/ 362
 
الجزء الخامس‏
التفسير الكبير - ج5
 

{K~{Kتتمة سورة البقرةK}~K}

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ‏

اعلم أنه تعالى لما بين التوحيد و دلائله، و ما للموحدين من الثواب و أتبعه بذكر الشرك و من يتخذ من دون اللّه أندادا، و يتبع رؤساء الكفرة أتبع ذلك بذكر إنعامه على الفريقين و إحسانه إليهم و أن معصية من عصاه و كفر من كفر به لم تؤثر في قطع إحسانه و نعمه عنهم، فقال: يََا أَيُّهَا اَلنََّاسُ كُلُوا مِمََّا فِي اَلْأَرْضِ و فيه مسائل:

المسألة الأولى: قال ابن عباس: نزلت الآية في الذين حرموا على أنفسهم السوائب و الوصائل و البحائر و هم قوم من ثقيف و بني عامر بن صعصعة و خزاعة و بني مدلج.

المسألة الثانية: الحلال المباح الذي انحلت عقدة الحظر عنه و أصله من الحل الذي هو نقيض العقد و منه: حل بالمكان إذا نزل به، لأنه حل شد الارتحال للنزول و حل الدين إذا وجب لانحلال العقدة بإنقضاء المدة، و حل من إحرامه، لأنه حل عقيدة الإحرام، و حلت عليه العقوبة، أي وجبت لانحلال العقدة بالمانعة من العذاب و الحلة الإزار و الرداء، لأنه يحل عن الطي للبس، و من هذا تحلة اليمين، لأنه عقدة اليمين تنحل به، و اعلم أن الحرام قد يكون حراما لخبثه كالميتة و الدم و الخمر، و قد يكون حراما لا لخبثه، كملك الغير إذا لم يأذن في أكله فالحلال هو الخالي عن القيدين.

المسألة الثالثة: قوله حَلاََلاً طَيِّباً إن شئت نصبته على الحال مما في الأرض و إن شئت نصبته على أنه مفعول.

المسألة الرابعة: الطيب في اللغة قد يكون بمعنى الطاهر و الحلال يوصف بأنه طيب، لأن الحرام يوصف بأنه خبيث قال تعالى: قُلْ لاََ يَسْتَوِي اَلْخَبِيثُ وَ اَلطَّيِّبُ [المائدة: 100]و الطيب في الأصل هو ما يستلذ به و يسطاب و وصف به الطاهر و الحلال على جهة التشبيه، لأن النجس تكرهه النفس فلا تستلذه و الحرام غير مستلذ، لأن الشرع يزجر عنه و في المراد بالطيب في الآية وجهان الأول: أنه المستلذ لأنا لو حملناه على الحلال لزم التكرار فعلى هذا إنما يكون طيبا إذا كان من جنس ما يشتهي لأنه إن تناول ما لا شهوة له فيه عاد حراما و إن كان يبعد أن يقع ذلك من العاقل إلا عند شبهة و الثاني: المراد منه المباح و قوله يلزم التكرار قلنا: لا نسلم فإن قوله: حَلاََلاً المراد منه ما يكون جنسه حلالا و قوله طَيِّباً المراد منه لا يكون متعلقا به حق الغير فإن أكل الحرام و إن استطابه الآكل فمن حيث يفضي إلى العقاب يصير مضرة و لا يكون مستطابا، كما قال تعالى: إِنَّ اَلَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوََالَ اَلْيَتََامى‏ََ ظُلْماً إِنَّمََا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نََاراً [النساء: 10].

 
185