/ 180
 
الجزء السادس عشر
التفسير الكبير - ج16
 

{K~{Kتتمة سورة التوبةK}~K}

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ‏

اعلم أنه تعالى لما قال في الآية الأولى: أَ لاََ تُقََاتِلُونَ قَوْماً [التوبة: 13]ذكر عقيبه سبعة أشياء كل واحد منها يوجب إقدامهم على القتال. ثم إنه تعالى في هذه الآية أعاد الأمر بالقتال و ذكر في ذلك القتال خمسة أنواع من الفوائد، كل واحد منها يعظم موقعه إذا انفرد فكيف بها إذا اجتمعت؟ فأولها: قوله: يُعَذِّبْهُمُ اَللََّهُ بِأَيْدِيكُمْ و فيه مباحث:

البحث الأول: أنه تعالى سمى ذلك عذابا و هو حق فإنه تعالى يعذب الكافرين فإن شاء عجله في الدنيا و إن شاء أخره إلى الآخرة.

البحث الثاني: أن المراد من هذا التعذيب القتل تارة و الأسر أخرى و اغتنام الأموال ثالثا، فيدخل فيه كل ما ذكرناه.

فإن قالوا: أ ليس أنه تعالى قال: وَ مََا كََانَ اَللََّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ [الأنفال: 33]فكيف قال هاهنا:

يُعَذِّبْهُمُ اَللََّهُ بِأَيْدِيكُمْ .

قلنا: المراد من قوله: وَ مََا كََانَ اَللََّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَ أَنْتَ فِيهِمْ عذاب الاستئصال، و المراد من قوله:

يُعَذِّبْهُمُ اَللََّهُ بِأَيْدِيكُمْ عذاب القتل و الحرب، و الفرق بين البابين أن عذاب الاستئصال قد يتعدى إلى غير المذنب و إن كان في حقه سببا لمزيد الثواب، أما عذاب القتل فالظاهر أنه يبقى مقصورا على المذنب.

البحث الثالث: احتج أصحابنا على قولهم بأن فعل العبد مخلوق للََّه تعالى بقوله: يُعَذِّبْهُمُ اَللََّهُ بِأَيْدِيكُمْ فإن المراد من هذا التعذيب القتل و الأسر و ظاهر النص يدل على أن ذلك القتل و الأسر فعل اللََّه تعالى، إلا أنه تعالى يدخله في الوجود على أيدي العباد، و هو صريح قولنا و مذهبنا أجاب الجبائي عنه فقال: لو جاز أن يقال إنه تعالى يعذب الكفار بأيدي المؤمنين لجاز أن يقال: إنه/يعذب المؤمنين بأيدي الكافرين، و لجاز أن يقال إنه يكذب أنبياءه على ألسنة الكفار و يلعن المؤمنين على ألسنتهم، لأنه تعالى خالق لذلك، فلما لم يجز ذلك عند المجبرة، علم أنه تعالى لم يخلق أعمال العباد و إنما نسب ما ذكرناه إلى نفسه على سبيل التوسع من حيث إنه حصل بأمره و ألطافه، كما يضيف جميع الطاعات إليه بهذا التفسير، و أجاب أصحابنا عنه فقالوا: أما الذي ألزمتموه علينا فالأمر كذلك إلا أنا لا نقوله باللسان، كما أنا نعلم أنه تعالى هو الخالق لجميع الأجسام ثم إنا لا نقول يا خالق الأبوال و العذرات، و يا مكون الخنافس و الديدان، فكذا هاهنا و أيضا أنا توافقنا على أن الزنا

 
5