/ 652
 
الجزء الثالث‏
التفسير الكبير - ج3
 

{K~{Kتتمة سورة البقرةK}~K}

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ‏

المسألة الأولى: اختلفوا في أن قوله اُسْكُنْ أمر تكليف أو إباحة فالمروي عن قتادة أنه قال: إن اللّه تعالى ابتلى آدم بإسكان الجنة كما ابتلى الملائكة بالسجود و ذلك لأنه كلفه بأن يكون في الجنة يأكل منها حيث شاء و نهاه عن شجرة واحدة أن يأكل منها فما زالت به البلايا حتى وقع فيم نهى عنه فبدت سوأته عند ذلك و أهبط من الجنة و أسكن موضعاً يحصل فيه ما يكون مشتهى له مع أن منعه من تناوله من أشد التكاليف. و قال آخرون:

إن ذلك إباحة لأن الاستقرار في المواضع الطيبة النزهة التي يتمتع فيها يدخل تحت التعبد كما أن أكل الطيبات لا يدخل تحت التعبد و لا يكون قوله: كُلُوا مِنْ طَيِّبََاتِ مََا رَزَقْنََاكُمْ* [الأعراف: 16]أمراً و تكليفاً بل إباحة، و الأصح أن ذلك الإسكان مشتمل على ما هو إباحة، و على ما هو تكليف، أما الإباحة فهو أنه عليه الصلاة و السلام كان مأذوناً في الانتفاع بجميع نعم الجنة، و أما التكليف فهو أن المنهي عنه كان حاضراً و هو كان ممنوعاً عن تناوله، قال بعضهم: لو قال رجل لغيره أسكنتك داري لا تصير الدار ملكاً له، فههنا لم يقل اللّه تعالى:

و هبت منك الجنة بل قال أسكنتك الجنة و إنما لم يقل ذلك لأنه خلقه لخلافة الأرض فكان إسكان الجنة كالتقدمة على ذلك.

المسألة الثانية: أن اللّه تعالى لما أمر الكل بالسجود لآدم و أبى إبليس السجود صيره اللّه ملعوناً ثم أمر آدم بأن يسكنها مع زوجته. و اختلفوا في الوقت الذي خلقت زوجته فيه، فذكر السدي عن ابن عباس و ابن مسعود و ناس من الصحابة أن اللّه تعالى لما أخرج إبليس من الجنة و أسكن آدم الجنة فبقي فيها وجده و ما كان معه من يستأنس به فألقى اللّه تعالى عليه النوم ثم أخذ ضلعاً من أضلاعه من شقه الأيسر و وضع مكانه لحماً و خلق حواء منه، فلما استيقظ وجد عند رأسه امرأة قاعدة فسألها من أنت؟قالت: امرأة. قال: و لم خلقت؟قالت: لتسكن إليّ، فقالت الملائكة: /ما اسمها؟قالوا: حواء، و لم سميت حواء، قال: لأنها خلقت من شي‏ء حي، و عن عمر و ابن عباس رضي اللّه عنهما قال: بعث اللّه جنداً من الملائكة فحملوا آدم و حواء عليهما السلام على سرير من ذهب كما تحمل الملوك و لباسهما النور على كل واحد منهما إكليل من ذهب مكلل بالياقوت و اللؤلؤ و على آدم منطقة مكللة بالدر و الياقوت حتى أدخلا الجنة. فهذا الخبر يدل على أن حواء خلقت قبل إدخال آدم الجنة و الخبر الأول يدل على أنها خلقت في الجنة و اللّه أعلم بالحقيقة.

المسألة الثالثة: أجمعوا على أن المراد بالزوجة حواء و إن لم يتقدم ذكرها في هذه السورة و في سائر القرآن ما يدل على ذلك و أنها مخلوقة منه كما قال اللّه تعالى في سورة النساء: اَلَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وََاحِدَةٍ وَ خَلَقَ مِنْهََا زَوْجَهََا [النساء: 1]و في الأعراف: وَ جَعَلَ مِنْهََا زَوْجَهََا لِيَسْكُنَ إِلَيْهََا [الأعراف: 189]، و روى‏

 
451