رسائل الشريف المرتضى - ج2

- السيد المرتضى المزيد...
391 /
7

(9) مسألة في المنامات

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

مسألة: في المنامات صحيحة هي أم باطلة؟ و من فعل من هي؟

و من أي جنس هي؟ و ما وجه صحتها في الأكثر؟ و ما وجه الانزال عند رؤية المباشرة في المنام؟.

و ان كان فيها و باطل فما السبيل الى تمييز أحدهما من الأخر (1)؟.

الجواب و باللّٰه التوفيق:

من كلام المرتضى (قدس اللّٰه روحه) سادسة المسائل التي سألت عنها: اعلم أن النائم غير كامل العقل، لان النوم ضرب من السهو، و السهو ينفي العلوم، و لهذا يعتقد النائم الاعتقادات الباطلة، لنقصان عقله و فقد علومه.

____________

(1) خ ل: صاحبه.

10

و جميع المنامات انما هي اعتقادات يبتدأ بها النائم في نفسه، و لا يجوز أن يكون من فعل غيره فيه في نفسه، لان من عداه من المحدثين سواء كان بشرا أو ملائكة أو جنا أجسام، و الجسم لا يقدر أن يفعل في غيره اعتقادا، بل ابتداءً. و لا شيئاً من الأجناس على هذا الوجه، و انما يفعل ذلك في نفسه على سبيل الابتداء.

و انما قلنا انه لا يفعل في غيره جنس الاعتقادات متولدا، لأن الذي يعدى الفعل من محل القدرة إلى غيرها من الأسباب انما هو الاعتمادات، و ليس في جنس الاعتمادات ما يولد الاعتقادات. و لهذا لو اعتمد أحدنا على قلب غيره الدهر الطويل ما تولد فيه شيء من الاعتقادات.

و قد بين ذلك و شرح في مواضع كثيرة.

و القديم تعالى هو القادر أن يفعل في قلوبنا ابتداء من غير سبب أجناس الاعتقادات. و لا يجوز أن يفعل في قلب النائم اعتقادا، لأن أكثر اعتقاد النائم جهل و تناول الشيء على خلاف ما هو به، لانه يعتقد أنه يرى و يمشي و أنه راكب و على صفات كثيرة، و كل ذلك على خلاف ما هو به، و هو تعالى لا يفعل الجهل، فلم يبق الا أن الاعتقادات كلها من جهة النائم.

و قد ذكر في المقالات أن المعروف ب«صالح قبة» كان يذهب الى أن ما يراه النائم في منامه على الحقيقة. و هذا جهل منه يضاهي جهل السوفسطائية، لان النائم يرى أن رأسه مقطوع، و أنه قد مات، و أنه قد صعد الى السماء. و نحن نعلم ضرورة خلاف ذلك كله.

و إذا جاز عند صالح هذا أن يعتقد اليقظان في السراب أنه ماء و في المردي إذا كان في الماء أنه مكسور و هو على الحقيقة صحيح لضرب من الشبهة و اللبس و الا جاز ذلك في النائم، و هو من الكمال أبعد و الى النقص أقرب.

11

و ينبغي أن يقسم ما يتخيل النائم أنه يراه إلى أقسام ثلاثة:

منها: ما يكون من غير سبب يقتضيه و لا داع يدعو اليه اعتقادا مبتدأ.

و منها: ما يكون من وسواس الشيطان، و معنى هذه الوسوسة أن الشيطان يفعل في داخل سمعه كلاما خفيا يتضمن أشياء مخصوصة، فيعتقد النائم إذا سمع ذلك الكلام أنه يراه. فقد نجد كثيرا من النيام يسمعون حديث من يتحدث بالقرب منهم، فيعتقدون أنهم يرون ذلك الحديث في منامهم.

و منها: ما يكون سببه و الداعي إليه خاطرا يفعله اللّٰه تعالى، أو يأمر بعض الملائكة بفعله.

و معنى هذا الخاطر أن يكون كلاما يفعل في داخل السمع، فيعتقد النائم أيضا ما يتضمن ذلك الكلام. و المنامات الداعية إلى الخير و الصلاح في الدين يجب أن تكون الى هذا الوجه معروفة، كما أن ما يقتضي الشر منها الاولى أن تكون الى وسواس الشيطان مصروفة.

و قد يجوز على هذا فيما يراه النائم في منامه، ثم يصح ذلك حتى يراه في يقظته على حد ما يراه في منامه. و في كل منام يصح تأويله أن يكون سبب صحته أن اللّٰه تعالى يفعل كلاما في سمعه بضرب من المصلحة، بأن شيئا يكون أو قد كان على بعض الصفات، فيعتقد النائم أن الذي يسمعه هو يراه.

فإذا صح تأويله على ما يراه، فما ذكرناه أن لم يكن مما يجوز أن تتفق فيه الصحة اتفاقا، فان في المنامات ما يجوز أن يصح بالاتفاق و ما يضيق فيه مجال نسبته الى الاتفاق، فهذا الذي ذكرناه يمكن أن يكون وجها فيه.

فان قيل: أ ليس قد قال أبو علي الجبائي في بعض كلامه في المنامات: أن الطبائع لا تجوز أن تكون مؤثرة فيها، لأن الطبائع لا تجوز على المذاهب الصحيحة أن تؤثر في شيء، و أنه غير ممتنع مع ذلك أن يكون بعض المآكل

12

يكثر عندها المنامات بالعادة، كما أن فيها ما يكثر عنده العادة تخييل الإنسان و هو مستيقظ ما لا أصل له.

قلنا: قد قال ذلك أبو علي، و هو خطأ، لأن تأثيرات المآكل بمجرى العادة على المذاهب الصحيحة، إذا لم تكن مضافة إلى الطبائع، فهو من فعل اللّٰه تعالى، فكيف تضيف التخيل الباطل و الاعتقاد الفاسد الى فعل اللّٰه تعالى.

فأما المستيقظ الذي استشهد به، فالكلام فيه و الكلام في النائم واحد، و لا يجوز أن نضيف التخيل الباطل الى فعل اللّٰه تعالى في نائم و لا يقظان.

فأما ما يتخيل من الفاسد و هو غير نائم، فلا بد من أن يكون ناقص العقل في الحال و فاقد التمييز بسهو و ما يجري مجراه، فيبتدأ اعتقادا لا أصل له، كما قلناه في النائم.

فإن قيل: فما قولكم في منامات الأنبياء (عليهم السلام) و ما السبب في صحتها حتى عد ما يرونه في المنام مضاهيا لما يسمعونه من الوحي؟.

قلنا: الأخبار الواردة بهذا الجنس غير مقطوع على صحتها، و لا هي مما توجب العلم، و قد يمكن أن يكون اللّٰه تعالى أعلم النبي بوحي يسمعه من الملك على الوجه الموجب للعلم: أني سأريك في منامك في وقت كذا ما يجب أن تعمل عليه. فيقطع على صحته من هذا الوجه، لا بمجرد رؤيته له في المنام.

و على هذا الوجه يحمل منام إبراهيم (عليه السلام) في ذبح ولده. و لو لا ما أشرنا إليه كيف كان يقطع إبراهيم (عليه السلام) بأنه متعبد بذبح ولده؟.

فان قيل: فما تأويل ما يروى عنه (صلى اللّٰه عليه و آله و سلم) من قوله: «من رآني فقد رآني فإن الشيطان لا يتمثل بي» (1) و قد علمنا أن المحق و المبطل و المؤمن و الكافر قد يرون النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) و يخبر كل واحد منهم عنه بضد ما

____________

(1) سنن ابن ماجة 2/ 1284، الرقم 3901.

13

يخبر به الأخر، فكيف يكون رائيا له في الحقيقة مع هذا؟.

قلنا: هذا خبر واحد ضعيف من أضعف أخبار الآحاد، و لا معول على مثل ذلك. على أنه يمكن مع تسليم صحته أن يكون المراد به: من رآني في اليقظة فقد رآني على الحقيقة، لأن الشيطان لا يتمثل بي لليقظان. فقد قيل: ان الشيطان ربما تمثل (1) بصورة البشر.

و هذا التشبيه أشبه بظاهر ألفاظ الخبر، لانه قال: من رآني فقد رآني، فأثبت غيره رائيا له و نفسه مرئية، و في النوم لا رأيي له في الحقيقة و لا مرئي، و انما ذلك في اليقظة. و لو حملناه على النوم، لكان تقدير الكلام: من اعتقد أنه يراني في منامه و ان كان غير راء له في الحقيقة، فهو في الحكم كأنه قد رآني. و هذا عدول عن ظاهر لفظ الخبر و تبديل لصيغته.

و هذا الذي رتبناه في المنامات و قسمناه أسد تحقيقا من كل شيء قيل في أسباب المنامات، و ما سطر في ذلك معروف غير محصل و لا محقق.

فأما ما يهذي اليه الفلاسفة، فهو مما يضحك الثكلى، لأنهم ينسبون ما صح من المنامات لما أعيتهم الحيل في ذكر سببه الى أن النفس اطلعت إلى عالمها فأشرفت على ما يكون.

و هذا الذي يذهبون إليه في الحقيقة النفس غير مفهوم و لا مضبوط، فكيف إذا أضيف إليه الاطلاع على عالمها. و ما هذا الاطلاع و الى أي يشيرون بعالم النفس؟ و لم يجب أن تعرف الكائنات عند هذا الاطلاع؟.

فكل هذا زخرفة و مخرقة و تهاويل لا يتحصل منها شيء و قول صالح فيه، مع أنه تجاهل محض أقرب الى أن يكون مفهوما من قول الفلاسفة، لان صالحا ادعى أن النائم يرى على الحقيقة ما ليس يراه، فلم يشر إلى أمر غير معقول و لا

____________

(1) في المخطوطة «تمثلت».

14

مفهوم، بل ادعى ما ليس بصحيح و ان كان مفهوما، و هؤلاء عولوا على ما لا يفهم مع الاجتهاد، و لا يعقل مع قوة التأمل، و الفرق بينهما واضح.

و أما سبب الانزال، فيجب أن يبنى على شيء تحقيق سبب الإنزال في اليقظة مع الجماع، ليس هذا مما يهذي به أصحاب الطبائع، لأنا قد بينا في غير موضع أن الطبع لا أصل له، و أن الإحالة فيه على سراب لا يتحصل.

و انما سبب الانزال أن اللّٰه أجرى العادة بأن يخرج هذا الماء من الظهر عند اعتقاد النائم أنه يجامع، و ان كان هذا الاعتقاد باطلا. و الحمد للّٰه.

15

[ (10) الرد على أصحاب العدد]

المقدمة

16

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

17

بسم اللّٰه الرّحمن الرّحيم و به توكلي و عليه اعتمادي بالعدد

الحمد للّٰه على وافر الخباء و باهر العطاء، و متواصل الآلاء، و متتابع السراء و صلى اللّٰه عليه خير البشر، و أفضل البدو و الحضر، سيدنا محمد نبيه و صفية و على الطاهرين من عترته و سلم.

وقفت- أحسن اللّٰه توفيقك- على ما أنفذته من الكلام المجموع في نصرة العدد في الشهور، و الطعن على من ذهب الى الرؤية، و اعتمدها و لم يلتفت الى ما سواها.

و أنا أجيب مسألتك و انتفعتك (1) بطلبتك، و أعمل في هذا الباب كلاما وجيزا يقع بمثله الكفاية، فإن من طول من أصحابنا الكلام في هذه المسألة تكلف ما لا يحتاج اليه، و الأمر فيها أقرب و أهون من أن يخرج الى التدقيق و التطويل، و اللّٰه الموفق للصواب في جميع الأمور.

____________

(1) ظ: أسعفك.

18

[الاستدلال بالإجماع على الرؤية]

و اعلم أن هذه مسألة إذا تأملت علم أنها مسألة إجماع من جميع المسلمين و الإجماع عليها هو الدليل المعتمد، لان الخلاف فيها انما ظهر من نفر من أصحاب الحديث المنتمين إلى أصحابنا، و قد تقدمهم الإجماع و سبقهم، و لا اعتبار بالخلاف الحادث، لانه لو كان به اعتبار لما استقر إجماع، و لا قامت الحجة به.

و قد علمنا ضرورة أن أحدا من أهل العلم لم يخالف قديما في هذه المسألة و لا جرى بين أهل العلم فيها متقدما كلام، و لا نظر و لا جدال، حتى ظهر من بين أصحابنا فيها هذا الخلاف.

ثم لا اعتبار بهذا الخلاف، سالفا كان أم حادثا متأخرا، لأن الخلاف انما يفيد إذا وقع ممن بمثله اعتبار في الإجماع من أهل العلم و الفضل و الدراية و التحصيل.

و الذين خالفوا من أصحابنا في هذه المسألة عدد يسير ممن ليس قوله بحجة في الأصول و لا في الفروع، و ليس ممن كلف النظر في هذه المسألة، و لا ما في أجلى (1) منها، لقصور فهمه و نقصان فطنة.

و ما لأصحاب الحديث الذين لم يعرفوا الحق في الأصول، و لا اعتقدوها بحجة و لا نظر، بل هم مقلدون فيها و الكلام في هذه المسائل، و ليسوا بأهل نظر فيها و لا اجتهاد، و لا وصول إلى الحق بالحجة، و انما تعديلهم (2) على التقليد و التسليم و التفويض.

____________

(1) في الهامش: فيما هو أجلى.

(2) الظاهر: تعويلهم.

19

فقد بان بهذه الجملة أن هذه المسألة مسألة إجماع، و الإجماع عندنا حجة، لأن الإمام المعصوم الذي لا يخلو الزمان منه، قوله داخل فيه، و هو حجة، لدخول قول من هو حجة فيه.

و قد بينا في مواضع كثيرة من كتبنا صحة هذه الطريقة، و كيفية العلم بالطريق، الى أن قول الامام داخل في أقوال الشيعة و غير منفصل عنها في زمان الغيبة، الذي يخفى عنا فيه قول الامام على التحقيق.

منها في جواب مسائل أبي عبد اللّٰه التبان «ره»، و قد مضى الكلام هناك في هذه المسألة أيضا فيما هو جواب مسائل أهل الموصل الواردة أخيرا. و من أراد استيفاء الكلام في هذا الباب رجع الى ما أشرنا إليه من هذه الكتب.

[الاستدلال بالسيرة على الرؤية]

دليل آخر

و هو: انا قد علمنا ضرورة أن المسلمين من لدن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) الى وقتنا هذا يفزعون و يلجئون في أوائل الشهور و العلم بها على التحقيق إلى الرؤية، و يخرجون الى الصحاري و المواضع المنكشفة، خروجا منكشفا ظاهرا معلنا شائعا ذائعا.

حتى أنهم يتأهبون لذلك و يتزينون له، و يتجملون بضروب التجملات، لا يخالف في ذلك منهم مخالف، و لا يعارض منهم معارض، و لا ينكر منهم منكر حتى أنه قد جرى مجرى الأعياد و الجمع في الظهور و الانتشار.

فلو كان تعيين الشهور التي تتعلق الاحكام بتعيينها من صوم و حج و انقضاء عدة و وجوب دين، و غير ذلك من الأحكام الشرعية، انما يثبت بالعدد لا برؤية الأهلة، لكان جميع ما حكينا من فعل المسلمين من الفزع عبثا و غلطا و تكلف

20

بما لا فائدة فيه، و العدول عما فيه الفائدة.

[الاستدلال بالآيات القرآنية على الرؤية]

دليل آخر

و هو: قوله تعالى «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوٰاقِيتُ لِلنّٰاسِ وَ الْحَجِّ» (1).

و هذا نص صريح كما ترى بأن الأهلة هي المعتبرة في المواقيت و الدالة على الشهور، لانه علق بها التوقيت.

فلو كان العدد هو الذي يعرف به التوقيت، محض العدد بالتوقيت دون رؤية الأهلة، إذ لا معتبر برؤية الأهلة في المواقيت على قول أصحاب العدد.

دليل آخر

و هو: قوله تعالى «هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيٰاءً وَ الْقَمَرَ نُوراً وَ قَدَّرَهُ مَنٰازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَ الْحِسٰابَ» (2). و هذا نص صريح كما ترى على أن معرفة السنين و الحساب مرجوع فيها الى القمر و نقصانه و زيادته و أنه لاحظ للعدد الذي يعتمده أصحاب العدد في علم السنين و الشهور، و هذا أوضح من أن تدخل على عاقل فيه شبهة.

[الاستدلال بالأخبار الواردة على الرؤية]

دليل آخر

و هو: الخبر المروي عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) من قوله «صوموا

____________

(1) سورة البقرة: 189.

(2) سورة يونس: 5.

21

لرؤيته و أفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين» (1) و هذا الخبر و ان كان من طريق الآحاد، و مما لا يعلم كما علم طريقه من أخبار العلم، فقد أجمعت الأمة على قبوله، و ان اختلفوا في تأويله، فما رده أحد منهم، و لا شكك فيه.

و هو نص صريح غير محتمل، لأن الرؤية هي الأصل، و أن العدد تابع لها و غير معتبر، الا بعد ارتفاع الرؤية.

و لو كان بالعدد اعتبار، لم يعلق الصوم بنفس الرؤية، و لعلقة بالعدد و قال:

صوموا بالعدد و أفطروا بالعدد، و الخبر يمنع من ذلك غاية المنع.

فان قيل: فما معنى قوله «صوموا لرؤيته و أفطروا لرؤيته» و أي فائدة لهذا الكلام.

قلنا: معنى ذلك: صوموا لأجل رؤيته و عند رؤيته، كما يقول القائل:

صل الغداة لطلوع الشمس، يعني لأجل طلوعه و عند طلوعه، كما قال تعالى «أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ» (2).

ثم نعود الى الكلام على ما ذكره صاحب الكتاب:

[المناقشة في الاستدلال بالكتاب على العدد]

دليل في القرآن:

قال اللّٰه تعالى كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيٰامُ كَمٰا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيّٰاماً مَعْدُودٰاتٍ (3) فأخبر بأن الصوم المكتوب علينا نظير الصوم المكتوب

____________

(1) جامع الأصول 7/ 180.

(2) سورة الإسراء: 87.

(3) سورة البقرة: 183.

22

على من قبلنا، و قد علم أنه عنى بذلك أهل الكتاب، و أنهم لم يكلفوا في معرفة ما كتب عليهم من الصيام الا العدد و الحساب، و قد بين اللّٰه تعالى ذلك بقوله في الآية أَيّٰاماً مَعْدُودٰاتٍ*.

و هذا نص من الكتاب في موضع الخلاف، يشهد بأن فرض الصيام المكتوب أيام معدودة، حسب ما اقتضاه التشبيه بين الصومين، و ما فسره بقوله أَيّٰاماً مَعْدُودٰاتٍ* فإذا وجب ذلك فالمحفوظ من العبادات محفوظ بعدده، محروس بمعرفة كميته، لا يجوز عليه تغييره ما دام فرضه لازما على وجه.

فهذا هو الذي نذهب إليه في شهر رمضان، من أن نية معرفته بالعدد و الحساب، و أنه محصور بعدد سالم من الزيادة و النقصان، و لو لا ذلك لم يكن لقوله تعالى أَيّٰاماً مَعْدُودٰاتٍ* معنى يستفاد.

يقال له: ما رأينا أبعد عن الصواب و موقع الحجة من هذا الاستدلال، لان اللّٰه تعالى انما جمع بين ما كتبه علينا من الصيام، و بين ما كتبه على من كان قبلنا، و تشبه أحدهما بصاحبه في صفة واحدة و هي أن هذا مفروض مكتوب، كما أن ذلك مفروض مكتوب، فجمع في الإيجاب و الإلزام، و لم يجمع بينهما في كل الصفات.

ألا ترى أن العدد فيما فرض علينا من الصيام، و فيما فرض على اليهود و النصارى مختلف غير متفق، فكيف يدعى أن الصفات و الأحكام واحدة.

على أنا لو سلمنا أن الآية تقتضي التشبيه بين الصومين في كل الأحوال- و ليس الأمر كذلك- لم يكن لهم في الآية حجة، لأنا لا نعلم أن فرض اليهود و النصارى في صومهم العدد دون الرؤية، و اليهود يختلفون في طريقتهم إلى معرفة الشهور.

فمنهم من يذهب الى أن الطريق هو الرؤية، و آخرون يذهبون الى العدد،

23

و إذا لم يثبت أن أهل الكتاب كلفوا في حساب الشهور العدد دون الرؤية، سقط ما بنوا الكلام عليه و تلاشى.

فأما قوله تعالى أَيّٰاماً مَعْدُودٰاتٍ* فلم يرد به أن الطريق إلى إثبات هذا الصيام و تعيينه هو العدد دون الرؤية، و انما أراد تعالى أحد أمرين: اما أن يريد ب«معدودات» محصورات مضبوطات، كما يقول القائل: أعطيته مالا معدودا.

يعني أنه محصور مضبوط متعين، و قد ينحصر الشيء و ينضبط بالعدد و بغيره، فهذا وجه. أو يريد بقوله «معدودات» أنها قلائل، كما قال تعالى وَ شَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرٰاهِمَ مَعْدُودَةٍ» (1) يريد أنها قليلة.

و هذان التأويلان جميعا يسوغان في قوله تعالى وَ اذْكُرُوا اللّٰهَ فِي أَيّٰامٍ مَعْدُودٰاتٍ (2).

فأما قوله «ان المعدود من العبادات محفوظ بعدده محروس بمعرفة كميته، لا يجوز عليه تغيير ما دام فرضه لازما» فهو صحيح، لكنه لا يؤثر في موضع الخلاف في هذه المسألة، لأن العدد إذا كان محفوظا بالعدد مضبوط الكمية ان هذا المعدود المضبوط انما عرف مقداره و ضبط عدده، لا من طريق الرؤية بل من الطريق الذي يدعيه أهل العدد، فليس في كونه مضبوطا معروف العدد ما يدل على الطريق الذي به عرفنا عدده و حصرناه، و ليس بمنكر أن يكون الرؤية هي الطريق إلى معرفة حصره و عدده.

ثم من أين صحة قوله «و أنه محصور بعدد سالم من الزيادة و النقصان» فليس في قوله تعالى «أَيّٰاماً مَعْدُودٰاتٍ»* أنها لا تكون تارة ناقصة و تارة زائدة، بحسب ما يدل عليه الرؤية، و انما تدل على أحد الأمرين اللذين ذكرنا هما،

____________

(1) سورة يوسف: 20.

(2) سورة البقرة: 203.

24

أما معنى القلة، أو معنى الضبط و الحصر.

و ليس في كونها مضبوطات محصورات ما يدل على أنها تكون تارة زائدة و تارة ناقصة، بحسب الرؤية و طلوع الأهلة.

فأما انتصاب قوله تعالى أَيّٰاماً مَعْدُودٰاتٍ* فقد قيل: انه على الظرف، كأنه قيل: الصيام في أيام معدودات، كما يقول القائل: أوجبت علي الصيام أيام حياتي و خروج زيد يوم الخميس.

و الوجه الثاني: أن يعدى الصيام، كأنه قال: كتب عليكم أن تصوموا أياما معدودات.

و وجه ثالث: أن يكون تفسيرا عن «كم» يكون مرددا (1) عن لفظة «كما» كأنه قال: كتب عليكم الصيام كتابة كما كتب على الذين من قبلكم، و فسر فقال:

و هذا المكتوب على غيركم أياما معدودات.

و يجوز أيضا أن يكون تفسيرا و تمييزا للصوم، فان لفظه «الصوم» مجملة يجوز أن تتناول الأيام و الليالي و الشهور، فميز بقوله تعالى أَيّٰاماً مَعْدُودٰاتٍ* و بين أن هذا الصوم واقع في أيام.

و قال الفراء: هو مفعول ما لم يسم فاعله كقوله: أعطي زيد المال.

و خالفه الزجاج فقال: هذا لا يشبه ما مثل به، لانه يجوز رفع الأيام قد يكتب عليكم الصيام، كما يجوز رفع المال، فيقول: أعطى زيدا المال. فالأيام لا يكون الا منصوبة على كل حال.

و مما يمكن أن يقال في هذا الباب مما لا نسبق اليه: أن تجعل «أياما» منصوبة بقوله «تتقون» كأنه قال: لعلكم تتقون أياما معدودات، أي تحذرونها و تخافون شرها، و هذه الأيام أيام المحاسبة و الموافقة (2) و المساءلة و دخول النار

____________

(1) في الهامش: و يكون مردودا.

(2) الظاهر المؤاخذة.

25

و ما أشبه ذلك من الأيام المحذورة المرهوبة، و يكون المعنى: ان الصوم انما كتب عليكم لتحذروا هذه [الأيام] (1) و تخافوها، و تتجنبوا القبائح و تفعلوا الواجب.

ثم حكى صاحب الكتاب عنا ما لا نقوله و لا نعتمده و لا نسأل عن مثله، و هو أن قوله تعالى «أَيّٰاماً مَعْدُودٰاتٍ»* انما أراد به ان كان عددها و تشاغل بنقض ذلك و إبطاله، و إذا كنا لا نعتمد ذلك و لا نحتج به، فقد تشاغل بما لا طائل فيه. و الذي نقوله في معنى «معدودات» من الوجهين ما ذكرناه فيما تقدم و بيناه فلا معنى للتشاغل بغيره.

[المناقشة في الاستدلال الثاني بالكتاب على العدد]

دليل آخر من القرآن:

و هو قوله جل اسمه «شَهْرُ رَمَضٰانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنّٰاسِ وَ بَيِّنٰاتٍ مِنَ الْهُدىٰ وَ الْفُرْقٰانِ و لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَ لِتُكَبِّرُوا اللّٰهَ عَلىٰ مٰا هَدٰاكُمْ وَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ» (2) فأبان تعالى في هذه الآية أن شهر رمضان عدة يجب صيامها على شرط الكمال.

و هذا قولنا في شهر الصيام أنه كامل تام سالم من الاختلاف، و أن أيامه محصورة لا يعترضها زيادة و لا نقصان. و ليس كما يذهب إليه أصحاب الرؤية، إذ كانوا يجيزون نقصانه عن ثلاثين، و عدم استحقاقه لصفة الكمال.

يقال له: من أين ظننت أن قوله تعالى وَ لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ معناه: صوموا ثلاثين يوما من غير نقصان عنها.

____________

(1) الزيادة منا.

(2) سورة البقرة: 185.

26

و ما أنكرت أن يكون قوله «وَ لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ» معناه: صوموا العدة التي وجب عليكم صيامها من الأيام على التمام و الكمال، و قد يجوز أن يكون هذه العدة تارة ثلاثين و تارة تسعة و عشرين يوما، و من رأى الهلال فقد أكمل العدة التي وجب عليه صيامها و ما نقص عنها شيئا.

ألا ترى أن من نذر أن يصوم تسعة و عشرين يوما من شهر ثم صامها، نقول:

انه قد أكمل العدة التي وجبت عليه و تممها و استوفاها و لم (1) يعم شهرا عدده ثلاثون يوما.

ثم قال صاحب الكتاب: و قد عارض بعضهم في هذا الاستدلال فقال: ان الشهر و ان نقص عدد أيامه عن ثلاثين يوما، فإنه يستحق من صفة الكمال ما يستحقه إذا كان ثلاثين، و أن كل واحد من الشهرين المختلفين في العدد، كامل تام على كل حال.

ثم قال: و هذا غير صحيح، لان الكامل و الناقص من أسماء الإضافات، و هما كالكبير و الصغير و الكثير و القليل، فكما لا يقال كبير الا لوجود صغير، و لا كثير الا لحصول قليل، فكذلك لا يقال الشهر من الشهور كامل الا بعد ثبوت شهر ناقص، فلو استحال تسمية شهر بالنقصان، لاستحالت لذلك تسمية شهر آخر بالتمام و الكمال، و هذا واضح يدل المنصف على فساد معارضة الخصوم و وجود كامل و ناقص في الشهور.

يقال له: لسنا ننكر أن يكون في الشهور ما هو ناقص و منها ما هو كامل، لكن قولنا «ناقص» يحتمل أمرين: أحدهما أن يراد به النقصان في العدد، و يحتمل أن يراد به النقصان في الحكم و أداء الفرض.

فإذا سألنا سائل عن شهرين أحدهما عدده ثلاثون يوما و الأخر عدده تسعة

____________

(1) ظ: و لم يصم.

27

و عشرون يوما، و قال: ما تقولون ان الشهر الذي عدده تسعة و عشرون يوما أنقص من الذي عدده ثلاثون يوما.

فجوابنا أن نقول له: ان أردت بالنقصان في العدد، فالقليل الأيام ناقص عن الذي زاد عدده. و ان أردت النقصان في الحكم و أداء الفرض، فلا نقول ذلك.

بل نقول: ان من أدى ما عليه في الشهر القليل العدد و صامه كملا الى آخره فقد كمل العدة التي وجبت عليه، و نقول: ان صومه كامل تام لا نقصان فيه، و ان كان عدد أيامه أقل من عدد أيام الشهر الأخر، فلم ننكر، كما ظننت أن يكون شهر ناقصا و شهر تاما، حتى يحتاج الى أن تقول ان هذا من ألفاظ الإضافات، انما فصلنا ذلك و قسمناه و وضعناه في موضعه.

ثم قال صاحب الكتاب من بعد ذلك: ثم يقال لهم: كيف استجزتم القول بأن قياس الشهور كاملة، مع إقراركم بأن فيها ما عدد أيامه ثلاثون يوما، و فيها ما هو تسعة و عشرون يوما، و ليس في العرب أحد إذا سئل عن الكامل من هذه الشهور، التبس عليه أنه الذي عدده ثلاثون يوما.

يقال له: هذا مما قد بان جوابه في كلامنا الماضي، و جملته اننا لا ننكر أن الشهر الذي هو تسعة و عشرون يوما أنقص عددا من الذي عدده ثلاثون يوما، و أن الذي عدده ثلاثون يوما أكمل من طريق العدد من الذي هو تسعة و عشرون.

و انما أنكرنا أن يكون أحدهما أكمل من صاحبه و أنقص منه في باب الحكم و أداء الفرض، لأنهما على الوجه الذي يطابق الأمر و الإيجاب، و هذا ما لا يشتبه على المحصلين.

ثم قال بعد ذلك: و قد قال بعض حذاقهم ان قوله تعالى «وَ لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ» انما أراد به قضاء الفائت على العليل و المسافر، لانه ذكره بعد قوله «فَمَنْ كٰانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّٰامٍ أُخَرَ».

28

ثم قال يقال لهم: لو كان الأمر على ما ظننتموه، لكان قاضي ما فاته من علة أو سفر مندوبا إلى التكبير عقيب القضاء، لقول اللّٰه تعالى وَ لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَ لِتُكَبِّرُوا اللّٰهَ عَلىٰ مٰا هَدٰاكُمْ و قد أجمعت الأمة على أنه لا تكبير عليه فرضا و لا سنة، و انما هو مندوب اليه عقيب انقضاء شهر رمضان ليلة الفطر من شوال.

فعلم بما ذكرنا سقوط هذه المعارضة و صحة ما ذهبنا إليه في معنى الآية، و أن كمال العدة يراد به نفس شهر الصيام، و إيراده على التمام.

يقال له: قد تبينا أن أمره تعالى بإكمال العدة ليس المراد به صوموا ثلاثين على كل حال، و انما يراد به صوموا ما وجب عليكم صيامه، و اقتضت الرؤية أو العدد الذي نصير اليه بعد الرؤية، و أكملوا ذلك و استوفروه (1)، فمن صام تسعة و عشرين يوما وجب عليه لموجب الرؤية، كمن صام ثلاثين يوما وجب عليه برؤية أو عدد عند عدم الرؤية، لأنهما قد أكملا العدة و تمماها.

و إذا كان الأمر على ما ذكرناه فلا حاجة بنا أن نجعل قوله «وَ لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ» مخصوصا بقضاء الفائت على العليل و المسافر.

و لو قال صاحب الكتاب في جواب ما حكاه من أن بعض حذاقهم قال: ان إكمال العدة إنما أمر به العليل أو المسافر. ان هذا تخصيص للعموم بغير دليل لكان أجود مما عول عليه، لان قوله تعالى وَ لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ تمام في قضاء الفائت من شهر رمضان و في استيفاء العدد و تكميله، و إذا صرفه صارف الى موضع دون آخر، كان مخصصا بغير دليل.

فأما قوله «ان مندوبية التكبير انما هو عقيب انقضاء شهر رمضان لليلة الفطر و ليس على قاضي ما فاته في علة أو سفر تكبير و لا هو مندوب اليه» فغلط منه، لان التكبير و ذكر اللّٰه تعالى و شكره على نعمه مندوب إليه في كل وقت و على

____________

(1) ظ: و استوفوه.

29

كل حال، و عقيب كل أداء العبادة و قضائها، فكيف يدعي أنه غير مندوب اليه الا عقيب انقضاء شهر رمضان؟.

[المناقشة في الخبر الدال على العدد]

ثم قال صاحب الكتاب: دليل آخر من جهة الأثر: و هو ما روى الشيخ أبو جعفر محمد بن بابويه القمي (رضي اللّٰه عنه) في رسالته الى حماد بن علي الفارسي في الرد على الجنيدية.

و ذكر بإسناده عن محمد بن يعقوب بن شعيب عن أبيه، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت له: ان الناس يروون ان رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) صام شهر رمضان تسعة و عشرين يوما أكثر مما صامه ثلاثين.

فقال: كذبوا ما صام رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) الا تاما، و لا يكون الفرائض ناقصة، ان اللّٰه تعالى خلق السنة ثلاثمائة و ستين يوما، و خلق السماوات و الأرض في ستة أيام يحجزها من ثلاثمائة و ستين يوما، فالسنة ثلاثمائة و أربعة و خمسون يوما.

و هو: شهر رمضان ثلاثون يوما لقول اللّٰه تعالى وَ لِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ و الكامل تام، و شوال تسعة و عشرون يوما، و ذو القعدة ثلاثون يوما، لقول اللّٰه تعالى «وَ وٰاعَدْنٰا مُوسىٰ ثَلٰاثِينَ لَيْلَةً وَ أَتْمَمْنٰاهٰا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقٰاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً» و الشهر هكذا شهر تام و شهر ناقص، و شهر رمضان لا ينقص أبدا، و شعبان لا يتم أبدا (1).

و هذا الخبر يغني عن إيراد غيره من الاخبار، لما يتضمنه من النص الصريح على صحة المذهب و يحويه من البيان.

____________

(1) وسائل الشيعة 7/ 196 ح 32 و ح 33.

30

قال الشريف المرتضى (رضي اللّٰه عنه) يقال له: أما هذا الخبر فكأنه موضوع و مرتب على مذهب أصحاب العدد، لانه على ترتيب مذهبهم، و قد احترس فيه من المطاعن و استعمل من الألفاظ ما لا يدخله الاحتمال و التأويل، و لا حجة في هذا الخبر و لا في أمثاله على كل حال.

و قد بينا في مواضع كثيرة من كتبنا الخبر الواحد لا يوجب العلم، و لا يقطع على صحته و ان رواه العدول الثقات، كان العلم به لا يجوز، لأنا لا نأمن فيما نقدم عليه من الحكم الذي تضمنه أن يكون مفسدة، و لا نقطع على أنه مصلحة، و الاقدام على مثل ذلك قبيح، حتى ان من أصحابنا من يزيد على ذلك و يقول:

ان أخبار الآحاد لا يجوز العمل بها و لا التعبد بأحكامها من طريق العقول.

و قد بينا في مواضع كثيرة أن المذهب الصحيح هو تجويز ورود العبادة بالعمل بأخبار الآحاد من طريق العقول، لكن ذلك ما ورد و لا تعبدنا به، فنحن لا نعمل بها، لان التعبد بها مفقود و ان كان جائزا.

فإن قيل: تجيزون العمل بها من طريق العقول و ورود العبادة بذلك، مع ما ذكرتموه من أنه لا يؤمن من الاقدام عليها أن يكون مفسدة، لأن الذي يؤمن ذلك القطع على صدق روايتها، و لا قطع الا مع العلم، و الظن لا قطع معه.

قلنا: إذا فرضنا ورود العبادة بالعمل بأخبار الآحاد، آمنا أن يكون الاقدام عليها مفسدة، لأنه لو كان مفسدة أو قبيحا لما وردت العبادة به من الحكيم تعالى بالعمل بها، فصار دليلا على العمل بها، يقطع معه أن العمل مصلحة و ليس بمفسدة، كما يقطع على ذلك مع العلم بصدق الراوي.

و إذا لم ترد العبادة بالعمل بأخبار الآحاد و جوزنا كذب الراوي، فالتجويز لكون العمل بقوله مفسدة ثابتة، و مع هذا التجويز لا يجوز الاقدام على الفعل، لأنا لا نأمن من كونه مفسدة، فصارت هذه الاخبار التي تروي في هذا الباب غير

31

حجة، و ما ليس كذلك لا يعمل به و لا يلتفت اليه.

[حمل أخبار الرؤية على التقية و المناقشة فيه]

قال صاحب الكتاب دليل آخر: و هو أن مشايخ العصابة و أمناء الطائفة قد رووا أخبار العدد، كما رووا أخبار الرؤية، و قد علمنا أن الأئمة (عليهم السلام) كانوا في زمان تقية و لم يكتب أحد من المتغلبين في أيامهم، و لا من العامة في وقتهم بقول في العدد فيخوفه (1)، و في علمنا بخلاف ذلك دلالة على أن أخبار الرؤية أولى بالتقية.

يقال له: هذا منك كلام على من يحتج في إثبات الرؤية بأخبار الآحاد المروية، و نحن لا نحتج بشيء من ذلك و لا نقول الا على طرف من الأدلة توجب العلم و يزول معها الشك و الريب، و قد تقدم في صدر كتابنا هذا ما يجب أن يعول عليه.

فأما ترجيح أخبار العدد على أخبار الرؤية بذكر الرؤية، فهو و إن كان كلاما على غيرنا ممن يعول (2) على أخبار الآحاد في إثبات العمل بالرؤية. فهو أيضا غير معتمد، لأن أكثر ما في هذا الترجيح الذي ذكره أن يكون أخبار العدد الظن فيها أقوى منه في أخبار الرؤية، و مع الظن بالتجويز (3) قائم، و العلم القاطع غير حاصل، و العمل مع ذلك لا يسرع (4)، لان العمل انما يحسن مع القطع لا مع قوة الظن.

____________

(1) خ ل: فيفوته.

(2) خ ل: يقول.

(3) ظ: فالتجويز.

(4) ظ: لا يشرع.

32

قال صاحب الكتاب: و يزيد ذلك بيانا ما روي عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: إذا أتاكم عنا حديثان فحدثوا (1) بأبعدهما من أقوال العامة (2). و في إجماع العامة على القول بالرؤية، مع ورود هذه الاخبار عن الأئمة (صلوات اللّٰه عليهم) دلالة واضحة على وجوب الأخذ بالعدد، و أنه الأصل الذي عليه المعول.

يقال له: و من أين علم صحة هذا الخبر المروي عن الصادق (عليه السلام) حتى جعلته أصلا، و عولت عليه في العمل بالأخبار المروية، و ترجيح بعضها على بعض، إذ ليس هذا الخبر من أخبار الآحاد، نعني بقولنا «انه من أخبار الآحاد» أنه لا يوجب علما و لا ينفي تجويزا و ان كان رواه أكثر من واحد.

فكيف تعول في أخبار الآحاد و ترجيح بعضها على بعضها على خبر هو من جملة أخبار الآحاد، و هذا يعول عليه من أصحابنا من لا يعرف ما تقوله و تأتيه و تذره.

[الاستدلال بالقياس على العدد و المناقشة فيه]

ثم قال صاحب الكتاب: استدلال من طريق القياس، و مما يدل على ما نذهب إليه في شهر رمضان، انا وجدنا صيامه أحد فرائض الإسلام، فوجب من فرضه سلامة أيامه من الزيادة و النقصان، قياسا على الصلوات الخمس التي لا يجوز كونها مرة أربعا و مرة خمسا و مرة ستا، و على الزكاة أيضا لفساد إخراج أربعة من المائتين و خمسة مرة أخرى، فعلم بهذا الاعتبار أن شهر رمضان لا يجوز عليه زيادة و لا نقصان.

يقال له: إذا كان القياس عندك باطلا و عند أصحابنا، فكيف و لا خلاف

____________

(1) في الهامش: فخذوا.

(2) وسائل الشيعة 18/ 85 ما يدل على مضمون الحديث.

33

بينهم يحتج بما ليس بحجة عندك؟ و كيف تثبت الأحكام الشرعية بما ليس بدليل؟

فان قال ما قاله بعيد هذا الموضع. ننكر من القياس ما خالف النصوص، و قياسنا هذا يعضده النص الوارد في القرآن، و الاخبار تدل على صحته و استمراره على أصله.

قيل له: هذا مخالف لما يقوله أصحابك المتقدمون و المتأخرون، لأن القياس عندهم باطل لا يجوز اعتماده فيما وافق النصوص و فيما خالفها، و لا هو حجة في شيء من الاحكام على وجه و على سبب.

و إذا كانت النصوص تدل على الحكم، أي حاجة بنا الى استعمال القياس في ذلك الحكم، و قد عرفناه من طريق النصوص، فوجود القياس هاهنا كعدمه، و انا إذا كنا نستغني بالنص الوارد في الحكم عن نص الأخر، و ان كان الثاني حجة دالا على الحكم.

على أن القياس الذي استعملته ليس كذلك، استعماله باطل غير صحيح في نفسه، لأن الأصل الذي قست عليه- و هو الصلوات- يجوز اختلاف العبادة فيها على المكلفين بالزيادة و النقصان.

ألا ترى أن من دخل في صلاة الظهر لا يعلم أنه يبقى حتى يصلي الركعات الأربع، و أنه يجوز على الاخترام قبل التمام، و انما يعلم أنه مكلف بالأربع إذا فرغ منها و جاوزها.

و قد يجوز أن يبقي اللّٰه سبحانه بعض المكلفين صحيحا سليما الى أن يصلي الأربع، و قد يجوز أن يقبضه و قد فرغ من واحدة أو اثنتين أو ثلاث، فيعلم أن الذي دخل في تكليفه ما نقص الفراغ منه، و ما اقتطع دونه من الركعات فليس بداخل في تكليفه، فقد اختلف الفرض كما ترى، و صار فرض بعض المكلفين

34

في الصلوات زائدا و بعضهم ناقصا، و جرى ذلك مجرى شهر رمضان، فإنه يلحقه الزيادة و النقصان.

فيجب على من رأى الهلال ليلة الثلاثين أن يفطر، و يكون فرضه تسعة و عشرين يوما. و يكون من لم يره و لا شهد عنده بمن يجب العمل بقبوله (1)، أن يصوم ثلاثين، فيختلف فرضاهما. و يجب أيضا على الجميع إذا غم عليهم ليلة الثلاثين أن يصوموا شهرا على التمام. و يجب عليهم إذا رأوه ليلة الثلاثين أن يفطروا، فيختلف التكليفان باختلاف الأحوال.

و على هذا يختلف أحوال المكلف (2) في الصيام، فان اخترم في أيام شهر رمضان فتكليفه ما صامه من الأيام، و علمنا بالاخترام أن صيام باقي الشهر لم يكن في تكليفه، و من الباقي الى آخر الشهر قطعنا على أنه مكلف بصيام جميع الشهر.

و هذا يخفى على من لم يعرف كيف الطريق الى العلم بدخول بعض الافعال في التكليف و هل يسبق ذلك وقوع الفعل أو يتأخر عنه.

[الاستدلال بمعرفة العبادات في أوقاتها و المناقشة فيه]

قال صاحب الكتاب: استدلال آخر و هو: ان جميع الفرائض يعلم المكلف أوقاتها قبل حلولها، و يعلم أوائلها قبل دخوله فيها، و كذلك يعلم أواخرها قبل تقضيها.

ألا ترى أنه لا شيء من الصلوات و طهورها و الزكوات و شرائطها و فرائض الحج و العمرة و مناسكها الا و هذه صفته و حكمه، فعلمنا أن شهر رمضان كذلك إذا كان أحد الفرائض، يجب أن يعلم أوله قبل دخول التكليف فيه و آخره قبل

____________

(1) ظ: من يجب العمل بقوله.

(2) في الهامش: التكليف.

35

تقضيه، و هذا لا يقدر عليه الا بالعدد دون الرؤية، فعلم أن العدد هو الأصل.

يقال له: إن أردت بكلامك هذا أن جميع الفرائض لا بدّ أن يعلم المكلف أوقاتها قبل دخوله فيها و أوائلها و أواخرها، و أنه لا بدّ أن يعلم ذلك على الجملة، و يكون مميزا للأول و الأخر بالصفات التي أوردتها الشريعة من غير أن يعلم أنه في نفسه لا يكون داخلا في تكليف الأول و الأخر، فالآخر على ما ذكرت.

و ان أردت أنه لا بدّ أن يعلم قبل الدخول فيها أنه مكلف لأولها و آخرها في تكليف الأخر كما دخل في تكليف الأول، فقد بينا أن الأمر بخلاف ذلك، و أن المكلف يعلم أنه مكلف للآخر و لا كل جزء من العبادات الا بعد قطعه و تجاوزه.

فان قيل: لا يعلم المكلف على مذهبكم قبل دخول شهر رمضان أول هذه العبادة و آخرها.

قلنا: يعلم أول هذه العبادة بأن يشاهد الهلال ليلة الشهر، أو يخبره من يجب عليه قبول خبره برؤيته، فيعلم بذلك أنه أول هذه العبادة قبل دخوله فيها.

فأما آخرها فيعلمه أيضا قبل الوصول إليه، بأن يشاهد الهلال ليلة الثلاثين، أو يخبره عن مشاهدته من يلزمه العمل بخبره، أو بأن يفقد الرؤية مع الطلب و الخبر عنها، فيلزمه أن يصوم الثلاثين، فقد صار أول شهر رمضان و آخره متميزين عند أصحاب الرؤية كما تميز عند أصحاب العدد.

فان قيل: التميز عند أصحاب العدد واضح، لأنهم يقولون على شيء واحد في أول الشهر و آخره، و هو العدد دون انتقال من غيره اليه، و أصحاب الرؤية يقولون على الرؤية التي يجوز أن تحصل و أن لا تحصل، ثم ينتقلون إذا لم تحصل الى العدد.

قلنا: و أي فرق بين تمييز العبادة و تعيينها بين أن يتميز بأمر واحد لا ينتقل

36

منه الى غيره و لا يختلف حكمه، و بين أن تتميز ما ميز بتقدر حصوله و بتوقع كونه فان وقع تميز به و ان لم يقع وقع الانتقال إلى أمر آخر، و أكثر الشريعة على ما ذكرناه، و أنها تتميز بأوصاف مختلفة و شروط متعاقبة مترتبة.

أولا ترى أن العدة في الطلاق قد تختلف على المرأة، فتقيد تارة بالشهور و تارة بالاقراء، فتنتقل العدة بالمعتدة الواحدة من شهور الى اقراء و من اقراء الى شهور، فتختلف العادة. و هذا الاختلاف كاختلاف الشروط و الصفات فيها.

[الاستدلال بالحصر على بطلان الرؤية و المناقشة فيه]

قال صاحب الكتاب: أخبرونا عمن طلب أول شهر رمضان إذا رقب الهلال فرآه، لا يخلو أمره من احدى ثلاث خصال:

اما أن يعتقد برؤيته أنه قد أدرك معرفة أوله لأهل الإسلام، حتى لا يجيز ورود الخبر برؤيته قبل ذلك في بعض البلاد.

أو يعتقد أنه أول الشهر عنده، لانه رآه و يجزي رؤية غيره له من قبل و استتاره عنه في الحال، لكنه لا يلتفت الى هذا الجواز، و لا يعول الا على ما أدركه و رآه.

أولا يعتقد ذلك و يقف مجوزا غير قاطع، لإمكان ورود الخبر الصادق بظهوره لغيره قبل تلك الليلة في إحدى الجهات. فعلى أي هذه الأقسام يكون تعويل المكلف في رؤية الهلال؟

فان قالوا: على القسم الأول، و هو القطع و ترك التجويز مع المشاهدة ليصح الاعتقاد، أوجبوا على المكلف اعتقاد أمر آخر يجوز عند العقلاء خلافه و ألزموه ترك ما يشهد به الامتحان و العادة بتجويزه، لان اللبس يرتفع عن ذوي التحصيل في اختلاف أسباب المناظر و جواز تخصيص العوارض و الموانع.

37

ثم ما رووه من وجوب صوم الشك حذرا من ورود الخبر برؤية الهلال، يدل على بطلان ذلك.

و ان قالوا: يعتمد على القسم الثاني، فيعتقد أنه أول الشهر لما دلته عليه المشاهدة، و لا تكثرت لما سوى ذلك من الأمور المجوزة. أجازوا اختلاف أول شهر رمضان، لجواز اختلاف رؤية الهلال. و أحلوا لبعض الناس الإفطار في يوم، أوجبوا على غيرهم فيه الصيام، و لزمهم في آخر الشهر نظير ما التزموه في أوله من غير انفصال.

و هذا يؤول إلى نقصانه عند قوم و كونه عند قوم على التمام، و فيه أيضا بطلان التواريخ و فساد الأعياد، مع عموم التكليف لهم بصومه على الكمال، و هو خلاف ما أجمعت عليه الشيعة من الرد على أصحاب القياس، من بطلان تحليل شيء و تحريمه على غيرهم من الناس.

و هو أيضا يضاد ما يروونه من صوم يوم الشك على سبيل الاستظهار. و ظهور بطلان هذا القسم يغني من الإطالة فيه و الإكثار.

و ان قالوا: الواجب على العبد إذا رأى الهلال أن لا يبادر بالقطع و الثبات، و أن يتوقف مجوزا، لورود أخبار البلاد بما يصح معه الاعتقاد. كان هذا بعيدا عن الصواب و أولى بالفساد، و هو مسقط عن كافة الأمة اعتقاد أول شهر رمضان الى أن يتصل بهم أخبار البلاد.

و كيف السبيل لمن لم ير الهلال الى العلم، بأنه قد رأى في بعض الجهات، فيثبت له النية في فرض الصيام، بل كيف يصنع من رآه إذا اتصل به انه ظهر قبل تلك الليلة للناس، و متى يستدرك النية و الاعتقاد في أمر قد فات.

ثم قال: و اعلم أن إيجابهم لصوم يوم الشك، لا يسقط ما لزمهم في هذا الكلام، لأنا سألناهم عن النية و الاعتقاد. و ليس يمكنهم القول بأن يوم الشك

38

من شهر رمضان، و لا يجب على من أفطره ما يجب من أفطر يوما فرض عليه فيه الصيام، و الشك فيه يمنع من النية على كل حال.

يقال له: القسم الثاني من اقسامك التي ذكرتها هو الصحيح المعتمد، و ما رأيناك أبطلت هذا القسم الا بما لا طائل فيه، لأنك قلت: انه يلزم على اختلاف أول شهر رمضان، لجواز اختلاف رؤية الهلال، أن يحل لبعض الناس الإفطار في يوم يجب على غيرهم فيه الصيام، و أنه يلزم في آخر الشهر نظير ما لزم في أوله، و هذا يؤول إلى انقضائه عند قوم، و كونه عند غيرهم على التمام.

و هذا الذي ذكرته كله و قلت انه لازم لهم، صحيح و نحن نلتزم ذلك، و هو مذهبنا. و أي شيء يمنع من اختلاف العبادات لاختلاف أسبابها و شروطها، و أن يلزم بعض المكلفين من العبادة ما لم يلزم غيره، فتختلف أحوالهم باختلاف أسبابهم.

و من الذي يدفع هذا و ينكره و الشريعة مبنية عليه، ألا ترى أن من وجب عليه بعض الصلوات و يجتهد في جهة القبلة، فغلب في ظنه بقوة بعض الأمارات أنها في جهة مخصوصة، فإنه يجب عليه الصلاة الى تلك الجهة.

و إذا اجتهد مكلف آخر فغلب في ظنه أنها في جهة أخرى غير تلك [الجهة] فإنه يجب عليه أن يصلي الى تلك الجهة الأخرى و ان خالفت الاولى فقد اختلفت فرض هذين المكلفين كما ترى، و صار فرض أحدهما أن يصلي الى جهة و فرض الأخر أن يصلي الى خلافها.

و كذلك لو دخل اثنان في بعض الصلوات و ذكر أحدهما أنه على غير وضوء و أنه أحدث و نقض الوضوء، و الأخر لم يذكر شيئا من ذلك، لكان فرض أحدهما أن يقطع الصلاة و يستأنفها، و فرض الأخر أن يمضي فيها و يستمر عليها.

و كذلك لو حضر ماء بين يدي محدثين، فغلب في ظن أحدهما بأمارة لاحت

39

له نجاسة ذلك الماء، و الأخر لم يغلب في ظنه نجاسته، لكان فرضاهما مختلفين و وجب على أحدهما أن يتجنب ذلك الماء، و على الأخر أن يستعمله.

و كذلك حكم الأوقات عند من غلب في ظنه دخول بعض الصلوات، فإنه يجب عليه الصلاة في ذلك الوقت، و من لم يغلب ذلك في ظنه لا يحل له أن يصلي في ذلك الوقت. و هذا أكثر من أن يحصى، و الشريعة مبنية على ذلك.

و كما يجوز أن يكون الوقت وقتا للصلاة عند قوم، و غير وقت لها عند آخرين. و القبلة في جهة عند قوم، و عند آخرين خلاف ذلك، فيختلف الفرض بحسب اختلاف الأسباب، كذلك يجوز أن يكون الشهر ناقصا عند قوم و تاما عند آخرين، و الا فما الفرق.

فأما قوله «ان في ذلك بطلان التواريخ و فساد الأعياد يتبعان الرؤية» و قد يجوز أن يكون عيد قوم غير عيد غيرهم، لان ذلك يتبع الأسباب المختلفة.

[نقل كلام المستدل بالعدد و المناقشة فيه]

فأما قوله «و في هذا ان نية المعلوم من حقيقة المنتهى عند اللّٰه تعالى غير معلوم لسائر العباد، مع عموم التكليف لهم بصومه على الكمال».

فكلام غير متحقق لما يقوله خصومة في هذا الباب، لان المعلوم من حكم الشريعة عند اللّٰه تعالى هو المعلوم للعباد من غير اختلاف و لا زيادة و لا نقصان، لان اللّٰه تعالى إذا أوجب على من رأى الهلال ليلة الشهر أن يصومه و يفتح اليوم الذي رأى الهلال من ليله بالصوم، و يحكم بأنه في عبادته أول الشهر على الحقيقة في حقه و أوجب على من لم يره في تلك الليلة و لا خبره برؤيته أن يحكم بأنه ليس من شهر رمضان، و لا وجب عليه فيه الصيام.

فالمعلوم للّٰه تعالى هو هذا بعينه و انه تعالى يعلم هذا الذي فصلناه و فسرناه،

40

و هو أن هذا اليوم في حق من رأى الهلال في ليلة من شهر رمضان، فواجب عليه صومه، و ليس هو من شهر رمضان في حق من لم يره و لا صح بالخبر رؤيته، و لا معلوم له يخالف ذلك.

كما قلنا في سائر المسائل الشرعية، و في جهة القبلة، و ان من غلب في ظنه أنها في جهة مخصوصة، وجب عليه التوجه الى خلاف الجهة الاولى، و اختلف فرض هذين المكلفين، و كان معلوم اللّٰه تعالى مطابقا لمعلومهما و غير مختلف لما وجب عليهما و علماه في هذا الباب.

فان قيل: أ ليس اللّٰه تعالى لا بدّ أن يكون عالما بأن القبلة في جهة بعينها لا يجوز عليه الاختلاف و ان اختلف ظنون المتوجهين، و كذلك لا بدّ أن يكون عالما بطلوع الهلال في ليلة مخصوصة، أو بفقد طلوعها فيها و ان لم يظهر ذلك بعينه للمكلف، و كيف يكون ما علمه اللّٰه تعالى في هذه المواضع مساويا لما يعتقده العبد و يعمله.

قلنا: لا اعتبار في باب التكليف بجهة الكعبة نفسها، مع فقد المعاينة و بعد الدار، و انما الاعتبار الذي يتبعه الحكم انما يرجع الى ظن المكلف بما يؤديه إليه اجتهاده في جهة الكعبة مع بعد داره عنها.

و تكليفه انما يختلف بحسب اختلاف ظنونه، فإذا غلب في ظنه أنها في جهة مخصوصة، فتكليفه متعلق بالتوجه إلى الجهة بعينها، سواء كانت الكعبة فيها أو لم تكن، و ان كان فرضه بالتوجه متعلقا بما يغلب في ظنه أنه جهة الكعبة، فتلك الجهة هي قبلته، و المفروض عليه التوجه إليها، و علم اللّٰه متعلق بهذا بعينه.

و كذلك القول في مكلف آخر غلب في ظنه أن جهة الكعبة في جهة أخرى، فان الواجب عليه التوجه الى تلك الجهة و هي جهة القبلة، و القول في طلوع الهلال و استتاره كالقول في الكعبة، فلا معنى لإعادته.

41

فأما قوله في الفصل «هو خلاف ما أجمعت عليه الشيعة في الرد على أصحاب القياس في بطلان تحليل شيء لقوم و تحريمه على غيرهم من الناس».

فما أجمعت الشيعة على ما ظنه، و لا يرد من الشيعة على أصحاب القياس بهذا الضرب من الرد محصل و لا متأمل. و قد بينا في كثير من كتبنا و كلامنا كلاما في هذا الموضع، و أنه لا يمتنع في التكليف أن يحلل اللّٰه تعالى شيئا على قوم و يحرمه على آخرين، و ان هذا غير متناقض و لا متناف.

و انما يعول على هذا الضرب من الكلام من يبطل القياس من طريق العقول، و يعتقد أن العبادة تستحيل أن ترد به، و قد بينا جواز ورود العبادة بالقياس، و انما نحرمه في الشريعة و لا نثبت به أحكامها، لأن العبادة ما وردت به و لا دلت على صحته.

فأما قوله «و هو أيضا يضاد ما يروونه من صوم يوم الشك على سبيل الاستظهار» و قد كان ينبغي أن يبين و يوضح (1) موضع التضاد بين القولين في مذهبنا بالرؤية، و بين ما تستحب من صوم يوم الشك على سبيل الاستظهار و ما تعرض لذلك.

فأما قوله «فالواجب على العبد إذ رأى الهلال أن لا يبادر الى القطع و الثبات، و أن يتوقف مجوزا لورود أخبار البلاد بما يصح، و اعتقاد هذا بعيد عن الصواب و أولى بالفساد، و هو مسقط عن كافة الأمة اعتقاد أول شهر رمضان الى أن يتصل بهم أخبار البلاد».

فقد بينا أن القسم الصحيح من أقسامه التي قسمتها هو غير هذا القسم و أوضحناه، و أن الواجب على من رأى الهلال أن يعتقد أن هذه ليلة أول شهر رمضان في حقه و حق من يجري مجراه في رؤيته، و ان جوز أن يكون رؤى في بعض البلاد، و يختلف فرض من رآه تلك الليلة و من لم يره و يخبر عنه، غير

____________

(1) في الهامش: و يوضع.

42

أنه و ان قطع بالرؤية على أنه أول يوم من شهر رمضان.

فلا بد أن يكون ذلك مشروطا بأن لا يرد الخبر الصحيح بأنه رئي قبل تلك الليلة و كان قد صام بالاتفاق و على سبيل الشك اليوم الذي رآه غيره في ليلة أخرى، أجزأه ذلك عنه و سقط عنه فرض قضائه و كان مؤديا، و ان لم يتفق له صوم ذلك اليوم كان عليه قضاء صيامه و لا اثم عليه و لا حرج.

و أما قوله «كيف السبيل لمن لم ير الهلال الى العلم بأنه قد رئي في بعض الجهات، فيثبت له النية في فرض الصيام، بل كيف يصنع من رآه إذا اتصل به أنه ظهر قبل تلك الناس؟ و متى يستدرك النية و الاعتقاد في أمر قد فات؟».

فقد بينا كيف السبيل لمن لم يره الى العلم بأنه قد رئي في بعض تلك الجهات قبل تلك الليلة، و هو أن يخبره عن ذلك من يثق بعدالته و أمانته، فيثبت له النية، و إذا كان ما فاته صيام ذلك اليوم، فقد بينا ذلك.

فأما من رآه في بعض الليالي و صح عنده أنه ظهر قبل تلك الليلة و لم يكن صام ذلك اليوم بنية النفل، فعليه القضاء على ما بيناه، و ليس عليه من الاستدراك أكثر من أن يصوم يوما و يعتقد أنه قضاء ذلك اليوم الفائت.

و أما قوله «و اعلم ان إيجابهم لصوم يوم الشك لا يسقط ما لزمهم في هذا الكلام سألناهم عن النية و الاعتقاد، و ليس يمكنهم القول بأن يوم الشك من شهر رمضان، و لا يجب على من أفطره ما يجب على من أفطر يوما فرض عليه فيه الصيام، و الشك فيه يمنع من النية على كل حال».

فكلام غير صحيح، لأنا لا نوجب صيام يوم الشك و لا أحد من المسلمين أوجبه و ما نستحبه و نرى (1) فيه فضل و استظهار للفرض. و انما نستجيز صومه بنية النفل و التطوع، فان اتفق أن يظهر من شهر رمضان، فقد أجزأ ذلك الصيام و وقع

____________

(1) في الهامش: و يروى.

43

في موقعه و لا قضاء عليه، و ان لم يتفق ظهور أنه من شهر رمضان كان صائم ذلك اليوم مثابا عليه ثواب النفل و التطوع.

و قوله «و ليس يمكنهم القول بأن يوم الشك من شهر رمضان، و لا يجب على من أفطره ما يجب على من أفطر يوما من شهر رمضان».

فبعيد عن الصواب، لأنا لا نوجب صيام يوم الشك على ما قدمنا ذكره، و يوم الشك انما هو اليوم الذي يجوز المكلفون أن يروا الهلال في ليلته، فيحكموا أنه من شهر رمضان، و يخرج من أن يستحق اسم الشك بما لا يجوزون أن لا يروا الهلال في تلك الليلة، و لا يخبرهم عن رؤيته مخبر يقع القطع على أنه من شعبان و يزول عنه اسم الشك أيضا.

و لسنا نقول بأن يوم الشك يوم من شهر رمضان على الإطلاق، بل على القسمة الصحيحة التي ذكرناها. فأما من أفطر يوم الشك و لم بر الهلال و لا أخبر عنه، فلا اثم عليه و لا قضاء. فأما إذا رآه في ليلة يوم الشك لو أخبر عن رؤيته، فالذي يجب عليه أن يقضي ان كان ما صام ذلك اليوم. و ان كان قد اتفق له صيامه بنية النفل، فلا قضاء عليه.

[الكلام في صوم يوم الشك]

ثم قال صاحب الكتاب: و ربما التبس الأمر عليهم في هذا الباب، فظنوا أن صوم يوم الشك بغير اعتقاد أنه من شهر رمضان يغني عن الاعتقاد إذا كان منه و يجري مجرى بقية الأيام قياسا على المسجون إذا كان قد صام شهرا على الكمال فصادف ذلك شهر رمضان على الاتفاق من غير علم بذلك، و أنه يخبر به عن الفرض عليه من صومه في شريعة الإسلام و ان لم يقدم النية و الاعتقاد، و الفرق واضح بين الصومين بلا ارتياب.

44

و ذلك أن أفعال الاضطرار يقاس عليها أمور المتمكن و الاختيار، و معلوم تباين الممنوع و المطلق، و من يتمكن من السؤال و ارتقاب الهلال و من لا يقدر، و ما هما الا كالعاجز و القادر، فالمماثلة فيما هذا سبيل باطلة و القياس فاسد.

يقال له: أول ما نقوله لك: حكيت عنا أنا نقيس من خفي عليه الهلال ليلة يوم الشك فلم يره و لم يخبره عن رؤيته، فصام بنية النفل ثم ظهر بالخبر أنه رئي و أنه من شهر رمضان في أنه يجزي عنه صيامه و ان لم يصح بنية الفرض، و لا يجب عليه القضاء على المسجون.

و نحن لا نقيس هذا على ذلك، و لا نرى القياس في الاحكام، و انما سوينا بينهما في صحة الصيام و اجزائه، و أنه لا قضاء فيه عليه بدليل يوجب العلم. و لو لم يكن في ذلك إلا إجماع الفرقة المحقة من الشيعة عليه، و إجماعهم حجة لدخول المعصوم (عليه السلام) فيه.

فأما قوله «ان حال الضرورة لا يقاس على الاختيار».

فقد بينا أنه لا نقيس حالا على أخرى، على أنه ان رضي لنفسه بهذا القدر من الفرق، فالحالان متساويان (1) في الضرورة و نفي الاختيار، لان المسجون كما لا قدرة له و لا سبيل الى تعيين شهر رمضان، لانه لا يتمكن من رؤية الهلال و لا من سؤال غيره.

فكذلك من غم عليه الهلال ليلة يوم الشك، فلم يره و لا خبر برؤيته و لا سبيل له الى العلم بأنه ذلك اليوم من شهر رمضان، فهو أيضا كالمضطر الذي لا قدرة له على العلم بأن ذلك اليوم من شهر رمضان، فجرى مجرى المسجون في سقوط الفرض عنه.

____________

(1) في الهامش: متساويتان.

45

[ما استدل به الخصم على العدد و الجواب عنه]

ثم قال صاحب الكتاب: فان تجاسر أحدهم على ادعاء المماثلة بينهما في الاضطرار، أتى بالفظيع من الكلام، و أدخل سائر الأمة في حكم الاضطرار، و فتح على نفسه بابا من الإلزام في تكليف ما لا يطاق.

لانه لا فرق بين أن يكلف اللّٰه العباد صوم شهر رمضان على الكمال، و لا يجعل لهم على معرفة أوله دليلا الا دليل شك و ارتياب، يلتجئ معه المكلفون إلى أحكام الاضطرار و بين أن يفرض عليهم أمرا و يعدمهم ما يتوصلون به اليه على كل حال، حتى يدخلهم في حيز الإجبار، و هذا ما ينكره معتقد و العدول (1) من كافة الناس.

ثم قال: و يقال لهم: فإذا كان اللّٰه تعالى قد بعث رسوله (صلى اللّٰه عليه و آله) ليبين للناس، فما وجه للبيان في دليل فرض يعترضه اللبس، و أين موضع الإشكال إلا في عبادة افتتاحها الشك.

يقال له: ما (2) الفظيع من الكلام و الشنيع من المذهب الا ما عول (3) عليه في هذا الفصل، لأنك ظننت أن خصومك يقولون: ان اللّٰه تعالى فرض صوم الشك على من لم يدله عليه و لم يرشده الى طريق العلم به، و ألزمت على ذلك تكليفه ما لا يطاق.

و هذا ما لا يقوله من الخصوم و لا من غيرهم محصل، و صوم أول يوم من شهر رمضان لا يجب الا على من دله اللّٰه عليه، اما برؤيته نفسه الهلال أو بأن

____________

(1) الظاهر: العدل.

(2) الظاهر: ليس.

(3) الظاهر: ما عولت.

46

يخبره عليه من يجب عليه الرجوع الى قوله، فأما من عدم رؤيته فصوم ذلك اليوم ليس من فرضه و لا عبادته.

و هذا الذي لا يطيق معرفة كون هذا اليوم من شهر رمضان ما توجه اليه قط تكليف صومه.

و يلزم على هذا كل المسائل التي ذكرناها فيما تقدم في القبلة و الصلاة و الاحداث، حتى يقال له: كيف يكلف اللّٰه تعالى مكلفا التوجه إلى الكعبة بعينها، و لا ينصب له دليلا عليها يعلم به أنه متوجه الى جهتها، لأنه إذا كان بعيدا عنها فإنما يتوجه الى حيث يظن أنه جهة الكعبة من غير تحقيق و لا قطع، و هل هذا الا تكليف ما لا يطاق. و كذلك القول في سائر المسائل التي أشرنا إلى بعضها، و هي كثيرة.

و أما الرسول (عليه السلام) فقد بين لنا هذه المواضع بما لا يعترضه لبس و لا يدخله شك، و من تأمل ما فصلناه و قسمناه علم أنه لا لبس و لا إشكال في هذه العبادة.

[الاستدلال بخبر «يوم صومكم يوم نحركم» و الجواب عنه]

قال صاحب الكتاب: مسألة أخرى عليهم يقال لهم: قد رويتم ان «يوم صومكم يوم نحركم».

فما الحاجة الى ذلك و على الرؤية معولكم؟ بل كيف يصح ما ذكرتموه على أصل معتقدكم؟ لما تجيزونه من تتابع ثلاثة شهور ناقصة و توالي ثلاثة أخرى تامة؟ و كيف يوافق مع ذلك أول يوم من شهر رمضان ليوم العاشر من ذي الحجة أبدا من غير اختلاف؟.

فهل يصح هذا الا من طريق أصحاب العدد، لقولهم بتمام شهر رمضان

47

و نقصان شوال، و أن شهر ذي القعدة تام كشهر رمضان، فيكون يوم الصوم أبدا موافقا ليوم النحر على اتساق و نظام.

فما تصنعون في هذا الخبر مع اشتهاره؟ أ تقبلونه و ان خالف ما أنتم عليه في أصل الاعتقاد؟ أو تلتجئون الى الدفع و الإنكار.

يقال له: أما هذا الخبر فغير وارد مورد الحجة، لأنه خبر غير مقطوع عليه و لا معلوم، و قد بينا أن أخبار الآحاد لا يجب العمل بها في الشريعة، و من اعتمد عليها- و هي على هذه الصفة- فقد عول على سراب بقيعة. و لا يجب علينا أن نتأول خبرا لا نقطع به و لا نعلم صحته.

و قد يجوز على سبيل التسهيل ما عول عليه بعض أصحابنا في تأويل هذا الخبر و ان لم يكن ذلك واجبا، أن المراد به سنة بعينها اتفق فيها أن أول الصوم كان موافقا للنحر، فحمل على الخصوص دون العموم، لانه لا يصح فيه العموم، و لشهادة الاستقراء بخلافه.

و يمكن أيضا في تأويل الخبر وجه آخر و هو: أن يكون المراد به أن يوم الصوم يجري في وجوب الاحكام المشروعة و لزومها مجرى يوم النحر المتعلقة به، و المراد بذلك تحقيق المماثلة و المساواة، كما يقول القائل: صلاتكم مثل صومكم. أو يقول: صلاة العصر هي صلاة الغداة، و ما يريد الأعم و يريد المماثلة و المساواة في الاحكام، و هذا بين.

[مناقشة الخصم في آية الأهلة و الجواب عنها]

ثم قال صاحب الكتاب: مسألة أخرى لهم و جوابها ثم قال: و سئلوا عن قول اللّٰه تعالى «يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوٰاقِيتُ لِلنّٰاسِ وَ الْحَجِّ» (1).

____________

(1) سورة البقرة: 189.

48

و أجمع الكافة على أنها شهور قمرية، قالوا: فما الذي أجاز لكم الاعتبار بغير القمر، و هل انصرافكم الى العدد الا خلاف الإجماع.

ثم قال: الجواب يقال لهم: ما ورد به النص و تقرر عليه الإجماع، فهو مسلم على كل حال، لكن وجود الاتفاق على أن الهلال ميقات لا يحيل الاختلاف فيما يعرف به الميقات، و حصول الموافقة على أنها شهور قمرية لا تضاد الممانعة في الاستدلال عليها بالرؤية.

إذ ليس من شرط المواقيت اختصاص العلم من جهة [من] (1) مشاهدتها و لا لان الشهور العربية قمرية، وجب الاستدلال أوائلها (2) برؤية أهلتها. و لو كان ذلك واجبا لدلت العقول عليه و شهدت بقبح الاختلاف فيه.

و بعد فلا يخلو الطريق إلى معرفة هذا الميقات من أن تكون المشاهدة له و العيان، أو العدد الدال عليه، و الحساب.

و محال أن تكون الرؤية (3)، و هي أولى بالاستدلال لما يقع فيها من الاختلاف و الشك، و ذلك أن رؤية الهلال لو كانت تفيد معرفة له من الليالي و الأيام، لم يختلف فيه عند رؤيته اثنان.

و في إمكان وجود الاختلاف في حال ظهوره، دلالة على أن الرؤية لا يصح بها الاستدلال، و أن العدد هو الدال على الميقات، لسلامته مما يلحق الرؤية من الاختلاف.

يقال له: هذه الآية التي ذكرتها دليل واضح على صحة القول بالرؤية و بطلان العدد، و قد بينا في صدر كتابنا هذا كيفية الاستدلال بها، و أن تعليق المواقيت

____________

(1) كذا في النسخة، و الظاهر زيادتها.

(2) ظ: لاوائلها.

(3) الظاهر زيادة الواو.

49

بالأهلة دليل على أنها لا تتعلق بالعدد و لا بغير الأهلة.

و [ليس] (1) قوله «ان وجود الاتفاق على أن الأهلة ميقات لا يحيل الاختلاف مما يعرف به الميقات».

ليس بالصحيح، لان المواقيت إذا قفت (2) على الأهلة فمعلوم أن الهلال لا طريق الى معرفته و طلوعه أو عدم طلوعه إلا الرؤية في النفي و الإثبات، فيعلم من رأى طلوعه بالمشاهدة، أو بالخبر المبني على المشاهدة، و يعلم أنه ما طلع بفقد المشاهدة و فقده الخبر عنها.

و لا يخفى على محصل أن إثبات الأهلة في طلوع أو أفول، مبني على المشاهدات و وصف، لا ضيف الى العدد الى القمر (3)، و كيف يكون قمرية؟

و لا اعتبار بالقمر فيها و لا له حظ في تميزها و تعيينها.

فأما قوله «و محال أن يكون الرؤية هي أولى بالاستدلال لما يقع فيها من الشك و الاختلاف».

فقد بينا أنه لا شك في ذلك و لا اشكال، و أن التكليف صحيح مع القول بالرؤية غير مشتبه و لا متناقض، و أن من ظن خلاف ذلك فهو قليل التأمل، و فيما ذكرناه كفاية.

[الاستدلال بخبر صوموا لرؤيته على العدد و الجواب عنه]

و قال صاحب الكتاب: مسألة أخرى: و سئلوا أيضا عن الخبر المروي عن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) «صوموا لرؤيته و أفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا

____________

(1) كذا في النسخة و الظاهر زيادتها.

(2) ظ: توقفت.

(3) ظ: و لو كانت عددية لا ضيفت الى العدد لا القمر.

50

ثلاثين» (1). قالوا: فما تصنعون في هذا الخبر؟ و قد استفاض بين الأمة و اشتهر.

ثم قال قيل لهم: لعمري انه خبر ذائع لا يختلف في صحته اثنان، و مذهبنا فيه ما قال الصادق (عليه السلام): ان الناس كانوا يصومون بصيام رسول اللّٰه (صلى اللّٰه عليه و آله) و يفطرون بإفطاره، فلما أراد مفارقتهم في بعض الغزوات قالوا:

يا رسول اللّٰه كنا نصوم بصيامك و نفطر بإفطارك و ها أنت ذاهب لوجهك فما نصنع؟

فقال (صلى اللّٰه عليه و آله): صوموا لرؤيته و أفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوما. فخص بهذا القول لهم تلك السنة جوابا عن سؤالهم، فاستعمله الناس على سبيل الغلط في سائر الأعوام. و لذلك أظهر اللّٰه تعالى لهم الهلال في يوم السرار بخلاف ما جرت به العادات، و لو لم يدل على تخصيص هذا الخبر الا ما قدمناه في دلائل الآثار و القرآن، و إذا كان خاصا فاستعماله على العموم غير صواب.

يقال له: إذا كان قوله (عليه السلام) «صوموا لرؤيته و أفطروا لرؤيته» عاما فالظاهر (2) فلا يقبل قول من خصصه و عدل به الى أنه في سنة واحدة إلا بدليل، و لا دليل على تخصيص هذا الخبر و لا حجة.

و بعد فكيف يعلق الصيام في سنة واحدة إذا سلمنا التخصيص بالرؤية، فنقول: صوموا لأجل رؤيته، و أن الرؤية علمه (3) في الصوم موجبة له.

و على (4) هذا مذهب أصحاب العدد لاحظ لها في الصوم و لا تؤثر في وجوبه، و أن العدد هو الموجب للصوم. فان اتفق ما قاله صاحب الكتاب أن يظهر اللّٰه

____________

(1) وسائل الشيعة 7/ 191 ج 11.

(2) ظ: في الظاهر.

(3) ظ: علامة.

(4) الظاهر زيادة «هذا».

51

تعالى لهم الهلال فعلى هذا التخريج و التعليل لم يجب الصوم لأجل الرؤية، بل وجب لأجل العدد.

ألا ترى أنه لو فقدت الرؤية هاهنا لوجب الصوم بالعدد، و لم يؤثر فقد الرؤية في انتفاء وجوب الصيام. و لو فقد العدد و ثبتت الرؤية لما وجب، فعلم أن العدد هو المؤثر دون الرؤية.

و ظاهر الخبر يقتضي أن الرؤية مؤثرة في الصوم، فقد بان أنه لا منفعة لهم في تخصيص الخبر أيضا.

و أما قوله (عليه السلام) «و أفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين» فهو يدل على أن العدد لا يصار اليه الا بعد اعتبار الرؤية و فقدها، فمن جعله أصلا يرجع اليه من غير اعتبار بفقد الرؤية فقد خالف ظاهر الخبر «و أفطروا لرؤيته».

و يدل أيضا على أنه يجب الإفطار إذا رأيناه و ان كنا قد صمنا تسعة و عشرين و لم يبلغ الثلاثين، لانه لو كان ورد و أفطروا لرؤيته إذا بلغ ثلاثين، لما كان لقوله «فان غم عليكم فعدوا ثلاثين» معنى، و انما يصح الكلام إذا كان معناه:

و أفطروا لرؤيته على النقصان، فان غم عليكم فعدوا ثلاثين للتمام.

[حول خبر صوموا لرؤيته و أفطروا لرؤيته]

قال صاحب الكتاب: على أن من أصحابنا من استدل بهذا الخبر بعينه على صحة العدد.

فقال: انه لما أمرهم بالصوم و الإفطار لرؤية الهلال في تلك السنة، أبان لهم بجواز الإغماء عليه و دخول اللبس فيه، ما يستدل به على أن الرؤية ليست بأصل يطرد استعماله في سائر السنين.

و انما خصهم بها في تلك السنة للعجز من ظهور الهلال يوم السرار لهم،

52

و لما يعلم اللّٰه تعالى في ذلك الوقت من مصلحتهم، فقال لهم: فان غم عليكم فعدوا ثلاثين. فلما شهد بالإغماء أمر بالرجوع عند ذلك الى العدد، علمنا أن العدد هو الأصل الذي لا يعترضه الإغماء و لا اللبس، و أنه لو لم يكن أصلا لجاز الإغماء و الاشكال عليه، و لكان اللبس و الاختلاف يجوز ان فيه. و هذا وجه صحيح يقنع العارف المنصف و الحمد للّٰه.

يقال له: هذا الذي ذكرته طعن على النبي (صلى اللّٰه عليه و آله)، و شهادة بأنه عول يأمنه (1) في عبادة الصوم على ما لا تأثير له و لا طائل فيه. لأن الرؤية إذا كان لا اعتبار بها في الصوم و لاحظ لها في الدلالة على دخول شهر رمضان و خروجه، فلا معنى لقوله «صوموا لرؤيته و أفطروا لرؤيته» و قد كان يجب أن يقول: صوموا بالعدد و أفطروا بالعدد.

و لا يجعل العدد مصارا عليه عند الغمة و امتناع الرؤية، و كيف يصح أن يقول قائل: علمنا أن العدد هو الأصل؟ و قد جعله النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) في هذا الخبر فرعا، و أحال عليه عند تعذر الرؤية، و هو على الحقيقة فرع و الأصل غيره. و هذا واضح.

قال صاحب الكتاب: و قد ظن قوم من أهل الخلاف أن ما تضمنه هذا الخبر من الرجوع الى العدد عند وجود الالتباس يجري مجرى التيمم بالتراب عند عدم الماء بالاضطرار.

قالوا: فكما أنه ليس التيمم أصلا للوضوء، فكذلك ليس العدد أصلا للرؤية.

ثم قال: و هذا قياس بعيد، و جمع بين أشياء هي أولى بالتفريق، و ذلك أن نية الوضوء و التيمم الذي هو بدل منه عند الضرورة عبادة يستباح بفعلهما أداء

____________

(1) كذا في النسخة و الظاهر: لأمته.

53

فرض آخر لا يعرف بهما وقت وجوبه، و لا يدلان على أوله و آخره.

و الرؤية و العدد قد وردا في هذا الخبر مورد العلامة، و قاما مقام الدلالة التي يجب بهما التدين و يلزم الاعتقاد، و لذلك جاز موافقة العدد للرؤية في بعض السنين، و لم يجز الجمع بين الوضوء و التيمم على قول سائر المسلمين.

يقال له: لا شبهة على محصل في أن النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) تعلق الصوم بالرؤية تعليقا يوجب ظاهره أنها سبب فيه و علامة على دخول وقته، فقال:

صوموا لرؤيته و أفطروا لرؤيته.

فعلق الإفطار أيضا بالرؤية، كما علق الصوم بها، و هذا يقتضي أن الصوم و الإفطار متعلقان بالرؤية و لا سبب فيهما غيرها، لانه لو كان لهما سبب غير الرؤية من عدد أو غيره تعلقهما به.

ثم قال (عليه السلام): فان غم عليكم فعدوا ثلاثين. فأمر بالرجوع الى العدد عند عدم الرؤية، و أنه لا حكم للعدد الا بعد انتفاء الرؤية، و لا يجب المصير اليه الا عند امتناعها.

و أصحاب العدد عكسوا ذلك فقالوا: ان الصوم بالعدد و الإفطار بالعدد، لاحظ للرؤية في شيء منهما، و لا نمنع أن يقال: ان المصير الى العدد عند فقد الرؤية يجري مجرى استعمال التراب عند فقد الماء.

فأما تعاطيه الفرق بين الرؤية و العدد و بين الماء و التراب، بأن الوضوء و التيمم عبادتان يستباح بفعلهما أداء فرض آخر، لا يعرف بهما وقت وجوبه و لا يدلان أوله و آخره، و أن الرؤية و العدد في هذا الخبر قد وردا مورد العلامة، و قاما مقام الدلالة، فهما (1) لا يغني شيئا، لأنه فرق لا من حيث الجمع بين الموضعين، لان التراب لا حكم له مع وجود الماء، و انما يجب استعماله عند

____________

(1) ظ: فهو.

54

فقد الماء، فجرى (1) العدد الذي لا حكم له في الرؤية و إمكانها، و انما استعمل العدد مع فقد الرؤية .. (2).

فأي وجوب الموضوع (3) فيما التبس ظاهره من الآيات المتشابهات إلى أدلة العقول، فان جاز أن نقول: ان العدد ليس بأصل للرؤية، و انما هو بدل منها النجأت إليه الحاجة، كالتيمم الذي ليس بأصل للطهارة، و انما هو بدل منها في حال الضرورة.

جاز للآخر أن يقول مثل ذلك في الرجوع الى القرآن عند التباس الاخبار، و الاعتماد على أدلة العقول في متشابه القرآن، فلما كان هذا لا يجوز بإجماع، كان العدد و الرؤية مثله.

يقال له: ان كان هذا الذي ظننته صحيحا في الرؤية و العدد، و انما يشبهان ما ذكرته من أمر النبي (صلى اللّٰه عليه و آله) بالرجوع الى الكتاب فيما التبس من الاخبار و عرضها عليه، و فيما التبس من الآيات و الرجوع فيها إلى أدلة العقول، فيجب أن نقول مثله في الوضوء بالماء و التيمم بالتراب.

و أن أمره لنا بالرجوع الى التراب عند عدم الماء دلالة على أن التيمم هو الأصل، كما قلت في الكتاب و الاخبار، لان الصوم في قوله «صوموا لرؤيته و أفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين» كالصورة في قوله تعالى فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً* (4).

فكل شيء تعتمده في أنه لا شبهة بين الوضوء و التيمم، [و] بين الرجوع

____________

(1) خ ل مجرى.

(2) قال في الهامش: لا يخلو عن سقط.

(3) ظ: الرجوع.

(4) سورة النساء: 43.

55

الى الكتاب و عرض الاخبار عليه، فهو بعينه يفرق بين الرؤية و العدد، و عرض الاخبار على الكتاب.

و بعد فان ما أمرنا به من الصوم للرؤية فالإفطار (1) لها من المصير إلى فائدة، في أن نفرق بين الأمرين، بأن نقول: ان الصوم (2) و التيمم يستباح بفعلهما أداء فرض آخر لا يعرف بهما وقت وجوبه، و هل هذا الا كمن فرق بينهما؟ ان هذا وضوء و تلك رؤية، و هذا تيمم و ذاك عدد.

و من الذي يقول: ان الموضعين يتشابهان في كل الاحكام حتى يفرق بينهما بأن صفة الوضوء و التيمم ليست للعدد و الرؤية.

فأما قوله «ان الرؤية و العدد يتفقان و لا يتفق وجود الوضوء و التيمم في موضع من المواضع».

فغلط، لان الرؤية و العدد لا يتفق حكمهما و تأثيرهما على الاجتماع عند أحد، لأن مذهبنا أنه إذا رأى الهلال ليلة الثلاثين وجب عليه الإفطار و لا حكم للعدد، و إذا لم ير تكمل العدة ثلاثين و الحكم هاهنا للعدد و لا تأثير للرؤية، فكيف يجتمعان على ما ظنه؟

و أما على مذهب أصحاب العدد، فان اتفق على ما ادعاه أن يوافق العدد للرؤية، البتة فلا حكم هاهنا عندهم للرؤية، و انما الحكم للعدد، فما اتفق قط على مذهب اجتماع الرؤية و العدد مؤثرين و معتبرين.

[مخالفة أخبار الرؤية للكتاب و الجواب عنه]

ثم قال صاحب الكتاب: فصل، و اعلم أنه لا شيء أشبه بالعدد و الرؤية

____________

(1) ظ: و الإفطار.

(2) ظ: الوضوء.

56

المذكورين في هذا الخبر من الاستدلال في أحكام الشرع بالقرآن و الأثر، و ذلك أن الرسول أمرنا بالرجوع الى الكتاب عند التباس الاخبار و قال:

ستكثر علي الكذابة من بعدي فما ورد من خبر فأعرض على الكتاب (1).

و كذلك وجوب الرجوع الذي تقدم، و كذلك إذا تعذرت الرؤية، و أمرنا بالوضوء بالماء و إذا فقدنا الماء فالتيمم بالتراب، من عرض الاخبار على الكتاب و الأخذ بما يوافقه دون ما يخالفه.

و الجواب أن يقال له: ليس في هذا الموضع الذي هو الأمر بعرض الاخبار تنزيل أمرنا به، فتصير الى حالة بعد حالة و اعتبار أمر من الأمور، بشرط إمكانه إذا تعذر بالرجوع الى غيره، و انا أمرنا بعرض الاخبار على الكتاب، لان الكتاب أصل و دليل على كل حال و حجة في كل موضع، و الاخبار ليست كذلك، فعرضنا ما لم نعلم صحته منها على الكتاب الذي هو الدليل و الحجة على كل حال و في كل وقت.

و كذلك العقول دلالة على جميع الأحوال غير محتملة، فرددنا كل مشتبه من آيات و غيرها إلى أدلة العقول لأنها أصل، فما هاهنا انتقال من منزله إلى أخرى، و لا أحوال مرتبة بعضها على بعض، كالوضوء و التيمم و الرؤية و العدد، لان العدد مرتب على الرؤية، و حكم الصيام تعلق بالرؤية.

و انما أمرنا بالمصير الى العدد عند فوت الرؤية، و هذه أحكام كما ترى مرتبة بعضها على بعض. و كذلك القول في الوضوء و التيمم.

و ليس من هذا شيء في عرض الاخبار على الكتاب و الأخذ بما يوافق منها، و لا الرجوع الى العقول في المتشابه، فمن خلط بين الأمرين فهو قليل التأمل.

____________

(1) وسائل الشيعة 18/ 78- 79 ما يدل على مضمون الخبر.