/ 185
 
الجزء العاشر
التفسير الكبير - ج10
 

{K~{Kتتمة سورة النساءK}~K}

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ‏

اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآية الأولى أن المرتكبين للفاحشة إذا تابا و أصلحا زال الأذى عنهما، و أخبر على الإطلاق أيضا أنه تواب رحيم، ذكر وقت التوبة و شرطها، و رغبهم في تعجيلها لئلا يأتيهم الموت و هم مصرون فلا تنفعهم التوبة، {K~{Kفي قوله تعالى إِنَّمَا اَلتَّوْبَةُ عَلَى اَللََّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ اَلسُّوءَ بِجَهََالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ K}~K} و في الآية مسائل:

المسألة الأولى: أما حقيقة التوبة فقد ذكرناها في سورة البقرة في تفسير قوله تعالى: فَتََابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ اَلتَّوََّابُ اَلرَّحِيمُ البقرة: 54]و احتج القاضي على أنه يجب على اللََّه عقلا قبول التوبة بهذه الآية من وجهين:

الأول: ان كلمة «على» للوجوب فقوله: إِنَّمَا اَلتَّوْبَةُ عَلَى اَللََّهِ لِلَّذِينَ يدل على أنه يجب على اللََّه عقلا قبولها.

الثاني: لو حملنا قوله: إِنَّمَا اَلتَّوْبَةُ عَلَى اَللََّهِ على مجرد القبول لم يبق بينه و بين قوله: فَأُولََئِكَ يَتُوبُ اَللََّهُ عَلَيْهِمْ فرق لأن هذا أيضا إخبار عن الوقوع، أما إذا حملنا ذلك على وجوب القبول و هذا على الوقوع يظهر الفرق بين الآيتين و لا يلزم التكرار.

و اعلم أن القول بالوجوب على اللََّه باطل، و يدل عليه وجوه: الأول: أن لازمة الوجوب استحقاق الذم عند الترك، فهذه اللازمة اما أن تكون ممتنعة الثبوت في حق اللََّه تعالى، أو غير ممتنعة في حقه، و الأول باطل، لأن ترك ذلك الواجب لما كان مستلزما لهذا الذم، و هذا الذم محال الثبوت في حق اللََّه تعالى، وجب أن يكون ذلك الترك ممتنع الثبوت في حق اللََّه، و إذا كان الترك ممتنع الثبوت عقلا كان الفعل واجب الثبوت، فحينئذ يكون اللََّه تعالى موجبا بالذات لا فاعلا بالاختيار/و ذلك باطل، و أما إن كان استحقاق الذم غير ممتنع الحصول في حق اللََّه تعالى، فكل ما كان ممكنا لا يلزم من فرض وقوعه محال، فيلزم جواز أن يكون الإله مع كونه إلها يكون موصوفا باستحقاق الذم و ذلك محال لا يقوله عاقل، و لما بطل هذان القسمان ثبت أن القول بالوجوب على اللََّه تعالى باطل.

الحجة الثانية: أن قادرية العبد بالنسبة إلى فعل التوبة و تركها إما أن يكون على السوية، أو لا يكون على السوية، فإن كان على السوية لم يترجح فعل التوبة على تركها إلا لمرجح، ثم ذلك المرجح إن حدث لا عن محدث لزم نفي الصانع، و إن حدث عن العبد عاد التقسيم و إن حدث عن اللََّه فحينئذ العبد إنما أقدم على التوبة بمعونة اللََّه و تقويته، فتكون تلك التوبة إنعاما من اللََّه تعالى على عبده، و إنعام المولى على عبده لا يوجب عليه أن ينعم عليه مرة أخرى، فثبت أن صدور التوبة عن العبد لا يوجب على اللََّه القبول، و أما إن كانت قادرية العبد لا تصلح للترك و الفعل فحينئذ يكون الجبر ألزم، و إذا كان كذلك كان القول بالوجوب أظهر بطلانا و فسادا.

 
5