/ 182
 
الجزء الرابع‏
التفسير الكبير - ج4
 

{K~{Kتتمة سورة البقرةK}~K}

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ‏

اعلم أنه تعالى أمر بالعفو و الصفح عن اليهود، ثم عقبه بقوله تعالى: وَ أَقِيمُوا اَلصَّلاََةَ وَ آتُوا اَلزَّكََاةَ تنبيهاً على أنه كما ألزمهم لحظ الغير و صلاحه العفو و الصفح، فكذلك ألزمهم لحظ أنفسهم و صلاحها القيام بالصلاة و الزكاة الواجبتين، و نبه بهما على ما عداهما من الواجبات. ثم قال بعده: وَ مََا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ و الأظهر أن المراد به التطوعات من الصلوات و الزكوات، و بين تعالى أنهم يجدونه و ليس المراد أنهم يجدون عين تلك الأعمال لأنها لا تبقى و لأن وجدان عين تلك الأشياء لا يرغب فيه، فبقي أن المراد وجدان ثوابه و جزائه، ثم قال: إِنَّ اَللََّهَ بِمََا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ أي أنه لا يخفى عليه القليل و لا الكثير من الأعمال و هو ترغيب من حيث يدل على أنه تعالى يجازي على القليل كما يجازي على الكثير، و تحذير من خلافه الذي هو الشر، و أما الخير فهو النفع الحسن و ما يؤدي إليه، فلما كان ما يأتيه المرء من الطاعة يؤدي به إلى المنافع العظيمة، وجب أن يوصف بذلك، و على هذا الوجه قال تعالى: وَ اِفْعَلُوا اَلْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [الحج: 77].

اعلم أن هذا هو النوع الرابع من تخليط اليهود و إلقاء الشبه في قلوب المسلمين، و اعلم أن اليهود/لا تقول في النصارى: إنها تدخل الجنة، و لا النصارى في اليهود، فلا بد من تفصيل في الكلام فكأنه قال: و قالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان هودا، و قالت النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى، و لا يصح في الكلام سواه، مع علمنا بأن كل واحد من الفريقين يكفر الآخر، و نظيره: قََالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصََارى‏ََ [البقرة: 135]و الهود: جمع هائد، كعائذ و عوذ و بازل و بزل، فإن قيل: كيف قيل: كان هودا، على توحيد الاسم، و جمع الخبر؟قلنا: حمل الاسم على لفظ (من) و الخبر على معناه كقراءة الحسن: إِلاََّ مَنْ هُوَ صََالِ اَلْجَحِيمِ [الصافات: 163]و قرأ أبي بن كعب: إلا من كان يهوديا أو نصرانيا أما قوله تعالى: تِلْكَ أَمََانِيُّهُمْ فالمراد أن ذلك متمنياتهم، ثم أنهم لشدة تمنيهم لذلك قدروه حقا في نفسه، فإن قيل: لم قال: تِلْكَ أَمََانِيُّهُمْ و قولهم: لَنْ يَدْخُلَ اَلْجَنَّةَ أمنية واحدة؟قلنا: أشير بها إلى الأماني المذكورة، و هي أمنيتهم أن لا ينزل على المؤمنين خير من ربهم، و أمنيتهم أن يردوهم كفارا، و أمنيتهم أن لا يدخل الجنة غيرهم، أي: تلك الأماني الباطلة أمانيهم، و قوله تعالى: قُلْ هََاتُوا بُرْهََانَكُمْ متصل بقوله: لَنْ يَدْخُلَ اَلْجَنَّةَ إِلاََّ مَنْ كََانَ هُوداً

 
5