائد العقل فإن التقدير و التحديد محيطان به، و يقال للنفس «الصورة» و معنى ذلك أن النفس تصورت من جوهر العقل و ضيائه و أنها متى همت أن تلحق به لتنزل منزلته محق نورها، كما أن القمر يستمد نوره من نور الشمس و إذا اجتمعا فى المنزلة محقت نوره، و يقال للعقل و النفس بكلمة واحدة «الأصلان».

هذه بعض آراء السجستانى الفلسفية فى الإلهيات عرضنا لها عرضا وجيزا و لعلها تعطى الدليل الواضح على اضطلاعه بالعلوم و عراقته بوضع النصوص بترتيب جذاب و تنسيق بديع. و كم هو حرى بالعلماء و رجال الفكر أن يتفرغوا لدراسة هذه الآثار المغمورة، و إظهار هذه الكنوز الفلسفية من كهف تقيتها بعد أن مرت عليها قرون و هى مدفونة فى طيات الأزمنة و كهوف الاستتار.

20

أحمد حميد الدين الكرمانى

شخصية علمية خارقة يكتنف تاريخ حياتها بالغموض، و فيلسوف كبير عاش فى عصر علمى زاهر، وداع جليل خط فى صفحات الفكر أقوم البحوث و أعمق السطور، و ترك للأجيال عددا من المؤلفات أقل ما يقال عنها إنها كنز و تراث خالد.

يضع دعاة اليمن و علماء الإسماعيلية أمام اسمه كلمة «سيدنا» مبالغة فى تكريمه، و تعظيما لمكانته و قدره، و يعتبره فلاسفة العالم الإسلامى أعظم عالم أنتجته المدرسة الفكرية الإسماعيلية فى عهد الدولة الفاطمية. أما كتابه «راحة العقل» (1) فهو من الكتب النادرة القيمة التى قلما يوجد بين كتب الفلاسفة المعاصرين أو الغابرين ما يعادله قوة و متانة و عمقا، لذلك كان طلبه قليلا و رواجه بطيئا محدودا و مقتصرا على طبقة خاصة من العلماء الأفذاذ و الفلاسفة المتبحرين.

ذكره الداعى الإسماعيلي و المؤرخ اليمنى الكبير إدريس عماد الدين فى كتابه «عيون الأخبار» فقال:

«هو أساس الدعوة التى عليه عمادها، و به علا و استقام منارها، و به استبانت المشكلات و انفرجت المعضلات».

و وصفه الداعى الإسماعيلي السورى نور الدين أحمد فى كتابه «فصول و أخبار» فقال:

«لو أن الدعوة الإسماعيلية لم تنتج غير الكرمانى لكفاها فخرا و مجدا و لكان ذلك كافيا».

ظهر أثره و عظم شأنه فى عهد الخليفة الفاطمى الحاكم بأمر اللّه، و كان لقبه المشهور «حجة العراقين» أى أنه كان مسئولا عن شئون الدعوة الثقافية فى فارس و العراق، و فى القاهرة كان مركزه كمقام «حجة جزيرة» فهو أحد الحجج الاثنى عشر

____________

(1) طبع بالقاهرة بتحقيق الدكتور مصطفى حلمى و الدكتور كامل حسين.

21

المكلفين بإدارة شئون الدعوة الإمامية الإذاعية الفكرية فى العالم، ثم إنه استخدم بعد ذلك كرئيس لدار الحكمة فى القاهرة، و هى المؤسسة الثقافية التى نستطيع أن نقول إنها أول جامعة أنشئت فى العالم.

وفد على القاهرة سنة 408 هبناء على طلب الصادق المأمون «أختكين الضيف» داعى دعاة الدولة الفاطمية فى عهد الحاكم بأمر اللّه عند ما حمى و طيس المعارك الدينية و قامت الدعوات الجديدة و راج سوق البدع التى كانت تهدف إلى الغلو فى القول بألوهية الحاكم بأمر اللّه، فألقى الدروس و المحاضرات فى دار الحكمة و قاوم الدعوات الجديدة التى تتنافى و مبادئ الفاطميين الأساسية، و وضع كثيرا من البحوث و الكتب أشهرها «الرسالة الواعظة» فى الرد على الحسن الفرغانى القائل بتأليه الحاكم بأمر اللّه، و رسالة «البشارات» و المصابيح .. و قد تمكن فيهما من إثبات الإمامة كواقع كونى لا بد منه، و ذلك ببراهين معقولة و حجج دامغة جاءت زاخرة بالتعابير العبرية و السريانية و الفارسية مأخوذة من كتب الأنبياء النطقاء السماوية، ثم إنه اتخذ الآراء الأفلاطونية أساسا لبحوثه فذكرها بمهارة لم يسبقه إليها أحد، و قد جاءت جميعها كدعوة عامة لتوطيد النظام الفكرى الفلسفى و رفع مستواه، و محو أى أثر للشك و الجدل و الارتياب و النقاش.

و مهما يكن من أمر ففى هذا البحث الوجيز لن أحاول تقديم الفيلسوف الكرمانى كداع من دعاة الإسماعيلية الذين لعبوا دورا هامّا فى مجال الفكر على عهد الخليفة الفاطمى الحاكم بأمر اللّه، أو من الفلاسفة الذين خدموا الدعوة الفاطمية خدمات فكرية جلى، بل أقدمه كفيلسوف من فلاسفة العالم صال وجال على مسرح الفلسفة الكونية و عمل كل ما فى وسعه لإيجاد مدرسة فلسفية ترتكز على أسس عقلية جديدة بالنسبة لعصره، و على نظريات وحدة الوجود التى يقول فيها المعلم الثانى و الشيخ الرئيس ابن سينا مع توسع بالشرح و خروج عن المنهاج العام الموضوع لدعاة الإسماعيلية و من قد سبقوه أو عاصروه و هم الذين كانوا مجبرين على السير وفق قواعد عامة مدروسة لا يمكن تخطيها أو اجتياز حدودها. و من الرجوع إلى مؤلفات الكرمانى و التمعن فى قراءاتها، و تحليل ما فيها نراه قد اعتنق النظرية القائلة بأن بين الموجودات تضادّا و تنافرا و أنها محاولة من جانب بعضها لمحو البعض الآخر، و أن هذه

22

الموجودات موجودة بالرغم من هذا التنافر و هذا التضاد كما أنه لا يفقد شيء منها بوجود ضد و إنما هى كلها تحت الوجود محفوظة، و كل هذا مطابق لنظرية المعلم الثانى بالإبداع التى يقول فيها: «حفظ إدامة غير ذات المبدع» (1) و يقول ابن سينا فى سياق الكلام عن الممكن و الواجب بغيره من الموجودات حديثا يتبين من خلاله معنى دوام الوجود على الموجودات و ذلك بقوله: «أما كون المعلول ممكن الوجود فى نفسه واجب الوجود لغيره فليس يناقض كونه دائم الوجود بغيره» (2). و يكاد يقرب ما يذهب إليه الفلاسفة الثلاثة المعلم الثانى و الشيخ الرئيس و حجة العراقين فى هذا الصدد ما ذهب إليه فى العصر الحديث الفيلسوف العالمى ديكارت الّذي يقول: «إذ يوجد من الفعل الّذي يحفظ اللّه به العالم و بين الفعل الّذي خلق به»، و ذلك فيما يعرف فى فلسفته باسم نظرية «الخلق المستمر» (3). و الحقيقة فإن الكرمانى قد شارك الفلاسفة المسلمين و تأثر بالبعض منهم و خاصة القائلين بالفلسفة اليونانية و امتاز عنهم بأنه عند ما عرض هذه الفلسفة اتسمت بحوثه بسمات الجدة و الطرافة و الابتكار و كان أسبق إلى الجديد من الفلاسفة الأوربيين المعاصرين و الشرقيين الغابرين، و عليه بالإمكان القول بأن الكرمانى ترك مؤلفات و أنتج أفكارا يجب ألا ينظر إليها بوصفها آراء الإسماعيلية الفكرية فحسب بل آراء فلسفة إسلامية عامة ذات مستوى رفيع تبحث فى جوهر الأشياء و النواحي العقلية بشكل ثابت متقن متين تتجلى فيها العبقرية و النبوغ.

أجل .. قال الكرمانى بالنظم الأفلاطونية الحديثة، و بذل جميع جهوده فى سبيل تطبيق بعض موادها بأسلوبه الفلسفى الكلامى الجذاب. و عمل على إثبات أمر النبوة و الإمامة من الوجهتين الفلسفية و الدينية، و فى هذا نستطيع أن نقرنه بحجة الإسلام الغزالى فى استخدامه نظم الفلاسفة لتأييد التصوف و الباطن، و قد أيد النظرية القائلة بمبدإ التمسك بظاهر الشريعة تمسكا يؤدى إلى العبادة العلمية، و اقتصار هذه العبادة التى يدخل فى ضمنها التأويل و الكلام الفلسفى على الحدود و المأذونين الذين و صلوا إلى مستوى عال فى الفلسفة و العلوم، و كل هذه الظواهر نجدها إذا أمعنا النظر

____________

(1) الفارابى- عيون المسائل. ص 6.

(2) ابن سينا- الإشارات. ص 240.

(3) ديكارت: مقال عن المنهج- القسم الخامس، و مبادي الفلسفة- فقرة 21.

23

فى «الرسالة الوضيئة» و فى «راحة العقل»، مضافا إلى ذلك أن للكرمانى فضلا كبيرا فى تطور النظام الفكرى، و التوسع فى الكلام النظرى الخاص مع إضافة عناصر جديدة، و توسيع لبعض الموضوعات و وضع القواعد الأساسية للتفسير، و منع التناقض و التشابه و خاصة بموضوع «الإمامة» التى كانت تدور حولها آراء و نظريات غير مستقرة و لا ثابتة، و لهذا فإن كتابه «راحة العقل» قد حدد قواعدها و أصولها و مراتبها و مركزها، و وضع لها القواعد و الأسس و النظم و الترتيب. و هذا الكتاب بالنسبة للفلسفة الإسماعيلية، ككتاب «إحياء علوم الدين» لدى الغزالى الّذي قرر و حدد الأسس و الأصول للتصوف الإسلامى.

لقد كان الكرمانى مبرزا فى مذهب الدعوة للوجود و فى نفى الأيسية و الليسية و الصفات عن اللّه نفيا مطلقا، و مذهب الدعوة فى التوحيد، و مذهب الدعوة فى الأصلين الإبداع و الانبعاث و الغلو الإمامي و الأفضلية بين الإمامة و النبوة، و كل هذا بأسلوب منطقى علمى بحت، و لم يقف عند هذا الحد بل جمع لأول مرة الأصلين الأولين، العقل الفعال و النفس الكلية، مع بيان العقول العشرة الأفلاطونية التى أيدها المعلم الثانى و قد قابل و طابق بين عالم الإبداع (و هو عالم العقول، أو النفوس الروحانى) و بين العالم الجرمانى (و هو عالم الأفلاك و الكواكب) و بين العالم الجسمانى (و هو ما دون فلك القمر)، و بين عالم الدين (و هو معرفة مراتب حدود الدين) ثم رسم لها المخططات الجغرافية و الفلكية و الأرضية و الجسدية التى جاءت غاية فى الفن و الإبداع و دلت على براعة فى التعبير، و علو كعب فى الفلسفة.

و من الرجوع إلى «راحة العقل» و استعراض ما جاء فيه، نراه قد زخر بتعابير و أدلة عن إبطال الأيسية عن اللّه، و نفى الصفات الإلهية، و مما قاله و أيده قوله إن اللّه تعالى لا ينال بصفة من الصفات، و أن ليس جسما و لا هو فى جسم، و أنه لا يعقل ذاته عاقل، و لا يحس به محس، و أنه ليس بصورة أو مادة و لا ضد له و لا مثل و لا يوجد فى اللغات ما يمكن الإعراب عنه كما أنه ليس له رتبة فى الموجودات.

و هذا يدل على ما كان يمتاز به من إلمام واسع بأنواع العلوم لا سيما العقلية منها، و فى هذا يوافق المعتزلة و المتكلمة و يتفق مع ابن رشد كما أنه فى موضوع إيجاد «العلية» عن وجود اللّه نراه يتفق مع ديكارت، و إن كانا يختلفان بإيراد التفاصيل و طريقة

24

التعبير، و كل هذا بالإضافة إلى بعض البحوث نراه يضمن حلوله و أفكاره بعض آراء الفلاسفة المتقدمين عليه و المعاصرين له كأفلاطون و أرسطو و الكندى و الفارابى و ابن سينا. هذا و نلاحظ من الرجوع إلى ما كتبه الباقلانى و البغدادى و الغزالى أنهم قرروا أن الإسماعيلية بنفيهم الصفات يعتبرون «معطلة»، و لكن الكرمانى دفع هذه التهمة و قال إن التعطيل الصريح إنما يكون بأن يتوجه فعل حرف النفى «لا» نحو «الهوية» قصدا، كأن يقال مثلا «لا هو» و «لا إله» و ليس هذا مما تقول به الإسماعيلية، إذ أن النفى عندهم هو نفى الصفات وحدها، و توجيه فعل حرف النفى «لا» إنما ينصب أمرهم على الصفات من دون الهوية. و مهما يكن من أمر فإن الكرمانى قد وجه عناية خاصة فى كتابه «الرياض» إلى الحكم بين فيلسوفين هما أبو حاتم الرازى فى كتابه «الإصلاح» و أبو يعقوب السجستانى فى كتابه «النصرة» و ذلك بسبب تنازعها فى آراء فلسفية و ردت فى كتاب «المحصول» للنسفى، كما نراه من جهة أخرى يتوجه بكتابه «الأقوال الذهبية» إلى ما أهمله الداعى أبو حاتم الرازى فى مناظرته للفيلسوف محمد بن زكريا الرازى فيما يتعلق فى النبوة فيعلن رأيه الجريء بكتاب «الأقوال الذهبية فى الطب النفسانى» لمحمد بن زكريا الرازى. أما فى كتابه «راحة العقل» فقد خالف جميع الفلاسفة و الأدباء و المؤرخين و العلماء و بدلا من أن يقسم كتابه إلى فصول و أبواب و أقسام كما فعل غيره من رجال الفكر و المؤلفين، نراه قد شبه كتابه بمدينة محاطة بسبعة أسوار على كل داخل إليها أن يجتاز الأسوار السبعة، و لكى يجتاز الأسوار السبعة عليه أن يواجه سبعة مشارع متفرعة عن كل سور، إلا السور السابع و الأخير المحيط بالمدينة فهذا له أربعة عشر سورا، و إذا كنا هنا لا نتطرق إلى شرح ما قصده الكرمانى من أسواره و مشارعه مخافة التطويل، فإن هذا لا يمنعنا من القول و الاعتراف بعلو باعه فى الفلسفة، و قوة تفكيره و فهمه العميق لجوهر الأشياء.

للكرمانى عدد من المؤلفات نشر البعض منها و أهمها: الرسالة الدرية (1)، رسالة النظم، الرسالة الوضيئة، الرسالة المضيئة، الرسالة اللازمة، الرسالة الحاوية، الرسالة الواعظة، الرسالة الكافية، تنبيه الهادى و المستهدى، معاصم الهدى،

____________

(1) تحقيق الدكتور محمد كامل حسين.

25

الأقوال الذهبية، فصل الخطاب و إنابة الحق المتجلى عن الارتياب، الرياض، رسالة المعاد، رسالة الفهرست، المقادير و الحقائق، رسالة التوحيد فى المعاد، تاج العقول، ميزان العقل، كتاب النقد و الإلزام، الكيل النفسى، كتاب المقاييس، المجالس البغدادية و البصرية، رسالة الشعرى فى الخواص، راحة العقل (1)، رسالة أسبوع دور الستر (2).

و أخيرا فإن الكرمانى من الفلاسفة المغمورين فى عالمنا الفلسفى، و فى الواقع فإن دراسة مؤلفاته و إنتاجه من الأهمية بمكان و هى تعطى صورة واضحة عن أثر الفلاسفة فى تاريخ الفكر بالنسبة للمهتمين بالدراسات الشرقية و الفلسفة الإسلامية.

تعليقات فاطمية:

إن صفحات التاريخ لتدل على اهتمام المسلمين حكومة و شعبا بالمكتبات التى أسست قوائمها فى مختلف العهود التاريخية الإسلامية، و كيف كان ارتقاؤها فيما بعد، و كيف كان انحطاطها فيما بعد.

اهتم الإسلام بالمكتبات دائما اهتماما كليّا، و التاريخ يشهد أن أعظم خزائن الكتب فى الإسلام ثلاث خزائن: أولاها خزانة الأمويين بالأندلس، ثانيتها خزانة العباسيين ببغداد، ثالثتها خزانة الفاطميين بالقاهرة، فهذه الخزائن فى الإسلام عديمة المثال، لا نجد واحدة من الخزائن تفوق على بهاء هذه الخزائن و بهجتها، و كانت أعلامها مترفرفة فى جميع البلاد الإسلامية و كانت أصولها ثابتة و قوانينها مضبوطة، لا سيما أن الخلفاء كانوا يشتاقون و يهيمون بنشر الثقافة، فكانوا يؤسسون مراكز و مكتبات لكى يعم ضياء التعليم فتمحى آثار الجهالة عن قلوب الناس.

و مما لا شك فيه أن العصر الفاطمى كان أشهر العصور الإسلامية فيما يتعلق بنشر الثقافة الإسلامية و العربية و العلوم الأخرى و تأسيس المعاهد التعليمية فى مختلف أرجاء الدولة الفاطمية، و لقد أقاموا مكتبات كثيرة تمد المراكز الكبيرة كانت تجمع فيها خزائن الكتب الحجة، فهذه الكتب لا تتعلق بالمذهب الفاطمى فحسب بل تتعلق بالعلوم المتفرقة المتنوعة من الفلسفة و النجوم و الهندسة و المنطق و الرياضيات

____________

(1) تحقيق الدكتور مصطفى حلمى و محمد كامل حسين.

(2) تحقيق عارف تامر.

26

و الطبيعيات و الإلهيات، فهذه العلوم كلها كانت مطوية فى مكتبات الفاطميين.

و لا غرو فإن جميع المكتبات المختلفة كانت لها أهمية خطيرة، و لكن مكتبة الفاطميين فى مصر رجحت فى المقابلة المكتبة الإسبانية.

بلغت الثقافة فى عصر المعز الفاطمى أعلى مبلغها و لا سيما فى الثقافة التى تتصل بالدعوة الإسلامية كالفلسفة و التفسير، و نبغ فى عهده علماء أفذاذ و شعراء و أدباء و شارك المعز الفاطمى فى هذه النهضة العلمية بحظ أوفر و نصيب أكثر.

و لا غرو فقد ازدهرت العلوم الإسلامية فى القرن الرابع الهجرى و رفع البويهيون و الحمدانيون لواءها فى الشرق كما ساهم الأمويون بالأندلس فى هذه النهضة.

و لم يكن الفاطميون أقل شأنا فى هذا السبيل، فقد اشتهر المنصور الفاطمى بسعة الاطلاع، و لم تشغله مهمة الخلافة عن البحث و التأليف بل إنه كثيرا ما كان يحث ابنه المعز أن يتوافر على الدرس و يؤلف الكتب، و كانت مكتبة المعز بالمنصورية ثم بالقاهرة زاخرة بالكتب و بما تحويه من المعلومات العامة، و كانت هذه الخزانة الفاطمية ثالثة الخزائن فى الإسلام التى اشتهرت بعظمتها و جلالها و كثرة كتبها.

كذلك لم يكن الوزراء الفاطميون أقل حماسة فى اقتناء الكتب و الحصول عليها من الخلفاء و زملائهم فى ديار أخرى فقد كان الوزير يعقوب بن كلس يبحث عن العلم و يجمع بداره العلماء كما تقدم. و كان فى داره قوم ينسخون القرآن الكريم و آخرون ينسخون كتب الحديث و الفقه و الأدب و الطب، ثم يقارنونها و يشكلونها و ينقطونها، و قد خلّف برجوان أستاذ الحاكم من الكتب ما لا حصر له، كما كان للمشير بن فاتك- و هو من أمراء مصر- خزائن عظيمة.

و كانت هذه الخزانة الفاطمية ثالثة الخزائن فى الإسلام التى اشتهرت بعظمتها و جلالها و كثرة كتبها و أهميتها الكبرى.

أما أولى هذه الخزائن فهو بيت الحكمة العباسى ببغداد، و قد أسسه هارون الرشيد (170- 193 ه) و جمع من الكتب ما لا يحصى كثرة، و لم يزل على ذلك إلى أن استولى المغول على بغداد سنة 656 هفذهبت هذه الخزائن العباسية فيما ذهب و ذهبت معالمها و عفت آثارها.

أما الخزانة الثانية فهى خزانة خلفاء بنى أمية بالأندلس، و كان منشئها الخليفة

27

الحكم المستنصر ابن عبد الرحمن الناصر سنة 350- 366 ه، فقد كان محبّا للعلم، جماعا للكتب من أنحاء العالم، فكان يبعث فى شرائها رجالا من التجار و معهم الأموال و يحضهم على البذل فى سبيلها لينافس بنى العباس فى اقتناء الكتب و تقريب العلماء و الكتاب إليه و قد اجتمع له من الكتب عدد عظيم، فكان مجموع ما حوته تلك المكتبة أربعمائة ألف مجلد.

على أن هاتين الخزانتين لم تصلا فى عظمتهما و جلالهما إلى مبلغ ما وصلت إليه خزانة الفاطميين، و قد وصفها المقريزى بأنها كانت من عجائب الدنيا، و أنه لم يكن فى جميع بلاد الإسلام دار كتب أعظم منها، و أنها اشتملت على مليون و ستمائة ألف كتاب، و كان فيها من المخطوط أشياء كثيرة.

على أنه مما يدعو إلى الأسف حقّا أن تتلاشى أغلب هذه المجلدات التى امتلأت بها خزائن القصور الفاطمية الزاهرة فى غضون الشدة العظمى التى حاقت بالبلاد سنين طويلة فى عهد المستنصر الفاطمى، فقد نزع من هذه المكتبة ما يقرب من ألفين و أربعمائة ختمة مكتوب عليها بماء الذهب و الفضة، أخذها الأتراك لهم من الأرزاق.

هذا بالإضافة إلى ما ذهب إليه المقريزى من أن عددا غير قليل من الكتب الجليلة قد اتخذ بعض العبيد و الإماء من جلودها نعالا و أحذية. ثم أحرقوا أوراقها زعما منهم أنها تحوى كلام المشارقة الّذي خالف مذهبهم و أن عددا آخر كبيرا من الكتب أغرق و أتلف، و ما بقى أتت عليه الرياح و التراب فصار تلالا عرفت «بتلال الكتب» بالقاهرة.

و لكن رغم هذه المحنة التى حاقت بكثير من الكتب الفاطمية، فإن الفاطميين سرعان ما عوضوا عما فقدوه منها، و استطاعوا أن يكونوا لهم خزانة عظيمة فى عصر العاضد الفاطمى آخر خلفائهم (1)، و قد بيعت هذه الكتب التى غصت بها خزانة الفاطميين عند ما استولى صلاح الدين الأيوبى على القصور الفاطمية الزاهرة، و استغرق فى بيعها عدة أعوام، و إن دل هذا على شيء فإنما يدل على كثرتها و غزارتها.

____________

(1) يعد العاضد من غاصبى الخلافة الفاطمية (محقق).

28

و استطاع الفاطميون لعنايتهم بها و حرصهم على اقتناء المجلدات النادرة أن يبذوا غيرهم من أصحاب المكاتب فى البلدان الإسلامية الأخرى، بيد أننا نأسف لضياع بعض هذه المجاميع القيمة من الكتب النادرة فى الشدة العظمى و ضياع الجانب الآخر.

و كذلك أتلفت المكتبات الكثيرة و أحرقت، كما أن «هلاكو» فى سنة 656 هأباد المكتبة التى بناها السيد مرتضى ببغداد، و أغرقت تلك الكتب التى حوتها بغداد فى نهر دجلة، و بلغ عددها ستمائة ألف كتاب.

و قيل إنه استعمل مكان تلك الكتب للتبن و بنى بها إصطبل الخيول. و روى المؤرخ الهندى الشهير شبلى النعمانى أن بعض المؤرخين فى بغداد يقول إن التتار أغرقوا تلك الكتب حتى اسود ماء نهر دجلة بمداد تلك الكتب، و ما اعتدوا على المكتبات البغدادية فقط بل تعدوها إلى تركستان و ما وراء النهر و خراسان و بلاد جبل فارس و العراق و الشام، و أبادوا الأعلام الإسلامية العلمية من المكتبات.

و فى سنة 502 هاحتل المسيحيون طرابلس الشام فأحرقوا جميع مكتباتها و لا سيما مكتبات الشام و مصر و أسبانيا، و ممالك إسلامية فى الحرب الصليبية.

أحرقت مكتبة طرابلس الشام بأمر «الكونت برى سينت جيل» و كانت المكتبة تحوى أكثر من ثلاث مائة ألف كتاب.

كذلك أحرق «كاردنل دى ميش» ثمانين ألف كتاب فى يوم واحد.

و كذلك بنى القاضى (ابن عمار المكتبة العالية) فى طرابلس الشام و اشتملت تلك المكتبة على مائة ألف كتاب، لكن أحرقت تلك المكتبة فى الحرب الصليبية.

كذلك أحرقت المكتبة العمومية فى بغداد فى محل كرخ أقامها أبو نصر وزير بهاء الدولة سنة 381 هو اشتملت تلك المكتبة على عشرة آلاف كتاب يقول ياقوت الحموى: «رأيت جميع المكتبات الإسلامية و لكن ما رأيت أحسن منها». و ذكر المؤرخون هذه المكتبة «بدار العلم» لكن أحرقت بأمر القائد طغرل بيك السلجوقى حين قدومه فى بغداد.

نتأسف أشد الأسف على ضياع تلك المكتبات الإسلامية، فأى شيء دعا المفسدين إلى إحراق تلك المكتبات العظيمة القدر، و ما أحرقت تلك المكتبات بل

29

أحرقت قلوب المؤرخين المصنفين المشهورين، إذ تركوا قلوبهم منطوية فى غضون أوراق تلك الكتب، فلولا أن أحرقت تلك المكتبات لكانت لنا ثروة إسلامية و أى ثروة (1).

و بعد. فقد أوضحت فى هذه المقدمة شيئا عن تاريخ الفاطميين و مدرستهم الفكرية لتكون تتمة لمقدمة الجزء الأول، و بذا- يكون حسب تقديرى- لدى القارئ صورة واضحة عنهم تبين أسباب الخصب الفكرى لديهم و تبرز الخطوط الأساسية لآرائهم.

فحمدا للّه و شكرا.

محمد حسن الأعظمى

____________

(1) انظر للتفصيل تأليفى: عبقرية الفاطميين.

30

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

31

الجزء السابع من كتاب تربية المؤمنين بالتوفيق على حدود باطن علم الدين من تأويل كتاب الدعائم

32

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

33

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

المجلس الأول من الجزء السابع:

الحمد للّه العالم بما كان و ما يكون. و بما لم يكن إذا كان كيف يكون. وَ مٰا تَسْقُطُ- كما قال جل و عز- مِنْ وَرَقَةٍ إِلّٰا يَعْلَمُهٰا وَ لٰا حَبَّةٍ فِي ظُلُمٰاتِ الْأَرْضِ وَ لٰا رَطْبٍ وَ لٰا يٰابِسٍ إِلّٰا فِي كِتٰابٍ مُبِينٍ (1). و صلى اللّه على محمد خاتم النبيين. و على وحيه الصادق الأمين، و على الأئمة من ذريته الطاهرين. ثم إن الّذي يتلو ما تقدم من القول فى تأويل الصلاة و ما جاء من حدودها على التمام من كتاب دعائم الإسلام ما جاء نسقا فيه على ذلك.

من ذكر الجنائز:

فجملة القول فيه و أصله الّذي تفرعت منه فروعه ما نحن ذاكروه قبل بيان الفروع التى تفرعت منه و مبينوه. لتصح الفروع عليه إن شاء اللّه، فالجنائز: جمع جنازة بفتح الجيم هاهنا، و الجنازة بفتح الجيم هو الميت نفسه أخذ ذلك من أن الجنازة فى اللغة ما ثقل على القوم و اغتموا به فأخذ ذلك من هذا. لأن الميت يثقل أمره على أهله و يغتمون به. و الجنازة بكسر الجيم هو سرير الميت الّذي يحمل عليه. و العرب تسميه الشرجع. و الشرجع الّذي هو سرير الموتى لا يكون إلا لهم. فهذا تأويل الجنازة و جمعها جنائز بفتح الجيم و كسرها فى ظاهر اللغة. و قد يكون الجنازة الّذي هو الميت يسمى باسم السرير الّذي يحمل عليه و السرير باسمه، كما تسمى العرب الشيء باسم الشيء إذا صحبه و لاءمه. كما سموا المزادة راوية باسم الجمل الّذي يحملها. و هذا هو كله كناية عن الميت، و الميت ضد الحى. و كذلك الموت ضد الحياة، إلا أن الميت على حالين و كذلك الموت. فالإنسان و جميع الحيوان قبل الخلق فى حد الموت و هم أموات و عدم لا يذكرون، و لا يقع عليهم أسماء و لا يعرفون، كما قال اللّه أصدق القائلين: «هَلْ أَتىٰ عَلَى الْإِنْسٰانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً

____________

(1) سورة الأنعام: 59.

34

مَذْكُوراً» (1)، و قال: «وَ كُنْتُمْ أَمْوٰاتاً فَأَحْيٰاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ» (2). و قال: «الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَيٰاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا» (3)، و كل شيء لا روح فيه و لا نموّ له فهو موات و ميت، و كل ما كان له روح و نمو فهو حيوان وحى، فهذا ظاهر الحياة و الموت و الحيوان و الموات، و باطن ذلك و تأويله ما قد تقدم ذكره أن مثل الموت الّذي هذه صفته مثل الكفر. و الضلال و ما جرى مجرى ذلك. و مثل الميت و الموات مثل الكافر و الضال لأن الروح مثله مثل الإيمان، فما لا روح فيه فهو ميت و من لا إيمان له فهو كذلك ميت، و من ذلك قول اللّه جل و عز: «أَ وَ مَنْ كٰانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنٰاهُ وَ جَعَلْنٰا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النّٰاسِ»، و قال فى الكفار: «أَمْوٰاتٌ غَيْرُ أَحْيٰاءٍ»، و قال: «وَ مٰا يَسْتَوِي الْأَحْيٰاءُ وَ لَا الْأَمْوٰاتُ»، فهذا الموت هو الموت المذموم، فى الظاهر و الباطن. و الموت الثانى الّذي يكون فى الظاهر بعد الحياة ليس بمذموم ظاهره، و لا باطنه، و ما لم يكن ظاهره مذموما، فكذلك لا يكون باطنه مذموما، و الموت بعد الحياة قد أصاب- و يصيب- أولياء اللّه، و قد قال اللّه جل و عز لمحمد نبيه (صلى اللّه عليه و على آله): «إِنَّكَ مَيِّتٌ وَ إِنَّهُمْ مَيِّتُونَ» (4)، و مات (صلى اللّه عليه و على آله)، و من مضى قبله من النبيين. و مات من بعده، و يموت كذلك أولياء اللّه، و جميع عباده، و لا يبقى إلا هو الواحد الّذي لا شيء مثله البائن بالبقاء عن جميع خلقه، و قد جاء عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و على آله) أنه قال: «الموت ريحانة المؤمن»، و ذكر من فضله ما سنذكر منه ما جاء فى كتاب الدعائم إن شاء اللّه مما يصحح و يؤكد ما ذكرناه من أنه محمود غير مذموم، و الموت للأحياء سبب النقلة عن دار الدنيا إلى دار الآخرة، و الآخرة أفضل منزلة و دارا من الدنيا، و إن كان من ينقل إليها منهم كما قال اللّه عز و جل شقيّا، و سعيدا، فالسعيد ينقل إلى السعادة، و الكرامة و الثواب. و الشقى ينقل إلى الشقاء. و الهوان، و العذاب. على هذا سبيل الموت الظاهر، فى الأمر الظاهر. و باطن هذا الموت، و تأويله انتقال الأحياء بالحقيقة الذين هم أهل الإيمان، عن حال فيه إلى حال و من درجة إلى درجة

____________

(1) سورة الإنسان: 1.

(2) سورة البقرة: 28.

(3) سورة الملك: 2.

(4) سورة الزمر: 30.

35

بين مرفوع، فى ذلك، و بين محفوض على قدر ما توجبه أعمالهم، و يحقه لهم استحقاقهم، فمثل المنقول منهم، فى الباطن من حال إلى حال مثل المنقول بالموت، فى الظاهر من دار إلى دار، و قد جاء عن أمير المؤمنين، (صلوات اللّه عليه)، أنه سميع رجلا يقول الحمد للّه الّذي خلقنا للفناء، فقال له على (عليه السلام): بل للبقاء خلقتم، و لكنكم من دار إلى دار تنقلون كذلك ينقل المؤمنون من حال إلى حال، و يرتقون من درجة إلى درجة، و قال اللّه جل و عز: «لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ» (1)، كذلك نقلوا فى ظاهر الخلق حالا عن حال و كذلك ينقلون، فى باطنه الّذي هو الخلق الآخر. و النشأة الثانية كما قال اللّه سبحانه، و ذكر خلق الإنسان حتى أكمله ثم قال:

«ثُمَّ أَنْشَأْنٰاهُ خَلْقاً آخَرَ، فَتَبٰارَكَ اللّٰهُ أَحْسَنُ الْخٰالِقِينَ، ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذٰلِكَ لَمَيِّتُونَ»؛ فهذه جملة من القول، فى تأويل الموت قدمناها قبل ذكر ما جاء، فى كتاب الدعائم الّذي قصدنا إلى تأويل ما فيه من ذكر الموت، و الميت و ما يصنع به، فى ظاهر أمره، و نحن نذكر ذلك. و تأويله، فى الباطن إن شاء اللّه، فالذى جاء فى ابتداء كتاب الجنائز، من الدعائم.

ذكر العلل و العيادات و الاحتضار:

فالعلة فى الظاهر هى سبب الموت الظاهر الّذي به تكون النقلة من دار إلى دار (2)، و العلة فى الباطن هى العلة و السبب الّذي يوجب نقلة المؤمن من حال إلى حال، و العيادة، فى الظاهر افتقاد العليل و تعرف أحواله، و العيادة، فى الباطن افتقاد أحوال من يراد نقلته من المؤمنين، عن حال إلى حال و عن درجة إلى درجة ليوقف على حقيقة حاله، و ما ينبغى أن ينقل إليه، و إنما يفتقد ذلك منه من هو فوقه كما لا يعود العليل إلا الصحيح الّذي هو أقوى منه و أصح، و ليس يعوده من كان فى مثل حاله، و الاحتضار فى الظاهر هو حضور الموت، و قرب النقلة من الدنيا إلى الآخرة، و باطنه كذلك قرب نقلة المؤمن من الحال التى ينقل عنها إلى الحال التى ينقل إليها.

و يتلو ذلك ما جاء عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و على آله)، أنه عاد رجلا من الأنصار، فشكا إليه ما يلقى من الحمى، فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه، و على آله: إن الحمى طهور من رب غفور، فقال الرجل: بل الحمى تفور بالشيخ

____________

(1) سورة الانشقاق، و الآية: 19.

(2) ادار (فى ى).

36

الكبير، حتى تحله القبور، فغضب رسول اللّه (صلى اللّه عليه و على آله) لرده قوله، و قال له ليكن ذلك بك، فمات من علته تلك، و أنه قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و على آله): يكتب أنين العليل حسنات ما صبر، فإن جزع كتب هلوعا لا أجر له، و قال (صلى اللّه عليه و على آله): حمى يوم كفارة سنة، و عن على (صلوات اللّه عليه) أنه قال: المريض فى سجن اللّه ما لم يشك إلى عوادة تمحى سيئاته، و أى مؤمن مات مريضا مات شهيدا، و كل مؤمن شهيد، و كل مؤمنة حوراء، و أى ميتة مات بها المؤمن، فهو شهيد، و تلا قول اللّه عز و جل: «الَّذِينَ آمَنُوا بِاللّٰهِ وَ رُسُلِهِ أُولٰئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَ الشُّهَدٰاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ» (1). تأويل ذلك فى الباطن أن الحمى أو غيرها من العلل الظاهرة مثل فى الباطن لما يمتحن به المؤمن من هو فوقه إذا أراد أن ينقله من حال إلى حال، فتلك المحنة طهر له، و كفارة لذنوبه إذا صبر عليها، و لم يشك إلى أحد من صعوبة المحنة عليه ليخفف منها عنه، و لم يضجر من ذلك حسب ما يكون مثل ذلك فى الظاهر أنين العليل أو شكواه إلى عواده، و قوله من مات مريضا مات شهيدا، أو أى ميتة مات بها المؤمن، فهو شهيد، و الشهيد هو الشاهد، و كل ذى حد من المؤمنين، فهو شاهد على من حده دون حده إذا استرعاه، و من فوقه شاهد عليه حتى ينتهى ذلك إلى الأئمة ثم إلى الرسل، و اللّه جل و عز شهيد على عباده، كما أخبر بذلك سبحانه، فى كتابه.

و يتلوه ذلك ما جاء عن رسول اللّه عن على (صلوات اللّه عليه) أنه قال إذا ابتلى اللّه عبدا أسقط عنه من الذنوب بقدر علته، تأويل ذلك، فى الباطن أن الابتلاء فى اللغة الاختبار و الامتحان، و ذلك ما قدمنا ذكره أن مثل العلة فى الظاهر مثل امتحان المؤمن فى الباطن؛ و للمؤمن فى ذلك ثواب، و تكفير لسيئاته فى الظاهر و الباطن كما تقدم القول بذلك.

و يتلوه ما جاء عنه (صلوات اللّه عليه) أنه قال: العيادة بعد ثلاثة أيام، و ليس على النساء عيادة المريض. تأويل ذلك فى الباطن ما قد تقدم القول به من أن مثل العيادة مثل افتقاد أحوال المؤمن، فى حين امتحانه، و أن الّذي يمتحن ذلك منه من هو فوقه، و لذلك جاء أن النساء لا يعدن الرجال لأن أمثال النساء، فى التأويل الباطن كما

____________

(1) سورة الحديد: 19.

37

قدمنا ذكر ذلك أمثال المستفيدين و إنما يفتقد أحوال المؤمن، عند امتحانه من كان يفيده، و من هو فوقه كما ذكرنا ذلك فيما تقدم، و أما قوله العيادة بعد ثلاثة أيام، و كذلك يجب، و ينبغى ذلك فى الظاهر أن لا يعاد العليل حتى يمضى له منذ ابتداء علته ثلاثة أيام، و يعوده الرجال الأصحاء دون النساء و الإعلاء تأويل ذلك، فى الباطن أن لا يعاجل الممتحن بالكشف عن أحواله، فى أول المحنة فيعظم ذلك عليه بل يترك قليلا حتى يأنس بالمحنة ثم يكشف أحواله، و يختبر.

و يتلو ذلك ما جاء عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و على آله) أنه نهى أن يأكل العائد عند العليل، فيحبط اللّه عز و جل أجره، فهذا فى الظاهر منهى عنه، و ليس على العليل أن يطعم عواده، و لا لهم أن يأكلوا طعامه إذا كانت العيادة إنما يبتغى و يقصد بها الأجر و الثواب، و كذلك يجرى ذلك، فى الباطن، فينهى من له افتقاد أحوال من يمتحن ليرقى من حد إلى حد أن لا يأكل شيئا من ماله ظاهرا و لا باطنا، و لا يتناول لنفسه على ذلك منه شيئا من ماله، و لا يفسد عليه شيئا من علمه الّذي صار إليه عنه أو عن غيره إذ كان العلم، فى التأويل الباطن مثل المال، و قد تقدم القول ببيان ذلك.

و يتلوه ما جاء عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و على آله) من أن المسلم إذا عاد مريضا صلى عليه سبعون ألف ملك إلى أن تغرب الشمس، إن كان ذلك نهارا، أو تطلع إن كان ليلا، تأويل ذلك ما قد تقدم القول من أن العيادة افتقاد المفيد حال من يفيده متى أراد نقله عن درجة إلى درجة قبل أن ينقله، و تقدم أيضا بيان تأويل الملائكة، و أنهم الذين ملكوا أمور العباد من أهل السماء، و أهل الأرض، و أن مثل الصلاة مثل الدعوة، و مثل طلوع الشمس مثل ظهور الإمام، و مثل غيابها مثل نقلته، و استتاره، فمن افتقد أحوال مستفيد منه، و لرقاه إلى ما توجبه أحواله بالحق و العدل، فى ذلك له، و عليه، جرى له ذكر ذلك فى دعوة ولى زمانه، إن كان ظاهرا إلى وقت نقلته و استتاره، و إن كان مستترا أو منتقلا إلى حين ظهوره أو ظهور من يقوم مقامه من بعده، لأن حدود كل دعوة يذكرون فيها، و يوقف عليهم المستجيبون لها، ليعرفوا حدودها و مراتبها، و كيف تجرى سنة اللّه و سنة أوليائه فيها، فافهموا أيها المؤمنون تأويل ظاهر ما تعبدتم به و باطنه، لتقيموا ما تعبدتم بإقامته

38

من دينكم ظاهرا و باطنا، أعانكم اللّه على ذلك و وفقكم له، و فتح لكم فيما يوجب لكم المزيد من نعمه، و صلى اللّه على محمد نبيه، و على الأئمة الأبرار من ذريته، و سلم تسليما. حسبنا اللّه و نعم الوكيل.

المجلس الثانى من الجزء السابع:

بسم اللّه الرحمن الرحيم؛ الحمد للّه الأول بلا نهاية، و الآخر إلى غير غاية، المتعالى عن علة المجدود، المتنزه عن درك الموجود، و صلى اللّه على محمد المصطفى من بريته، و على الأئمة الهداة الأبرار من ذريته.

ثم إن الّذي يتلو ما تقدم ذكره من تأويل كتاب دعائم الإسلام ما جاء عن أمير المؤمنين على، (صلوات اللّه عليه) أنه قال من عاد مريضا التماس رحمة اللّه و تنجز موعده كان فى خريف الجنة ما كان جالسا عند المريض، حتى إذا خرج من عنده بعث اللّه ذلك اليوم سبعين ألف ملك من الملائكة يصلون عليه حتى الليل إن عاده نهارا، أو حتى الصباح إن عاده ليلا، فهذا يكون ثواب من عاد مريضا فى الظاهر لما فى عيادة المرضى من الثواب لمن عادهم ابتغاء ذلك، و تأويله، فى الباطن ما قد تقدم القول به من أن تأويل العلة، و العليل، و العيادة ما يكون من المفيد إلى المستفيد من افتقاد أحواله، إذا صار إلى آخر حده الّذي هو فيه ليرقيه إلى حد آخر، و قد مضى بيان ذلك بتمامه، و ذكرنا تأويل الملائكة و صلاتهم فى المجلس الّذي قبل هذا المجلس و قوله هاهنا إن العائد يكون فى خريف الجنة، و الخريف فى اللغة فصل من فصول السنة، و هو ثلاثة أشهر تتلو شهور الصيف، و تتلوها شهور الشتاء، و قيل إنما سمى خريفا لأن الثمار تخترف فيه أى تؤخذ من هاهنا و من هاهنا، و قد تقدم ذكر البيان على باطن الجنة و أنها دعوة الحق التى تنال بها جنة الخلد فى الآخرة و أن أمثال ما فيها من الحكمة أمثال أنواع الثمار، فعلى هذا يكون فى باطن التأويل المفتقد لأحوال من يرقيه فى درجاتها، فى خريفها لأنه يخترف من فوائد حكمتها، فيما يعانيه من افتقاد أحوال من ينظر فى أحواله لينقله، فى درجاتها على ما توجبه الحكمة فيها، و على سبيل ذلك يكون كل مفيد و مستفيد، فبها يجتنون، و يخترفون، فيها ثمار الحكمة، و لذلك وصف اللّه جل و عز ثمارها، و أنهارها لأن ذلك فى باطنها، مثله فى التأويل مثل العلم و الحكمة.

39

و يتلو ذلك أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و على آله) دخل على رجل من بنى عبد المطلب و هو فى السوق قد وجه لغير القبلة، فقال وجهوه إلى القبلة، فإنكم إذا فعلتم ذلك أقبلت عليه الملائكة و أقبل اللّه عليه بوجهه، فلم يزل كذلك حتى يقبض، و عن على (صلوات اللّه عليه) أنه قال: من الفطرة أن يستقبل بالعليل القبلة، إذا احتضر، فهذه هى السنة فى ظاهر أمر المحتضر أن يوجه إلى القبلة، و تأويل ذلك فى الباطن ما قد تقدم القول به من أن مثل القبلة فى الظاهر مثل الإمام، فى الباطن، فإذا نقل المؤمن فى حالات دعوة الحق من حالة إلى حالة فلا بد لمن ينقله فى تلك الحالات أن يعرفه فيها ما ينبغى أن يعرفه من صار إلى حدها من أمر إمام زمانه، و يبين ذلك له، و يؤكده عنده و يوجهه إليه و يقبل به عليه.

و يتلو ذلك ما جاء عن جعفر بن محمد (صلوات اللّه عليه)، من أنه يستحب لمن حضر المنازع أن يلقنه شهادة أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، و أشهد أن محمدا عبده و رسوله، و أنه يستحب لمن حضر المنازع أن يقرأ عن رأسه آية الكرسى، و آيتين بعدها و يقرأ إن ربكم اللّه الّذي خلق السموات و الأرض فى ستة أيام. إلى آخر الآية، و ثلاث آيات من آخر البقرة، و عن رسول اللّه صلى اللّه عليه، و على آله أنه قال من ختم له بشهادة أن لا إله إلا اللّه دخل الجنة؛ فهذا هو المأمور به فى الظاهر أن يلقن المحتضر بالشهادتين، ليختم له بذلك ليموت عليه، و تأويل ذلك فى الباطن توقيف المنقول فى حالات دعوة الحق على حقائق التوحيد، و الإقرار بصاحب الشريعة، و الّذي جاء به مما يتلى عنده من القرآن فى ذلك هو مما يحقق ذلك، و يشهد له من كتاب اللّه جل ذكره، فيؤكد ذلك عنده بالقرآن.

و يتلو ذلك ما جاء من بشرى المؤمن إذا حضره الموت بما يعانيه من ثواب اللّه جل و عز و أن من ذلك قول اللّه جل من قائل: لهم البشرى، فى الحياة الدنيا، و فى الآخرة، فذلك يكون فى ظاهر الأمر، و فى باطنه، فيبشر المؤمن عند انتقاله من الدنيا إلى الآخرة، و عند انتقاله فى حدود الإيمان، و دعوة الحق من حد إلى حد.

و يتلو ذلك ما جاء من أن تشديد الموت على المؤمن يكون كفارة لذنوبه، و تسهيله عليه تخفيف عنه و رحمة له، فذلك كذلك فى الظاهر، و تأويله فى الباطن أن التشديد على المنقول فى دعوة الحق من درجة إلى درجة، فيما يعامل به يكون

40

ممن يعامله و ينقله إذا علم منه تقصيرا أو إساءة، فيما تقدم له ليخلصه من ذلك، و تسهيل ذلك إذا كان فى الوقت و الزمان و الأحوال ما يوجب تسهيل ذلك، و المسامحة فيه و ذلك من اللّه جل و عز تخفيف و رحمة.

و يتلو ذلك ذكر الأمر بذكر الموت:

فذكر الموت فى الظاهر و الباطن، مما ينبغى للمؤمن استعماله، و تعاهده، فيذكر من ظاهره انتقاله من دار العمل إلى دار الجزاء، و يعمل لما يرجو الجزاء عليه بالثواب، و كذلك يذكر أيضا انتقال فى الباطن من حال إلى حال فى درجات الفضل و الإيمان، فيعمل بما يرجو به الارتقاء فى درجات الفضل و الإيمان.

و من ذلك ما يتلوه من قول رسول اللّه (صلى اللّه عليه و على آله) إذا دعيتم إلى الجنائز فأسرعوا فإنها تذكركم الآخرة، و عن جعفر بن محمد (صلوات اللّه عليه) أنه قال من دعى إلى وليمة و إلى جنازة فليجب الجنازة، فإن حضور الجنائز يذكر الموت و الآخرة، و حضور الولائم يلهى عن ذلك، فهذا مما ينبغى فعله فى الظاهر لما فيه من ذكر الآخرة، و الموت فى الظاهر و حضور الجنازة فى الباطن حضور نقلة المنقول، فى حدود دعوة الحق، و ذلك بذكر من حضره فضل ما يصير إليه المنتقل، و مثل حضور الولائم فى الباطن مثل حضور أمور الدنيا الجارية بين أهلها، و ذلك يسلى عما ذكرناه من أمر الدين، و ينسيه.

و يتلو ذلك ما جاء عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و على آله) من قوله أكيس المؤمنين أكثرهم للموت ذكرا و أشدهم له استعدادا، و هذا مما تقدم بيان التأويل فيه. و الكيس فى اللغة العقل، و أعقل المؤمنين أكثرهم للموت الظاهر و الباطن ذكرا، لأن من أكثر ذكر شيء اهتم به، و أوشك أن يستعمل الواجب فيه، و أشدهم له استعدادا، فليستعد بالعمل الصالح ليرقى به فى درجات الفضل إذا كان الارتقاء فيها هو باطن الموت، و ذلك هو العدة أيضا لما بعد الموت الظاهر، فى الحياة الدائمة.

و يتلوه قول رسول اللّه (صلى اللّه عليه و على آله): الموت ريحانة المؤمن، و الريحان أطراف كل نبت طيب الريح، و خص به الآس لاشتهاره فى ذلك، و بقائه على الزمان لا يسقط ورقه، و لا يجف شجره، فى شتاء و لا صيف، كما يجف عود

41

غيره، و يسقط ورقه، و يقال للطاقة من كل ذلك ريحانة، و هو مما يستحب، و يستلذ فأخبر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و على آله) أن الموت كذلك يكون المؤمن يستحبه، و يستلذه ظاهره و باطنه، لما يصير إليه من الراحة، و البقاء الدائم فى النعيم بعد حلول الظاهر منه به، و ما يصير إليه من الرفعة و ينال الدرجة، و الفوز و النعيم و الغبطة بعد ما حل به باطنه. و أما الكفار و المنافقون و الضالون، و أهل المعاصى المتهاونون فالموت وبال عليهم الظاهر منه و الباطن؛ لأنهم يصيرون بالظاهر منه إلى العذاب، و هم بالباطن أموات غير أحياء كما وصفهم اللّه سبحانه، فى الكتاب، و كذلك يكون على من كان من أهل الإيمان، ثم ألبس إيمانه بظلم، فى الباطن لأنه إذا امتحن، و ثبت عليه ما يوجب حطه عن درجته التى كان فيها حط بقدر ما اقترف، فإن أخرجه ذلك من الإيمان عاد ميتا إذا فارقه روح الإيمان، و إن أوجب ذلك حطه عن درجته إلى درجة دونها حطّ بقدر ما اقترف، و يستقبل من العمل ما يرقيه بعد ذلك، و يحطه، فيكون الموت فى الظاهر و الباطن على هؤلاء وبالا، و هو على ذلك محمود لأنه يفرق بين الحق، و الباطل، و يوجب الثواب و العقاب، و من ذلك قول رسول اللّه (صلى اللّه عليه و على آله): الدنيا سجن المؤمن، و جنة الكافر؛ فالموت يكون على ذلك سبب خروجه من جنته إلى العذاب الّذي يصير إليه. و يؤيد هذا ما يتلو من كتاب الدعائم، و هو قول رسول اللّه (صلى اللّه عليه و على آله): مستريح، و مستراح منه، فالمستريح العبد الصالح استراح يعنى إذا مات من غم الدنيا، و ما كان فيه من العبادة، و صار إلى الراحة و نعيم الجنة، و أما المستراح منه، فالفاجر يستريح منه ملكاه، فظاهر هذا فى ظاهر الموت معروف، و باطنه فى باطن الموت أن المنقول من المؤمنين من درجة إلى ما هو فوقها يستريح من هم ما كان فيه، فى الدرجة التى كان فيها، بانتظار نيل الدرجة التى صار إليها، و يخف و يسهل عليه ما كان فيه من العمل و العبادة، لأن صعوبة الأعمال، و شدتها مع ابتدائها، و كلما مضى العامل عليها ألفها و أنس بها، و سهلت عليه، و استراح من ثقلها، و من ذلك قول الصادق جعفر بن محمد (صلوات اللّه عليه):

من عمل عملا، من أعمال الخير، فليدم عليه سنة. فلم يرد أنه يقطعه بعد السنة، و لكنه إذا دام عليه سنة ألفه، و صار له كالعادة، و سقطت عنه فيه الكلفة و المشقة،

42

و كذلك قال بعض المتعبدين: إنى لأخشى أن لا أوجر على الصوم لأنى ما اجد له مشقة، و ذلك لما أطاله، و تمادى عليه، و صار له عادة، فلا يجد جوعا و لا عطشا إلا فى الوقت الّذي اعتاد فيه أن يأكل و يشرب عند إفطاره، فالمؤمن إذا انتقل من درجة إلى ما هو أعلى منها سر و استراح، و زادت بصيرته، و قوى يقينه، و خف عليه العمل و إن أكثر منه و زاده، فهذا معنى الراحة من العمل، فى معنى باطن الموت لا على أنه يطرح مع ذلك شيئا منه بل يزيد من ذلك، و لا يسقط العمل إلا بالموت الظاهر، و النقلة من دار العمل إلى دار الجزاء لأن الدنيا دار عمل، فالعمل فيها لازم لأهلها حتى ينتقلوا منها، و لو سقط العمل فيها لسقطت الطاعة فلم يكن فيها إمام، و لا يجب على أهلها جهاد عدوّ، و لا طاعة ولى لأن ذلك من أوجب الأعمال، فيكون ذلك لو كان سبب انقطاع الإيمان، و المؤمنين، فاحذروا التهاون. بالأعمال و اطراح شيء منها أيها المؤمنون، و تزودوا منها و ادخروها لما أنتم إليه صائرون، و احذروا تشبيه المتأولين الضالين عليكم بمثل هذا و غيره مما يجرى فى ظاهر القول أن يستعملوه فى باطن، فإن لكل شيء حدّا، و حكما يجرى عليه، فلا يعدوه، و من أجل القياس و الرأى و القول بالهوى هلك من هلك، و ضلوا عن سواء السبيل، و تركوا اتباع الدليل، فاعملوا بما تؤمرون، و تناهوا عما تنهون، فإن ما وجب بنص من اللّه عز و جل و على ألسنة أوليائه لم يسقط إلا بنص كذلك عليه منهم شفاها من قبلهم أو بإبلاغ الثقات عنهم، فاعملوا ذلك، و اعملوا عليه، و خذوا أنفسكم به وفقكم اللّه لما يرضيه.

و يتلو ذلك ما جاء عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و على آله) و عن الأئمة (عليهم السلام)، بعقب ذلك فى كتاب دعائم الإسلام، من النهى عن الغفلة عن ذكر الموت، و ذم الغافلين عن ذلك، و المتهاونين به، و قد تقدم قبل هذا ذكر الأمر بذكر الموت، و البيان على ظاهر ذلك و باطنه. و التهاون بذلك فى الظاهر و الباطن ضد الأمر به و خلافه، فينبغى للمؤمن ألا يغفل عن ذكر ذلك، و لا يتهاون به، فإنه إن فعل ذلك ترك العمل أو قصّر فيه الّذي به تنال الحياة الدائمة بعد الموت الظاهر، و ما يوجبها بالموت الباطن، و قد تقدم بيان ذلك، فافهموا أيها المؤمنون، تأويل ظاهر ما تعبدكم اللّه عز و جل بإقامته ظاهرا و باطنا، أعانكم اللّه على ذلك،

43

و ألهمكم البصائر فيه، و صلى اللّه على محمد نبيه، و على الأئمة من ذريته، و سلم تسليما.

المجلس الثالث من الجزء السابع:

بسم اللّه الرحمن الرحيم؛ الحمد للّه الّذي لا يخفى عنه ظاهر و لا خفى، و لا يعجزه ضعيف و لا قوى، و صلى اللّه على محمد النبي، و على عليّ وصيه الرضى، و على الأئمة من ذريته خلفائه فى أرضه و صفوته، ثم إنّ الّذي يتلو ما تقدم ذكره من تأويل كتاب دعائم الإسلام، ذكر التعازى و الصبر، و ما رخص فيه من البكاء.

التعازى فى الظاهر و ما يؤمر به من الصبر عند موت الأقارب مرغب فيه، مأمور به مأجور فاعله، و أمثال الأقارب فى تأويل الباطن أمثال أهل كل حدّ من حدود الإيمان، فأهل الحدّ من المؤمنين مثلهم مثل أهل البيت، فى النسب، و بينهم حدهم من الدعوة فهم كالقرابة فى الظاهر، فالمتساوون منهم كالإخوة، و المفيدون لهم كآبائهم، و محل المستفيدين من المفيدين محل أبنائهم، و أزواجهم، و قد تقدم القول بذلك و منه قول اللّه عز و جل: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ (1)، و قوله: مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرٰاهِيمَ (2).

و قول رسول اللّه (صلى اللّه عليه و على آله) لعلى (عليه السلام): أنا و أنت أبو المؤمنين، فإذا ارتقى أحدهم من الدرجة التى هم معه فيها بما أوجبته أعماله إلى درجة فوقها، أو انخفض بما أوجبته أفعاله إلى ما هو دونها، و ذلك كما ذكرنا من الانتقال مثل الانتقال عن دار الدنيا إلى دار الآخرة بالموت الظاهر، فليس ينبغى لمن كان مع المنقول فى الباطن من درجة إلى درجة أن يحزنه انتقاله عنه إلى ما هو فوقها، و تخلفه عنه وحشة عنه لذلك و لا حسدا له و لا لغير ذلك من الوجوه و لا انحطاطه إن حطته أعماله أسى عليه و لا اغتماما به بل عليه فى ذلك الرضى و التسليم لفعل أولياء اللّه و من أقاموه فى ذلك لعباده، و الصبر على ذلك إن تداخله فيه ما يحزنه كما يجب ذلك فى ظاهر فراق الأحبة و الأرقاب بالموت الظاهر. فهذه جملة القول فى التعازى و الصبر عند فراق الأحبة و الأرقاب فى الظاهر و الباطن. و قد جاء من ذلك فى هذا الباب من كتاب الدعائم عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و على آله) و عن وصيه و الأئمة من ذريته

____________

(1) سورة الحجرات الآية: 10.

(2) سورة الحج الآية: 78.

44

(عليهم السلام) وجوه من الرغائب فى الصبر و الأمر به و ذم الجزع عند ذلك و النهى عنه و تأويل ذلك ما قدمنا ذكره، و من ذلك ما جاء عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و على آله) أنه ذكر له الصبر عند المصيبة بالموت فقال: الأجر مع الصّدمة الأولى، و عن على (صلوات اللّه عليه) أنه قال: من لم يسل عند فادح المصيبة سلا على طول الزمان كما تسلو البهائم، و هذا يجرى فى الظاهر و الباطن، و يجب و ينبغى الصبر و التجلد فيه فى وقته عند صدمة الموت الظاهر فى الحميم و نقلة الشكل فى الباطن و النظير؛ فمن ملك عند ذلك نفسه و صبر و سلم كان له ثواب ذلك فأجر، و متى لم يفعل ذلك و جزع باء بإثم ذلك و رجع إلى السلو على طول الزمان إذ السلو عن مثل ذلك فى طبع الإنسان.

و يتلوه ما جاء عن على (صلوات اللّه عليه) أنه قال: و إياك و الجزع فإنه يقطع الأمل و يضعف العمل و يورث الهم، و اعلم أن المخرج فى أمرين ما كانت فيه حيلة فالاحتيال، و ما لم تكن فيه حيلة فالاصطبار، و قال منزلة الصبر من الإيمان كمنزلة الرأس من الجسد، فالصبر حسن جميل واجب فى جميع الخصال التى تنازع النفس فيها إلى ارتكاب المعاصى و إلى ترك الطاعات و هذه جملة جامعة، و الّذي ذكرناه من تأويل الصبر فى الباطن عند انتقال الأصحاب عن منزلة الصحبة إلى ارتفاع أو انخفاض مما يدخل فى تلك الجملة. و يتلو ذلك ما جاء عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و على آله):

أنه لما مات ابنه إبراهيم أمر عليّا (صلوات اللّه عليه) فغسله و أمره فأنزله فى قبره فلما رآه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و على آله) قد دلى إليه بكى فبكى من حوله حتى علت أصوات الرجال على أصوات النساء فنهاهم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و على آله) عن ذلك أشد النهى و قال: تدمع العين و يحزن القلب و لا نقول ما يسخط الرب و إنا بك لمصابون و إنا عليك لمحزونون يا إبراهيم؛ فقالوا: يا رسول اللّه لما رأيناك بكيت بكينا لبكائك؛ فقال: لم أنهكم عن البكاء و إنما نهيتكم عن النوح و العويل و إنما هذه رقة يجعلها اللّه عز و جل فى قلب من يشاء من عباده و يرحم اللّه من يشاء، و إنما يرحم اللّه من عباده الرحماء. و رخص (صلى اللّه عليه و على آله) فى البكاء بالعين عند المصيبة و قال: النفس مصابة و العين دامعة و العهد قريب فقولوا ما أرضى اللّه و لا تقولوا هجرا، و عن على (صلوات اللّه عليه) و على الأئمة من ذريته أنه قال: الأنة و النخرة يعنى عند المصيبة من الشيطان. و عنه (صلوات اللّه عليه) أنه قال: أخذ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و على آله) فى

45

البيعة على النساء ألا ينحن و قال: النياحة على الموتى من أفعال الجاهلية. و عنه (عليه السلام) أنه كتب إلى رفاعة قاضيه على الأهواز: و إياك و النوح على الميت ببلد يكون لك به سلطان، و عن جعفر بن محمد (صلوات اللّه عليه) أنه لما احتضر أوصى، فقال: لا يلطمن على خدّ و لا يشقن على جيب فما من امرأة تشق جيبها إلا صدع لها فى جهنم صدع كلما زادت زيدت؛ فالبكاء بالعين و الحزن بالقلب إذا غلبا على المرء لم يستطع ردهما و ما لم يستطعه الإنسان فهو محمول عنه، قال اللّه عز و جل: لٰا يُكَلِّفُ اللّٰهُ نَفْساً إِلّٰا وُسْعَهٰا (1).

فالتكليف لما لا يستطاع ساقط، و قد جاء عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و على آله) أنه قال:

تجاوز اللّه لأمتى عما أكرهت عليه، و قال اللّه جل و عز: إِلّٰا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمٰانِ (2) فالصبر على المصاب بالموت الظاهر و الباطن على ما ذكرناه يحبب استعماله ما أمكن منه و قدر عليه و استطيع و ما غلب من ذلك و لم يستطع بعد بذل المجهود فى دفعه و استفراغ الوسع فى استعمال الصبر فلا حرج فيه، و يستعمل من ابتلى بذلك الصبر ما استطاع و لا يسلم نفسه إلى الجزع. و مثل الحزن فى القلب و البكاء بالعين فى الباطن فى الموت الباطن هو مثل ما يعترى من نقل من طبقته وحده و درجته بعض من كان فيها معه إلى غيرها فيداخله من ذلك غم لتخلفه عنه و حزن على نفسه إذا لم يكن نقل معه إذا نقل إلى ما هو أعلى أو على المنقول إذا نقل إلى ما هو أدون مما كان فيه، و هو مع ذلك مسلم للّه ولى أمره راض بفعله و حكمه غير منكر لشيء مما كان منه، فذلك ما لا حرج عليه فيه و يستعمل الصبر و السلو عن ذلك ما قدر عليه و استطاعه كما ذكرنا بمبلغ جهده و لا يدع ذلك ما قدر عليه بوسع استطاعته ما دام ذلك به. و مثل البكاء بالعويل و النياحة و الصراخ فى الموت الظاهر مثل إنكار المنقول عنه بعض أهل طبقة نقلهم على من نقلهم من ولاة أمورهم، و أن يرى أن ذلك من قولهم غير صواب، أو يرى أنه كان يستحق ذلك معهم أو دونهم إن نقلوا إلى ما هو أعلى مما كانوا فيه أو أنهم ظلموا إن نقلوا إلى ما دون ذلك، فهذا هو الأمر المنهى عنه الّذي لا يحل و لا يجوز لأحد أن يعتقده بقلبه و لا أن يلفظ به بلسانه و لا أن يومى إليه.

و يتلو ذلك ما جاء من الرخصة فى النياحة على الأئمة (صلوات اللّه عليهم) إذا هم

____________

(1) سورة البقرة: 286.

(2) سورة النحل: 106.

46

ماتوا و ما كان من النياحة على الحسين بن على (صلوات اللّه عليه) و على المهدىّ (عليه السلام) عند نقلتهما و موتهما فى الظاهر، و أن ذلك لعظيم رزئهما و جليل المصاب بهما، و أنهما و غيرهما من الأئمة على خلاف من دونهم من الناس، و أن من نهى أن يناح و يبكى عليه منهم فإنما فعل ذلك تواضعا و لما أوجبه زمانه و وقته. و مثل نقلة الأئمة بالموت الظاهر مثل استتارهم بعد ظهورهم لما يعترض عليهم من المحن و الخوف و التقية من المتغلبين، فإنكار ذلك بالقلب و اللسان على من فعله بهم و أدخله عليهم من الواجب على كل مؤمن من استطاع ذلك و كذلك الحزن و البكاء من أجل ذلك حسن جميل غير مكروه و لا منهى عنه.

و يتلو ذلك ذكر غسل الموتى:

غسل الميت واجب على من قدر عليه و أمكنه فعله من الأحياء، و لا يغسل الميت إلا بعد أن يموت، و مثل ذلك فى تأويل الباطن ما قد تقدم القول به فى تأويل الطهارة أنها فى الباطن مثل الطهارة من المعاصى و الذنوب بالعلم و الحكمة و أن الماء مثله مثل العلم فالماء فى الظاهر يغسل الأقذار و الأوساخ عن الأبدان و العلم فى الباطن يطهر الأرواح مما اقترف عليها من المعاصى و الخطايا. و قد تقدم فى كتاب تأويل الطهارة إيضاح ذلك و بيانه و الشواهد له، و ذكرنا فى هذا الباب مثل النقلة بالموت من دار إلى دار مثل النقلة فى دعوة الحق من حدّ إلى حدّ فالمنقول فيها من حد إلى حد لا بدّ لمن ينقله أن يفاتحه بالعلم و الحكمة إذا صار إلى الحدّ الّذي نقله إليه بما يجب أن يفاتحه به فيه و لا يفاتحه بذلك إلا من هو فوقه و أعلم بما يفاتحه به و لا يكون عند المنقول علم من تلك المفاتحة، فمن أجل ذلك كان مثله فى ذلك الحدّ مثل الميت لأنه لا علم له بما فيه و المفيد له مثل الحى لأنه عنده علم ما يفيده، فكما يغسل الحى الميت فى الظاهر ليذهب عن ظاهر جسده ما عليه من وسخ و قذر كذلك يغسل المفيد روح المستفيد بالعلم و الحكمة فى الباطن ليذهب عنه ما كان فيه من الشرك و الشك و الضلال.

و يتلو ذلك من كتاب دعائم الإسلام ما جاء عن على (صلوات اللّه عليه) أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و على آله) أوصى إليه أن يغسله بعد موته و أنه قال: لما أخذت فى غسله سمعت قائلا من جانب البيت يقول لى لا تخلع القميص عنه قال فغسلته (صلوات اللّه عليه) فى قميصه. و هذا حديث مشهور عنه يرويه الخاص و العام، و يروون

47

أن الّذي قال له ذلك جبرائيل (عليه السلام)، فتأويل ذلك و باطنه ما قد تقدم القول به من أن مثل الموت الظاهر فى الباطن مثل النقلة للمؤمن من حدّ إلى حد فى دعوة الحق، و كان أول ما أمدّ اللّه عز و جل به وليه عليّا وصى رسول اللّه صلى اللّه عليهما من العلم و الحكمة ما أداه إليه على لسان جبرائيل أنه لا ينزع القميص عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و على آله) و أن يغسله من فوقه إخبارا عن أن ذلك الغسل ظاهر لا باطن له كما أن القميص ظاهر و أن غسل الأنبياء (عليهم السلام) ليس له تأويل فى الباطن كمثل تأويل غسل غيرهم لأنهم (صلوات اللّه عليهم) قد بلغوا حدّ الرسالة و ليس فوقها حد من حدود دعوة الشريعة يكون غسلهم مثلا له فى الباطن و هذا هو باطنه و تأويله و لأىّ علة كان غسلهم على خلاف غسل سائر المؤمنين.

و يتلو ذلك من كتاب دعائم الإسلام قول على (صلوات اللّه عليه) كنت إذا قلبت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و على آله) يعنى عند غسله إياه أعنت على قلبه، و قوله لما قال لى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و على آله): اقلبنى يا عليّ، قلت: يا رسول اللّه إنك بادن و لا أستطيع أن أقلبك وحدى، فقال لى إن جبرئيل معك يتولى على غسلى، تأويل ذلك أن مثل غسل الميت كما ذكرنا مثل إفادة المفيد للمستفيد ما يفيده من العلم و الحكمة و إنما كان يفيد ذلك رسول اللّه جبرئيل عن اللّه عز و جل فكان هو الّذي تولى غسله فى الباطن لأنه لم يظهر للناس فى ذلك بحسب ما جرى ذلك فى الظاهر من فوق القميص على ما تقدم من تأويل ذلك؛ فافهموا أيها المؤمنون من فوائد باطن علم الدين فهمكم اللّه و علمكم و نفعكم و وفقكم و صلى اللّه على محمد النبي الأمين و على آله الأئمة الطاهرين و سلم تسليما. و حسبنا اللّه و نعم الوكيل.

المجلس الرابع من الجزء السابع:

بسم اللّه الرحمن الرحيم؛

و الحمد للّه الّذي لا يعزب عن علمه مثقال ذرة، و لا يخفى عليه لحظ نظرة، و لا يستتر عنه مكنون سريرة، و لا يتكاءده أى علم صغيرة و لا كبيرة، أحاط بكل شيء علما غير مستفيد، و أحصى كل شيء عددا غير مستزيد، و صلى اللّه على محمد نبى الرحمة و على على وصيه ولى الأمة و على الصفوة من ذريته الأئمة. ثم إن الّذي يتلو ما تقدم ذكره من تأويل الجنائز مما فى كتاب دعائم الإسلام قول على (عليه السلام): فقال لى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و على آله): إن جبرئيل معك يتولى غسلى

48

قلت: فمن يناولنى الماء قال: يناولك الفضل و قل له فليغط عينيه فإنه لا يرى عورتى أحد غيرك إلا عمى، و قال أبو جعفر محمد بن على بن الحسين (صلوات اللّه عليه) فكان الفضل يناوله الماء و قد عصب عينيه و جبرائيل و على يغسلانه (صلوات اللّه عليهم أجمعين). فتأويل ذلك أن عورة الرجل ما بين ركبته و سرته و ذلك مما لا ينبغى أن يراه من الرجل إلا زوجته و المرأة بدنها عورة كله و لا ينبغى أن يراه إلا زوجها، و قد تقدم البيان أن كل مفيد مثله مثل الرجل و مثل المستفيد منه مثل امرأته، و أوضحنا ذلك ببيان كاف فكذلك محل الأوصياء من الأنبياء محل نسائهم و كذلك محل النقباء من الأوصياء و الدعاة من النقباء و المأذونين من الدعاة و كل ذى حدّ ممن هو فوقه و مثل العورة هاهنا مثل خفى علم الباطن و التأويل الّذي لا يطلع الأنبياء عليه إلا أوصياءهم و لا يعلمه غيرهم كما لا يطلع على عورة الرجل إلا امرأته، و جاء من قبل ذلك فى هذا الخبر عن على (صلوات اللّه عليه) قوله إذ حكى غسل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) أنه قال: أردت أن أكبه لوجهه لأغسل ظهره فنوديت لا تكبه فقلبته لجنبيه و غسلت ظهره.

تأويل ذلك أن الظهر مثله مثل الظاهر و البطن مثله مثل الباطن و الباطن أعلى و أشرف و هو الجوهر و اللباب و العلم الحقيقى الروحانى لأنه علم فوائد تحيا به الأرواح و علم الظاهر علم عمل على جوارح البدن الظاهرة و ليس ذلك مما يخل به و لا مما يضيع من مواجبه و مفترضه بل فرضه واجب و علمه و العمل به لازم و لكن فضل الباطن عليه كفضل الروح على الجسد و كلاهما له فضل، فلما كان ذلك كان نوم النائم و استلقاؤه يكره أن يكون على وجهه لئلا يعلو الظاهر الباطن منه و يرتفع عليه و كان المستحب من ذلك و الّذي جرت السنة به أن ينام الإنسان مستلقيا على قفاه و ذلك مثل رفع الباطن على الظاهر أو لجنبه و ذلك مثل العمل بالباطن و الظاهر، و لذلك جاء أن يكون الميت يحمل إلى القبر و يصلى عليه مستلقيا على ظهره و ذلك مثل لرفع الباطن و علوه فإذا اضجع فى القبر اضجع لجنبه الأيمن و ذلك مثل العمل بالظاهر و الباطن و الاعتماد على إمام الزمان لأن مثله مثل الشق الأيمن و رفع علم الباطن أيضا لأنه علم الحجة و مثله مثل الشق الأيسر و كان هذا أيضا مما أمدّ اللّه عز و جل به وصى نبيه على لسان جبرئيل (عليه السلام) كما ذكرنا فى المجلس الّذي قبل هذا المجلس أنه أمده اللّه على لسانه بأن لا ينزع عنه القميص لما ذكرنا من ذلك من بيان الحكمة. و أما قوله

49

(صلوات اللّه عليه و على آله) أنه لا ينظر إلى عورته غير على وصيه (عليه السلام) أحد إلا عمى و قد ذكرنا تأويل العورة و أنه العلم الباطن الخفى الّذي لا ينبغى أن يعلمه من قبل النبي غير الوصى، فإن استرق ذلك مسترق من حيث لم يؤذن له فيه و لم يعطه عمى العمى الباطن، و العمى فى الباطن الضلالة، فيضل فاعل ذلك عن الهدى لاستلابه و اختطافه ما ليس له و لا يصح له مع ذلك و لا يثبت عند علم شيء منه بل يكون من ذلك فى عمى و حيرة و لا يفهم منه قليلا و لا كثيرا و كذلك كل من تناول من مثل ذلك ما لم يعطه أو أعطاه إياه من تعدى فى إعطائه و هو لا يستحقه أو لم يبلغ إلى حد يجب له إطلاقه فيه و من أجل ذلك هلك من هلك و ضل من ضل.

و يتلو ذلك ما جاء عن أبى جعفر محمد بن على (صلوات اللّه عليه) أنه ذكر غسل جبرئيل و على (صلوات اللّه عليهما) رسول اللّه (صلى اللّه عليه و على آله) و أنهما غسلاه ثلاث غسلات غسلة بالماء و الحرض و غسلة بالماء و الكافور و غسلة بالماء محضا و ما جاء بعد ذلك من أن هذه هى السنة في غسل الموتى لمن وجد ذلك فى الظاهر و تأويل ذلك فى الباطن ما قد تقدم القول به من أن مثل غسل الميت بالماء مثل تطهير المنقول عن درجة من درجات حدود الدعوة إلى درجة بالعلم الّذي يفاتحه به من ينقله إليها مما ينبغى له أن يفاتحه به فيها و يطلعه على ما لم يكن يطلعه عليه قبل انتقاله إليها و تأويل ثلاث غسلات غسلة منها بالماء و الحرض و غسلة بالماء و الكافور و غسلة بالماء المحض ما قدمنا ذكره من أن الماء مثله فى الباطن مثل العلم فمثل الثلاث غسلات مثل ثلاثة الحدود يرتقى فيها المنقول حدّا بعد حد فى المفاتحة بالعلم الّذي يرقى إليه؛ فيفاتح فى أول حدّ من ذلك بما يزيل عنه الشكوك و الشبهات كما يزال بأول غسلة من الميت بالماء و الحرض و ما هو فى معناه مما ينقى الأوساخ التى مثلها مثل الشك عن البدن فيزيل عنه بما يفاتحه به من ذلك كل شك و شبهة كانت قد دخلت عليه فى أمر دينه، ثم ينقله بالمفاتحة بالعلم إلى حد ثان يوضح له فيه معانى ما نقله إليه و يكشف له من ذلك ما تطيب به نفسه و تقر به عينه و ذلك مثل الغسلة الثانية بالماء و الكافور أو ما هو فى معناه من الطيب و الحنوط، فإذا زالت عنه الشكوك و الشبهات و انكشفت له الأمور التى تطيب بها نفسه نقله إلى درجة ثالثة يفاتحه فيها بالعلم المحض الحقيقى الّذي به حياته و ذلك مثل الغسلة الثالثة بالماء محضا.

50

و يتلو ذلك قول على (صلوات اللّه عليه): ما من امرئ مؤمن غسل أخا له فلم يقذره و لم ينظر إلى عورته و لم يذكر عنه سوءا ثم شيعه و صلى عليه ثم جلس حتى يتوارى فى قبره إلا خرج عطلا من ذنوبه، فهذا من الثواب قد جاء فى الظاهر لمن غسل ميتا و كذلك هو فى الباطن يكون للمفيدين الذين ينقلون المؤمنين فى درجات الإيمان و حدود دعوة الحق من درجة إلى درجة إذا كان المفيد لا يزرى بمن يفيده و ينقله لضعف حاله فى الظاهر و إن كان مقلا خاملا و ذلك مثل قوله لم يقذره أى يحتقره لضعفه فى الظاهر و قوله و لم ينظر إلى عورته فذلك مكروه فى الظاهر و مما لا يجوز لمن غسل ميتا فى الظاهر أن يفعله بل يجتهد فى ستر عورته ما استطاع و لا يكشفها و لا ينظر إليها و ذلك أنه لا ينبغى له أن يكشف عيوبه و لا يتتبعها و لا ينظر فيها إذا كانت مستورة عنه كما تستر العورات فى الظاهر لأنه قل من يسلم من العيوب فيستر من ذلك ما ستره اللّه جل و عز و لا يكشفه و لا ينظر فيه و يعامل من يعامله على ما يظهر إليه من أحواله و أما قوله و لم يذكر منه سوءا فكذلك ينبغى لمن غسل ميتا فى الظاهر أن لا يذكر ما يكون منه و فيه من عيب أو حدث أو ما يكره ذكره و ذلك كذلك واجبه فى الباطن أن لا يذكر المفيد عن المستفيد منه إذا هو نقله من حد إلى حد أو فاتحه أو عامله بشيء من معاملة الدين سوءا إن علمه فى ذلك منه أو قبيحا اطلع منه عليه مما يجب ستره و لا ينبغى ذكره و أما قوله ثم شيعه و صلى عليه و جلس حتى يوارى فى قبره فتلك حدود ينقل فيها المنقول فى درجات الإيمان و سوف نذكرها بعد هذا إن شاء اللّه.

و يتلو ذلك ما جاء عن جعفر بن محمد (صلوات اللّه عليه) من أن الجنب و الحائض لا يغسلان ميتا فهذا فى الظاهر، كذلك يجب أن لا يغسل الجنب و الحائض ميتا حتى يتطهر الجنب و يذهب الحيض عن الحائض و تغتسل، و تأويل ذلك ما قد تقدم القول فيه من أن الحيض و الجنابة و غير ذلك من الأحداث التى تجب منها الطهارة فى الظاهر أمثالها فى الباطن أمثال الأحداث فى الدين التى تجب منها التوبة و الطهارة بالعلم الحقيقى و ما يوجبه على من أتى مثلها و من كان كذلك قد أحدث حدثا فى دينه يجب عليه فيه الطهارة منه لم يطهر غيره حتى يطهر نفسه قبل ذلك.

و يتلو ذلك ما جاء عن أبى جعفر محمد بن على صلوات اللّه أن عليّا عليه

51

السلام غسل فاطمة و أنها أوصت (صلوات اللّه عليها) بذلك إليه، و عن أبى جعفر بن محمد (صلوات اللّه عليه) أنه قال تغسل المرأة زوجها و الرجل امرأته إذا ماتا فهذا قد جاء أنه يجوز فى الظاهر إذا احتيج إليه و تأويل ذلك فى الباطن ما قد ذكرناه أن مثل الرجال فى التأويل الباطن مثل المفيدين و مثل النساء مثل المستفيدين و المفيد يفيد من يستفيد منه و مثله مثل امرأته و الإفادة مثلها مثل الغسلة فإن حدث على المفيد حدث فى دينه يحتاج فيه إلى من يطهره منه و لم يجد من هو فوقه من يلى ذلك أو كانت ضرورة توجب لمن كان يستفيد منه أن يفيده ما يجب أن يزيل عنه من الشك ما تداخله جاز ذلك و وليه منه من كان هو يفيده من قبل.

و يتلو ذلك ما جاء عنه (صلوات اللّه عليه) فى الرجل يموت بين النساء أو المرأة تموت بين الرجال و لا يوجد من يغسل كل، واحد منهما؛ أنه قال: يدفنان بغير غسل؛ فهذا كذلك يكون فى الظاهر لأن الفرض إذا لم تستطع إقامته سقط عمن لا يستطيعه و مثل ذلك المنقول فى حدود دعوة الحق من حدّ إلى حدّ ينقل ثم لا يجد من يفيده فى الحد الّذي نقل إليه مما يجب أن يفاد مثله فيه ثم يستحق النقلة إلى حد آخر أنه لا بأس أن ينقل إليه و إن لم يفد فى ذلك الحد ما ينبغى له أن يفاد فيه و سنذكر بعد هذا باطن الدفن إذا صرنا إلى موضعه إن شاء اللّه.

و يتلو ذلك ما جاء عنه (صلى اللّه عليه و على آله) أنه قال فى الشهيد إذا قتل دفن فى ثيابه فى مكانه و لم يغسل، و إن نقل من مكانه و به رمق فمات غسل و دفن. و إن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و على آله) دفن كذلك حمزة و من أصيب معه من الشهداء يوم أحد فى ثيابهم و لم يغسلهم و صلى عليهم و نزع عنهم الفراء، فهذه هى السنة فى الشهيد فى الظاهر الّذي يقتله المشركون أن يدفن فى مكانه و لا يغسل و لا تنزع عنه ثيابه التى أصيب فيها و لا ينزع عنه إلا الفرو و الجلد؛ و تأويل ذلك فى الباطن أن الشهيد ما قد تقدم القول فيه من كان قد أقيم مفيدا فهو شهيد على من أقيم لإفادته على درجاتهم و طبقاتهم و كل أهل طبقة شهداء على من دونهم حتى تنتهى الشهادة إلى الأئمة ثم إلى الرسل ثم إلى اللّه عز و جل الّذي هو الشهيد على جميع عباده فمن كان من الشهداء قد ارتفع عن حد باطن غسل الميت و وصل إليه ثم نقل عن حد إلى حد فإنه يكتفى بما تقدم عنده و لا يحتاج إلى أن يعاد إليه ما قد تقدم عنده قبل

52

ذلك و وصل إليه، و إن كان لم يكمل ذلك من قبل و بقيت عليه منه بقية أفيدها بعد نقلته و ذلك مثل من ينقل من المعركة و به رمق ثم يموت إنه يغسل و معنى دفنه فى ثيابه هو فى الباطن نقله إلى باطن حدّ الدفن و تستره بظاهره الّذي كان عليه، و تأويل نزع الجلد عنه هو أن يلقى عنه ظاهر غيره إن كان اعتقد شيئا منه أعنى ظاهر المخالفين فلا ينقل حتى يتبرأ من ذلك و كذلك لا يدخل فى حالة من حالات الإيمان و هو يعتقد شيئا من ظاهر أهل الضلال كما لا يكفن الميت فى الظاهر فى شيء من الجلود و سنذكر فى باب الأكفان ما يجوز الكفن فيه فافهموا أيها المؤمنون تأويل ظاهر دينكم و باطنه و احمدوا اللّه على ما فتح لكم فيه من ذلك أعانكم اللّه على طاعته و فتح لكم فيما يوجب لكم المزيد من فضله و صلى اللّه على محمد نبيه و على عليّ وصيه و على الأئمة من ذريته و سلم تسليما. حسبنا اللّه و نعم الوكيل.

المجلس الخامس من الجزء السابع:

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه المحيط علما بكل شيء بلا رويّات أجالها و لا بالفكر و العبر سبحانه أدركها لم يزدد بكونها خبرا و لا أفاده بإحداثه إياها بها علما، و صلى اللّه على محمد نبيه و صفوته من خلقه و على أئمة الهدى من آله. ثم إن الّذي يتلو ما تقدم من ذكر تأويل ما فى كتاب دعائم الإسلام ما جاء عن على (صلوات اللّه عليه) أنه قال ينزع عن الشهيد الفرو و الخف و العمامة و المنطقة و القلنسوة و السراويل إلا أن يكون أصابه دم فإن أصابه دم ترك و لم يترك عليه معقود إلا حل؛ تأويل ذلك فى الباطن ما قد تقدم القول به من أن الشهيد هو المفيد يشهد على من يفيده بما بلغه عن اللّه و عن أوليائه و بما علم من أحواله، و ذكرنا تأويل نزع الجلد عن الميت و أنه إسقاط ظاهر أهل الباطل عن المؤمن إذا صار إلى أى درجة صار إليها من درجات الإيمان فلا يرقى إليها و هو يعتقد شيئا من ظاهر أهل الباطل، و مثل العمامة فى التأويل مثل علم الرئيس فليس لمن دونه أن يدعى لنفسه شيئا منه فلا يناله فى حين انتقاله إلى درجة من هو فوقه، و من ذلك قول رسول اللّه (صلى اللّه عليه و على آله): العمائم تيجان العرب؛ و العرب فى التأويل أمثالهم أمثال المعربين عن الدين و هم حدوده، و كذلك قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و على آله) لعلى (صلوات اللّه عليه): يا على أنت سيد العرب؛ فقيل له يا رسول اللّه أ و لست سيد العرب فقال أنا سيد ولد آدم و لا فخر و عليّ سيد العرب،

53

عنى بذلك أنه سيد الحجج و النقباء و الدعاة لأنهم من سببه و تحت يده و الدعوة المستورة إليه و كذلك هى تكون لكل حجة مع كل إمام و التاج من لباس الملك و إنما يلبس العمامة و يعمم الموتى لمثل فى الباطن و هو ستر الرئيس و كتمان أمره الّذي مثله مثل الرأس؛ فإذا نقل المنقول من درجة إلى درجة كان ذلك لازما له و الّذي جاء من إزالة عمامة الشهيد الّذي أصيب فيها عند دفنه معناه فى الباطن تسليم الرئاسة إلى رئيسه و أن لا يدعى ذلك لنفسه، و مثل السراويل مثل ستر ما أمر بستره من علم مفيده و إن أصاب ذلك و خالطه شيء من علم المنقول لم ينزع عنه و إن كان ذلك لم يخالطه و كان خالصا لمفيده سلم الأمر إليه فيه و لم يدعه لنفسه، و قد ذكرنا مثل عورة الرؤساء و أنها ستر علمهم الّذي لا يكشفونه إلا لمن يصير فى مثل حالهم، و القلنسوة فى مثل حال العمامة و قوله: و لا يترك عليه معقود إلا حل، فذلك فى ظاهر أمر الميت، كذلك يكون لأنه تعقد أكفانه عند رأسه و عند رجليه لئلا تنحل عنه فإذا أنزل إلى قبره حل ذلك عنه، و تأويل ذلك أنه إذا صار إلى الدرجة التى مثلها مثل الدفن حلّ عنه ما كان قد عقد عليه و منع منه فى الدرجة التى كان فيها قبل ذلك و أطلق له.

و يتلو ذلك ما جاء عن الصادق جعفر بن محمد (صلوات اللّه عليه) أنه قال:

الغرق و الحرق يغسلان و هذا هو الواجب فى الظاهر أن من مات غرقا أو حرقا غسل و صنع به ما يصنع بالميت، و تأويل ذلك فى الباطن أن الميت فى الماء هو المنقول على ما وصفناه فيما تقدم من درجة من درجات دعوة الحق إلى درجة و قد صار من العلم إلى ما استبحر فيه و غرق فى بحره فتحير، و مثل الحرق مثل من أحرقه الباطل و أتلفه فإذا نقل إلى ما يراد به نجاته و حياته كما يكون المنقول بالموت ينقل إلى دار الحياة الدائمة غسل بالعلم الّذي ذكرنا أن مثله مثل الماء، و كذلك يغسل المطيع و العاصى و البر و الفاجر من أهل الملة فى الظاهر و الباطن عند النقلة الظاهرة و الباطنة و قد تقدم البيان على ذلك. و النار عذاب و محنة فإذا خالط الذهب و الفضة اللذين هما من أرفع الجواهر غش أدخل ما خالط منهما ذلك النار و امتحن بها فتذيبه و تأكل ما تداخله من الغش و تنقله فيصفو عند ذلك بعد محنة و شدة تناله فإذا حمى أنزل فى الماء فيبرد و ذلك فى التأويل الباطن مثل المؤمن إذا تداخله الفساد امتحن بما يشق عليه حتى يخلص و يصفو مما خالطه من الفساد ثم يعامل بما يحييه من العلم.

54

و يتلو ذلك ما جاء عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و على آله) من قوله احبسوا الغريق يوما و ليلة ثم ادفنوه و عن أبى جعفر بن محمد بن على (صلوات اللّه عليه) أنه قال فى الرجل تصيبه الصاعقة لا يدفن دون ثلاث إلا أن يتبين موته و يستيقن؛ فهذا هو الماء مورى به فى الظاهر، و الدفن فى الباطن حد من حدود دعوة الحق ينقل إليه من ينقل فى حدودها، و سيأتى ذكره فى موضعه إن شاء اللّه تعالى. و التأنى بالغرق و الصعق فى ذلك و هما من وصفناهما فى الباطن ينبغى إلى أن يظهر منهما ما يوجب نقلتهما إلى ذلك الحد على ما يظهر فى ذلك و يجب عند من ينقلهما.

و يتلو ذلك ما جاء عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و على آله) أنه قال: إذا مات الميت فى أول النهار فلا يقيلن إلا فى قبره و إذا مات الميت فى آخر النهار فلا يبيتن إلا فى قبره؛ فهذا فى ظاهر الموت الظاهر هو المأمور به و قد قيل إن كرامة الميت دفنه فالسرعة بدفن الميت فى الظاهر مما يستحب لأنه إذا ترك حال و تغير و تأويل ذلك فى الباطن السرعة بالمنقول إلى الحد الّذي هو باطن الدفن إذا صار إلى الحد الّذي دونه لئلا يدخل عليه ما يحيله و يغيره.

و يتلوه ما جاء عن جعفر بن محمد (صلوات اللّه عليه) أنه قال: من مات و هو جنب أجزى عنه غسل واحد كذلك الحائض؛ فهذا فى الظاهر كذلك إذا مات الميت و هو جنب و المرأة و هى حائض غسلا كما يغسل الميت على طهارة و ليس عليهما غسل غير ذلك للجنابة و الحيض.

و تأويل ذلك ما قد تقدم بيانه من أن الجنابة و الحيض فى الباطن حدثان؛ فمن أحدث حدثا يجب عليه منه الطهارة بالعلم ثم نقل من حد إلى حدّ يوجب مفاتحته بالعلم أجزت تلك المفاتحة عنه للحدث و النقلة.

و يتلوه ما وصفه (صلوات اللّه عليه) من غسل الميت و أنه كالغسل من الجنابة يوضأ كما يتوضأ من أراد الغسل من الجنابة ثم يغسل، و قد ذكرنا تأويل ذلك و بيانه فى الباطن عند ذكر الطهارة و أن مثل ذلك فى الباطن المفاتحة بالعلم و كذلك يفاتح من نقل من حدّ إلى حدّ كما يفاتح من وجبت مفاتحته لحدث كان منه.

و يتلو ذلك قوله (عليه السلام) و يقلب لجنبيه يعنى الميت إذا غسله و لا يجلسه فإنه إن فعل ذلك به اندق ظهره و كذلك يجب ذلك فى ظاهر غسل الميت فى قول الأئمة